حدائق الأنوار ومطالع الأسرار في سيرة النبي المختار

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya بحرق اليمني (w. 930 H).

Bagian 3 dari 10 540 halaman

— Bagian 3 · عهما كرامة له ﷺ، كما وقعت صلاة سليمان ﵇ أداء، لم… —

Bagian 3

عهما كرامة له ﷺ، كما وقعت صلاة سليمان ﵇ أداء، لمّا ردّ الله عليه الشّمس بعد غروبها كرامة له، والله يختصّ برحمته من يشاء، ويكرم بكرامته من يشاء «١» .

[تنبّؤ سيف بن ذي يزن والكهّان بمبعث النّبيّ ﷺ] وفي السّنة السّابعة: وفد جدّه عبد المطّلب على سيف بن ذي يزن الحميريّ، لتهنئته بأخذه (صنعاء) وبظفره ب (الحبشة) ، فأكرمه وأخبره هو والكهّان الوافدون عليه بنبوّة محمّد ﷺ، وأنّه أبوه، وأنّه سيكون له شأن عظيم.

[وفاة جدّه عبد المطّلب وكفالة أبي طالب للنّبيّ ﷺ] وفي السّنة الثّامنة: توفّي جدّه عبد المطّلب، فكفله عمّه أبو طالب، واسمه: عبد مناف؛ لأنّه شقيق عبد الله، فأحسن كفالته، وتعرّف منه اليمن والبركة، ودافع عنه بعد مبعثه بيده ولسانه، وكان إذا أكل هو وأولاده فأكل معهم النّبيّ ﷺ شبعوا، وإذا لم يأكل معهم لم يشبعوا.

[خروج النّبيّ ﷺ إلى الشّام مع عمّه أبي طالب وقصّة الرّاهب بحيرا] وفي السّنة الثّالثة عشرة: خرج به عمّه أبو طالب في تجارة إلى (الشّام) ، فلمّا بلغوا (بصرى) ، رآه الرّاهب بحيرا- بفتح الموحّدة وكسر المهملة ممدودا- فتحقّق فيه صفات النّبوّة، فأمر أبا طالب أن يردّه إلى (مكّة) خوفا عليه من اليهود والنّصارى، فرجع به. وروى التّرمذيّ في «جامعه» أنّ نفرا من الرّوم أرادوا به سوآ، فمنعهم بحيرا وذكّرهم الله، وقال: أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه، أيقدر أحد من النّاس أن يردّه؟ فقالوا: لا، وانصرفوا «٢» .

[شهود النّبيّ ﷺ حرب الفجار] وفي السّنة الرّابعة عشرة/: كانت حرب الفجار- بكسر الفاء وجيم- بين قريش وهوازن، وسمّيت بذلك لوقوعها في الشّهر الحرام، وتطاولت الحرب بينهم، وكانت الدّائرة لهوازن على قريش، حتّى شهدها ﷺ يوما مع قومه، فانقلبت الدّائرة لهم على هوازن.

سمّيت بذلك لوقوعها في الشّهر الحرام، وتطاولت الحرب بينهم، وكانت الدّائرة لهوازن على قريش، حتّى شهدها ﷺ يوما مع قومه، فانقلبت الدّائرة لهم على هوازن.

[شهود النّبيّ ﷺ حلف الفضول] ثمّ عقدت قريش حلف الفضول لنصرة المظلوم «١» ، فشهدهم ﷺ. وكان سببه أنّ رجلا قدم (مكّة) بمتاع، فابتاعه منه العاص بن وائل السّهميّ، وظلمه الثّمن، فشكاه، فلم ينصفه أحد، فأوفى على جبل أبي قبيس وأنشد بأعلى صوته، [من البسيط] «٢» : يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكّة نائي الدّار والنّفر ومحرم أشعث لم يقض عمرته ... يا للرّجال وبين الحجر والحجر فقال الزّبير بن عبد المطّلب بن هاشم: والله لا صبر لي على هذا الأمر، فجمع بني عبد مناف وبني زهرة وبني أسد وتيما في دار عبد الله ابن جدعان التّيميّ، وقد صنع لهم ابن جدعان طعاما، فتحالفوا ليكوننّ عونا للمظلوم على الظّالم، ثمّ أتوا العاص بن وائل فانتزعوا سلعة الرّجل منه قهرا. وفي الحديث أنّ النّبيّ ﷺ قال: «شهدت مع عمومتي في دار ابن جدعان من حلف الفضول ما لو دعيت إليه اليوم لأجبت» «٣» .

[خروج النّبيّ ﷺ إلى الشّام في تجارة لخديجة ﵂] وفي السّنة الخامسة والعشرين: خرج ﷺ مع ميسرة غلام

خديجة في تجارة لها بأجرة، فربحا أضعاف ما يربح النّاس، فلمّا رجعا أضعفت له خديجة الأجرة، وشاهد منه ميسرة في تلك السّفرة أنواعا من علامات النّبوّة، منها: أنّه كان إذا اشتدّ الحرّ ظلّلته غمامة، تسير بسيره، وتقف في وقوفه.

فائدة: [في تظليل النّبيّ ﷺ بالغمام] الظّاهر أنّ تظليله بالغمام كان قبل البعثة، ففي حديث الهجرة أنّ أبا بكر ظلّله بثوب. وفي قصّة غورث كنّا إذا رأينا شجرة ظليلة تركناها لرسول الله ﷺ.

[مرور النّبيّ ﷺ بالرّاهب نسطور] ومنها-[أي: من علامات النّبوّة]-: أنّهم مرّوا براهب/ يقال له نسطور- بفتح النّون- فقال لميسرة: من هذا الفتى؟ فقال: هو من أهل (مكّة) ، من أهل الحرم، فقال: أشهد أنّه نبيّ، وأنّه آخر الأنبياء. [خطبة خديجة لرسول الله ﷺ وزواجه منها] ومنها: ما شاهده من صدقه وأمانته وخلقه العظيم، فأخبر ميسرة خديجة بما شاهده من معجزاته ﷺ وخلقه وبركته، فخطبته إلى نفسها. وهي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ. وكانت خديجة من أفضل نساء قريش حسبا ونسبا وجمالا ومالا، وقد كان كلّ من قومها حريصا على نكاحها، فأكرمها الله بأكرم الخلق على الله، لما سبق في الأزل من الكرامة، فنكحها، وبقيت معه خمسا وعشرين سنة، عشرا بعد المبعث وخمس عشرة قبله، وكانت له عونا على الحقّ، وهي أوّل من أسلم على يديه من النّساء، وهي أمّ أولاده كلّهم: القاسم وعبد الله الطّاهر، ورقيّة، وزينب وأمّ كلثوم، وفاطمة، إلّا إبراهيم فإنّ أمّه مارية القبطيّة.

وفي «الصّحيحين» أنّه ﷺ قال: «خير نسائها مريم [ابنة عمران] ، وخير نسائها خديجة» «١» - أي: مريم خير نساء زمانها، وخديجة خير نساء زمانها-. وأنّه ﷺ قال: «أتاني جبريل فقال: هذه خديجة، فإذا أتتك فاقرأ ﵍ من ربّها ومنّي، وبشّرها ببيت في الجنّة من قصب- أي: لؤلؤ مجوّف- لا نصب فيه- أي: تعب- ولا صخب- أي: صراخ-» «٢» . زاد الطّبرانيّ أنّها قالت: هو السّلام، ومنه السّلام، وعلى جبريل السّلام.

جنّة من قصب- أي: لؤلؤ مجوّف- لا نصب فيه- أي: تعب- ولا صخب- أي: صراخ-» «٢» . زاد الطّبرانيّ أنّها قالت: هو السّلام، ومنه السّلام، وعلى جبريل السّلام.

فائدة: [في التّفاضل بين خديجة وعائشة ﵄] احتجّ بعض الأئمّة بهذا الحديث على تفضيل خديجة على عائشة ﵄ من حيث إنّ جبريل أقرأ خديجة السّلام عن الله وعن نفسه، وإنّما أقرأ عائشة السّلام عن نفسه، وبقوله ﷺ لمّا قالت له عائشة: قد أبدلك الله خيرا منها-: «ما أبدلني الله خيرا منها، آمنت بي إذ كفر النّاس» «٣» . وأجيب عن الأوّل: بأنّ تسليم الله على خديجة لا يقتضي تفضيلها، / كما لا يقتضي تسليمه على إبراهيم وغيره من الأنبياء تفضيلهم على محمّد، الّذي أمر الله أمّته بالتّسليم عليه. وعن الثّاني: بأن مراد عائشة خيرا منها في السّنّ- كما في الحديث- فقابل

ذلك ﷺ بخيريّة خديجة في الدّين الّذي هو أفضل من حداثة السّنّ. والله أعلم.

[بنيان الكعبة ومشاركة النّبيّ ﷺ] وفي السّنة الخامسة والثّلاثين: بنت قريش (الكعبة) وتقاسمتها أرباعا «١» ، فلمّا انتهوا إلى موضع الحجر الأسود، تنازعت القبائل أيّها يضعه موضعه، حتّى كادوا يقتتلون، ثمّ اتّفقوا على أن يحكّموا أوّل داخل عليهم من بني هاشم. فكان ﷺ هو أوّل داخل، فقالوا: هذا محمّد، هذا الصّادق الأمين، رضينا به، فحكّموه، فبسط ﷺ رداءه ووضع الحجر فيه، وأمر أربعة من رؤساء القبائل الأربع، أن يأخذوا بأرباع الثّوب، فرفعوه إلى موضعه، فتناوله ﷺ بيده المباركة، فوضعه في موضعه. وفي «الصّحيحين» : أنّه ﷺ حضرهم يوما في بناء الكعبة فذهب هو وعمّه العبّاس ينقلان الحجارة، فقال له العبّاس: اجعل إزارك على عاتقك كما يفعلون، ففعل، فخرّ إلى الأرض مغشيّا عليه، وطمحت عيناه إلى السّماء، وقال: «أرني إزاري» ، فشدّه عليه «٢» .

[ترادف علامات النّبوّة عليه ﷺ] وفي الثّامنة والثّلاثين: ترادفت علامات نبوّته ﷺ، وتحدّث بها الرّهبان والكهّان.

[حبّ النّبيّ ﷺ للخلوة] وفي التّاسعة والثّلاثين: حبّبت إليه الخلوة، فكان يخلو بغار (حراء) أيّاما بعد أيّام، يتزوّد لها. وكان في تلك المدّة يرى أنوارا، ويسمع أصواتا.

للخلوة] وفي التّاسعة والثّلاثين: حبّبت إليه الخلوة، فكان يخلو بغار (حراء) أيّاما بعد أيّام، يتزوّد لها. وكان في تلك المدّة يرى أنوارا، ويسمع أصواتا.

[الرّؤيا الصّادقة] وفي السّنة الأربعين قبل مبعثه بستّة أشهر: كان وحيه ﷺ مناما، وكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصّبح. أي: مثل الصّبح المفلوق، أي: المنشقّ. ومنه: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [سورة الفلق ١١٣/ ١] .

[تسليم الحجر والشّجر عليه ﷺ] وكانت الأحجار والأشجار تسلّم عليه بالرّسالة. وفي الحديث الصّحيح أنّه/ ﷺ قال: «إنّي لأعرف حجرا بمكّة كان يسلّم عليّ قبل أن أبعث» «١» . وفي «الصّحيحين» أنّه ﷺ قال: «رؤيا المؤمن جزء من ستّة وأربعين جزآ من النبوّة» «٢» . قال العلماء: لأنّ مدّة النّبوّة ثلاث وعشرون سنة، ونصف السّنة منها جزء من ستّة وأربعين جزآ. وما أحسن قول صاحب البردة- ﵀ فيها، [من البسيط] «٣» : أبان مولده عن طيب عنصره ... يا طيب مبتدإ منه ومختتم يوم تفرّس فيه الفرس أنّهم ... قد أنذروا بحلول البؤس والنّقم

وبات إيوان كسرى وهو منصدع ... كشمل أصحاب كسرى غير ملتئم والنّار خامدة الأنفاس من أسف ... عليه والنّهر ساهي العين من سدم «١» وساء ساوة أن غاضت بحيرتها ... وردّ واردها بالغيظ حين ظمي «٢» كأنّ بالنّار ما بالماء من بلل ... حزنا وبالماء ما بالنّار من ضرم «٣» والجنّ تهتف والأنوار ساطعة ... والحقّ يظهر من معنى ومن كلم عموا وصمّوا فإعلان البشائر لم ... تسمع وبارقة الإنذار لم تشم من بعد ما أخبر الأقوام كاهنهم ... بأنّ دينهم المعوجّ لم يقم وبعد ما عاينوا في الأفق من شهب ... منقضّة وفق ما في الأرض من صنم حتّى غدا عن طريق الوحي منهزم ... من الشّياطين يقفو إثر منهزم لا تنكر الوحي من رؤياه إنّ له ... قلبا متى نامت العينان لم ينم «٤»

وذاك حين بلوغ من نبوّته «١» ... فليس ينكر فيه حال محتلم تبارك الله ما وحي بمكتسب «٢» ... ولا نبيّ على غيب بمتّهم «٣»

الباب الخامس في اثبات أنّ دينه ﷺ ناسخ لكلّ دين، وأنّه خاتم النّبيّين وعموم رسالته إلى النّاس أجمعين وتفضيله على جميع النبيّين والمرسلين اعلم أنّ إثبات النّبوّة هو الشّطر الثّاني من التّوحيد، فإنّه ﷺ قال: «مبنى الإيمان على قول: لا إله إلّا الله/، وهو شطر- أي: نصف- والشّطر الثّاني: محمّد رسول الله» . وقد ذكرنا نبذا من مبادىء نبوّته ﷺ قبل البعثة من المبشّرات، الّتي يتذكّر بها من يخشى، ويتجنّبها الأشقى. وسنذكر أيضا في الباب السّادس بعد هذا من معجزاته ﷺ، البالغة مبلغ التّواتر ما يستيقن به الّذين أوتوا الكتاب، ويزداد الّذين آمنوا إيمانا. ولكنّ التّذكير والتّبشير إنّما هو لمن تقرّر في قلبه التّصديق والإيمان برسالته ﷺ. وأمّا المنكر الجاحد لها: فلا يدحض حجّته ولا يبطل شبهته إلّا البراهين العقليّة القاطعة لحجّته، المبطلة لشبهته. فنقول وبالله التّوفيق، على سبيل التّمهيد والتّحقيق، في إدراك النّبوّة بطريق الذّوق، ثمّ بيان أصلها، ثمّ إمكانها، ثمّ وجودها، ثمّ صحّتها: أمّا طريق الذّوق: فاعلم أنّه لا يدرك بالذّوق شيئا من المعرفة

ق، في إدراك النّبوّة بطريق الذّوق، ثمّ بيان أصلها، ثمّ إمكانها، ثمّ وجودها، ثمّ صحّتها: أمّا طريق الذّوق: فاعلم أنّه لا يدرك بالذّوق شيئا من المعرفة

بحقيقة النّبوّة من لم يذق شيئا من سلوك طريق أهل الله تعالى، وأولياء الله تعالى، برياضة الأنفس وتزكيتها، وتصفية القلوب، وتهذيب الأخلاق. لأنّ كرامات الأولياء على التّحقيق بدايات الأنبياء، وقد كان ذلك أوّل حال نبيّنا ﷺ، حيث كان يتعبّد في (حراء) ، وكان يؤثر العزلة للخلوة بربّه، والتّجرّد والتّبتّل؛ وهو الانقطاع عن الخلائق إلى الخالق، وهو الذّهاب إلى الله تعالى، الّذي أشار إليه الخليل ﵊ بقوله: وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ [سورة الصّافّات ٣٧/ ٩٩] . فمن مارس تلك الطّريق اتّضح له طرف من حقيقة النّبوّة، ما هي وخاصّيّتها بالكشف والعيان، ومن لم يبلغ هذه الرّتبة فلا بدّ له من التّنبيه على أصلها وإمكانها، ثمّ وجودها عموما، ثمّ لشخص معيّن، بإقامة البرهان، لشدّة مسيس الحاجة إليها. وأمّا دليل أصلها: فكلّ عاقل قاطع بأنّ الإنسان أوّل ما يدرك من مراتب العلم في صغره/ وطفوليّته العلم بالحواسّ الخمس، الّتي هي. السّمع، والبصر، والشّمّ، والذّوق، واللّمس. فيدرك بكلّ واحدة من هذه عالما لا يدركه بالآخرى، ومن تعطّلت عليه حاسّة منها- كالبصر مثلا- لم يدرك ما حقيقة الألوان، إلّا بسماعها بالتّواتر، فإنكاره لها مكابرة جاهل بما لم يعلم، وتكذيب بما لم يحط بعلمه، وقد أحاط به غيره، فيحتجّ عليه المبصر بأنّ عندك حاسّة الشّمّ وزيد أخشم «١» لا يفرّق بين رائحة المسك والجيفة، فماذا نقول له لو زعم التّسوية بين المسك والجيفة؟

به غيره، فيحتجّ عليه المبصر بأنّ عندك حاسّة الشّمّ وزيد أخشم «١» لا يفرّق بين رائحة المسك والجيفة، فماذا نقول له لو زعم التّسوية بين المسك والجيفة؟

فإن زعمت أنّه مكذّب بما لم يحط بعلمه من المشمومات، فهو أيضا يزعم أنّك مكذّب بما لم تحط به من الألوان المبصرات، ولا يسعك إلّا أن تؤمن له بوجود الألوان وتنوّعها، ويؤمن لك بوجود المشمومات وتنوّعها. وهكذا في المطعومات والملموسات والمسموعات. وهذا الإدراك حاصل للطّفل، لا يدرك غيره من العوالم إلى سنّ التّمييز، فإذا بلغ سنّ التّمييز خلق الله فيه أمورا عقليّة زائدة على تلك الحسّيّة؛ كالتّمييز بين الجائزات والمستحيلات والواجبات. فإذا قلت مثلا للطفل: رشّ هذا الحجر ليصير ليّنا كالطين اعتقد جواز ذلك دون المميّز، ولو قلت للمميّز الّذي سقط من يده القدح الّذي فيه الشّراب: هذا القدح انكسر والشّراب لم يتبدّد لعلم أنّك تهزأ به، إذ من لوازم انكسار القدح تبدّد الشّراب الّذي هو فيه. وهكذا لو قلت له غير ذلك. وهو في هذا العالم إلى بلوغ سنّ التّكليف الّذي يتحمّل به الأمانة الشّرعيّة فيكمل تمييزه، فيخلق الله فيه طورا آخر من العقل، بحيث يوثق بأقواله وأفعاله، وتطمئنّ النّفس لمعظم أحواله، ولا يزال يزداد بالتّجربة عقلا. فكلّ عاقل يقطع بأنّ سنّ التّمييز طور وراء سنّ الطّفوليّة، وسنّ العقل طور وراء سنّ التّمييز. وإذا قطع العاقل/ بذلك قلنا له: ليس في العقل أيضا ما يحيل أنّ فوق طوره طورا آخر، وفوق ذلك الطّور طورا آخر، وهلمّ جرّا. فكما أنّ قدرة الله صالحة لأن يخلق في المميّز ما لم يدركه الطّفل من العلم، وفي العاقل ما لم يدركه المميّز؛ فهو سبحانه قادر على أن يخلق في بعض العقلاء طورا لا يدركه العقلاء؛ من الاطلاع على الغيب، وفتح عين في القلب تسمى: البصيرة الباطنة، بمثابة البصر لعين الرأس الظّاهرة، والعقل عن هذا الطّور معزول، كعزل قوّة الحواسّ عن التّمييز، وعزل التّمييز عن المعقولات،

فإنكار بعض العقلاء لطور النّبوّة كإنكار المميّز لطور العقل، وإنكار الأعمى للمبصرات، والأخشم للمشمومات، وذلك عين الجهل، إذ لا مستند له إلّا أنّ هذا طور لم يبلغه عقله إدراكا. فنقول له: إن لم يدركه عقلك بمباشرة فلا تحل جوازه، كما لا يحيل الأعمى وجود المبصرات، ويجب عليه أن يقول: إنّ الحاسّة الّتي تدرك بها المبصرات وجدت في غيري فأدركها، ولم توجد فيّ فلم أدركها. فحينئذ الشّكّ في النّبوّة إمّا أن يكون في إمكانها، أو في وجودها في العالم، أو في وقوعها مطلقا، أو في إثباتها لشخص معين. أمّا دليل إمكانها: فظاهر ممّا تقرّر من أنّ العقل لا يحيل من أن يترقّى الإنسان الكامل إلى طور فوق طور العقل، يفتح الله لقلبه عينا يدرك بنورها ما لم يدركه العقل، كما ترقّى المميّز إلى طور العقل، والطّفل إلى طور التّمييز، وكما أنّ الله سبحانه قادر على أن يخلق في قلوب عباده المعرفة به، وبأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وجميع تكليفاته الشّرعيّة، ابتداء بغير واسطة، كقوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ [سورة البقرة ٢/ ٣١] وقوله تعالى: فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [سورة الكهف ١٨/ ٦٥] . وآدم نبيّ، والعبد وليّ، وكلاهما اشتركا في تعليم العلم اللّدنّيّ بغير واسطة. وطور النّبوّة/ أيضا فوق طور الولاية، يعلمه الوليّ ويؤمن به، كما يعلم أنّ طور الولاية فوق طور العقل ذوقا ومباشرة، وكذلك العقل لا يمنع أن يوصل الله إلى من ارتضاه من رسله العلم بما سبق

ية، يعلمه الوليّ ويؤمن به، كما يعلم أنّ طور الولاية فوق طور العقل ذوقا ومباشرة، وكذلك العقل لا يمنع أن يوصل الله إلى من ارتضاه من رسله العلم بما سبق

من المعرفة به وبأحكامه، بواسطة بينهم وبينه، يبلّغهم عنه ﷾، سواء كان ذلك الواسطة من جنسهم- كالأنبياء في حقّ سائر البشر- أم من غير جنسهم- كالملائكة في حقّ الرّسل- وإذا جوّز العقل ذلك، وجاءت الرّسل بما تثبّت بأمثاله الرّسالة، من المعجزات الدّالّة على صدقهم، وجب تصديقهم، والإيمان بهم، وبجميع ما أتوا به. [وأمّا دليل وجودها] : فإذا وقع الشّكّ في شخص معين، هل هو نبيّ أم لا؟ فسبيل تحصيل اليقين بما يدّعيه من النّبوّة، بأمرين: أحدهما: مشاهدة ما أقامه من المعجزات الخارقة للعادات، كما سنذكره، وهذا خاصّ بمن عاصره. وثانيهما: معرفة خاصّيّة النّبوّة أوّلا، من إدراك الأنبياء ما لا يدركه العقلاء، ثمّ التّسامع بالتّواتر. كما أنّ من أراد أن يعرف مثلا أنّ الإمام أبا حنيفة- ﵁ فقيه أم لا؟ فسبيله أن يعرف أوّلا حقيقة الفقه ما هو؛ وهو استنباط الأحكام الفرعيّة من الأدلّة الأصليّة، ثمّ ينظر ثانيا فيما نقل عنه، ممّا استنبطه من الفقه، من كتاب الله تعالى، وحديث رسول الله ﷺ، فإنّه يحصل له العلم الضّروريّ بأنّه في أعلى مراتب الفقه. وكذلك من علم خاصّيّة النّبوّة، ثمّ نظر إلى ما قرّره نبيّنا ﷺ من الشّرع، حصل له لا محالة العلم القطعيّ، والإيمان القويّ بكونه ﷺ في أعلى درجات النّبوّة. هذا كلّه لمن أراد من المؤمنين تقوية اليقين. وأمّا الجاحد الملحد: فيقرّر عليه أوّلا من دليل العقل عدم استحالة وقوع النّبوّة- كما سبق- ثمّ يقرّر حقيقة المعجزة/ الّتي بها تثبت النّبوّة لمدّعيها. فنقول: المعجزة عبارة عن إيجاد الله تعالى أمرا

ل العقل عدم استحالة وقوع النّبوّة- كما سبق- ثمّ يقرّر حقيقة المعجزة/ الّتي بها تثبت النّبوّة لمدّعيها. فنقول: المعجزة عبارة عن إيجاد الله تعالى أمرا

خارقا للعادة على يدي مدّعي الرّسالة، للدّلالة على تصديق الله له. فكلّ ما أظهره الله ﷾ على أيدي الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ممّا يعجز البشر عن الإتيان بمثله؛ فهو من معجزاتهم الدّالّة على نبوّتهم، لأنّه لمّا كان لا يقدر أن يوجد ذلك الفعل إلّا الله تعالى، كان إيجاده على أيديهم قائما بلسان الحال، مقام التّصديق بلسان المقال: صدق عبدي في ما ادّعاه «١» . كما لو قال شخص عاقل بحضرة الملك: معاشر المسلمين!! إنّ السّلطان قد نصب فلانا عليكم حاكما، فاسمعوا له، وأطيعوا، ولم ينكر عليه الملك، علم الحاضرون بتقرير الملك صدق ذلك القائل. فالمعجزة مع التّحدّي قائمة مقام قول الله تعالى: صدق عبدي فاتّبعوه، وذلك عند عجزهم عن معارضته تلك المعجزة، واعتراف أعلم أهل ذلك العصر أنّ مثل هذا غير داخل في طوق البشر. ولهذا فإنّه لمّا كان زمن موسى ﵇ غاية علم أهله التّفنّن في السّحر، بعثه الله إليهم بمعجزة تشبه ما يدّعون كمال المعرفة فيه، ثمّ جاءهم بما خرق به عادتهم، وأبطل سحرهم. ولمّا كان زمن عيسى ﵇ غاية علم أهله التّفنّن في الطّب، جاءهم بما لا يقدرون عليه، من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، دون معالجته. وهكذا سائر معجزات الأنبياء ﵈، إنّما تكون بأمر شائع بين أهل ذلك العصر العلم به، والتّفنّن في المعرفة به على أقصى درجات الكمال عندهم، لتقوى عليهم الحجّة، ويعترفون

بعجزهم وعجز من سواهم عن مقاومته. [وأمّا صحّتها] : ولمّا بعث الله نبيّنا محمّدا ﷺ كان منتهى علم أهل عصره، وغاية المعرفة والكمال عندهم أمران: أحدهما: فصاحة المنطق، وبلاغة الكلام، والتّفنّن فيه نثرا ونظما، في خطبهم/ وأشعارهم. وثانيهما: علم الكهانة والزّجر «١» ، والإخبار عن الحوادث. فجعل الله معجزته العظمى ما أنزل عليه من الكتاب الحكيم، على هذا الأسلوب الغريب، الّذي لم يهتدوا إلى طريقه، ولا سلكوا سبيله، وتحدّاهم أن يأتوا بمثله، ثمّ بعشر سور منه، ثمّ بسورة، فعجزوا، وجعله مشتملا على الإخبار بالمغيّبات، وكشف المخبّات الّتي اعترف بصحّتها وأذعن لصدقها أعدى الأعداء له، وأبطل بذلك ما كانوا عليه من الكهانة، الّتي تصدق مرّة وتكذب ألفا. فلمّا ادّعى ﷺ النّبوّة والرّسالة إلى النّاس كافّة، وأظهر المعجزات، وعظيم الآيات، الّتي لم تعارض في جميع الأوقات؛ دلّ ذلك قطعا على صدق ما ادّعاه. أمّا دعواه النّبوّة والرّسالة: فمعلوم بالتّواتر بين البرّ والفاجر، لا يختلف فيه مؤمن وكافر. وأمّا إقامته على ذلك الدّلائل الظّاهرة، والمعجزات الباهرة؛ فلما نقله الخلف عن السّلف، من الأمور الخارقة- كانشقاق القمر، وتسليم الحجر، وإجابة الشّجر، وحنين الجذع، وتسبيح الحصى، وتفجير الماء من بين أصابعه، وتكثير الطّعام القليل ببركته- وغير ذلك

ر الخارقة- كانشقاق القمر، وتسليم الحجر، وإجابة الشّجر، وحنين الجذع، وتسبيح الحصى، وتفجير الماء من بين أصابعه، وتكثير الطّعام القليل ببركته- وغير ذلك

ممّا ستأتي الإشارة إلى بعضه تصريحا وتلويحا، إلى غير ذلك من عظيم الآيات المعلومة بالقطع بين علماء السّير، ونقلة الأخبار، ورواها العدد الكثير في جميع الأعصار، من الصّحابة والتّابعين، فمن بعدهم، ولم تزدد على مرّ الأيّام إلّا ظهورا. ومجموع معناها بالغ مبلغ التّواتر بين البرّ والفاجر، كما يعلم جود حاتم، وشجاعة عليّ بالضّرورة. وإن لم تبلغ كلّ واقعة منها بعينها مبلغ التّواتر، بل وأكثرها كان في المجامع الحفلة، والعساكر الجمّة من الصّحابة ﵃، ثمّ رواها عنهم الكافّة، ولم يرو عن أحد منهم مخالفة للرّاوي فيما رواه، والإنكار لما نسبه إليهم من المشاهدة لها وحكاه. فسكوت السّاكت منهم/ كنطق النّاطق، وكثيرا ما يحصل العلم الضّروريّ بشيء لإنسان دون آخر، كمن يعلم جملة من أخبار الملوك الماضية، والبلدان النّائية، وآخر لا يعرف وجودها، فضلا عن تحقّق أخبارها. ثمّ إنّ من أعظم معجزاته ﷺ الباهرة، وآيات نبوّته الظّاهرة، ودلائل صدقه: معجزة القرآن العظيم، المستمرّة على مرّ الدّهور والأزمان، المشاهدة لجميع الإنس والجانّ، وقد انطوى على وجوه من الإعجاز- ستأتي الإشارة إليها في الباب السّادس- لا يحصرها عدّ، ولا يحيط بها حدّ. فلمّا أظهر ﷺ هذا الكلام البليغ، الّذي أعجز به البلغاء، واللّدّ «١» الفصحاء، مع ما اشتمل عليه من نبأ القرون السّالفة، والشّرائع الدّاثرة، ممّا كان لا يوجد في القصّة الواحدة، إلّا عند الفذّ من الأحبار والرّهبان، ولا ينالها بالتّعلّم إلّا من قطع

ن نبأ القرون السّالفة، والشّرائع الدّاثرة، ممّا كان لا يوجد في القصّة الواحدة، إلّا عند الفذّ من الأحبار والرّهبان، ولا ينالها بالتّعلّم إلّا من قطع

العمر، وأفنى في طلبها الأزمان. [قال تعالى] : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [سورة آل عمران ٣/ ٤٤] . [وقال تعالى] إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [سورة النمل ٢٧/ ٧٦- ٧٧] . هذا مع ما انطوى عليه من المغيّبات، والإخبار بما كان وما هو آت، ومع ما احتوى عليه من بليغ المواعظ والحكم، وكريم الأخلاق والشّيم، والتّرغيب والتّرهيب، والوعد والوعيد، وإثبات النّبوّات والتّوحيد، وتحدّاهم بأن يأتوا بسورة من مثله، فعجزوا بعد أن أخبرهم أنّهم لن يفعلوا، قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [سورة الإسراء ١٧/ ٨٨] . فلمّا عجزوا كلّهم عن معارضته، مع كمال بلاغتهم، وشدّة حرصهم، وتوفّر دواعيهم، وتهالكهم على إفحامه، وألقوا بأيديهم مذعنين، وأحجموا عن معارضته صاغرين، دلّ ذلك على/ صدقه قطعا فيما ادّعاه، وأنّ كتابه منزّل من عند الله، هذا مع ما قد تواتر عنه قبل دعوى النّبوّة وبعدها، من ملازمة الصّدق والأمانة، والعفّة والصّيانة، والأحوال الكريمة، والأخلاق العظيمة، والسّيرة الحسنة، والإعراض عن زهرة الدّنيا، والمداومة على الجدّ والتّشمير للآخرى، إلى أن توفّاه الله. إذا العقل يقطع بامتناع اجتماع هذه الأمور، إلّا في الأنبياء المؤيّدين بتأييد الله تعالى وأمره، ويستحيل أن يجمع الله هذه الكمالات فيمن يفتري على الله الكذب والبهتان، ثمّ يظهر دينه،

كما أخبر به على سائر الأديان. وهل للنّبوّة والرّسالة معنى غير هذا في الاستدلال؟ وماذا بعد الحقّ إلّا الضّلال؟ ثمّ إذا ثبتت نبوّته ﷺ وقد دلّ كلام ربّه المنزّل على أنّه خاتم النّبيين، وأنّه مبعوث إلى النّاس أجمعين- ثبت بذلك عموم رسالته، ونسخ شريعته لسائر الشّرائع، لوجوب طاعته واتّباعه على الكلّ: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ [سورة آل عمران ٣/ ٨٥] . وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» : «مثلي ومثل الأنبياء، كرجل بنى دارا، فأكملها وأحسنها إلّا موضع لبنة فيها، فجعل النّاس يدخلونها ويتعجّبون ويقولون: لولا موضع هذه اللّبنة، فأنا اللّبنة، وأنا خاتم النّبيّين» «١» . فإن ادّعى مدّع خصوص رسالته إلى العرب فقط، فقد اعترف بنبوّته، والكذب ممتنع على الأنبياء اتّفاقا. وقد حصل العلم القطعيّ أنّه ﷺ جاء بكتاب من عند الله، ناطق بعموم رسالته إلى النّاس أجمعين، كقوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [سورة الأعراف ٧/ ١٥٨] . وبأنّه ادّعى عموم الرّسالة إلى الأحمر والأسود، والبعيد والقريب: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [سورة الأنعام ٦/ ١٩]- أي: من بلغه القرآن-. / وتواتر النّقل عنه أنّه ﷺ دعا اليهود والنّصارى وغيرهم إلى الإيمان، وأرسل كتبه إلى ملوك الفرس والرّوم وغيرهم، وألزمهم

م ٦/ ١٩]- أي: من بلغه القرآن-. / وتواتر النّقل عنه أنّه ﷺ دعا اليهود والنّصارى وغيرهم إلى الإيمان، وأرسل كتبه إلى ملوك الفرس والرّوم وغيرهم، وألزمهم

وجوب طاعته، واتّباعه على وفق ما يجدونه في كتبهم: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [سورة الأعراف ٧/ ١٥٧] يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ [سورة البقرة ٢/ ١٤٦] فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [سورة البقرة ٢/ ٨٩] . فكيف يعترف هذا بنبوّته ثمّ يناقض وجوب عصمته بتكذيبه؟ [قال تعالى] : وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا. أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً [سورة النّساء ٤/ ١٥٠- ١٥١] . فهذا القدر كاف في تحقيق نبوّته، وعموم رسالته ﷺ، ونسخ دينه لكلّ دين.

[تفضيل النّبيّ ﷺ على الأنبياء والمرسلين] وأمّا تفضيله ﷺ على جميع النّبيّين والمرسلين؛ فلما صحّ من قوله ﷺ: «أنا سيّد ولد آدم ولا فخر» «١» . فتحدّث بنعمة ربّه امتثالا لأمره، نافيا للفخر والخيلاء، وبلّغ ذلك إلى أمّته ليعرفوه ويعتقدوه، ولقوله ﷾: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [سورة آل عمران ٣/ ١١٠] . ولا شكّ أنّ خيريّة الأمّة بحسب كمالها، وذلك تابع لكمال نبيّها، لأنّ كمال التّابع من كمال المتبوع. هذا إلى ما ورد في الأخبار الصّحيحة من اختصاصه ﷺ بالشّفاعة العظمى في أهل الموقف يوم الدّين، وهو المقام المحمود الّذي يحمده فيه الأوّلون والآخرون، بعد رجوع الخلائق إليه في الشّفاعة العظمى، واعترافهم له بالمزيّة. وفي «الصّحيحين» : «أعطيت خمسا، لم يعطهنّ أحد قبلي: نصرت بالرّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا،

ه في الشّفاعة العظمى، واعترافهم له بالمزيّة. وفي «الصّحيحين» : «أعطيت خمسا، لم يعطهنّ أحد قبلي: نصرت بالرّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا،

وأحلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشّفاعة، وبعثت إلى النّاس عامّة، وكان النّبيّ يبعث إلى قومه خاصّة» «١» . وقال بعض العارفين/ بالله: لمّا أخرج الله: مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [سورة الأعراف ٧/ ١٧٢] تفاوتوا في الإجابة، فأوّلهم الرّسل، وأوّل الرّسل محمّد ﷺ وعليهم أجمعين. هذا مع أنّه لا تفاضل بين جميع الأنبياء في درجة النّبوّة، وإنّما يكون التّفاضل بينهم بأمور أخر زائدة على ذلك؛ كأن تكون معجزات أحدهم أشهر وأظهر، أو تكون أمّته أكثر وأظهر، أو غير ذلك ممّا يخصّهم الله به من الكرامة. فمنهم: أولوا العزم «٢» ، ومنهم: أولوا الأيدي والأبصار «٣» ، ومنهم: المصطفون الأخيار «٤» ، ومنهم: من رفعه الله مكانا عليّا «٥» ، ومنهم: من آتاه الله الحكم صبيا «٦» .

[قال الله تعالى] تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [سورة البقرة ٢/ ٢٥٣] . [وقال تعالى] : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [سورة النّساء ٤/ ١٦٤] . ثمّ إنّه ليس يخفى على من له أدنى ممارسة بالعلم أنّ معجزات نبيّنا محمّد ﷺ أشهر وأكثر من معجزات سائر المرسلين عليهم الصّلاة والسّلام أجمعين- كما سيأتي ذكر بعضها- وإنّها أبلغ وأتمّ في باب الإعجاز. إذ من المعلوم أنّ انفجار الأصابع بالماء الغزير أبلغ في باب الإعجاز من انفجاره من الحجر، لأنّه شيء ما شوهد مثله قطّ ولا عهد، بخلاف انفجار الحجر بالماء، فإنّه بالجملة معهود، وإن كان على غير الوجه الّذي شوهد في عهد موسى ﵇. وكذلك إشباع الجيش الكثير من أقراص من شعير، أتمّ في باب الإعجاز من إنزال المنّ والسّلوى، والمائدة على عيسى [﵇] من السّماء.

ه الّذي شوهد في عهد موسى ﵇. وكذلك إشباع الجيش الكثير من أقراص من شعير، أتمّ في باب الإعجاز من إنزال المنّ والسّلوى، والمائدة على عيسى [﵇] من السّماء. وكذلك ردّ العين السّائلة وإعادتها في الحال إلى صحّتها حتّى كانت أحسن من الآخرى الصّحيحة، أعجب من إبراء الأكمه والأبرص. وكذلك نطق ما لم يعهد نطقه أصلا- كالجذع، والحجر، والشّجر، والضّبّ، والذّئب، والذّراع- أغرب من إحياء الموتى، فإنّ الميّت قد كان ينطق/، فقد عهد منه الحياة والنّطق في الجملة، ولم يعهد في حال من الأحوال نطق شيء من تلك الأجناس. على أنّ جميع معجزات المرسلين ﵈ تصلح أن تكون

معجزة لنبيّنا ﷺ، لأنّ حقيقة المعجزة ما دلّ على صدق الرّسول، وكلّ من المرسلين قد بشّر به، فمعجزاتهم الدّالّة على صدقهم، معجزات دالّة على صدقه، وبراهين شاهدة بصحّة نبوّته. ثمّ إنّ معجزات سائر المرسلين عليهم الصّلاة والسّلام انقرضت بانقراضهم، وانعدمت بموتهم. وأمّا نبيّنا محمّد ﷺ فأعظم معجزاته: القرآن، وهو معجزة مستمرّة على مرّ الأزمان، لا تبيد ولا تنقطع، ولا تذهب ولا تضمحلّ، بل هي ثابتة إلى الأبد، واضحة الحجّة لكلّ قرن، فلا يمرّ عصر، ولا يظهر قرن، إلّا وهم مستدلّون على الخصم بوجوه إعجازه، محتجّون عليه بما احتجّ من قبلهم على الخصم من قبله، قائلين: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [سورة البقرة ٢/ ٢٣] .

فائدة [: في الفرق بين المعجزة والكرامة والسّحر] أجمع أهل السّنّة على أنّ كرامات الأولياء حقّ. قال الشّيخ الرّبّانيّ محيي الدّين النّوويّ- رحمه الله تعالى- في «شرح صحيح مسلم» ، في الكلام على حديث جريج الرّاهب: (فيه إثبات كرامات الأولياء، وأنّها تكون بجميع خوارق العادات، وأنّ كلّ ما جاز أن يكون معجزة للأنبياء، جاز أن يكون كرامة للأولياء، وأنّ كرامات الأولياء يجوز أن تقع باختيارهم وطلبهم وبغير اختيارهم، لأنّ جريجا توضّأ، وصلّى، ودعا الله تعالى، وقال للغلام: من أبوك؟ فقال: فلان الرّاعي) «١» . انتهى.

أولياء يجوز أن تقع باختيارهم وطلبهم وبغير اختيارهم، لأنّ جريجا توضّأ، وصلّى، ودعا الله تعالى، وقال للغلام: من أبوك؟ فقال: فلان الرّاعي) «١» . انتهى.

قلت: وجميع ما ذكره- رحمه الله تعالى- هو مذهب أهل السّنّة، لأنّ خرق العادة لا يحيله العقل، وقد تظاهرت أدلّة الكتاب والسّنّة، والأخبار والآثار، الّتي ملأت الآفاق، وضاقت عن حصرها الأوراق؛ على وقوع/ كرامات الأولياء في كلّ عصر وزمان، كقوله تعالى في مريم: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [سورة آل عمران ٣/ ٣٧] ، وقوله تعالى: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [سورة مريم ١٩/ ٢٥] ، وقوله تعالى: فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا [سورة مريم ١٩/ ١٧] ، وقوله تعالى: قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ [سورة النّمل ٢٧/ ٣٩] . وكحديث جريج، وأصحاب الغار الثّلاثة، وكذا حديث بركة قصعة الصّدّيق «١» ، وحديث نداء الفاروق: يا سارية الجبل، ومشي العلاء بن الحضرميّ على الماء، وتسبيح قصعة أبي الدّرداء وسلمان «٢» ، وتسليم الملائكة على عمران [بن حصين] .

ولو لم يكن إلّا قوله ﷺ: «إنّ من عباد الله، من لو أقسم على الله لأبرّه» «١» - أي: لأكرمه- لكفى. وسئل الإمام أحمد- رحمه الله تعالى-: ما بال الصّحابة لم ينقل عنهم من الكرامات ما نقل عمّن بعدهم؟ فقال: لقوّة إيمانهم. وسئل النّوويّ- رحمه الله تعالى-: ما بال العلماء لا يظهر عليهم ما يظهر على العبّاد؟ فقال: لعزّة الإخلاص في العلم دون العبادة. ولا فرق بين الكرامة والمعجزة إلّا اقتران المعجزة بدعوى النّبوّة. نعم، قد تلتبس الكرامة بالسّحر، فإنّه أيضا أمر خارق للعادة، وإنّما الفرق بين الكرامة والسّحر باتّباع الولي للرّسول، ومخالفة السّاحر له. فالكرامة الّتي لا يتطرّق إليها تلبيس «٢» هي الاستقامة. قال العلماء: ويستحيل أن يظهر الخارق مع دعوى النّبوّة على يد الكاذب، وكلّ كرامة لوليّ معجزة لنبيّه، لدلالة صدق التّابع على صدق المتبوع. والله أعلم.

. قال العلماء: ويستحيل أن يظهر الخارق مع دعوى النّبوّة على يد الكاذب، وكلّ كرامة لوليّ معجزة لنبيّه، لدلالة صدق التّابع على صدق المتبوع. والله أعلم.

الباب السّادس في ذكر بعض ما اشتهر من معجزاته، وظهر من علامات نبوّته في حياته ﷺ فمن [ذلك] : انشقاق القمر ، وردّ الشّمس وحبسها له، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطّعام اليسير ببركته، وكلام الشّجر والحجر، وشهادتها له بالنّبوّة، وشهادة الحيوانات له بالرّسالة، وشفاء العلل بريقه وكفّه المباركة، وإجابة دعائه لمن دعا له، وصلاح ما كان فاسدا بلمسه، وما أخبر به من المغيّبات، ممّا كان، وممّا هو آت/. وأعظمها معجزة: القرآن العظيم، والذّكر الحكيم. فهذه عشرة أنواع من المعجزات الباهرة، والآيات الظّاهرة، كلّ نوع منها منطو على ما لا يحصره عدّ، ولا يحيط به حدّ، ولكنّا نشير من كلّ نوع منها إلى شيء منه: لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً [سورة المدّثّر ٧٤/ ٣١] . فنقول:

أمّا النّوع الأوّل: وهو انشقاق القمر، وردّ الشّمس وحبسها له ﷺ، فقد قال الله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [سورة القمر ٥٤/ ١] . [انشقاق القمر] وروى البخاريّ في «صحيحه» عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين: فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول ﷺ أي لمن معه من

المسلمين-: «اشهدوا» «١» . وفي رواية-: «حتّى رأيت الجبل بين فرقتي القمر» «٢» . فقال كفّار قريش: سحركم محمّد؟ فقال رجل منهم: إنّ محمّدا إن كان سحركم، فإنّه لا يبلغ من سحره أن يسحر أهل الأرض كلّها، فاسألوا من يأتيكم من بلد آخر، هل رأوا مثل هذا؟ فأتوا فسألوهم، فأخبروهم أنّهم رأوا مثل ذلك، فقال أبو جهل: هذا سحر مستمرّ.

[ردّ الشمس وحبسها له ﷺ] وخرّج الطّحاويّ في «مشكل الحديث» بإسنادين صحيحين، أنّ النّبيّ ﷺ كان يوحى إليه ورأسه في حجر عليّ ﵁، فلم يصلّ عليّ العصر حتّى غربت الشّمس، فقال له رسول الله ﷺ: «أصليت العصر يا عليّ؟» قال: لا، فقال رسول الله ﷺ: «اللهمّ إنّه كان في طاعتك، وطاعة رسولك، فاردد عليه الشّمس» «٣» فطلعت بعدما غربت، وأشرقت على الجبال، وكان ذلك ب (الصّهباء) في غزوة (خيبر) . وروى الحافظ يونس بن بكير، أنّ النّبيّ ﷺ لمّا أسري به ليلة الاثنين، وأخبر قومه بالرّفقة الّتي وجدهم في طريق (الشّام) ، في العير الآتية إليهم، فقالوا له: متى تجيء العير؟ فقال: / «يوم الأربعاء» فلمّا كان ذلك الوقت احتبست العير، وأشرفت قريش ينتظرون، ودنت الشّمس للغروب، فحبس الله الشّمس ساعة،

حتّى قدمت العير، بعد أن دعا النّبيّ ﷺ ربّه أن يحبسها له «١» .

وأمّا النّوع الثّاني: وهو نبع الماء من بين أصابعه ﷺ ، فالأحاديث فيه كثيرة. ففي «الصّحيحين» ، عن أنس ﵁، قال: رأيت رسول الله ﷺ وقد حانت صلاة العصر، فالتمس النّاس الوضوء «٢» ، فلم يجدوه، فأتي رسول الله ﷺ بوضوء- وفي رواية: بإناء لا يكاد يغمر أصابعه- فوضع [رسول الله ﷺ] يده في ذلك الإناء، وأمر النّاس أن يتوضّؤوا منه. قال: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، حتّى توضّؤوا عن آخرهم «٣» . وفي «الصّحيحين» أيضا، عن ابن مسعود ﵁ قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ وليس معنا ماء، فقال [لنا رسول الله ﷺ] : «اطلبوا من معه فضل ماء» ، فأتي بقليل ماء فصبّه في إناء، ثمّ وضع كفّه فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه ﷺ «٤» .

فائدة [: في طلبه ﷺ فضل ماء] قال العلماء: وإنّما طلب فضل الماء ليكون من باب تكثير القليل، لا من باب الإيجاد من العدم، لئلّا يتوهّم أحد أنّه الموجد للماء.

ة [: في طلبه ﷺ فضل ماء] قال العلماء: وإنّما طلب فضل الماء ليكون من باب تكثير القليل، لا من باب الإيجاد من العدم، لئلّا يتوهّم أحد أنّه الموجد للماء.

وفي «الصّحيحين» أيضا، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: عطش النّاس يوم (الحديبية) ، ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة، فتوضّأ منها، وأقبل النّاس نحوه، فقالوا: ليس لنا ماء إلّا ما في ركوتك هذه، فوضع يده في الرّكوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه ﷺ، كأمثال العيون «١» . وفي «الصّحيحين» عن البراء بن عازب، وسلمة بن الأكوع ﵄، أنّهم نزحوا بئر (الحديبية) فلم يتركوا فيها قطرة، وكانت قليلة الماء، لا تروي خمسين شاة، فنزح ﷺ منها دلوا وبصق فيه، وأعاده إليها/، فجاشت بالماء الغزير، حتّى أروى الجيش أنفسهم وركابهم «٢» . وفي «الصّحيحين» عن عمران بن حصين ﵁، قال: أصاب النّاس عطش شديد، وهم مع النّبيّ ﷺ في بعض أسفاره، فوجّه رجلين من أصحابه، وهما: عمران بن حصين، وعليّ بن أبي طالب ﵄، وأعلمهما أنّهما يجدان امرأة بمكان كذا، معها بعير عليه مزادتان، فوجداها، فأتيا بها إلى النّبيّ ﷺ، [فجعل في إناء من مزادتيها، وقال فيه ما شاء الله أن يقول، ثمّ أعاد الماء في المزادتين، ثمّ فتحت عزاليهما] «٣» فأمر النّاس أن يستقوا من مزادتيها، فملؤوا أسقيتهم حتّى لم يدعوا سقاء إلّا ملؤوه، قال عمران بن حصين: ثمّ أوكيتهما] ، وتخيّل لي أنّهما لم يزدادا إلّا امتلاء، ثمّ أمر فجمع لها من الأزواد حتّى ملأ ثوبها،

تّى لم يدعوا سقاء إلّا ملؤوه، قال عمران بن حصين: ثمّ أوكيتهما] ، وتخيّل لي أنّهما لم يزدادا إلّا امتلاء، ثمّ أمر فجمع لها من الأزواد حتّى ملأ ثوبها،

وقال: «اذهبي فإنّا لم نأخذ من مائك شيئا- أي: لم ننقصه- ولكنّ الله سقانا» «١» . وفي «الصّحيحين» ، عن عمر بن الخطّاب ﵁، قال: كنّا مع رسول الله ﷺ في جيش العسرة، فعطش النّاس عطشا شديدا، حتّى إنّ الرّجل منّا لينحر بعيره، فيعصر فرثه فيشربه، فرغب أبو بكر إلى النّبيّ ﷺ في الدّعاء، فرفع يديه، فلم يرجعهما حتّى قالت السّماء، فانسكبت، فملؤوا ما معهم من الأسقية، ولم يجاوز المطر العسكر «٢» . وفي «صحيح مسلم» عن جابر ﵁، قال: كنّا مع النّبيّ ﷺ في غزوة، فقال: «يا جابر ناد الوضوء» ، فلم يجدوا ماء إلّا قطرة في فم مزادة، فقال: «ائتني بجفنة الرّاكب» ، فأتيته بها، فوضع النّبيّ ﷺ كفّه فيها، وصبّ عليه ذلك الماء، فقال: «باسم الله» ، فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، حتّى امتلأت الجفنة، واستدارت، فأمر النّاس بالاستقاء منها، فاستقوا، وأسقوا ركابهم، فرفع يده من الجفنة، وإنّها لملأى «٣» .

وروى الإمام مالك في «الموطّأ» ، / عن معاذ بن جبل ﵁، قال: كنّا مع النّبيّ ﷺ في غزوة (تبوك) ، فوردنا العين، فوجدناها تبضّ بشيء من ماء مثل الشّراك، فغرفوا منها شيئا في إناء، فغسل به النّبيّ ﷺ وجهه ويديه، وأعاده فيها، فجرت بماء كثير، له حسّ كحسّ الصّواعق، ثمّ قال: «يوشك أن يكون ما ها هنا جنانا» - أي: بساتين- فكان كذلك «١» .

وأمّا النّوع الثّالث: وهو تكثير الطّعام اليسير ببركته ﷺ فكثير أيضا. فمن ذلك: حديث أنس ﵁، أنّ أبا طلحة بعثه بأقراص من شعير تحت إبطه، ففتّها ﷺ وأشبع منها ثمانين رجلا. متّفق عليه «٢» . وحديث جابر ﵁، أنّه صنع للنّبيّ ﷺ صاعا من شعير وعناقا، وطلب خامس خمسة، فنادى في أهل (الخندق) ، وكانوا ألفا جياعا، فأكلوا من ذلك كلّهم، حتّى انصرفوا، قال جابر: وأقسم بالله إنّ برمتنا لتغطّ كما هي، وإنّ عجيننا ليخبز، وكان النّبيّ ﷺ بصق في البرمة والعجين. متّفق عليه «٣» .

وحديث جابر أيضا المتّفق عليه، أنّه حين مات أبوه أبى غرماؤه أن يقبلوا ثمرة نخيله بدينه، فجاء النّبيّ ﷺ وجلس على بيدر واحد منها، فكال لهم حتّى أوفاهم منه، وسلمت له منه بقيّة مع سائر البيادر «١» . وحديث أبي أيّوب الأنصاريّ ﵁، أنّه صنع لرسول الله ﷺ ولأبي بكر عند قدومهما في الهجرة ما يكفيهما، فقال له النّبيّ ﷺ: «ادع ثلاثين من أشراف الأنصار» ، فدعاهم، فأكلوا حتّى تركوه، فقال: «ادع ستّين» ، فدعاهم، فأكلوا حتّى تركوه، فقال: «ادع سبعين» ، فدعاهم، فأكلوا حتّى تركوه، قال أبو أيّوب: فأكل من طعامي ثمانون ومئة رجل، وما خرج رجل منهم حتّى أسلم وبايع «٢» / متّفق عليه. وحديث أنس أنّ النّبيّ ﷺ حين ابتنى بزينب ﵂، أمره أن يدعو له كلّ من لقي، حتّى امتلأ البيت، فقدّم إليهم مدّا من تمر، قد جعل حيسا، فجعل القوم يتغدّون ويخرجون، وبقي التّمر كما هو. متّفق عليه «٣» . وحديث عبد الرّحمن بن أبي بكر ﵄، قال: كنّا

يت، فقدّم إليهم مدّا من تمر، قد جعل حيسا، فجعل القوم يتغدّون ويخرجون، وبقي التّمر كما هو. متّفق عليه «٣» . وحديث عبد الرّحمن بن أبي بكر ﵄، قال: كنّا

مع النّبيّ ﷺ ثلاثين ومئة، فعجن صاع من طعام، وذبحت شاة، فشوي سواد بطنها- أي: كبدها- وأمره النّبيّ ﷺ أن يحزّ لهم منها، قال: وايم الله ما من الثّلاثين والمئة إلّا وقد حزّ له حزّة من كبدها، ثمّ جعل منها الطّعام واللّحم قصعتين، فأكلنا منهما أجمعون، وفضل منهما فضلة، فحملته على البعير. متّفق عليه «١» . وحديث سلمة بن الأكوع ﵁، قال: أصابت النّاس مخمصة شديدة في بعض مغازي النّبيّ ﷺ، فدعا ببقيّة الأزواد، فجاء الرّجل بالحثية من الطّعام وفوق ذلك، وأعلاهم الّذي أتى بالصّاع من التّمر، فجمعوه على نطع- زاد مسلم: قال سلمة: فحزرته كربضة العنز- قال: ثمّ دعا النّاس بأوعيتهم، فما بقي في الجيش وعاء إلّا ملؤوه، وبقي منه بقيّة. متّفق عليه «٢» . وحديث أبي هريرة ﵁، قال: أصابني جوع شديد، فلمّا خرج النّبيّ ﷺ من المسجد تبعته، فوجد عند أهله قدح لبن قد أهدي له، فأمرني أن أدعو له أهل الصّفّة، وكانوا سبعين، فدعوتهم، فأمرني النّبيّ ﷺ أن أسقيهم منه، فجعلت أعطي الرّجل القدح، فيشرب حتّى يروى، حتّى رووا جميعهم، فقال النّبيّ ﷺ: «بقيت أنا وأنت، فاشرب» ، فشربت حتّى رويت، فقال: «اشرب» فشربت، فما زال يقول: «إشرب» ، حتّى قلت: والّذي بعثك بالحقّ نبيّا لا أجد له مسلكا، فأخذ القدح

فحمد الله وسمّى وشرب. متّفق عليه «١» /.

، فقال: «اشرب» فشربت، فما زال يقول: «إشرب» ، حتّى قلت: والّذي بعثك بالحقّ نبيّا لا أجد له مسلكا، فأخذ القدح

فحمد الله وسمّى وشرب. متّفق عليه «١» /.

وأمّا النّوع الرّابع: وهو كلام الشّجر والحجر، وشهادتهما له بالنّبوّة ﷺ . فمن ذلك: حديث ابن عمر ﵄، قال: كنّا مع رسول الله ﷺ في سفر، فدنا منه أعرابيّ، فقال [له رسول الله] : «يا أعرابيّ، أين تريد» ؟، قال: إلى أهلي، قال ﷺ: «هل لك إلى خير؟» ، قال: وما هو؟ قال: «تشهد أن لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، وأنّ محمّدا عبده ورسوله» قال: من يشهد لك على ما تقول؟ قال: «هذه السّمرة» وهي بشاطئ الوادي، فأقبلت تخدّ الأرض حتّى قامت بين يديه، فاستشهدها، فشهدت الشّهادتين، ثمّ أمرها فرجعت إلى مكانها «٢» . وفي «الصّحيحين» ، عن جابر ﵁، قال: ذهب رسول الله ﷺ ليقضي حاجته، فلم ير شيئا يستتر به، فإذا بشجرتين بشاطئ الوادي متباعدتين، فأخذ بغصن من أغصان أحدهما، فانقادت له كالبعير المخشوش- أي: المجعول في أنفه حلقة فيها الخطام- حتّى إذا كانت بالمنصف «٣» ، وفعل بالآخرى كذلك، فالتأمتا بإذن الله تعالى، فلمّا قضى حاجته افترقتا، وعادت كلّ واحدة منهما إلى منبتها «٤» . وعن بريدة بن الحصيب- مصغّرين- ﵁، قال:

، وفعل بالآخرى كذلك، فالتأمتا بإذن الله تعالى، فلمّا قضى حاجته افترقتا، وعادت كلّ واحدة منهما إلى منبتها «٤» . وعن بريدة بن الحصيب- مصغّرين- ﵁، قال:

سأل أعرابيّ النّبيّ ﷺ آية- أي: علامة على نبوّته- فقال له: «قل لتلك الشّجرة؛ رسول الله ﷺ يدعوك» ففعل، فمالت الشّجرة يمينا وشمالا، فتقطّعت عروقها، ثمّ جاءت تجرّ عروقها، حتّى وقفت بين يديه ﷺ، فقالت: السّلام عليك يا رسول الله، فقال له الأعرابيّ: ائذن لي أسجد لك، قال: «لا ينبغي السّجود إلّا لله» قال: ائذن لي أقبّل يديك ورجليك، فأذن له «١» . وعن يعلى بن مرّة ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ قاعدا/، فأتت شجرة عظيمة، فأطافت به، ثمّ رجعت إلى منبتها، فقال رسول الله ﷺ: «إنّها استأذنت ربّها أن تسلّم عليّ» «٢» . وذكر الإمام أبو بكر بن فورك- رحمه الله تعالى-: أنّ النّبيّ ﷺ كان يسير ليلا في غزوة (الطّائف) وهو وسن- أي: به سنة نوم- فاعترضته شجرة سدر، فانفرجت له نصفين حتّى مرّ بينهما، قال: وبقيت على ساقين إلى وقتنا هذا، قال: وهي هناك معروفة معظّمة «٣» . ومن ذلك: حديث الجذع المشهور في «الصّحيحين» ، عن جماعة من الصّحابة ﵃، قالوا: كان المسجد مسقوفا بجذوع النّخل، وكان النّبيّ ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلمّا صنع له المنبر سمعنا له صوتا كصوت العشار من الإبل «٤» - وفي

رواية: حتّى ارتجّ المسجد لشدّة خواره «١» -. وفي رواية سهل بن سعد: وكثر بكاء النّاس «٢» . وفي رواية المطّلب بن أبي وداعة: حتّى انشقّ الجذع وجاءه النّبيّ ﷺ فوضع يده عليه فسكت «٣» . زاد غيره: فقال النّبيّ ﷺ: «إنّ هذا بكى لما فقده من ذكر الله تعالى» «٤» ، وقال: «والّذي نفسي بيده، لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة» . ثمّ أمر به النّبيّ ﷺ فدفن تحت المنبر «٥» . وفي رواية بريدة: أنّ النّبيّ ﷺ قال له: «إن شئت أن أردّك إلى البستان الّذي كنت فيه، تنبت لك عروقك، ويكمل خلقك، ويجدّد لك خوص وثمر، وإن شئت أن أغرسك في الجنّة ليأكل أولياء الله من ثمرك» ، فقال: بل تغرسني في الجنّة، لأكون في مكان لا أبلى فيه، فسمعه الحاضرون، فقال النّبيّ ﷺ: «قد فعلت» ثمّ قال: «إنّه اختار دار البقاء على دار الفناء» «٦» . وكان الحسن البصريّ- ﵀ إذا حدّث بهذا الحديث

بكى، وقال: يا عباد الله/، الخشبة تحنّ شوقا إلى رسول الله ﷺ لمّا فارقها، فأنتم أحقّ أن تشتاقوا إلى لقائه «١» . وفي «صحيح البخاريّ» عن ابن مسعود ﵁، قال: كنّا نسمع تسبيح الطّعام مع رسول الله ﷺ وهو يؤكل «٢» . وفي «الصّحيحين» عن أنس ﵁، قال: صعد النّبيّ ﷺ جبل (أحد) ومعه أبو بكر وعمر وعثمان ﵃، فرجف بهم الجبل، فقال: «اثبت أحد، فإنّما عليك نبيّ وصدّيق، وشهيدان» «٣» . وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن ابن عبّاس ﵄، قال: كان حول الكعبة لقريش ثلاث مئة وستون صنما، مثبتة على الرّخام بالرّصاص، فلمّا دخل رسول الله ﷺ عام الفتح، جعل يشير إليها بقضيب كان في يده، ويقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً- أي: ذاهبا-[سورة الإسراء ١٧/ ٨١] فما أشار لوجه صنم إلّا وقع لقفاه، ولا لقفاه إلّا وقع لوجهه، حتّى ما بقي منها صنم، فأمر بإخراجها «٤» .

وأمّا النّوع الخامس: وهو شهادة الحيوانات له بالرّسالة ﷺ .

[شهادة الضّبّ] فمن ذلك: حديث الضّبّ. عن عمر بن الخطّاب ﵁، قال: كان النّبيّ ﷺ جالسا في محفل من أصحابه إذ جاء أعرابيّ معه ضبّ قد صاده،

بالرّسالة ﷺ .

[شهادة الضّبّ] فمن ذلك: حديث الضّبّ. عن عمر بن الخطّاب ﵁، قال: كان النّبيّ ﷺ جالسا في محفل من أصحابه إذ جاء أعرابيّ معه ضبّ قد صاده،

فعرض عليه النّبيّ ﷺ الإسلام، فقال: واللّات والعزّى لا آمنت بك إلّا أن يؤمن بك هذا الضّبّ، فقال النّبيّ ﷺ: «يا ضبّ» ، فأجابه بلسان فصيح سمعه القوم جميعا: لبّيك وسعديك يا زين من وافى القيامة، قال: «من تعبد؟» قال: الله الّذي في السّماء عرشه، وفي الأرض سلطانه، وفي الجنّة رحمته، وفي النّار عذابه، قال: «فمن أنا؟» قال: أنت رسول ربّ العالمين، وخاتم النّبيّين، قد أفلح من صدّقك، وخاب من كذّبك «١» [فأسلم الأعرابيّ] .

[حديث الذّئب للرّاعي] ومن ذلك: حديث الذّئب/، عن أبي سعيد الخدريّ وأبي هريرة ﵄، قالا: بينما راع يرعى غنما له، إذ عرض الذّئب لشاة منها فأخذها، فأدركه الرّاعي، فاستردّها منه، فأقعى الذّئب «٢» ، فقال: أفلا تتّقي الله تعالى، حلت بيني وبين رزقي؟ فقال الرّاعي: عجب!! لذئب يتكلّم؟ فقال الذّئب: أنت أعجب منّي، واقف على غنمك وتركت نبيّا لم يبعث الله نبيّا قطّ أعظم منه قدرا عنده، قد فتحت له أبواب الجنّة، وأشرفت الحور العين على أصحابه، ينظرون قتالهم، وما بينك وبينه إلّا هذا الشّعب، فتصير في جنود الله تعالى- وكان ذلك يوم (أحد) - قال الرّاعي: فمن لي بغنمي؟ قال الذّئب: أنا أرعاها حتّى ترجع، فمضى الرّجل ووجد النّبيّ ﷺ يقاتل، فأسلم، وأخبره الخبر، فقال له النّبيّ ﷺ: «قم فحدّثهم» ، ثمّ قال له: «عد إلى غنمك تجدها بوفرها» ، فرجع فوجدها كذلك، فذبح للذّئب شاة «٣» .

بيّ ﷺ يقاتل، فأسلم، وأخبره الخبر، فقال له النّبيّ ﷺ: «قم فحدّثهم» ، ثمّ قال له: «عد إلى غنمك تجدها بوفرها» ، فرجع فوجدها كذلك، فذبح للذّئب شاة «٣» .

[سجود الغنم له ﷺ] ومن ذلك: حديث الغنم، عن أنس ﵁، قال: دخل النّبيّ ﷺ حائطا لبعض الأنصار، ومعه أبو بكر وعمر، وفي الحائط غنم، فسجدت له ﷺ، فقال أبو بكر: نحن أحقّ بالسّجود لك منها، فقال: «إنّه لا ينبغي السّجود إلّا لله تعالى» «١» . [خضوع الجمل له ﷺ] ومن ذلك: حديث البعير، عن جماعة من الصّحابة ﵃، قالوا: دخل النّبيّ ﷺ حائطا وكان فيه جمل لا يدع أحدا يدخل الحائط إلّا صال عليه، فلمّا دخل النّبيّ ﷺ دعاه فجاءه، ووضع مشفره في الأرض، وبرك بين يديه، فخطمه، وقال للحاضرين: «والّذي نفسي بيده، ما من شيء بين السّماء والأرض إلّا يعلم أنّي رسول الله، ما خلا عصاة الإنس والجنّ» «٢» . فسألهم عن شأن الجمل؟ فأخبروه أنّهم أرادوا ذبحه. وفي رواية: أنّه ﷺ قال لهم: «إنّه شكا/ كثرة العمل، وقلّة العلف، وأنّكم أردتم ذبحه بعد أن استعملتموه في العمل الشّاقّ من صغره» فقالوا: نعم يا رسول الله «٣» .

[قصّة الظّبية] ومن ذلك: حديث الظّبية، عن أمّ سلمة أمّ المؤمنين ﵂، قالت: كان النّبيّ ﷺ في الصّحراء، فنادته ظبية: يا رسول الله، قال: «ما حاجتك؟» قالت: صادني هذا الأعرابيّ، ولي خشفان في

ذلك الجبل، وكان الأعرابيّ نائما، فأطلقها النّبيّ ﷺ، فذهبت ورجعت، فانتبه الأعرابيّ، فقال للنّبيّ ﷺ: ألك حاجة؟ قال: «نعم، تطلق هذه الظّبية» ، فأطلقها، فذهبت تعدو في الصّحراء، وتقول: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّك محمّد رسول الله «١» .

[ذراع الشّاة المسمومة] ومن ذلك: حديث الذّراع المشهور في «الصّحيحين» ، عن جماعة من الصّحابة ﵃: أنّ يهوديّة «٢» أيّام فتح (خيبر) أهدت للنّبيّ ﷺ شاة مصليّة- أي: مشويّة- سمّتها، فأكل منها النّبيّ ﷺ، ثمّ قال للقوم: «ارفعوا أيديكم، فإنّها أخبرتني أنّها مسمومة» «٣» . وفي رواية جابر: «أخبرتني هذه الذّراع» ، وقال لليهوديّة: «ما حملك على ما صنعت؟» ، فقالت: إن كنت نبيّا لم تضرّك، وإن كنت ملكا أرحت النّاس منك، فعفا عنها. فمات بشر بن البراء من السّمّ، فقتلها به قصاصا «٤» . وفي رواية أنس: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ «٥» . وفي حديث أبي هريرة ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال في وجعه الّذي مات فيه: «ما زالت أكلة (خيبر) تعادني- أي: تعاودني-

فالآن قطعت أبهري- أي: عرق الظّهر المتعلّق بالقلب-» «١» . وفي حديث أبي سعيد ﵁، أنّه ﷺ قال: «كلوا باسم الله» ، فأكلنا «٢» . وعند ابن إسحاق: إن كان المؤمنون ليرون أنّ النّبيّ ﷺ مات شهيدا، مع ما أكرمه الله به من/ النّبوّة «٣» .

[الأسد يدلّ رسول النّبيّ ﷺ على الطّريق] ومن ذلك: حديث الأسد، مع سفينة مولى النّبيّ ﷺ، وكان أرسله النّبيّ ﷺ برسالة إلى معاذ بن جبل إلى (اليمن) ، فضلّ الطّريق، فاعترضه الأسد فقال له سفينة: يا أبا الحارث، أنا مولى رسول الله، ومعي كتابه، فهمهم وتنحّى عن طريقه، وجعل يغمزه بمنكبيه حتّى أدلّه الطّريق «٤» .

وأمّا النّوع السّادس: [إبراء المرضى وذوي العاهات] وهو شفاء العلل بريقه وكفّه المباركة ﷺ.

[ردّ عين بعد قلعها] فمن ذلك: ما رواه ابن إسحاق، أنّ قتادة بن النّعمان أصيبت عينه يوم (أحد) حتّى وقعت على وجنته، فردّها رسول الله ﷺ، فكانت أحسن عينيه. وفي ذلك يقول ابنه، [من الطّويل] «٥» : أنا ابن الّذي سالت على الخدّ عينه ... فردّت بكفّ المصطفى أحسن الرّدّ

ته، فردّها رسول الله ﷺ، فكانت أحسن عينيه. وفي ذلك يقول ابنه، [من الطّويل] «٥» : أنا ابن الّذي سالت على الخدّ عينه ... فردّت بكفّ المصطفى أحسن الرّدّ

[شفاء عيني عليّ] وفي «الصّحيحين» ، أنّه ﷺ تفل في عيني عليّ بن أبي طالب ﵁ يوم (خيبر) وكان رمدا، فبرأ حتّى كأن لم يكن به وجع «١» .

[ردّه يدا بعد ما قطعت] وروى ابن وهب: أنّ أبا جهل قطع يد معوّذ بن عفراء يوم (بدر) ، فجاء يحمل يده، فبصق عليها رسول الله ﷺ وألصقها، فلصقت «٢» . وأتته امرأة من خثعم بصبيّ لا يتكلّم، فتمضمض بماء وأعطاه إيّاها، فسقته إيّاه، فنطق وعقل عقلا يفضل عقول الرّجال «٣» . [حياء في الجارية من أثر لقمته ﷺ] وسألته جارية وهو يأكل طعاما- وكانت قليلة الحياء- أن يطعمها من الّذي في فيه، فناولها الّذي في فيه- ولم يكن يمنع شيئا يسأله- فلمّا استقرّ في جوفها، ألقى الله عليها الحياء، حتّى لم يكن ب (المدينة) أشدّ حياء منها «٤» .

وأمّا النّوع السّابع: وهو إجابة دعائه ﷺ لمن دعا له . فمنه: ما رواه حذيفة بن اليمان ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ إذا دعا لرجل، أدركت الدّعوة ولده وولد ولده «٥» . [دعاؤه ﷺ للمدينة] وفي «الصّحيحين» ، عن عائشة ﵂، أنّ النّبيّ ﷺ/ قدم (المدينة) وهي أوبأ أرض الله، فقال: «اللهمّ حبّب إلينا المدينة، كحبّنا مكّة، أو أشدّ، وصحّحها لنا، وانقل حمّاها إلى الجحفة» «٦» .

[دعاؤه ﷺ لأنس بن مالك] وروى البخاريّ في «صحيحه» ، عن أنس ﵁، قال: قالت أمّي: يا رسول الله، خادمك أنس ادع الله له، فقال: «اللهمّ أكثر ما له وولده، وبارك له فيما أعطيته» «١» . قال أنس: (فو الله إنّ مالي لكثير، وما أعلم أنّ أحدا أصاب من رخاء العيش ما أصبت، وإنّ ولدي وولد ولدي ليتعادّون اليوم على نحو المئة، ولقد دفنت إلى اليوم مئة من ولدي، لا أقول سقطا، ولا ولد ولد) «٢» .

حدا أصاب من رخاء العيش ما أصبت، وإنّ ولدي وولد ولدي ليتعادّون اليوم على نحو المئة، ولقد دفنت إلى اليوم مئة من ولدي، لا أقول سقطا، ولا ولد ولد) «٢» .

[البركة في مال عبد الرّحمن بن عوف] ودعا ﷺ لعبد الرّحمن بن عوف [﵁] بالبركة، فقال عبد الرّحمن: فلو رفعت حجرا لرجوت أن أصيب تحته ذهبا. ولا يخفى كثرة أمواله وصدقاته الجزيلة، حتّى إنّه أعتق في يوم واحد ثلاثين عبدا، وتصدّق مرّة بعير «٣» قدمت من (الشّام) تحمل كلّ شيء، وكان النّاس في مجاعة، فارتجّت (المدينة) لقدومها، فتصدّق بها وبما عليها، حتّى بأقتابها «٤» وأحلاسها «٥» ، وكانت سبع مئة جمل، عليها سبع مئة حمل، ولمّا مات أخذت كلّ زوجة ثمانين ألفا، وكنّ أربعا، بعد أن أوصى بخمسين ألفا «٦» .

[دعاؤه ﷺ بالسّقيا] وفي «الصّحيحين» ، عن أنس ﵁، أنّ أعرابيّا دخل المسجد يوم الجمعة، والنّبيّ ﷺ يخطب، فشكا إليه القحط، فدعا الله، فسقوا، ولم يروا الشّمس إلى الجمعة الآخرى، حتّى دخل عليه وهو يخطب، فشكا كثرة المطر، فدعا الله تعالى فانكشف السّحاب «١» .

[دعاؤه ﷺ لابن عبّاس ﵄] وفيهما-[أي: الصّحيحين] ، أنّه دعا ﷺ لابن عبّاس ﵄، حين حنّكه، وهو مولود: أن يفقّهه الله في الدّين، ويعلّمه التّأويل «٢» ، فكان يسمّى الحبر «٣» والبحر لسعة علمه.

[دعاؤه ﷺ لعليّ ﵁] ودعا [ﷺ] لعليّ بن أبي طالب ﵁، أن يكفيه الله الحرّ والقرّ. فكان في الشّتاء يلبس ثياب الصّيف، وفي الصّيف يلبس ثياب الشّتاء، ولا يصيبه حرّ ولا برد «٤» . [دعاؤه ﷺ لفاطمة ﵂] ودعا [ﷺ] لفاطمة الزّهراء ابنته ﵂، أن لا يجيعها الله، فما وجدت بعد ذلك للجوع ألما «٥» /.

[دعاؤه ﷺ للنّابغة] وأنشده النّابغة أبياتا، فقال له [ﷺ] : «لا يفضض الله فاك» فما سقطت له سنّ، وكان من أحسن النّاس ثغرا، وعاش مئة

وعشرين سنة، وقيل: كان إذا سقطت له سنّ نبتت في مكانها سنّ أخرى «١» . [دعاؤه ﷺ على كسرى] وأمّا دعاؤه ﷺ على الأعداء، فمنه: ما في «الصّحيحين» ، أنّه ﷺ دعا على كسرى حين مزّق كتابه: «أن يمزّق الله ملكه كلّ ممزّق» «٢» . فتمزّقوا حتّى لم يبق لهم باقية، ولا بقيت للفرس رئاسة في جميع أقطار الدّنيا. [دعاؤه ﷺ على عتبة بن أبي لهب] ودعا ﷺ على عتبة بن أبي لهب، أن يسلّط الله عليه كلبا من كلابه، فجاءه الأسد، وأخذه من وسط أصحابه «٣» .

[دعاؤه ﷺ على محلم بن جثّامة] [ودعا] ﷺ على رجل آخر فأصبح ميّتا، فدفنوه، فلفظته الأرض، فدفنوه مرارا، فلفظته الأرض، فتركوه «٤» . وهذا الباب أكثر من أن يحصر. [دعاؤه على بشر بن راعي العير] وقال لرجل آخر يأكل بشماله: «كل بيمينك» ، قال: لا أستطيع، قال: «لا استطعت» ما منعه إلّا الكبر، فما رفعها إلى فيه. رواه مسلم «٥» .

وأمّا النّوع الثّامن: [كراماته وبركاته فيما لمسه وباشره ﷺ] وهو صلاح ما كان فاسدا بلمسه ﷺ. [فرس أبي طلحة ﵁] فمنه: ما روى البخاريّ في «صحيحه» ، أنّ أهل (المدينة) فزعوا مرّة، فركب النّبيّ ﷺ فرسا لأبي طلحة، بطيء السّير، فلمّا

رجع، قال: وجدناه بحرا، فكان بعد ذلك لا يجاريه فرس «١» . [نشاط جمل جابر ﵁] وفي «الصّحيحين» ، أنّه ﷺ نخس جملا لجابر، قد أعيا، فنشط حتّى كان ما يملك زمامه «٢» . [بئر دار أنس ﵁] وكانت في دار أنس ﵁ بئر ملحة، [فبزق] ﷺ فيها، فلم يكن في (المدينة) أعذب منها «٣» . [بئر رائحته المسك] ومجّ في دلو من بئر، ثمّ أعاده إليها، فكانت أبدا يفوح منها رائحة المسك «٤» .

[غرس النّخيل لسلمان ﵁] وكاتب سلمان الفارسيّ مواليه على ثلاث مئة وديّة- أي: ولد من أولاد النّخل- يغرسها لهم كلّها حتّى تعلق وتثمر، وعلى أربعين أوقية من ذهب، كلّ أوقية أربعون درهما، فقام ﷺ وغرسها له بيده، فعلقت كلّها، وأثمرات لعامها. وأعطاه/ مثل بيضة الدّجاجة من ذهب بعد أن أدارها على لسانه، فوزن منها لمواليه أربعين أوقيّة، وبقي له مثل ما أعطاهم «٥» .

فائدة [: في وزن القطعة الّتي أعطاها النّبيّ ﷺ لسلمان] الأوقية: أربعون درهما، والدّرهم: قفلة، وقدر بيضة

ه أربعين أوقيّة، وبقي له مثل ما أعطاهم «٥» .

فائدة [: في وزن القطعة الّتي أعطاها النّبيّ ﷺ لسلمان] الأوقية: أربعون درهما، والدّرهم: قفلة، وقدر بيضة

الدّجاجة لا يكاد يبلغ ثمانين درهما، وقد وزن منها أربعين أوقيّة، وهي مثلها عن ثمانين أوقيّة، كلّ أوقيّة أربعون قفلة، فذلك عن مئتي قفلة وثلاثة آلاف قفلة «١» .

[سيف عكّاشة ﵁] وانكسر سيف عكّاشة بن محصن يوم (بدر) ، فأعطاه النّبيّ ﷺ عودا من حطب، فعاد في يده سيفا صارما، يشهد به المواقف، وكان هذا السّيف يسمّى: العون «٢» .

[ماء يتحوّل إلى لبن وزبدة] وبعث [ﷺ] سريّة من أصحابه، فلم يجدوا لهم زادا، فأعطاهم سقاء من ماء أوكاه بيده، فلمّا فتحوه وجدوه لبنا خالصا، وزبدة في فم السّقاء «٣» .

[غرّة عائذ بن عمرو ﵁] وسلت [ﷺ] الدّم عن وجه بعض أصحابه، فكانت له غرّة في وجهه كغرّة الفرس، فكان يدعى الأغرّ «٤» . [بريق وجه قتادة بن ملحان ﵁] ومسح [ﷺ] وجه آخر، فما زال على وجهه نور، حتّى كان ينظر في وجهه كما ينظر في المرآة الصّقيلة «٥» . [ساق عبد الله بن عتيك ﵁] ومسح ﷺ على ساق عبد الله بن عتيك لمّا انكسرت عند قتل أبي رافع فقام وما به قلبة «٦» .

[أمر الكدية] وأخذ [ﷺ] المعول فضرب به الكدية الّتي اعترضت لهم في حفر الخندق، وقال: «باسم الله» ، فانهالت «١» . ومسح ﷺ على غير واحد من المرضى والمجانين، فشفاهم الله تعالى. [يوم حنين] وأخذ يوم (بدر) ويوم (حنين) قبضة من تراب، ورمى بها في وجوه الكفّار، فما بقي منهم أحد إلّا ودخل في عينه منها القذى، وانهزموا «٢» .

[خالد وشعرة النّبيّ ﷺ] وكانت شعرات من شعره ﷺ في قلنسوة خالد بن الوليد ﵁، فلم يشهد بها قتالا إلّا رزق النّصر، فسقطت منه في بعض المعارك، فشدّ عليها شدّة وقع بسببها مقتلة عظيمة من الفريقين، فعوتب في ذلك، فقال/: خفت أن يفوتني النّصر، وأن تقع في أيدي الكفّار، وفيها جزء من أجزاء رسول الله ﷺ «٣» . ولا يخفى أنّ هذا النّوع أكثر من أن يحصر.

ن، فعوتب في ذلك، فقال/: خفت أن يفوتني النّصر، وأن تقع في أيدي الكفّار، وفيها جزء من أجزاء رسول الله ﷺ «٣» . ولا يخفى أنّ هذا النّوع أكثر من أن يحصر.

وأمّا النّوع التّاسع: [ما اطّلع عليه ﷺ من الغيوب وما سيكون] وهو ما أخبر به ﷺ من المغيّبات، ممّا كان، وممّا هو آت، فمن ذلك ما هو في كتاب الله تعالى، أو سنّته ﷺ. أمّا ما أخبر به من المغيّبات في كتاب الله تعالى، وهو من جملة وجوه الإعجاز.

[فمن] ذلك: إخباره بعجز الإنس والجنّ عن: يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [سورة الإسراء ١٧/ ٨٨] ، ثمّ إخبارهم بأنّهم لن يفعلوا، بقوله [تعالى] : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [سورة البقرة ٢/ ٢٤] . وإخباره: أنّه محفوظ من التّبديل والتّحريف، بقوله [تعالى] : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [سورة الحجر ١٥/ ٩] ، مع كثرة الملاحدة وأعداء الدّين، فلم يقدر أحد على تشكيك المسلمين بحمد الله تعالى في حرف واحد من حروفه، بخلاف التّوراة والإنجيل وغيرهما، لأنّ الله تعالى تولّى حفظ القرآن بنفسه، ووكل حفظ غيره من كتبه إلى أهلها، بقوله [تعالى] : بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ [سورة المائدة ٥/ ٤٤] ، بل: كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [سورة البقرة ٢/ ٧٥] . ومن ذلك: وقوع ما وعده الله فيه؛ من قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [سورة المائدة ٥/ ٦٧] . وقوله تعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ [سورة الأنفال ٨/ ٧] . وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [سورة التوبة ٩/ ٣٣] .

ورة الأنفال ٨/ ٧] . وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [سورة التوبة ٩/ ٣٣] . وقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً [سورة النّور ٢٤/ ٥٥] .

وقوله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ [سورة الفتح ٤٨/ ٢٧] . وقوله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [سورة القمر ٥٤/ ٤٥] . وقوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ/ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً [سورة النّصر ١١٠/ ١- ٢] . فوقع جميع ذلك، ونصر الله عبده، وصدق وعده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده. هذا مع ما كشف فيه من أسرار المنافقين وإضمار المعاندين؛ كقوله تعالى: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ [سورة آل عمران ٣/ ١٥٤] . وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ [سورة المجادلة ٥٨/ ٨] . وقوله تعالى: يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ [سورة التّوبة ٩/ ٩٤] . وأمّا ما أخبر به ﷺ من المغيّبات في سنّته: فمن ذلك: ما هو في «الصّحيحين» ، أو في أحدهما، أو في غيرهما، صحيحا وحسنا. [جمع الأرض له ﷺ] [فمنها] قوله ﷺ: «زويت لي الأرض- أي: جمعت في زاوية- فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمّتي ما زوي لي منها» «١» . [لا يدخل المدينة من أرادها بسوء] وإخباره ﷺ أنّ الطّاعون لا يدخل (المدينة) ، ولا يدخلها رعب

الدّجال، وأنّها لا يريدها أحد بسوء إلّا أذابه الله ذوب الملح في الماء «١» . [ظهور الأمن والفتوح] وإخباره ﷺ بفتح (بيت المقدس والشّام والعراق) ، وظهور الأمن، حتّى تظعن المرأة من (الحيرة «٢» إلى مكّة) لا تخاف إلّا الله «٣» .

[ذهاب دولة الفرس والرّوم] وإخباره ﷺ بذهاب فارس حتّى لا فارس بعده، وذهاب قيصر حتّى لا قيصر بعده، وإنّ الرّوم ذات قرون إلى آخر الدّهر «٤» .

[فتح الله على الأمّة] وإخباره ﷺ بما يفتحه الله على أمّته من الدّنيا وزهرتها، وقسمتهم كنوز كسرى وقيصر، حتّى يروح أحدهم في حلّة ويغدو في حلّة أخرى، ويوضع بين يديه قصعة وترفع أخرى «٥» .

ا يفتحه الله على أمّته من الدّنيا وزهرتها، وقسمتهم كنوز كسرى وقيصر، حتّى يروح أحدهم في حلّة ويغدو في حلّة أخرى، ويوضع بين يديه قصعة وترفع أخرى «٥» .

[اختلاف الأمّة من بعده وافتراقهم] وإخباره ﷺ بما يحدث بينهم من الاختلاف والفتن، وافتراقهم على ثلاث وسبعين فرقة، وسلوك سبيل من قبلهم من أهل الكتاب «٦» .

[استحلال الزّنا والرّبا وشرب الخمر] وإخباره ﷺ أنّ أمّته إذا فشا فيهم الزّنا والرّبا وشرب الخمر ردّ الله بأسهم بينهم/، وسلّط عليهم أعداءهم «٧» .

[الفتن في آخر الزّمان] وإخباره ﷺ بظهور الفتن في آخر الزّمان، وكثرة الهرج- وهو القتل- وقبض العلم، وظهور الجهل، وموت الأمثال فالأمثل، وأنّه لا يأتي زمان إلّا والّذي بعده شرّ منه، وأنّه سيكون في أمّته دجّالون، كلّهم يكذبون على الله ورسوله، آخرهم المسيح الدّجّال. وإخباره ﷺ بأنّه لا تزال طائفة من أمّته ظاهرين على الحقّ، قاهرين لعدوّهم، حتّى يأتي أمر الله «١» . وبخروج المهديّ، ونزول عيسى ابن مريم ﵇. إلى ما لا يحصى ولا يستقصى. حتّى قال حذيفة بن اليمان ﵁: قام فينا رسول الله ﷺ مقاما فما ترك شيئا يكون إلى قيام السّاعة إلّا حدّثه، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، وإنّه يكون منه الشّيء قد نسيته فأراه فأذكره كما يذكر الرّجل وجه الرّجل إذا غاب عنه، ثمّ إذا رآه عرفه. متّفق عليه «٢» . وفي حديث آخر عنه، قال: والله، ما ترك رسول الله ﷺ من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدّنيا، إلّا قد سمّاه لنا باسمه واسم أبيه وقبيلته «٣» . وقال أبو ذرّ ﵁: لقد تركنا رسول الله ﷺ وما

يحرّك طائر جناحيه في السّماء إلّا ذكّرنا منه علما. قال الله تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [سورة فصّلت ٤١/ ٥٣] .

Bagian 3 dari 10