— Bagian 2 · وَبِئْسَ الْمِهادُ» «١» ، وكقوله: —
Bagian 2
وَبِئْسَ الْمِهادُ» «١» ، وكقوله: «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «٢» » . وكقوله ﷿ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ» «٣» . فهذا باب.
وباب آخر [استرواح المشركين لأدنى غم يصيب الرسول] وهو أن قريشا والعرب لما أعيتهم الحيل في أمر رسول الله ﷺ، كانوا يستروحون الى أدنى غمّ يناله ﷺ، فمات ابنه ابراهيم وهو أكبر ولده وبه كان يكنى، ومات ابنه عبد الله، فسرت قريش بذلك، وقال بعضهم لبعض: ابشروا فقد انبتر محمد، فأنزل الله ﷿: «إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ» «٤» . فانبترت ديانات قريش والعرب كلها وبطلت عن آخرها، ولم يبق على ذلك الدين عين تطرف، وتم أمره ﷺ وسطع نوره وعلا وقهر.
وفي هذا غيوب كثيرة أخبر بها قبل ان تكون؛ ثم وردت على وجه يغيظ ويغضب ويبعث على الوثوب به وعلى قتله وعلى إطفاء نوره، وقد حرضوا على ذلك فما تمّ. وهذا قول لا يورده العاقل على الوجه الذي أورده رسول الله ﷺ إلا وهو على غاية الثقة بالله والسكون الى ما يوحيه اليه ﷿، ورسول الله ﷺ ممن لا يدفع عدوّه عقله، وكانت قريش تقول فيه لمامات بنوه: محمد صنبور «١» ، أي منقطع الأصل منبتر الذكر. وقيل لأعرابي: كيف نخلك؟ / فقال: صنبر أسفله وعشش أعلاه، أي ضعف أصله وعشش أعلاه فبطل كله وزال الانتفاع به. والكوثر هو على وزن فوعل، كنوفل وحوقل، وهو الكثير من الجميّز خاصة. فيريد ﷿: إنا أعطيناك الكثير من التأييد والنصرة والحجة والعزّ والثواب والأجر، وفيه دلالة على بطلان قول من قال: إن أبا بكر وعمر وعثمان وتلك الجماعات من المهاجرين والأنصار كانوا أعداء رسول الله ﷺ وشانئيه، وأنهم قصدوا تغيير القرآن، وتبديل دين رسول الله ﷺ، وإماتة نصوصه، ودفع وصيته وخليفته، ففعلوا ذلك وقهروا وغلبوا وكانت الغلبة لهم، وخليفة رسول الله هو المغلوب المقهور، وهم الغالبون القاهرون، وان خليفة رسول الله ﷺ ووصيّه ما تمكن الى ان خرج من الدنيا. قلنا: فلو كان الأمر كما قلتم لكان هذا قد كذب وكان يكون: إن
شانئك هو الأقهر والأغلب والأظهر، وأنت الأبتر، فلو أنصفوا وتدبروا القرآن لما قالوا في المهاجرين والأنصار هذا القول.
تم لكان هذا قد كذب وكان يكون: إن
شانئك هو الأقهر والأغلب والأظهر، وأنت الأبتر، فلو أنصفوا وتدبروا القرآن لما قالوا في المهاجرين والأنصار هذا القول.
وباب آخر [عرض المشركين على الرسول ان يعبد آلهتهم ويعبدوا إلهه] وهو ان قريشا لما حرضوا على قتل رسول الله ﷺ وإبادته وإطفاء نوره، وعلى التنفير منه والصدّ عنه والله تعالى يصرفهم بألطافه عنه مشوا اليه، وهم: الوليد بن المغيرة، وعقبة بن ابي معيط، والنضر بن الحارث بن كلدة، وأمية بن خلف، وعتبة بن خلف، والجماعة من قريش، قالوا: يا محمد، انك قد سفهت أحلامنا، وكفّرت أسلافنا، وعبت آلهتنا وأدياننا/، وشتّتّ كلمتنا، وقطّعت أرحامنا، فهلمّ الى أمر يكون بيننا وبينك، فتعبد أنت آلهتنا التي نعبدها ونعبد إلهك، وتعبد آلهتنا التي كنا عبدناها ونعبد إلهك، ثم تعبد ما عبدنا ونعبد ما عبدت؛ فإن كان معنا خير كنت قد أصبت منه، وان كان معك خير كنا قد أصبنا منه، وتكون كلمتنا سواء، وتسالمنا ونسالمك، وتكون لنا ونكون لك؛ فأنزل الله تعالى: «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ. لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ. وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ، وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ، وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ» فأخبر انه لا يصير ولا يجيب الى ما قالوا، ولا يقبلهم بهذا الشرط، ولا يكونون على هذا الوجه عابدين لله على الوجه الذي عبده، فكان كما قال. وفي هذا غيوب كثيرة مفصلة جاءت كما أخبر، وهذا لا يكون إلا من علّام الغيوب، ولو لم يكن من آياته إلا هذا لكفى وأغنى. فهذا
لوجه الذي عبده، فكان كما قال. وفي هذا غيوب كثيرة مفصلة جاءت كما أخبر، وهذا لا يكون إلا من علّام الغيوب، ولو لم يكن من آياته إلا هذا لكفى وأغنى. فهذا
يدلّك على خضوع قريش واليهود والنصارى وجميع اعداء رسول الله ﷺ وانقطاعهم في يده، وانه لا مطعن في آياته. ولهذا المعنى قال الله: «فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ، وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ» «١» ، أي لو قاربتهم وأجبتهم الى ما دعوك لأجابوك، ولو داهنتهم لداهنوك. فتأمل قوله: «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ» كيف يجبههم بالإكفار والتجهيل والتضليل، وهم أشد عالم الله أنفة ونخوة وجبرية، ودفاعا عن انفسهم، ومواثبة لعدوهم، وهو بمكة معهم وفي ايديهم وفي قبضتهم، والعزّة والغلبة والكثرة لهم لا له، فهيجهم على نفسه بهذا القول، وبعثهم على مكروهه، فنجاه الله منهم. وهذا قول/ لا يقوله عاقل وحاله ما وصفنا إلا وهو على غاية الثقة بالله، بدفعه عنه، ورسول الله ﷺ ممن لا يدفع عدوّه عقله، فمن أي شيء تعجب رحمك الله؟ أمن إقدامه، أم من مصير الأمر الى قوله وحكمه. فاعرف هذه القصة واحفظها فانها عظيمة جليلة، ولهذا قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ» فكأنما قرأ ثلث القرآن» . وكان يقال في صدر الاسلام ل (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) المقشقشتان «٢» ، اي هما براء من الشرك، يقال للجرح اذا برأ واندمل: تشقشش الجرح.
لاسلام ل (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) المقشقشتان «٢» ، اي هما براء من الشرك، يقال للجرح اذا برأ واندمل: تشقشش الجرح.
وقوم من الكتاب وعمال السلطان يعرفون ببني ابي البغل «١» ، يدعون انهم من المسلمين ومن الشيعة وهم يميلون ميل القرامطة، ويلزمون صنعة النجوم، وبقاياهم بالبصرة في سكة قريش، ومنهم ابو محمد بن ابي البغل، وهذا خلقه وصنعته، وهو حيّ الى هذه الغاية وهي سنة خمس وثمانين وثلثمائة، يقولون في «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ» : هي من البوارد ومن الأشياء التي لا معنى لها، ويتحدثون بذلك في دواوينهم ومحافلهم، ويضربون في ذلك الأمثال؛ وهذا لجهلهم بالأسباب، ولو كان لهم تحصيل وتدبير وقصدوا الانصاف وطلبوا العلم من موارده لعلموا ان هذا من معجزاته، ولكن العجب قد شغلهم، وهم يعدون انفسهم من الخاصة وهم أسقط من سقاط الغوغاء، ولولا ان هذا شيء قد شاع في الكتاب وأشباههم في جميع البلاد لما ذكرته لك، ولكنه شيء قد دار وصار اهل الذمة مع القرامطة يلقون/ به العامة والضعفاء من المسلمين، وليس للاسلام قيّم ولا ناصر بل كل السيوف عليه، فالله المستعان. وأخرى تبين لك جهل هؤلاء ونقضهم ونقض كل طاعن في القرآن، ان الذي جاء بهذا القرآن ادّعى انه كلام الله وقوله، وان الجن والإنس لا يأتون بمثله ولا بمثل سورة منه ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وانه حجة الله على خلقه الى يوم القيامة؛ وقد سمعه الناس كلهم منه، وقد
طالبهم ان يأتوا بمثل سورة منه فلم يأتوا مع شدة الحاجة الى ذلك، وقد بذلوا ما هو أعزّ وأعظم في دفعه وإبطال أمره من الأموال والأنفس والأولاد. واذا كان هذا شأنه من السخف والركاكة، وفيه الكذب والتناقض على ما يدّعي هؤلاء، أعداء الاسلام، فكيف يحتج عاقل بما هذا سبيله؟ وكيف لم يقل أعداؤه له: تتحدّانا بشيء ركيك بارد غثّ متناقض؟ وكيف لم يقل أعداؤه له ذلك؟ وكيف يتبع ويطاع من هذا سبيله؟ وكيف لم يقل أعداؤه لأتباعه: يا ويحكم فارقتم دينكم، وأنفقتم أموالكم، وسفكتم دماءكم، وعاديتم الأمم، واتبعتم رجلا حجته هذا القرآن وفيها الكذب والتناقض؟ ومثل هذا لا يطاع ولا يتبع، بل يكون في سقوط المنزلة بمحل من يركب قصبة ويركض في الاسواق ويقول: انا الملك، وانا الأمير، ويشتم الملوك والأمم والرؤساء، ويتعادى خلفه الصبيان؛ ومثل هذا لا يعاديه أحد ولا يضربه ولا يسبه فضلا ان يقتله/، لأنه لا يضرّ احدا ولا يغضب عاقل من فعله وقوله وإن شتمه وتواعده. فلم غضب أولئك العقلاء من قريش والعقلاء من العرب والدهاة من اليهود والنصارى وطبقات الأمم والملوك منه ومن أفعاله، وبذلوا أموالهم وأولادهم ودماءهم في عداوته وفي الصدّ عنه والمنع من اتّباعه، ورحلوا الى الملوك يشكونه ويضجّون منه، ويبعثونهم على قتله، ويخوفونهم سطواته وغلبته على ممالكهم؟ فقد رحلت قريش الى النجاشي ملك الحبشة في هذا، ورحلت نصارى العرب الى قيصر ملك الروم في هذا، وقد صار النضر بن الحارث بن كلدة الى الفرس في هذا، وكان من كسرى أبرويز في هذا ما هو مذكور ولعله ان يرد عليك، وهذا مع «١» انه جواب لكل عدو لرسول الله ﷺ، فهو كاف.
ضر بن الحارث بن كلدة الى الفرس في هذا، وكان من كسرى أبرويز في هذا ما هو مذكور ولعله ان يرد عليك، وهذا مع «١» انه جواب لكل عدو لرسول الله ﷺ، فهو كاف.
وباب آخر [وعد الرسول اصحابه في حال ضعفهم ان الله سينصرهم] وهو ما وعد أصحابه من المهاجرين والأنصار والمكيين في حال ضعفهم ان الله سينصرهم ويمكنهم ويقوّيهم ويظهرهم، فيقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وتكون العقبى لهم؛ وتلا بذلك القرآن وخلّده وأسمعه عدوّه ووليّه، فقال ﷿: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ. وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ ... «١» » الى قوله: وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ» ؛ فتمكن أصحابه وخلفاؤه، فأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وكانت العقبى لهم/» . وفي هذا غيوب كثيرة أخبر بها قبل ان تكون فكانت كما فصّل وكما أخبر وفسر، لتعلم ان هذا قول الله وكلامه، وان محمدا رسوله. وهذا في سورة الحج وهي مكية، ولو كانت مدنية لكان فيها من الدلائل مثل ذلك، ولكنها اذا كانت مكية كانت آكد في الحجة لأن ضعفهم إذ ذاك أشد، «الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ» «٢» ، ولقولهم: «رَبُّنَا اللَّهُ» ، ولكفرهم بديانات قريش والعرب هم المهاجرون
ضعفهم إذ ذاك أشد، «الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ» «٢» ، ولقولهم: «رَبُّنَا اللَّهُ» ، ولكفرهم بديانات قريش والعرب هم المهاجرون
خاصة. وفي هذه الآية دلالة على صحة إمامة أبي بكر وعثمان وعليّ ﵃، وشهادة بأنهم أئمة هدى، وأن طاعتهم طاعة الله، لأنهم من المهاجرين والمكيين والتابعين ومن الذين أخرجوا من ديارهم بغير حقّ لقولهم: «رَبُّنَا اللَّهُ» ، وهم الذين تمكنوا وتولوا الأمر ودعوا الى الله وفعلوا ما قال الله، كما هو مذكور في الآية. ولو كانوا منافقين أو مشركين أو مرتدين كما تدعى ذلك عليهم طوائف الرافضة لكان هذا الخبر قد أخلف وكذب، ولكان الذي أتى به وتلاه ليس بنبي بل كذاب، لأن هؤلاء الذين تملكوا وتمكنوا وكان الأمر والسلطان والقهر والغلبة لهم؛ فزعمت الرافضة انهم بدّلوا القرآن وأحرقوه، وغيروا النصوص، وعطلوا الدين، وغيروا الطهارة والأذان والمواقيت والصلاة والصيام والمناكح والطلاق، وأماتوا السنن، وأحيوا البدع؛ وكان خليفة رسول الله ﷺ ووصيه «١» مغلوبا مقهورا يظهر ما يظهرون من الشرك، ويجوّز أحكامهم عليهم، فأين صدق هذه الآيات. وقد كان ينبغي أن يكون/ على ما يدعيه الرافضة أن تكون التلاوة: «والذين إن مكناهم في الأرض عطّلوا الصلاة والزكاة وأماتوا النصوص وقهروا الوصي المنصوص عليه، وأمروا بالمنكر ونهوا عن المعروف» فتعلم أن هؤلاء قد ذهبوا عن القرآن وفارقوا الدين، وتعلم ان هؤلاء السلف على الحق، وان الله تولى نصرهم كما وعدهم، والله لا ينصر إلا أولياءه وأحباءه وأهل طاعته. وقد كان المهاجرون يحتجون بهذا. قال صعصعة بن صوحان «٢» - وقد كان رحل الى عثمان في شأن قوم كانوا
قد أساؤا فسيّرهم وحالهم معروفة-: ما رأيت أسرع جوابا من امير المؤمنين عثمان، قلنا له: أخرجنا من ديارنا أن قلنا ربنا الله، فقال: كذبت ليست لك ولأصحابك ولكنها نزلت فينا معشر المهاجرين، أخرجنا من ديارنا ان قلنا ربنا الله، فمنا من مات بأرض الحبشة، ومنا من مات بالمدينة، فنصرنا الله ومكننا، وأقمنا الصلاة وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، وكانت العقبى لنا. وهذا لا يذهب على متأمل وإنما ذهب على اهل الغافلة.
باب آخر [اسراء الرسول من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى] وهو انه ﷺ أسري به في ليلة واحدة من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى ثم عاد من ليلته الى مكة، ومدة السفر في ذلك مقدار شهرين اي ذهابا وإيابا، وهذا لا يفعله الله إلا للأنبياء في زمن الأنبياء. ولما عاد رسول الله ﷺ تحدث بذلك في أهله، فقالت له ام هانىء بنت ابي طالب: لا تتحدث بهذا، فو الله لا صدّقك الناس، وليكفرنّ بك من/ آمن بك، وليكذبنّك من صدّقك. فقال ﷺ: ان ربي أمرني ان أخبر الناس بذلك وان ابا بكر يصدقني ويشهد لي. فخرج وأخبر قريشا بذلك فسرّهم هذا، وقالوا: الآن يظهر كذبه وينقطع الناس عنه، قوموا بنا الى صاحبه ابن ابي قحافة لنخبره بما قال صاحبه. وكان ابو بكر
لي. فخرج وأخبر قريشا بذلك فسرّهم هذا، وقالوا: الآن يظهر كذبه وينقطع الناس عنه، قوموا بنا الى صاحبه ابن ابي قحافة لنخبره بما قال صاحبه. وكان ابو بكر
ثقيل الوطأة على قريش وأعداء رسول الله، فانه كان يدعو الى نبوته، ويخطب باياته، وكان وجيها في الناس، عالما بقريش، باين الفضل فيهم، فكانوا يقصدونه بالمكاره لهذه الخصال التي كانت تضرهم. وقد استدعى خيارهم ووجوههم الى الاسلام، وأنفق ماله في نوائب الاسلام ونصرته، وكانوا يطلبون شيئا يصدّه عن رسول الله ﷺ ويمنعه من اتباعه. فأتوه وقالوا له: يا ابا بكر، ما زال صاحبك حتى أتى بكذبة خرج بها من أقطارها. قال ابو بكر: حاشاه، وما هو؟ قالوا: زعم انه أسري به في ليلة الى بيت المقدس. فقال ابو بكر: إن كان قال ذلك فقد صدق. قالوا: يا ابا بكر، أتصدقه في هذا والعير تطرد في ذهابها شهرا وفي رجوعها شهرا، أيبلغه في ليلة واحدة؟ قال ابو بكر: انه ليخبرني ان الخبر يأتيه من السماء الى الارض في ساعة واحدة فأصدقه، وبعد السماء عن الارض اكثر من بعد بيت المقدس من مكة؛ قوموا بنا اليه نسأله عن ذلك. فأتوه، فقال له ابو بكر: ما شيء بلغني عنك يا رسول الله انك أتيت بيت المقدس في ليلتك؟ فقال: نعم يا ابا بكر، صلّيت بكم في هذا الوادي، فأتاني آت، فأيقظني وأخرجني وجاء بدابته فقال: اركب فأرفصت «١» ، فقال لها جبريل: اسكني، فما حملت خيرا منه. فسارت بي، واذا حوافرها تقع مدى/ بصرها، وكنت اذا أتيت صعودا قصرت قوائمها، واذا أتيت حدورا طالت قوائمها، فأتيت بيت المقدس؛ وذكر صلاته ودخوله اليه ورجوعه. فقال له ابو بكر: يا رسول الله، هل تستطيع ان تصف لنا بيت المقدس؟ فقال: نعم. فوصف مدخله والمسجد
ئمها، فأتيت بيت المقدس؛ وذكر صلاته ودخوله اليه ورجوعه. فقال له ابو بكر: يا رسول الله، هل تستطيع ان تصف لنا بيت المقدس؟ فقال: نعم. فوصف مدخله والمسجد
وسقوفه وما فيه شيئا شيئا، وكان إذ ذاك في أيدي الروم، وكان ملك الشام لهم وبعضه في أيدي اليهود، فقال ابو بكر: أتسمعون؟ وكان فعل ابو بكر ذلك ليعرف الناس صدق رسول الله ﷺ فيما ادّعى. فقالت قريش: فان لنا عيرا بالشام عرفت خبرها؟ فقال: نعم، مررت بهم في ذهابي، وهم في موضع كذا، وقد ندّ لهم بعير من حسّ دابتي فدللتهم عليه، ورجعت عليهم وهم نيام وقدح فيه ماء وقد خمروه، فنزلت وكشفته وشربت وخمرته. ثم قال: وآية اخرى أنهم يردون عليكم يوم كذا وقت طلوع الشمس، وتقدم عيرهم من ثنية كذا، يقدمها جمل أورق عليه غرارتان، إحداهما برقاء والآخرى سوداء. فأرصدت قريش لذلك اليوم، فقال قائلهم: هذه الشمس قد طلعت، وقال آخر: وهذه العير قد أقبلت وأمامها الجمل الأورق وعليه الغرارتان كما وصف. وسألوهم عن البعير الذي ندّ وعن القدح الذي كان فيه الماء فأخبروهم بذلك كما وصف، وأنهم وجدوا القدح فارغا بعد ان كان فيه ماء. فتأمل ما في هذا من الآيات والمعجزات والعلامات الواضحات البينات التي لو لم تكن إلا هذه لكفت وأغنت في الدلالة على نبوته. فمنها مصيره ورجوعه في ليلة واحدة، ومنها إخباره بالوقت التي ترد فيه عير قريش على أي سبيل ترد/، فكم في هذا من الغيوب. فإن قيل: ومن سلّم لكم أن هذا قد كان على ما وصفتم لنا، وكيف علمتم هذا، وما طريق العلم به؟
تي ترد فيه عير قريش على أي سبيل ترد/، فكم في هذا من الغيوب. فإن قيل: ومن سلّم لكم أن هذا قد كان على ما وصفتم لنا، وكيف علمتم هذا، وما طريق العلم به؟
قيل له: قبل كل شيء قد علمنا انه ﷺ قد احتج بالإسراء وجعله قرآنا يتلى «١» ، وقد سمع هذا جميع اعدائه من قريش واليهود والنصارى وهم معه وجيرانه وأشد الناس عليه وأحرصهم على عثرة تكون له او عيب يكون فيه، وهنالك اصحابه ومن قد اعتقد صدقه ونبوته ولم يتبعه إلا لأنه نبي صادق وعاقل لا يحتج على عدوه ووليه بما لا يقوم برهانه، ثم لا يرضى أو يأتي في ذلك بقرآن يتلى ويضيفه الى ربه ويستطيل بذلك على عدوه ووليه، وليس معه في ذلك إلا الدعوى الخالية من كل الحجج؟ هذا لا يفعله عاقل، وعقل رسول الله ﷺ عند عدوه فضلا عن وليّه فوق العقول. وأخرى أن من فعل هذا على ما يدعيه الخصم لا يتبعه احد ولا يصدقه احد بل يرجع عنه من قد اتبعه، إذ ليس معه إلا الدعوى على ما يدعيه الخصم، وكل احد يمكنه ان يدّعي انه قد أسري به في ليلة واحدة من البصرة الى بيت المقدس او من العراق الى بلاد الهند وما تبينت بما هذه سبيله، فتعلم ان الحجة بذلك قد قامت واتضحت. وأخرى ما جرى بين قريش وبين رسول الله ﷺ، وبين قريش وأبي بكر الصديق، وما كان في ذلك من طول المراجعة، ومن عني بذلك يعلم ان الأمر كما حكينا ووصفنا علما يقينا لا يرتاب به، كما يعلم فرار المهاجرين الى ارض الحبشة، وإخراج قريش عمرو بن العاص وعمارة ابن الوليد بن المغيرة في طلبهم، وما كان لهم معهما مع النجاشي من
المخاطبات/ والمراجعات، الى ان صارت العقبى للمسلمين. وكما يعلم خروج رسول الله ﷺ الى المواسم وعرضه نفسه على القبائل، وما كان له معهم من المحاورات والمراجعات والمخاطبات. وكما يعلم خروجه الى الطائف وعرضه نفسه، وما كان له معهم من المراجعات والمخاطبات. وكما كان له مع قريش بمكة في حفل بعد حفل ومرة بعد مرة، وفي مشيهم الى ابي طالب ليكفه عن مخالفتهم وتجهيلهم وذكر آلهتهم، وما تعاهدوا عليه من عداوته وعداوات اصحابه، ومن التجريد في قصدهم بالمكاره، وما كتبوه في ذلك. وفي ترك مبايعتهم ومناكحتهم ومعاملتهم، وما أشبه ذلك من الخطوب التي كانت منهم. فمن رسخ فيما هذا سبيله، عرف قصة الاسراء وما كان لرسول الله ﷺ في ذلك مما تقدم ذكره، ومن لم يكن هذه سبيله لم يعلم، ولكل احد سبيل الى ان يعلم ذلك. فتأمل رحمك الله ما في ذلك، وقول أم هانىء، واحتجاج قريش في ان المسير في ذلك يكون في شهرين فكيف تم في ليلة واحدة، ومطالبتهم بالحجة في ذلك، ثم مسألتهم عن عيرهم التي بالشام، ثم مصيرهم الى المكان في الوقت الذي ذكر رسول الله ﷺ أن العير ترد فيه وتفقدهم صورتها وما تقدمها، ثم مسألتهم اهل العير عن القدح لتعرف عقول قريش وشدة فطنتها وعنايتها بأمر النبي والتفقد لأحواله. وانظر كيف قد سألوا عن ذلك مما يمكن العاقل ان يسأل عنه ويتكلم فيه. وانظر الى فطنة ام هانىء بنت ابي طالب وخوفها مما يخاف مثله، وأن هذا الأمر إن لم يقم على الدعوى به حجة لم يصدقه احد، بل
العاقل ان يسأل عنه ويتكلم فيه. وانظر الى فطنة ام هانىء بنت ابي طالب وخوفها مما يخاف مثله، وأن هذا الأمر إن لم يقم على الدعوى به حجة لم يصدقه احد، بل
يكذبه/ من صدّق به ويكفره من آمن به، لتعلم كذب الحداد، وأبي عيسى الوراق «١» ، والحصريّ، وابن الراوندي «٢» ، وهؤلاء علماء الإمامية ورؤساؤهم، وعليهم يعولون، والى كتبهم يرجعون. ولكل هؤلاء كتب يطعنون فيها على الانبياء، ويدّعون على قريش والعرب الجهل والبلادة والغباء وان رسول الله ﷺ خدعهم وسخر منهم. وهذه الكتب منقوضة قد نقضها غير واحد من المعتزلة، والمطاعن على الانبياء، كلهم انما هي من جهة هؤلاء الشيع، والإمامية تواليهم وترجع الى اقوالهم، فاعرف هذا فإنه من العجائب وبك الى معرفته أشد الحاجة. فمن كتب الحداد في هذا الشأن كتابه «الجاروف» وكتابه «الاركان» ، وكتاب الحصري «في تسوية اصحاب الكلام بالعوام» ، وكتاب «الزمردة» وكتاب «غريب المشرقي» وكتاب ابي عيسى الوراق، وكتاب حنين «البهائم» ، وكتاب «التاج» في القدم لابن الراوندي، و «الزمردة» و «الفريد» و «التصفح» وكتاب «نعت الحكمة» في الطعن في حكمة الله، وكتاب «الدامغ» يطعن فيه في القرآن وغير ذلك من كتبهم.
وفضيحتهم في هذه الكتب واضحة، وليس لرسول الله ﷺ اعداء مثلهم، والشيع تتوالاهم لأنهم عملوا كتبا لهم في الطعن في المهاجرين والأنصار. فمن هذا العجب، ان قوما يدّعون انهم من المسلمين يوالون هؤلاء ويرجعون الى كتبهم، فتبين رحمك الله الحال في ذلك، لتعلم انه لا يطعن على المهاجرين والأنصار إلا من يطعن على الأنبياء صلوات الله عليهم، وإنما تستّر هؤلاء الملحدة والزنادقة بالتشيع والإمامة ليستوي لهم الطعن على الانبياء وتشكيك المسلمين في الدين فاعلم ذلك/.
ى الأنبياء صلوات الله عليهم، وإنما تستّر هؤلاء الملحدة والزنادقة بالتشيع والإمامة ليستوي لهم الطعن على الانبياء وتشكيك المسلمين في الدين فاعلم ذلك/.
وباب آخر [ما نزل بمكة في رجال بأعيانهم انهم يصرون على شركهم الى ان يموتوا] وهو ما نزل بمكة في رجال بأعيانهم انهم يصرون على شركهم الى ان يموتوا، وان الله سيذيقهم من عاجل الخزي في الدنيا، وقد صنع مثل صنيعهم قوم علم الله انهم يدخلون في الاسلام فلم يأت من عند الله فيهم ما أتى في اولئك. فمن ذلك ما نزل في أبي جهل: «فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى. أَوْلى لَكَ فَأَوْلى» «١» . فقال أبو جهل: لم يهددني رب محمد وأنا أعز اهل البطحاء وأكرمهم؟ فأنزل الله في استهزائه بالزقوم وقوله: انه التمر بالزبد فقال: «إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ. خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ
الْجَحِيمِ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ. ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ» «١» أي بزعمك. نزل هذا كله فيه وهو يومئذ حيّ سليم، فأذاقه الله حرّ الحديد ببدر، ومات على الكفر كما قال وكما أخبر. ونزل في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة من قريش: «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ «٢» . الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ. يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ. كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ» فمات على كفره. ومنهم النضر بن الحارث بن كلدة أخو بني عبد الدار، وكان شديد الرد على الله وعلى رسوله، شديد العداوة والإرصاد. وقد كان رحل في عداوة رسول الله ﷺ الى فارس، وطلب ما يكيد به الاسلام والمسلمين، فوجد احاديث رستم وأسفنديار والفرس «٣» ، فاشتراها وقدم بها مكة فجعل يتحدث بها. وكان رسول الله ﷺ اذا قام من مقعده خلفه فيه النضر/ وحدثهم بتلك الأحاديث وقال: حديث محمد عن عاد وثمود والأمم من هذا، بل هذا احسن. فأنزل الله فيه: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها
هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ. وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ» «١» ، ونزل فيه غيرها ايضا. وقيل: يوم بدر أصابته جراحة ذهبت بقحف رأسه، وحصل مع المسلمين في جملة المأسورين وقال: لا أذوق لهم طعاما ولا شرابا ما دمت في ايديهم، فمات من الضربة وصار الى النار بعد ان أذاقه الله العذاب المهين في الدنيا كما قال وكما اخبر. ومنهم الوليد بن المغيرة المخزومي، وكان من الأشداء على المسلمين، فقال لقريش حين حضر الموسم: ان الناس قادمون عليكم وسائلوكم عن صاحبكم، يعني رسول الله ﷺ، فماذا تقولون؟ قالوا: نقول مجنون، قال: يكلمونه فلا يجدونه مجنونا، قالوا: نقول شاعر، قال: فهم اصحاب الشعر يقولونه ويروون بسيطه وهزجه فلا يجدونه شاعرا. قالوا: فنقول كاهن، قال: فقد رأوا الكهنة وتكلّفهم وكذبهم. قالوا: فما نقول يا ابا عبد شمس؟ ففكر وقدّر ونظر وعبس وبسر «٢» كما وصفه الله تعالى في سورة المدّثر، ثم قال: «إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ» . وكان له عدة بنين، وكان ذا مال واسع، فكان بنوه يحضرون ويشهدون عقلاء، فأنزل الله فيه: «ذرني ومن/ خلقت وحيدا. وجعلت له مالا ممدودا. وبنين شهودا. ومهّدت له تمهيدا. ثم يطمع أن أزيد. كلا انه كان لآياتنا عنيدا» . الى قوله: «سَأُصْلِيهِ سَقَرَ» «٣» فلم يزده الله مالا ولا ولدا بعد هذا كما أخبر، ثم مات كافرا كما قال الله. وقد كان عند نزول ذلك حيا سليما.
فانظر كم في ذلك من الآيات من الإخبار بالغيوب، ومن عجزهم عن القرآن ان يأتوا بمثله في الفصاحة والبلاغة والجزالة، فلم يتأتّ لهم ذلك مع حاجتهم اليه واجتهادهم فيه. وفصاحة القرآن وجزالته وبلاغته دلالة اخرى غير دلالة الإخبار بالغيوب.
له في الفصاحة والبلاغة والجزالة، فلم يتأتّ لهم ذلك مع حاجتهم اليه واجتهادهم فيه. وفصاحة القرآن وجزالته وبلاغته دلالة اخرى غير دلالة الإخبار بالغيوب.
باب آخر [ما كان بمكة من انشقاق القمر] وهو ما كان بمكة من انشقاق القمر؛ فان رسول الله ﷺ مرّ بمكة في ليلة قمراء ومعه نفر من اصحابه، فاجتاز بنفر من المشركين، فقالوا له: يا محمد، إن كنت رسول الله كما تزعم فاسأل ربك ان يشقّ هذا القمر، فسأل الله ذلك فشقّه، فقال المشركون: ساحروا بصاحبكم من شئتم فقد سرى سحره من الارض الى السماء. فنزلت القصة في ذلك «١» . وهذا من الآيات العظام والبراهين الكرام على صدقه ونبوته ﷺ. فإن قيل: ومن أين لكم ان القمر قد انشقّ له كما ادّعيتم؟ أتعلمون ذلك ضرورة ام بدلالة؟ أو ليس النظام «٢» قد شك في هذا وقال: لو كان قد انشقّ لعلم بذلك اهل الغرب والشرق لمشاهدتهم له؟ وهذا شيء سيكون عند قيام الساعة ومن أشراط/ القيامة، فبأي شيء تردّون
قوله وتبيّنون غلطه إن كان قد غلط؟ قيل له: ما نعلم ذلك ضرورة ولكن نعلمه بدلالة، فمن استدلّ عرف، ومن لم يستدلّ لم يعرف، ومن قصر عن الاستدلال والنظر غلط كما غلط ابراهيم النظّام. فوجه الدلالة على ذلك ان رسول الله ﷺ قد احتج بذلك على المسلمين والمشركين وتلا هذا القول عليهم من سورة القمر: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ» . ولم يكن ليقدم ويحتج على العدو والوليّ بما لا حاجة فيه، ويشير الى أمر ظاهر يشار اليه ويشاهده الناس، فلو أراد ان يكذّب ويردّ قوله ما زاد على هذا؛ هذا لا يقع من عاقل ولا يختاره محصل كائنا من كان، فكيف يقع ممن يدّعي النبوة والصدق وهو أشد حرصا بالناس كلهم على تصديقه واتباعه؟ فلو أراد ان يكذبوه ويردوا قوله ما زاد على هذا، وهذا لا يذهب على متأمل. فإن قيل: فما تنكرون على من قال انه ﷺ، ما احتج بهذا على نبوته؟ قيل له: لا فرق [بين] «١» من ادّعى ذلك او ادّعى في جميع ما أتى به من القرآن وغيره انه ما احتج بشيء من ذلك على صدقه ونبوته.
ﷺ، ما احتج بهذا على نبوته؟ قيل له: لا فرق [بين] «١» من ادّعى ذلك او ادّعى في جميع ما أتى به من القرآن وغيره انه ما احتج بشيء من ذلك على صدقه ونبوته. ومما يزيدك علما بذلك ويبين لك غلط النظّام وجهل كل من ذبّ عن ذلك قوله ﵎: «اقتربت الساعة وانشق القمر. وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر» فانظر كيف قال: اقتربت الساعة، وأخبر عن امر قد كان ومضى، ثم قال على نسق الكلام:
«وانشق القمر» ، فجاء بأمر قد كان وانقضى ومضى فنسق على الماضي بالماضي، ولو كان على ما ظنّ النظّام لقال: اقتربت الساعة وانشقاق القمر، او كان/ يقول وسينشق القمر، فلما لم يقل ذلك وقال: وانشقّ القمر، علمت انه اخبر عن شيئين واقعين قد وقعا وكانا وحصلا. ثم قال على نسق الكلام: «وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر» فأخبر انها آية مرئية وحجة ثابتة. ثم قال على نسق الكلام: «ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر. حكمة بالغة فما تغني النّذر» ، وهذا لا يقال فيما لم يقع ولم يكن. فتأمل هذا التقريع والتعنيف لتعلم انه امر قد كان، ولا يسوغ ان يقال في امر لم يكن، ولم يقع هذا القول. وأيضا فإن ما يقع في القيامة وعند قيام الساعة لا يكون حجة على المكلفين، ولا يعنّفون في ترك النظر والتأمل له، فإن التكليف حينئذ زائل مرتفع. فأما قول النظّام: فلم لا يشاهد هذه الآية كل الناس، فليس هذا بلازم، لأن الناس لم يكونوا من هذا على ميعاد وإنما هو شيء حدث ليلا وما كان عندهم خبر بأنه سيحدث وسيكون في وقت كذا فينظرونه، واذا كان كذلك فقد بطل ما ظنه. يزيدك بيانا ان القمر قد ينكسف كله فلا يرى ذلك من الناس إلا الواحد بعد الواحد والنفر اليسير لنومهم» ، فكيف بانشقاق القمر الذي انشق ثم التأم من ساعته بعد ان رآه اولئك القوم الذين طلبوه.
وأيضا فقد يجوز ان يحجبه الله ﷿ لمصالح العباد إلا عن أولئك القوم، لأنه قد يجوز ان يكون في بعض البلاد من المكذبين والمحتالين في تلك الساعة من لو رأى ذلك لقال: انما انشق شهادة لي على صدقي، ولا يكون ما ذكره النظّام قد جاء في ذلك من هذا الوجه ايضا، وبطل ما توهمه. ومدار/ الأمر ان يكون هذا أمرا قد كان، وقد ذكرنا الدلالة على كونه فلا عذر لمن شك فيه. ومن الدلالة ايضا ان ذلك قد كان، ان الصحابة بعد رسول الله ﷺ قد تذاكروه فما فيهم من شك ولا ارتاب ولا توقف، بل وقع إجماع منهم على كونه ووقوعه، فلا معتبر بمن جاء بعدهم ممن خالفهم. وقد ذكر انشقاق القمر علي بن ابي طالب، وعبد الله بن مسعود، وجبير بن مطعم، وابن عمر، وابن عباس، وأنس بن مالك، وخطب الناس مدينة بن مالك بالمدائن وذكر فيه انشقاق القمر. وكانوا يقولون: خمس قد مضين: الروم والقمر والدخان والبطشة واللزام «١» ، يتذاكرون هذا بينهم رحمة الله عليهم. وقد ذكرنا ما في العقل من الحجة في ذلك، وهي تلزم كل عاقل بلغته الدعوة، سواء كان من المسلمين او من غيرهم،
وفي ذلك أتم كفاية. ثم ذكرنا تذاكر الصحابة بذلك وهي دلالة اخرى، إذ لا يجوز ان يقول عاقل بحضرة جماعة، وقد أقبل على من يحدثه: قد كنا في وقت كذا حتى حدث كذا وكذا- وهو يستشهد بالذي حدث بحضرتهم ويدعى عليهم وما عندهم علم- فيمسكون عن تكذيبه والردّ عليه. ثم ذكرنا الاجماع السابق من الصحابة ليتأكد ذلك على كل من كان من اهل الصلاة.
لذي حدث بحضرتهم ويدعى عليهم وما عندهم علم- فيمسكون عن تكذيبه والردّ عليه. ثم ذكرنا الاجماع السابق من الصحابة ليتأكد ذلك على كل من كان من اهل الصلاة.
باب آخر [ما كان بمكة من غلبة الفرس على ارض الجزيرة ادنى ارض الروم] مما كان بمكة. وهو ان الفرس غلبت الروم على أرض الجزيرة وهي أدنى ارض الروم وممالكها من سلطان فارس، فسرّ ذلك مشركي قريش لشدة فارس على الاسلام والمسلمين، وكانت الروم ألين كتفا على المسلمين لأنهم اهل كتاب، وكانوا يصغون/ الى ما يرد عليهم من أخبار رسول الله ﷺ وما يدعو اليه وما يأمر به وما ينهى عنه وكيف سيرته، ويتعجبون من ذلك ويستحسنونه، ويكون من ملكهم ما لعله يرد عليك. وساء المسلمين ظهور فارس عليهم، فأخبر الله نبيه ﷺ ان الروم ستظهر على فارس بعد سبع سنين، وان غمّ المسلمين سيعود فرحا، وأنزل بذلك قرآنا يتلى، فقال ﷿: «ألم. غلبت الروم في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين. لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر «١» من يشاء وهو
العزيز الرحيم. وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون. يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون» . فلما نزلت هذه الآية تلاها رسول الله ﷺ على ابي بكر الصديق، وبشره وبشر المسلمين؛ فخرج ابو بكر الى المشركين وأخبرهم بذلك وتوعدهم وجادلهم وأغضبهم وأغاظهم. فقال أبيّ بن خلف: والله لا تغلب الروم اهل فارس ولا تخرجنهم من أرضهم. فقال ابو بكر: بل تغلبهم وتخرجهم، فإن شئت بايعتك، فبايعه على تسع من الإبل الى ثلاث سنين. ثم دخل ابو بكر على رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فقال له رسول الله ﷺ: انها سبع سنين فزده في الخطر «١» ومدّ في الأجل.
ايعه على تسع من الإبل الى ثلاث سنين. ثم دخل ابو بكر على رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فقال له رسول الله ﷺ: انها سبع سنين فزده في الخطر «١» ومدّ في الأجل. فرجع ابو بكر الى أبيّ بن خلف فاستقاله فأقاله، وقال: ان الذي يجيء به صاحبك باطل. فعاوده ابو بكر المبايعة وزاد في الأجل اربع سنين، وزاد في الخطر/ ثلاثا من الإبل، وأخذ أبي ابا بكر بكفيل، لأن ابا بكر على الهجرة مع رسول الله ﷺ، وقد كان يذكر هذا وقد بدأ في فرار المسلمين بأديانهم، فأقام له ابو بكر عبد الله ابنه كفيلا، وأخذ ابو بكر أبي بن خلف بذلك فأقام له ابنا كفيلا، فأخرجت الروم فارس من أرضها يوم الحديبية، فأخذ عبد الله بن ابي بكر من أبي بن خلف وكان الخطر إذ ذاك مباحا طلقا. فانظر كم في هذا من دلالة وآية بينة، وأنه اخبر ان الروم ستغلب فارس، وأن ذلك سيكون بعد سبع سنين، فكان كما اخبر وعلى ما فصل
وبيّن، والبضع فوق الثلاث ودون العشر، وانظر الى هذا الإقدام وهذه الثقة من رسول الله، وانظر الى قوله: «ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله» ، يريد بهذا النصر ظهور حجة رسول الله ﷺ وما أقدم عليه أبو بكر وجاهد المشركين وبايع، فهذا المراد بالنصر لا بظهور الروم على فارس لأن ذلك معصية، وفارس والروم كفار والله لا ينصر الكفار بعضهم على بعض. وانظر الى هذا التقريع والتوبيخ وتأكيده الوعد بقوله: «ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم. وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون» وانظر كيف يستخف بهم ويستجهلهم وهم يسمعون وهو معهم وفي قبضتهم وفي أيديهم والغلبة لهم، وانظر كيف يقول له في آخر السورة: «فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنّك الذين لا يوقنون» ، فتأمل هذا البيان/ وهذا الافصاح وهذه المكاشفة والاستظهار والعلوّ والاستطالة بالحجة والعلم بهذا، وانه قد كان على ما ذكرنا وبيّنا يجري مجرى العلم بقصة المهاجرين الى ارض الحبشة ونظائرها مما قدمنا في قصة الاسراء وغيرها، فاحفظه وارجع اليه.
لعلم بهذا، وانه قد كان على ما ذكرنا وبيّنا يجري مجرى العلم بقصة المهاجرين الى ارض الحبشة ونظائرها مما قدمنا في قصة الاسراء وغيرها، فاحفظه وارجع اليه. وتأمل حال أبي بكر الصديق في الاسلام وإسلامه في اول الاسلام وفي حال ضعفه وقلة اهله وغلبة الشرك والمشركين عليهم، وفي الحال التي قد كان المستبصر فيها لا يظهر دينه ويخفي ما في نفسه، وانظر الى بصيرة هذا الرجل ومكاشفته واستبداله بالمسالمة عداوة وبالراحة شقوة وبالغنى فقرا وبالكرامة هوانا، كل ذلك للإسلام. ثم كان لسان المسلمين وأكبر داعية للرسول وأجلّ أعضاده وأنبه أعوانه، لم يقم مقامه احد من المسلمين ولا سدّ مسدّه ولا حلّ من رسول الله ﷺ محله. وانظر
الى مقامه في شأن الاسراء، وفي شأن الروم، وفي غير ذلك مما يطول شرحه. وانما احتجنا الى ذكر هذا والتنبيه عليه لأننا في زمان يقول الكثير من اهله انه ما أسلم قطّ وما زال عدوا لرسول الله ﷺ وللمسلمين، وأن عداوته كانت أشد وأضر من عداوة ابي جهل وعقبة ابن ابي معيط وأمثالهم، وأن القرآن كان ينزل على رسول الله ﷺ بإكفار أبي بكر وعمر وعثمان وسعد وسعيد وأبي عبيدة وعبد الرحمن «١» والجماعة من المهاجرين والأنصار، وكان رسول الله ﷺ يتلوه في المحاريب ويسمعه الناس/ كلهم ويحفظهم إياه، وأنه مكث نيفا وعشرين سنة يفعل ذلك. وعند العلماء والفقهاء وأهل التحصيل والانصاف، انه كان يتقدم المسلمين في الاسلام، وأنه كان أشدهم غنى، وأن امير المؤمنين عليّ بن ابي طالب ﵁ كان يقدمه ويقدم عمر على نفسه ويفضلهما على منابره وهما من الأموات، حتى يقول ابو القاسم البلخي «٢» : ومن يفضل أمير المؤمنين لا يمكننا ان ندفع قوله، ألا ان خير هذه الأمة بعد نبيّها ابو بكر وعمر، ولا يدفع هذا من له بالعلم بصيرة أوله فيه نصيب ولكنه عندنا ما أراد نفسه، وقد كانت الشيعة الاولى تفضل
ه، ألا ان خير هذه الأمة بعد نبيّها ابو بكر وعمر، ولا يدفع هذا من له بالعلم بصيرة أوله فيه نصيب ولكنه عندنا ما أراد نفسه، وقد كانت الشيعة الاولى تفضل
أبا بكر وعمر عليه. قال: وقال قائل لشريك بن عبد الله «١» : أيهما أفضل؟ ابو بكر أم علي؟ فقال: ابو بكر، فقال له السائل: أتقول هذا وانت من الشيعة؟ فقال: نعم، إنما الشاعي من قال مثل هذا، والله لقد رقى امير المؤمنين هذه الأعواد فقال: ألا ان خير هذه الأمة بعد نبيّها ابو بكر وعمر، أفكنا نردّ قوله؟ أفكنا نكذبه؟ والله ما كان كذابا. ذكر هذا ابو القاسم البلخي في النقض على ابن الراوندي إغراضه على ابي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، في كتابه «في نظم القرآن وسلامته من الزيادة والنقصان» . وينبغي ان تعلم ان الذين وضعوا هذا انما قصدوا به رسول الله ﷺ وأهل بيته لشدة عداوتهم له وتستروا بالتشيع، وكان غيظهم على ابي بكر وعمر وعثمان وتلك الجماعة لأنهم هم الذين اشتملوا على رسول الله ﷺ في حياته ونصروه، ثم كانوا بعد وفاته أشد نصرة في دينه منهم في حياته، وأحدقوا بأبي بكر/ فغزاهم، وقتل مسيلمة، وأسر طليحة، ورد الردة، وغزا فارس والروم، وأذلّ أعداء رسول الله ﷺ بكل مكان. واستخلف عمر، فأزال ملك فارس وهو أشد الملوك وأدخل ملكه في الاسلام، وألحق ملوك الروم بجبال الروم وخلجانها وأخرجهم من الشام ومصر ومن الجزيرة وأدخل هذه الممالك في الاسلام، وقتل الشرك وأماته وأحيا الاسلام وبثّه ونشره وبسطه وبناه وشيّده وجعله عاليا على الأديان كلها وظاهرا على أمم الشرك جميعها. فغاظهم ذلك أشدّ الغيظ، ولم يمكنهم المكاشفة بشتم رسول الله ﷺ، فاشتفوا
منه بشتم هؤلاء وغرّوا من لا يعرفهم وقالوا لهم: ما هذا القرآن بشيء، وهو مغيّر لا تقوم به حجة، والاسلام مبدّل، والفقهاء جهّال كفار، الى غير ذلك مما هذا سبيله وشرحه يطول، فاغترّوا بهم وقبلوا منهم وصدّوهم عن الاسلام فأوردوهم ما أصدروهم. وانت تجد كثيرا من ذلك في التفسير لأبي علي «١» ، وفي نقضه الإمامة على ابن الراوندي، وفي غيرهما من كتبه، وفي كتب غيره من المعتزلة والله أعلم.
أصدروهم. وانت تجد كثيرا من ذلك في التفسير لأبي علي «١» ، وفي نقضه الإمامة على ابن الراوندي، وفي غيرهما من كتبه، وفي كتب غيره من المعتزلة والله أعلم.
باب آخر [من اعلامه ﷺ انقضاض الكواكب بمكة] فمن أعلامه التي حدثت وهو ﷺ بمكة، انقضاض الكواكب وامتلاء السماء بها من كل جانب على وجه انتقضت به العادة وخرج عن المعتاد. وهذه آية عظيمة، وبيّنة جليلة، وواضحة جسيمة. وقد نطق القرآن بها فقال حاكيا عن الجن: «وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ/ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً. وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً» «٢» . فان قيل ومن أين لكم هذا وقد سبقكم زمانه ونحن لا نؤمن بكتابكم ولا نقرّ بنبيّكم؟ وخبرونا عن طريق معرفتكم بذلك هل هو ضرورة
أم اكتساب؟ قيل له: العلم بذلك طريقه الاستدلال والاكتساب، ويتهيأ لكل عاقل من كافر ومؤمن ان يعرف ذلك ويجب عليه ان يعرف، وسبيله سهلة قريبة، فمن نظر واستدل عرف، ومن لم يستدل لم يعرف. والدليل على ان ذلك قد كان، ان رسول الله ﷺ قد تلا هذه السورة واحتج بذلك على العدوّ والوليّ، فعلمنا انه أمر قد كان ووقع، فإن الحجة به قد قامت وظهرت وقهرت، لأنه لا يجوز ان يقصد عاقل الى قوم يدعوهم الى صدقه ونبوته ويحرص في أجابتهم الى طاعته والانقياد له ويريد منهم ذلك ثم يقول: من علامة نبوتي ودلائل رسالتي ان النجوم لم تكن تنقض وانها الآن قد انتقضت، وهو يعلم انهم يعلمون ان هذا أمر لا اصل له وأنه قد كذب فيما ادعى. هذا لا يقع من عاقل كائنا من كان، فكيف بمن يدعي النبوة، وعقله العقل المعروف الراجح الموصوف، ثم يقصد الى امر ظاهر مكشوف في السماء البارزة للخلق أجمعين المشاهدة للأولين والآخرين، سيما والعرب أعلم الناس بالكواكب والأنواء ومطالعها وسيرها، والثابت الراكد الذي/ لا يغيب منها.
ي السماء البارزة للخلق أجمعين المشاهدة للأولين والآخرين، سيما والعرب أعلم الناس بالكواكب والأنواء ومطالعها وسيرها، والثابت الراكد الذي/ لا يغيب منها. وقد كتب الناس عنهم علمهم بذلك، ودونوا منه شيئا كثيرا، وأكثرهم مأواه تحت السماء، هي تسقفهم، ورؤيتهم لها ولكواكبها امر دائم متصل لا يفتر، وقد سبقوا رسول الله ﷺ في السن والزمان والعلم بالكواكب، فكيف يقدم على قوم هذه سبيلهم فيدعي هذه الدعوى وهم من العداوة له والطلب لعثراته وزلاته، ولأمر ينفرون به اصحابه عنه على حال لا مزيد عليها؟ فأين كانوا عن هذا الكذب الظاهر الذي لا ينفع معه صدق يقدمه ولا صدق يكون بعده؟ ومن هذه سبيله لا يكون لها رئاسة، ولا يتبعه احد، ولا يكون له قدر. وقد يتبعه قوم عقلاء ألبّاء «١» فضلاء لأنه
نبي ولأنه صادق، وطاعة لله وتقربا الى الله، واستبدلوا باتباعه بالعز ذلا وبالراحة كدا ابتغاء مرضات الله، وتكلفوا في اجابته بتلك الشدائد التي قد قدمنا شرحها، فكيف اقاموا عليه وهو يكذب هذا الكذب الظاهر. وهناك من اعدائه قريش والعرب واليهود والنصارى وكيدهم عظيم، كيف لم يوافقوا على هذا ويجمعوا الناس عليه؟ وكيف لم يقولوا لأصحابه وهم إخوانهم واولادهم ومنهم: يا هؤلاء، فارقتم أديانكم، وجهلتم اسلافكم، واكفرتم آباءكم وشهدتم عليهم بالفضيحة، طاعة لرجل فرض عليكم مجاهدة الأمم، وبذل دمائكم واموالكم في ذلك، وألزمكم التكاليف الشديدة من شريعته، وهو يكذب هذا الكذب الظاهر البارز للعقول/ والأبصار؟ وفي تركهم لذلك دليل على صحة هذه المعجزة. وأعجب الامور انه يتلو عليهم قول الله جل وعز: «فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ «١» » اي لا يجدوا بك كذابا، ولا يجدون في قولك كذبا وإن حرصوا على ذلك واستفرغوا وسعهم، ولو قدروا ان يجدوا له عثرة او ذلة او ادنى شبهة لما واثبه قبل الناس كلهم إلا اصحابه، ولا قبله إلا خاصته وثقاته وبطانته. فإن قيل: فلعلهم لم يفعلوا هذا به وإن وقفوا على كذبه لئلا يفضحوا أنفسهم ويشمتوا عدوهم، ولئلا يقول الناس لهم خدعتم فامسكوا لهذا. قيل له: هذا لا يسأل عنه مميز، لأنه إن كان قد كذب فأقاموا عليه وقد عرفوا كذبه، فقد تعجلوا الفضيحة بإقامتهم عليه وأشمتوا بنفوسهم
م خدعتم فامسكوا لهذا. قيل له: هذا لا يسأل عنه مميز، لأنه إن كان قد كذب فأقاموا عليه وقد عرفوا كذبه، فقد تعجلوا الفضيحة بإقامتهم عليه وأشمتوا بنفوسهم
الاعداء، [وخسروا الدنيا والآخرة «١» ] . وجواب آخر: وهو ان هؤلاء الذين اتبعوا الاعلام التي كانت معه من القرآن وغيره وقد شهدوا على انفسهم وآبائهم بأنهم كانوا في ضلال وباطل وفضائح وما استنكفوا من الرجوع عن ذلك، فلو حسوا «٢» بأدنى شبهة فضلا عن كذب لبادروا ورجعوا وكان ذلك اروح لهم، وأخف عليهم، وأبين في عذرهم وقيام حجتهم، فان مراجعة الحق اولى من التمادي في الباطل. وجواب آخر: وهو انهم لو وقفوا على امر يرتاب به لسألوه عنه، وعنف بعضهم بعضا في الاقامة عليه وفي ترك قتله والبراءة منه، / ولأذاعوه وأظهروه وإن ضرهم وغمهم وساءهم، فان الجماعة الكبيرة لا يجوز ان تكتم ما قد عرفت وإن ساءهم وإن ضرّهم وإن ذهب برئاستهم وحطّ من اقدارهم. فأعرف هذا فانه اصل كبير. هذا فيما يقفون عليه خاصة، فكيف بأمر الشهب وهو شيء يعرفه الناس عامة من وليّ وعدوّ، فتعلم انها آية عظيمة وحجة ظاهرة. وانظر كيف اوردها وأدلّ على العدوّ والولي واستطال بها فقال: «قل أوحي اليّ انه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا، يهدي الى الرشد فامنا به ولن نشرك بربنا احدا. وأنه تعالى جدّ ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا. وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا، وأنا ظننا ان لن
ا عجبا، يهدي الى الرشد فامنا به ولن نشرك بربنا احدا. وأنه تعالى جدّ ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا. وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا، وأنا ظننا ان لن
تقول الانس والجن على الله كذبا. وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا. وأنهم ظنوّا كما ظننتم ان لن يبعث الله احدا. وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا. وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا. وأنا لا ندري اشرّ اريد بمن في الارض ام اراد بهم ربهم رشدا» فانظر كيف ذكر هولها وعظمتها وارتياع الجن والانس لحدوثها، وانهم لا يدرون لأي شيء حدثت وهل حدوث ذلك لعذاب اهل الارض بذنوبهم، ام لموعظتهم وإرشادهم. وقد جاء مع هذا ايضا ان «١» الكواكب لما انتقضت اخذ الناس في الخروج من/ اموالهم، وقالوا: ما حدث هذا إلا لفناء الدنيا وانقضاء مدتها، فقال عبد نائلة بن عمر والثقفي «٢» لأهل ثقيف: أمهلوا فإن افادة المال بعد اتلافه تشق وتصعب، فانظروا الى الكوكب المنقضة، فإن كانت من الكواكب المعروفة المتقدمة فهو لفناء الدنيا، وإن كانت كواكب الآن حدثت والآن خلقت فهو لأمر. فحدثت إحدى الليالي، فنظروا فإذا هي كواكب الآن حدثت، فأمسكوا عن اموالهم وترقبوا ما يأتيهم من الاخبار، فاذا قد اتاهم ان رجلا من قريش بمكة قد زعم ان الله ارسله الى خلقه لينذرهم، فقالوا: لعل هذا الانقضاض شاهد لهذا المنذر، وتبركوا برأي هذا الرجل المشير وصار مفخرا له ولولده من بعده، حتى يقولوا لثقيف ابونا الذي حبس عليكم اموالكم.
قالوا: لعل هذا الانقضاض شاهد لهذا المنذر، وتبركوا برأي هذا الرجل المشير وصار مفخرا له ولولده من بعده، حتى يقولوا لثقيف ابونا الذي حبس عليكم اموالكم.
فإن قيل: او ليس قد ذكر ان في شعر الشراء الأولين ذكرا لانقضاض الكواكب، وفي كتب العجم ذكر لذلك. قيل له: إن ابا علي وابنه ابا هاشم «١» واصحابهما قالوا: ما ننكر ان يكون قد كان قبل مبعث النبي شيء من انقضاض الكواكب، ولكنا قد علمنا بالدليل الذي قدمنا انه قد حدث عند مبعث النبي شيء انتقضت به العادة، وامتلأت السماء به، فتلك الزيادة على الامر المعتاد هي الحجة؛ فصار ذلك بمنزلة الطوفان، فإن الماء قد كان قبل نوح ﵇ يزيد زيادات كثيرة معروفة معتادة، فلما جاء نوح صلى الله عليه زاد/ الماء زيادة انتقضت به العادة وخرج عن الأمر المعتاد، فكانت تلك الزيادة هي الآية وهي الحجة. فليس في شعر الشعراء ولا فيما وجد في كتب القدماء مطعن في هذه الدلالة، ولا تكذيب لهذا الخبر، وهذا جواب سديد شاف كاف، لأن النبي ﷺ انما احتج بامتلاء السماء بالشهب لا بالأمر المعتاد، هذا لا يفعله عاقل ولا يقع منه كائنا من كان، فكيف بمن يدعى الصدق والنبوة ويريد من الناس كلهم تصديقه واتباعه، فلا يجوز ان يحتج عليهم بأمر قد عرفوه قبل ان يخلق ويخلق آباؤه فيقول: هذا من آياتي ومن اجلي حدث وبسبب تصديقي خلق، فيكون بمنزلة من قال: من الدلالة على نبوتي ان الشمس ما كانت تطلع عليكم وانها الآن قد صارت تطلع. فأما ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ﵀، فانه يذكر في كتاب «الحيوان» انقضاض الكواكب، وذكر ما فيه من الآية والحجة في النبوة،
وذكر الشعر الذي ذكر في هذا المعنى لهؤلاء الشعراء، فقال هو وابراهيم النظّام وغيرهما: إنه ليس في هذا الشعر امر بيّن قد اراد به صاحبه انقضاض الكواكب ولكنه امر محتمل. وذكروا في بعض هذا الشعر أنه مولد وقد قيل في الاسلام، قاله بعض الزنادقة ونسبه الى الأوائل، وذكروا في بعضه ان قائله وان كان كافرا جاهليا فقد ادرك المبعث وأوائل المبعث؛ فأبطلوا ان يكون في هذا متعلق/ او يحتاج فيه الى جواب. واستبعد ابو عثمان ان يكون هذا امر قد كان ظاهرا قبل الاسلام، قال: وإلا فأين كان القدماء من الشعراء، كامرىء القيس ومن تقدمه، وكنانة وزهير «١» وشعراء القبائل القديمة، كيف لم يذكروا هذا في اشعارهم وهو أمر بارز لأبصارهم؟ وهم قد شهوا بالحيات والعقارب والجعلان والخنافس والبراغيث وبالقمل وبكل شخص وبكل ما دب ودرج؟ وليس ببعيد ما قاله. فأما جواب أبي علي واصحابه: فما نبالي ولو كان الشعر ملء الدنيا للأوائل، فما له في هذا تأثير. قال ابو عثمان: وأما ما يدّعى من ذكر الشهب في كتب العجم الاوائل فهو امر لا سبيل الى العلم به لأنها منقولة في الاسلام، وانما نقلها الواحد بعد الواحد من أعداء الاسلام، ومن هو اشد الناس حرصا على تكذيب النبي ﷺ وتشكيك المسلمين، فهو لو كان عدلا مسلما ما علم ذلك بخبره، فكيف وحاله ما وصفنا؟. وبعد فمن اين لنا انه عليم باللغتين ويقصد واضعي الكتب حتى يوثق بنقله وبأخباره؟ وهو كما قال ابو عثمان، فإن هذه الكتب التي وضعت في الاسلام،
ما وصفنا؟. وبعد فمن اين لنا انه عليم باللغتين ويقصد واضعي الكتب حتى يوثق بنقله وبأخباره؟ وهو كما قال ابو عثمان، فإن هذه الكتب التي وضعت في الاسلام،
ونسب بعضها الى الهند، وبعضها الى الروم، وبعضها الى اليونانية، وبعضها الى القبط، وبعضها الى النبط، وبعضها الى الفرس، فانما وضعها الواحد بعد الواحد، وزعم انه وجده لأهل تلك اللغة، وزعم انه عالم بتلك اللغة فنقله، فهو امر لا يقع به علم وليس معنا اكثر من دعوى هذا الواضع، فبمقدار ما يكتبه ويترجمه ويلقيه الى الورّقين فيدور/ في ايدي الناس فيقول من لا علم له ولا عادة له بمجالسة المعتزلة ومن اخذ عنهم ومن لا سبيل له الى طرق اهل العلم: هذا من كتب الأوائل؛ فاعرف هذا، فانه باب كبير وكل احد أمس الحاجة اليه فان الجهل وترك التأمل غالب على الناس، وأعداء الاسلام كثير، وهم بينهم، يكيدونهم بأنواع الكيد من حيث لا يشعرون. فمن ذلك خطب ورسائل ووصايا وحكم وضعت في ايام بني العباس ونسبت الى أمم العجم، لا سبيل الى العلم بما ادعوا واضعوها من أنهم وجدوها للأوائل، وانما كان غرضه شغل الناس عن القرآن وعن عهود رسول الله ﷺ ووصايا السلف بعده، ولعله انما اخذ ذلك وحصّل معانيه من القرآن ومن حديث رسول الله ﷺ، وغيّر اللفظ ونسبه الى أمم العجم والعلماء. وأهل التحصيل يتهمون عبد الله بن المقفع فيما وضعه من «كليلة ودمنة» وكتاب «اليتيمة» ، وما زعم انه وجده للفرس، فقالوا: ما معنا في هذا اكثر من الدعوى، وهو رجل بليغ اللسان بليغ العلم، فارسي الأصل، قد جرى من المجوسية على عرق، فقد كان فيها طويلا، وهو كثير الرواية لآداب العرب وعلومها، متعصب لقومه، قد أسلم بعد الكبر، وكان متهما في دينه.
رسي الأصل، قد جرى من المجوسية على عرق، فقد كان فيها طويلا، وهو كثير الرواية لآداب العرب وعلومها، متعصب لقومه، قد أسلم بعد الكبر، وكان متهما في دينه.
وهكذا قالوا في أبان بن عبد الحميد اللاحقي «١» . وقد وضع سهل بن هارون بن رهبونة «٢» الكاتب الفارسي صاحب المأمون، كتاب «ثغرة وثعلة» ، يعارضه به كتاب «كليلة ودمنة» ، وجعله على ألسن الطير والبهائم، وذكر فيه حكم العرب كما صنع ابن المقفع «٣» في كليلة ودمنة عن هذا/ الذي سماه برزوي الطبيب، فقدمه في صدر الكتاب كأنه ما أراد إلا تشكيك أهل الديانات وأتباع الأنبياء صلى الله عليهم في اديانهم. وقد دار في أيدى قوم من المنجمين كتاب زعموا انهم وجدوه لجابان منجّم كسرى ملك فارس، وقد أخبر فيه بزعمهم أن نبوّة تحدث في العرب يكون مدة صاحبها كذا وكذا سنة. فذكر ايام رسول الله ﷺ، ثم ايام ابي بكر الصديق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃، ولم يذكر اسماءهم، وفصل من أحوالهم وسيرهم وأعمالهم شيئا كثيرا. فافتتن به المنجمون حتى ظنوا ان «٤» صنعتهم حق، وأنها تؤدي الى علم، وفتنوا بذلك خلقا كثيرا مما لا يدري من الامراء والوزراء وطبقات الكتاب، وجعلوا ذلك شاهدا لصنعة النجوم ونفقوها، فجرى ذلك بحضرة رجل من علماء المعتزلة فقال للمنجم الذي احتج بذلك في صحة صنعة النجوم وهو إسحق بن فليت اليهودي احد
علوا ذلك شاهدا لصنعة النجوم ونفقوها، فجرى ذلك بحضرة رجل من علماء المعتزلة فقال للمنجم الذي احتج بذلك في صحة صنعة النجوم وهو إسحق بن فليت اليهودي احد
رؤساء المنجمين في زمانه ببغداد، وكان يتقدم عند كثير منهم على رؤساء منجمي زمانه ومن كان في عصره كابن زكريا «١» النوبختي، وكابن فرخان شاه النصراني «٢» وغلام زحل «٣» : من اين لك يا أبا الطيب ان هذا الكتاب وضعه جانان لكسرى؟ فقال هذا مشهور دائر بين المنجمين لا يشكون فيه، فقال له: عن هذا وصحته سألتك، هل هو اكثر من انك وجدت كتابا مكتوبا منسوبا الى جانان منجم كسرى؟ من اين ان هذا كما كتبه هذا الكاتب وأخبر به هذا المخبر وما معنا وما معكم اكثر من الدعوى؟ وانما هذا رجل وجد كتابه في الاسلام/ وفي ايام بني العباس وفي زمان الديلم منها، وادعى فيه انه قديم وجده فارسيا فنقله، وانما وضعه بعد ان مضت ايام رسول الله ﷺ وأيام خلفائه وايام بني امية والصدر الكبير من بني العباس وعرف ذلك وتيقّنه، فوضع الكتاب بعد ذلك، وحذف اسماء القوم ليظن انه قد وضعه قبل ان يخلقهم الله، فيدعي من يقرأ كتابه ممن لا علم له له الصدق والحذق، ولصنعة النجوم الصحة. وإلا فأرنا إن كان قد اخبر فيه عمّن يأتي من الخلفاء او غيرهم، او ذكر ايامهم واعمارهم على التحقيق كما ذكرها عمن تقدم، حتى يكون لك في ذلك شبهة، فتحير ابن فليت من هذا بعد الخطاب الطويل، ولان بعد شدته، وسكن بعد نزوته، وقال: لعل الأمر ان يكون كما قلت، فقال له المعتزلي: ما اسرع ما رجعت عن تلك الدعاوى، فقال: انا اخبرك، قد قرأت اربع نسخ من
هذا الكتاب المنسوب الى هذا الرجل، وكلها مختلفة، وقد ذكر فيها ان البيت يسقط حجّه وتعظيمه، وانا اتوقع كل سنة واسأل عن الحاجّ فاذا هو لا ينقطع حجّه. ولم يكن بنا قول ابن فليت ولا استدلاله فانه ليس بشيء قوي، ويمكن الخصم ان يدّعي ان ذا سيكون، او يشغب بغير هذا، ولكن الذي ذكره واضع الكتاب ليس في صنعة النجوم شيء منه ومن الاصابة على طريق التفصيل، وانما تتفق لهم الإصابات عن غير علم كما تتفق للعّابين الخاتم والزوج والفرد، وللمتفائلين/ برؤية الثعلب، وللمتطيرين بالغراب والبوم، وما يتفق لهؤلاء من الاصابة اكثر واحسن واسرع لحذاق منجمي الملوك، وهذا يكفيك في بطلان صنعة النجوم، ولم نكن في الرد عليهم، ولكن عرض هذا فذكرناه، وستجد في الرد عليهم اكثر من هذا. ولكن ذكر الكتاب المنسوب الى جانان وامثاله، يضعه أعداء الأنبياء ليشكوا في اخبارهم، وليجعلوا صوابهم جاريا مجرى إصابة المنجمين، ولينفقوا صنعة النجوم، وليرغبوا الناس في الفزع اليهم وفي التعويل عليهم ويستأكلوهم، ولتتم حيلتهم عليهم وهذا الجنس يسميه المنجمون الهاذور، وانت تجد هذا كثيرا، فيقولون: قال ما شاء الله ابن أبري اليهودي «١» في القرانات كذا وكذا وقد صح، وقال الحسن بن سهل والفضل للمأمون «٢» : كذا وكذا قبل
، وانت تجد هذا كثيرا، فيقولون: قال ما شاء الله ابن أبري اليهودي «١» في القرانات كذا وكذا وقد صح، وقال الحسن بن سهل والفضل للمأمون «٢» : كذا وكذا قبل
أن يكون فكان كذلك. وربما وقع لبعض المؤرخين والاخباريين ممن لا علم له بصنعة الكلام مثل هذه الكتب والاخبار فيذكرها ويضمنها كتبه، فيقرؤها من لا علم له ولا سأل العلماء عنها فيتحير ويضل. وقد صنع الناس في الاسلام مثل هذا، فقصدوا الى امور قد كانت ووقعت فعملوا فيها اشعارا ونسبوها الى قوم قد تقدموا وادعوا انهم قد عرفوها قبل ان تكون، كما صنعوا في قصيدة نسبوها الى رجل يقال له ابن ابي العقب ذكر فيها دولة بني العباس وكيف ابتداؤها، وذكر جماعة من خلفائهم واين ماتوا واين قبورهم، وادعوا انه اخذ هذا عن الأئمة وعن الاوصياء، وهو امر لا اصل له وكذب لا يشك/ فيه، وانما سبيله ما ذكرنا، فاعرف ذلك فانه باب كبير، والمخرق به والمشاكل به كثير، وللجهل به ضلت طوائف من هذه الأمة ممن خالف المعتزلة من طوائف الشيع وغيرهم. وهذه سبيل الكتب المنسوبة الى اليونانية كأفلاطن وأرسطاطالس وغيرهم، فانها نقلت في الاسلام، وناقلوها ومدرسوها انما هم الواحد بعد الواحد الذين لا يعلم بأخبار جماعتهم شيء، وهم مع هذا أعداء رسول الله ﷺ وأشد الناس حرصا على التشكيك في الاسلام وصدّ اهله عنه، وهم يتسترون بالنصرانية والنصارى لا يرضونهم، ويشهدون عليهم بالالحاد وتعطيل الشرائع والطعن في الربوبية وفي جميع النبوات، وقد حرموهم ونهوا عنهم، كقسطا
ابن اقا «١» ، وحنين بن اسحق وابنه اسحق «٢» ، وقويرى «٣» ، ومتى بن يونس «٤» ، ويحيى بن عدي «٥» ، وهؤلاء مع قلتهم ما جمعهم زمان واحد. وكان يوحنا القس «٦» مدرس أقليدس والمجسطي وغيره يقول: قد حذف الذين نقلوا كتب هؤلاء كثيرا من ضلالهم وفاحش غلطهم عصبية لهم وابقاء عليهم، واعاروهم واعطوهم ما ليس لهم من معاني الاسلاميين وبيانهم، والعدو اذا كان متدينا لم يؤمن حنقه، فكيف بمن لا يعتقد معادا، ولا يرجو حسابا، ولا يخاف عقابا. ثم عدت الى ما كتب عليه من ذكر الشهب. وقد تصفح العلماء الكتاب المعروف بالعلوي» المنسوب الى ارسطالس
من لا يعتقد معادا، ولا يرجو حسابا، ولا يخاف عقابا. ثم عدت الى ما كتب عليه من ذكر الشهب. وقد تصفح العلماء الكتاب المعروف بالعلوي» المنسوب الى ارسطالس
فإنه نقله بعض هؤلاء لبعض الخلفاء من بني العباس ليتحفه به، فما وجدوا فيه ذكرا مصرحا لانقضاض الكواكب، وإنما هو قول محتمل يتأوله بعضهم ويدعى انه أراد به ذلك، وهو بأنه شيء يثور من الارض ويرقى الى الجو/ أشبه. وقد كان هرون الرشيد ضغط الروم وحاصرهم في بلادهم واذلهم الى ان اجابوا الى اداء الجزية واتقوه بها فأخذها منهم، وكتب اليهم كتابا بيّن لهم توحيد الله وانفراده بالقدم وصدق نبيّه ﷺ، وذكر فيه قطعة كافية حسنة من اعلام النبوة وأنفذه الى ملك الروم مع رجل من المعتزلة إما معمّر او غيره، والكتاب إنشاء ابي الربيع محمد بن الليث الكاتب القرشي «١» ، وهو موجود في رسائل تاج الاصفهاني «٢» لا اشك، وقد حدثني بعض اهل العلم انه مذكور في «المنثور والمنظوم» لابن ابي طاهر «٣» . وقد ذكر في هذا الكتاب آية الشهب وانقضاض الكواكب واستوفى الحجة فيها، ولم ينفذ هذا الكتاب الى ملك الروم إلا بعد تصفح كتب الاعاجم واستقصاء كل ما يمكن
. وقد ذكر في هذا الكتاب آية الشهب وانقضاض الكواكب واستوفى الحجة فيها، ولم ينفذ هذا الكتاب الى ملك الروم إلا بعد تصفح كتب الاعاجم واستقصاء كل ما يمكن
ان يقال، لتعلم صحة هذه الآية وخوض العلماء فيها قديما. وقد قال ابو علي ﵀ واصحابه كما قد ذكرنا عنهم ما لا يضرنا ولو ذكر الاوائل كلهم الحجة في الزيادة الناقضة للعادة وامتلأ السماء به عند مبعثه. وقد جاء في الاثر ان كوكبا انقض فقال النبي ﷺ: ما كنتم تقولون في هذا في الجاهلية «١» ؟ فقال اصحاب ابي علي لأصحاب ابي عثمان «٢» : هذا يدل على انه قد كان لانقضاض الكواكب اثر ثم زاد في المبعث زيادة انتقضت العادة به، فقال اصحاب ابي عثمان: إنما اراد النبي ﷺ بقوله لهم: ما كنتم تقولون في ذلك في الجاهلية، يريد قبل اسلامهم وقبل تصديقهم له. وعلى كلا القولين فالآية ثابتة والحجة قائمة، وليس/ في هذا خلاف في كونها ووقوعها. وأما ارسطالس هذا فلا معول على ما يقوله، وإن كان اصحابه قد صدقوا عليه فهو غير كامل العقل، لأنهم حكوا عنه ان هذه الاجسام العلوية من الشمس والقمر والكواكب لا يجوز ان تنقسم ولا تتجزأ ولا تتبعض، وان الشمس ليست حارة ومحال ان تكون حارة، وان هذه الاجسام محال ان تكون حارة او باردة، او رطبة او يابسة، او ثقيلة او خفيفة، او لينة او خشنة، ومحال ان تكون هذه الكواكب اكثر مما هي بكوكب واحد، او ينقص منها كوكب واحد، ومحال ان تكون الشمس اكثر مما هي او اقل، ومحال ان يكون لها لون او ريح او طعم.
وهذا الذي احاله هذا الرجل جوازه قائم في العقل، يعلمه كل عاقل من عالم وجاهل، ونظار وغير نظار، فإن كان عاقلا وبلغ به المحل واللجاج الى أن ركب هذه المجاحدة والمكابرة فيما هو في فطر العقول كلها وفي اوائلها، فمن يعده او يعتد بقوله او يذكره فيمن يرد عليه ويتتبع عوراته وهو عورة كله من اوله الى آخره؟ ولو لم يكن له من الجهل والخروج من العقل إلا هذا لكفاه وأغناه، بل لو قسمت هذه الجهالة على جميع اهل الارض، من اولهم الى آخرهم لحطت منازلهم، واسقطت اقدارهم، حتى لا يعدوا فيمن ينقض عليه ويرد قوله. كيف، وله من الجهالات المستخفة المسقطة غير هذا مما إن طلبته وجدته ووقفت عليه. ومن جهله انه اعتقد ان السماء والشمس والقمر والكواكب، عاقله مميزة سميعة بصيرة ضارة نافعة تحيي وتميت/، وان كل حادثة في هذا العالم من فعلها وتأثيرها. والعلم بأن السماء والشمس والقمر والنجوم جمادات وموات كالعلم بأن شعاع الشمس وشعاع القمر وضوء الكواكب والبرق والغيم والريح والمطر والبحر والماء والهواء والارض والنار جماد موات، ولا فرق بين من ادعى في الارض والنار والماء والهواء والنبات ذلك او ادعاه في الكواكب، بل كانت دعواه في الطعام والشراب والهواء واشباه ذلك انها حية قادرة نافعة ضارة تحيي وتميت اجدر وأدخل في الشغب ممن ادعى ذلك في الشمس والقمر والسماء والكواكب، فيقول: وجدت الهواء حيث كان جاز ان يكون معه الحيوان، وحيث لا يكون لا يكاد يوجد حيوان، وإذا ركد مرض الأصحاء ونهك المرضى وتعفن عنده الثمار والطعام والنبات، فعلمت انه حيّ سميع بصير قادر يحيي ويميت. ثم يصير الى الماء فيقول: عند وجوده يوجد الحيوان والنبات وعند عدمه
المرضى وتعفن عنده الثمار والطعام والنبات، فعلمت انه حيّ سميع بصير قادر يحيي ويميت. ثم يصير الى الماء فيقول: عند وجوده يوجد الحيوان والنبات وعند عدمه
يتلف الحيوان والنبات، فعلمت انه حي ناطق سميع بصير نافع ضارّ. ثم يصير الى الارض ومرافقها فيذكر منها مثل ذلك، لما فيها من النبات والمعادن. وكذلك في النار قال: ألا ترى انها تعقد شيئا كالبيض وما أشبهه، وتحل شيئا كالنحاس والرصاص والذهب والفضة وما أشبه ذلك، وتبيض شيئا وتسود شيئا، فعلمت ان هذه الأشياء كلها حية ناطقة سميعة بصيرة فعالة. وهذا قول ماني، حتى قال في اجسام العالم كلها وفي كل جزء منها، حتى قال ذلك في الحديد والحجارة والحطب. والمنانية تقول في الاصوات التي تسمع عند قلي السمسم والباذنجان واصوات/ غليان القدور واصوات الحطب عند التشقيق، هذا كله صراخ وضجيج منها، لما تجره من الآلام. والمنانية تزعم ان الفلاسفة عنها اخذت هذه المذاهب، وانما ذكرت لك بهذا المكان لتعرف مقدار عقول الزنادقة والملحدة، ولولا فتنة قوم من الرؤساء والكتاب والوزراء بهم لما ذكرناهم، ولكن هؤلاء لغافلتهم وسوء تمييزهم قد اغتروا بهم لما ذكرناهم. وصارت هذه الباطنية تدعو اليهم، وتضع الروايات الكاذبة عن اهل البيت فيهم، فوجب ان نذكرهم بما فيهم ويصدق عليهم، ليعرفهم الناس.
وباب آخر [دعوة رسول الله على مضر وإمساك القطر عنهم] ومن آياته ﷺ، انهم لما كذبوه وآذوه في نفسه واصحابه دعا عليهم فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر، وابعث عليهم سنيّ كسنيّ يوسف ﷺ،



