حدائق الأنوار ومطالع الأسرار في سيرة النبي المختار

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya بحرق اليمني (w. 930 H).

Bagian 2 dari 10 540 halaman

— Bagian 2 · قريش منه ﷺ ما لم تكن تناله في حياة عمّه أبي طالب… —

Bagian 2

قريش منه ﷺ ما لم تكن تناله في حياة عمّه أبي طالب. فخرج النّبيّ ﷺ إلى (الطّائف) ، وأقام بها شهرا يدعو ثقيفا إلى الله تعالى، فردّوا عليه قوله، وأغروا «١» به عند انصرافه سفهاءهم، فرجع إلى (مكّة) فلم يدخلها إلّا بجوار المطعم بن عديّ. وفي السّنة الحادية عشرة/: اجتهد ﷺ في عرض نفسه على القبائل في الموسم، فامن به ستّة من رؤساء الأنصار، ورجعوا إلى (المدينة) ، ففشا فيها الإسلام. وفي السّنة الثّانية عشرة- في رجب منها أو رمضان-: أسرى به مولاه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثمّ إلى سدرة المنتهى. وفي تلك اللّيلة فرض الله عليه وعلى أمّته الخمس صلوات. وفي آخر تلك السّنة في الموسم: وافاه اثنا عشر رجلا من الأنصار ب (العقبة) ليلا، فبايعوه بيعة النّساء المذكورة في قوله تعالى: عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ الآية [سورة الممتحنة ٦٠/ ١٢] ، وبعث معهم مصعب بن عمير يقرئهم القرآن، فأسلم على يديه السّعدان: سعد بن معاذ سيّد الأوس، وسعد بن عبادة سيّد الخزرج، فأسلم لإسلامهما كثير من قومهما. وفي السّنة الثّالثة عشرة- في آخرها في الموسم-: وافاه سبعون رجلا من مسلمي الأنصار فبايعوه عند (العقبة) أيضا، على أن يمنعوه إن هاجر إليهم ممّا يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم، وأخرجوا له اثني عشر نقيبا؛ تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، ثمّ رجعوا إلى (المدينة) . فأمر النّبيّ ﷺ حينئذ أصحابه بالهجرة إلى (المدينة) ، فهاجروا

هم، وأخرجوا له اثني عشر نقيبا؛ تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، ثمّ رجعوا إلى (المدينة) . فأمر النّبيّ ﷺ حينئذ أصحابه بالهجرة إلى (المدينة) ، فهاجروا

إليها، وأقام ﷺ ينتظر الإذن من ربّه تعالى في الهجرة، وحبس معه عليّا وأبا بكر ﵄. فاجتمعت قريش في دار النّدوة للمشاورة في أمر النّبيّ ﷺ، فأجمعوا على قتله، فنزل جبريل ﵊ بالوحي من عند الله تعالى، فأخبره بذلك، وأمره بالهجرة إلى (المدينة) ، فهاجر إليها. وذلك في أواخر صفر من السّنة المذكورة- الرّابعة عشرة- لتمام ثلاث عشرة من مبعثه ﷺ. ودخل ﷺ من عوالي (المدينة) ، يوم الاثنين، الثّاني عشر من ربيع الأوّل، فلبث في (قباء) عند بني عمرو بن عوف أربع عشرة/ ليلة، وبنى فيها مسجد (قباء) ، ثمّ انتقل فنزل في بني النّجار، أخوال جدّه عبد المطّلب؛ في منزل أبي أيّوب الأنصاريّ شهرا، إلى أن بنى مسجده الشّريف ومساكنه. وفي تلك السّنة، وهي الأولى من سنيّ الهجرة: شرع الأذان. وفي أوّل السّنة الثّانية أو آخر الأولى؛ نزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآيات [سورة الصّف ٦١/ ١٠- ١١] ؛ فأمر بالجهاد. وفي السّنة الثّانية في رجب، نزل قوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [سورة البقرة ٢/ ١٤٤] ؛ فحوّلت القبلة إلى الكعبة، بعد أن صلّى إلى بيت المقدس نحو ستّة عشر شهرا. وفي شعبان منها-[أي: السّنة الثّانية]-: نزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ الآيات [سورة البقرة ٢/ ١٨٣] ؛ ففرض صوم رمضان، وفرض فيه ﷺ صدقة الفطر.

ية]-: نزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ الآيات [سورة البقرة ٢/ ١٨٣] ؛ ففرض صوم رمضان، وفرض فيه ﷺ صدقة الفطر.

وفيها أيضا-[أي: السّنة الثّانية]- في يوم الجمعة السّابع عشر من رمضان: كانت وقعة (بدر) الكبرى، وهي يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان، ونزلت سورة الأنفال في قسمة غنائمها. وفيها-[أي: السّنة الثّانية]- بعد (بدر) : أمر النّبيّ ﷺ بقتل كعب ابن الأشرف الطّائيّ وأمّه من بني النّضير، وهو في حصن من (يثرب) ، فقتله خمسة من الأوس، عليهم محمّد بن مسلمة- بفتح الميم واللّام-. ثمّ أمر [ﷺ] بقتل أبي رافع بن أبي الحقيق، وهو في حصن ب (خيبر) ، فقتله سبعة من الخزرج، عليهم عبد الله بن عتيك- بتقديم الفوقيّة على التّحتيّة، كعظيم-. وفيها-[أي: السّنة الثّانية]-: نقضت يهود (المدينة) - بنو قينقاع رهط عبد الله بن سلام الحبر الإسرائيليّ- العهد، فحاصرهم النّبيّ ﷺ حتّى نزلوا على حكمه، فاستوهبهم منه عبد الله بن أبيّ ابن سلول «١» ، وكانوا حلفاءه، فوهبهم له. وفي السّنة الثّالثة، في شوّال، في اليوم الخامس عشر منه: كانت وقعة (أحد) ، فأكرم الله تعالى فيها من أكرم بالشّهادة؛ ومنهم: حمزة ﵁، ونزل قوله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ/ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ إلى آخر السّورة [سورة آل عمران ٣/ ١٢١] . وفيها-[أي: السّنة الثّالثة]- بعد (أحد) : بعث النّبيّ ﷺ عاصم بن ثابت في عشرة عينا «٢» ، فلمّا كانوا في بعض الطّريق

ب (الرّجيع) وهو ماء لهذيل بين (عسفان ومرّ الظّهران) «١» ظفر بهم بنو لحيان بعد أن أعطوهم العهد بالأمان، فقتلوا منهم ستّة، وهرب اثنان، وأسروا اثنين، وهما: خبيب بن عديّ، وزيد بن الدّثنّة، فباعوهما ب (مكّة) لقريش، فاشتروهما وقتلوهما. وفيها أيضا-[أي: السنة الثّالثة]- بعد (أحد) «٢» : بعث النّبيّ ﷺ مع عامر بن مالك العامريّ ملاعب الأسنّة «٣» سبعين رجلا، وهم القرّاء بجواره، فقتلهم قبائل سليم: عصيّة ورعل وذكوان، وأخفروا «٤» جوار عامر بن مالك، فقنت النّبيّ ﷺ يدعو

عليهم وعلى بني لحيان. وكانوا أطلقوا عمرو بن أميّة الضّمريّ، فلمّا رجع وجد اثنين من بني عامر فقتلهما ومعهما جوار من النّبيّ ﷺ لم يعلم به، فوداهما «١» النّبيّ ﷺ. وفيها أو في الرّابعة «٢» : قصد النّبيّ ﷺ بني النّضير ليستعينهم في دية الرّجلين اللّذين قتلهما عمرو بن أميّة الضّمريّ، فاستند إلى جدار حصن لهم، فهمّوا بطرح حجر عليه، فنزل جبريل ﵇ فأخبره بذلك، فقام موهما لهم أنّه غير ذاهب، ثمّ صبّحهم ﷺ بالجيش فجلاهم «٣» إلى (الشّام) . وفيهم نزلت سورة الحشر: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ [سورة الحشر ٥٩/ ٢] إلى آخرها، فجلوا إلى (الشّام) ، إلّا حييّ بن أخطب فلحق ب (خيبر) . وفي السّنة الرّابعة: خرج النّبيّ ﷺ بأصحابه في شهر رمضان «٤» في موعد [مع] أبي سفيان له يوم (أحد) إلى (بدر) ، فلم يأته أبو سفيان وقومه، فرجع النّبيّ ﷺ. وفيها-[أي: السّنة الرّابعة]-: كانت غزوة ذات الرّقاع، فخرج ﷺ إلى (نجد) يريد غطفان، فالتقى بهم ولم يكن قتال، فنزلت: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ الآيات [سورة النّساء ٤/ ١٠٢] .

رّقاع، فخرج ﷺ إلى (نجد) يريد غطفان، فالتقى بهم ولم يكن قتال، فنزلت: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ الآيات [سورة النّساء ٤/ ١٠٢] .

فصلّوا صلاة الخوف. ولمّا قفل ﷺ منها- أي: رجع- نام تحت/ شجرة وقت القيلولة، وتفرّق عنه النّاس، وعلّق سيفه بالشّجرة، فهمّ غورث بن الحارث بقتله به، فعصمه الله منه، ونزل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [سورة المائدة ٥/ ١١] ، في ذلك أو في قصّة بني النّضير «١» . وفي السّنة الرّابعة «٢» : بلغه أنّ بني المصطلق من خزاعة أجمعوا لحربه، فخرج ﷺ إليهم حتّى لقيهم ب: (المريسيع) «٣» - مصغّرا بمهملات- وهو ماء لهم من ناحية (قديد) «٤» - مصغّرا بقاف ومهملة مكرّرة- وهو مكان بين (مكّة والمدينة) ، فهزمهم، وسبى أموالهم وذراريّهم، واصطفى منهم أمّ المؤمنين جويريّة بنت الحارث المصطلقيّة ﵂. ولمّا قفل ﷺ منها ازدحم المهاجرون والأنصار على ماء. وكان من أمر عبد الله بن أبيّ ابن سلول ما كان من قوله: لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [سورة المنافقون ٦٣/ ٨] ،

مر عبد الله بن أبيّ ابن سلول ما كان من قوله: لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [سورة المنافقون ٦٣/ ٨] ،

فنجم نفاقه- أي: ظهر- ونزلت فيه سورة (المنافقون) . ولمّا دنا ﷺ من (المدينة) تخلّفت عائشة ﵂ عن الجيش ليلا في قضاء حاجة لها، فرحلوا هودجها ولم يشعروا بها، فقال فيها أهل الإفك ما قالوا، ونزلت عشر الآيات من سورة النّور: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [سورة النّور ٢٤/ ١١] . وفيها-[أي: السّنة الخامسة]-: كانت وقعة الخندق- وهي الأحزاب أيضا- في شوّال سنة [خمس] «١» بعد غزوة (بدر) الصّغرى، وكان المشركون فيها أحد عشر ألفا، واشتدّ الحصار على أهل (المدينة) ، وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [سورة الأحزاب ٣٣/ ١٠] كما حكى الله عنهم، وكانت مدّة الحصار نحو شهر، ثمّ كشف الله عنهم بما ذكره في قوله: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها [سورة الأحزاب ٣٣/ ٩] ، ونزلت سورة الأحزاب. ووقع في أيّام (الخندق) ما وقع من معجزاته ﷺ الباهرة، كحديث الكدية «٢» - بضمّ الكاف- الّتي اعترضت، فهدّها النّبيّ ﷺ بالمعول. وحديث جابر حيث دعا النّبيّ ﷺ خامس خمسة/ إلى عناق «٣» وصاع من شعير، فأشبع من ذلك جيش الخندق كلّه؛ وهم ألف فأكثر. وحديث أبي طلحة حيث بعث أنسا بأقراص تحت إبطه فأشبع منها ﷺ ثمانين رجلا جياعا.

إلى عناق «٣» وصاع من شعير، فأشبع من ذلك جيش الخندق كلّه؛ وهم ألف فأكثر. وحديث أبي طلحة حيث بعث أنسا بأقراص تحت إبطه فأشبع منها ﷺ ثمانين رجلا جياعا.

وكانت بنو قريظة معاهدين له ﷺ فنقضت العهد في مدّة الحصار، وأعانوا المشركين. فلمّا هزم الله الأحزاب وانقضى الحصار، جاء جبريل ﵊ إلى النّبيّ ﷺ وقت القيلولة «١» ، فأمره بالخروج إليهم، فخرج ﷺ فحاصرهم. فأرسلوا إلى أبي لبابة ﵁ يستشيرونه، فكان من أمره ﵁ ما كان، فلمّا اشتدّ بهم الحصار نزلوا على حكم سعد بن معاذ ﵁، وكانوا حلفاءه، وكان قد أصيب بسهم يوم (الخندق) ، فحكم فيهم بقتل رجالهم وسبي نسائهم وذراريّهم وقسمة أموالهم، فقال ﷺ: «لقد وافقت حكم الله تعالى» «٢» ثم مات ﵁، فاهتزّ العرش لموته ﵁ فرحا بقدوم روحه. وفي السّنة الخامسة: زوّجه الله تعالى زينب بنت جحش أمّ المؤمنين ﵂، كما نطق به القرآن: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ الآيات [سورة الأحزاب ٣٣/ ٣٧] . وفيها: -[أي: السّنة السّادسة]- خرج ﷺ معتمرا في ذي القعدة، فصدّته قريش عن البيت، فوقعت بيعة الرّضوان. ثمّ صلح الحديبية عشر سنين، وفيه: أنّه لا يأتيه أحد مسلما إلّا ردّه إليهم.

وأنّ بني بكر في صلحهم، وخزاعة في صلحه ﷺ. وألّا يدخل (مكّة) إلّا من عام قابل. فنحر هديه وحلق ورجع ﷺ، ونزلت سورة الفتح: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ الآيات [سورة الفتح ٤٨/ ١٨] . وفيها-[أي: السّنة السّادسة]-: انفلت أبو بصير- بموحّدة ومهملة، كعظيم- إلى (المدينة) مسلما، فردّه النّبيّ ﷺ فقتل واحدا من الرّجلين اللّذين رجعا به، وانفلت، فلحق بسيف البحر «١» ، فانفلت إليه أبو جندل- بجيم ونون- ابن سهيل بن عمرو ورجال من المسلمين/ المستضعفين ب (مكّة) ، فاجتمعت منهم عصابة، فقطعوا سبيل قريش إلى (الشّام) ، حتّى سألت قريش من النّبيّ ﷺ أن يضمّهم إليه، ومن جاءه فهو آمن، فضمّهم إليه. وفيها-[أي: السّنة السّابعة]- أسلم جماعة من رؤساء قريش منهم: عمرو بن العاص وخالد بن الوليد ﵄، بعد أن أسلم عمرو ب (الحبشة) على يد النّجاشيّ «٢» . وفيها-[أي: السّنة السّابعة]- أرسل النّبيّ ﷺ رسله بكتبه إلى ملوك الأقاليم.

ومنهم: عبد الله بن حذافة السّهميّ، بعثه بكتابه إلى كسرى فمزّقه، فدعا عليهم أن يمزّقوا كلّ ممزّق «١» . ومنهم: دحية بن خليفة الكلبيّ ﵁، بعثه بكتابه إلى قيصر [ملك الرّوم] ، فوجد عنده أبا سفيان، فاستدعاه قيصر، فسأله عن صفات النّبيّ ﷺ وشرائع دينه، فأخبره أبو سفيان بها، فاعترف قيصر بنبوّته ﷺ، ولم يوفّق للإسلام، لعدم مساعدة جنوده له مع شقاوته، فوقع الإسلام من يومئذ في قلب أبي سفيان. وفي السّنة السّادسة «٢» في المحرّم منها: افتتح النّبيّ ﷺ (خيبر) بعد أن حاصرهم سبع عشرة ليلة، ثمّ قسم أموالهم نصفين، نصفا لنوائبه «٣» ونصفا بين المسلمين «٤» . وقدم عليه جعفر فيمن بقي من مهاجرة (الحبشة) ﵃، فأسهم لهم. وأهدت إليه اليهوديّة «٥» الشّاة المصليّة- أي: المشويّة- المسمومة، فأخبره الذّراع بذلك. واصطفى ﷺ من سبايا (خيبر) أمّ المؤمنين صفيّة بنت حييّ

سهم لهم. وأهدت إليه اليهوديّة «٥» الشّاة المصليّة- أي: المشويّة- المسمومة، فأخبره الذّراع بذلك. واصطفى ﷺ من سبايا (خيبر) أمّ المؤمنين صفيّة بنت حييّ

الإسرائيليّة الهارونيّة ﵂. وفي ذي القعدة منها-[أي: السّنة السّابعة]-: اعتمر ﷺ عمرة القضاء، وأقام ب (مكّة) ثلاثا، ثمّ رجع فدخل ﷺ بميمونة بنت الحارث الهلاليّة، أمّ المؤمنين ﵂ خالة ابن عبّاس، وذلك ليلة منصرفه من (مكّة) ب (سرف) «١» - ككتف، بموحّدة وسين مهملة- وهو بين (التّنعيم «٢» ومرّ الظّهران) ، وبذلك المكان كان موتها وقبرها ﵂. وفي السّنة السّابعة: اتّخذ له المنبر ﷺ، / وكان من قبل يخطب إلى جذع نخلة، فحنّ إليه الجذع، حتّى مسح عليه وضمّه إليه. وفيها-[أي: السّنة السّابعة]- في رجب: قدم عليه وفد عبد القيس يسألونه عن الإسلام، ورئيسهم الأشجّ «٣» - بمعجمة وجيم- فأثنى عليه النّبيّ ﷺ وعليهم خيرا. وفي السّنة الثّامنة في جمادى الأولى منها: كانت غزوة مؤتة- بفوقيّة مضمومة الميم مهموزة [الواو]- وهي قرية من قرى (البلقاء) من أرض (الشّام) ، فأكرم الله فيها جعفرا وزيدا وابن رواحة وجماعة ﵃ بالشّهادة، ثمّ أخذ الرّاية خالد بن الوليد ﵁، ففتح الله على يديه، وانحاز بالمسلمين، وكانوا ثلاثة آلاف، وكان هرقل ملك الرّوم في مئتي ألف.

احة وجماعة ﵃ بالشّهادة، ثمّ أخذ الرّاية خالد بن الوليد ﵁، ففتح الله على يديه، وانحاز بالمسلمين، وكانوا ثلاثة آلاف، وكان هرقل ملك الرّوم في مئتي ألف.

وفيها-[أي: السّنة الثامنة]- في رمضان: كان فتح (مكّة) . وسبب انتقاض الصّلح: أنّ قريشا أعانت حلفاءهم (بني بكر) على (خزاعة) حلفاء النّبيّ ﷺ، فقدم أبو سفيان (المدينة) يطلب من النّبيّ ﷺ صلحا، فلم يجبه إليه، فرجع، وقدم عمرو بن سالم الخزاعي الكعبيّ يستنصر النّبيّ ﷺ على قريش، فأجابه إلى ذلك، وتجهّز النّبيّ ﷺ إلى (مكّة) في عشرة آلاف، فلمّا بلغ (الجحفة) «١» - بجيم مضمومة ثمّ حاء مهملة ساكنة- على ثلاث مراحل من (المدينة) لقيه عمّه العبّاس ﵁ مهاجرا بأهله، فردّه معه، وكان قد أسلم بعد (بدر) ، واستأذن النّبيّ ﷺ في أن يقيم ب (مكّة) على سقاية الحاجّ، فأذن له. ولقيه أيضا ابن عمّه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب قد أقبل مسلما، معتذرا ممّا كان جرى منه، فردّه معه. وأخذ الله العيون على قريش بدعوته ﷺ «٢» ، فلم يشعر أحد بخروجه ﷺ إليهم. فلمّا بلغ (مرّ الظّهران) أدركت العبّاس الرّقّة على قومه، فركب بغلة النّبيّ ﷺ بإذنه ليخبرهم أن يأخذوا أمانا منه ﷺ، فلقي أبا سفيان بن حرب في نفر من قريش/ خرجوا يتطلّعون، وذلك في اللّيل، فردّهم إلى (مكّة) ، وأتى بأبي سفيان إلى النّبيّ ﷺ فأسلم، ثمّ أصبح ﷺ فدخل (مكّة) ضحى من أعلاها، وذلك لعشر بقين من رمضان، وأقام بها ثمانية عشر يوما يقصر الصّلاة.

(مكّة) ، وأتى بأبي سفيان إلى النّبيّ ﷺ فأسلم، ثمّ أصبح ﷺ فدخل (مكّة) ضحى من أعلاها، وذلك لعشر بقين من رمضان، وأقام بها ثمانية عشر يوما يقصر الصّلاة.

ثمّ بلغه أنّ (هوازن) اجتمعت لحربه في أربعة آلاف، عليهم مالك بن عوف النّصريّ «١» ، فخرج ﷺ إليهم لعشرين [من] شوّال، في عشرة آلاف جيش الفتح، وألفين ممّن أسلم يوم الفتح، فكانوا اثني عشر ألفا، فأعجبتهم كثرتهم، فقالوا: لن نغلب اليوم من قلّة، فلم تغن عنهم كثرتهم شيئا، ووجدوا المشركين قد كمنوا لهم في شعاب (حنين) وهو واد بين (مكّة والطّائف) ، فلمّا توسّط المسلمون فيه شدّوا عليهم ورشقوهم بالنّبل، وكانوا رماة، فانهزم المسلمون، وثبت النّبيّ ﷺ في جماعة، فنزل عن بغلته وأخذ كفّا من الحصى فرمى به في وجوه المشركين فانهزموا، ونصر الله المسلمين، فغنموا ذراريّهم وأموالهم، وكانوا قد جعلوهم معهم ليقاتلوا دونهم، فانهزم منهم طائفة عليهم: دريد بن الصّمّة، وساقوا المال والذّراريّ، فأدركهم أبو عامر الأشعري في سريّة ب (أوطاس) فهزموهم بعد أن قتل أبو عامر ﵁ ولحق أكثرهم ب (الطّائف) ، فتوجّه النّبيّ ﷺ إلى (الطّائف) وقاتلهم قتالا شديدا، وحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، فلم يظفر بهم، فدعا لهم بالهداية ورجع، فأتوه بعد رجوعه إلى (المدينة) مسلمين على يدي مالك بن عوف. ولمّا قفل ﷺ من (الطّائف) قسم غنائم (حنين) ب (الجعرانة) «٢» - على مرحلتين من (مكّة) -. ثمّ أحرم منها بعمرة، وذلك في ذي القعدة، فدخل (مكّة) فقضى نسكه.

ثمّ رجع إلى (المدينة) فدخلها في آخر ذي القعدة، فولد له ﷺ في ذي الحجّة إبراهيم، وعاش ثلاثة أشهر ثمّ مات، وانكسفت الشّمس يوم موته، وذلك وقت الضّحى في أوّل ربيع من سنة/ [تسع] «١» ، فقال النّاس: انكسفت الشّمس لموت إبراهيم، فجمع [ﷺ] النّاس وصلّى بهم صلاة الكسوف، ثمّ خطب بهم فقال: «إنّ الشّمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته» «٢» . وفي السّنة التّاسعة: دخل النّاس في دين الله أفواجا، كما أخبر الله تعالى بذلك، وجعله علما على وفاته ﷺ. ووفدت عليه الوفود؛ فمنهم: وفد (بني حنيفة) ، في جمع كثير، عليهم: مسيلمة الكذّاب، وأبى أن يسلم إلّا أن يجعل له النّبيّ ﷺ الأمر من بعده، ورجع خائبا. ومنهم: وفد (نجران) ، وكانوا نصارى، فحاجّوه في عيسى ﵊ أنّه ابن الله لكونه خلقه من غير أب، فنزلت: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ [سورة آل عمران ٣/ ٥٩]- أي: من غير أمّ ولا أب-. ونزلت آية المباهلة- أي: الملاعنة-: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ الآية [سورة آل عمران ٣/ ٦١] ، فقال لهم رئيساهم- السّيّد «٣» والعاقب «٤» -: لاتفعلوا،

ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ الآية [سورة آل عمران ٣/ ٦١] ، فقال لهم رئيساهم- السّيّد «٣» والعاقب «٤» -: لاتفعلوا،

ثمّ صالحوه على الجزية، وقالوا: ابعث معنا رجلا أمينا من أصحابك، فقال: «لأبعثنّ معكم [رجلا] أمينا حقّ أمين» ، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجرّاح ﵁، وقال: «هذا أمين هذه الأمّة» «١» . ومنهم: وفود (اليمن) ، فأسلموا، فقال: «أتاكم أهل (اليمن) ، هم أرقّ أفئدة، وألين قلوبا، الإيمان يمان، والحكمة يمانية» «٢» وبعث معهم معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعريّ ﵄. وقدم عليه: كعب بن زهير ﵁، وكان النّبيّ ﷺ قد أهدر دمه لشعر عرّض فيه بالنّبيّ ﷺ، فأسلم واعتذر إليه ممّا كان منه، وأنشده في المسجد قصيدته المشهورة: (بانت سعاد) فقبل عذره وكساه بردته ﷺ. وفيها-[أي: السّنة التّاسعة]-: كانت غزوة (تبوك) إلى (الشام) لقتال الرّوم، فخرج ﷺ في سبعين ألفا من المسلمين، وخلّف على (المدينة) عليّا ﵁، فقال: أتخلّفني في الصّبيان والنّساء؟ فقال ﷺ: «ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي» «٣» /. فلمّا بلغ (تبوك) وهي أدنى بلاد الرّوم، أقام بها بضع عشرة ليلة، ولم يلق عدوّا، وصالح جملة من أهل تلك النّاحية على الجزية. ثمّ رجع إلى (المدينة) وجاءه المنافقون يعتذرون إليه لتخلّفهم

لرّوم، أقام بها بضع عشرة ليلة، ولم يلق عدوّا، وصالح جملة من أهل تلك النّاحية على الجزية. ثمّ رجع إلى (المدينة) وجاءه المنافقون يعتذرون إليه لتخلّفهم

عنه، وقد سمّاه الله: جيش العسرة، وحلفوا له بالكذب، فقبل عذرهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى، ففضحهم الله تعالى بما أنزله في سورة براءة، كقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ. فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ [سورة التّوبة ٩/ ٧٥- ٧٧] وغير ذلك، فسمّيت الفاضحة. وأمّا الثّلاثة الّذين خلّفوا وصدقوه، واعترفوا بأنّهم لا عذر لهم فخلّف أمرهم إلى قضاء الله تعالى فيهم، وهم: كعب بن مالك، وهلال بن أميّة، ومرارة- بالضّم- ابن الرّبيع، فتاب الله عليهم، فسمّيت سورة التّوبة. وفيها-[أي: السّنة التّاسعة]- في رجب: نعى لهم النّبيّ ﷺ النّجاشيّ «١» ، وصلّى عليه في المصلّى جماعة. وفي خاتمة هذه السّنة: [أي: السّنة التّاسعة]- أمر النّبيّ ﷺ أبا بكر ﵁ أن يحجّ بالنّاس، فسار بهم، ثمّ بعث بعده عليّا ﵁ ليبرأ من المشركين بصدر سورة براءة يوم الحجّ الأكبر، فنبذ إلى كلّ مشرك عهده. وفي السّنة العاشرة: حجّ ﷺ حجّة الوداع، وحجّ بأزواجه كلّهنّ، وبخلق كثير، فحضرها من الصّحابة أربعون ألفا ﵃، فودّع [ﷺ] النّاس وحذّرهم وأنذرهم، وقال: «إنّ الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم، كحرمة يومكم هذا، في

ق كثير، فحضرها من الصّحابة أربعون ألفا ﵃، فودّع [ﷺ] النّاس وحذّرهم وأنذرهم، وقال: «إنّ الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم، كحرمة يومكم هذا، في

شهركم هذا، في بلدكم هذا» ثمّ قال: «ألا هل بلّغت» قالوا: نعم. قال: «اللهمّ اشهد» «١» . ثمّ قفل النّبيّ ﷺ إلى (المدينة) فدخلها في أواخر ذي الحجّة، فلبث بها المحرّم وصفر. ثمّ أمر النّاس في أوّل ربيع بالجهاد إلى (الشّام) ، وأمّر عليهم أسامة بن زيد بن حارثة ﵃، فأخذوا في جهازهم؟ فمرض النّبيّ ﷺ وثقل مرضه، فأقاموا ينتظرون أمره، فتوفّي ﷺ لتمام عشر سنين من هجرته، في السّنة الحادية عشرة، ضحى يوم الاثنين، ثاني عشر من ربيع الأوّل، في الوقت واليوم والشّهر الّذي دخل فيه (المدينة) «٢» ، ودفن يوم الثّلاثاء بعد العصر/ صلّى الله وسلّم عليه، وزاده فضلا وشرفا لديه. فهذا جملة ما اشتمل عليه كتابنا هذا ملخّصا من سيرته ﷺ، من مولده إلى وفاته، وسيأتي ذلك مفصّلا في موضعه إن شاء الله تعالى، مع ذكر ما سبق ذكره ممّا اشتمل عليه الكتاب أيضا، كالخطبة البليغة السّابقة، وخطبة الجهاد اللّاحقة، والأحاديث الواردة في فضل الجهاد، وشرف (مكّة والمدينة) بلدي مولده ووفاته ﷺ، وشرف نسبه، وماثر آبائه وحسبه، ومن بشّر به قبل ظهوره، إلى ما اشتمل عليه من قواعد الدّين الكلّيّة، كنسخ دينه ﷺ لكلّ دين، وتفضيله على جميع النّبيّين والمرسلين، وجملة من معجزاته الباهرة، وفضائل الصّحابة ﵃، ثمّ ذكر ما اشتمل عليه الكتاب أيضا من عباداته ﷺ لربّه، وشكره له بلسانه

وقلبه، ﷺ، وشرّف وكرّم ومجّد وعظّم. ولي من قصيدة مسمّطة «١» هذه الأبيات، [من الوافر] : ألا يا أيّها الحادي إذا ما ... أتيت قباب طيبة والخياما «٢» فخيّم واقر ساكنها السّلاما ... وقبّل من منازله العتابا «٣» هناك فهنّ نفسك بالوصول ... وقل يا نفس مأمولي وسولي رسول الله يا لك من رسول ... قفي وردي مناهله العذابا «٤» ومرّغ حول ذاك القبر خدّا ... وقدّ مرائر الأشواق قدّا «٥» ونح ممّا اقترفت أسى ووجدا ... لما اجترحت جوار حك اكتسابا «٦»

وقل يا خير من ركب البراقا «١» ... وأكرم من علا السّبع الطّباقا أتيتك كي تحلّ لي الوثاقا ... ذنوبا قد دهت قلبي المصابا فأنت الشّافع المقبول حقّا ... وكم لك معجزات ليس ترقى قد اتّضحت لنا غربا وشرقا ... وأعيت كلّ ذي فهم حسابا أتتنا في ولادك كلّ بشرى ... غداة تساقط الأصنام قسرا «٢» / وزلزل هيبة إيوان كسرى ... وأضحى عرش دولته خرابا وفي بضع السّنين شرحت صدرا ... وظلّلت الغمامة منك حرّا وجاءت معجزات منك تترى ... رأى الرّهبان منهنّ العجابا إلى أن أشرقت شمس اليقين ... تمام الأربعين من السّنين وأزهر كوكب الحقّ المبين ... ونجم الشّرك والبهتان غابا «٣» أتاك الحقّ من ربّ العباد ... فقمت مشمّرا ساق الجهاد تبيّن للورى طرق الرّشاد ... وتتلو الوحي فيهم والكتابا بحقّك سل إلهك أن يكونا ... لنا عونا على الأعدا معينا ومن كلّ الأذى حصنا حصينا ... ويكفينا برحمته العذابا

ى طرق الرّشاد ... وتتلو الوحي فيهم والكتابا بحقّك سل إلهك أن يكونا ... لنا عونا على الأعدا معينا ومن كلّ الأذى حصنا حصينا ... ويكفينا برحمته العذابا

الباب الثّاني في شرف مكّة والمدينة بلدي مولده ونشاته ووفاته، وهجرته ﷺ وشرف قومه ونسبه، وماثر آبائه وحسبه أمّا شرف (مكّة والمدينة) اللّتين هما مهبط الوحي والتّنزيل: فأعلم- طهّر الله قلبي وقلبك، ووفر في هذا النّبيّ الكريم حبّي وحبّك- أنّ الله ﷾ قد أكرم هذا النّبيّ الكريم بأصناف الكرامة، ووفر من كلّ خير أقسامه، واختار له من كلّ شيء خياره، وأعلى على جميع الأوّلين والآخرين مناره، فجعله خير الأنبياء، وأمّته خير الأمم، ولغته خير اللّغات، وكتابه خير الكتب، وقبيلته خير القبائل، وبلاده أفضل بلاد الله وأكرمها عليه وعلى عباده. [فضل مكة المكرمة] أمّا (مكّة) البلد الحرام، فقال الله تعالى في فضلها: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ. فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً الآية [سورة آل عمران ٣/ ٩٦- ٩٧] . ومن الآيات البيّنات فيه: (الحجر الأسود) ، و (الحطيم) «١» ، وانفجار ماء زمزم بعقب جبريل ﵇، وأنّ شربه شفاء للأسقام، وغذاء للأجسام، بحيث يغني عن الماء والطّعام. ومن فضلها: ما ثبت في الحديث الصّحيح؛ أنّ الصّلاة

/ الواحدة فيها- بل في سائر الحرم- بمئة ألف صلاة في غيرها سوى (المدينة) «١» .

ني عن الماء والطّعام. ومن فضلها: ما ثبت في الحديث الصّحيح؛ أنّ الصّلاة

/ الواحدة فيها- بل في سائر الحرم- بمئة ألف صلاة في غيرها سوى (المدينة) «١» .

فائدة في فضل الصّلاة في مكّة على الصّلاة في غيرها حسب العلماء ذلك فبلغت صلوات اليوم واللّيلة ب (مكّة) في مدّة ثلاثة أيّام، وهي خمس عشرة صلاة، بألف ألف صلاة، وخمسين ألف ألف صلاة في غيرها، وذلك كصلوات نحو ألف سنة، فمن أقام ب (مكّة) ثلاثة أيّام وهي أقلّ ما يقيمه الحاجّ، يعبد الله، فكأنّه عبد الله في غيرها ألف سنة، وكأنّه عمّر عمر نوح ﵇ في طاعة الله تعالى. وهذه إحدى المنافع الّتي في قوله تعالى: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ [سورة الحج ٢٢/ ٢٨] بصيغة الجمع، فما ظنّك بالوقوف والطّواف وغير ذلك، ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [سورة الحديد ٥٧/ ٢١] . وقال ﷺ عند انصرافه من (مكّة) بعد فتحها: «والله إنّك لخير أرض الله، وأحبّ أرض الله إلى [الله] ، ولولا أنّي أخرجت منك ما خرجت» ، رواه التّرمذيّ، وقال: حديث [حسن غريب] صحيح «٢» . وكانت العرب في الجاهليّة تحترم (الحرم) بحيث يمشي القاتل

فيه مع وليّ المقتول، ويقف السّبع عن الظّبي ونحوه من الصّيد إذا دخل (الحرم) ، وذلك بدعاء إبراهيم ﵊، إذ قال: رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ [سورة البقرة ٢/ ١٢٦] . ومن فضلها: أنّها مولد المصطفى ﷺ، ومسقط رأسه، ومنشأه، وأقام بها ثلاثا وخمسين سنة قبل هجرته. ومن فضلها: تحريمها المشار إليه بقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [سورة العنكبوت ٢٩/ ٦٧] وقوله تعالى: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ [سورة القصص ٢٨/ ٥٧] . وقوله ﷺ: «إنّ هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السّماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه ولا ينفّر صيده» الحديث، متّفق عليه «١» .

له ﷺ: «إنّ هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السّماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه ولا ينفّر صيده» الحديث، متّفق عليه «١» .

[فضل المدينة المنوّرة] وأمّا (المدينة) الشّريفة: فهي دار الهجرة، وذات الرّوضة والحجرة. وثبت أنّه ﷺ قال: «إنّ الإيمان ليأرز- أي: ينضمّ، بتقديم الرّاء على الزّاي- إلى (المدينة) ، كما تأرز الحيّة إلى جحرها» ، متّفق عليه «٢» /. وأنّه ﷺ قال: « (المدينة) حرم من كذا إلى كذا- ولمسلم: «من عير إلى ثور» - لا يقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث، من أحدث

فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين» متّفق عليه «١» . وثور: جبل صغير خلف (أحد) من جهة الشّمال. «٢» . ولأحمد: «ما بين عير إلى أحد» «٣» وعير مقابل لأحد. وأنّه ﷺ قال: « (المدينة) تنفي النّاس كما تنفي الكير خبث الحديد» ، متّفق عليه «٤» .

وأنّه ﷺ قال: «لا يكيد أهل (المدينة) أحد إلّا انماع- أي: انذاب- كما ينماع الملح في الماء» ، متّفق عليه «١» . وأنّه ﷺ قال: «على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطّاعون ولا الدّجّال» ، متّفق عليه «٢» . وأنّه ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلّا المسجد الحرام» ، متّفق عليه «٣» . وأنّه ﷺ قال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنّة، ومنبري على حوضي» ، متّفق عليه «٤» .

[المفاضلة بين مكّة والمدينة] ولا خلاف بين العلماء في أنّ هذين البلدين أفضل بلاد الله على الإطلاق، وإنّما اختلفوا في أيّهما أفضل. والجمهور على تفضيل (مكّة) على (المدينة) ، إلّا موضع قبره الشّريف، فأجمعوا أنّه أفضل تربة في الأرض، لما ورد أنّ كلّا يدفن في تربته الّتي خلق منها «٥» ، وهو ﷺ أفضل الخلق، فتربته أفضل تربة في الأرض.

وأفضل موضع في (مكّة) : (الكعبة) ، ثمّ (المسجد) ، ثمّ (دار خديجة) ﵂، لأنّه أقام فيها نحو ثمانية وعشرين عاما. وما أحسن قول القاضي عياض- رحمه الله تعالى- في وصف تلك الرّياض- أعني (مكّة والمدينة) -: (وجدير بمواطن عمّرت بالوحي والتّنزيل، وتردّد في عرصاتها «١» جبريل، وعرجت منها الملائكة والرّوح، وضجّت فيها بالتّقديس والتّسبيح، [وانتشر عنها من دين الله وسنّة رسوله ما انتشر] ، مدارس وآيات، ومشاهد الفضل والخيرات، ومعاهد البراهين والمعجزات، ومناسك الدّين، ومواقف سيّد المرسلين، حيث انفجرت النّبوّة/ والرّسالة، وفاض عبابها «٢» ، وأوّل أرض مسّ جلد المصطفى ترابها؛ أن تعظّم عرصاتها، وتتنسّم «٣» نفحاتها، وتقبّل ربوعها وجدرانها) «٤» . وقال القاضي عياض- رحمه الله تعالى- في معنى ذلك شعرا، [من الكامل] «٥» : يا دار خير المرسلين ومن به ... هدي الأنام وخصّ بالآيات

ربوعها وجدرانها) «٤» . وقال القاضي عياض- رحمه الله تعالى- في معنى ذلك شعرا، [من الكامل] «٥» : يا دار خير المرسلين ومن به ... هدي الأنام وخصّ بالآيات

عندي لأجلك لوعة وصبابة ... وتشوّق متوقّد الجمرات «١» وعليّ عهد إن ملأت محاجري ... من تلكم الجدران والعرصات «٢» لأعفّرنّ مصون شيبي بالثّرى ... من كثرة التّقبيل والرّشفات «٣» لكن سأهدي من حفيل تحيّتي ... لقطين تلك الدّار والحجرات «٤» أذكى من المسك المعنبر نفحة ... تغشاه بالآصال والبكرات «٥» وأمّا شرف قومه ونسبه، وماثر آبائه وحسبه ﷺ فهي دوحة شرف، أصلها ثابت وفرعها في السّماء، وعمود نبوّة يصدع بنوره حجاب الظّلماء. وقد قال الله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [سورة التّوبة ٩/ ١٢٨] . ومعنى: مِنْ أَنْفُسِكُمْ- بضم الفاء- أي: منكم، ومِنْ أَنْفُسِكُمْ- بفتحها- أي: من خياركم.

قال العلماء: لم تكن قبيلة من العرب إلّا ولها وصلة بالنّبيّ ﷺ، إمّا ولادة أو قرابة. وقال ﷺ: «بعثت من خير قرون بني آدم، قرنا فقرنا، حتّى كنت من القرن الّذي كنت فيه» ، رواه البخاريّ «١» . وقال ﷺ: «إنّ الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» ، رواه التّرمذيّ، وقال: حديث [حسن] صحيح «٢» . [النسب الأكبر لنبينا ﷺ] قال البخاريّ: (وهو ﷺ أبو القاسم محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف- أي: بفتح الميم- بن قصيّ- أي: بضمّ القاف مصغّرا- ابن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ- أي: مصغّرا- ابن غالب بن فهر- أي: بكسر الفاء- ابن مالك بن النّضر- أي: بضاد معجمة- ابن كنانة بن خزيمة- أي: مصغّرا بالمعجمتين- ابن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان) «٣» /. قلت: وهذا النّسب متّفق عليه بين العلماء، وفيما بعده- من عدنان إلى إسماعيل بن إبراهيم، ثمّ من إبراهيم إلى نوح، ثمّ من نوح إلى آدم ﵈ اختلاف وزيادة ونقصان.

وهذا النّسب متّفق عليه بين العلماء، وفيما بعده- من عدنان إلى إسماعيل بن إبراهيم، ثمّ من إبراهيم إلى نوح، ثمّ من نوح إلى آدم ﵈ اختلاف وزيادة ونقصان.

وروى ابن سعد في «طبقاته» : أنّه ﷺ كان إذا انتسب لم يجاوز في نسبه معدّ بن عدنان بن أدد ثمّ يمسك ويقول: «كذب النّسّابون» ويقول: قال الله تعالى وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً [سورة الفرقان ٢٥/ ٣٨] «١» . قال العلماء: وبطون قريش هم ولد النّضر بن كنانة، وهم قومه الّذين شرّفهم الله به في قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [سورة الزّخرف ٤٣/ ٤٤]- أي: ثناء وشرف- وهم عشيرته الأقربون في قوله: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [سورة الشّعراء ٢٦/ ٢١٤] لما في «صحيحي البخاريّ ومسلم» أنّه ﷺ لمّا نزلت هذه صعد على الصّفا فجعل ينادي: «يا بني فهر، يا بني عديّ، يا بني عبد مناف- لبطون قريش-: اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئا» الحديث «٢» . واتّفق أهل الجاهليّة والإسلام على أنّ قريشا أفضل العرب، وأنّ بني عبد مناف أفضل قريش، وأنّ بني هاشم أفضل بني عبد مناف، وأنّه ﷺ أفضل بني هاشم، وفي ذلك يقول عمّه أبو طالب، [من الطّويل] «٣» : إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر ... فعبد مناف سرّها وصميمها «٤»

وإن حصّلت أشراف عبد منافها ... ففي هاشم أشرافها وقديمها وإن فخرت يوما فإنّ محمّدا ... هو المصطفى من سرّها وكريمها

[صفة عبد الله بن عبد المطّلب والد رسول الله ص] قال علماء السّير: وكان عبد الله بن عبد المطّلب والد النّبيّ ﷺ أنهد فتى في بني هاشم- أي: أرفعهم وأصبحهم- وجها، وأحسنهم خلقا وخلقا، وكان نور النّبيّ ﷺ يلوح في وجهه، وهو أوّل من فدي بمئة من الإبل كما سيأتي.

[صفة عبد المطّلب جد رسول الله ص] وأمّا عبد المطّلب فاسمه: شيبة الحمد «١» ، وإنّما سمّي عبد المطّلب لأنّ عمّه المطّلب بن عبد مناف أخذه من أمّه سلمى الأنصاريّة النّجاريّة، فقدم به (مكّة) يردفه خلفه، وكان/ أسمر اللّون، فظنّ النّاس أنّه عبد اشتراه المطّلب، فقالوا: قدم المطّلب بعبد، فلزمه ذلك الاسم، وكان شريفا في قومه، مبجّلا عندهم، معظّما، يوضع له بساط في ظلّ (الكعبة) ، لا يجلس عليه غيره، وكانوا يسمّونه: الفيّاض؛ لسماحته وكرمه، وله منقبتان عظيمتان، وهما: حفر بئر زمزم، وإهلاك أصحاب الفيل.

[حفر بئر زمزم، ونذر عبد المطّلب بذبح ولده عبد الله] أمّا بئر زمزم: فإنّها كانت قد دفنتها السّيول، واندرس أثرها، فرأى عبد المطّلب في نومه من نبّهه عليها، فلمّا أراد حفرها حسدته بطون قريش، وهمّوا أن يمنعوه، فكفاه الله شرّهم، فنذر لئن رزقه الله عشرة من الولد يمنعونه؛ أن يتقرّب إلى الله تعالى بذبح أحدهم، فلمّا تمّ العدد عشرة أعلمهم بنذره، فقالوا له: اقض فينا أمرك

له شرّهم، فنذر لئن رزقه الله عشرة من الولد يمنعونه؛ أن يتقرّب إلى الله تعالى بذبح أحدهم، فلمّا تمّ العدد عشرة أعلمهم بنذره، فقالوا له: اقض فينا أمرك

وأوف بنذرك، فأسهم بينهم، فخرج السّهم على عبد الله، فلمّا أراد أن يذبحه منعته قريش، لئلّا يكون فيهم سنّة، فأفتاه كاهن أن يسهم عليه وعلى عشر من الإبل- وكانت العشر عندهم دية الرّجل- ففعل، فخرج السّهم على عبد الله، فقال له الكاهن: زد عشرا، فإنّ ربّك لم يرض، فزاد عشرا، فخرج السّهم على عبد الله، فقال: زد عشرا، فزاد عشرا، فلم يزل يخرج السّهم على عبد الله، حتّى بلغ العدد مئة، فخرج السّهم على الإبل، فقال له: أعد القرعة، فأعادها، فخرج السّهم على الإبل، ثمّ أعادها فخرج على الإبل، فقال له: قد رضي ربّك، فانحرها فداء عن ابنك، ففعل، فاستمرّت الدّية في قريش مئة من الإبل، ثمّ جاء الشّرع فقرّرها دية لكلّ مسلم من المسلمين. [أصحاب الفيل وما جرى لهم] وأمّا أصحاب الفيل: فإنّ الحبشة لمّا ملكت (اليمن) وعليهم أبرهة الأشرم، وكانوا بنوا كنيسة ب (صنعاء) كالكعبة، وصرفوا حجّاج (الكعبة) إليها، فدخلها ليلا رجال من قريش ولطّخوها بالعذرة «١» وهربوا، فلمّا علم بذلك أبرهة عزم على هدم (الكعبة) ، فتجهّز في جيش عظيم، فلمّا شارف (مكّة) أغار على سرحها «٢» ، فاستاق أموال قريش، ونزل ب (عرفة) ، فخرج إليه عبد المطّلب، فلمّا رآه أبرهة نزل له/ عن سرير ملكه إجلالا له، وسأله عن حاجته، فذكر أنّ له نحو مئة من الإبل فردّها عليه، فقيل لعبد المطّلب: هلّا كلمته في الانصراف عن (الكعبة) ؟ فقال: أنا ربّ إبلي، والكعبة لها ربّ يحميها.

حاجته، فذكر أنّ له نحو مئة من الإبل فردّها عليه، فقيل لعبد المطّلب: هلّا كلمته في الانصراف عن (الكعبة) ؟ فقال: أنا ربّ إبلي، والكعبة لها ربّ يحميها.

وامتاز بقريش إلى رؤوس الجبال، وجعل يدعو الله ويقول، [من مجزوء الكامل] «١» : لا همّ إنّ [المرء] يمن ... ع رحله فامنع حلالك «٢» لا يغلبنّ صليبهم ... ومحالهم غدوا محالك «٣» محالك، أي: مكرك، ومنه: وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ [سورة الرّعد ١٣/ ١٣]- ثمّ سار أبرهة إلى (مكّة) ، فلمّا كانوا ب (محسّر) «٤» - بمهملات، وهو واد بين (عرفة ومزدلفة) - نكص الفيل على عقبيه، فردّوه فأبى، فأدخلوا الحديد في أنفه حتّى خرموه، فلم يساعدهم على التّوجّه إلى (مكّة) . فبينما هم كذلك إذ أرسل الله عليهم طيرا، يحمل كلّ طير منها ثلاثة أحجار صغار؛ حجرين بين رجليه، وحجرا في منقاره، إذا وقعت الحجارة على رأس أحدهم خرجت من دبره، فأهلكهم الله جميعا.

وفي ذلك أنزل الله على نبيّه ﷺ مذكّرا له بنعمته عليه وعلى قومه، لأنّه كان يومئذ حملا «١» ، وولد بعد الفيل بخمسين ليلة: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ. أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ- أي: إبطال- وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ- أي: عصبا عصبا- تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ- أي: من قعر جهنّم، وهو أيضا سجّين- فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ- أي: كزرع أكلته البهائم-[سورة الفيل] . ومن يومئذ احترمت النّاس قريشا، وقالوا: هم جيران الله، يدافع عنهم. [خبر هاشم:] وأمّا هاشم: فاسمه عمرو، وإنّما سمّي هاشما لكثرة إطعامه الثّريد في المجاعة، وفيه يقول الشّاعر، [من الكامل] «٢» : عمرو الّذي هشم الثّريد لقومه ... ورجال مكّة مسنتون عجاف «٣» وبلغ في الكرم مبلغا عظيما حتّى إنّه كان يطعم الوحش والطّير، فينحر لها في رؤوس الجبال، وكان إذا وقع القحط جمع أهل (مكّة) وأمر الموسرين منهم/ بالإنفاق على فقرائهم، حتّى يأتي الله بالغيث.

كان يطعم الوحش والطّير، فينحر لها في رؤوس الجبال، وكان إذا وقع القحط جمع أهل (مكّة) وأمر الموسرين منهم/ بالإنفاق على فقرائهم، حتّى يأتي الله بالغيث. ثمّ إنّه وفد (الشّام) على قيصر فأخذ منه كتابا بالأمان لقريش، وأرسل أخاه المطّلب إلى (اليمن) ، فأخذ من ملوكهم كتابا أيضا، ثمّ أمر تجّار قريش برحلتي الشّتاء والصّيف، فكانوا يرحلون في

الصّيف إلى (الشّام) لشدّة بردها، وفي الشّتاء إلى (اليمن) ، فاتّسعت من يومئذ معيشتهم بالتّجارة، وأنقذهم الله من الخوف والجوع ببركة هاشم. وفي ذلك أيضا أنزل الله تعالى على نبيه ﷺ: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ- أي: لإنعام الله على قريش بإيلافهم- إِيلافِهِمْ- أي: اعتيادهم- رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ- أي: الكعبة- الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [سورة قريش] . [خبر عبد مناف:] وأمّا عبد مناف: فكان يسمّى قمر البطحاء لصباحته، وهو الّذي قام مقام أبيه قصيّ بالسّيادة وسقاية الحاج، وقام أخوه عبد الدّار بسدانة البيت والرّفادة- أي: إطعام الحجيج في (دار النّدوة) الّتي بناها قصيّ- وأخوه عبد العزّى بالات الحرب من السّلاح والكراع «١» ، بوصيّة إليهم من أبيهم قصي.

[خبر قصيّ:] وأمّا قصيّ: فكان يسمّى مجمّعا، لأنّه أوّل من جمع قريشا من البوادي إلى سكنى (مكّة) ، وأخرج خزاعة منها، وفيه يقول الشّاعر، [من الطّويل] «٢» : أبوكم قصيّ كان يدعى مجمّعا ... به جمع الله القبائل من فهر وذلك أنّ سيّد خزاعة شرب ليلة مع جماعة فنفد شرابه، فقال: من يشتري منّي سدانة البيت بزقّ خمر «٣» ، فاشتراها قصي وأشهد

عليه «١» ، وفي ذلك يقول الشّاعر، [من البسيط] : باعت خزاعة بيت الله إذ سكرت ... بزقّ خمر فبئست صفقة البادي باعت سدانتها للبيت وانتقلت ... عن المقام وظلّ البيت والنّادي [صفة آبائه ص] وآباؤه ﷺ كلّهم سادات، ما منهم أحد إلّا وهو سيّد قومه في عصره، من أبيه عبد الله إلى آدم ﵇، كما قيل، [من الكامل] «٢» : فأولئك السّادات لم تر مثلهم ... عين على متتابع الأحقاب زهر الوجوه كريمة أحسابهم ... يعطون سائلهم بغير حساب / لم يعرفوا ردّ العفاة وطالما ... ردّوا أعاديهم على الأعقاب حلموا إلى أن لا تكاد تراهم ... يوما على ذي هفوة بغضاب وتكرّموا حتّى أبوا أن يجعلوا ... بين العفاة وبينهم من باب كانت تعيش الطّير في أكنافهم ... والوحش حين يشحّ كلّ سحاب وكفاهم أنّ النّبيّ محمّدا ... منهم فمدحهم بكلّ كتاب

أن يجعلوا ... بين العفاة وبينهم من باب كانت تعيش الطّير في أكنافهم ... والوحش حين يشحّ كلّ سحاب وكفاهم أنّ النّبيّ محمّدا ... منهم فمدحهم بكلّ كتاب

الباب الثّالث في ذكر من بشّر به قبل ظهوره، وما أسفر قبل بزوغ شمس نبوّته من صبح نوره ﷺ قال علماء السّير: وقد بشّر به ﷺ جميع النّبيين عليهم الصّلاة والسّلام عموما. قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [سورة آل عمران ٣/ ٨١] . روى علماء التّفسير في معناها، عن عليّ بن أبي طالب ﵁، أنّه قال: (الرّسول هو محمّد ﷺ، ما بعث الله نبيّا من لدن آدم إلّا أخذ له عليه الميثاق لئن بعث محمّد وهو حيّ ليؤمننّ به ولينصرنّه) «١» ؛ إعلاما لهم بعلوّ قدره، مع علمه سبحانه أنّه أخرهم بعثا. وذكر جماعة من علماء التّفسير في قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [سورة البقرة ٢/ ٣٧] : أنّ آدم توسّل بمحمّد- عليهما الصّلاة والسّلام- إلى ربّه في غفران ذنبه، فغفر له «٢» .

[عيسى ﵊ يبشّر به ﷺ] وبشّر به عيسى ﵊ خصوصا، قال الله تعالى: وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [سورة الصّف ٦١/ ٦] «١» .

ّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [سورة الصّف ٦١/ ٦] «١» .

[كعب بن لؤيّ يبشر به] وممّن بشّر به من غير النّبيّين جدّه كعب بن لؤيّ. قال علماء السّير: كان كعب بن لؤيّ متمسّكا بدين إبراهيم ﵊، مصدّقا ببعثة محمّد ﷺ، وهو الّذي سمّى يوم الجمعة جمعة، وكانت تسمّيه العرب: العروبة- بعين وراء مهملتين- لأنّه كان يجمّع النّاس في يومها بعد الزّوال، يخطبهم، ويعظهم، ويبشّرهم ببعثة محمّد ﷺ فيهم، ويقول: يا أيّها النّاس، الدّار والله أمامكم، والظّنّ خلاف ظنّكم، فزيّنوا حرمكم وعظّموه/، وتمسّكوا به ولا تفارقوه، فسيأتي له نبأ عظيم، وسيخرج منه نبيّ كريم، ثمّ ينشد، [من الطّويل] «٢» : نهار وليل واختلاف حوادث ... سواء علينا حلوها ومريرها على غفلة يأتي النّبيّ محمّد ... فيخبر أخبارا صدوقا خبيرها

[تبّع يبشّر به ﷺ] وممّن بشّر به ﷺ تبّع أسعد الكامل الملك الحميريّ.

قال اهل السّير: كان تبّع أسعد الكامل أراد أهل (المدينة النّبويّة) بسوء، مكيدة كاده بها بعض أعدائه ليهلكه، فأخبره الأحبار أنّها دار هجرة محمّد ﷺ المبعوث في آخر الزّمان، فانصرف عنهم، ثمّ قرأ التّوراة وتعرّف فيها صفة محمّد ﷺ، فصدّق بمبعثه، وكان يقول، [من المتقارب] «١» : شهدت على أحمد أنّه ... رسول من الله باري النّسم فلو مدّ عمري إلى عمره ... لكنت وزيرا له وابن عمّ

[عبد المطّلب يبشّر به ﷺ] وممّن بشّر به ﷺ جدّه عبد المطّلب. قال علماء السّير: إنّ عبد المطّلب كان قد اطّلع على عجائب من أمر محمّد ﷺ، فرآى في المنام أنّ سلسلة من فضّة خرجت من ظهره، لها طرف في السّماء وطرف في الأرض، وطرف بالمشرق وطرف بالمغرب، فبينما هو متعجّب من الأمر المغرب «٢» ، إذ بها قد عادت كأنّها شجرة عظيمة مورقة، وعلى كلّ ورقة منها نور مشرق، وقد تعلّق بها أهل المغرب والمشرق، فأوّلت له بمولود يخرج من صلبه يحمده أهل السّماوات في كلّ صنيع، وينقاد له أهل الأرض انقياد مطيع. وذكروا أنّ عبد المطّلب رآه مرّة حبر من الأحبار، فقال له: إنّ في أحد منخريك لملكا، وفي الآخر نبوّة «٣» .

ي كلّ صنيع، وينقاد له أهل الأرض انقياد مطيع. وذكروا أنّ عبد المطّلب رآه مرّة حبر من الأحبار، فقال له: إنّ في أحد منخريك لملكا، وفي الآخر نبوّة «٣» .

[حجب الشّياطين عن استراق السّمع عند قرب مبعثه ﷺ] ومن المبشّرات به ﷺ ما اتّفق عليه علماء التّفسير: أنّ الشّياطين منعت قبيل مولده من استراق السّمع.

[ارتجاج إيوان كسرى ليلة ولادته ﷺ] وما ظهر ليلة مولده من ارتجاس «١» إيوان كسرى، وسقوط أربع عشرة شرفة من شرفاته، وخمود نار فارس الّتي يعبدونها، وما خمدت منذ ألف عام. ورؤيا الموبذان- بفتح الموحّدة وبذال معجمة- وهو عالم الفرس «٢» /: رأى إبلا صعابا «٣» تقود خيلا عرابا «٤» ، قد قطعت (دجلة) وانتشرت في بلادها، فخاف [كسرى] أن يكون ذلك لفساد دولته وخرابها. فأرسل عبد المسيح إلى خاله سطيح الكاهن ب (الشّام) فوجده قد أشفى على الموت، فلمّا أحسّ به سطيح، قال: عبد المسيح، على جمل مشيح- أي: ضامر، بشين معجمة- أرسلك ملك بني ساسان، ليسأل عن ارتجاس الإيوان، وخمود النّيران، ورؤيا الموبذان؟ يا عبد المسيح: إذا كثرت التّلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادي سماوة، فليست (الشّام) لسطيح شاما، ولا مقام (العراق) لكسرى وقومه مقاما، يملك منهم ملوك وملكات، على عدد السّاقط من الشّرفات، وكلّ ما هو آت آت. ثمّ قضى سطيح مكانه، بعد ما أبان من أمر ظهور رسول الله ﷺ ما أبانه «٥» .

[عيصا يبشّر به ﷺ] وممّن بشّر به ما ذكره علماء السّير: أنّه كان حول (مكّة) راهب يقال له: عيصا- بمهملتين بينهما تحتيّة- وكان قد أحرز علما كثيرا، وأنّه كان يدخل (مكّة) كلّ موسم، فيقوم مبشّرا بظهور رسول الله ﷺ فيقول: (يا معشر قريش، إنّه سيظهر فيكم نبيّ تدين له العجم والعرب، وهذا وقت ظهوره قد اقترب) . فلمّا كان في اللّيلة الّتي ولد فيها رسول الله ﷺ كان عبد المطّلب طائفا ب (الكعبة) ، فرأى إسافا ونائلة «١» - وهما صنمان عظيمان- قد سقطا، فأذهله ذلك الشّأن، وجعل يمسح عينيه، ويقول: أنائم أنا أم يقظان؟ فلمّا أخبر بالمولود علم أنّ ذلك من أجله، لما كان قد رأى من الدّلائل من قبله، فخرج من الغد، فوقف تحت صومعة عيصا وناداه، فلمّا رآه أكرمه وفدّاه «٢» ، وقال له: (كن أباه، كن أباه، قد طلع نجمه البارحة، وظهر سناه، وقد كنت أحبّ أن يكون منكم، وقد كان، وعلامة ذلك أنّه يشتكي من بطنه ثلاثة أيّام، ثمّ يعافى من كلّ الأسقام، فاحفظه من اليهود فإنّهم أعداؤه، وقد تحقّقت عندهم صفاته) «٣» .

ون منكم، وقد كان، وعلامة ذلك أنّه يشتكي من بطنه ثلاثة أيّام، ثمّ يعافى من كلّ الأسقام، فاحفظه من اليهود فإنّهم أعداؤه، وقد تحقّقت عندهم صفاته) «٣» .

[سيف بن ذي يزن يبشّر به ﷺ] وممّن بشّر به ﷺ بعد مولده: سيف بن ذي يزن، الملك الحميريّ، وذلك أنّ عبد المطّلب وفد عليه في السّنة الثّامنة من مولد/ النّبيّ ﷺ إلى (صنعاء) يهنّئه بظفره ب (الحبشة) لمّا أزالهم الله من (اليمن) ، فأكرمه وأجلسه على سرير ملكه، وأعطاه عطايا

جزيلة، وأخبره أنّه يجد في الكتب القديمة أنّ هذا أوان وجود النّبيّ الأمّيّ العربيّ القرشيّ الهاشميّ، وأنّ صفته كذا وكذا، فأخبره عبد المطّلب أنّ عنده غلاما بتلك الصّفة، فأوصاه به، وحذّره من كيد اليهود والنّصارى. فمات عبد المطّلب في تلك السّنة.

[الرّاهب بحيرا يبشّر به ﷺ] وممّن بشّر به ﷺ: بحيرا الرّاهب- بفتح الموحّدة وكسر المهملة ممدودا- وذلك أنّ عمّه أبا طالب خرج به إلى (الشّام) في السّنة الثّانية عشرة من ولادته ﷺ، فلمّا بلغوا (بصرى) من أرض (الشّام) رآه الرّاهب المذكور معهم، فعرفه بصفاته المذكورة عنده في الإنجيل، فأمر أبا طالب أن يردّه، وناشده الله في ذلك خوفا عليه من كيد اليهود والنّصارى، فرجع به، وزوّده الرّاهب شيئا من الكعك والزّبيب.

[ثني بحيرا نفرا من النّصارى عن قتل الرّسول ﷺ] وروى التّرمذيّ في «جامعه» أنّ نفرا من النّصارى أتوا بحيرا الرّاهب بعد رجوع أبي طالب بالنّبيّ ﷺ وقالوا: إنّا خرجنا في طلب النّبيّ الأمّيّ، وإنّا وجدنا في كتبنا أنّه يمرّ بطريقك هذه في هذا الشّهر، وإنّا نريد قتله، فذكّرهم الله وقال: (أرأيتم أمرا يريد الله أن يقضيه أيقدر أحد أن يردّه؟ قالوا: لا، وانصرفوا عنه) «١» .

[الرّاهب نسطور يبشّر به ﷺ] ثمّ بشّر به ﷺ: نسطور الرّاهب- بمهملات مع فتح النّون- وذلك أنّه ﷺ خرج في سنة خمس وعشرين من مولده مع ميسرة غلام خديجة ﵂، في تجارة لها، فلمّا نزل الرّكب بقرب صومعة «٢» الرّاهب المذكور، نزل إليهم منها، وكان لا ينزل لأحد، وطاف فيهم حتّى رأى النّبيّ ﷺ، فعرف فيه علامات

ة ﵂، في تجارة لها، فلمّا نزل الرّكب بقرب صومعة «٢» الرّاهب المذكور، نزل إليهم منها، وكان لا ينزل لأحد، وطاف فيهم حتّى رأى النّبيّ ﷺ، فعرف فيه علامات

النّبوّة، فأكرمه، وأضافهم لأجله، وعرّفهم أنّه نبيّ هذه الأمّة، وأنّه خاتم النّبيّين، وقال له: احذر على نفسك من كيد اليهود والنّصارى، وأوصى ميسرة به، فقيل له: كيف عرفت أنّه فينا؟ قال: إنّكم لمّا أقبلتم لم يبق شجر ولا حجر إلّا وسجد إلى جهتكم/، وكان ميسرة يقول: (كان إذا اشتدّ الحرّ ظلّلته غمامة، تسير معه أينما سار) . فلمّا رجعا من (الشّام) أخبر ميسرة خديجة بما رآه من كرامته ﷺ، وصدقه، وأمانته ﷺ، وما أخبر به الرّاهب، وما رآه من تظليل الغمامة له، وغير ذلك، فرغبت خديجة في نكاحه، فخطبته إلى نفسها، وكان كلّ من أشراف قومها حريصا على ذلك، فتزوّج بها ﷺ «١» .

[قسّ بن ساعدة الإياديّ يبشّر به ﷺ] ثمّ بشّر به ﷺ: قسّ بن ساعدة. وقد روى النّبيّ ﷺ قصّته؛ أنّه كان يقوم بسوق عكاظ خطيبا، فقام مرّة والنّبيّ ﷺ وأبو بكر حاضران، فقال: (يا أيّها النّاس، إنّ لله دينا هو خير من دينكم الّذي أنتم عليه، وإنّ لله نبيّا قد حان [حينه، وأظلّكم] «٢» أوانه، [فطوبى لمن آمن به فهداه، وويل لمن خالفه وعصاه] «٢» ، فبادروا إليه. فعمّا قليل، وقد ظهر النّور، وبطل الزّور، وبعث الله محمّدا بالحبور، صاحب النّجيب الأحمر «٣» ، والتّاج والمغفر «٤» ، والوجه الأزهر، [والحجاب الأنور، والطّرف الأحور] ، وصاحب

شهادة أن لا إله إلّا الله، فذلكم محمّد المبعوث إلى الأسود والأحمر «١» ؛ [أهل المدر والوبر] ) «١» .

[زيد بن عمرو بن نفيل يبشّر به ﷺ] ثمّ بشّر به ﷺ قبيل مبعثه: زيد بن عمرو بن نفيل، وكان خرج يلتمس دين إبراهيم- كما رواه البخاريّ في «صحيحه» - فأخبره آخر الأحبار إنّه لم يبق أحد عليه، وأنّه قد أظلّ زمان خروج النّبيّ الأمّيّ ب (مكّة) . فرجع واجتمع به النّبيّ ﷺ مرارا، وكان يقول: (اللهمّ إنّي أعبدك وحدك، وأدين لك بدين إبراهيم، ولا أعرف كيف أعبدك؟!) . وله أشعار في التّوحيد. ومات شهيدا رحمه الله تعالى «٢» . وكان النّبيّ ﷺ يترحّم عليه، ويقول: «إنّه يبعث أمّة وحده» «٣» .

[سلمان الفارسيّ يبشّر به ﷺ] وممّن بشّر به ﷺ قبل مبعثه: سلمان الفارسيّ ﵁، وكان يتنقّل من حبر إلى حبر، حتّى قال له آخرهم عند موته: إنّه لم يبق أحد على دين الحقّ، ولكن قد آن خروج النّبيّ الأمّيّ ب (مكّة) ، وعرّفه بصفاته. فخرج مع ركب إليها، فأخذه قطّاع الطّريق، فباعوه إلى يهود (المدينة) ، فلم يزل بها إلى أن هاجر إليها النّبيّ ﷺ، فعرف الصّفات الّتي فيه فامن/ ﵁ به، وصدّقه، إلى أن سعى النّبيّ ﷺ في مكاتبته بما سيأتي في معجزاته ﷺ «٤» .

[ورقة بن نوفل يبشّر به ﷺ] وممّن عرفه بصفاته: ورقة بن نوفل بن أسد، ابن عمّ خديجة

رضي الله عنها، على ما في أوّل «صحيح البخاريّ» ، وكان قد تنصّر وقرأ الإنجيل، فلمّا نزل جبريل على محمّد ﷺ بالوحي، ذهبت به خديجة إلى ورقة، فتحقّق أنّه النّبيّ الأمّيّ الّذي بشّر به عيسى ﵇، فامن به وصدّقه، وأخبره أنّ قومه سيخرجونه من (مكّة) ، وتمنّى أن يكون حاضرا يومئذ لينصره نصرا مؤزّرا. ومن شعره في ذلك، [من الوافر] «١» : لججت وكنت في الذّكرى لجوجا ... لهمّ طالما بعث النّشيجا «٢» ووصف من خديجة بعد وصف ... فقد طال انتظاري يا خديجا بأنّ محمّدا سيسود فينا ... ويخصم من يكون له حجيجا فيلقى من يحاربه خسارا ... ويلقى من يسالمه فلوجا «٣» فيا ليتي إذا ما كان ذاكم ... [شهدت] فكنت أوّلهم ولوجا ولوجا في الّذي كرهت قريش ... ولو عجّت بمكّتها عجيجا «٤» ثمّ إنّه لم يلبث أن مات- رحمه الله تعالى-.

ليتي إذا ما كان ذاكم ... [شهدت] فكنت أوّلهم ولوجا ولوجا في الّذي كرهت قريش ... ولو عجّت بمكّتها عجيجا «٤» ثمّ إنّه لم يلبث أن مات- رحمه الله تعالى-.

الباب الرّابع في ذكر مولده الشّريف، ورضاعته ونشأته إلى حين أوان بعثته ﷺ [مولده ﷺ وتاريخه ومكان ولادته] قال علماء السّير: ولد النّبيّ ﷺ في ربيع الأوّل، يوم الاثنين بلا خلاف. ثمّ قال الأكثرون: ليلة الثّاني عشر منه. وقال بعضهم: العاشر. وقال آخرون: الثّامن. وذلك ب (مكّة) المشرّفة، في شعب أبي طالب «١» ، وهو المكان الّذي يجتمع فيه أهل (مكّة) ليلة المولد الشّريف، للذّكر والدّعاء والتّبرّك بمسقط رأسه ﷺ «٢» . وأفتى جماعة من المتأخّرين بأنّ عمل المولد على هذا القصد حسن محمود. [صفة مولده ﷺ] قال علماء السّير: ووضعته أمّه وهو مستقبل القبلة، واضعا يديه على الأرض، رافعا رأسه إلى السّماء، مختونا، مسرورا- أي:

مقطوع السّرّة-، ليس عليه شيء من قذر الولادة. روى/ ابن إسحاق، عن الشّفّاء- بالتّشديد-: أمّ عبد الرّحمن بن عوف ﵄، وهي الّتي تولّت ولادته، أنّها قالت: لمّا سقط النّبيّ ﷺ على يديّ، سمعت قائلا يقول: يرحمك الله، وأضاء لي ما بين المشرق والمغرب، حتّى نظرت إلى قصور (الشّام) .

[الآيات الّتي وقعت ليلة مولده ﷺ] وليلة ولاده ﷺ خمدت نار فارس الّتي يعبدونها، وكان وقودها مستمرّا من عهد موسى ﵊، وارتجس إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وغاضت بحيرة ساوة «١» ، وتنكّست جميع الأصنام في جميع الآفاق، وسقط عرش إبليس، ورميت الشّياطين بالشّهب، فمنعت من استراق السّمع.

فائدة التّحقيق: في رمي الشّياطين بالشّهب التحقيق أنّ الشّياطين كانت ترمى بالشّهب لقوله تعالى: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ [سورة الحجر ١٥/ ١٨] ؛ لكنّه رمي لا يكثر فيه إصابتهم بالرّجوم «٢» ، ولا يمنعهم عن مقاعدهم للسّمع. فلمّا ولد ﷺ كان الرّمي بالرّجوم أشدّ رجما، فلمّا بعث النّبيّ ﷺ استمرّ منعهم عن مقاعدهم، كما صرّح بذلك فيما حكاه الله تعالى عنهم:

عن مقاعدهم للسّمع. فلمّا ولد ﷺ كان الرّمي بالرّجوم أشدّ رجما، فلمّا بعث النّبيّ ﷺ استمرّ منعهم عن مقاعدهم، كما صرّح بذلك فيما حكاه الله تعالى عنهم:

وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً [سورة الجن ٧٢/ ٩] . وذلك لئلّا يلتبس الوحي بالكهانة «١» . وفي «الصّحيحين» أيضا، أنّهم قالوا: قد حيل بيننا وبين خبر السّماء «٢» . والله أعلم. [رضاعته ﷺ] وأوّل من أرضعته ﷺ ثويبة- بمثلّثة، مصغّرة- مولاة عمّه أبي لهب، وأرضعت معه عمّه حمزة وأبا سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزوميّ بلبن ابنها مسروح- بمهملات-. وفي «صحيح البخاريّ» أنّه ﷺ قال: «أرضعتني أنا وأبا سلمة ثويبة» قال عروة بن الزّبير: وثويبة مولاة لأبي لهب، كان أبو لهب أعتقها، فأرضعت النّبيّ ﷺ، فلمّا مات أبو لهب أريه العبّاس في أسوء حالة، فقال له: ماذا لقيت؟ قال: لم ألق بعدكم خيرا، غير أنّي خفّف عنّي العذاب بعتاقي/ ثويبة «٣» . قلت: فتخفيف العذاب عنه إنّما هو كرامة للنّبيّ ﷺ كما خفّف عن أبي طالب، لا لأجل مجرّد العتق لقوله تعالى: وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [سورة هود ١١/ ١٦] .

[رضاعته ﷺ من حليمة السّعديّة] قال علماء السّير: ثمّ احتملته حليمة السّعديّة بنت أبي ذؤيب- مصغّر ذئب- من بني سعد بن بكر بن هوازن، ثمّ قيس بن عيلان- بمهملة- ابن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان؛ حين قدمت مع قومها يلتمسون الرّضعاء، لما يرجونه من المعروف من أهليهم.

وكان أهل (مكّة) يسترضعون أولادهم فيهم لفصاحتهم، ولصحّة هواء البادية، فأقام ﷺ فيهم نحو خمس سنين، وظهر لهم من يمنه وبركته في تلك المدّة أنواع من المعجزات وخوارق العادات. روى ابن إسحاق عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵄ قال: قالت حليمة: خرجت في نسوة من بني سعد نلتمس الرّضعاء، على أتان لي قمراء «١» ، في سنة شهباء «٢» ، ومعي زوجي الحارث بن عبد العزّى من بني سعد بن بكر، ومعنا شارف لنا- أي: ناقة مسنّة- ما تبضّ «٣» بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع من بكاء صبيّنا، ما في ثدييّ ما يغنيه، ولا في شارفنا ما يغذّيه، فخرجت على أتاني تلك، ولقد أذمّت «٤» بالرّكب- أي: ولقد أزرت بهم «٥» - ضعفا وعجفا «٦» ، حتّى شقّ ذلك عليهم، حتّى قدمنا (مكّة) ، فو الله ما منّا امرأة إلّا عرض عليها رسول الله ﷺ فتأباه إذا قيل لها: إنّه يتيم، [وذلك أنّا إنّما كنّا نرجو المعروف من أبي الصّبيّ، فكنّا نقول: يتيم! وما عسى أن تصنع أمّه وجدّه؟، فكنّا نكرهه لذلك] ، فما بقيت امرأة ممّن قدمت معي إلّا أخذت رضيعا غيري، [فلمّا أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إنّي لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا، والله لأذهبنّ إلى ذلك اليتيم

قدمت معي إلّا أخذت رضيعا غيري، [فلمّا أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إنّي لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا، والله لأذهبنّ إلى ذلك اليتيم

فلآخذنّه، قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. قالت] : فذهبت إليه فأخذته، وما حملني على أخذه إلّا أنّي لم أجد غيره. قالت: فلمّا أخذته رجعت به إلى رحلي، فلمّا وضعته في حجري، أقبل عليه ثدياي بما شاء من اللّبن، فشرب حتّى روي، وشرب معه أخوه ضمرة حتّى رويا، ثمّ ناما، وما كنّا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفي فإذا بها حافل «١» ، فحلب منها ما شرب، وشربت، حتّى انتهينا شبعا وريّا/ [فبتنا بخير ليلة] . قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلّمي «٢» يا حليمة، والله إنّي لأراك قد أخذت نسمة مباركة، ألم تري إلى ما بتنا فيه من الخير والبركة؟ فلم يزل الله يرينا خيرا. قالت: ثمّ خرجنا وركبت أتاني تلك، وحملته عليها معي، فو الله لقد قطعت بالرّكب، [ما يقدر عليها شيء من حمرهم] . حتّى إنّ صواحبي ليقلن لي: يا بنت أبي ذؤيب، ويحك!! إربعي علينا- أي: ارفقي- أليست هذه أتانك الّتي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهنّ: بلى، والله إنّها لهي هي!! فيقلن: والله إنّ لها لشأنا. قالت: ثمّ قدمنا منازلنا [من بلاد بني سعد] ، وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح عليّ [حين قدمنا به معنا] شباعا لبنا «٣» ، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان غيرنا منهم قطرة لبن، [ولا يجدها في ضرع] ، حتّى كان الحاضرون من قومنا

غنمي تروح عليّ [حين قدمنا به معنا] شباعا لبنا «٣» ، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان غيرنا منهم قطرة لبن، [ولا يجدها في ضرع] ، حتّى كان الحاضرون من قومنا

يقولون لرعاتهم: ويحكم!! اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، فيسرحون، فتروح أغنامهم جياعا هزلا ما تبضّ بقطرة لبن، وتروح غنمي شبعا لبنا، فلم نزل نتعرّف من الله الزّيادة والبركة حتّى مضت سنتاه، ففصلته عن الرّضاعة. قالت: وكنت لا أدخل عليه باللّيل إلّا وجدت السّقف قد انفرج، وقد نزل عليه القمر يناغيه- أي: يحدّثه-. وكان ﷺ يشبّ شبابا لا يشبّه الغلمان، [فلم يبلغ] سنتيه حتّى كان غلاما جفرا- أي: ممتلئ الجنبين- «١» . قالت: فقدمنا به على أمّه، ونحن أحرص شيء على مكثه فينا، لما كنّا نتعرّف من بركته، فقلت لأمّه: دعينا نرجع به، فإنّا نخشى عليه وباء (مكّة) ، ولم نزل بها حتّى ردّته معنا. انتهى كلام ابن إسحاق «٢» .

[حادثة شقّ صدره ﷺ] قال غيره: وبعد حولين من مرجعها به- أي: في العام الخامس من مولده ﷺ أتاه ملكان فشقّا صدره، واستخرجا قلبه فشقّاه، واستخرجا منه علقة سوداء، وقالا: هذا حظّ الشّيطان منك، ثمّ ملآه حكمة وإيمانا، ثمّ لأماه، فالتأم [الشّقّ] بإذن الله تعالى، ثمّ ختماه بخاتم النّبوّة بين كتفيه كالطّابع، ثمّ قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمّته، ففعل فوزنهم/، ثمّ قال: زنه بمئة [من أمّته] ، ففعل فوزنهم، ثمّ قال: زنه بألف [من أمّته] ، ففعل فوزنهم، حتّى قال: والله لو وزنته بأمّته كلّها لوزنهم، ثمّ قبّلا رأسه

وما بين عينيه، وقالا: يا حبيب، لم ترع، إنّك لو تدري ما يراد بك [من الخير] لقرّت عيناك. وروي عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «فما هو إلّا أن ولّيا عنّي، وكأنّما الأمر معاينة» «١» . وفي «صحيح البخاريّ» عن السّائب بن يزيد قال: قمت خلف ظهره ﷺ فنظرت إلى خاتم النّبوّة بين كتفيه «٢» . ولمسلم: أنّ الخاتم كان إلى جهة كتفه اليسرى «٣» .

[خوف حليمة على النّبيّ ﷺ وردّه إلى أمّه] قال ابن إسحاق: فتخوّفت عليه حليمة بعد ذلك، فردّته إلى

أمّه، فقالت لها: ما أقدمك به يا ظئر «١» وقد كنت حريصة عليه؟ فأخبرتها، قالت: أفتخوّفت عليه؟ والله ما للشيطان على ابني هذا من سبيل، وإنّ له لشأنا، ولقد رأيت حين حملت به أنّه خرج منّي نور أضاء لي قصور (بصرى) من أرض (الشّام) «٢» . [وفاة آمنة] وفي السّنة السّادسة من مولده ﷺ خرجت به أمّه إلى (المدينة) لتزيره أخوال جدّه عبد المطّلب، وهم بنو عديّ بن النّجّار من الخزرج، وأقامت به شهرا. وروي عنه أنّه ﷺ قال: «أحسنت السّباحة في بئر بني عديّ بن النّجّار من يومئذ» «٣» . وكان يهود (المدينة) يومئذ يختلفون إليه «٤» ، ويتعرّفون فيه علامات النّبوّة. ثمّ رجعت به، فماتت ب (الأبواء) «٥» - بالموحّدة- وهو مكان بين (مكّة والمدينة) .

[أمّ أيمن تحتضن النّبيّ ﷺ] وبقي ب (الأبواء) حتّى انتهى الخبر إلى (مكّة) ، فجاءته حاضنته أمّ أيمن «٦» - مولاة أبيه عبد الله بن عبد المطّلب وأمّ أسامة بن زيد- فاحتملته.

والصّحيح أنّ أباه عبد الله مات وهو حمل «١» . وأمّا أمّه: فهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرّة [بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر] ، وكانت سيّدة قومها بني زهرة، وكان أبوها سيّدهم ولم يلدا- أعني أبويه- غيره ﷺ.

فائدة عظيمة ما يتعلّق بأبويه ﷺ قال القرطبيّ في «تذكرته» «٢» : خرّج الحافظ أبو بكر الخطيب في كتابه «السّابق واللّاحق» والحافظ أبو حفص/ عمر بن شاهين في كتابه «النّاسخ والمنسوخ» أنّه ﷺ قال في حجّة الوداع: «ذهبت لقبر أمّي، فسألت الله أن يحييها لي، فأحياها، فامنت بي» «٣» .

[في إحياء والدي النّبيّ ﷺ له] وكذا ذكره السّهيلي في «الرّوض الأنف» : أنّ من خصائصه ﷺ أنّ الله تعالى أحيا له أبويه فامنا به [٤] .

قال القرطبيّ: فهذا ناسخ لما في صحيح مسلم أنّ النّبيّ ﷺ زار قبر أمّه وقال: «استأذنت ربّي أن أزور قبرها فأذن لي، فاستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي» «١» .

قال القرطبيّ: فإيمانهما به بعد الرّجعة ينفعهما كرامة له ﷺ، كما وقعت صلاة سليمان ﵇ أداء، لمّا ردّ الله عليه الشّمس بعد غروبها كرامة له، والله يختصّ برحمته من يشاء، ويكرم بكرامته من يشاء «١» .

Bagian 2 dari 10