تثبيت دلائل النبوة

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya القاضى عبد الجبار (w. 415 H).

Bagian 3 dari 18 708 halaman

— Bagian 3 · لى مضر وإمساك القطر عنهم] —

Bagian 3

لى مضر وإمساك القطر عنهم] ومن آياته ﷺ، انهم لما كذبوه وآذوه في نفسه واصحابه دعا عليهم فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر، وابعث عليهم سنيّ كسنيّ يوسف ﷺ،

فأمسك عنهم القطر حتى جفّ النبات والشجر وماتت الماشية، وحتى اشتووا القد «١» وأكلوا العلهر «٢» ، وتفرقوا في البلاد لشدة الحال. فوفد حاجب ابن زرّارة الى كسرى فشكا اليه ما نالهم، وسأله ان يأذن له في الرعي بالسواد ورهنه قوسه، وهي قصة معروفة نزل بها القرآن وجرى فيها الخوض، وهو قوله ﷿: «فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ «٣» » . والدخان الجدب «٤» ، ثم سمي دخانا لأن الغبار يرتفع في عام الجدب فيكون كأنه دخان، ولذلك سميت سنة الجدب غبراء لارتفاع الغبار فيها، وهذا شيء قد كان ومضى، ولا يجوز ان يكون هذا مما لم يأت، لأنه ﷿ يقول: «يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ «٥» » . ثم ورد على نسق/ «إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ، يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ» يعني يوم بدر، وهذا كله يدل على ان الدخان قد انقضى ومضى، وانه بدعائه، لأن العذاب في الآخرة لا يجوز ان ينكشف ولا يخف. وقد قال في هذا: «إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ» والعود الى المعاصي في الآخرة لا يقع ايضا. وكان انكشاف العذاب عنهم بدعائه ايضا، فأتاهم الغيث وكثر، ثم عادوا الى طغيانهم.

َلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ» والعود الى المعاصي في الآخرة لا يقع ايضا. وكان انكشاف العذاب عنهم بدعائه ايضا، فأتاهم الغيث وكثر، ثم عادوا الى طغيانهم.

قال اصحاب عبد الله بن مسعود «١» : كنا عند عبد الله جلوسا وهو مضطجع بيننا، فأتى رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن إن قاصّا عند ابواب كندة- يعني الكوفة- يقصّ، يزعم ان آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام. فقال عبد الله: - وجلس وهو غضبان- ايها الناس اتقوا الله، ومن علم شيئا فليقل بما يعلم، ومن لا يعلم فليقل الله أعلم، فإن الله قال لنبيه ﷺ: (قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) «٢» . إن النبي ﷺ لما رأى من الناس إدبارا قال: اللهم سبعا كسنيّ يوسف صلى الله عليه، فأخذتهم سنة حصدت كل شيء حتى اكلوا الجلود المنتنة والجيف، وينظر احدهم الى السماء فيرى دخانا من الجوع؛ فأثاه ابو سفيان بن حرب، فقال: يا محمد إنك حيث تأمر بالطاعة وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم. قال ابن مسعود: فكانت الدخان سنين كسنيّ يوسف ﵇ فكشف عنهم، اما ترونه قال: (إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ) بعد ان قال له: فارتقب فارتقب ﷺ ووقع، ثم دعا فكشف. والبطشة/ الكبرى يوم بدر. وقد مضت آية الروم وآية الدخان والبطشة واللزام.

باب ومن آياته بمكة، أنه ﷺ لما جمعهم ووعظهم ودعاهم الى اتباعه ومفارقة ما هم عليه من ديانات آبائهم ردّوا قوله، ومشى بعضهم الى بعض وقالوا:

(امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ، أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً؟) «١» وتوعدوه بكثرتهم وعزهم وأموالهم، ووثقوا بذلك، وغرهم ما رأوا من ضعف رسول الله ﷺ ووحدته وتوعدهم رسول الله وهو في تلك الحال، فأنزل الله (جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ) فكان كما أخبر وكانت العقبى له. فتأمل الامر في ذلك تجده عظيما لأنه توعدهم بالحرب قبل الحرب وقبل الجماعة وفي حال الضعف، وهو معهم وفي أسرهم وفي قبضتهم، فبعثهم على قتله واستئصاله، وهيّجهم على بذل المجهود واستفراغ الوسع في مكارهه، وهذا لا يقع من عاقل إلا ان يكون واثقا بالله، ساكنا الى تنزيله ووحيه. واذا وفّيت النظر حقه لم تجد لرسول الله ﷺ في اخوانه من النبّيين والمرسلين صلوات الله عليهم اجمعين نظيرا في الضعف والوحدة، ومن خالف قومه تلك المخالفة وهاجهم وأسخطهم ذلك الاسخاط، واخبرهم بما سيكون من قوته وغلبة الجبابرة من الأمم قبل ان يكون ذلك او يكون له امارة تقتضى، فصارت الامور في القوة والظهور الى ما قال، فابتدأ ابتداء الشمس وامتدّ امتداد النهار.

باب [ما كان بمكة حين بكى الرسول عليهم قوله تعالى: اقتربت الساعة] مما كان بمكة، حين تلا عليهم سورة «اقتربت الساعة» وقص عليهم أمة أمة من الذين كذبوا الرسل، وما نزل بهم من النكال والبوار، الى ان انتهى الى قوله: (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ

جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ. سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «١» فكان إدلالهم بكثرتهم وكثرة من يساعدهم على عداوته ومحاربته، وانه ان صارت له جماعة فجموعهم أكثر، والأموال والسلاح والكراع والعدة معهم لا معه، فكان ظاهر الرأي ومقتضى الحزم ان يكون لهم لا له، إلا ان يكون من الله ﷿ مالك القلوب وناقض العادات لأنبيائه، فكان كما قال، وكانت العقبى له.

عهم لا معه، فكان ظاهر الرأي ومقتضى الحزم ان يكون لهم لا له، إلا ان يكون من الله ﷿ مالك القلوب وناقض العادات لأنبيائه، فكان كما قال، وكانت العقبى له.

باب آخر [ما نزل بمكة من قوله تعالى «فاستمسك الذي اوحى اليك ... » ] مما نزل بمكة قوله: «فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ» «٢» أي شرف ونبل وجلالة، فهو عز ومعجز. ثم قال: «وسوف تسألون» أي عن شكر هذه النعمة، فكان كما أخبر وكما فسر فان القرآن بانت آياته، وظهرت بيناته، وقامت حجته، وكملت النعمة على رسول الله ﷺ وعلى صحابته به، فشرفوا وعزوا بمكانه، وذلك من الأمور البينة الواضحة؛ فانك تجد الفقهاء والعلماء قد أجلّوا القرآن ومن قرأ القرآن ومن عرف علوم القرآن، ولهذا قال ﷿ لقريش في ابتداء المبعث: «قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ» «٣» يريد القرآن، وانه عز ونبل وشرف، وستشرف به امم ممن/ تمسك به ودعا اليه، وقد فاتكم ذلك لإعراضكم، فكان ذلك كما أخبر.

وفي هذا المعنى قوله ﷿ «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى» «١» فتأمل ما في هذا، فإنه ﷺ ما عرف العزّ بالأبوين كما يعرف من رباه أبواه؛ فان أباه مات وهو حمل، وماتت أمه وهو رضيع، فاواه الله اكرم إيواء، فلما كمل، آتاه النبوة وعصمه وصانه، وأخبره ان الآخرة خير له من الأولى، فإنّ آخر أمره في عاجل الدنيا في النصرة والعزّ، وثواب الآخرة خير من الأولى؛ «وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى» ، أي ذاهبا عن النبوة لا تدري ما هي ولا تعرف القرآن. وفي مثل هذا المعنى قوله ﷿: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ. الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ. وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ) فإن ذكره ارتفع بالصدق والوفاء وقيام الحجة، فما وجد له اعداؤه كذبة ولا ذلة ولا هفوة مع حرصهم على ذلك، وما بارت له حجة، ولا زلّت له قدم، ولا أسكته خصم، مع كثرة الخصوم له، وطلب العلل وطول المجادلة.

وجد له اعداؤه كذبة ولا ذلة ولا هفوة مع حرصهم على ذلك، وما بارت له حجة، ولا زلّت له قدم، ولا أسكته خصم، مع كثرة الخصوم له، وطلب العلل وطول المجادلة.

باب آخر [من اعلامه قوله ﷿ «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ» ] من أعلامه، وهو قوله ﷿ «قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً» «٢» وفي هذا إخبار عن غيوب كثيرة، لأنه قال لكل واحد من الإنس والجن: إنك لا تأتي بمثل هذا القرآن ولا أحد يأتي بمثله في كل حال منفردين ولا مجتمعين، فما أتوا به مع حاجتهم الى ذلك وشدة حرصهم عليه، أفمن هذا تعجب؟ أم من إقدامه على الإخبار بذلك وهو لا يعرف العرب كلها ولا

يحصى قبائلها/ ورجالها ونساءها، والفصاحة والبلاغة مثبوتة في رجالها ونسائها وعبيدها وإمائها وعقلائها ومجانينها، وقد علم ﷺ أنهم في اللغة والبلاغة قبله، وهو منهم تعلم، وهو عاقل، فلولا أنه قد تيقن أنهم لا يأتون بذلك لما أقدم على الإخبار بذلك، سيما والذي ادّعاه امر عظيم وخطب جسيم، وهو النبوة والصدق والعصمة ونفاذ امره في النفوس والأموال ووجوب طاعته على كل احد الى ان تقوم الساعة، وحجته في ذلك كله هذا القرآن؛ وهذه من الآيات التي نزلت بمكة، ولو نزلت بالمدينة او أين نزلت لكانت الحجة بذلك قائمة لا تأثير للأماكن في ذلك ولا للأزمنة، وإنما نذكر الأماكن لأن الأعداء لما أفلسوا وافتضحوا، أخذوا في تشكيك الملوك والمترفين ومن يحب الرّخص ومن لم ينظر ويتأمل ويسمع من العلماء، أن هذا القول إنما قاله في آخر امره وفي آخر عمره. واعلم أن القرآن حجة من ثلاثة أوجه: فكل سورة منه حجة من طريق الفصاحة والبلاغة، وهو حجة لما فيه من الاخبار بالغيوب، وهو حجة لما فيه من التنبيه على دلائل العقول، فإن ذلك جاء على طريقة انتقضت به العادة، وقد مرّ بك طرف منه في المصباح «١» ، ولعل اكثر منه ان يرد عليك، فانما انت في ذكر الإخبار بالغيوب وما يجري مجراها، ثم نصير الى البابين الآخرين والى مسائل الخصوم في ذلك والأجوبة عنه إن شاء الله. من دلائله وإعلامه ﷺ، وهو إخباره عما في الكتب المنزلة وما تضمنته من/ خلق آدم صلى الله عليه، وما كان له مع الملائكة صلوات الله عليهم،

عنه إن شاء الله. من دلائله وإعلامه ﷺ، وهو إخباره عما في الكتب المنزلة وما تضمنته من/ خلق آدم صلى الله عليه، وما كان له مع الملائكة صلوات الله عليهم،

ومع ولده، ومع ابليس، وما كان لنوح مع قومه، ثم ابراهيم، وإسحق، ويعقوب، والاسباط، وعيسى، وأيوب، وموسى، وهرون، وغيرهم من النبيين صلوات الله عليهم اجمعين، وهو ما قرأ تلك الكتب ولا عرف ما فيها ولا اختلف الى اهلها ولا اختلفوا اليه، فتعلم انه ما علم ذلك إلا بوحي الله اليه واطلاعه عليه، وهي اخبار كثيره لا يقع الصدق فيها إلا بالوحي من الله ﷿. فإن قيل: أين لكم انه ما قرأ الكتب، ولا كان يختلف الى اهلها ولا اختلفوا اليه وأنتم ما أدركتم زمانه، وقد قال له عدوه: «وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا «١» » وقالوا: «إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ «٢» » ؟ قلنا: ما ادّعينا ان خصومه ما ادّعوا ذلك عليه، وليس دعواهم حجة عليه، بل لما انقطعوا وقامت حجته ادّعوا هذا عليه، ونحن وإن لم نكن في زمانه ﷺ، فقد علمنا انه ما قرأ هذه الكتب ولا اكتتبها ولا اختلف الى اهلها، ولا اختلفوا اليه، ولا تلقى ذلك عن احد من الناس، لأنه ما من أحد يطلب فنا من الفنون إلا وله في ذلك تارات وطبقات؛ فأول ذلك ان يكون طالبا وسائلا عمن عنده هذا الادب وهذا الفن من العلم والادب، ثم يختلف الى اهله ويصحبهم، فيكون تارة مبتدئا، ثم متوسطا ثم ماهرا متقدما. وكل هذه الاحوال معروفة معلومة لأهل زمانه، لا يجوز ان يذهب عليهم، ولا يجوز ان يخفى ولا يكتم عن احد كائنا من كان. فلو كان قد

م متوسطا ثم ماهرا متقدما. وكل هذه الاحوال معروفة معلومة لأهل زمانه، لا يجوز ان يذهب عليهم، ولا يجوز ان يخفى ولا يكتم عن احد كائنا من كان. فلو كان قد

تعاطاه ﷺ/ ثم اكتتم عليه، لكان ذلك من اكبر آياته وأعظم معجزاته، فاذا العادة قد انتقضت به، فقد اعطاه الخصم اكثر مما ادّعى، ولو جاز ان يخفى ذلك ويتستر على احد من الناس، لما استتر ذلك على محمد ﷺ لأن عدوّه وطالبه والمتتبع لأمره والمفتش عن احواله من قريش والأقربين من أهله ومن دهاة اليهود والنصارى وغيرهم كثير، والطلب منهم شديد ودعواه النفسية عظيمة، وقد ادّعى عليم الفرية والكذب ولنفسه الصدق، وحجته عليم ألا يكذب في شيء ولا يناقض، ثم إن الذين اتبعوه لأنه نبي وصادق. وقد عرف عدوه ووليّه منشأه ومتقلبه ومثواه، ومعهم سافر، وبينهم تربى ونشأ، وأزواجه إنما هنّ بنات اعدائه وأوليائه الذين اعتقدوا صدق نبوته، وهن ممن يعتقد صدقه ونبوته، فمن هذه سبيله، يتعلم الكتابة بالقلم الواحد او بالأقلام المختلفة، ويكتب ويقرأ، ويختلف الى اهل هذه اللغات ويصحبهم ويأخذ عنهم، ويتستر ذلك على اهله ونسائه وعدوه ووليه؟ هذا لا يعتقده من تأمل الامور وتدبرها. بل لو كان ذلك له ﷺ يوما واحدا او ساعة واحدة، لعلم به الأولون والآخرون للاحوال التي اختص بها مما قدمنا ذكره. ولا فرق بين من ادّعى هذا عليه، او ادعى انه قد كان مرة تهوّد وأظهر اليهوديّة، وخرج فأقام مرة ببابك، ومرة ببيت المقدس، وأنه كان مرة تنصّر ولبس المسوح وأقام في البيع، وخرج مرة وأقام ببلاد الروم وصام صوم النصارى وأفام أعيادهم وكان يحلق وسط رأسه كصنع الرهبان، وأن ذلك/ كله تم له وخفي على اهله ونسائه وعدوه ووليه. فتأمل رحمك الله هذه الآية فإنها عظيمة جليلة، ولو لم يكن له الا هي لكفت وأغنت. وانظر كيف يقول، قد اقتص قصة نوح ﵇ ثم قال في آخرها: (تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ. ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا

قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا. فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ «١» ) وانظر كيف يقول له: إن هذا ليس من علمك ولا من علم قومك، والعدوّ والوليّ يسمع ذلك. وتأمل قوله ﷿ في قصة يوسف ﵇ (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ) «٢» ثم عزاه وقال له: آياتك بيّنة وحجتك قائمة وإن عصوك، فما هاهنا شبهة في مخالفتك، ولا أمر يصدّ عن اتباعك، ولست اول من قامت حجته فلم يتبع، فقال له: «وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ. وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ. وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ» «٣» . وانظر كيف يدل ويستطيل ويصول على العدو والولي بأن هذا إنما ناله بالوحي، وانه ما قرأ كتابا ولا خط، وأنه قد كان في غفلة من هذا فقال: «وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ. وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ» «٤» . وقال له في أول سورة يوسف: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ» «٥» . ثم يقول في آخر السورة: «لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ

بْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ

يُؤْمِنُونَ» «١» . وتأمل قوله ﷿ في سورة القصص: «وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ «٢» » الى قوله: «وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ» وانظر الى هذا الاحتجاج بأنه ما نال هذا ولا عرفه إلا بوحي من الله. وانظر الى قوله في سورة طه: «وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ، أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى «٣» » . فتأمل هذا الاستعلاء على العدو والولي بأن من آياته وعلاماته ما في الصحف الأولى. وكان مما طعن به ابن الراوندي في هذه الآية ان قال: إن كان معرفته بهذا دلالة على نبوته فمعرفة اليهود بذلك دلالة على نبوتهم، وهذا جهل من هذا الأحمق، لأن اليهود قد قرؤوا ذلك وكتبوه واخذوه عن آبائهم وشاهدوه فلا يكون حجة لهم، وهذا ما قرأه ولا كتبه ولا اخذه عنهم ولا عن احد من الناس كما دلت عليه العقول، فهو حجة عليهم وعلى غيرهم، ولو ان إنسانا ادعى النبوة، وجعل دلالته بأن اخبرك عن كتاب معك ما قرأه ولا وقف عليه وإنما وقفت انت عليه فيما لا يقع بالاتفاق ولا بالحدس، لكان ذلك دلالة في نبوته ولم يكن دلالة لك، وكذلك إذا اخبرك عما اكلت وشربت وادخرت، ولكن اشتبه على هذا الملحد لفرط جهله وبعده من التحصيل، ولولا ان الاشعرية والرافضة والنصارى والزنادقة يرون هذا الرجل بعين المحصلين لما ذكرنا اسئلته لركاكتها، ولكنه صنف شيئا للمشبهة،

جهله وبعده من التحصيل، ولولا ان الاشعرية والرافضة والنصارى والزنادقة يرون هذا الرجل بعين المحصلين لما ذكرنا اسئلته لركاكتها، ولكنه صنف شيئا للمشبهة،

وشيئا/ للمجبرة، وشيئا للرافضة، فسروا به لنقصهم، وشهدوا له بالحذق لفرط غباوتهم وانهم لا يعرفون الاسلام وأهله، فمن اظهر لهم التصويب قبلوه لضعفهم وسوء احوالهم، وقبله اليهود والنصارى وحذقوه، لأنه شتم محمدا رسول الله وأظهر تكذيبه، وهو فقد شتم ابراهيم واسحق ويعقوب وموسى وهارون ويحيى وعيسى وجميع النبيين صلوات الله عليهم اجمعين وكذبهم، ولكن اليهود والنصارى بلا حجة ولا بصيرة في مخالفتهم المسلمين، فمن عادى محمدا ﷺ تولوه وإن كان عدوا لأنبيائهم، كما لا بصيرة لأهل بدع الاسلام من المشبهة والمجبرة والرافضة. وهذه السور مثل القصص وهود ويوسف من المكيات فاعلم ذلك.

باب آخر [من اعلامه اخباره عن النصرانية ومذاهبها] من آياته وأعلامه، وهو إخباره عن النصرانية ومذاهب النصارى من هذه الطوائف الثلاث منهم، وهي الباقية القائمة الراهنة في قولهم ان المسيح عيسى ابن مريم هو الله، وان الله ثالث ثلاثة؛ فان هذه الطوائف الثلاث من الملكية واليعقوبية والنسطورية «١» ، لا يختلفون في ان المسيح عيسى بن مريم ليس بعبد صالح ولا بنبي ولا برسول، وانه إله في الحقيقة، والله في الحقيقة، وانه هو خلق السموات والارض والملائكة والنبيين، وانه هو الذي أرسل الرسل وأظهر على ايديهم المعجزات، وان للعالم إلها هو آب والد لم يزل، غير مولود، وانه قديم خالق رازق، وإله هو ابن مولود، وانه ليس باب ولا والد، وانه قديم حيّ خالق رازق، وإله هو روح قدس ليس باب والد

ولا ابن مولود/ وانه قديم حيّ خالق رازق، وان الذي هو ابن نزل من السماء، وتجسم من روح القدس ومن مريم البتول، وصار هو ابنها إلها واحدا ومسمى واحدا وخالقا واحدا ورازقا واحدا، وحبلت به مريم وولدته، وأخذ وصلب وألم «١» ، ومات ودفن، وقام بعد ثلاثة ايام وصعد الى السماء وجلس عن يمين ابيه. فحكى قولهم في ان المسيح هو الله وان الله ثالث ثلاثة. وهكذا مذهبهم في الحقيقة ولا يكادون يفصحون به، بل يدافعون عن حقيقته ما امكنهم، حتى ان ارباب المقالات واهل العناية به من المصنفين لا يكادون يحصلون مذهبهم، وإنك لتجد النظّارين منهم والمجادلين عنهم اذا سألتهم عن قولهم في المسيح، قالوا: قولنا فيه انه روح الله وكلمته مثل قول المسلمين سواء، او يقول: إن الله واحد. وتجده ﷺ وقد حكى حقيقة مذهبهم، ولم يكن من المجادلين ولا من المتنبئين، ولا ممن يقرأ الكتب ويلقى اهلها، ولا من المتكلفين، ولا كانت مكة والحجاز اذ ذاك بلاد فيها شيء من هذا، فانتشر هذا عنه ﷺ، وفتش الناس عنه بعد ذلك فوجدوا الأمر كما قال وكما فصل، بعد الجهد وطول الاستقصاء في الطلب والتفتيش. وما اكثر ما تلقى منهم فيقول: ما قلنا في المسيح انه الله، ولا قلنا: إن الله ثالث ثلاثة، ومن حكى هذا عنا فقد أخطأ وكذب، ليعلم ان وقوف محمد ﷺ هذا انما هو من قبل الله ﷿، وان ذلك من آياته. فإن قيل: فإن قولهم في هذا وأن الله ثلاثة أقانيم جوهر واحد، كقول المسلمين بسم الله الرحمن الرحيم، وكقولهم في الله أنه حيّ قادر عالم. قيل له: هذا غلط على النصارى، وليس قولهم في التوحيد من قول

أقانيم جوهر واحد، كقول المسلمين بسم الله الرحمن الرحيم، وكقولهم في الله أنه حيّ قادر عالم. قيل له: هذا غلط على النصارى، وليس قولهم في التوحيد من قول

المسلمين بسبيل، وإنما يقول هذا من يروم المغالطة والفرار من فحش المقالة، / لأن الله عند المسلمين هو الرحمن وهو الرحيم وهكذا العالم القادر، وهي ذات واحدة لها صفات كثيرة، وأسماء كثيرة. وعند النصارى، أن الله الوالد ليس هو الابن المولود، ولا يجوز ان يكون الأب الوالد ابنا مولودا، ولا الابن المولود أبا والدا، وكذا روح القدس، ومن قال غير هذا فليس من النصارى؛ فان بليت منهم بمن هذه سبيله أعني الجحود لهذه المقالة الفاحشة فقل: إن كنت تريد أن هذا قولك وكذا تختار فما يدفعك عن هذا؟ فأما ان يكون هذا قولا للنصارى فهذا كذب وبهت، ولو أسلم نصارى عصرنا كلهم لما خرج هذا من ان يكون قولا لمن سبق وتقدم من هذه الطوائف الثلاث، فاعلم ان هذا هو مذهبهم في التثليث، قد حصل العلم به ولهم فيه ضرب أمثال، وذلك في تسابيحهم وأقاويلهم في عباداتهم، ألا ترى انهم يقولون في تسبيحة القربان في الساعة التي يكونون فيها خاضعين يتوقعون بزعمهم نزول روح القدس لقبول فاتور القربان: ليتم علينا وعليكم نعمة الرب يسوع المسيح بن مريم ومحبة الله الآب ومشاركة روح القدس أبدا الى دهر الداهرين. ويقولون في تسبيحتهم التي يسمونها تسبيحة الإيمان التي وضعت بنيقية» من بلاد الروم، وهذا كان بعد المسيح ﵇ بنحو ثلاثمائة سنة، حين جمعهم قسطنطانوس ابن فيلاطس «٢» ملك الروم، الذي امه هيلانة الحرّانية

ان التي وضعت بنيقية» من بلاد الروم، وهذا كان بعد المسيح ﵇ بنحو ثلاثمائة سنة، حين جمعهم قسطنطانوس ابن فيلاطس «٢» ملك الروم، الذي امه هيلانة الحرّانية

الفندقية، جمعهم ليعملوا تقريرا في ايمانهم يحملون الناس عليه ويأخذونهم به فمن أبى قتلوه، واجتمع عنده نحو ألفي رجل، فقرروا تقريرا ثم رفضوه، ثم اجتمع ثلثمائة رجل وثمانية عشر رجلا وهم يسمونهم الآباء، فقرروا هذا التقرير، وهم يسمونه سنهودس/، فكان تقريرهم لهذه التسية وهي أصل الأصول عند جميع هذه الطوائف لا يتم لأحد منهم عندهم إيمان إلا بها وهي: «نؤمن بالله الأب الواحد، خالق ما يرى وما لا يرى، وبالرب الواحد يسوع المسيح بن الله بكر أبيه وليس بمصنوع، إله حق من إله حق، من جوهر أبيه الذي بيده اتقنت العوالم وخلق كل شيء، الذي من أجلنا معشر الناس ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد من روح القدس ومن مريم البتول، وصار انسانا، وحبلت به مريم البتول وولدته، وأخذ وصلب وقتل امام فيلاطس الرومي، ومات ودفن وقام في اليوم الثالث كما هو مكتوب، وصعد الى السماء وجلس عن يمين ابيه، وهو مستعد للمجيء تارة اخرى للقضاء بين الأموات والأحياء. ونؤمن بالرب الواحد روح القدس، روح الحق الذي يخرج من ابيه، روح محييه، وبمعمودية واحدة لغفران الخطايا، وبجماعة واحدة قديسيّة سليحيّة «١» جاثلقية، وبقيام أبداننا، وبالحياة الدائمة الى أبد الآبدين» . فتأمل هذا الشرح وهذا التفصيل والكشف في التثليث والتشبيه، وكيف

واحدة قديسيّة سليحيّة «١» جاثلقية، وبقيام أبداننا، وبالحياة الدائمة الى أبد الآبدين» . فتأمل هذا الشرح وهذا التفصيل والكشف في التثليث والتشبيه، وكيف

يعتقدون في الله حقيقة المدبرين المصنوعين من النزول والصعود والولادة وغير ذلك. فان قالوا: فانا لا نقول انها ثلاثة آلهة، فكيف يحكون عنا التثليث؟ قلنا لهم: انكم قد أعطيتمونا معنى التثليث وأشعتموه واستوفيتم حقائقه، ومنعتم/ بعض العبارة عنه، ألا ترون انكم تقولون إله هو أب والد حيّ قادر قديم عالم خالق رازق، وإله هو ابن مولود كلمة حي قديم خالق رازق ليس باب ولا والد ولا يجوز ان يكون والدا ولا أبا، وإله روح قدس حي عالم قديم خالق رازق. ثم قلتم هي ثلاثة أقانيم، فقلتم في كل واحد منها انه إله ورب وقديم، وامتنعتم من الاقرار بالجملة وقد أعطيتم التفصيل، وما مثال ذلك إلا كمن قال: عبد الله العربي «١» رجل وانسان وجسم وشخص، وخالد الفارسي «٢» رجل وانسان وجسم وشخص، وزيد الرومي رجل وانسان وجسم وشخص، قلنا: فهولاء ثلاثة رجال، وثلاثة أناس، وثلاثة اشخاص، وثلاثة اجسام. فقلتم: لا، بل هم رجل واحد. قلنا: لا يؤثر امتناعكم من اطلاق هذه العبارة في شيء قد أشيعت حقيقته. وفيهم من يمتنع من ان يقول في كل واحد من هذه الثلاثة انه غير صاحبه، ثم يقولون: ما شبهنا ولا مثلنا، فكانوا كالمشبهة الذين يقولون: إله يصعد وينزل ويقعد على العرش، ثم يقولون: ليس كمثله شيء. والذي يمنع النصارى من اطلاق القول بأنها ثلاثة آلهة متغايرة مختلفة وان كانوا قد اعطوا معنى ذلك، إلا لأنهم صدقوا بكتاب الله ﷿ التي صدق

بها المسيح ﵇، وهي مملوءة بتوحيد الله وتفرده بالقدم، وانه لا يشبه الأشياء، وانما هذه البدع ابتدعوها بعد المسيح، فأرادوا حمل بدعتهم في الشرك على ما في كتب الله فلم يتم ذلك وحصلوا على محض الشرك والتشبيه/. فإن قيل: قد لعمري صدقتم فيما حكيتم من التثليث، فإن الملكية تقول فيه: إنه إله حق من إله حق من جوهر ابيه، وان القتل والصلب والولادة وقعت عليه بكماله؛ واليعقوبية تقول: حبلت مريم بالإله، وولدت الإله، وقتل الإله، ومات الإله، فما عندكم في النسطورية؟ فإنهم قد قالوا في المسيح انه مركب من نوعين وأقنومين «١» وطبعين، من إله ومن انسان، وان الولادة والقتل إنما وقعتا بالانسان وهو الذي يسمونه الناسوت. قيل له: لو كانت النسطورية تقول في المسيح كما يقول المسلمون لما قدح ذلك في الخبر ولا اثر في العلم لأن التثليث قد وقع، كيف والنسطورية ترجع الى القول في المسيح الى قول اخوانهم من الملكية واليعقوبية، فيقال للنسطورية قد قلتم إنه إله حق من إله حق من جوهر ابيه، وقلتم إنه إله تام من إله تام، ثم قلتم إن لاهوته مولود من قبل الأب وناسوته مولود من قبل الأم، والولادة قد احاطت به من كل وجه ومن كل جهة؛ وايضا فإنكم تمدحون الإله بالولادة كما يمدحه المسلمون بتنزيهه عن الولادة، وتقولون لو لم يكن والدا لكان عقيما، وكل حى لا يكون والدا فإنما ذاك لنقص وآفة وعاهة. فلا ينبغي ان تغالطوا عن حقيقة قولكم. ثم يقال لهم: اخبرونا عن مريم هل حبلت بالمسيح في الحقيقة، وولدت

وكل حى لا يكون والدا فإنما ذاك لنقص وآفة وعاهة. فلا ينبغي ان تغالطوا عن حقيقة قولكم. ثم يقال لهم: اخبرونا عن مريم هل حبلت بالمسيح في الحقيقة، وولدت

المسيح في الحقيقة، وربت المسيح واطعمت المسيح في الحقيقة، وهي/ ام المسيح في الحقيقة؟ فإن قالوا: ولدت ناسوت المسيح او حبلت ناسوت المسيح قلنا: لم نسألكم عن هذا، فإن ناسوت المسيح عندكم ليس هو المسيح وإنما المسيح هو اللاهوت، ولاهوت المسيح عندكم ليس هو المسيح إنما هما مجموعهما المسيح، اجيبونا، فان كانت مريم قد ولدت المسيح في الحقيقة وحبلت بالمسيح في الحقيقة، فقد حبلت بالإله والانسان وولدت الإله والانسان، وهي ام الإله والانسان، وقد قتل الإله والانسان، وألم الإله والانسان، ومات الاله والانسان؛ فقد تبين ان قولكم وقول الملكية واليعقوبية في ذلك سواء. وإن قالوا ما ولدت المسيح في الحقيقة، ولا هي ام المسيح في الحقيقة قلنا لهم: فليس هذا قول احد من النصارى ولا قول المسلمين ايضا بل هو قول اليهود، فانهم قالوا: إن مريم ما حبلت به. وإن قالوا: نقول هي أم المسيح على المجاز، ومات المسيح في المجاز، قلنا لهم: لم نسألكم عن المجاز، إنما سألنا عن الحقيقة، فانه على هذا التقدير ربما ايضا يكون حمل مريم من غير ذكر مجاز، وإحياؤه المؤتى مجاز، وجميع ما يدعونه له مجاز، وهذا لا سبيل اليه، لأنهم إن قسموا أفعاله من من لاهوته وناسوته وجب ذلك كله، لأنه اذا احيا الموتى وأظهر الآيات فانما ذلك فعل اللاهوت واللاهوت وحده ليس بمسيح، واللاهوت ما رآه الناس فلا يجوز ان يقال رأى المسيح، وإذا أكل وشرب ونام واستيقظ فذلك فعل الناسوت والناسوت وحده ليس بالمسيح، فقد وجب/ جميع ما قدمناه وهم لا يصيرون اليه ولا يلتزمونه، ومن صار اليه خرج عن النصرانية وعن جميع اقوال المثلاثة. وقد علمت ان حقيقة قولهم ما في تسبيحة ايمانهم وهي اصل الاصول، وليس لأحد من طوائفهم عنها ولا عن شيء منها

ليه خرج عن النصرانية وعن جميع اقوال المثلاثة. وقد علمت ان حقيقة قولهم ما في تسبيحة ايمانهم وهي اصل الاصول، وليس لأحد من طوائفهم عنها ولا عن شيء منها

معدل، وإنما وضعت حين صار الملك الى هذا القول، وحين خالفهم آريوس «١» الافصاح بالمذهب ولرفع التأويل والأوهام في المقالة. وعند هذه الطوائف الثلاثة، ان المسيح صار مسيحيا وإلها خالقا رازقا معبودا حين بشّر الملك امه وساعة الحمل به، فاتحد به الإله فصار جميعا مذ ذاك مسيحا واحدا وإلها واحدا، وأن الاتحاد ما انتفض عندهم ولا بطل، ولا خرج عن المسيحية والإلاهية لا في حال الحبل ولا في حال الولادة ولا في حال النوم ولا في حال الأكل ولا في حال البول والتغوّط ولا في حال المرض ولا في حال القتل ولا في حال الموت، وأنه في جميع هذه الأحوال مسيح وإله ورب معبود وخالق ورازق ومدبّر. ويقولون: هو احيا نفسه بعد الموت لأنه محال عندهم ان يحيي الموتى غير المسيح، وقد علمت تسبيحة الايمان وتفصيلها فارجع اليه، ففيه أتم كفاية لتعلم مغالطة النسطورية وجميع من يجادل عن النصرانية. وقد قال فولوص «٢» - وهم عندهم فوق الانبياء وقد ذكر صنيع اليهود بالمسيح-:

جع اليه، ففيه أتم كفاية لتعلم مغالطة النسطورية وجميع من يجادل عن النصرانية. وقد قال فولوص «٢» - وهم عندهم فوق الانبياء وقد ذكر صنيع اليهود بالمسيح-:

لو علموا لما صلبوا رب المجد الذي له الحمد والبركات ابد الدهر. وقال/ ايضا: الذي ليس بمعاين عوين، والذي ليس بمحسوس حس، والعالي على الزمان أبتدىء، وابن الله صار ابن الانسان، وألم الذي لم يكن يألم ووالده الله، فتأمل ما في هذا فانه يفصح بأن الله لم يكن يعاين فصار يعاين، ولم يكن يحسّ فصار يحسّ ويدرك، وأنه كان قبل الزمان فابتدىء وصار في الزمان، وألم الذي لم يكن يألم، وابن الله صار ابن الانسان، وصار ابن الانسان ابن الله ووالده الله، وهذه صفات المسيح الذي هو عندهم الله وابن الله. قالوا: وقد قال الآباء- وقد ذكروا ما صنع فيلاطس الرومي واليهود-: انهم لما صلبوا رب المجد عرفوه. قالت النصارى هذه كلها اقاويلنا وفيها حقيقة مذهبنا. قالوا وقد قال الفاضل ياوانس: المساوى للأب جاء الى العالم في الرحم البتول، وكان قبل ان يكون آباؤه ابراهيم وإسرائيل وداود، وهو ابن الله قبل ان يدعى ابن ابراهيم وداود. وقالوا: فهذه حقيقة ديننا، فان جاء فيه ان الله انسان او من جنس الناس، او أنه يتقلب في الصور والهيئات وينتقل ويتشكل لم ننفر من ذلك، ولم ندع ما اسسه الأباء والقدوة لما يوجب الجدل ويلزم في النظر. فتأمل هذا، وقولهم: المساوي للآب جاء الى العالم في الرحم البتول وكان قبل ان يكون آباؤه ابراهيم وإسرائيل وداود وهو ابن الله قبل ان يدعي ابن ابراهيم وداود، لتعلم ان اعتقادهم وقولهم ان هذا الذي ولدته مريم هو ابن الله وهو الله، وأنه مثل الأب الذي في/ السماء على العرش عندهم، وأن هذا هو الذي لم يزل، وأن الذي حدث وتجدد ولادة مريم له، وأن ابراهيم وإسرائيل وداود انما صاروا آباءه من قبل امه لأنها

من بني اسرائيل، وأنه كان ابن الله قبل ان يكون ابن ابراهيم وإسرائيل وداود. قالوا: وقد قال علماؤنا ومن هو القدرة عند جميع طوائفنا: يسوع في البدء لم يزل كلمة، والكلمة لم تزل لدى الله، والله هو الكلمة، ويسوع هو عيسى بالسريانية «١» . قالوا: فذاك الذي ولدته مريم وعاينه الناس وكان بينهم هو الله وابن الله وهو كلمة الله. قالوا: وقد قال يوحنا السليح «٢» : إنا نبشركم بالذي لم يزل من قبل، وأنا رأيناه بأعيننا، وحسسناه بأيدينا. قالوا: فما فيمن هو الحجة لجماعتنا الا من يكشف الامر كشفا لا يتعرض لتأويله الا من يكابر عقله. فعندهم ان القديم الأزلي خالق السماوات والأرض هو الذي عاينه الناس بأبصارهم، ولمسوه بأيديهم. قالوا وقد قال أرميا النبي وقد ذكر المسيح والبشارة به: هذا الهنا ولا نعوذ معه غيره، وانه في آخر الزمان تراءى على الأرض وتردد مع الناس، فتأمل هذا الكشف. قالوا: وقد قال بطرس «٣» وهو بكر ايماننا واصل بيعتنا لما سئل عن ابن الله لا عن ابن الناس، وعن كلمة الله لا عن كلمة الناس فقال: هو الذي كان بين الناس وتردد معهم، وأبرأ الذين نكأهم الشرير. قالوا: وقد خاطب الناس/ من بطن أمه مريم، فقال للأعمى: أنت

لمة الله لا عن كلمة الناس فقال: هو الذي كان بين الناس وتردد معهم، وأبرأ الذين نكأهم الشرير. قالوا: وقد خاطب الناس/ من بطن أمه مريم، فقال للأعمى: أنت

مؤمن بابن الله، قال الاعمى: ومن هو حتى أؤمن به؟ قال: قد رأيته وهو المخاطب لك، قال: آمنت يا سيدي، وخر ساجدا. قالوا: فما الذي بقي من الافصاح بأن الذي حبلت به مريم وكان في بطنها هو الله وابن الله وكلمة الله. قالوا: وقد قالت ام يحيى بن زكريا- وقد دخلت على مريم وهي حبلى بالمسيح، وام يحيى حبلى به- ان هذا الذي في بطني قد سجد للذي في بطنك. قالوا: فما الذي يبقى في البيان في ان الإله المعبود الذي هو الله وابن الله وكلمة الله هو الذي حبلت به مريم وولدته. قالوا: ولما عمّده يوحنا في الأردن تفتحت ابواب السماء ونادى الأب: هذا ابني وحبيبي الذي سررت به نفسي. ونزل روح القدس في صورة حمامة ورفرفت على رأس المسيح، قالوا: فالمتعمد هو الله الابن، والمنادي هو الأب، والنازل هو روح القدس، وانظر كيف يفردون كل واحد منهم بصنع غير صنع صاحبه. قالوا: وفي البشارة به حين قال جبريل لمريم: ها انت تحبلين وتلدين، قالت له: كيف يكون هذا وما مسني رجل؟ فقال لها: ربنا معك، والهنا معك، وأيدي العلي تحلّ عليك، وروح القدس تأتيك، والذي يولد منك قدوس وابن الله يدعى، قالوا: فقد خبّرها بأنها تحبل بابن الله لا بابن الناس، وانها تلد ابن الله لا ابن الناس، وان الله معها. قالوا ولا نريد بقولنا معها ومع ابنها بمعنى التأييد والنصر والمعونه كما يكون الله/ مع الأنبياء والصالحين والمؤمنين، لأن المسيح عند طوائفنا الثلاث ليس بنبي ولا بعبد صالح، بل هو رب الأنبياء وخالقهم وباعثهم ومرسلهم وناصرهم ومؤيدهم

له/ مع الأنبياء والصالحين والمؤمنين، لأن المسيح عند طوائفنا الثلاث ليس بنبي ولا بعبد صالح، بل هو رب الأنبياء وخالقهم وباعثهم ومرسلهم وناصرهم ومؤيدهم

ورب الملائكة؛ ولا هو معها ومع ابنها بمعنى الخلق والتدبير والتقدير كما يكون مع سائر إناث الحيوان من الناس والكلاب والحمير والخنازير بالخلق والصنع والتقدير، ولكنه معها لحبلها به ولاحتواء بطنها عليه، فلهذا فارقت جميع اناث الحيوان، وفارق ابنها جميع النبيين، فصار الله وابن الله الذي نزل من السماء وحبلت به مريم وولدته والمولود منها الها واحدا ومسيحا واحدا وربا واحدا وخالقا واحدا مذ وقت بشارة جبريل ﵇ لها، لا يقع بينهما فرق، ولا يبطل الاتحاد بينهما بوجه من الوجوه، ولا في الحبل، ولا في الولادة، ولا في حال نوم، ولا مرض، ولا صلب، ولا موت، ولا دفن، بل هو متحد به في حال الحبل، فهو على تلك «١» الحال: مسيح واحد، وخالق واحد واله واحد، وفي حال الولادة كذلك، وفي حال الموت والصلب كذلك. قالوا: فمنا من يطلق في لفظه وعبارته حقيقة هذا المعنى، فيقول: مريم حبلت بالإله، وولدت الإله، ومات الاله؛ ومنا من يمنع هذه العبارة ويعطي معناها وحقيقتها، فيقول: مريم حبلت بالمسيح في الحقيقة، وولدت المسيح في الحقيقة، وهي ام المسيح في الحقيقة، والمسيح إله في الحقيقة، ورب في الحقيقة، وابن الله في الحقيقة، وكلمة الله في الحقيقة، لا ابن لله في الحقيقة إلا هو، ولا أب للمسيح في الحقيقة إلا هو، ولا أم للمسيح إلا مريم. قالوا: فؤلاء يوافقون في المعنى قول من قال/ فيها: إنها حبلت بالإله، وولدت الإله، وقتل الاله وألم الاله، ومات الاله، وانما يمنعون اللفظ والعبارة فقط.

قالوا: فؤلاء يوافقون في المعنى قول من قال/ فيها: إنها حبلت بالإله، وولدت الإله، وقتل الاله وألم الاله، ومات الاله، وانما يمنعون اللفظ والعبارة فقط.

قالوا: وانما منعنا هذه العبارة التي أطلقها إخواننا لئلا يتوهم علينا إذا قلنا: حبلت بالاله، وولدت الاله، ومات الاله، وألم الاله، إن هذا كله حلّ ونزل بالاله الذي هو أب، ولكنا نقول: حلّ هذا كله ونزل هذا كله بالمسيح، والمسيح عندنا وعند طوائفنا إله تام، وإله حق من إله حق، من جوهر أبيه. قالوا: لا نريد بأنه معنا على معنى النصر والتأييد ولا معنى الخلق والتدبير، لأنه مع جميع الانبياء والصالحين كذلك، ومع جميع المخلوقات بالخلق والتدبير، وكأن يكون قولنا وقول المسلمين واليهود واحدا في التوحيد. قالوا: والآباء والقدوة منا يقولون: ابن الله يدعى ابن الانسان، وابن الانسان يدعى ابن الله، وآدم الجديد هو الاله الألم الذي قتل ومات. قالوا: وعندنا ان المسيح قال: ابن البشر هو رب السبت «١» . وقال ايضا: أنا بأبي وأبي بي، ولا يعرف احد الات إلا الابن، والابن لا يعرفه إلا الاب، وانك إله بي وأنا بك «٢» . وقال: انا في ابي، وابي فيّ. وقال: انا قبل ابراهيم، وقد رأيت ابراهيم وما رآني، فقال له اليهود: كذبت، كيف تكون قبل ابراهيم وأنت من ابناء ثلاثين سنة، فقال: انا عجنت طينة آدم وبحضرتي خلق، وانا اجيء واذهب واذهب واجيء «٣» . قالوا: وهذا القول عندنا للمسيح في الحقيقة، ولو كان قولا للإله الذي ليس هو المسيح

لما كان له معنى. وعندنا ان المسيح بن آدم وربه وخالقه ورازقه وابن/ ابراهيم وربه وخالقه ورازقه، وابن اسرائيل وربه وخالقه ورازقه، وابن مريم وربها وخالقها ورازقها. قالوا: وقد اعتل لنا من يناظر عنا بأن الله والد في الحقيقة وان تولد ابنه منه كتولد ضياء الشمس من الشمس وكتولد الكلمة من العقل، ونحن فما قلنا: إنه والد وله ولد في الحقيقة بهذا الاعتلال، بل لما قدمنا من قول الآباء والقدوة. وعلى ان هؤلاء قروا بهذا القول من التشبيه لله بالمتناسلين المتناكحين من المخلوقين، فشبهوه بالموات والجماد، فوقعوا في شر ما هربوا منه ودفعوا الضرورة، لأن مريم قد ولدت المسيح إله الكل ولادة صحيحة في الحقيقة معقولة، ولادة الاحياء الناطقين بغير تناكح ولا تناسل، ومن قال إن مريم ما حبلت بالمسيح في الحقيقة، ولا ولدت المسيح في الحقيقة، ولا هي ام المسيح في الحقيقة، فليس من طوائف النصارى. وكذا من قال ليس المسيح إلها في الحقيقة، ولا ربا للخلائق في الحقيقة، فليس من الملكية ولا من اليعقوبية ولا من النسطورية. قالوا: وقد قال القدوة عندنا: إن اليد التي سمّرها اليهود في الخشبة هي اليد التي عجنت طين آدم وخلقته، وهي اليد التي شبرت السماء، وهي اليد التي كتبت التوراة لموسى. وقالوا: وقد وصفوا صنيع اليهود بالمسيح: إنهم لطموا الإله وضربوه على رأسه، وعجب لإله يضرب على رأسه. وتعالوا فانظروا الى الإله يلطم ويضرب على/ رأسه.

ى. وقالوا: وقد وصفوا صنيع اليهود بالمسيح: إنهم لطموا الإله وضربوه على رأسه، وعجب لإله يضرب على رأسه. وتعالوا فانظروا الى الإله يلطم ويضرب على/ رأسه.

قالوا: وفي بشارة الأنبياء، ان الاله يجيء، وتحبل/ به امرأة عذراء وتلده، ويؤخذ ويصلب ويقتل. قالوا ولنا سنهودس قد اجتمع عليه نحو سبعمائة من الآباء والقدوة، فيه ان مريم حبلت بالاله وولدته وارضعته وسقته واطعمته، وهذا دون ما في تسبيحة الايمان من الولادة والقتل والألم والصلب والموت والدفن. قالوا: وأقاويلنا كلها من اولها الى آخرها التي ذكرناها لكم من اصل ديننا وحقيقة مفصحة بذلك، فهذه حقيقة ديننا وايماننا ولنا من هذا المعنى من السرياني والعربي اكثر مما ذكرناه. فهذا يرحمك الله كما ترى وتسمع، فلولا ان رأينا قوما عقلاء يقولون هذا، وسمعناه منهم حين فتشنا عمّا قاله الله وحكاه عنهم فنطقوا به بعد الجهد واخرجوه من غوامض اسرارهم، لما صدق الناس ان في الدنيا من قال هذا او نطق به. وإذا تأمل العاقل الأمور وفتش وطال بحثه وجهد، رأى الجهل في الأمم والاقاويل المشتملة على الحمق كانت في الامم قبل الاسلام. فالفلاسفة تدعى في هذه الاجسام الجماد والموات من الشمس والقمر والكواكب والسماء أنها حية عاقلة مميزة تخلق وترزق وكانوا لها عابدين، والنصارى كما قد علمت، والمجوس «١» عندها ان الاله غالبه الشيطان ونزل الى الارض «٢» ، وكانت الحرب بينهما ألف سنة، وان الشيطان غلبه وحاصره

لها عابدين، والنصارى كما قد علمت، والمجوس «١» عندها ان الاله غالبه الشيطان ونزل الى الارض «٢» ، وكانت الحرب بينهما ألف سنة، وان الشيطان غلبه وحاصره

في جنته مع ملائكته وان الملائكة عند ذلك سعوا بينهما في الصلح ووقعت المهادنة بينهما/ على شرائط معروفة مذكورة عند من حكى المقالات، وشرحها يطول «١» ، ثم رجع عندهم بملائكته الى سمائه غير انهم ما قالوا قتل كما قالت النصارى، ولا بلغوا الى هذا وان كانوا قد فحشوا في القول. وقد كانت القبط تقول بإلاهية فرعون صاحب مصر، والمنانية من الزنادقة فقولها في نحو من قول المجوس، وأقاويل الهند في البدّ معروفة. فلما جاء الاسلام بتلك الانوار، وبأن من كان جسما ومحتاجا لا يكون إلها ولا يفعل جسما كما قدمت لك في «المصباح» ، وهو ايضا مذكور في غيره. وكان من ﵀ بخلقه ان سلطان الاسلام ظهر على الاديان كلها، وكان حملة السلاح هم الأتقياء والأولياء العلماء الفقهاء، فاستحيا اهل البدع منهم فانقبضوا وكانت لهم هيبة التقوى. فمات اولئك ﵃ وطال العهد، وصار بعدهم ملوك جبابرة غير انهم كانوا حملة الاسلام. ثم لم يزل الأمر يتناقص، فصارت السيوف كلها على الاسلام، ومات أهله، وصار في الزندقة والإلحاد السيف والملك فعادوا الى ما كانوا عليه من الجاهلية. ألا ترى ان من بالإحساء من القرامطة والباطنية «٢» لما غلبوا شتموا الانبياء، وعطلوا الشرائع، وقتلوا الحجاج والمسلمين حتى أفنوهم، واستنجوا بالمصاحف

ية. ألا ترى ان من بالإحساء من القرامطة والباطنية «٢» لما غلبوا شتموا الانبياء، وعطلوا الشرائع، وقتلوا الحجاج والمسلمين حتى أفنوهم، واستنجوا بالمصاحف

والتوراة والإنجيل، وجاؤوا بزكيره الاصفهاني المجوسي «١» وقالوا هذا هو الإله في الحقيقة وعبدوه، وكان لهم معه ما هو مذكور معروف. ومثل هذا/ صنع ابو القاسم الحسن بن حوشب بن زاذان الكوفي النجار «٢» حين ظهر بجبال لاعة من ارض اليمن، وكذا صنع من كان منهم بالجند «٣» وعدن من ارض اليمن، وسبوا العلويات، وكل هؤلاء كانوا في اول امرهم يخدعون الناس بأنهم شيعة، وأن المهدي ارسلهم. وكذا صنع من كان منهم برقّاده والقيروان من ارض المغرب، الى ان قام ابو يزيد مخلد بن كدّاد «٤» بمن معه وحاربهم خمس سنين وضيق عليهم كما صنع الأصفر بأهل الإحساء «٥» ، فلما انكشف أمر أبي يزيد عمن بالمغرب كفوا عن المكاشفة للعامة بشتم الأنبياء وتعطيل الشرائع، وصاروا يخدعون الناس سرا وينقلونهم عن الاسلام بالحيل والأيمان من حيث لا يشعرون شيئا شيئا، وانبثوا وانبسطوا، وبثوا ذلك في ممالكهم، ويقصدون بدعوتهم الديلم والأعراب وكل من يقل بحثه ونظره وله رغبة في الدنيا وشغل بها.

ثم يقطعونهم عن البحث والنظر بالعهود والايمان المغلظة، ومن دخل بلدانهم وشاهد عساكرهم وتأمل سيرتهم يعرف ذلك من قصدهم، بل من سأل واستبحث يعلم ذلك وإن لم يصر اليهم. وقد صاروا حرما للملحدة والزنادقة والفلاسفة والدهرية وجميع اعداء الاسلام، فمن هاجر اليهم أمن في إلحاده وقال ما شاء كيف شاء، فيا لها مصيبة بذهاب الاسلام وموت اهله وقلة العارفين به وبحقوقه، فان من بقي ممن يظن انه من اهله فمنهم من يشبّه الله بخلقه، ومنهم/ من يجوّره في حكمه وإلى غير ذلك.

وباب آخر [ما اشار إليه من اختلاف النصارى حول المسيح ﵇] وهو ان هذه الطوائف الثلاث من النصارى أشد عالم الله تعظيما للمسيح وتحققا به وحبا له، يدّعون انهم شيعته واتباعه، وانهم اطوع الناس له، وان ما هم عليه عنه اخذوه، وبه اقتدوا فيه، وعلى وصاياه عملوا. وقال ﷺ: ان المسيح عبد الله ورسوله أتى الناس بما جاءهم الأنبياء قبله، من آدم ونوح وابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط وموسى وهرون وغيرهم من الأنبياء صلوات الله عليهم اجمعين، من الدعاء الى عبادة الله وتوحيده وحده، والاخلاص له وحده بالعبادة والقدم والربوبية؛ وان النصارى قد كذبوا عليه، وبدّلوا دينه، وعطلوا وصاياه، وانهم ضاهوا بقولهم قول الذين كفروا من قبل، الذين اتخذوا المخلوقات آلهة وأربابا ودعوها وتضرعوا لها، كالفلاسفة والصابئين من اهل حرّان «١» ، فانهم

ياه، وانهم ضاهوا بقولهم قول الذين كفروا من قبل، الذين اتخذوا المخلوقات آلهة وأربابا ودعوها وتضرعوا لها، كالفلاسفة والصابئين من اهل حرّان «١» ، فانهم

اعتقدوا في الشمس والقمر والكواكب والسماء ما قدمنا ذكره، كالقبط الذين قالوا في فرعون ما ذكرنا، وكغيرهم؛ فقد قال بربوبية المخلوقات والمخلوقين خلق كثير، وشرح احوالهم يطول؛ وان المسيح ﷺ عدوّ لهؤلاء النصارى وبريء منهم فوجد الناس الأمر كما قال، وعلى ما شرح وفصّل، فكم في هذا من عجب، انه رجل عربي أمي يخبر عن رجل قد سبقه بنحو الف سنة، ولسانه غير لسانه، / وبلده غير بلده، وقومه غير قومه، يخبر عنه بأمور كان عليها. وقد وجد ﷺ أمما ممن كانوا قبله يدعون التحقيق بهذا الرجل وهم على منهاجه وطرائقه، فلو كان منقولا لتهيب الاقدام على ذلك، وكان لا يأمن ان يكون القوم الذين سبقوه في الزمان وتحققوا بهذا الرجل قد صدقوا عليه، وانهم أتباعه كما ادعوا فلا يأمن ان يظهر كذبه، سيما وقد ادعى الصدق والنبوة والرسالة على اهل الارض كلهم وعقله الذي لا يدفع. فانظر كيف يتعرض لعظيمات الأمور، وجسيمات الخطوب. وحكى عن ربه ﷿ ان النصارى ليسوا على شيء مما «١» جاء به احد من الانبياء، فقال: «وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ» «٢» فأقدم على أشياء قد تدبر بها العقلاء وجبابرة الملوك قبله وفيه فضائحهم وهتكهم، فيؤخذ الامر كما قال، فلو لم يكن إلا هذا من أعلامه لكفى وشفى وأغنى.

«٢» فأقدم على أشياء قد تدبر بها العقلاء وجبابرة الملوك قبله وفيه فضائحهم وهتكهم، فيؤخذ الامر كما قال، فلو لم يكن إلا هذا من أعلامه لكفى وشفى وأغنى.

فإن قيل لكم ومن اعطاكم ان دين المسيح خلاف دين النصارى، وأنهم قد خالفوه؟ قلنا: من تأمل الامر وجدهم اشد الناس خلافا عليه واطّراحا لوصاياه في الاصول والفروع جميعا. فأما في الاصول فقد آمنوا وعبدوا ثلاثة آلهة وثلاثة أرباب كما قدمنا وتبيّنا، ولا يختلفون في ان المسيح عيسى بن مريم ليس بنبيّ ولا عبد صالح، وأنه إله حق من اله حق من جوهر ابيه، وأنه اله تام من اله تام، وانه خالق السماوات والارض والاولين والآخرين ورازقهم ومحييهم ومميتهم وباعثهم وحاشرهم ومحاسبهم ومثيبهم ومعاقبهم. وقد ذكرنا ما يقوله النسطورية من انه إله مركب من نوعين/ وطبيعتين، وبيّنا ما يرومونه من المغالطة. فإن قالوا: فإنا لا نفرد واحدا «١» من هذه الآلهة بالعبادة بل نعبدها كلها بعبادة واحدة، قيل له: ان هذا لا يخرجكم من ان تكونوا قد اشركتم في القدم واشركتم في العبادة، ولا يقدح فيما حكيناه عنكم، لأنه يصح ان نعبد مائة الف معبود بعبادة واحدة. وعلى انا نجدكم تفردونها وكل واحد منها بالانعام والايمان كما هو مذكور في تسبيحة الايمان وتسبيحة القربان، وتفردونها ايضا بالصنع والأفعال والخلق والتدبير، كما قلتم فيما كان منها من الافعال حين عمّده يحيى مما تقدم ذكره، وتقولون ان النازل من السماء حتى صار في بطن المرأة وصار هو وابنها بالاتحاد الذي فعله إلها واحدا ومسيحا واحدا، وانه هو الذي اظهر الآيات في الارض، وهو المقتول المصلوب، وهو الذي احيا نفسه بعد الموت، وصعد الى السماء، وجلس عن يمين ابيه. فهذه الافعال كلها الابن فعلها لا الأب.

اظهر الآيات في الارض، وهو المقتول المصلوب، وهو الذي احيا نفسه بعد الموت، وصعد الى السماء، وجلس عن يمين ابيه. فهذه الافعال كلها الابن فعلها لا الأب.

فإن قالوا: كل فعل من هذه الافعال قد فعله الآلهة الثلاثة. قيل لهم: هذا خلاف النصرانية وهو بيّن فيما قدمنا وذكرنا عنهم؛ وايضا فان فعلا واحدا لا يصح ان يفعله اكثر من حي واحد، ومقدورا واحدا لا يصح ان يقدر عليه اكثر من قادر واحد، وهو مبين في كتب العلماء، والنصارى لا تفهم ذلك ولا تحوجك إليه. واعلم ان النصارى تعتقد ان الأب قد اختلع من ملكه كله وجعله لابنه، فهو يخلق ويرزق ويحيي ويميت، وقد سمعنا هذا ممن يحتج لهم ويخبر عنهم، وهو ايضا بين في تسبيحة/ ايمانهم. ألا تسمعهم يقولون: ونؤمن بالرب الواحد يسوع المسيح، ابن الله بكر ابيه، وليس بمصنوع، إله حق من إله حق من جوهر ابيه، الذي بيده اتقنت العوالم وخلق كل شيء، الى قولهم: وهو مستعد للمجيء تارة اخرى للقضاء بين الاموات والاحياء. ويقولون في عباداتهم وصلواتهم ومناجاتهم: انت ايها المسيح يسوع تحيينا، وترزقنا، وتخلق اولادنا، وتقيم اجسادنا، الى غير ذلك مما هذا سبيله ويطول ذكره، فبيناهم يفردون كل واحد منها بفعل، وبيناهم يقولون: ان الامر كله قد رجع الى الابن وكله شرك. فان قيل: فما الذي عندكم عن المسيح مما يخالف هذا وما حكيتموه عن النصارى؟ قلنا: أما في الاصول فانه قال لهم: الله ربي وربكم، وإلهي وإلهكم، فيشهد على نفسه انه عبد الله مربوب مدبر مصنوع، كما شهد عليهم انهم كذلك، وانه مثلهم في العبودية والضعف والحاجة، وذكر انه رسول الله الى خلقه، وان الله ارسله كما ارسل الانبياء قبله.

فذكر يوحنا في انجيله ان يسوع المسيح قال في دعائه: ان الحياة الدائمة انما تجب للناس بأن يشهدوا انك انت الله الواحد الحق، وانك ارسلت يسوع المسيح «١» ، فانظر كيف يخلص التوحيد ويدعى النبوة. وذكر يوحنا انه قال لبني اسرائيل: تريدون قتلي وانا رجل قلت لكم الحق الذي سمعت الله يقوله «٢» . وذكر ايضا انه قال: اني لم اجىء لأعمل بمشيئة نفسي ولكن بمشيئة من ارسلني «٣» . وقال ﵇: إن الكلام الذي تسمعونه مني ليس هو لي ولكن من الذي أرسلني والويل لي إن قلت شيئا من تلقاء نفسي «٤» . وكان ﵇ يواصل العبادة في الصلاة والصوم ويتنفل ويقول: ما جئت/ لأخدم وإنما جئت لأخدم، وقال: إني انا لست ادين العباد ولا احاسبهم بأعمالهم ولكن الذي أرسلني هو الذي يلي ذلك منهم «٥» . هذا في انجيل يوحنا. وفيه ايضا ان المسيح قال: انهم يا رب قد علموا انك أرسلتني وقد ذكرت لهم اسمك «٦» ، وقال المسيح: ان الله الواحد رب كل شيء أرسل ابن

البشر الى جميع العالم لينقلوا الى الحق «١» . وقال ايضا: ان الاعمال التي أعملهن هن الشاهدات لي بأن الله أرسلني الى هذا العالم. وقال ايضا: ما أبعدني ان احدثت شيئا من قبل نفسي، ولكنني اتكلم واجيب مما علمني ربي. وقال ايضا: ان الله مسحني وارسلني وانما اعبد الله الواحد ليوم الخلاص.

قال ايضا: ما أبعدني ان احدثت شيئا من قبل نفسي، ولكنني اتكلم واجيب مما علمني ربي. وقال ايضا: ان الله مسحني وارسلني وانما اعبد الله الواحد ليوم الخلاص. وسألوه عن الساعة متى هي فقال أنا لا اعلم متى ذلك ولا احد من البشر، ولا يعلم ذلك إلا الله وحده. وقال: ان الله ﷿ ما أكل ولا يأكل، وما شرب ولا يشرب، ولم ينم ولا ينام، وما ولد ولا يلد ولا يولد، ولا رآه احد، ولا يراه احد الا مات. وقال له رجل: يا ايها الخيّر علمني، فقال له المسيح: لا تقل لي هذا، فانه لا خيّر الا الله. وقال له رجل: مر أخي يقاسمني تركة ابي، فقال: ومن جعلني عليكم قاسما. وقال في دعائه لما سأل ربه ان يحيي الرجل الميت الذي يقال له إيلا عازر، يا إيل «٢» : انا اشكرك واحمدك، انك تجيب دعائي في هذا الوقت وفي كل وقت، فأسألك ان تحيي هذا الميت ليعلم بنو اسرائيل انك ارسلتني وانك تجيب دعائي «٣» . وقال في دعائه وقد خاف الموت ولم يزل/ يواصل الصلاة والتضرع والدعاء والبكاء، يا إيل: ان كان من مسرتك ان تصرف هذه الكأس المرأة عن احد فاصرفها

عني، وليس كما أريد انا بل كما تريد انت. وكان يرمي من فمه كعلق الدم جزعا من الموت، ويعرق ويقلق «١» . وكان اذا ذكر البعث والقيامة والحساب يكون منه البكاء والقلق والجزع ما لا يكون من احد، ويكون من صلاته وصيامه وعبادته وخشوعه ما لا يكون من احد من زمانه. ومثل هذا من أقواله وافعاله اكثر من ان يحصى، وهو معهم وفي أناجيلهم، حتى لقد احصى اهل المعرفة والعلم، فوجدوا المسيح ﵇ له من الاقرار على نفسه بالعبودية والضعف والحاجة والفقر والفاقة، ولله ﷿ بالغنى والربوبية، ما لم يكادوا يجدونه لأحد من الانبياء والصالحين، ثم تقول فيه النصارى ما قد سمعت. فإن قالوا: فقد حكى متى عنه في انجيله انه قال لتلامذته: سيروا في الارض وعمّدوا العباد باسم الآب والابن [و] «٢» روح القدس. وحكوا عنه انه قال: انا كنت قبل ابراهيم، وما اشبه ذلك.

ه في انجيله انه قال لتلامذته: سيروا في الارض وعمّدوا العباد باسم الآب والابن [و] «٢» روح القدس. وحكوا عنه انه قال: انا كنت قبل ابراهيم، وما اشبه ذلك. قيل له: ليس المسيح اول من كذب عليه وانتم تعلمون ان مانيّ القس يدّعي التحقيق بالمسيح، وانه من اتباعه، وانه ليس احد على شريعته ووصاياه الا هو واتباعه، وان الانجيل الذي معه هو انجيله. وهو يذكر عنه انه كان يحرم على الناس كلهم وعلى نفسه النساء وذبائح الحيوان واكل اللحمان، وان هذا ما حلّ قط ولا يحل، ويلعن كل من احلّه. وانه كان تبرأ/ من ابراهيم وموسى وهرون ويوشع وداود، ومن كان يرى ذبح الحيوان وأذيته واكل اللحمان وغير ذلك. ويستشهد على ذلك بمواضع من الاناجيل

التي معكم، وعندكم انه قد كذب على المسيح وافترى واخطأ فيما تأول، وان تزكية المسيح لهؤلاء الانبياء امر ظاهر لا ينصرف عنه التأويل. قلنا: فهذه سبيلكم في دعاويكم على المسيح وانتم في هذا اشد فضيحة من المنانية، لأن تصديق المسيح للأنبياء وشهادته بما شهدوا به من توحيد الله وإفراده بالقدم والربوبية والحكمة أبين من كل بيّن وأوضح من كل واضح. والعقلاء يردّون المجهول بالمعلوم، وما التبس بما اتضح، وما يحتمل بما لا يحتمل. وقد بلغ الجهل بالنصارى في بدعهم هذه أنهم يقصدون الى ألفاظ في التوراة وفي كتب الانبياء متحملة، يحملونها على ظنونهم السيئة وبدعهم هذه الفاحشة، فيقولون: انما اراد ابراهيم وموسى وهارون وسائر الانبياء وهو ما أردناه من ان الله ثالث ثلاثة، وأن الأرباب جماعة، وأن الله يصعد وينزل ويولد ويقتل. فيقصدون الى ما في التوراة من أن الله قال نريد ان نخلق بشرا على صورتنا ومثلنا «١» . فيقولون: هذا خطاب من جماعة، أما تسمعونه يقول: نريد، ولم يقل: أريد ان أخلق بشرا مثلي، لتعلموا أن الآلهة جماعة، وأنهم على صور وهيئات كهيئات الناس، وما أشبه هذا من الألفاظ المحتملة. حتى تعدّوا الى القرآن فقالوا: «إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ» ، قالوا: فهذا خطاب من جماعة لا من واحد. وقالوا في قوله ﷿ «فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ» «٢» قالوا فهذا أحد الآلهة والأرباب يقسم بالأرباب.

وقالوا في قوله ﷿: «وَوالِدٍ وَما وَلَدَ» / «١» قالوا: فإنما الإله يقسم بنفسه وولده. فيقولون: محمد قد جاء بالنصرانية وبمذهبنا، ولكن اصحابه لم يفهموا عنه. ويقولون في قوله ﷿: «إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ» «٢» . قالوا فهذا الذي نقوله نحن: أنه من جوهر أبيه، ولا نريد بقولنا منه أنه بعضه ولكنه من جنسه ومثله. فيقصدون الى أقوام كإبراهيم والأنبياء صلوات الله عليهم وأمثالهم قد عرفت مذاهبهم ومقاصدهم فينصرفون عنها بالتأويلات ومحتمل الألفاظ. ومذاهبهم قد تحصلت حصلا لا يحتمل التأويل، لأن العلم بأن المسيح كان في توحيده على منهاج ابراهيم وموسى وهارون وداود ومحمد صلى الله عليهم لا يرتاب به من عرف أخبارهم وسيرهم ودعوتهم قبل العلم بنبوّتهم. فاعرف هذا فانه اصل كبير يعرفه من تأمل وأراد التبيّن وقد اعتفل في مثله خلق كثير من العقلاء. ثم هناك من الكذب على الانبياء فضلا من التأول لما في كتبهم، كقولهم ان الانبياء قالوا قبل مجيء المسيح: ان الله سيجيء وتحبل به امرأة عذراء، ويؤخذ ويصلب ويقتل ويموت ويدفن. هذا مما هو اكثر من ان يحصى. ويقال للنصارى لا فرق بين من ادّعى على المسيح انه ادّعى الربوبية وأن الله ولده وأنه ابنه على ما تعتقدون وتدّعون، وبين من ادّعى انه هو وضع تسبيحة الايمان وتسبيحة القربان، وأنه اتخذ البيعة، وجعل عيده يوم الاحد، وأخذ الناس في زمانه بأن يقولوا: يسوع المسيح إله حق من إله حق من جوهر ابيه، وأنه كان يأخذهم بأن يقسموا بعبد يسوع وعبد المسيح، وأنه

عل عيده يوم الاحد، وأخذ الناس في زمانه بأن يقولوا: يسوع المسيح إله حق من إله حق من جوهر ابيه، وأنه كان يأخذهم بأن يقسموا بعبد يسوع وعبد المسيح، وأنه

أحلّ الخنزير وأكله، وصلى الى المشرق، وعطّل الختان/ والوضوء والطهارة وغسل الجنابة، وأخذ اصحابه بصيام الخمسين، وشرع ذلك ودعا اليه، ومن بلغ هذا فقد تناهى في المكابرة والمجاحدة، اللهم إلا ان لا يكون يعرف اخبار المسيح والنصارى في زمانه، والنصارى بعد موته ومضيه، ولا عني بذلك. فسبيل من ادعى عليه ما يدعي عليه هذه النصارى وما تحكيه عنه وتتأوله عليه، كسبيل من ادّعى عليه الامور التي قدمنا ذكرها. وفي النصارى قوم استبصروا وأسلموا وتتبعوا المواضع والألفاظ التي تدّعيها النصارى على المسيح، وقالوا لهم: ما نعلم المسيح قال ذلك، ولو قاله لما ضاق مجازة وتأويله، كقولهم انه قال: ابن البشر رب السبت، وأني قبل ابراهيم وأنّى بأبي وأبى بي، وما اشبه ذلك. فقالوا لهم: في التوراة ان موسى إله فرعون وإله هرون، وأن هرون رسول موسى الى فرعون، وأن يوسف قال للمصريين: ان العزيز ربهم. وذكروا لهم عن ابراهيم ولوط وداود وسليمان وعن غيرهم من الانبياء شيئا كثيرا، ولا حاجة بك الى ذكره ومعرفته، ولو عرفته لم يكن به بأس، ولكن ارجع ابدا الى اصل الدعوة والنحلة، والمعروف من قول النبي، ورد المجهول بالمعلوم، وقد استغنيت عن التأويل كما تقدم لك. ومثل هذا ما يدعيه المنجمون على على رسول الله ﷺ انه كان يذهب الى ما يذهبون، لأنه قال في كتابه: «فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ: إِنِّي سَقِيمٌ «١» » وأنه قال: «فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ «٢» » و «فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ «٣» »

كتابه: «فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ: إِنِّي سَقِيمٌ «١» » وأنه قال: «فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ «٢» » و «فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ «٣» »

وغير ذلك. فقال لهم اهل العلم: قبل كل شيء قد عرفنا من/ دعوة هذا الرجل وقصده قبل المعرفة بنبوته أن ما يكون في غد لا يعلمه ملك معرّب ولا نبيّ مرسل، ولا يعلمه إلا الواحد المنفرد بالقدم، فلا وجه للتعليق عليه بظواهر الألفاظ وبالتأويل، هذا لا يفعله عاقل ولا يذهب الغلط فيه على محصّل، وإنما يخادع بهذا اهل الغافلة. وكذا قالوا الباطنية ومن سلك سبيلهم: في ان باطن الصلوات أشخاص وكذا العبادات، وان لكل ظاهر باطنا، غير ما عليه الفقهاء والعامة. فقالوا لهم: ادّعيتم أنكم من المسلمين وقد علمنا من دعوة هذا النبي ﷺ قبل العلم بنبوته ان ما حرّمه من الزنى واللّواط والربا والخمر والخنزير والامهات والبنات والأخوات وغير ذلك محرم على كل عاقل بلغته دعوته كائنا من كان، وانه على ما عليه الفقهاء والعامة، وانه لا تأويل لذلك ولا باطن، وأن جميع ما اوجبه من الطهارات والصلوات والصيام والعبادات لا تسقط عن عاقل كائنا من كان على ما عليه الفقهاء والعامة لا تأويل لذلك ولا باطن، وان من قال: لهذه الأشياء باطن او تأويل، فقد كفر وأشرك وخرج من الاسلام خروجا ظاهرا. ولا حاجة بنا الى ان نبيّن لكم تأويل الآيات التي سألتم عنها، فقد علمنا من قصده ﷺ ان مراده في ذلك غير مرادكم، وقصده غير قصدكم. مثل هذا قالوا لمن قال من هشام بن الحكم «١» واتباعه حين قالوا: إن الله لا يعلم ما يكون قبل ان يكون، لأنه قال: «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ

وَالصَّابِرِينَ «١» » وأنه/ يفعل الجور والظلم. ولمن قالوا: يأمر بالفسق لقوله: «أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها «٢» فاعرف هذا فانه اصل كبير. ثم رجعنا الى قولنا في النصارى. فان قيل: كل هذا [الذي] «٣» حكيتموه عن المسيح موجود في الكتب التي مع النصارى، فكيف جعلتم ما حكاه نبيكم عن المسيح وعنهم من معجزاته وآياته؟ قلنا: قد فرغنا من هذا غير مرة وبيّنا ان هذا النبي ﷺ ما قرأ الكتب ولا قرئت عليه، ولا اختلف الى اهلها ولا اختلفوا اليه، ولا عرف ذلك إلا بوحي، وان كان موجود في كتبهم. كما انه لم يعرف قصة نوح وابراهيم ويوسف وموسى وهرون إلا بالوحي، وان كانت مذكورة في كتبهم. فإن قيل: لعمرى إن من عرف دعوة المسيح يعلم ان دعوته الى توحيد الله كدعوة موسى وهرون ومحمد وأمثالهم من الأنبياء صلوات الله عليهم اجمعين، وأنه بريء من دعوة هذه الطوائف من النصارى كبراءته من دعوة المنانية، وكبراءة محمد وموسى وهرون من ذلك اجمع. ولكن قد جاء عنه انه كان يقول في الله [أنه] «٤» ابوه، فيقول: ارسلني ابي، وقال لي ابي، ومثل هذا كثير، فما عندكم فيه؟ قيل له: إن كان قد قال هذا فلا حجة للنصارى فيه، لأنهم قد قالوا إنه قال لنا: أنا أذهب الى ابي وأبيكم، وربي وربكم فلم يجعل لنفسه مزية عليهم، فإن وجب ان يكون هذا القول إلها وربا ومعبودا، وجب ان

فيه، لأنهم قد قالوا إنه قال لنا: أنا أذهب الى ابي وأبيكم، وربي وربكم فلم يجعل لنفسه مزية عليهم، فإن وجب ان يكون هذا القول إلها وربا ومعبودا، وجب ان

يكونوا هم كذلك، وقد قال بعض الناس: إن/ الابن في اللغة العبرانية التي هي لغة المسيح تقع على العبد الصالح المطيع الوليّ المخلص، وان الأب قد تقع على السيد المالك المدبر؟ قالوا: وقد قال في التوراة: إن اسرائيل ابني وبكري وأولاده ابنائي؛ وعلى دعوى النصارى تجب لهم الإلهية وقد قال ايشيعيا النبي ﵇ في كتابه: إن الله ابو جميع العالم، وانتم معشر النصارى تذكرون ان متى حكى في انجيله عن المسيح انه قال: طوبى لكم معشر المصلحين بين الناس فإنكم تسمون ابناء الله. وقال متى في انجيله: ان المسيح قال للناس: ان اباكم السماوي واحد فرد. وقالوا: ان المسيح كان يقول في صلاته التي كان يصليها ويعلمها الناس: قولوا يا ابانا الذي في السماء انت قدوس اسمك، عزيز سلطانك، نافد امرك في السماوات والأرض، لا يعجزك ما طلبت، ولا يمتنع منك ما أردت، فاغفر لنا ذنوبنا وخطايانا ولا تعذبنا بالنار «١» . فينبغي على قول النصارى ان تكون هؤلاء كلها آلهة وأربابا، لتعلم ان اسم الأب يقع في تلك اللغة على السيد والمالك. وقال المسيح لبني اسرائيل: لو كنتم ابناء ابراهيم لأجبتموني فاني ابن ابراهيم. وقد علمنا ان بني اسرائيل كلهم اولاد ابراهيم، وإنما اراد انكم لو كنتم اولياء ابراهيم. وايضا فان النصارى تذكر عن بولص انه ذكر في الرسالة فقال بأن الروح نفسها تشهد لأرواحنا انا ابناء الله. وهم يقولون في الاشرار: انهم/ ابناء الشياطين ومثل هذا كثير في لغتهم، واستعمالهم في الابن بمعنى الوليّ المخلص، وفي الأب بمعنى السيد المالك الرفيع، ولهذا تقول النصارى في الجاثليق ابونا،

الشياطين ومثل هذا كثير في لغتهم، واستعمالهم في الابن بمعنى الوليّ المخلص، وفي الأب بمعنى السيد المالك الرفيع، ولهذا تقول النصارى في الجاثليق ابونا،

فهذا كله في استعمالهم. ولكنهم لما اعتقدوا في الله ﷿ انه رجل وانسان وشخص وما هذه سبيله لم يرضوا «١» ان يجعلوا له ابناء إلا بالحقيقة من طريق الولادة «٢» والتناسل كما تقدم بيان ذلك لك. وهم يقولون: ان الله الأب قال لابنه يسوع المسيح اني ولدتك قبل ان اخلق كوكب الصبح. وليس في هذه الطوائف الثلاث من النصاري من يقول: إن المسيح ابن الله على طريق التشريف والمجاز، بل هو إله تام من إله بام، واله حق من اله حق، من جوهر ابيه. فاعرف هذا.

باب آخر [ما جاء به الرسول حول الزعم بصلب المسيح، واختلاف النصارى حول الاناجيل، وتأثر المجتمعات النصرانية بعقائد الروم واخلاقهم] من هذا الجنس، وهو ان هذه النصارى واليهود جميعا يدعون فيلاطس الرومي ملك الروم اخذ المسيح يتظلم اليهود منه وسلمه اليهم، فحملوه على حمار وجعلوا وجهه الى عجز الحمار وجعلوا على رأسه اكليل شوك، وطوفوا به تنكيلا. وانهم كانوا يقفدونه «٣» من ورائه ويأتونه من تلقاء وجهه فيقولون له: يا ملك بني اسرائيل من صنع هذا بك؟ سخرية منه «٤» . وانه لما ناله من الكدّ والشقاء عطش واستجدى وقال لهم: اسقوني ماء، فأخذوا الشجر المر واعتصروه وجعلوا الخل في ذلك العصير وأعطوه، فأخذه/ وهو

Bagian 3 dari 18