— Bagian 8 · قالوا: فتشهّد امير المؤمنين وحمد الله وقال: لأنا… —
Bagian 8
قالوا: فتشهّد امير المؤمنين وحمد الله وقال: لأنا والله اول من صدقه فلا اكون اول من كذب عليه، اما ان يكون عندي عهد من رسول الله ﷺ فلا والله، ولو كان عهد من رسول الله ما تركت أخا تيم ابن مرة «١» ولا ابن الخطاب على منبره ولو لم آحذ الا بيدي هذه، ولكن نبيكم نبي الرحمة لم يقتل قتلا ولم يمت فجأة، مرض ليالي وأياما، يأتيه بلال يؤذن بالصلاة فيقول له: ائت ابا بكر- وهو يرى مكاني- فلما قبض الله نبيه ﵇ نظرنا في امرنا، فإن الصلاة أعظم الاسلام وقوام الدين فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله ﷺ لديننا، فولينا ابا بكر امورنا، فأقام بين أظهرنا: الكلمة جامعة والامر واحد، لا يختلف علينه منا اثنان، ولا يشهد أحد منا الى صاحبه بالشرك ولا يقطع منه البراءة، فكنت والله آخذ اذا اعطاني، وأغزو اذا أغزاني، واضرب بيدي هذه الحدود بين يديه. فلما قبض ابو بكر ظن ان عمر اقوانا عليها وأحمل لها منا فولاها عمر، فأقام عمر بين اظهرنا: الكلمة جامعة والامر واحد، لا/ يختلف عليه منا اثنان ولا يشهد احد منا على صاحبه بالشرك، فكنت والله آخذ اذا اعطاني وأغزو اذا أغزاني، واضرب هذه الحدود بين يديه. فلما حضرت عمر الوفاة ظن انه إن يستخلف خليفة فيعمل ذلك الخليفة بخطئه إلا لحقت عمر في قبره، فأخرج منها ولده واهل بيته وجعلها في ستة رهط من قريش، وكان فينا عبد الرحمن بن عوف فقال: هل لكم الى ان ادع لكم نصيبي منها على ان اختار لله ولرسوله والمسلمين، فقلنا: نعم، فأخذنا ميثاقه على ذلك، واخذ ميثاقنا على ان نسمع ونطيع لمن ولاه امرنا،
لكم الى ان ادع لكم نصيبي منها على ان اختار لله ولرسوله والمسلمين، فقلنا: نعم، فأخذنا ميثاقه على ذلك، واخذ ميثاقنا على ان نسمع ونطيع لمن ولاه امرنا،
فضرب بيده على يد عثمان، فنظرت في امري فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، واذا ميثاقي لغيري في عنقي، فأديت الى عثمان حقه، وكنت اضرب بين يديه الحدود. فلما قتل عثمان ﵀، نظرت فاذا الخليفتان «١» اللذان اخذاها من رسول الله ﷺ بالعهد في الصلاة قد هلكا ولا عهد لهما واذا الخليفة الذي اخذها بمشورة المسلمين قد قتل وخرجت ربقته من عنقي وقتل ولا عهد له. فلما قتل، بايعني اهل هذين الحرمين: مكة والمدينة، واهل هذين المصرين البصرة والكوفة؛ فجاء معاوية يقاتلني مع اهل الشام وكنت احق بالامر منه: كنت مهاجرا وكان اعرابيا، وكنت سابقا وكان طليقا، وكان لي الصحبة؛ قالوا: صدقت، انت احق من معاوية. فتأمل هذا الشرح والكشف وحصّل ما فيه، فلو لم يكن معك غيره لكان فيه اتم كفاية؛ وإنما سألوه هل معه في ذلك عهد من رسول الله ﷺ ألقاه اليه وحده كما سأل عمران/ بن حصين وأبو الأسود الدؤلي عائشة وطلحة والزبير كل واحد منهم على انفراده، هل معه العهد من رسول الله في مسيره فكلهم قال: لا. فإن قيل: قد علمنا انه كان يأخذ اذا اعطوه، ويقيم الحدود بين ايديهم، ويعينهم، فمن اين لنا انهم غزوه؟ قلنا: لو لم يكن معنا خبر بأنهم قد غزوه إلا هذا لكفى وأغنى. وكان ﵁ قد انكر من معاوية تبسطه في زمن عثمان فتنكر له، وأشار عليه بعض اصحابه فقال: انت بقية الناس ولك حق الطاعة،
بر بأنهم قد غزوه إلا هذا لكفى وأغنى. وكان ﵁ قد انكر من معاوية تبسطه في زمن عثمان فتنكر له، وأشار عليه بعض اصحابه فقال: انت بقية الناس ولك حق الطاعة،
فأقر ابن عامر «١» ومعاوية وغيرهما فانهم يبايعون لك الناس، ويهدئون البلاد ويسكنونهم. فقال له: والله لو كان ساعة من نهار لاجتهدت فيها رأيي ولا وليت هؤلاء ولا مثلهم يولى، والله لا اداهن في ديني ولا اعطي الدني في امري. وكان المغيرة هو الذي اشار عليه بهذا، فلما قدم ابن عباس من مكة استشاره امير المؤمنين فقال: ما ترى فقد اشار المغيرة بإقرار معاوية، فقال: قد نصح لك يا امير المؤمنين فافعل واقبل، فقال: والله ما اشك ان ذلك خير في عاجل الدنيا لأصحابها، وما الذي يلزمني من الحق والمعرفة ألا اولي منهم احدا، فإن قبلوا ذلك فخير لهم، وإن ادبروا بذلت لهم السيف، وما علي إلا الاجتهاد. فقال له ابن عباس: خلنى اولّه ثم انزعه من غير نقصان ولا إثم، فقال: لا افعل، ما كنت متخذ المضلين عضدا، اخاف ان يظلم مسلما او معاهدا فأجده في صحيفتي، لا اوليه ساعة واحدة. فراجعه ابن عباس فقال: لا يظلم، فقال: لا أشرك في امانتي الا من ارضاه. فانظر الى هذه المكاشفة بالحق في جميع اموره لتعلم فرية من نسبه الى الخوف من المخلوقين وقولهم انه كان يقي نفسه بدينه. وكان ﵁ اذا سئل المداراة وخوّف من/ الخلاف يقول: ابا الموت تخوفونني، فو الله ما أبالي سقطت على الموت ام سقط الموت عليّ، وكان يقول: عليّ آنس بالموت من الطفل بثدي امه، ومذ امره الله ونهاه ما رأى منكرا قط ولا
ت تخوفونني، فو الله ما أبالي سقطت على الموت ام سقط الموت عليّ، وكان يقول: عليّ آنس بالموت من الطفل بثدي امه، ومذ امره الله ونهاه ما رأى منكرا قط ولا
سمعه إلا ردّه وأنكره، ولا رأى معروفا إلا شيده وقوّاه ونصره. وكان ظاهره كباطنه، وسره كعلانيته. وكان لا يخاف الجبابرة الطغاة الذين يخافهم البشر فكيف [يخاف] «١» ابا بكر وعمر وعثمان، ولا يخاف سلطانهم محق ولو انه عبد او امرأة او ذمي كما تقدم شرح ذلك؟ لتعلم ان معونته لهم ونصرته لسلطانهم وطاعته لهم في حياتهم وتنفيذه وصاياهم بعد موتهم لأنهم أئمة هدى. وقد كتب ﵁ الى معاوية «٢» : بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي امير المؤمنين الى معاوية بن ابي سفيان. اما بعد، فان بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ على ما بويعوا عليه، فلم يكن للشاهد ان يختار ولا للغائب ان يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والانصار، فاذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما كان ذلك رضى لله، فان خرج من امرهم ردوه الى ما خرج منه، فان ابى قاتلوه على ابتغائه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا. فما دخل معاوية فيما دخل فيه المسلمون، فان احب الامر اليّ فيك العافية الا ان تتعرض للبلاء، فان تعرضت قاتلتك واستعنت بالله عليك، فقد اكثرت في قتلة عثمان يرحمه الله. فادخل فيما دخل فيه الناس، ثم حاكم القوم الي احملك وإياهم على الحق وعلى كتاب الله، فأما تلك التي تريدها فهي خدعة الصبي عن اللبن، ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان ﵁. واعلم يا معاوية انك من الطلقاء
الذين لا يحل لهم الخلافة ولا يعرض فيهم الشورى، وقد/ اتاك ومن قبلك جرير بن عبد الله «١» ، وهو من اهل الايمان والهجرة فبايع، ولا قوة إلا بالله. فانظر هل يحتج الا بالاختيار وبالشورى وبالاجماع وبسنة الخلفاء قبله، فهم عنده حجة وقدوة، وكم يقول ويبين ان الامامة الى المهاجرين والانصار فمن بايعون وعقدوا له كان اماما؛ فهو يحتج بأن طاعته طاعة الخلفاء قبله، وعند الامامية ان التدين بالاختيار وبالشورى والاقتداء بأبي بكر وعثمان شرك وكفر، وهم مع هذا يدّعون انهم شيعة لأمير المؤمنين، فهل سمعت بأعجب من هذا. وانظر مكاشفته بالحق لمعاوية، وقوله في كل انسان ما فيه، وقوله له انك اظهرت الطلب بدم عثمان وما ذاك قصدك ونيتك، وانما نيتك وقصدك وضميرك الملك والدنيا، ولم يكن لك سابقة في الدين تحل لك بها الخلافة، فما تأخذه رضى الله عنه لومة لائم ولا يتقي احدا من المخلوقين. وكان يقول: ايها الناس، انما اهلك من كان قبلكم خبث اعمالهم حين لم ينههم الربانيون والأحبار فيأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، فان ذلك لن يقدم من أجل ولن يؤخر رزقا. وكان يقول: لا خير في قوم لا يرون الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضا، ولا خير في قوم يأمن بينهم اهل المعاصي ويعملون بينهم بالكبائر. وكان يقول: قال لي رسول الله ﷺ: «اقرب الشهداء مني وأفضلهم عندي بعد حمزة وجعفر من قام الى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» «٢» .
ي ويعملون بينهم بالكبائر. وكان يقول: قال لي رسول الله ﷺ: «اقرب الشهداء مني وأفضلهم عندي بعد حمزة وجعفر من قام الى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» «٢» .
وكم له ﵁ مثل هذا الكتاب الى معاوية، يمدح فيه الخلفاء قبله، ويذم معاوية، وكم له من الرسل اليه في هذا المعنى، وما رضى من إنكار المنكر حتى سافر الى اهله بعد المكاتبة فشافههم به. فسار الى معاوية ونزل بصفين، وأقام نحو الشهرين لا يحارب/ ولا يقاتل، ويقيم الحجة على معاوية، ويبين براءته من دم عثمان ومن خذلانه، وانه قد بذل لعثمان النصرة فأباها عثمان وكره القتال، وأراد ان ينصرف القوم عنه راضين بغير قتال، وانه ما ظن ولا ظن عثمان انه يقتل، وان القوم اغتالوه وتسلقوا عليه وقتلوه ليلا. ويستشهد على ذلك المهاجرين والانصار، ثم يحلف بعد هذا ويقول: والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله ولا رضيت ولا هويت، ويلعن قتلة عثمان ويقول: اللهم العن قتلة عثمان في الليل والنهار والبر والبحر، ويرفع يديه بذلك حتى يبين ما تحت منكبيه. وقد فعل مثل ذلك بالبصرة، فقال معاوية نحن نصدقه، ولكن في عسكره شناة عثمان وغزاته يسلمهم الينا. الى ان قال اهل الشام تخلّي معاوية على الولاية وهو يسمع لك ويطيع، فقال: لا افعل، وسألوه في ذلك فما أجاب. فأتاه وفد اهل الشام وفيهم رجل يقال له حوشب ذو ظليم له قدر ونباهة، فقام فقال: ألا ترى يا علي ان الله قد قسم لك قسما حسنا فخذه بشكر، إن لك قدما في الاسلام وسابقة وقرابة من رسول الله ﷺ، وصهرا وتجربة وسنا، فإن تتلف بيننا غدا فإنه لبوار العرب وضيعة الحرمات، ولكن انصرف راشدا وخلّ بيننا وبين شامنا واحقن دماءنا ودماء اصحابك. فقال له رضى الله عنه: إنك لم تأل عن النصيحة بجهدك، ولو علمت ان
لعرب وضيعة الحرمات، ولكن انصرف راشدا وخلّ بيننا وبين شامنا واحقن دماءنا ودماء اصحابك. فقال له رضى الله عنه: إنك لم تأل عن النصيحة بجهدك، ولو علمت ان
ذلك يسعني في ديني أجبتك ولكان اهون عليّ من المؤونة، ولكن الله لم يرض لأهل القرآن ان يعمل بمعاصي الله في اكناف الارض وهم سكوت لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر، واعلم يا حوشب اني قد ضربت الامر ظهره وبطنه وأنفه وعينه، حتى لقد منعني من نوم/ الليل، فما وجدته يسعني إلا قتالهم او الكفر بما جاء به محمد ﷺ، فكان معالجة القتال اهون من معالجة الاغلال، وكانت مؤونات الدنيا اهون علي من النار. فتأمل ما في هذا القول من الانوار والحجج الشاهدة ببطلان دعاوي هؤلاء القوم، فانهم زعموا انه مكث خمسا وعشرين سنة مع ابي بكر وعمر وعثمان وقد كفروا وارتدوا لا ينكر عليهم بل كان اكبر اعوانهم، وهو يقول هذا القول. وكان اصحابه يقولون لأهل الشام- مثل عمار بن ياسر، وقيس ابن سعد، وشريح بن هانىء، وعديّ بن حاتم، وصعصعة بن صوحان، والأشتر-: ان عليا اذا ظهر سار فيكم سيرة ابي بكر وعمر، وان معاوية لا يفعل ذلك، انما يريد العاجلة ويطلب الدنيا، وان صاحبنا كان يتقدم عند ابي بكر وعمر ويرجعان الى رأيه، وقولهم «١» ان صاحبنا من البدريين والمهاجرين وليس صاحبكم كذلك. فانظر بأي شيء يمدحونه وبأي شيء يحتجون له لتعرف بطلان دعاوي هؤلاء القوم، فانهم يقولون: الحجة في إمامته نصّ النبي عليه، وظهور المعجزات عليه بعد النبي ﷺ، وهو ﵁ لا يذكرها هو ولا يحتج بها ولا يعرفها، ولا احد من ولده وأهل بيته وشيعته في زمانه.
ولما رفع اهل الشام المصاحف وقالوا: بيننا وبينكم ما جاء به رسول الله ﷺ، ردونا اليه فقد رضينا به، وهذا كتاب الله؛ فما قال لهم هو ولا اصحابه: فرسول الله قد نصّ عليّ وقال من كنت مولاه فعلي مولاه، وهذا نصّ او تأويله النص او معناه النصّ، او آية كذا او حديث كذا، فما احتج عليهم لا هو ولا شيعته الذين قتلوا بين يديه بشيء مما يذكره هؤلاء. ولما قال له اصحابه: ضعفت وسكنت في نفسك حتى حكمت الرجال/ في امرك، وأي حاجة كانت بك الى هذا وقد بايعك المهاجرون والانصار، وما احوجنا واياك الى امام مثل عمر يسوسنا ويسوسك، وقد كفرت بما صنعت. فما احتجّ عليهم لا هو ولا من كان يحتج عنه مثل ابن عباس وصعصعة بأني معصوم ولا اخطىء ولا اعصي، وان النبي ﷺ قد نص عليّ وقد رأيتم المعجزات او قد بلغتكم، وما احتج عليهم الا بما قد تقدم لك في كل وقت وكل حال. وكان يقول والله لتخضبن هذه من هذه ويشير الى لحيته وهامته، فيقول له اصحابه: لو علمنا من ذلك لأبدنا وأبّرنا «١» ، فيقول: كيف تقتلونه ولم يقتلني، فيقولون: يا امير المؤمنين اوص واستخلف، فيقول: ما اوصى رسول الله فأوصى ولا استخلف رسول الله ﷺ فاستخلف، فيراجعونه فيرجع عليهم بمثل ذلك ثم يقول: ان ادع فقد ترك من هو خير مني، وان أستخلف فقد استخلف من هو خير مني. ولما ضربه ابن ملجم الملعون دخلوا عليه، فقالوا: استخلف، فقال: لا، انا دخلنا على رسول الله ﷺ فقلنا يا رسول الله: استخلف فقال: لا، اخاف ان تفرقوا عنه كما تفرقت بنو
ن ملجم الملعون دخلوا عليه، فقالوا: استخلف، فقال: لا، انا دخلنا على رسول الله ﷺ فقلنا يا رسول الله: استخلف فقال: لا، اخاف ان تفرقوا عنه كما تفرقت بنو
اسرائيل عن هرون، ولكن ان يعلم الله في قلوبكم خيرا يخر لكم. قال امير المؤمنين فعلم [الله والله] «١» في قلوبنا خيرا فاختار لنا ابا بكر، ثم اقبل على صعصعة بن صوحان وكان في القوم فقال: ولكن يا صعصعة، إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يخر لكم. فتركوه ثم عاودوه فما فعل، وسألوه أن يشير عليهم بأحد فما فعل، فقالوا له: ان فقدناك يا امير المؤمنين فلا نفقدك ان نبايع الحسن، فقال لا آمركم ولا انهاكم. فعادوا القول فقال كذلك انتم ابصر، وكان آخر عهدهم به، وقبض صلوات الله عليه، فلم يقل «٢» غير هذا. فإن قالوا: فانا/ لا نقبل هذه الاخبار، قلنا: لو قلتم انه ما جرى بينه وبين العباس ما قلنا، ولا كان من الانصار في السقيفه ما ذكرنا، ولا كان من ابي بكر والصحابة في استخلاف عمر ما قلنا، ولا دخل عليّ في الشورى، ولا صلّى خلف صهيب، ولا رجع الى عبد الرحمن، ولا سأل القوم عمر أن يستخلف عليهم ولا قال ان استخلف فقد استخلف من هو خير مني وان اترك فقد ترك من هو خير مني، بل ما وضع عمر شورى اصلا، وهذا كله كذب، ما كان عندنا في ذلك الا ما عندنا في انكاركم ما كان من امير المؤمنين. وكذا لو قلتم ما كاتب معاوية، ولا رفع معاوية المصاحف، ولا كان من امير المؤمنين وبين اصحابه الذين صاروا خوارج ما ذكرنا، ولكنكم لو سلمتم هذا لبطل مذهبكم، ولو انصفتم لتركتموه وصرتم الى مذاهب امير المؤمنين وهي هذه التي قد ذكرناها، وما شأنكم إلا انكار «٣» ما قد كان وادعاء ما لم يكن، وما لو كان له اصل لكان العلم به قد قهر.
ه وصرتم الى مذاهب امير المؤمنين وهي هذه التي قد ذكرناها، وما شأنكم إلا انكار «٣» ما قد كان وادعاء ما لم يكن، وما لو كان له اصل لكان العلم به قد قهر.
وفي اقل قليل مما كتبت دليل على بطلان دعاويهم، وانما ذكرنا لك هذا في هذا الموضع لأنك طلبته وذكرت حاجتك اليه. وكثيرا تسأل الامامية عما كان من عثمان في تولية اقاربه وغير ذلك، وفي سير طلحة والزبير وعائشة الى البصرة، وما ذاك الا لضعفهم وانقطاعهم لأن عثمان لو لم يول اقاربه ولم يصنع ما صنع لكان كافرا مشركا عندهم بادعائه الامامة لنفسه ولأبي بكر وعمر، ولو كان طلحة والزبير وعائشة في عسكر امير المؤمنين وفي المحاربين معه ما كانوا إلا مشركين باعتقادهم امامة ابي بكر وعمر وعثمان، فكلام الامامية/ في هذا الكلام مسلم لو كلم اليهود في وجوب النية في الطهارة، او كلم النصارى في استحلالهم الخمر، وانما يكلم في هذا من قال: لا ذنب لعثمان إلا ما اتاه من الحمى وتولية الاقارب ولولا ذلك لكان مثل عمر، ومن قال: لا ذنب لطلحة والزبير وعائشة إلا مسيرهم الى البصرة ولولا ذلك لكانوا مثل ابي عبيدة وعبد الرحمن وابن مسعود. فاعرف هذا ولا تكلمهم فيه البتة، وكلمهم فيما يدعونه من النص فهو الاصل. واما طلحة والزبير وعائشة فانهم انما سلموا علينا لأنهم سلموا على امير المؤمنين، وتوليناهم وزكيناهم لأنه زكاهم وتولاهم ومدحهم وترحم عليهم بعد كان منهم بالبصرة وبعد موتهم، فلو عاديناهم لكنا قد خالفناه وسرنا بغير سيرته وسلكنا غير سبيله، ونحن لا نرى خلافه، بل هو إمامنا وسيدنا والقدوة عندنا، وهو الذي ظاهره كباطنه وسريرته كعلانيته. وهذا كلام مع الخوارج فيقال لهم: علي بن ابي طالب إمام هدي، وانما برئتم منه وادعيتم انه كفر بالتحكم وقبل ذلك كان مرضيا، وقد زكى هؤلاء قبل التحكيم، وقد وجب عليكم الاقتداء به. فإن قالوا: ومتى كان
هذا منه؟ قلنا: قد كان يتصفح القتلى بعد انقضاء الحرب، فمر بطلحة وهو صريع فنزل اليه واخذ رأسه في حجره ومسح التراب عنه وقال: يرحمك الله يا ابا محمد، يعزّ عليّ ان اراك قتيلا تحت نجوم السماء وفي اودية الارض، ثم انشد: فتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... اذا ما هو استغنى ويبعده الفقر وامر بجمع القتلى وصلى عليهم وامر بدفنهم، ودخل عليه ولد طلحة فأدناه وقربه/ وقال له: يا ابن اخي، خذ كتابي الى قرظة بن كعب الانصاري ليرد عليكم اموالكم وما اخذ منها، فما امرته بإدخال يده فيها، انما اردت قبضها لئلا تمتد اليها ايدي السفهاء وليحفظها عليكم، اتبسط يا ابن اخي في الحاجة تكون لكم فاني ارجو ان اكون انا وطلحة والزبير من الذين قال الله: «وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ» «١» . ولما قيل له ﵁: قاتل الزبير بالباب يستأذن، انزعج هو وأولاده حزنا عليه وإنكارا لقتله، وصار عندهم مأتم ومصيبة عظيمة، وقال: كيف قتله وليس من اقرانه؟ قالوا اعتاله ومعه سيفه، فقال: خذوا السيف منه وبشروه بالنار، فأخذ السيف منه؛ فما زال امير المؤمنين يقلب السيف ويقول كم كربة كشفها صاحب هذا السيف عن وجه رسول الله ﷺ، ولم يأذن له في الدخول عليه. ثم دخل عليه بعد ذلك مع الناس فقال: نحن اهل البلاء فلم نجفا؟ قال: من تكون؟ قال: قاتل الزبير،
ذا السيف عن وجه رسول الله ﷺ، ولم يأذن له في الدخول عليه. ثم دخل عليه بعد ذلك مع الناس فقال: نحن اهل البلاء فلم نجفا؟ قال: من تكون؟ قال: قاتل الزبير،
قال امير المؤمنين: بفيك الحجر، بفيك الحجر، ليلج قاتل الزبير النار، سمعت رسول الله ﷺ يقول: لكل نبي حواريّ، وحواري الزبير. وسمعته يقول: الزبير في الجنة وطلحة في الجنة، فقال ابن جرموز: انما قتلته أبتغي بقتله عند عليّ الزلفة فبشرني بالنار، وندم على قتله، وصار ينكر ان يكون قتله. وجهز عائشة بكل ما تحتاج اليه، وشيعها هو وأولاده وقال لأخيها ومن خرج معها: بلغوها، ووصّى باكرامها، وكان يقول لها: يا أمّه، وأمّ المؤمنين سائرة، فمن اراد المسير معها ممن قدم بقدومها فليسر، وقال: ايها الناس، انها امكم وزوجة نبيكم في الدنيا وزوجته في الجنة، وردها الى سدانة قبر رسول الله والى بيتها، وأعطاها ما كان يعطيها من قبله من الخلفاء. ولا يحل لامرأة/ زعم هؤلاء انها كافرة، يردها امير المؤمنين الى قبر رسول الله ﷺ [وتعطى] «١» ما يعطى امهات المؤمنين، سيما والمدينة في ملكه وسلطانه، وفيها عماله، وليس به في امرها حاجة الى المداراة والمداهنة بعد مقاتلتها كما كان بزعمهم يفعل مع من تقدم من الخلفاء. وكم كان يركب اليهاهو واولاده وابن عباس وعبد الله بن جعفر، ويجلسون اليها ويعظمونها، وقد استغفرت واستغفر لها امير المؤمنين، وقد سمع عمار ابن ياسر رجلا ينال منها والحرب قائمة فقال له: اسكت مقبوحا منبوحا، والله إنا لنقاتلها وإنا لنعلم انها زوجة نبيكم ومعه في الجنة، ولكن الله ابتلانا بها ليعلم إياه نطيع أم إياها؛ وشرح إكرامه لها واكرام اولاده وهم بالبصرة يطول.
ا لنقاتلها وإنا لنعلم انها زوجة نبيكم ومعه في الجنة، ولكن الله ابتلانا بها ليعلم إياه نطيع أم إياها؛ وشرح إكرامه لها واكرام اولاده وهم بالبصرة يطول.
وكانت هي تلعن اصحابه الذين ارتدوا عنه ولعنوه وصاروا خوارج وتبرأ منهم، وتروي عن رسول الله ﷺ تصويبه وتضليلهم، وتقول: أمروا بالاستغفار لأصحاب محمد فسبّوهم، وتسميهم كلاب النار، ولما بلغها موته استرجعت وقالت: ذهب والله من لم يسفهه الملك ولا أطغته الدنيا، لتصنع العرب ما شاءت فما بقي بعد ابن ابي طالب من يكفّها ولا يردعها، ثم انشدت: فألقت عصاها واستقر «١» بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر وكم قد طعنت على معاوية وواجهته بالتخطئة لما ورد المدينة ودخل عليها، حتى اخجلته وهو جبار قد غلب، وكم فعل ذلك به اخوها عبد الرحمن بما يطول شرحه. ولا يرد هذه الأخبار إلا معاند أو من قال انه كان يلعنها كما يلعن معاوية ولم يردّها الى المدينة، ومن قال هذا فقد أتى في البهت على ما لا فيه حيلة. والإمامية تقول: قد فعل هذا ولكن «٢» / على طريق حسن العشرة وعلى سبيل التكرم والتفضل، قيل لهم: هو ﷺ أجل قدرا وأشد ورعا من ان يرد امرأة كافرة او فاسقة الى قبر رسول الله ﷺ ويمكنها منه، ويعطيها ما يعطي امهات المؤمنين ويسميها ام المؤمنين، ويشهد لها بما قلنا، ويترحم على كافرين، ويرد الاموال ويشهد لهما بالجنة، هذا لا يحل في دين الله ولا يفعله مثله ﷺ بوجه من الوجوه، وإنما قوله بشّر قاتل ابن صفية بالنار، وقوله: ليلج قاتل الزبير النار على طريق التزكية له كقول
هذا لا يحل في دين الله ولا يفعله مثله ﷺ بوجه من الوجوه، وإنما قوله بشّر قاتل ابن صفية بالنار، وقوله: ليلج قاتل الزبير النار على طريق التزكية له كقول
رسول الله ﷺ: «تقتل عمار الفئة الباغية» «١» على طريق التزكية لعمار. فإن قالوا: لم لم يقتل قاتل الزبير؟ قلنا: لم يكن ذلك له وانما هو لولد الزبير، فان شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا عفوا. ومن عجيب الامور ان عبد الله بن الزبير قام بعد معاوية ودعا الى نفسه لإمرة المؤمنين، وغلب على الارض بسبع سنين إلا كورة فلسطين، وانبثّ عماله في الامصار، وعمرو» بن جرموز حيّ بالبصرة فما تعرضوا له، ولقد قرئت جريدة اهل البصرة على مصعب بن الزبير بالبصرة، فقرأ الكاتب عمرو بن جرموز، فقال قائل لمصعب أصلح الله الامير وعمرو «٣» بن جرموز وقد ساح في الارض وسار في البلاد فقال مصعب: او ظن ابن جرموز اني أقيده بأبي عبد الله، ليظهر ابن جرموز آمنا وليأخذ عطاءنا مسلما فظهر وأخذ وأمن وترفع «٤» ولد الزبير عن قتله وقد كان لهم ذلك، وهو اليهم، فكيف يتعجب عاقل من عفو امير المؤمنين عنه وليس القود له. وكان عمرو بن جرموز بعد الذي سمعه من أمير المؤمنين شديد الندم على قتله، كثير الاستغفار، شديد/ الاشفاق، وقد بقي بعد زوال آخر آل الزبير ومصير الملك الى عبد الملك، فكان الحجاج يقول له: انت قتلت الزبير؟ - لشدة عداوة الحجاج وبني امية لآل الزبير- فيقول ابن جرموز: ما قتلت احدا، فيقول له الحجاج: وما عليك في قتله،
وقتله خير لك من جزاء وتدبير حسنات؛ يشجعه الحجاج لينصرف عن الغم والندم بما قاله أمير المؤمنين له في دخول النار بقتل الزبير، لتعلم رحمك الله شهرة انكار امير المؤمنين على من اعترف بقتل الزبير. ولكن طال الأمر وقل الطالب المتأمل. فإن قيل: فكيف سبيل تلك الدماء التي كانت بينهم يوم الجمل؟ قيل له: ان امير المؤمنين ﵁ اعلم بذلك وافقه في الدين وأشد في الورع، ولم يكن ليقول في هؤلاء وفي غيرهم ما لا يحل ولا يجوز في الدين، فقد كفانا حكمه عن البحث والطلب، وان كان العلماء قد ذكروا اتفاق رأي امير المؤمنين وطلحة والزبير وعائشة على الصلح ووضع الحرب واستقبال النظر في الأمر، وان من كان في العسكر من اعداء عثمان كرهوا ذلك وخافوا ان تتفرغ الجماعة لهم، وقالوا: لنشغلهم عنا بنفوسهم، فدبروا في القاء الحرب بينهم ما هو مذكور فتم لهم ذلك، وما بك حاجة هاهنا الى ذكره، وأفعال امير المؤمنين تغنيك، فإن اردته وجدته في كتب العلماء «١» .
فهرس الموضوعات «١» الصفحة الموضوع المقدمة ٥ البدء بما في القرآن من إكفار الرسول للامم والبراءة منهم وهو وحيد ضعيف ٧ سلامته ﷺ مع حرصهم على إيذائه ٨ وعده وهو في وحدته اته سيكون في جماعات كثيرة ٣٨ استرواح المشركين لأدنى غم يصيب الرسول ٤٠ عرض المشركين على الرسول ان يعبد آلهتهم ويعبدوا إلهه ٤٤ وعد الرسول اصحابه في حال ضعفهم ان الله سيضرهم ٤٦ اسراء الرسول من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى ٥٢ ما نزل بمكة في رجال بأعيانهم انهم يصرون على شركهم الى ان يموتوا ٥٥ ما كان بمكة من انشقاق القمر ٥٩ ما كان بمكة من غلبة الفرس على ارض الجزيرة ادنى ارض الروم ٦٤ من اعلامه ﷺ انقضاض الكواكب بمكة ٨٠ دعوة رسول الله على مضر وإمساك القطر عنهم ٨٣ ما كان بمكة حين بكى الرسول عليهم قوله تعالى: اقتربت الساعة ٨٤ ما نزل بمكة من قوله تعالى «فاستمسك الذي اوحى اليك ... » ٨٥ من اعلامه قوله ﷿ «قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن»
قتربت الساعة ٨٤ ما نزل بمكة من قوله تعالى «فاستمسك الذي اوحى اليك ... » ٨٥ من اعلامه قوله ﷿ «قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن»
الصفحة الموضوع ٩١ من اعلامه اخباره عن النصرانية ومذاهبها ١٠٨ ما اشار إليه من اختلاف النصارى حول المسيح ﵇ ١٢١ ما جاء به الرسول حول الزعم بصلب المسيح، واختلاف النصارى حول الاناجيل، وتأثر المجتمعات النصرانية بعقائد الروم واخلاقهم ٢٣٥ اكفار الرسول ﷺ للعرب وسائر الامم الاخرى واسخاطها وكيف عصمه الله من اذاهم ٢٤٥ الاخوة والمودة التي كانت قائمة بين الصحابة ٢٥٢ افعال رسول الله وأقواله تشهد بأنه ما عهد لرجل بعينه ٢٥٥ كيف خاض الصحابة في امر الامارة ولم يذكروا انه نص على أحد بعينه ٢٦١ كيف فكر الانصار بالامارة ثم عدلوا عن ذلك بعد تبين الحق ٢٦٣ رفض علي ما عرض عليه من المبايعة بالامارة بعد وفاة الرسول ٢٧٣ طلب ابي بكر من المسلمين اقالته ورفضهم ذلك ٢٧٣ تمنى ابي بكر ان لا يكون قد ولي إمرة المسلمين ٢٨٠ كيف رد المسلمون الأمر الى عبد الرحمن بن عوف
خطأ وصواب الصفحة السطر خطأ صواب ١٧/ ١٨/ مارد/ مادة ٣٠/ ١٠/ القعقاع/ القينقاع ٣٥/ ١٩/ كونين/ كونان ٣٨/ ٧/ فسينفضون/ فسينغضون ٥١/ ٢١/ الدافع/ الدامغ ٧٢/ ٢٠/ للعرب على العجم/ للعجم على العرب ١٠٣/ ١٣/ الات/ الآب ١٣٧/ ١٢/ المسح/ المسيح ١٤٥/ ١٢/ وإذ أمرك/ و «إذ آمرك» ١٥٧/ ١٩/ الشاؤول/ لشاؤول ١٥٨/ ٢٢/ الملوك/ الملك ١٧٧/ ٤/ والبعير/ والبصير ١٨٨/ ١/ وقألوا/ وقالوا ٢٢٩/ ٢/ فعلنا/ نعلنا ٢٣٤/ ١٥/ وردت/ ورد ٢٤١/ ٣ و ٢١/ القرآن/ القران ٢٥٤/ ١٨/ بالبحر/ بالبحرين
الجزء الثّاني
﷽
باب من ذكر اعلام النبوة ودلائل الرسالة وهو أنه كان ﷺ يتوعد قريشا وهو بمكة بنصر الله له وظهوره عليهم، فيقولون: أيظن محمد أنه يغلبنا على مكه بأتباعه الفقراء والعبيد ونحن الأقوياء الأغنياء والناس كلهم معنا والرغبة عندنا لا عنده والبأس والنجدة لنا لا له، فتلا عليهم سورة القمر وما أنزل الله بأمة أمة من الأمم التي يعرفونها إلى أن قال: «أكفار كم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر، أم يقولون نحن جميع منتصر، سيهزم الجمع ويولون الدبر» «١» . فهزمت جموعهم، وكانت العقبى له كما أخبر وفصل، وقد كان في ظاهر الرأي والحزم وموجب التدبير أن تكون العقبى لهم لا له، وهم الغالبون لا هو، لأنهم واليهود والنصارى وتلك القبائل يد واحدة عليه وفي العداوة له، والكثرة والثروة والبأس والنجدة والكراع والسلاح معهم لا معه، فلن يغلبهم إلا أن يكون من قبل الله ورسولا لله كما أخبر.
وباب آخر [ما أشار اليه الرسول وهو في حال ضعفه من أن دينه سيغلب على الأديان كلها ويقهر الملوك جميعا .] وهو أنه ﷺ قال حين دعا إلى الله وفي حال وحدته وضعفه: إن الله أرسلني ووعدني أن يظهر ديني على الأديان كلها، فيكون سلطاني أقهر من سلطان كسرى وقيصر، فأغلب الملوك، ويعلو ملكي وملك أنصاري وأتباعي كل ملك في الأرض. ثم ما رضي بهذا القول حتى جعله كتابا يقرأ وقرآنا مخلدا يتلى، يعرفه العدو والوليّ فقال: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ/ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً» «١» وقال أيضا:
وليّ فقال: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ/ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً» «١» وقال أيضا: «يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» «٢» فكان كما قال وكما أخبر، فلم يرض أن أظهر دينه بالحجة حتى جعل أهله العالين بالقدرة والظاهرين بالمنعة والقاهرين الملوك والجبابرة بالعز والملكة. ثم ما رضي حتى أورده على وجه يغيظ ويغضب ويبعث على الممانعة والدفع والمغالبة، وعلى وجه يجعل العدوّ على أهبة، بخلاف تدبير حزمة الملوك ودهاة الجبابرة. فأخبر بهذا وديانات العرب قائمة وملوكهم على جزيرة العرب كلها مستولية، وهي جزيرة عظيمة فيها عدة ملوك، كل واحد منهم عظيم الشأن، ثم ديانات اليهود وملوكهم، وديانات النصارى والروم وملوكهم بالشام ومصر والمغرب والجزيرة وأرمينية، إلى غير ذلك، وديانات الفرس وممالكها، وهي كانت أعظم ممالك الأرض وأوسعها ملكا وأشدها بأسا، وممالك الهند. فغلب ملوك العرب في جزيرتها، وغلب ملوك اليهود وممالك الفرس كلها، وممالك النصرانية والروم، فلم يبق ملك بحيث تناله الحوافر
ا وأشدها بأسا، وممالك الهند. فغلب ملوك العرب في جزيرتها، وغلب ملوك اليهود وممالك الفرس كلها، وممالك النصرانية والروم، فلم يبق ملك بحيث تناله الحوافر
والأخفاق والاقدام إلا أزاله عنه وأخرجه منه، وأسنده إلى عقاب يعتصم بها، ومعاقل يأوى اليها، وقلاع ومطامير وخلجان وبحار يمتنعون بها. ثم ركب البحار إليهم، فأخرج الروم من الشام ومصر وأرض المغرب ولعلها مسيرة سنين، وهي اليوم في أيدي عدة ملوك، وغلب على أرمينية، وصار ملوكها يؤدون الجزية، وسار الاسلام حتى نزل على القسطنطينية وهي محصّنة/ ممنّعة بالبحار والخلجان والجبال والأسوار، فمذ غزاهم خلفاؤه وأصحابه كانوا في ذلة وفي شعاب ورؤوس مضايق قد سخت نفوسهم عن عيون ممالكهم واستسلموا، وكانوا كأعراب يطلبون النجعة أو كلصوص يطلبون الغرّة ويطرقون النيام، أو كصعاليك ينتظرون الفتنة بين المسلمين فينتهزون الفرصة، فأما أن يكون ملك يظهر لهم ويقيم بإزائهم ويعاديهم الحرب ويناوئهم كما كان ذلك بين ملوك الفرس والروم وملوك الترك والهند فلا. فما ضربت ملوك الروم وتدا في بلادها فضلا عن بلاد المسلمين منذ غزاهم أصحاب رسول الله ﷺ إلى سني نيف وخمسين وثلثمائة للهجرة في زمن الديلم، والسلطان بالشام إذ ذاك سيف الدولة على بن حمدان، وهو معروف الديانة والطوية للاسلام والغزاة وأهل السيرة والعنف بالرعية، ومما كان يلجئهم بالجور الى الهرب إلى الروم، وشرح ذلك يطول. وكانت الروم تقول قد كفانا بأس المسلمين وشغلهم عنا وألجأهم إلينا، وهو ملكنا الأكبر ودمستقنا الأعظم «١» . فأما ممالك السند والهند وأصحاب الفيلة والبأس والعز وفي البر والبحر، فأخذ من ممالكهم في البر وركب إليهم في البحر مما يطول شرحه، فحازه
نا الأعظم «١» . فأما ممالك السند والهند وأصحاب الفيلة والبأس والعز وفي البر والبحر، فأخذ من ممالكهم في البر وركب إليهم في البحر مما يطول شرحه، فحازه
وصار من بلدان الاسلام كمولتان والمنصورة وغيرها من المدن والأمصار البحرية ما هو معروف، وشرحه يطول، ومن طلبه وجده. فقد اعتبر العلماء وأهل التحصيل فما وجدوا أحدا جاء مجيء نبينا محمد ﷺ في الوحدة والفقر والفاقة ومنافرة/ الأمم كلها ومعاداتها، حتى ما اعتصم بمخلوق ولا صوب ملكا ولا جبارا كان في زمانه كما تقدم شرح ذلك، ثم صار أمره في القهر والغلبة ما صار أمره إليه. فإن ظاهر الأمر وموجب التدبير والعقل أن ذلك لا يتم ولا يكون، وأنه هو المغلوب المقهور المقتول إلا أن يكون من قبل الله الذي لا يغلبه شيء. فإن أمره ﷺ كان كريشة دفعت الجبال فسيرتها وطيرتها، أو كزجاجة وضعت على الجبال فطحشتها وسوتها بالأرض. فتأمل هذه الآية العظيمة، وكل آياته عظام. وما قلنا إنه نبىّ لأن دعوته قامت ودولته اتسعت، ولكن لما قدمنا وشرحنا من وحدته وفقره وتبرئه من الأمم وإكفارهم وإسخاطهم كما قد فسرنا غير مرة، ومجيء ذلك كما قال وأخبر من أنه مع هذه الحالات سيظهره الله ﷿، وقد علم ذلك من سمع أخباره ودعوته باضطرار، أنه أخبر بذلك جميعه في أول أمره قبل أن يكون شيء «١» منه وأن الأمر كان كما أخبر. ومعروف من سيرته أنه ﷺ كان يعرض نفسه على القبائل وفي المواسم ليتبعوه، ويشرط عليهم في دعوته عداوة الأمم كلها ومحاربة الملوك، فيقال له: إن الكسور من ملوك الفرس لا ترضى بهذا ولا تصبر عليه ولا نحن من رجال معاداتهم ومعاداة غيرهم من الملوك، فيقول: أرأيتم إن منحكم الله ملكهم وأفرشكم نساءه أتطيعونه وتعبدونه؟ فيتعجبون من هذا القول، ويقول
بعضهم لبعض: ما هذا إلا مجنون واحد وحده لا يغلب على دار بمكة وقد ناصبه قومه وهو/ يقول هذا، ويقول بعضهم ما هو إلا عاقل، فإن كان رسولا لله كما قال فسيكون ذلك، فيقال: بمن يكون هذا، وأين خزائن الملوك وعساكرها وغضبها لملكها وأنفتها وكبرياؤها ونخوتها حتى يترك هذا يغلبها، ولهذا قال الله تعالى: «وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا» «١» . ولشهرة هذا القول منه قبل أن يتلو به القرآن، أنه ﵇ لما توفي وارتدت العرب، جال أهل مكة جولة، وهمّوا بالردة، فاستخفى عتّاب بن أسيد عامل رسول الله ﷺ على مكة «٢» ، فقام سهيل بن عمرو فيهم خطيبا ونهاهم عن ذلك، فقالوا: محمد قد مات والناس قد رجعوا عن دينه، فقال لهم سهيل: إن يكن محمد قد مات فإن الله لم يمت. وقد علمتم أني أكثركم قتبا في برّ وجارية في بحر، فأقروا أميركم، وأنا ضامن إن لم يتم هذا الأمر أن أردّها عليكم جذعة وإن كنت أعلم أن هذا الدين سيمتد من طلوع الشمس إلى غروبها. قالوا ومن أين علمت، قال: إني رأيت رجلا واحدا وحيدا لا مال له ولا عزّ، قام في ظلّ هذا البيت فقال: اني رسول الله، وإني سأظهر، فكنا بين ضاحك وهازل وراجم ومستجهل، فما زال أمره ينمى ويصعد حتى دنّا له طوعا وكرها، والله لو كان من عند غير الله لكان كالكسرة في يدي أي فتى من فتيان قريش، وإن هذا، وأشار إلى أبي سفيان، ليعلم من هذا الأمر مثل ما أعلم، ولكن قد ختم على قلبه حسد بني عبد المطلب. وسهيل بن عمرو هو أحد رجال قريش وعقلائها وخطبائها وذو الرأي
ر إلى أبي سفيان، ليعلم من هذا الأمر مثل ما أعلم، ولكن قد ختم على قلبه حسد بني عبد المطلب. وسهيل بن عمرو هو أحد رجال قريش وعقلائها وخطبائها وذو الرأي
منها، وهو صاحب القضية يوم الحديبية، وله تلك الناظرة والمجادلة، وكان أحد أعداء رسول الله ﷺ والمجردين في ذلك، وكان إذا تلا رسول الله ﷺ القرآن بمكة يقوم خطيبا وكأنّ كلامه يخرج من/ صدع صخرة، فينثال الناس عليه. وهو القائل وهو على باب عمر مع وجوه قريش وسادات العرب وقد حجبوا، فخرج آذن عمر فيقول: أين بلال؟ أين عمار؟ أين صهيب؟ فينهض هؤلاء الموالي مكرمين ويحجب أولئك، فرآهم سهيل وقد تمعّرت وجوههم «١» فقال لهم: مالكم تتمعر وجوهكم، هؤلاء قوم دعوا ودعينا، فأسرعوا وأبطأنا، ولئن غبطتهم اليوم بباب عمر، لما أعدّ الله لهم غدا في الجنة أفضل. ولما أبى أبو بكر الصديق قبول الصلاة والجهاد ممن منع الزكاة. قال له أصحاب رسول الله ﷺ: يا خليفة رسول الله، من نقاتل ومن ندع. لا طاقة لنا بحرب العرب كلها، اقبل من هؤلاء الصلاة ودع الزكاة فلعلهم إذا رغبوا في الصلاة أن يرغبوا في الزكاة. حتى إذا فرغوا من قولهم تكلم أبو بكر فقال: الحمد لله الذي هدى فكفى، وخلق فسوّى، وأغنى وأفنى، إن الله جل ثناؤه بعث محمدا ﷺ والاسلام غريب شريد قد رث حبله وولىّ أهله، ومقت الله أهل الكتاب فلا يعطيهم خيرا ولا يصرف عنهم سوآ حين غيّروا أو حرفوا، والعرب الأميّون صفر من الله، أضلهم دينا وأشدهم عيشا، فجمعهم الله بمحمد ﷺ، فنصرهم من أنفسهم، ووعدهم بالنصر على عدوهم. فلما توفي الله محمدا ﷺ، ركب الشيطان مركبه الذي كان أنزله عنه فأخذ بحبل رقهم «وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ،
وهم. فلما توفي الله محمدا ﷺ، ركب الشيطان مركبه الذي كان أنزله عنه فأخذ بحبل رقهم «وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ،
أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» «١» وقد ارتدّ من حولكم ومنعوا شاتهم وبعيرهم، ولم يكونوا في دينهم أزهد منهم يومهم هذا، ولم تكونوا في دينكم أرغب من يومكم هذا، / والله لا نبرح نقاتل على أمر الله جل وعزّ حتى ينجز الله لنا وعده ويفي لنا بعهده، فيقتل من قتل منا شهيدا من أهل الجنة، ويبقى من بقي منا خليفة ربّه في أهله، مطيعين متوكلين، قضاء لا خلف له «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً، يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً، وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ «٢» » وقال الله: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» «٣» . والله لينجزنّ الله لنا ما وعدنا في كتابه، وليظهرنّ ديننا على جميع الأديان، وليمكننّ لنا في الأرض كما وعدنا في كتابه، وهو اليقين الذي لا خلف له. وقد كانت ردة العرب بعد وفاته ﵇ بألوان الردة: منهم من ادّعى النبوة، ومنهم من كانت ردته بتعطيل الشريعة كلها، ومنهم من كانت ردته بمنع الزكاة على أن يقيم الصلاة ويجاهد مع المسلمين، فإن لم يقبل منهم ذلك صاروا مع العدو على المسلمين، وأغاروا على المدينة، وزحفوا حتى شارفوا المدينة، وخافهم المسلمون، فسألوا أبا بكر أن يقبل ذلك منهم مدة إلى أن ينكشف ما بالمسلمين، فأبى، فقيل له ما نراك تنحاش لما قد بلغ
من الناس ولما يتوقع من إغارة العدو. فقال أبو بكر ما دخلني إشفاق من شرّ ولا دخلني في الدين وحشة إلى أحد منذ ليلة الغار، فإن رسول الله حين رأى إشفاقي عليه وعلى الدين قال: هون عليك أبا بكر، «١» فإن الله قد قضى لهذا الأمر بالنصر والتمام. فقبلوا منه ورجعوا الى قوله، وقاتلوا العرب كلها فغلبوهم/ وقهروهم مع قلة المسلمين وكثرتهم، لتعلم معرفتهم بما أخبرهم به رسول الله ﷺ من الظهور وثقتهم بذلك. فلما فرغ أبو بكر من العرب أرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ على فارس والروم أن الله قد وعدكم الفتح، وأن يظهر دينه على كل دين، وأن يستخلفكم في الأرض كما استخلف الذين من قبلكم، والله متم أمره، ومصدق رسوله، ولكن أخوف ما أخاف علينا أن يصرف الله ذلك إلى غيرنا لتقصير يكون منّا، فجدّوا وبادروا لتحوزوا ثوابها. ثم قال لهم: إن بلادهم خرسة يعني خراسان، فقد سمعنا رسول الله ﷺ يذكرها ويخبر أنكم ستفتحونها. فذكرها وهي أقصى ممالك فارس وأوسعها بلادا وأكثرها رجالا وأشدها بأسا. ولما صار النعمان بن مقرن مع النفر الذين معه من المسلمين إلى يزدجرد ابن شهريار ملك فارس برسالة عمر بن الخطاب يدعونه الى الاسلام وأداء الجزية أو القتال، فقال لهم يزدجرد: لا أعرف أمة أقلّ ولا أشقى منكم. ثم ذكر من ذلّة العرب وسوء حالها ما يطول، ثم قال: تقولون لفارس، وملكها أعزّ ملوك الأرض، وملوك الأرض كلها تخضع لها: تعطوننا الجزية، يا كلاب، لولا أنكم رسل لقتلتكم، سأتقدم إلى رستم، يعني صاحب
ثم قال: تقولون لفارس، وملكها أعزّ ملوك الأرض، وملوك الأرض كلها تخضع لها: تعطوننا الجزية، يا كلاب، لولا أنكم رسل لقتلتكم، سأتقدم إلى رستم، يعني صاحب
جيشه، بأن يدفنكم وأميركم، يعني سعد بن أبي وقاص، وكان نازلا بالعذيب يريد ملك فارس، بأن يدفنكم في خندق القادسية، ثم أرسل إلى بلادكم فاستأصلكم وأصنع بكم أشد مما صنعه سابور بكم. وأخذ يتعجب من ضعف أجسامهم ورثاثة سلاحهم وكسوتهم. فقالوا له: إنا قد فهمنا ما ذكرت أيها الملك من القلة واستطالة الملوك علينا/ ولكن الله بعث فينا رجلا منا يدعونا إلى الله، ووصفوا له الاسلام وحال النبي ﷺ ووحدته وفقره، وأنه وعد أن يغلبنا ويغلب الأمم، فعجبنا من قوله، وتلقيناه بالجهل والرد والتكذيب، فلم تزل مواعيده تصدق، فما أخلف في شيء قاله. وقد وعدنا ممالككم وأرضكم ودياركم، ولن يخلف قوله. فأجيبوا إلى دينه فإنه دين يحسن فيه الحسن ويقبح فيه القبيح، نخلف فيكم كتاب الله فتجاهدون من يليكم فتفوزون، وإلا فالجزية نقبلها منكم عن يد وأنتم صاغرون، فإنكم إن تقاتلوا ينصرنا الله عليكم. فقال: ما تريدون بقولكم عن يد؟ قالوا عن يد منّا عليك في قبولها منك، فازداد غيظه وقال: قوموا يا كلاب عني، وجرى لهم معه ما يطول، وإنما أردنا ذكر ثقتهم بهذا الوعد. ولما سار رستم بجيوشه إلى سعد بن أبي وقاص وهو في المسلمين، أرسل رستم طلائعه وقال لهم: بادروا، ومن وقع بأيديكم من العرب فأسرعوا به إليّ. فجاؤا برجل من المسلمين، فقال رستم للترجمان: قل له ما جاء بكم إلى بلادنا؟ فقال المسلم: لنأخذ موعود الله، فقال رستم: وما هو؟ قال المسلم: أنفسكم وأموالكم ودياركم، فقال رستم الملك له: يا كلاب، كأنا قد وضعنا في أيديكم، فقال له العربي: أعمالكم وضعتكم في أيدينا، انك لست تحاول البشر وإنما نحاول القدر، فقال له رستم: أما أنت فتقتل
ك له: يا كلاب، كأنا قد وضعنا في أيديكم، فقال له العربي: أعمالكم وضعتكم في أيدينا، انك لست تحاول البشر وإنما نحاول القدر، فقال له رستم: أما أنت فتقتل
الساعة، فقال له المسلم: أنا أقتل فأصير إلى الجنة، ومن بقي من المسلمين يظهر عليكم. ولما نزل الملك رستم القادسية، أرسل إلى سعد أن أرسل إليّ من يبلغني عنك ويبلغك عني، فأرسل إليه رجلا واحدا، فجلس له على سريره، وأحدق به جنوده وهو في عشرين ومائة ألف/ في خيول وفيلة وشدة وبأس. فقال رستم للمسلم: قل لي ما جئتم تطلبون- وظن رستم أن المسلمين سيرهبون لما يرون من جنوده- فقال له المسلم: إنك لا تسمع مني أو تنزل إليّ أو أصعد إليك، فهاله ذلك منه وهو رجل واحد، فلما صار معه وصف له الإسلام ورغبه فيه، فقال له رستم: مثلكم معشر العرب مع فارس مثل رجل كان له كرم فدخلته الثعالب فتغافل عنها فطمعت فيه، فسدّ عليها المثاغب ثم قتلها عن آخرها، «١» وكذا يكون أمركم معنا، وذكر من كان يولونه على العرب وغلبتهم لهم، ثم قال: هاتوا يا أشقياء جمالكم هذه نوقرها لكم تمرا وبرّا ونكسوكم فإنكم عراة وترجعون، فهو خير لكم، فإنه لا طاقة لكم بالملوك، وخاصة ملك فارس. فقال له المسلم مثل قول أصحابه من حال رسول الله ﷺ وكيف كان ابتداؤها وما وعد به، فانصرف. ثم عاود رستم سعدا فيمن يرسله إليه، فأرسل إليه رجلا واحدا، وكان رث الهيئة واللبسة والسلاح، فسأله رستم عما جئتم له، فوصف له مثل ما وصف أصحابه، وقال مثل ما قالوا، فسأله رستم عن الاسلام، فوصف أصوله وحدوده- والترجمان يترجم عنه- فأقبل رستم على من حوله من الملوك والقواد والوزراء والأساورة، فقال: ألا ترون إلى حسن ما يصف من هذا الدين، وإلى هؤلاء كيف لا يختلف قولهم مع كثرتهم، فقالوا له: نعيذك بالله
أيها الملك أن تستحسن دين هؤلاء، أما ترى عريهم ووسخهم ورثاثة سلاحهم ولباسهم، فقال لهم رستم: أنتم قوم عنيتم بالملابس والماكل والمشارب وعنوا بالأحساب، انظروا إلى عقولهم وبصائرهم وصبرهم. وجرى له معهم أكثر مما جرى لهم مع الملك الكبير يزدجرد مما يطول/ شرحه. وهم يذكرون هذا الوعد مع كثرتهم، ولا يختلف قولهم، وكانت الملوك تمتحنهم بمثل هذا لينظروا هل يختلف قولهم، وهل هناك زلة أو هفوة لصاحبهم فتظهر من بعضهم على طول المدة، أو تميل بهم الرغبة إلى عاجل الدنيا مع تعجل السلامة، وهل يهو لهم ما يرون من العتاد والعدة وما يسمعونه من التهديد بالقتل، فما وجدوا عندهم شيئا من ذلك، وكانت قرة أعينهم بما آتاهم الله من البصيرة في دينهم، كما قد قال سليمان ﵇: «فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ» «١» . ولقد كتب أمير المؤمنين عمر إلى سعد: سرت في العرب ونزلت على الفرس، ما تنتظر؟ ناجز القوم. فكتب إليه سعد يذكر له عدد فارس وبأسها وشدتها وعتادها وعدتها، وضعف من معه وقلتهم ورثاثة سلاحهم، فكتب إليه عمر: بهذا وعدنا، قال الله: «سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ» «٢» فاشكر الله يا سعد أن سمعته بأذنك، ورأيته بعينك، وباشرته بيدك. وكم كان للمسلمين مثل ذلك مع ملوك الروم بحمص ودمشق وأنطاكية ومصر وغيرها، وما كانت الرسل تقوله لهم عند المجادلة أن نبينا قد وعدنا بظهور دينه على الأديان، وأنه قد أخبرنا وأنذرنا وبشرنا بأمور كثيرة فما
وأنطاكية ومصر وغيرها، وما كانت الرسل تقوله لهم عند المجادلة أن نبينا قد وعدنا بظهور دينه على الأديان، وأنه قد أخبرنا وأنذرنا وبشرنا بأمور كثيرة فما
أخلفنا في شيء قط، وما جرى لهم معهم يطول شرحه، وهو مذكور في مواضعه، وإنما ذكرنا هذا القول لأن من قطعته هذه الآيات فتحيرّ فلم يجد متعلقا فأخذ يقول فيها عند صحتها: هذه المواعيد لم تكن في أول الأمر، وإنما يقال هذا فيمن أخلف مواعيده وظهر كذبه في شيء بعد شيء، فأما من مكث ثلاثين سنة يخبر بما في هذا القرآن، ثم ينحو مثله من الأخبار، فلم يخلف في شيء منه، كيف يقال/ فيه «١» مثل هذا، ولو كان قد قال هذا القول قبل موته بساعة لما خرج من أن يكون آية ودلالة على نبوته وأنه شيء قد انتقضت العادة به، فإنه ﷺ ما خلف بيوت الأموال ولا مروج الكراع ولا خزائن السلاح، بل مات فقيرا، ومرض وعنده سبعة دنانير، فقال: ما كان يقول محمد لربه لو لقيه وهذه عنده، فقسمها وتصدق بها. وقد حمى نفسه ونساءه وأهله وولده عن الدنيا كما هو معروف، وما خلف في أصحابه وعليهم إلا البصائر فقط، وقد ارتدت العرب بعده إلا ومسجدين: مكة والمدينة، فنهض أصحابه بالأمر وليس معهم إلا التقوى والبصائر، وإنما يقول مثل هذا من لا يعرف الفرس والروم وقديمها وشدة بأسها وحزمها وضبطها ويسرها وكثرة جنودها وتقادم الملك فيها وضنّها بملكها. وحال رسول الله ﷺ وسيرته وما خلفه، وكيف كانت حال العرب في المهانة الضعف والقلة عند ملوك الفرس والروم والهند وغيرهم، وشرح ذلك يطول. فما غلبت العرب إلا بالتقوى ولا عزت إلا بالاسلام. ولقد كانت الفرس تنفذ إلى جزيرة العرب فيما يكرهونه بالرجل الواحد وبالنفر اليسير. وكذا الروم فينفذ أمرهم، ولهذا مزق كسرى أبرويز كتاب النبيّ ﷺ ووجّه باثنين في إشخاصه إليه. فأما عند الحرب فما كانوا ينفذون إلى الجمع الكبير من العرب إلا بالنفر اليسير، ولقد عجبت العجم والعرب من انكسار السريّة
ﷺ ووجّه باثنين في إشخاصه إليه. فأما عند الحرب فما كانوا ينفذون إلى الجمع الكبير من العرب إلا بالنفر اليسير، ولقد عجبت العجم والعرب من انكسار السريّة
الذين أنفذهم كسرى بسبب النعمان بن المنذر يوم ذي قار، حتى قال النبي ﷺ «هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم، وبي نصروا» . ثم عاد الأمر الى خلاف ذلك، فكان النفر من أصحاب/ رسول الله ﷺ يلقون الجمع الكثير فينصرون عليهم، حتى كان الرجل وحده يسير إلى بلد من بلدانهم فيأخذه مع رثاثة سلاحهم وقلة عتادهم وعدتهم، ولقد قال أبو أمامة الباهلي صاحب رسول الله ﷺ في زمن بني أمية وقد رأى لهم رايات وتهويلات: ما تصنعون بهذا ثكلتكم أمهاتكم؟ والله لقد أخذ هذا الملك الذي في أيديكم رجال ما كان لسيوفهم قباع، والله ما كانت مجانّهم الإبرادع جمالهم. وكان عمر أمير المؤمنين كثيرا [ما] «١» يقوم في الصحابة خطيبا، فيذكر لهم ما كانت فيه العرب من القلة والذلة والفقر والشقاء وشدة العيش واستطالة الأمم عليها، ثم إلى أي شيء آل أمرها اليه برسول الله ﷺ، ويقول: إنما أقول هذا لكم لأني سمعت الله يقول لموسى: «وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ» «٢» ، ويأمرهم بلزوم طاعة الله، فبها غلبوا الأمم وقهروا الملوك، حتى صار ملكهم أعز من كل ملك في الأرض، ودينهم أظهر الأديان وأهيبها وأجلها، وأنهم ما لزموا ذلك لا يزالون ظاهرين قاهرين. وكانت ملوك الفرس والروم تعجب من انهزام عساكرها الخشنة المعدة القوية الشديدة من بين أيدي المسلمين، مع قلتهم وضعفهم وقلة آلتهم وسلاحهم، حتى لقد قال رستم الملك لما عبر العتيق لحرب سعد بالقادسية: أين عسكر هؤلاء الكلاب، فقيل له: أشخص بصرك إلى هذه الجهة تره، فقال لما أشخص بصره: قال: أرى سوادا فأين هو من السواد، فقيل له: هو السواد، فعجب وقال: وهذا هو كله، قالوا: نعم، قال: وقد بذلنا
لهم الصلح فما أجابوا وهذا قدر عسكرهم، لا تقتلوهم وادفنوا هؤلاء الكلاب أحياء، استقلالا لهم. فلما قامت الحرب/ نزعوا برادع جمالهم يستخفون بها، وقدموا ابن ام مكتوم وهو أعمى ومعه رايتهم، فصاروا عنده كالضحكة، والطمع فيهم أشد، واحتقاره لهم أكثر. فلما رأى صبرهم تحير، حتى قال لجواسيسه: يا ويلكم، أيّ ناس هؤلاء، أما يملّون ما هم فيه، أما يطلبون الراحة، أما يشغلهم أكل. قيل: إنهم إذا قاموا من منامهم ابتدؤوا بأكلهم، قال: وما يأكلون، قيل له: مع كل واحد منهم خشبة يأكلها، يعني بذلك السّواك، لأن الجاسوس كان يراهم يستاكون عند القيام من النوم فظن أن ذلك طعامهم، لأن الفرس والروم لا تعرف السّواك. ولما قدمت منهزمة الروم على هرقل وهو بأنطاكية استعظم انهزامهم، وكان عنده أن المسلمين هم الذين ينهزمون، وأنه يصير إلى المدنية فيستأصلهم، فقال لهم: أخبروني ويلكم عن هؤلاء القوم الذين تقاتلونهم، أليسوا بشرا مثلكم، قالوا: بلى، قال: فأنتم أكثر أم هم، قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافا في كل موطن، قال: فما لكم تنهزمون كلما لقيتموهم، فقال شيخ منهم: من أجل انهم يقومون بالليل ويصومون بالنهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويتناصفون، ومن أجل أنّا نزني، ونركب الحرام، وننقض العهد، ونغضب ونظلم، ونأمر بما يسخط الله، وننهي عما يرضي الله، ونفسد في الأرض. قال: أنت صدقتني. وكانت نصارى العرب بين تغلب وتنوخ وبلخ وغسان وغيرها من القبائل تعين الروم والفرس على المسلمين، وكانوا ينغمسون في المسلمين لأنهم عرب فيظنهم المسلمون منهم، فيرجعون بأخبارهم إلى الروم، فيحدثونهم عن عسكرهم، وعن أمرائهم ورؤسائهم، كشر حبيل بن حسنة، ومعاذ بن
نغمسون في المسلمين لأنهم عرب فيظنهم المسلمون منهم، فيرجعون بأخبارهم إلى الروم، فيحدثونهم عن عسكرهم، وعن أمرائهم ورؤسائهم، كشر حبيل بن حسنة، ومعاذ بن
جبل، وخالد بن الوليد/ وأبي عبيدة بن الجراح وهو أمير الأمراء، «١» وأنهم لا يبينون من جندهم بشيء، وأن كل واحد منهم هو الذي يقوم على فرسه ويخدم أهل عسكره، وأن الذين في عسكرهم من بني هاشم وهم أهل بيت نبيّهم ورهط أبي بكر وولد عمر في العسكر كضعفاء الناس، لا يبينون من غيرهم بشيء. وأن من سرق قطعوه، ومن قتل قتلوه، ومن افترى جلدوه، ومن كذب أسقطوه وأبعدوه وإن كان ابن نبيّهم أو ابن أميرهم. وأنهم في الحدود والحقوق سواء، لا يتفاضلون إلا بالتقوى في دينهم. وأنهم رهبان بالليل وفرسان بالنهار. ويحدثونهم بحب النصارى لهم، وتشبثهم بهم، وأنهم أحب إليهم من ملوك النصرانية، وأن أهل حمص بكوا لرحيل أبي عبيدة بن الجراح عندهم لما تكاثرت عليه ملوك الروم، فقيل لأهل حمص: تبكون على هؤلاء وهم اعداؤكم في الدين، والذين يجيئونكم ملوككم وأهل دينكم، فيقولون: هؤلاء أهل الأمانة والوفاء وقول الحق والعمل به، وقد أمناهم: - فهل سمعتم بمن يأمنه عدوه- دماؤنا محقونة، وأموالنا موفورة، وسبلنا آمنة، وأعراضنا مصونة، وأهل ديننا يفتضّون أبكارنا، ويشربون خمورنا، ويأكلون ودوابهم أقواتنا وعلف مواشينا، ويسخروننا لمعونتهم. فكان سرورهم بملك المسلمين لهم عظيما، وهكذا كانت رجال الفرس. فإن عمر حين ملكهم أقرّهم على أديانهم وأموالهم، وأخذ الجزية منهم، وفرض على أرضهم القفيز والدرهم «٢» ، وصدقهم في ادّعائهم، واستعمل عليهم وفي أرضهم وخراجهم حذيفة بن اليمان، وسلمان الفارس، وعمار
لهم، وأخذ الجزية منهم، وفرض على أرضهم القفيز والدرهم «٢» ، وصدقهم في ادّعائهم، واستعمل عليهم وفي أرضهم وخراجهم حذيفة بن اليمان، وسلمان الفارس، وعمار
بن ياسر، وعثمان بن حنيف «١» ، وأمثالهم، ووصاهم بهم، وحرص الفرس به أن يستعملهم عليهم وضمنوا التوفير، وقالوا نحن أعلم بهم، فلم يفعل، فسقط/ عن الفرس رسوم ملوكهم عليهم من حق النوروز والمهرجان والكسور والأجور وحق الخزن وغير ذلك، فأيسروا وسمنوا وصاروا كشحم الكلى، فأحبّوا الاسلام والمسلمين فما رأوا سوآ، إلى أن كتب زاذان فرّوخ- رجل منهم- للحجاج فسار بهم سيرة ملوكهم فقالوا: ما زلنا مع المسلمين بخير حتى دخل بيننا وبينهم رجل منا، فكنا كما يقال: إن فأسا طرح بين شجر فقال بعضهم لبعض: ما لهذه بيننا؟ فقالت شجرة منهن: ما علينا منها بأس ما لم يدخل فيها شيء منّا. وكانت ملوك الفرس والروم يعجبون من سلطان المسلمين وأنه يقوم بدرّة ومرقعة ويغلب الجبابرة وأهل الملك القديم، وأصحاب التدبير والسياسة والترتيب، وأصحاب الكنوز، وأتاهم عن عمر أن كنوزهم تحمل الية فيقسمها ولا يخزنها. وأن قائلا قال له: يا أمير المؤمنين لو ادّخرت من هذا
التدبير والسياسة والترتيب، وأصحاب الكنوز، وأتاهم عن عمر أن كنوزهم تحمل الية فيقسمها ولا يخزنها. وأن قائلا قال له: يا أمير المؤمنين لو ادّخرت من هذا
المال ذخرا ليكون إن كان، فقال له: كلمة ألقاها الشيطان على لسانك، أما إنها لن تضرني ولكنها فتنة لمن بعدي، يدّخر لكون إن كان تقوى الله وطاعته وطاعة رسوله، وقسم المال ولم يقبل منه. وكان يأخذ عماله بإنصاف الناس ورعايتهم وخدمتهم وأن يعودوا العبيد والضعفاء إلى غير ذلك مما يطول. ولما انكشف ملوك الروم من الشام ومصر، واحتجزوا من المسلمين بالمضايق والدروب، أخذوا في مداراته ومراسلاته، وطمعوا في كفه واستعطافه بالرفق، فكانت رسلهم ترد المدينة مع نفر من المسلمين في ثغورهم، فلا يرون له قصرا ولا منزلا يتميز به من سائر الناس، بل يرون منازلهم كقامة رجل من جريد النخل، وربما لم يجدوه في بيته ولا في مسجده، فيسأل المسلمون الذين معهم: أين/ أمير المؤمنين؟ فيقولون: ها هنا كان آنفا وما ندري أين مضى، فيمشون مع رسل الروم يطلبونه في المدينة فيجدونه وحده في طرف من الأطراف مشغولا بشأن المسلمين، فيقول الروم للمسلمين: هذا الذي أخرج الروم والفرس من ممالكها، لا قصر له ويمشي وحده حافيا، أما يخاف هؤلاء الملوك؟ فيقول المسلمون لهم: هو أعز على المسلمين من ذلك، فيرجعون إلى ملوكهم بخبره، فيسألون بينهم وفي حكمائهم، هل رأوا وبلغهم أن سلطانا بهذه «١» العزة والغلبة قام بدرّة ومرقّعة، فيقولون: لا، ما سمعنا ولا ظننّا ولولا أنا رأينا ما صدقنا. وقد كان يزدجرد بن شهريار ملك فارس قال لرستم صاحب جيشه وقد سأله رستم عن النعمان بن مقرن والذين كانوا معه وكيف رآهم، فقال له يزدجرد: ما ظننت أن في العرب أمثالهم، ما تقصر عقولهم عن عقول فارس، وجدتهم على بصيرة ويقين من أمرهم، ولقد وعدوا أمرا لا ينتهون عنه أو
يبلغوه أو يهلكوا. ولما ظفر سعد برستم، وهزم جيوش الفرس، صار إلى المدائن، وهرب يزدجرد إلى نهاوند، كان يجاري خواصه، ويكثر تعجبهم من ضعف العرب وغلبهم الجبابرة الأقوياء أهل الملك القديم والتدبير السديد من الروم والفرس، وشدة جرأتهم عليهم وإقدامهم عليهم في وقت واحد، لا يكون لهم عندهم من الهيبة ما يصمدون لملك ملك حتى إذا افرغوا منه تفرغوا لغيرة، بل تفوقوا عليهم كأنهم ملك واحد أو سلطان واحد فأصابوهم، مع سوء التدبير واطراح الحزم خلافا لما يفعله حزمة الملوك، فيقول يزدجرد: ما أظن صاحبهم إلا رسولا لله كما ادعى، فلو لم يكن من/ آياته إلا طاعة العرب له وقد كانوا منتشرين يأكل بعضهم بعضا. وانما رماهم يزدجرد بن شهريار بسوء التدبير وسوء الاختيار، أنهم قصدو الملوك كلهم، وأثاروا أهل الأرض كلهم على أنفسهم ضربة واحدة، وما هكذا كانت تسير الملوك، بل كانوا يقصدون لبعض الوجوه ويدارون غيرها، ويتقون كل جنبة جنبة منه، هذا قول يزدجرد بن شهريار. وسار يزدجرد بن شهريار من نهاوند إلى فارس، ورتب عماله وأصحابه في الممالك كلها، وأنه يستثير بالفرس كلها بخراسان ويستنصر بالترك ويرجع، فيخرج العرب من ممالكه، ويصير الى بلادهم فيقتل عمر ملكهم ويستأصلهم. وخرج من فارس إلى سجستان، ومنها الى مرو، ومنها الى خاقان ملك الترك، واستنصره وصاهره، وعيونه وجواسيسه تختلف الى العرب، ورسله إلى الملوك في ممالكه، يشدّ منهم ويأمرهم بجهاد العرب، ويعدهم بنصرهم والرجوع إليهم، وهم يعذلون الفرس والمجوس الذين ادّوا الجزية وصبروا على العرب، وكانت العرب وملك المسلمين احب اليهم من ملوك الفرس لما قدمنا، ولأن ملوك الفرس كانوا يسمون أنفسهم الأرباب وغيرهم
الذين ادّوا الجزية وصبروا على العرب، وكانت العرب وملك المسلمين احب اليهم من ملوك الفرس لما قدمنا، ولأن ملوك الفرس كانوا يسمون أنفسهم الأرباب وغيرهم
العبيد، وكذا كانت كتبهم من الأرباب إلى العبيد. ثم كانت أصول دياناتهم «١» على ما ألقاه زرادشت إلى الملك بستاسف بن لهوا سف أن الله خلق الدنيا، فلما خلقها استحسنها، ثم فكر هل هاهنا ضد يدخل عليه، قال: والفكر رديء، فتألف من فكره إبليس، فمثل بين يديه، وما زال يخلق الظلام والأجسام الشريرة كالحيات والعقارب والأمراض والأسقام/ فيقيم بإزاء كل خلق لله خلقا لنفسه، فلما خلق الله الفار خلق إبليس بإزائه السنور، إلى غير ذلك من الخرافات السخيفات مما هو مذكور عندهم، وقد ذكره للناس عنهم وأخذوه منهم إلى قولهم: وأن الله نزل من السماء إلى الأرض لمحاربة إبليس بملائكته، وأن إبليس لقيه بشياطينه فحاربه أكثر من ألف سنة، وأن إبليس هزمه وحاصره في بعض البساتين، وأن الملائكة سعت بينهم في الصلح فتهادنا سبعة آلاف سنة على أن يرجع إلى مستقر ملكه في سمائه ويترك إبليس في الأرض يصنع ما يشاء إلى انقضاء مدة الهدنة، وأن الملائكة أخذت سيف كل واحد منهما فعدّلوهما. فهذا هو أصل دينهم، وفيه من السخف والجهل والحمق ما هو أكثر من هذا مما «٢» هو مذكور في أماكنه. وأما الفروع «٣» ، فتجنب الماء، والتطهير بالأبوال، وتعظيم الماء والنار والأرض، وتطهير الحائض والنفساء ببول البقر، يتولى ذلك منهم الهربذ، يجردها ويباركها ويباشر غسل فرجها بيده، ويرى بعينيه، ويأخذ منها من الأجر ما هو معروف مذكور، وفي يده ريشة من ريش النسر يدخلها في فرجها ثم يخرجها لينظر زعم نقيت أم لا، وشرع لهم وطء المغنيات، وفرض
بعينيه، ويأخذ منها من الأجر ما هو معروف مذكور، وفي يده ريشة من ريش النسر يدخلها في فرجها ثم يخرجها لينظر زعم نقيت أم لا، وشرع لهم وطء المغنيات، وفرض
على زوج المرأة إذا أراد السفر أن يوكل من يرضى، وشرع لهم نكاح الأمهات والبنات، وأوجب عليهم طاعة الملوك والانقياد لهم في كل ما يأمرونهم، وأمرهم بإقامة النوروز وأنه أعظم الأعياد، وزعم لهم أن الشياطين كانوا ظاهرين مختلطين بالناس يؤذونهم كل الأذى، وأن إبليس أخذ المقادير والنهايات وهو الذي تسميه الفرس قيما، وزعم أن إبليس أخذ المقادير والنهايات/ من الناس فصاروا «١» يأكلون فلا يشبعون، ويشربون فلا يروون، ويذهبون لحوائجهم فلا يهتدون، وأنه أخذ الأنوار فأظلمت الدنيا عليهم، إلى أمور كثيرة يزعم أن إبليس بلغها منهم يطول شرحها. وأن جمشاذ الفارس استأمن إلى إبليس وصار في عسكره، وتنصح له، وخدمه وقرب منه، وتقرب إليه بكل شيء لتخليص الناس من شره، وأنه لما اختص به طلب المقادير والنهايات التي أخذها إبليس فلم يجدها في خزائنه، وإذا ابليس لشدة كيده قد ابتلعها لئلا تصل يد أحد إليها. ففطن لذلك جمشاذ الفارسي، فرأى إبليس وهو معه في أرض الهند نائما وحده منفردا من عسكره، فأعدّ خيولا، وأدخل يده في دبره وأخذ المقادير والنهايات واستوى على الخيول، فلما صار بأرض فارس أضاءت الدنيا وتندّت الأرض بعد اليبس ورجع إلى الناس المقادير والنهايات، فلهذا صاروا يوقدون النيران ويصبون المياه ويظهرون السرور ويتوفرون على اللذات في النواريز. وأن يد جمشاذ هذا الفارسيّ اسودّت اسودادا قبيحا فاحشا لإدخاله إياها في دبر إبليس، فغسلها بكل شيء فما نقيت، فشكا الى الله ذلك، فأوحى إليه غسلها ببول البقر فنقيت، قالوا: لهذا شرع زردشت غسل الحائض والنفساء ببول البقر. وزعموا أن جمشاذ هذا كان قبل زردشت، وحرّم عليهم افتضاض الأبكار لأجل الطعن في الدّم
وهو الذي يسمونه سولاسم، فمن يمسك بدينه منهم يتوقى ذلك ويحتال لافتضاضها، إما أن تتولى هي ذلك «١» / لنفسها بإصبعها أو بغيره إلى أن ينقضي الدم. ولهم في فروعهم فواحش آخر، مثل: أكل الميتة، وهو ما يشدونه من البقر الشد الوثيق ويأمرونها بصعود الجبل ويقولون لها: قد أمرناك وأعذرنا إليك فلم تفعلي، فيضربونها إلى أن تموت، ثم يأكلونها، وهذا الذي يسمونه يزدان كشت، تفسيره، قتيل الله، إلى غير ذلك من حمقهم. فلما جاءهم الاسلام، كان حذيفة وسلمان وغيرهما من الأفراد لا شغل لهم الا قراءة القرآن ودرسه وتعليمه، والظهور للناس، والمشي في الأسواق، والجلوس في الطرقات. فكانوا يسألونهم عما يقرؤون وعما في كتابهم فيفسرونه للتراجمة ولمن يفهم، فيذكرونه لهم، ويرجعون الى عقولهم فيما يسمعون من جلال الله ﷿ وعظمته وآياته في كل شيء في مثل قوله: «وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ» » ، وما في قوله في سورة الروم: ومن آياته، ومن آياته، ومن آياته، غير مرة، إلى غير ذلك. وعلم الصحابة به أعظم من علم من بعدهم، فنظر القوم إلى أصول صحيحة يشهد العقل بها، وفروع زكية تدعو الى التمسك بأصولها، ووجدوا الصحابة يعلمون بما يقولون، فأسلموا، وتبادروا إلى الإسلام طوعا من تلقاء أنفسهم، وجاهدوا في سبيل الله كما قد عرف الناس، وبقايا ذلك اليوم بخراسان خاصة. وهذه كانت سبيل النصارى بمصر والشام وأرمينية، فديانات النصرانية في الأصول على تلك الجهالات والكذب كما قد تقدم لك ذكره، / وفروعهم في
يوم بخراسان خاصة. وهذه كانت سبيل النصارى بمصر والشام وأرمينية، فديانات النصرانية في الأصول على تلك الجهالات والكذب كما قد تقدم لك ذكره، / وفروعهم في
النجاسة والقذارة كما قد عرفت، ورأوا من الصحابة في المذاكرة بالقرآن والمواظبة على درسه، فأسلموا اختيارا وطوعا من تلقاء أنفسهم، وجاهدوا في سبيل الله ﷿. وأما خاص المجوس بجور وإصطخر «١» ، فعندهم أن الله مات جل الله عن قولهم «٢» وأنه خلف ابنين، أحدهما غلب على السماء وهو الخير، وأن الآخر غلب على الأرض وهو الشرير. وقد كان عامل لعمر ﵁ كتب اليه يعتذر من قلة المال ويقول: أسلم الناس وقلت الجزية، فأنكر عليه عمر هذا الاعتذار وكتب إليه: إن الله بعث محمدا ﷺ هاديا ولم يبعثه جابيا، وصرفه ولم يستعمله لحزنه على قلة المال وحرصه على الجباية «٣» . وكان خلفاء رسول الله ﷺ يقولون لعمالهم: ارعوا الناس ولا تجبوهم، فإن الله بعثنا رعاة ولم يبعثنا جباة، وإن من بعد نامن الأمراء سيصيرون جباة لا رعاة، فإذا أفعلوا ذلك ذهب الحياء والوفاء وقلت البركات، فالزموا الاسلام. ولما دخل عمر الشام تسامع به النصارى ومن بها من ملوك الروم ممن أقام على الذمة، فأحبوا أن يروه، فخرجوا على براذينهم وخيولهم في زيهم ومراكبهم وملابسهم، فرأوا المسلمين يدخلون أولا، أولا، فيقولون لهم: أين الملك؟ فيقولون لهم: هو في الساقه. وتلقاه أبو عبيدة والأمراء، فجاء على
في زيهم ومراكبهم وملابسهم، فرأوا المسلمين يدخلون أولا، أولا، فيقولون لهم: أين الملك؟ فيقولون لهم: هو في الساقه. وتلقاه أبو عبيدة والأمراء، فجاء على
جمله ومعه مولى على جمل آخر، فانتهى إلى ماء فنزل ونزع جرموقيه «١» وأخذ برأس بعيره وخاض الماء، فقال له أبو عبيدة: لقد صنعت صنيعا عند أهل هذه الأرض، كأنّ أبا عبيدة كره له كل هذا التواضع والتبذل وهو سلطان المسلمين، وعدوّه/ كثير، وهم يرونه، وقد سلبهم ملكهم وعزهم، وعيونهم وجواسيسهم معه يرون ذلك ويبلغونه ملك الروم، وللروم عناية شديدة بمعرفة حال عدوهم، وظنونهم سيئة، وتيقظهم دائم، حتى أن لهم إلى هذه الغاية مع ضعف الاسلام وذهاب أهله جواسيس وعيونا متوالية إلى أقاصي خراسان، وفي كل الاسلام، ومن يصير لهم في مكة في كل سنة فيشهد الموسم ويرجع إليهم بالخبر. فقال عمر لأبي عبيدة: هاه، رافعا بها صوته، لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، كنتم أذل الأمم، فأعزكم الله بالاسلام، ومهما تطلبوا العز بغيره يذللكم الله. ولما ورد الشام وقدم الجابية وهو على جمل أورق، تلوح صلعته من الشمس، ليس عليه عمامة ولا قلنسوة، بين عمودين، ووطؤه فرو كبش نجديّ، وهو وطؤه إذا ركب، وفراشه إذا نزل، وحقيبته شملة محشوة ليفا، هي وسادته إذا توسد، عليه قميص من كرابيس قد انخرق بعضه. ولقيه أمراء والأجناد في مواكبهم، فكلما لقيه أمير منهم فسلم عليه قال له امض، فردّه، ولقيه الاسقف، فقال حين رآه لاساقفته: ثكلتكم أمهاتكم، هل رأيتم رهبانية أو ديرانية أو سياحة مثل هذا، هذا ملك الأرض، فانظروا إليه وإلى حاله.
مض، فردّه، ولقيه الاسقف، فقال حين رآه لاساقفته: ثكلتكم أمهاتكم، هل رأيتم رهبانية أو ديرانية أو سياحة مثل هذا، هذا ملك الأرض، فانظروا إليه وإلى حاله.
وقد كان قال لعامله على أذرعات «١» وقد قدم عليه، وعلى عمر قميص من كرابيس، فقال لعامله: خذ هذا فاعتله وارفعه، ففعل، وقطع عليه قميصا قبطيا فأتاه به وقال: هذا قميصك وهذا قميص قطعته عليه لتلبسه، فمسه فوجده لينا فقال: لا حاجة لنا به. ولما قدم دمشق وصار في يوم الجمعة نام عمر فجاء عامله على دمشق فسألهم/ ما يريد أمير المؤمنين أن يلبس إلى الصلاة، وهل يلبس غير لباسه الذي كان عليه، قالوا: لا، ما يلبس غيره، فكره ذلك عامله وخاف أن تزدريه البطارقة وملوك الشام بعد هيبته في صدورهم وصوته فيهم، فأمرهم عامله أن يغسلوا قميصه، فإنه إذا قام من نومه فوجده رطبا لم يلبسه أعطيناه غيره فلا يجد بدا من أن يلبس. فلما انتبه عمر [و] «٢» أراد أن يمضي إلى المسجد للجمعة دعا بقميصه فوجده رطبا قد غسل، فلامهم «٣» في ذلك، قالوا: نأتيك بغيره، قال: لا ألبس غيره؛ فعصره ولبسه وصعد المنبر وقد كان أبطأ من أجل القميص، فجعل يعصر ما بقي فيه من الماء وهو على المنبر، ويمدّ كمه فلا يبلغ أصابعه، وهو قميص غليظ، وقال لهم: إنما حبسني أن قميصي هذا غسل، فلما نظروا اليه وإلى هيبته أقبلوا يبكون وينتحبون من كل ناحية ويقولون: ولا رهبانية ابن مريم، ولا رهبانية ابن مريم، مرتين، ما رأينا ملكا في رهبانية أعجب من هذا. وقال الروم: هذا الذي غلب فارس والروم وأخذ كنوز كسرى وقيصر، فقال عامل عمر: فكان والله الذي فعل أهيب في صدورهم وأبلغ مما أردنا، وجاءت هيبة الدين والتقوى.



