— Bagian 7 · او نقتلك. فقال لهم: لو كانت الحكومة معصية لما جئ… —
Bagian 7
او نقتلك. فقال لهم: لو كانت الحكومة معصية لما جئت إليها وكان لي ان احكم، وقد امر الله بالحكومة في شقاق يكون بين المرأة وزوجها وفي ارنب تصاب في الحرم
تساوي ربع درهم؛ فقال ﷿: «يحكم به ذوا عدل منكم» ، فكيف بإمامة قد اشكلت على المسلمين فقاتلوه وقاتلهم، وقتلهم وقتلوه، في امر ليس فيه تعطيل نص ولا تغير قرآن، وإنما هو شيء من طريق الاجتهاد، وكان له ﵁ ان يفعله. وقد بلغوا في الانكار عليه هذا المبلغ، فكيف بتغير القرآن والنصوص وظلم ابنة رسول الله ﷺ، لتعلم فحش غلط هؤلاء القوم، وان ابا بكر وعمر وعثمان وعليا ﵃ لو راموا بأجمعهم تعطيل نص لرسول الله، او تغير آية واحدة من كتاب الله، او ظلم امرأة ارملة ذمية لقتلوا بأجمعهم. وقد عرف اهل العلم والتحصيل، ان اهل البصائر، ومن يعتقد دين محمد ﷺ ونبوته وصدقه واجلال من اجل وتعظيم من عظم وإهانة من اهان في زمن ابي بكر وعمر اكثر وأوافر، والغلبة لهم، والامر بأيديهم، وهم كانوا الظاهرين القاهرين، وهم ولّوا ابا بكر وعظموه واجلوه وقدموه تقربا الى الله، لأن رسول الله قد كان يقدمه ويعظمه ويجله ويكرمه؛ ولهذا كان يقول الرؤساء في ذلك الزمان من اقارب رسول الله ﷺ، وقد رأوا تعظيم المهاجرين والأنصار ابا بكر، وطاعتهم له، وتنفيذهم وصاياه ووصايا خليفته بعده: كان والله حلوا في افواههم، جليلا في اعينهم، مهيبا في صدورهم، على سكون ريحه ولين جانبه. / فلا تظن ما يقول طوائف الامامية والرافضة فيهم إلا الغاية في الغافله وترك النظر؛ وتعليل الرجال هو الذى يوقع الناس في الضلال.
وباب آخر [الاخوة والمودة التي كانت قائمة بين الصحابة] إن بين ابي بكر وعمر وتلك الجماعة وبين بني هاشم مع اخوة الاسلام فضل مودة وصداقة، يمدح بعضهم بعضا ويزكّي بعضهم بعضا، ويتصاهرون،
ويرى بعضهم بعضا أهلا للإمامة والولاية، وينصح بعضهم بعضا. ألا ترى أنهم بايعوا ابا بكر، وصلّوا خلفه، وغزوا معه؛ ونفذوا وصيته بعد موته في عمر، فاجتمعوا كلهم في طاعته؛ ونفذوا وصايا عمر بعد موته وصلّوا خلف صهيب، ورجعوا الى عبد الرحمن كما وصّى، فغزا امير المؤمنين علي بن ابي طالب مع ابي بكر ﵄ الربذة والى ذي القصّة «١» . ولما همّ ابو بكر بالخروج عن المدينة والمسير الى اصل الردة، اخذ امير المؤمنين علي بعنان فرسه وقال له: اقول لك كما قال لك رسول الله ﷺ يوم أحد: سمّ سيفك، وارجع مكانك، ومتعنا بنفسك، وأتا أقول لك: أنقذ جيشك وارجع الى المدينة، فإنك إن هلكت لم يكن للاسلام بعدك نظام، فقبل رأيه ورجع. وقد غزا غير واحد من بني هاشم في زمن عمر، وفي غزواته هلك الفضل ابن العباس بالشام في طاعون عمواس في خلافة عمر، وقد خرج العباس معه الى الشام وغيره من بني هاشم، وخلف عليا أميرا على المدينة في بعض خرجاته الى الشام، فانه خرج اليها اربع مرات، فدخلها في بعضها، وفي بعضها لم يدخل، وزوجه امير المؤمنين عليّ ابنته ام كلثوم وأمها فاطمة بنت رسول الله ﷺ، / وكان له منها زيد ورقية. وقبل ذلك ما زوج رسول الله ﷺ ابا بكر الصديق اسماء بنت عميس الخثعمية، وكانت تحل من رسول الله ﷺ محل ابن الأخوات وتختص به وبنسائه وتكون في بيوته. وكانت من المهاجرات بدينها الى ارض الحبشة وإلى المدينه، وكانت قبل ذلك امرأة جعفر بن ابي طالب، وكان له منها
ن الأخوات وتختص به وبنسائه وتكون في بيوته. وكانت من المهاجرات بدينها الى ارض الحبشة وإلى المدينه، وكانت قبل ذلك امرأة جعفر بن ابي طالب، وكان له منها
غير واحد من الأولاد، فجعل رسول الله ﷺ أبا بكر كافل بني هاشم ومربي ابنائهم، فربّى اولاد جعفر بن ابي طالب وكفلهم وأدبهم، منهم: عبد الله ابن جعفر بن ابي طالب، وأخوه محمد. وكان عبد الله بن جعفر يذكر من برّ ابي بكر بهم ورأفته وتأديبه لهم ما يطول شرحه. وخلف امير المؤمنين علي وعمر على المدينة في خروجه الى جسر مهران «١» ، وأشار عليه حين تكاتبت الأعاجم بإخراج المسلمين من ديارهم «٢» ؛ وكان يزدجرد بن شهريار ملك فارس الذي أخرجه عمر من ملكه حيّا مقيما عند خاقان ملك الترك وقد صاهره يستعينه على المسلمين، فراسل أهل مملكته بإخراج المسلمين من ديارهم، وأنه يوافيهم في الجيوش ويسير الى المدينة فيقتل عمر ويستأصل الاسلام، فكتب المسلمون الذين في ممالك الفرس الى المسلمين بالكوفة بهذا، وكتب أهل الكوفة الى امير المؤمنين عمر، فخطب الناس وقال: ايها الناس، إن الشيطان قد جمع جموعه، وإن الأعاجم من اهل جرجان وطبرستان والريّ وأصفهان وهمدان ونهاوند، قد تكاتبوا وتعاهدوا في اخراج المسلمين من ديارهم وقصدهم الى بلادكم، وهذا يوم له ما بعده، فأشيروا عليّ. فقام طلحة بن عبد الله، فقال، / فجزاه خيرا ثم امره بالجلوس، ثم قال: أشيروا عليّ، فقام عثمان بن عفان، فقال: أرى يا امير المؤمنين ان تكتب
فأشيروا عليّ. فقام طلحة بن عبد الله، فقال، / فجزاه خيرا ثم امره بالجلوس، ثم قال: أشيروا عليّ، فقام عثمان بن عفان، فقال: أرى يا امير المؤمنين ان تكتب
الى اهل اليمن فيسيروا اليك من يمنهم، وإلى اهل الشام فيسيروا اليك من شامهم، وتسري بأهل هذين «١» الحرمين وأهل المصرين: الكوفة والبصرة، وتلقي العدوّ بنفسك، فاذا رآك في جموعك وعساكرك هاله أمرك، وقل هو وجيوشه في أعين المسلمين، ففعلت وفعلت، فجزاه خيرا وأمره بالجلوس، ثم قال: أشيروا عليّ، فقام علي بن ابي طالب، فقال له: يا امير المؤمنين، أما ما كرهته من مسيرهم فان الله ﷿ لذلك أكره، وإنك يا امير المؤمنين إن سيّرت اهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة الى ديارهم، وإن سيّرت اهل الشام من شامهم سارت الروم الى ديارهم، وإن سرت بأهل الحرمين انتقضت العرب عليك، فكان ما وراءك اهم لك مما بين يديك، وإن رآك العدوّ ازداد كلبه عليك وقال لأصحابه: هذا واحد العرب فان قطعتموه قطعتم العرب كلها. ولكن أرى ان تكتب الى اهل اليمن، فيكون ثلثهم في اهل عهدهم وثلثهم في ثغورهم ويسير منهم الثلث اليك، وتكتب الى أهل الشام بمثل ذلك، وتقيم بمكانك وتنفذ اميرا يلقاهم، فان هلك أنفذت اميرا مكانه، فقد علمت انّا كنّا في زمن رسول الله ﷺ نقاتل بالبصيرة لا بالكثرة، فجزاه خيرا وأمره بالجلوس، ثم قال: هذا والله هو الرأي؛ إن انا أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة الى ديارهم، وإن سيّرت اهل الشام من شامهم سارت الروم اليهم، هذا والله هو الرأي ان ساعدتموني عليه، فقالوا: نساعدك، فعمل على ذلك، وأنفذ الجيش، وأقام على ما اشار عليه عليّ؛ وكم له معه مثل هذا، وشرحه/ يطول. وكم قد أشار عليه العباس ونصح له مما هو مذكور معروف عند العلماء،
على ذلك، وأنفذ الجيش، وأقام على ما اشار عليه عليّ؛ وكم له معه مثل هذا، وشرحه/ يطول. وكم قد أشار عليه العباس ونصح له مما هو مذكور معروف عند العلماء،
وكم قد اشارا جميعا على عثمان وغيرهما من بني هاشم، وكم قد غزا الحسن، والحسين، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن العباس، وغيرهم من بني هاشم مع امراء عثمان الى خراسان وغيرها، وكم كان يقول عمر على المنبر: أقضانا عليّ، ويقول: لا تكون نازلة لا يشهدها علي بن ابي طالب؛ وولاه القضاء بالمدينة، وتولى، فكان يقضي ويفتي، واستسقى بالعباس، وألحق الحسن والحسين في العطاء بالبدريين، ولما دوّن الدواوين، كتبوا اسمه في اول الديوان، فقال لهم: لم فعلتم هذا؟ فقالوا له: انت امير المؤمنين، فقال: ابدؤوا بطرفي رسول الله ﷺ: هاشم وزهرة، وضعوا عمر وآل عمر حيث وضعهم الله، وأدخل عليا في الشورى: وكان لعليّ في اولاده من يسمى أبا بكر وعمر وعثمان كما يسمي الرجل اولاده بأسماء أحبابه وأئمته، وقد كان للحسين ﵇ ولد يقال له ابو بكر قتل معه بكربلاء، وكان ليلي بن الحسين ولد اسمه عمر، وقد كان في أولادهم مثل هذا كثير، وشرح هذا يطول، وكذلك شرح ما كان بينهم من المودة والصداقة وحراسة بعضهم لبعض، ومدح بعضهم لبعض يطول، وللعلماء فيه كتب مفردة مخلدة، انت تجدها اذا طلبتها. ولكن طال العهد وغلب الجهل، فظن من لا علم له انهم كانوا متباعدين متباغضين، وأن الذي كان بينهم من العداوة والبغضاء أشد مما كان بينهم وبين معاوية وولده ومروان بن الحكم وولده كما ظنت المنانية ومن ذهب مذهبها، ان عيسى بن مريم «١» ﵇ كان عدوا لموسى وهرون وداود وسليمان/، وأنه كان يحرم أكل اللحمان وذبح الحيوان، وكما يظن من لا يعلم ان هذه الطوائف من النصارى على دين المسيح وفي طاعته. وللبغضاء رحمك الله حال مبينة، وللمحبة آثار وأعلام. ألا ترى ان
معاوية وآل ابي سفيان وآل مروان، لمّا ابغضوهم وعادوهم، ما ذكروهم في الإمامة ولا رجعوا اليهم في القضاء والفتوى، بل لعنوهم وحاربوهم وقتلوهم، ووصوا اولادهم بذلك، وكذا فعل بنو هاشم من ولد العباس وولد ابي طالب ببني امية. فإن قالت الرافضة: إنما صنع ابو بكر وعمر هذا ببني هاشم حيلة وخديعة وليخرجوهم من الرئاسة، قيل لهم: من الحيلة والخديعة ان لا يدخلوهم في الشورى، ولا ينبهوا عليهم في الرئاسة ولا يستسقوا بهم، ولا يستشفعوا الى الله بجاههم ومكانهم، ولا يشهدوا لهم بالجنة، ولا يسيروا إليهم بالعلم والمعرفة؛ ألا ترى ان معاوية لما عاداهم ما جعلهم اهلا للخلافة، ولا ذكرهم للرئاسة، ولا استسقى بهم، ولا استفتاهم، ولا استقضاهم، ولا شهد لهم بالجنة، بل كانت سيرته فيهم ما قد علم الناس؛ ولا فرق بين من ادعى هذا، او ادعى ان ما كان من مدح رسول الله ﷺ لأهله وأصحابه انما كان على طريق المداراة والخديعة، او ادعى ان ما كان من معاوية [مع] «١» آل بني هاشم إنما كان على طريق الرأفة والرحمة. وبعد فما لأبي بكر وعمر على قولكم الى مداراة الناس وخديعتهم في بني هاشم، وعندكم ان الناس قد علموا ان رسول الله ﷺ قد استخلف عليا ونص عليه، وعرف الكافة انه الحجة على العالم. ثم ان ابا بكر دعاهم الى خلاف ذلك فأجابوه بأسرهم على/ قول بعضكم وهم الكاملية، وعلى قول الهشامية اجابوه إلا نفرا يسيرا كانوا مغلوبين. ودعاهم هو وعمر بعده وعثمان بعدهما الى تغيير القرآن والشريعة، من الطهارة، والأذان، والصلاة
ية، وعلى قول الهشامية اجابوه إلا نفرا يسيرا كانوا مغلوبين. ودعاهم هو وعمر بعده وعثمان بعدهما الى تغيير القرآن والشريعة، من الطهارة، والأذان، والصلاة
ومواقيتها، والصيام ومواقيته، والمواريث، والمناكح، والطلاق، والعتاق، الى غير ذلك، فأجابوهم اليه. وما سمع الناس بأعجب من امر هؤلاء القوم في دعواهم على ابي بكر وعمر، انهم إنما زكوا بني هاشم مثل العباس وعلي وغيرهما، وأدخلوهم في الشورى، وقدموهم في القضاء والفتوى والرئاسة، للنقص منهم، والحيلة عليهم؛ وهو كمن قال: ان ابا بكر وعمر وعثمان اخذوا الروم والعجم وملوك العرب بالدخول في دين النبي ﷺ، وإدخال اممهم في دينه، والشهادة برسالته، وإقامة شرائعه، وموالاة اوليائه، ومجاهدة اعدائه، انما فعلوا ذلك عداوة له صلى الله عليه، وللحيلة عليه، واخراجه من الرئاسة والنبوة، ولإماتة ذكره؛ وكل امرهم عجب وخروج عما يعقل ويفهم. فإن قالوا: إنما أدخله عمر في الشورى وقال يصلح للخلافة والرئاسة ليمحو نصّ النبي عليه واستخلافه له، قلنا: فإن ذلك قد امحى على قولكم وأجابه الناس الى محوه وإزالته، فما حاجته الى ادخاله في الشورى لولا محبته له والتنبيه على فضله، ولو اراد ان يخرجه من الرئاسة لما أدخله في الشورى، ولا قال انه يصلح للخلافة والرئاسة؛ وانما الشورى وضعها عمر ليطلب الناس من يصلح في دين رسول الله ﷺ للقيام بأمر امته ﵇، وليرجعوا الى وصاياه وعهوده فيمن يصلح لذلك في دينه وشريعته؛ فلو كان هناك منصوص عليه، او من فيه أدنى اشارة، لما ادخله عمر في الشورى والرئاسة إن كان/ يريد ان يميت ذلك على ما يدعونه عليه، وهذا لا يظنه عاقل، وهو كمن قال انما استسقى بالعباس واستشفع الى الله به ليميت ذكره وليخرجه من الفضل والرئاسة ومن استخلاف النبي له ونصّه عليه، فان الراوندية
ا يظنه عاقل، وهو كمن قال انما استسقى بالعباس واستشفع الى الله به ليميت ذكره وليخرجه من الفضل والرئاسة ومن استخلاف النبي له ونصّه عليه، فان الراوندية
من شيعة بني العباس تدّعي ان النبي ﷺ نص على العباس واستخلفه وجعله وارث مقامه، وأن الخلافة تكون في ولده الى يوم القيامة، كما تدعي ذلك الرافضة في امير المؤمنين. وبعد فإن كان الذي صنعه عمر في الشورى حيلة على امير المؤمنين ليخرجه من الرئاسة، فلم دخل هو وقبله، وصلى خلف صهيب، ورجع الى عبد الرحمن في الاختيار، فكيف شعرتم انتم بهذا وخفي عليه. فإن قالوا: فعل هذا خوفا وتقية، فقد بينا ان سلطان هؤلاء الخلفاء الأربعة ما كان سلطانا يخافه محقّ ولو كان عبدا او ذميا، وكشفنا ذلك من غير وجه. واعلم ان الكلام اذا انتهى الى مثل هذا فليس إلا السكوت، فإن شرح المشروح والمجاذبة في امر المكشوف عناء وادخال له فيما يغمض ويخفى، فارجع رحمك الله الى ما كان من ابي بكر وعمر وقول بعضهم في بعض وصنع بعضهم ببعض، تجدهم أولياء واخوانا واصدقاء، وقد تقدم لك في صدر هذا الكتاب ان ابا بكر وعمر وتلك الجماعة من المهاجرين والانصار كانوا احباب رسول الله ﷺ، وكان يحبهم ويودهم، ويوجب على الناس مجبتهم، ويفرض عليهم مودتهم، وكانوا يحبونه، وهو أحب اليهم من أبنائهم وأنفسهم، ويحبون من أحبّ، ويبغضون من ابغض، وإن العلم بذلك قبل العلم بنبوته، فارجع اليه.
وباب آخر [افعال رسول الله وأقواله تشهد بأنه ما عهد لرجل بعينه] وهو ان افعال رسول الله ﷺ وأقواله ووصاياه وعهوده، تشهد بأنه ما عهد في رجل بعينه، وان الامر في الخلافة بعده الى خواصه واصحابه ليختاروا من يرون، وان الخلفاء بعده يجوز عليهم الخطأ والزلل؛ ألا تسمع
قوله ﷺ «١» : «أنفذوا جيش أسامة» وقوله: «لا تتركوا بعدي في جزيرة العرب دينين، ولا تجمعوا فيها دينين» «٢» وقوله: «استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإن لم يستقيموا لكم فخذوا سيوفكم على عواتقكم فأبيدوا خضراءهم، وإلا فكونوا أشقياء حرّاثين تمشون خلف أذناب البقر، وتأكلون كدّ أيديكم. أطيعوهم ما أطاعوا الله ورسوله، فاذا عصوا الله ورسوله فلا طاعة لهم عليكم؛ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» «٣» . وقوله: «هذا الأمر في قريش ما اذا استرحموا رحموا، واذا حكموا عدلوا، واذا قسموا أقسطوا، واذا عاهدوا وفوا؛ فإن لم يفعلوا ذلك، فعليهم لعنة الله والملائكة والناس اجمعين، لا يقبل منهم صرف ولا عدل» . ومثل هذا من اقواله كثير، ويعلم هذا من دينه، كما يعلم من دينه أن الولد للفراش وللعاهر الحجر، وان اليمين على المنكر والبينة على المدعي، والنفقة على الزوج دون المرأة، وما أشبه ذلك من شريعته. وهذه الوصايا منه انما هي لأصحابه وخاصته، فمن اشكل عليه بعد هذا انه ما نص على رجل بعينه، وان الخلفاء بعده يجوز ان يقع منهم الخطأ والزلل، وأنه ليس فيهم من يؤمن منه ذلك، فقد اشكل عليه الواضح من شريعة رسول الله ﷺ/ وجلّى سيرته، والمكشوف عن شريعته ووصاياه.
ده يجوز ان يقع منهم الخطأ والزلل، وأنه ليس فيهم من يؤمن منه ذلك، فقد اشكل عليه الواضح من شريعة رسول الله ﷺ/ وجلّى سيرته، والمكشوف عن شريعته ووصاياه.
فإن قيل: كيف اشكل هذا على هؤلاء القوم؟ قيل له: ليس يعرف هذا بكمال العقل وان كان واضحا، وانما يعرف بكثرة السماع وحسن الاصغاء والتأمل، وجودة التحصيل وصحة النقل. ألا ترى ان في هؤلاء من يقول: ان في القرآن زيادة، وفيهم من يقول: فيه نقصان، وفيهم من يقول: للطهارة والصلاة والصيام وسائر الشريعة باطن يخالف ما عليه الفقهاء والعامة، والى ما يذهب اهل التناسخ وقوم من الصوفية. وكل من جالس العلماء وكثر سماعه وجاد تحصيله، يعلم علما يقينا ان هذا خلاف دين النبي ﷺ؛ وقد عرف اصحابه من سيرته جواز الاختيار في الائمة والامراء، وعملوا بذلك في حياته ﷺ. ألا ترى انه لما انفذ عسكرا لغزو الروم قال لهم: اميركم زيد بن حارثة، فإن هلك فجعفر بن ابي طالب، فإن هلك فعبد الله بن رواحة؛ فهلك هؤلاء الامراء الثلاثة فاستعمل الجيش بعدهم خالد بن الوليد المخزومي اميرا عليهم، فدبرهم وساسهم ولقى العدو بهم، فما انكر النبي ﷺ ذلك بل صوبهم، وسمي خالد بن الوليد سيف الله. وقد كان النبي ﷺ انفذ عما لأبي موسى الاشعري اميرا على جماعة فهلك، فاستعملوا بعده ابا موسى، فما انكر رسول الله ﷺ ذلك بل صوبهم؛ بل انهم انما فعلوا هذا لأنهم قد عرفوه من سيرته. وقد ولى رسول الله ﷺ ابو العلاء بن الحضرمي «١» البحرين، وانفذه في
جماعة، وعهد إليه عهدا معروفا، وقال ﷺ/ في هذا العهد: وانا اشهد الله على رجل وليته امرا من امور المسلمين فلم يعدل فيه قليلا كان ام كثيرا فانه لا طاعة له، وهو خليع محاولتيه، واني قد برأت المسلمين الذين معه من عهدهم وايمانهم منه ومن ولايته، فليستخيروا عند ذلك الله ثم ليستعملوا عليهم افضلهم في انفسهم؛ واشباه هذا في وصاياه وعهوده وسيره كثيرة، وأنت تجده متى طلبته، وفيما معك اتم كفاية.
يته، فليستخيروا عند ذلك الله ثم ليستعملوا عليهم افضلهم في انفسهم؛ واشباه هذا في وصاياه وعهوده وسيره كثيرة، وأنت تجده متى طلبته، وفيما معك اتم كفاية.
باب آخر [كيف خاض الصحابة في امر الامارة ولم يذكروا انه نص على أحد بعينه] وهو ان الصحابة قد خاضوا في باب الامارة في مرض رسول الله ﷺ وقبل ذلك في ازمان مختلفة، وجرى لهم من الخوض في ذلك اكثر مما جرى لهم من كل شيء في كبار الامور وصغارها، فأقوالهم وأفعالهم افعال من لا عهد عنده في رجل بعينه؛ وان الائمة بعد رسول الله ﷺ يجوز ان تقع منهم المعاصي والخطايا. فمن ذلك، ان الصحابة سألوا عليا في مرض رسول الله ﷺ فقالوا: كيف اصبح رسول الله يا أبا الحسن؟ فقال: اصبح رسول الله بحمد الله بارئا، فقال له العباس: أحلف بالله لقد عرفت الموت في وجه رسول الله ﷺ كما أعرفه في وجوه بني عبد مناف، وإني لأرى رسول الله ﷺ سيتوفى في وجعه هذا، فانطلق بنا الى رسول الله ﷺ نسائله فإن كان هذا الامر فينا علمنا، وإن كان في غيرنا امرناه فوصى الناس بنا. فقال له علي: ما كنت لأسألها رسول الله ﷺ، فإنا إن سألناه فقال ليست فيكم منعناها الناس وقالوا: رسول الله ﷺ قال ليست فيكم، والله لا سألتها ابدا. فانظر كم في هذا من بيان على صحة ما قلنا؛ فهذا العباس، وهذا علي،
قال ليست فيكم منعناها الناس وقالوا: رسول الله ﷺ قال ليست فيكم، والله لا سألتها ابدا. فانظر كم في هذا من بيان على صحة ما قلنا؛ فهذا العباس، وهذا علي،
وهؤلاء الصحابة، فلو كان النبي ﷺ/ قد نص لما جاز ان يذهب علمه عنهم، أو لو قال قولا يحتمل تأويله هذا المعنى لما ذهب عنهم، فإن البحث والنظر والخوض يخرج خفيات الأمور ويذكر بغوامضها وبما قد تقدم عهده وزمانه، فكيف بالشيء الواضح القريب العهد، ورسول الله ﷺ حي بينهم، فكيف لم يقل علي للعباس: يا عم، أما تعلم ان رسول الله ﷺ قد نص علي وجعلني حجة على العالم واستخلفني وولديّ على امته الى يوم القيامة، وكيف نسيت مع قرب العهد، أو ليس قد قال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» ، و «انت مني بمنزلة هرون من موسى» ، وهذا نص واستخلاف. فإن كان امير المؤمنين علي ﵁ نسي ان النبي ﷺ استخلفه كما نسي العباس فكيف لم يذكرهما الصحابة وهم يسمعون ما يجري، وهذا لا يخفى على متأمل، فقد وجدت رحمك الله عليا والعباس والصحابة قد اطبقوا على ان رسول الله ﷺ ما نص ولا استخلف رجلا بعينه، ولا قال قولا قصد به هذا المعنى. فان قيل: ومن سلم لكم ان هذا قد جرى بين علي والعباس ﵄؟ قيل له: إن هذا كالذي جرى في السقيفة وفي الشورى، لا يرتاب بذلك اهل العلم، والعجب انكم تقولون أن النبي ﷺ قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه» وتنكرون مثل هذا وهو أصح، والعلم به اقوى، وما زال ولد العباس وولد علي من قديم الدهر يتذاكرون هذا الذي جرى من آبائهما في أنهما أصوب رأيا، ويخوض اهل العلم في ذلك، كالشعبيّ وعبد الرزاق «١» ، وإنما يذهب مثل هذا على معاند أو من لا نصيب له
في العلم. وفي هذا الباب، ان النبي ﷺ لما مرض جزع اصحابه لمرضه، فكانوا معه وحوله ومسجده بهم مثل الرمانة، وعنده في بيته ازواجه وعماته وبناته، فكان/ اذا وجد خفّا خرج فصلى بهم، فاشتد به يوما مرضه فقالوا: الصلاة يا رسول الله، فقال: ما أستطيع الخروج، صلوا، قالوا: يا رسول الله من يصلي قال: يؤذّن بلال ويصلّي أبو بكر. ففي قولهم: من يصلّي، دليل على انه ما استخلف رجلا بعينه، لأنه لو كان فعل ذلك لما قالوا من يصلي ولا خفي عليهم مكانه، كما لا تخفى عليهم القبلة وقد فرغ لهم منها، فلا يقولون الى اين نصلي. وأكد ذلك ايضا بقوله: يصلي بكم ابو بكر، ولو كان قد استخلف رجلا بعينه لقال: او ليس قد استخلفت عليكم عليا، فكيف نسيتم مع قرب العهد، ولأمر عليا بالصلاة. فان قيل: ومن سلم لكم هذا، وإنما عائشة قالت له لا رسول الله، وأن رسول الله ﷺ لما احس به خرج وصرفه. قيل لهم: انه ليس لرسول الله عهد اوثق ولا عهد اوضح من عهده الى ابي بكر في الصلاة بالناس في مرضه، فانه عقد كان منه في بيته وبحضرة أصحابه، الذين صفتهم على المحافظة على دينه الصفة التي قدمنا، والعلم بذلك يجري مجري مرضه في بيت عائشة ودفنه فيه، ومجرى العلم بأن ابا بكر وعمر دفنا عنده؛ والعجيب ممن يقول: قد علمنا ان رسول الله ﷺ قال: من كنت مولاه معلّي مولاه وعليّ مني بمنزلة هرون من موسى، وقال: انفذوا جيش اسامة، وينكر امر ابي بكر في الصلاة بالناس، وهذا من
لمنا ان رسول الله ﷺ قال: من كنت مولاه معلّي مولاه وعليّ مني بمنزلة هرون من موسى، وقال: انفذوا جيش اسامة، وينكر امر ابي بكر في الصلاة بالناس، وهذا من
العناد الشديد والجهل الفائض، وهو كمن قال: إن رسول الله ﷺ ما اختار أبا بكر للهجرة معه ولا كان معه في الغار، ولا اختصه بأن يكون معه في العريش يوم بدر دون الناس كلهم، ولا كان معه في بيعة الرضوان، ولا اقامه مقام نفسه في الحج بالناس في سنة تسع ولم يقدم غيره في ذلك، وهو اول امير حج بعده ﷺ/ في حياته من المدينة. ولقد امر ابو بكر بالصلاة، فصلى بجميع اصحابه وأهل بيته كالعباس وعليّ وجميع بني هاشم ومواليه، وهو ينظر اليهم من بيته وفي مسجده وهم يصلون خلف ابي بكر، فصلى بهم ابو بكر [عدة] «١» ايام. ففي بعض تلك الايام يخرج رسول الله ويصلي معهم، وفي بعضها يخرج وقد فرغ ابو بكر فيجلس معهم، وفي بعضها يحس به ابو بكر فيتنحى ويقدمه ويصلي بهم. لا يتدافع اهل العلم من الصحابة والتابعين والذين يلونهم والذين يلونهم في ذلك. ولقد صلى بهم ابو بكر الظهر في اليوم الذي مات فيه رسول الله ﷺ قبل دفنه وقبل البيعة له بذلك العهد الذي كان من رسول الله ﷺ لا ينازعه في ذلك احد. وقد روى هذا الحديث وأمر رسول الله ﷺ لأبي بكر بالصلاة علي بن ابي طالب، ذكر ذلك في خلافته وعلى منبره مرات كثيرة، ورواه العباس وابنه عبد الله، وذكره عمر على منبره في خلافته، ورواه ابو عبيدة، وعبد الله بن مسعود، وأنس بن ملك، والبراء بن عازب، وسالم بن عبد الله، وعبد الله بن زمعة، ومن لا يحصى كثرة من المهاجرين والانصار. وانما كان سبب ذكرهم له، لأنهم كانوا يذكرون مرض رسول الله وكيف صنع، وانما
الم بن عبد الله، وعبد الله بن زمعة، ومن لا يحصى كثرة من المهاجرين والانصار. وانما كان سبب ذكرهم له، لأنهم كانوا يذكرون مرض رسول الله وكيف صنع، وانما
يظن ان ابا بكر تقدم فصلى بالمهاجرين والانصار بغير عهد من رسول الله ﷺ، من لا يعرف المهاجرين والانصار، وشدة بصائرهم، وإعظامهم لمقام رسول الله ﷺ ان يقوم فيه احد مقامه سيما في خاصته بغير امره. وبعد فان مسجده في بيته ونصب عينيه، يسمع وهو في بيته صوت من في مسجده ويراهم، وأمره لأبي بكر/ بالصلاة بحضرة اصحابه، ويسمع ذلك جميع ازواجه وبناته وعماته، فقد كنّ في مرضه هذا اجتمعن كلهنّ عنده في بيت عائشة. وكان امره له بذلك مرة بعد مرة، فان الصحابة كانوا يدخلون في اوقات الصلاة فان وجد خفّا خرج معهم، وإلا قال لهم: يصلي بكم ابو بكر. وكان في اول امره امر بذلك، قالت عائشة: يا رسول الله، إن ابي رجل أسيف «١» لا يستطيع ان يسمع الناس، فلو امرت غيره، فأبى رسول الله ﷺ ذلك ولم يجبها اليه، فاستعانت ببعض ازواجه عليه ليشفعها ويأمر غير ابي بكر بالصلاة، فردّهن رسول الله وغضب وقال: يأبى الله والمؤمنون غير ابي بكر، إليكنّ عني صويحبات يوسف. فهذا الذي كان من عائشة فادعوا عليها ما لم يكن، وهذا شأنهم. ولقد قيل لعائشة لم كرهت ان يصلي ابوك بالناس في مرض رسول الله ﷺ وراجعت رسول الله ﷺ في ذلك حتى غضب؟ قالت: ظننت بحداثة سني انه لا يطيق ذلك، وأن المسلمين يتشاءمون به. وقد قال بعض العلماء في قول رسول الله ﷺ: إليكن عنى صويحبات يوسف، ان اولئك النساء ظنن ان يوسف ﵇ إذا دفع الى شدة
لا يطيق ذلك، وأن المسلمين يتشاءمون به. وقد قال بعض العلماء في قول رسول الله ﷺ: إليكن عنى صويحبات يوسف، ان اولئك النساء ظنن ان يوسف ﵇ إذا دفع الى شدة
يضعف ويجيب الى المعصية فلم يكن كما ظنن، فأراد رسول الله ان ابا بكر سيدفع الى شدائد فيصبر ويحتمل. ثم يقال لهم: وكيف طمع ابو بكر ان يتقدم بأصحاب رسول الله ﷺ وقد علم ان رسول الله ﷺ قد استخلف عليا وعرفهم انه حجة الله عليهم وعلى رسول الله وجميع الصحابة حضور شهود، كيف يتوهم عاقل هذا؟ وبعد فكيف اقرّ رسول الله ﷺ عائشة/ في ازواجه واقام عليها وقد ارتدت بهذا الصنيع، وقد قال الله ﷿: «وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ» «١» ؟ فادعيتم ان ابا بكر اغتصب هذا المقام، وان ذلك بلغ رسول الله ﷺ، وانه غضب من ذلك وانكره، وخرج وعزل ابا بكر، وانكر على الصحابة طاعتهم لأبي بكر في الصلاة خلفه؛ هذا امر عظيم، ومراجعات كثيرة، إذ لو كانت لكان العلم بها اقوى من العلم بما كان من المراجعة لرسول الله ﷺ من المراجعة والمناقلة يوم الحديبية مع سهيل بن عمرو «٢» وما اشبه ذلك، ولكن مذاهبكم مقصورة على دعاويكم. ومن العجب كونكم ما ادعيتم ان رسول الله ﷺ لما غضب وخرج وعزل ابا بكر ان يكون قد قدم عليا فصلى بالناس ليتم بهتكم، بل لو كنتم صادقين في دعوى النص عليه لكان هذا وقت تقديمه والغضب لأجله لو ادعيتم ان رسول الله ﷺ لم يختر
بيت عائشة لمرضه ودفنه والموت فيه وانما اختار بيت ابنته فاطمة ولكن ابا بكر مضى واغتصبه وحمله وجاء به الى بيت عائشة، فهذا رحمك الله من الأدلة التي تشهد ان رسول الله ﷺ ما استخلف عليا ولا نص عليه كما يدعي هؤلاء وانما ينكرون الاخبار. فان قالوا: لو كان رسول الله ﷺ ما استخلفه لعلمنا باضطرار انه لم يستخلفه. قيل لهم: ما لم يفعله رسول الله ﷺ لا يعلم بالاضطرار، انما يعلم بالاستدلال، فمن استدل علم ومن لم يستدل جاز ان يظن انه قد فعل. ولو كان فعل شيئا أو فرض شيئا على الامة من سائر احكام الشريعة لجاء مجيء العلم كما جاء غيره، وهذا هو الاصل كما شرحنا وقدمنا.
باب آخر [كيف فكر الانصار بالامارة ثم عدلوا عن ذلك بعد تبين الحق] من هذا، ان الانصار لما قبض رسول الله ﷺ حزنوا لفراقه، فاشتد حزنهم وعظمت مصيبتهم، فقالوا هدانا الله به، وجمع إلفتنا بدعوته، وعظمت علينا بركاته. فرجع بعضهم على بعض فقالوا: احمدوا/ الله فقد قبض وهو عنكم راض، فقالوا: الحمد لله، ولكن قد وترنا الأمم، وقد قبض رسول الله ﷺ ولم يستخلف، ولا بد لنا من امير نقيمه فنغزوا معه ونجاهد، فقال قائل منهم: لا بد لكم من هذا، فأقيموا رجلا منكم. فانظر كيف أفصحوا بأنه لم يستخلف، ولو كان كما يدّعون هؤلاء لفيل لهم ذلك ورد عليهم هذا القول والنبي ﷺ لم يدفن بعد، وكيف لم يستدل
ا، فأقيموا رجلا منكم. فانظر كيف أفصحوا بأنه لم يستخلف، ولو كان كما يدّعون هؤلاء لفيل لهم ذلك ورد عليهم هذا القول والنبي ﷺ لم يدفن بعد، وكيف لم يستدل
عليهم بالآيات والأحاديث التي تروونها وتستدلون انتم بها فلو لم يكن إلا هذا لكفى في الدلالة على بطلان ما يدعونه هؤلاء، وما يدعيه العباسية والبكرية. فإن قيل: فالنبي ﷺ قد قال: «الأئمة من قريش» في الجماعات الكثيرة وقد ذهب هذا على الانصار، فما تنكرون ان يكون قد نص على علي والعباس وأبي بكر وذهب عنهم؟ قلنا: لا ندعي ان رسول الله ﷺ قال: «الأئمة من قريش» في الجماعات الكثيرة، ولا قام فيهم خطيبا كما تقولون في دعواكم لعلي، ولا اخذه على الناس، ولا هو ايضا من فرض الكافة، وانما هو من فرض الفقهاء والخاصة، فيعقده اربعة نفر أو خمسة لواحد، وهو يجري مجرى قوله ﵇: «لا وصية لوارث» «١» ، و «أهل ملتين لا يتوارثون» «٢» ، و «الخراج بالضمان» «٣» ، وليس كذلك ما يدّعونه من انه نص على رجل بعينه وفرض طاعته على جميع أمته وجعله الحجة عليهم بعده، فأوجب على الرجال والنساء والأحرار والعبيد والمقيمين والمسافرين طاعته، وأعلمهم هذا الغرض وأداه اليهم بحسب وجوبه وشمول عمومه، فجرى في الغرض مجرى قوله: «انا رسول الله اليكم وحجة الله عليكم» ، فهذا لا يذهب على النفر اليسير ممن هو دون الانصار في الرتبه والاختصاص برسول الله ﷺ، وهو يقول: «الانصار كرشي وعيبتي» «٤» ، يريد بذلك انهم موضع سرّي وخاصتي،
فأين/ فرض هذا من قوله: «الأئمة من قريش» «١» ، ومع كون هذا من فرض الخاصة، فعند الحاجة ذكر وقبله الأنصار كلهم وعملوا به، فلو كان دعواكم انتم ايضا كذلك لكان قيل وعمل به مثل هذا.
أئمة من قريش» «١» ، ومع كون هذا من فرض الخاصة، فعند الحاجة ذكر وقبله الأنصار كلهم وعملوا به، فلو كان دعواكم انتم ايضا كذلك لكان قيل وعمل به مثل هذا.
وباب آخر [رفض علي ما عرض عليه من المبايعة بالامارة بعد وفاة الرسول] من هذا ان العباس وبني هاشم بلغهم قول الانصار وما عزموا عليه، فما أنكروا قولهم ان رسول الله ﷺ قبض ولم يستخلف، وان الإمامة تجب بالاختيار، بل مدحهم العباس وأثنى عليهم وأقبل على عليّ وقال له: قد كنت قلت لك ورسول الله ﷺ حيّ عليل انطلق بنا اليه نسأله فيمن يكون هذا الامر فان كان فينا لم تنازع فلم تفعل، والآن فامدد يدك أبايعك فيقال: هذا عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله فلا يختلف عليك اثنان. فتأمل رحمك الله هذا البيان وهذا الإفصاح من الجميع، ان رسول الله ﷺ ما نص ولا استخلف، فكيف لم يقل علي لعمه: كيف نقول إنك لو بايعتني ما اختلف عليّ اثنان ورسول الله قد عقد لي وجعلني الحجة وقد خالفوني. وانما كان قوله ﵁ للعباس لما قال له أمدد يدك: هذا امر المسلمين، وما كنت لأفتات عليهم بأمر، فإن ارادوني فقد عرفوا مكاني.
لي وجعلني الحجة وقد خالفوني. وانما كان قوله ﵁ للعباس لما قال له أمدد يدك: هذا امر المسلمين، وما كنت لأفتات عليهم بأمر، فإن ارادوني فقد عرفوا مكاني.
فقيل له: أقبل فانهم لا يخالفونك ولا يكرهونك، وقال له ابو سفيان: اقبل يا ابا الحسن ما يقول ابو الفضل وانا أبايعك، فقال له العباس: اقبل فهذا شيخ بني عبد مناف يبايعك ايضا، فقال ابو سفيان عليّ بنو عبد مناف كلها، بل عليّ قريش ان تبايع ولا تخالف، فقال له العباس: افعل، فقال: لا يا عم إلا عن ملأ من المسلمين. فانظر كيف بين ﵁ امر الامامة للمسلمين وباختيارهم، وانه لا يبادر الى القبول لئلا يظن به الحرص على الامارة، فقال له قائل من بني هاشم: فأخبر الناس أن رسول الله ﷺ جعلها/ في بني هاشم، فقال ﵁: والله لئن كنت أول من آمن به فلا اكون اول من كذب عليه. ومقام آخر، وهو ان العباس خرج الى ابي بكر وهو في المسجد فأخبره بما بلغه عن الانصار، وسأله ان يمضي اليهم ويبين لهم، لعلم العباس بعظم قدر ابي بكر في المهاجرين والانصار. فنهض ابو بكر وتبعه عمرو وأبو عبيدة، وصاروا الى الانصار، فأنكر عليهم ابو بكر ما عزموا عليه، فعجبوا من إنكاره وقالوا: لم تنكر ان تكون الامارة فينا، فقد مضى رسول الله ﷺ وما استخلف، وقد قال فينا كذا، ومدحنا بكذا، فقال ابو بكر: صدقتم، وقد قال رسول الله ﷺ: ولو سلك الناس شعبا وواديا وسلكت الانصار شعبا وواديا لسلكت شعب الانصار وواديهم؛ ثم قال ابو بكر ولكن هذا الامر ينبغي ان يكون في الحيّ من المهاجرين من قريش، فلا تنفسوا عليهم الامارة: أسلمنا قبلكم، وقدمنا الله في القرآن عليكم، وما كان في قريش نفاق. فقال الحباب بن المنذر بن الجموح: فإن ابيتم فمنا امير، ومنكم امير. ثم
اقبل على قومه من الانصار فقال لهم: البلاد بلادكم، والبادية باديتكم، وأنتم شعب الاسلام الذي لجأ اليه، وإنما عزّ الاسلام بأسيافكم، فإن ابي هؤلاء [ان] «١» يكون منا امير ومنهم امير فأخرجوهم من بلادكم، ثم اقبل على المهاجرين وقال: إن شئتم اعدناها جذعة، انا عزيقها المرجّب وجذيلها المحكك «٢» . فقال ابو عبيدة: الله الله معشر الانصار، إنكم اول من نصر وآزر فلا تكونوا اول من بدل وغير، وقال ابو بكر لسعد بن عبادة: قد علمت يا سعد إن رسول الله ﷺ قال «٣» : «الناس تبع لقريش، فخيار الناس تبع لخيارهم، وشرارهم تبع لشرارهم» «٤» / قال: صدقت، فقال بشير بن سعد الانصاري: والله لئن كنا اولي فضيلة في جهاد عدونا فما أردنا بذلك الارضاء ربنا والكدح لأنفسنا، وما ينبغي أن نستطيل على الناس، فالمنة لله ورسوله علينا. ورجع الانصار عما كانوا عليه، وأقبلوا على ابي بكر وقالوا: من ترضى لنا يا ابا بكر، فقال: رضيت لكم عمرو أبا عبيدة، إن رسول الله اتاه قوم فقالوا: ابعث معنا امينا حق امين فبعث معهم ابا عبيدة، وقد قال في عمر كذا وكذا، فقال عمر: اما انا فلأن اضجع فأذبح في غير
عبيدة، إن رسول الله اتاه قوم فقالوا: ابعث معنا امينا حق امين فبعث معهم ابا عبيدة، وقد قال في عمر كذا وكذا، فقال عمر: اما انا فلأن اضجع فأذبح في غير
مأثم احب اليّ أن اتقدم قوما فيهم ابو بكر، ولكن انت يا ابا عبيدة ان شئت بايعتك، فقال ابو عبيدة لعمر: ما سمعت منك فهة «١» في الاسلام قبلها، اتقول هذا لي وفيكم الصديق وثاني اثنين إذ هما في الغار، وخليفة رسول الله، وقد أمّنا حياة رسول الله ﷺ. فقال عمر: معشر الانصار، قد علمتم ان رسول الله ﷺ قدم ابا بكر واقامه مقامه في الصلاة بالناس، فأيكم تطيب نفسه ان يتقدم علي من قدمه رسول الله ﷺ، قالوا: معاذ الله أن نتقدم أبا بكر، فقال بشير بن سعد الانصاري ثم الخزرجي: قوموا الى خليفة رسول الله ﷺ فبايعوه، فانثالوا على ابي بكر ومدّوا يده فقبضها وقال: بايعوا عمر او ابا عبيدة، ودفعهم عن نفسه بجهده، وقبص يده فمدها عمر، فقال له ابو بكر: أنت أنت يا عمر، انت اقوى وأشد، فقال عمر: شدتي لك انت احق، انت خليفة رسول الله ﷺ، رضيك لنا؛ فما زالوا به حتى بايعوه. فانظر الى طول هذه المراجعة بين المهاجرين والانصار وهم يطلبون ويفتشون ما يجوز في دين رسول الله/ ﷺ، ويرجعون الى أفعاله ووصاياه، ويبتغون مرضاته، هل تجد احدا منهم يذكر عن رسول الله ﷺ نصا على رجل بعينه او ما يشبه النصّ او ما تأويله النص من انه كتاب الله او من حديث عن رسول الله ﷺ، والعهد قريب وهو يوم موته، ولم يدفن بعد، وهذا موضع الحاجة الى ذكر ذلك؛ والمناظرة والمباحثة تذكّر بالأمور البعيدة وتخرج الغوامض فكيف بالأمر الواضح مع العهد القريب؟ وما أراد الانصار بالبدار الى إقامة امير يكون على الناس إلا الله، وإلا إحياء الاسلام
الأمور البعيدة وتخرج الغوامض فكيف بالأمر الواضح مع العهد القريب؟ وما أراد الانصار بالبدار الى إقامة امير يكون على الناس إلا الله، وإلا إحياء الاسلام
وقمع اعداء رسول الله ﷺ، لينضبط الأمر ولا ينشر «١» ؛ فقد كان معهم وحولهم اليهود وقبائل العرب من النصارى، وقد كانوا راسلوا ملوك الروم وأطمعوهم في الاسلام، ومسيلمة مقيم على حربهم وكذا طليحة، وقد ارتد من ارتدّ، فكان الصواب في المبادرة الى إقامة امير، فلما قيل لهم: إن رسول الله ﷺ قد قال: الأئمة من قريش سمعوا وأطاعوا، وقصدوا الى افضل قريش في انفسهم فعقدوا له وقاتلوا بين يديه كما كانوا يقاتلون بين يدي رسول الله، وتفانوا في طاعته؛ ولو أرادوا الملك والدنيا لما أطاعهم المهاجرون ولا غيرهم، فإن البلاد بلادهم، والبادية باديتهم، والبأس والنجدة والكثرة لهم وفيهم، وانما المهاجرون ضيفانهم ونزال عليهم، وبهم عزّوا، وبهم صار رسول الله ﷺ في عساكر وجماعات، وبهم غزا العدو وقد كان ﷺ وهو مقيم بمكة منذ دعا الى النبوة خمسة عشر سنة يعرض نفسه في المواسم على قبائل العرب، ويتلو القرآن، ويدعو الى الله؛ فسمعته/ قبائل الأوس والخزرج، وأصغوا الى دعوته، وأجابوه الى معاداة ملوك الأمم وجبابرة الأرض في طاعته، وأن ينفقوا اموالهم، ويسفكوا دماءهم في نصرة دينه، وأن يطيعوه حيا وميتا. فلما أجابوه الى ذلك، أمر اصحابه بالهجرة اليهم، فقبلوهم وأظهروا الاسلام في المدينة وفي قبائلهم وبواديهم، فهاجروا اليهم فوفوا بجميع ذلك، وكان باطنهم في الايمان كظاهرهم، فلهذا أسماهم الله الانصار وكذا المهاجرون، ولهذا قال الله: «لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ» «٢» فأخبر ﷿ عن صحة نياتهم وصدق
ضمائرهم، وشهد لهم بالصدق، ثم ذكر الانصار وقال: «وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» » ، لأن الانصار كانوا بالمدينة قبل المهاجرين، فلما جاءهم المهاجرون أحباب رسول الله ﷺ آثروهم على انفسهم بمنازلهم، وشاطروهم اموالهم بطيب من انفسهم، فشهد لهم بالفلاح، وفرض على من جاء من بعدهم مولاتهم والاستغفار لهم فقال: «والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم» ، وأمرهم بالتعوذ من بغضهم وعداوتهم، فهؤلاء الذين قاموا بدين رسول الله ﷺ بعده، وهم الذين اختاروا أبا بكر، والقرآن مملوء بمدحهم والثناء عليهم، وأنت تحفظه؛ فارجع الى ما في سورة بعد سورة من ذلك وتدبره، فذكر جميعه يطول ولا يحتمله/ هذا الموضع. فهم لما بايعوا ابا بكر سكنت نفوسهم، وباتوا وكأن رسول الله ﷺ لم يمت ولم يفقد من بينهم، فهذا الذي قصدوا بالبدار، وهم كانوا اعلم بما يباشرونه ويقولونه، وقد علموا انهم قد وتروا الامم كلها في طاعة رسول الله ﷺ؛ فقد خلفهم ولا امير عليهم، فخافوا ان يبيتوا وقد فقدوا نبيهم وليس عليهم امير فينشر امرهم، فلشدة اهتمام هؤلاء بحراسة الاسلام بادروا الى من يعقدون له، وإنما ذكرت لك هذا لتعرف الحال فإن من لا يعلم ومن همه الطعن في الاسلام يدعي عليهم انهم إنما فعلوا ذلك حبا للدنيا ولسرورهم بموت رسول الله ﷺ، ولاغتباطهم بالراحة.
لك هذا لتعرف الحال فإن من لا يعلم ومن همه الطعن في الاسلام يدعي عليهم انهم إنما فعلوا ذلك حبا للدنيا ولسرورهم بموت رسول الله ﷺ، ولاغتباطهم بالراحة.
وأنت تجدهم وقد شهدت افعالهم بأنهم بعد موته اشد حبا له، وأشد بصيرة في دينه. ثم إن ابا بكر عاد من السقيفة وقام خطيبا، وأخبر المهاجرين بما كان وقال: والله ما اردت الامارة، ولا نويتها، ولا تمنينها في يوم ولا ليلة، ولا رغبت فيها، ولقد حرصت أن اجعلها في عمر فما تركت، وإنما قبلتها خشية الفتنة، ولأنه لم يكن عليّ امير، وقد رجعت اموركم اليكم فاقيلوني وولوا من شئتم. فقال له عليّ: والله لا يقيلونك ولا يستقيلونك، رضيك رسول الله لديننا فرضيناك لدنيانا، قدّمك رسول الله فمن ذا يؤخرك، فصوّب الصحابة جميعهم قوله واستحسنوه «١» . وانظر اعترافهم ان رسول الله ﷺ قد اعطى أبا بكر اكثر مما اعطوه، وعجب علي ﵁ من طمع الانصار في الامارة وقال: أما سمعوا قول رسول الله ﷺ: «اوصيكم بالانصار خيرا، اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم «٢» » ، فلو كانوا هم الامراء لكانت الوصية لهم لا فيهم، ولكن نتجاوز لهم كما وصّى رسول الله ﷺ، والله يرحم الانصار. فان قال: انهم لم يعارضوا أبا بكر/ خوفا وتقية، فقد بيّنا غير مرة ان سلطان هؤلاء الخلفاء الاربعة لم يكن سلطانا يتقيه محق. وقيل: إن ابا سفيان لقي علي بن ابي طالب بعد البيعة لأبي بكر فقال له: يا ابا الحسن، ما بال هذا الأمر في اقل حيّ من قريش، إنما هي بنو عبد مناف، إن شئت ملأتها على ابي بكر خيلا ورجلا، فقال له علي: ما
يعة لأبي بكر فقال له: يا ابا الحسن، ما بال هذا الأمر في اقل حيّ من قريش، إنما هي بنو عبد مناف، إن شئت ملأتها على ابي بكر خيلا ورجلا، فقال له علي: ما
اريد ذلك، إنا رأينا ابا بكر لها اهلا، واني لأعد بيعتي له من جهادي مع رسول الله ﷺ. ثم اتى ابو سفيان العباس وبني هاشم فقال: ما لنا ولأبي فضل «١» ، إنما هي بنو عبد مناف، يا بني عبد مناف ذبوا عن مجدكم وانصحوا عن سؤددكم، ولا تخلعوا تاج الكرامة إذ ألبسكم الله فضلها، انها عقب نبوة، من قصر عنها اتبع، ومن ذبّ عنها اتبع؛ فقال العباس: إن الاسلام قيد الفتك وأخذ بعنان الباطل، فأمهل نراجع الفكر، فإن يكن لنا من الأمر مخرج نبسط اكفا للجد لا نقبضها او نبلغ المدى، وإن تكن الاخرى فلا لقلة في العدد ولا وهن في الأيد. فأنكر علي قول ابي سفيان، ونهى بني هاشم عن الخلاف، وقال لهم: عرجوا عن طريق المنافرة وحطوا تيجان المفاخرة. وقال لأبي سفيان: يا ابا سفيان، إن المسلمين قوم نصحة وإن تباعدت انسابهم، وان المنافقين قوم غششة وان تقاربت انسابهم، يا ابا سفيان، طالما عاديت الاسلام واهله فلم يضره ذلك شيئا، انا وجدنا ابا بكر لها اهلا، ولو لم نره اهلا لما وليناه. وقد ذكر من هذا امير المؤمنين علي ﵁ بعد مضي عثمان في رسالته الى معاوية إذ يقول له في فصل منها: وقد كان ابوك اتاني حين وليّ ابو بكر ﵀ الناس، فقال انت احق بهذا الأمر بعد محمد ﷺ فهلم ابايعك وانا بذلك على من خالفك، فكرهنا ذلك مخافة الفرقة، / فكان ابوك اعرف بحقنا منك، فإن تعرف منه ما كان يعرف تصب رشدك، وإلا فسيغنى الله عنك. وقد ذكر معاوية هذا المعنى لابن عباس وبني هاشم حين اخذ الأمر من الحسن، فقالوا له: اغتصبت وأخذت ما ليس لك، فقال لهم: إن كان امر الخلافة يستحق بالقرابة دون الرضا والاجماع فما منع العباس منها وهو
عم رسول الله ﷺ وقد ضمن له ابو سفيان بني عبد مناف؟ فكان جوابهم ان ذاك امر رضيه المهاجرون والانصار واجمع عليه المسلمون، وانت فما رضيناك. وما كنا في صحة امامة ابي بكر، وإنما كنا في ان الصحابة في كل زمان وأوان يخوضون فيمن يصلح للامامة ولا يذكرون عهدا من رسول الله ﷺ في انسان بعينه مع حاجتهم الى ذلك، بل يجمعون على العمل بالاختيار، فعرض لنا ما كان بين بني عبد مناف، فذكرنا قول بني هاشم، وان ابا سفيان احب ان تكون الخلافة في بني هاشم لأنهم اهله وأقاربه من بني عبد مناف، ولأن السؤدد والرئاسة كانت فيهم قبل الاسلام. ولهذا قال خالد بن سعيد بن العاص عامل رسول الله ﷺ على اليمن وقد قدم بعد وفاته وقد بايع الناس أبا بكر، فعجب من كون الخلافة في أبي بكر دون العباس او علي او عثمان فهؤلاء اعمام رسول الله ﷺ وبنو «١» اعمامه، فقال لعثمان وعلي وقد أتياه ليسلما عليه حين قدم من سفره: أرضيتم بني عبد مناف ان يلي امركم بنو تيم، فقال علي: رضينا، فقال خالد: انتم الشجر الطوال ذوات الظلال فاذا رضيتم رضيناه. فولاية ابي بكر، وتقدمه على اهل رسول الله وأعمامه وبني اعمامه/ وهم كثرة وفي عزة ومنعة وفيهم اليسار وليس لأبي بكر شيء من ذلك من العجائب، ولهذا قال ابو قحافة وقد جال الناس جولة وهو بمكة: ما هذا؟ قالوا: مات رسول الله ﷺ، قال: فما صنع الناس بعده قالوا: اقاموا ابنك مقامه، قال: أفرضيت بنو عبد مناف؟ قالوا: نعم، قال: افرضيت
س جولة وهو بمكة: ما هذا؟ قالوا: مات رسول الله ﷺ، قال: فما صنع الناس بعده قالوا: اقاموا ابنك مقامه، قال: أفرضيت بنو عبد مناف؟ قالوا: نعم، قال: افرضيت
بنو المغيرة؟ فقالوا: نعم، قال: ودانت لرجل من تيم؟ قالوا: نعم، قال: فلا مانع لما أعطى الله. فعجب ابو قحافة من تقدم ابنه والسيّادة والرئاسة انما كانت في بني عبد مناف وبني المغيرة من بني مخزوم دون بني تيم، فلما قدّم المهاجرون والأنصار ومن كان على دين رسول الله ﷺ ابنه ابا بكر، علم ان ذلك الإسلام ومن قبل الله، وان ابنه قد كان اولى بالحسد والابعاد، ولكن القوم رجعوا في توليته الى الدين والاسلام دون الأحساب والأنساب. ولما بلغ اهل اليمن والبحرين وعمان قالوا لعمال رسول الله ﷺ: هذا الذي بايعه الناس بعد رسول الله ﷺ ابنه او اخوه؟ فقيل لهم: لا، قالوا: فأقرب الناس منه؟ قيل: لا، قالوا: فما شأنهم؟ قيل: اختاروا أخيرهم فأمّروه عليهم، قالوا: لن يزالوا بخير ما صنعوا هذا. فتأمل رحمك الله حال القوم لتعرف حقيقتها وتعلم انها بالضد مما قاله هؤلاء، فقد طال العهد وقل التأمل.
وباب آخر وهو ان أبا بكر غزا اليمامة، ومسيلمة، وربيعة، وطلحة، وبني اسد، وتلك القبائل المرتدة، ومانعي الزكاة، مع إذعانهم بإقامة الصلاة، وأنكر ﵁ «١» تغير دين رسول الله ﷺ، وأنه لا يقرهم على ترك خصلة واحدة من دينه ولا تعطيل شيء منه، وقد غزاهم بالمهاجرين والانصار ونكل بهم كل التنكيل، وقتلهم ألوان القتل، وصنع بالرجال والنساء منهم
من النكال ما يطول شرحه لأنهم غيروا دين رسول الله ﷺ، / وعطلوا حدوده، فما استطاعوا ان يقولوا لأمراء ابي بكر لم تنكرون علينا هذا وأنتم قد عطلتم نصوص صاحبكم، وغيرتم دينه، وبدلتم كتابه، وانصرفتم عن وصيه وعمّن استخلفه، وضربتم ابنته، وقتلتم جنينها في بطنها، وهذا موضع حاجة هؤلاء اليه، ولو كان لذلك ادنى اشارة لعوّلوا عليه واستراحوا اليه، فعلمت ان ما يدّعيه هؤلاء لا اصل له. ولو كان بدا منهم شيء لكان العلم به اقوى مما كان بين امير المؤمنين وأهل النهر، وبينه وبين اهل الشام وغيرهم.
اليه، فعلمت ان ما يدّعيه هؤلاء لا اصل له. ولو كان بدا منهم شيء لكان العلم به اقوى مما كان بين امير المؤمنين وأهل النهر، وبينه وبين اهل الشام وغيرهم.
وباب آخر [طلب ابي بكر من المسلمين اقالته ورفضهم ذلك] ان ابا بكر لما قتل مسليمة، وأسر طلحة، ورد اهل الردة، واستولى على جزيرة العرب الاسلام وأنفذ جيوشه الى العراق واستظهر المسلمون، قام في المسلمين خطيبا فقال: ان اموركم قد عادت اليكم وبحمد الله استظهرتم على عدوكم فأقيلوني فقد تقلدت امرا ما لي فيه راحة ولا يدان الا بمعونة الله، فقال له عليّ ﵁: ما يقيلونك ولا يستقيلونك، وما منك بدل ولا بدل عنك حول، ومشى في الناس ثلاثا يستقيل فما اقالوه.
وباب آخر [تمنى ابي بكر ان لا يكون قد ولي إمرة المسلمين] ان ابا بكر لما مرض مرض موته قال: يا ليتني يوم ظلة بني ساعدة قد كنت وليت عمر او ابا عبيدة، فكنت أكون وزيرا خيرا من ان اكون اميرا، وليتني حين بعثت خالدا الى الشام كنت بعثت عمر الى العراق فكنت
قد بسطت يميني وشمالي. ثم عزم على استخلاف خليفة يكون بعده، وأخذ يشاور في ذلك؛ فقال لرهط من المسلمين: إن وليت عليكم رجلا منكم أترضون؟ فقال عليّ بن ابي طالب: لا إلا ان يكون عمر، فأمسك؛ ثم خلا بعبد الرحمن بن عوف وشاوره في عمر وأخذ رأيه فيه ثم قال له: اكتم يا ابا محمد ما كان بيننا الى ان اقوله لك، ثم شاور عثمان بن عفان، ثم شاور اسيد بن حضير في رهط من الأنصار في ذلك، فقال له اسيد: / ما اعلمه إلا الخيرة بعدك لولا ما فيه من شدة فقال له ابو بكر: يا ابا يحيى اني قد رمقته، فكنت اذا شددت في الشيء اراني فيه اللين، وإذا لنت في الشيء اراني فيه الشدة، ولو قد وليكم للان واشتد.
من شدة فقال له ابو بكر: يا ابا يحيى اني قد رمقته، فكنت اذا شددت في الشيء اراني فيه اللين، وإذا لنت في الشيء اراني فيه الشدة، ولو قد وليكم للان واشتد. ثم اظهر ابو بكر الامر للناس وذكر لهم رأيه في عمر، فقال طلحة وغيره: ان عمر رجل مهيب، له هيبه وليس بخليفة، فكيف اذا صار خليفة؟ فاعدل بنا عنه الى رجل هو اخفض جناحا وألين جانبا فكان جواب ابي بكر ما قد تقدم؛ فكيف يظن عاقل تدبر الامور ان هناك رجلا قد اقامه رسول الله ﷺ وفرغ لهم منه، وكلهم ومعهم ذلك الرجل الذي يدّعي هؤلاء، يطلبون رجلا يصلح في دين رسول الله وعند رسول الله للقيام بأمر امته؟ وهل هذا إلا كقائل قال في جماعة كثيرة قيام في الشمس وهم يطلبون الشمس ويسألون عن الشمس، وتأمل الحال، وكيف ينطق كل واحد بما عنده وبما يراه، غير راهب ولا خائف من الأنصار ومن المهاجرين ومن ابي سفيان ومن بني هاشم ومن خالد بن سعيد لتعلم سلطان هؤلاء الخلفاء كيف كان. فكان المسلمون يفرغون الى ابي بكر في كل صغير وكبير، فيقول لهم: أتظنون انكم تجدون عندي ما كنتم تجدونه عند رسول الله ﷺ، لا تجدون
ذلك، إن رسول الله ﷺ كان يأتيه الوحي، وإنما انا مثلكم، فان احسنت فأعينوني وإن زغت فقوموني؛ ويسأل عن مسألة فيقول: اقول فيها برأي، فإن يك صوابا فمن الله، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان، فيستحسن المسلمون هذا منه ويحمدونه عليه، ولا يقول قائل كيف يزيغ إمام المسلمين وكيف يخطىء، وعند الإمامية ان إمام المسلمين لا يخطىء ولا يزل. وقد قال عمر ايضا مثل قول ابي بكر مرات كثيرة، وقال عثمان مثل ذلك. وما بلي به علي/ وما قاله في هذا الباب فأكثر مما ابتلي به أبو بكر وعمر وعثمان، فإنه ابتلي من اهل زمانه ومن اصحابه طول خلافته بالإضلال والإكفار فما احتج هو لنفسه بالنص ولا بالعصمة، ولا احتج له من في زمانه ممن كان يخاصم عنه من ولده وأهل بيته وشيعته بشيء من ذلك، وكانوا وكان هو ايضا لا يأبون ان يجوز عليه ما يجوز على اهل الشووى وعلى الخلفاء قبله. وكان ما يتدين به من الاختيار اكثر وأشهر مما كان من الخلفاء قبله، ولهذا قالت العلماء: إن العلم بأن رسول الله ما نص على علي ولا استخلفه اقوى من العلم بأنه ما نصّ على بلال، أو عمار، وأبي ذر، او ابن مسعود، فانه ﵁ قد بقي بعد الخلفاء خليفة وإماما معه مائة الف سيف تطيعه، وقد نازعه خلق كثير في الإمامة وناظروه، وادّعوا عليه الخطأ والضلال والإكفار، فما ادّعى النص ولا العصمة ولا احتج في مشافهة ولا مراسلة ولا مكاتبة بشيء من ذلك، بل كان يحتج بأن طاعتي وجبت لأنه بايعني الذين بايعوا ابا بكر وعمر وعثمان، فوجبت طاعتي كما وجبت طاعتهم. ومن نعمة الله على المسلمين ان بقاءه ﵁ بعد الخلفاء خليفة وإماما وسلطانا ومعه مائة الف سيف تطيعه، فما سار في تركات رسول الله صلّى الله عليه وسلم
عتهم. ومن نعمة الله على المسلمين ان بقاءه ﵁ بعد الخلفاء خليفة وإماما وسلطانا ومعه مائة الف سيف تطيعه، فما سار في تركات رسول الله صلّى الله عليه وسلم
إلا سيرة ابي بكر وعمر وعثمان، ولا حبا السواد ومصر وفارس وأرمينية وأذربيجان وخراسان إلا ما حباه الخلفاء قبله، ولا قرأ إلا المصحف، ولا أقرأ اولاده والناس الا هذا المصحف، وملك الارض كان كله بيده إلا كرة فلسطين، وأقام التراويح بنفسه وأقامه عماله في ممالكه كلها، وكان يقيم إماما للنساء في التراويح، وأثنى على الخلفاء قبله بما يطول شرحه وقد ماتوا وبلوا، وهو يلعن معاوية ويبرأ منه وهو حي ومعه اكثر من مائة الف/ سيف، وكذا صنع بالخوارج. فهو لا يخاف الجبابرة الاحياء، وعند الإمامية انه قد خاف الموتى وهو سلطان عظيم الشأن، وقد بيّنا ان هؤلاء في حياتهم وسلطانهم ما كان يخافهم محق «١» . فإن قيل: ومن سلم لكم انه كان يقيم التراويح، بل يقول انه قد نهاهم عنها، فقالوا: واعمراه، فلما قالوا ذلك، اقامها لهم. قيل له: لا فرق بين من ادعى هذا، او ادعى انه قد كان نهاهم عن هذا المصحف فقالوا وا محمداه، او قال: قد كان نهاهم عن هذه الصلاة وقال لهم: لها باطن وهي شخص، ألا تسمعونه يقول: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولا ينهى إلا الشخص كما يدعيه عليه الاسماعيلية فصاحوا وا محمداه، او كمن ادعى انه كان يعيد في آخر ذي الحجة ويقول: هذا اليوم الذي نص عليّ فيه رسول الله ﷺ واستخلفني كما يفعل الامامية ذلك في زماننا ببغداد، وانه كان يقيم المناحات بالشعر على فاطمة وابنها الحسن الذي زعم الامامية ان عمر قتله، كما يفعل الامامية ذلك ببغداد والكوفة. وبأي شيء يعلم العاقل
غداد، وانه كان يقيم المناحات بالشعر على فاطمة وابنها الحسن الذي زعم الامامية ان عمر قتله، كما يفعل الامامية ذلك ببغداد والكوفة. وبأي شيء يعلم العاقل
المتأمل ان العباس وولده وبنو هاشم كانوا يقيمون التراويح الا والعلم الذي يعلم به ان عليا كان يقيمها بنفسه وعامله قرظه بن كعب «١» بالكوفة وعامله بالبصرة وبمكة والمدينة وسائر بلدان الاسلام التي في ملكه وسلطانه اقوى واقهر. ولو ادّعى مدّع ان ابن مسعود بالكوفة وابا عبيدة ومعاذ بن جبل بالشام كانوا لا يرونها ولا يقيمونها، هل كانت الدلالة على بطلان دعواه الا ظاهرة، والدلالة على بطلان من ادّعى ذلك على امير المؤمنين اقوى واقهر. والعجب ان رؤساءهم والذين لقنوهم هذا/ المذهب قد قالوا: انه اقام التراويح. وإذا قيل لهم: هبكم انكم ادعيتم انه كان في زمن ابي بكر وعمر وعثمان كان مغلوبا مقهورا، فما باله حين مات هؤلاء [و] «٢» صارت الخلافة اليه وصار السلطان بيده والفيء يجبى اليه فيعطيه من يرى وهو في العساكر والجيوش، لم يدّع «٣» النص وتعطيل التراويح ويظهر المصحف الذي تدعون ويسير في اموال رسول الله ﷺ ما تدعون ويظهر البراءة من ابي بكر وعمر وعثمان سيما وقد ماتوا، كما اظهرها في معاوية والخوارج وهم احياء وفي عساكر؟ قالوا: ما فعل ذلك ولا قدر عليه لأن جنده وأعوانه من المهاجرين والانصار والتابعين بعدهم كانوا اولياء ابي بكر وعمر، فلو اتهموه ببغضهم لقتلوه، فما زال مظهرا لنصرتهم وموالاتهم الى ان خرج من الدنيا. قالوا: وكذا فعل الحسن والحسين ﵃ اجمعين.
والآن يدعي هذا المدعي في هذا الزمان انه كان قد نهى عن التراويح، فلما صاحوا واعمراه خافهم فتقدم واقامها لهم، فما يجري كلامهم على تحصيل ولكن كما يسنح لهم. ومما كان ينبغي ان يقدم قبل هذا، ما كان من عهد عمر حين جرحه فيروز النصرانيّ، فإنه ورد على عليّ والمهاجرين والانصار وجميع المسلمين من ذلك ما ذهلت له عقولهم أسفا عليه؛ فانه قد كان دوّخ ملوك الفرس والروم وأذلهم، وغلب على ممالكهم، وألجأهم الى الهرب، وبلغت خيوله افريقية وأوائل خراسان وأوائل الهند، فذلّ الشرك كله به، وغزا الاسلام بمكانه وسلطانه. فخاف المسلمون ان تكرّ ملوك الشرك عليهم بفقده، فاجتمعوا وانفردوا عنه/ مفكرين، وأملوا ان يبتدىء ويستخلف عليهم. فدخل عليه أهل الامصار فقالوا له: أوصنا يا امير المؤمنين، قال: أوصيكم بالقرآن فتمسكوا به، فيه هدى الله نبيّكم وهداكم من بعده، وفيه نجاتكم، قالوا: أوصنا، قال: أوصيكم بالمهاجرين والانصار وذكر فضلهم، قالوا: أوصنا، قال: أوصيكم بالعرب فإنهم مادة الاسلام، قالوا: اوصنا، قال: اوصيكم بذمتكم فإنهم ذمة نبيكم وقوت عيالكم، قالوا: اوصنا، قال: قوموا عني وإلا قمت عنكم. فلما رآه اصحاب رسول الله ﷺ لا يذكر أحدا للخلافة دخلوا عليه، وابتدأ ابن عباس يسأله الاستخلاف؛ وافتتح الكلام، فقال: قد توليتها حياتي واجتهدت لكم رأيي ونصحت لكم جهدي ومنعت نفسي وأهلي، وأرجو ان انجو منها كفافا لا عليّ ولا لي؛ فأثنوا، وابتدأ علي يبشره عن رسول الله ﷺ بالجنة، وقال له: وأشار الى ابن عباس يشهد على رسول الله ﷺ بمثل ما شهدت، وشيع غيرهما ذلك وسألوه الاستخلاف، فقال: ما أحب ان اتحملها حيا وميا، قالوا: بل تفعل، ولك في ذلك
وأشار الى ابن عباس يشهد على رسول الله ﷺ بمثل ما شهدت، وشيع غيرهما ذلك وسألوه الاستخلاف، فقال: ما أحب ان اتحملها حيا وميا، قالوا: بل تفعل، ولك في ذلك
الاجر؛ انظر يا امير المؤمنين لأمة محمد ﷺ، فقال: دلوني على من أستخلف، فقال له المغيرة: انا أدلك عليه: عبد الله بن عمر، فقال له عمر: والله ما أردت بذلك الله، فقال له ابن عباس: يا امير المؤمنين، وما يمنعك من إخوانك، وأشار الى عليّ وعثمان وعبد الرحمن وتلك الجماعة، فقال عمر: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني- يعني أن رسول الله ما استخلف وأن ابا بكر استخلف- ثم قال: هي في واحد من هؤلاء الستة الذين شهد لهم/ رسول الله بالجنة وقبض وهو عنهم راض: علي وعثمان ابنا عبد مناف، وسعد وعبد الرحمن خالا رسول الله ﷺ، والزبير حواريّ رسول الله ﷺ، وطلحة وقاية رسول الله. ثم حذر كل واحد منهم من خلق كرهه له. وقال لعلي: إن وليت هذا فاعدل ولا تحمل بني هاشم على رقاب الناس، وقال لعثمان مثل ذلك، وقال له: لا تحمل بني ابي معيط على رقاب الناس، ثم اقبل على عمار ومقداد في ان يكونا في ثلاثين من المهاجرين، وقال لأبي طلحة الانصاري: إن الله لم يزل يعزّ هذا الاسلام بقومك فكن في خمسين منهم، فإذا متّ فليصلّ عليّ صهيب، وليصلّ بالناس الى ان يقيموا خليفة، وكونوا عليهم رقباء لئلا يستبدّ مستبد، وقال: لا يأتي اليوم الثالث إلا وقد أقمتم احدا من هؤلاء الستة خليفة، وجدّوا في امركم، وجاهدوا عدوكم. فلما قبض أنفذوا وصيته كما رسم، فكم في هذا من شاهد على بطلان دعاوي هؤلاء القوم، وما حاجة الصحابه ان يختار لهم عمر خليفة وقد فرغ لهم من ذلك رسول الله ﷺ وهو قائم العين نصب اعينهم. وأعجب من هذا قول عمر وهم يسمعون ان رسول الله ﷺ ما استخلف، وأعجب منه ان الذي يدّعون ان رسول الله استخلفه معهم في ان رسول الله ما استخلف،
نصب اعينهم. وأعجب من هذا قول عمر وهم يسمعون ان رسول الله ﷺ ما استخلف، وأعجب منه ان الذي يدّعون ان رسول الله استخلفه معهم في ان رسول الله ما استخلف،
وأن الخلافة بالاختيار لا بالنص، وأنها في واحد منهم وفيهم الهاشمي والاموي والزهري والتيمي والاسديّ، ففيمن كانت منهم كان صوابا، لا ينكر ذلك احد من المسلمين. وأعجب من هذا قوله لعلي: ان ولوك فاعدل ولا تحمل بني هاشم على رقاب الناس، فكيف لم يقل له: ما أحتاج الى توليتهم لي؛ ولأنّي رسول الله واختارني وشهد بعصمتي، / وكيف تقول هذا لي؛ وكيف تقول إن رسول الله ﷺ ما استخلف؟
وباب آخر [كيف رد المسلمون الأمر الى عبد الرحمن بن عوف] ان عليا والجماعة ردّوا الامر الى عبد الرحمن ليختار واحدا منهم للخلافة وعليهم الرضا بحكمه، فقال لهم: تكلموا فأخبروا الناس بذلك، فتكلموا، وقام امير المؤمنين عليّ ﵁، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ثم قال: لو عهد الينا رسول الله ﷺ عهدا لجالدنا عليه حتى نموت، او قال لنا قولا انفدنا قوله على رغمنا، لن يسرع احد قبلي الى صلة رحم ودعوة حق، والأمر اليك يا ابن عوف وعليّ صدق اليقين وجهد النصح وأستغفر الله لي ولكم. فلم يقل «١» ﵁ إن رسول الله ﷺ ما ولّاه ولا ولّى عليه. ثم انظر في باب آخر في امر عثمان وما لحقه في آخر امره من الإعراض والخصومة، حتى تجرأ عليه العبيد والنساء والصغير والكبير، هل قرّعه احد من خصومه وأعدائه بأنه جلس في غير مجلسه؟ وقد بالغوا في التشنيع عليه، وهو كان يسمى الخليفة المستضعف، فكيف لم يتقدم الخليفة المنصوص عليه فيأخذ الامر من هذا الذي قد قهر وحصر.
وأعجب من هذا، ان المصريين أتوه ﵁ بعد ان مضى عثمان فقالوا: امدد يدك نبايعك، فقال: ليس هذا اليكم، هذا للمهاجرين والانصار، من أمّره اولئك فكان اميرا. فانظر كم يقول إن هذا امر المسلمين وأنه بالاختيار. ثم ان المصريين انصرفوا عنه، فجاءه المهاجرون والانصار، فقالوا: امدد يديك نبايعك، فقال لهم: اختاروا غيري تبايعونه وأبايعه، فلأن اكون لكم وزيرا خير من ان اكون اميرا، فدفعهم عن نفسه، فعاودوه فقال لهم: إن عمر كان رجلا مباركا/ وقد جعلها شورى، قالوا: فأنت من الشورى وقد رضيناك، فقال: اختاروا غيري، فدفعهم، فعادوا فقال: قد علمتم اني اسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه امركم، قالوا: قد رضيناك، فدفعهم ومشى الى طلحة والزبير فعرضها عليهما، وقال: من شاء منكما بايعته، فقالا: لا، الناس بك ارضى، فترددوا اليه وهو يأبى ويقول: اختاروا غيري فيقال انهم اختلفوا اليه بعد مضي عثمان ثمانية ايام، ومنهم من يقول [] «١» يوما وهو يقول: اختاروا غيري ابايعه وتبايعونه. هذا، وقد مات ابو بكر وعمر وعثمان وما هناك سلطان ولا خليفة، فأين ما ادعيتموه؟ ثم انه لما اتوا وألحوا عليه فقال بعد الحمد والثناء والصلاة: ايها الناس، ان احق الناس بهذا الامر اقواهم عليه واتقاهم لله، ولا يحل بعد إلا برضى المهاجرين والانصار، فاذا رضوا لم يكن الخيار، فان شغب شاغب استتيب، فان ابي قوتل حتى يفيء الى امر الله.
اقواهم عليه واتقاهم لله، ولا يحل بعد إلا برضى المهاجرين والانصار، فاذا رضوا لم يكن الخيار، فان شغب شاغب استتيب، فان ابي قوتل حتى يفيء الى امر الله.
فانظر الى هذا البيان والكشف، وان الامامة بالاختيار، وانها الى المهاجرين والانصار، فقالوا نبايعك على كتاب الله وسنة رسول الله، فإن لم تف فلا بيعة لك، قال: نعم. ثم خطبهم فقال بعد الحمد والثناء والصلاة على النبي ﷺ مقدار نعم الله على الخلائق برسول الله ﷺ، ثم قال: ان الله يعلم اني كنت كارها للولاية على امة محمد ﵇ حتى اجتمع رأيكم على ذلك لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ايما وال ولي الامر بعدي اقيم على حد الصراط، ونشرت الملائكة صحيفته، فان كان عادلا انجاه الله بعد له، وان كان جائرا انتفض به الصراط انتفاضة حتى تتزايل ما بين مفاصله، ثم تتحرق به الصراط فيكون اول ما يتقي به النار انفه وحر وجهه، ولكن/ لما اجتمع رأيكم لم يسعني ترككم. اقول ما سمعتم، واستغفر الله لي ولكم. فانظر الى هذا ففيه اتم كفاية، وانظر الى بيانه ان الامام يجور ويخطىء ويزل. وخطبته المشهورة بالعراق التي لا يستطاع دفعها: ايها الناس، انه لما توفي رسول الله ﷺ بايعتم ابا بكر فبايعت ورضيت، ثم بايعتم عمر فبايعت ورضيت، ثم بايعتم عثمان فبايعت ورضيت، حتى إذا مضى عثمان تداككتم عليّ كتداك «١» عرف الصبع، فمددتم يدي فقبضتها وقلت: اختاروا لأنفسكم فأبيتم الا مبايعتي، حتى اذا كثر الجمع ووطىء الحسبان وشق عطافه، فأبيت الا أن تكون بيعتي ظاهرة مكشوفة على منبر رسول الله ﷺ وفي مسجده، فبايعني كلّ، لا أرى منكرا، فلما قلد تمونيها
كثر الجمع ووطىء الحسبان وشق عطافه، فأبيت الا أن تكون بيعتي ظاهرة مكشوفة على منبر رسول الله ﷺ وفي مسجده، فبايعني كلّ، لا أرى منكرا، فلما قلد تمونيها
نكث ناكثون ممن بايعني وقسط قاسطون، فلم اجد إلا قتال من بغى ومحاكمة من اعتدى الى كتاب الله؛ وليس يجب انكار امامة من عقدت له الامامة إلا أن يجور في حكم، او يعطل حدا، او يضعف عن القيام بها؛ فو الله ما عطلت لكم حدا، ولا جرت عليكم في حكم، ولا ضعفت عن القيام بالامامة، فأوجبوا لي على انفسكم مثل ما اوجبتموه لمن تقدمني من ابي بكر وعمر وعثمان يرحمهم الله. فانظر كيف يذكرهم ببيعة الخلفاء قبله ورضاه بهم، ويجعلهم إجماعا وحجة على الأمة، ويذكر انه صار إماما ببيعتهم له، وأنهم هم قلدوه إياها، وأنه لا يحل انكار امامة الامام الا ان يجور في حكم او يعطل حدا او يضعف عن القيام بها، وأن هذا جائز على كل امام بعد رسول الله ﷺ، وهو ﵁ اعلم بنفسه وبدينه وأفقه في دين الله، فينبغي الرجوع الى قوله لا الى قول هؤلاء/. وقد قال في خطبة له بالمدينة وهو يأمر الناس بتفقد افعاله وأحكامه: رحم الله رجلا رأى حقا فأعان عليه، ورأى جورا فردّه، وكان عونا بالحق على من خالفه. وقد قال الحسن ابنه ﵄ لأهل الكوفة حين استنفرهم الى ابيه: يا ايها الناس، إن امير المؤمنين يقول اني خرجت مخرجي هذا ظالما او مظلوما، وإني اذكر الله رجلا رعى الله حقا إلا نفر، فان كنت مظلوما أعانني، وإن كنت ظالما اخذ مني. ومن مقاماته بالبصرة يوم الجمل بعد انقضاء الحرب فقال: اين مثوى القوم؟ قالوا: صرعى حول الجمل، فقام خطيبا فقال بعد حمد الله والثناء: توفي رسول ولم يعهد الينا في الامارة عهدا فنتبع اثره، ولكنا رأيناها من
: اين مثوى القوم؟ قالوا: صرعى حول الجمل، فقام خطيبا فقال بعد حمد الله والثناء: توفي رسول ولم يعهد الينا في الامارة عهدا فنتبع اثره، ولكنا رأيناها من
تلقاء انفسنا، فان يك صوابا فمن الله، وإن يك خطأ فمنا ومن الشيطان. استخلف ابو بكر ويرحم الله ابا بكر فاستقام وأقام، ثم استخلف عمر ويرحم الله عمر فاستقام وأقام، ثم ضرب الدين بحرانه، يرحم الله من يشاء ويعذب من يشاء. ثم القول الذي كان يقوله ويعيده ويبديه ويذكر ايام الإلفة والاستقامة وما حدث بعد ذلك من الخلاف في آخر ايام عثمان: سبق رسول الله ﷺ، وصلى ابو بكر، وثلّث عمر، ثم خبطتنا فتنة فما شاء الله «١» - قوله ما شاء الله على طريق الاستغاثة بالله لأن الله يشاء نصرة الحق ولا يشاء الله الباطل- أي اللهم افعل ما تشاء، قد قال الحسن البصري فيما حكاه الله عن احد الرجلين: «وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ» «٢» اي ما شاء الله من شكره وحمده والرجوع اليه. ولما فرغ امير المؤمنين/ من امر البصرة وبلغه خلاف معاوية وندب الناس الى حربه، دخل عليه ابن الكوّاء وقيس بن عباد اليشكريّ وهناك اصحابه فقالا له: أخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت، تضرب الناس بعضهم ببعض ليتبين الناس أمورهم فتستولي بها عليهم، أمن رأي رأيته حين تفرقت الأمة واختلفت الدعوة أنك احق الناس بهذا الامر، فإن كان رأيا رأيته أجبناك في رأيك، وإن كان عهدا عهده اليك رسول الله ﷺ فأنت الموثوق به والمصدق المأمون على رسول الله فيما حدثت عنه.



