حدائق الأنوار ومطالع الأسرار في سيرة النبي المختار

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya بحرق اليمني (w. 930 H).

Bagian 4 dari 10 540 halaman

— Bagian 4 · كّرنا منه علما. قال الله تعالى: سَنُرِيهِمْ آيات… —

Bagian 4

كّرنا منه علما. قال الله تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [سورة فصّلت ٤١/ ٥٣] .

[نزول عيسى ابن مريم ﵊] وفي «الصّحيحين» ، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «والّذي نفسي بيده، ليوشكنّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصّليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية- أي: فلا يقبل من أهلها إلّا الإسلام-، ويفيض المال حتّى لا يقبله أحد، وحتّى تكون السّجدة الواحدة خيرا من الدّنيا وما فيها» «١» . ثمّ يقول أبو هريرة: إقرؤوا إن شئتم: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً [سورة النّساء ٤/ ١٥٩] . وفي «مسند/ الإمام أحمد» ، عن عائشة ﵂، عن النّبيّ ﷺ قال: «يخرج الدّجّال، فينزل عيسى فيقتله، ثمّ يمكث عيسى أربعين سنة إماما عادلا وحكما مقسطا» «٢» . وورد من طرق كثيرة أنّ المهديّ يخرج قبل الدّجّال بسبع سنين، ويخرج الدّجّال على رأس مئة سنة- أي: رأس قرن- لكنّ التّحقيق: أنّ قرون هذه الأمّة ابتداؤها من مولد نبيّها كألف نوح، وبين مولده وهجرته ثلاث وخمسون سنة، فيكون تمام الألف لسبع وأربعين سنة بعد تسع مئة من هجرته ﷺ، وعند ذلك يتوقّع

خروج الدّجّال إن كان. والله أعلم «١» .

وأمّا النّوع العاشر منه: [في إعجاز القرآن العظيم] وهو المعجزة العظمى، والآية الكبرى، معجزة القرآن العظيم، المستمرّة إلى آخر الدّهر، المشتملة على وجوه من الإعجاز. فمنها: البلاغة الّتي أعجز بها الجنّ والإنس، قال الله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [سورة الإسراء ١٧/ ٨٨] . قال القاضي عياض- رحمه الله تعالى-: (ووجه إعجازه بحسن نظمه، وفصاحة كلمه الخارقة عادة العرب العرباء، وهم القوم اللّدّ الفصحاء، لأنّهم كانوا أرباب هذا الشّأن، وفرسان هذا الميدان، جعل الله البلاغة لهم طبعا وخلقة، وركّبها فيهم جبلّة وقوّة، يأتون من ذلك على البديهة بالعجب، ويرتجلون في المحافل القصائد والخطب، ويرتجزون به في الحرب، بين الطّعن والضّرب، فيرفعون من مدحوه، ويضعون من قدحوه، ويجعلون النّاقص كاملا، والنّبيه خاملا، ويتغزّلون فيأتون بالسّحر الحلال، ويتمثّلون بما يزري على عقد اللآل «٢» ، ويخدعون الألباب إن سألوا، ويذلّلون الصّعاب إن شفعوا، لهم في فنون البلاغة الحجّة البالغة، والقوّة الدّامغة، لا يشكّون أنّ الكلام طوع مرادهم/، وأنّ البلاغة ملك قيادهم، قد حووا فنونها، واستنبطوا عيونها، ودخلوا فيها من كلّ باب، وتمسّكوا فيها بأوثق الأسباب، فما راعهم إلّا رسول كريم، قد جاءهم بكتاب حكيم: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ

نها، ودخلوا فيها من كلّ باب، وتمسّكوا فيها بأوثق الأسباب، فما راعهم إلّا رسول كريم، قد جاءهم بكتاب حكيم: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ

وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [سورة فصّلت ٤١/ ٤٢] ، قد أحكمت آياته، وفصّلت كلماته، وبهرت بلاغته العقول، وظهرت فصاحته على كلّ مقول، صارخا بهم في كلّ حين، ومقرّعا لهم على مرّ السّنين، قائلا لهم: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [سورة البقرة ٢/ ٢٣] . ولم يزل يقرّعهم به أشدّ التّقريع، ويوبّخهم به غاية التّوبيخ، ويسفّه أحلامهم، ويحطّ أعلامهم، وهم في كلّ ذلك ناكصون عن معارضته، معترفون بالعجز عن مماثلته، حتّى أعرضوا عن المعارضة بالحروف، إلى المقارعة بالسّيوف، وقالوا على سبيل المباهتة «١» والرّضى بالدّنيّة: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [سورة فصّلت ٤١/ ٥] ، و: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [سورة فصّلت ٤١/ ٢٦] . ولمّا سمع الوليد بن المغيرة قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [سورة النّحل ١٦/ ٩٠] ، قال: والله، إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة «٢» ، وإنّ أسفله لمغدق «٣» ، وإنّ أعلاه لمورق، وما يقول هذا بشر) «٤» .

فاعترف بعجز البشر عن معارضته، وقصورهم عن مماثلته، وأصرّ مع ذلك على العناد، وأضلّه الله سبيل الرّشاد، وكان يقول لقريش إذا قالوا للنّبيّ ﷺ إنّه كاهن، أو شاعر، أو ساحر: والله، ما أنتم بعاقلين من هذا شيئا. إلّا وأنا أعلم أنّه لباطل، ولقد سمعت قولا والله ما سمعت مثله، ولا يقوله بشر.

ّبيّ ﷺ إنّه كاهن، أو شاعر، أو ساحر: والله، ما أنتم بعاقلين من هذا شيئا. إلّا وأنا أعلم أنّه لباطل، ولقد سمعت قولا والله ما سمعت مثله، ولا يقوله بشر.

[إخبار القرآن عن القرون السّالفة] ومن وجوه إعجازه ما أنبأ به من أخبار القرون السّالفة، والأمم الخالية، ممّا كان لا يعلم منه/ القصّة الواحدة إلّا الفذّ من أحبار أهل الكتاب، وقد علموا أنّه ﷺ أمّيّ، لا يقرأ ولا يكتب، حتّى كان علماء أهل الكتاب يسألونه عن كثير ممّا يختلفون فيه، فيورده لهم على وجهه، ويأتي به على نصّه، فيعترف العالم منهم بذلك له بصدقه. قال الله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [سورة النّمل ٢٧/ ٧٦] .

[إعجاز النّظم والأسلوب] ويقطع الموافق والمخالف أنّه لم ينل ذلك بتعليم، وإنّما هو بإعلام العزيز العليم، حتّى لم يقدر أحد من أحبار اليهود مع شدة عداوتهم له على تكذيبه فيما سألوه عنه من قصّة يوسف وإخوته، وذي القرنين، وموسى والخضر، ولقمان وابنه، وأصحاب الكهف، مع أنّ أقرب قصّة كانت بينه وبين عيسى ﵇؛ قصّة أصحاب الكهف، وكان أهل الكتاب فيها، كما قال الله تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ، فقال الله تعالى: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ، وقال: وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً [سورة الكهف ١٨/ ٢٢] .

فاعترفوا له بالصّدق، وأقرّوا له بالحقّ، فإذا كان هذا شأنهم في أقرب القصص إلى عصرهم، فما ظنّك بقصّة آدم وإبليس، وابني آدم، وإدريس، ونوح وأصحاب السّفينة، وعاد وثمود، وإبراهيم وإسماعيل، وإسحاق ويعقوب. وغيرهم ممّن لا يعلمهم إلّا الله؟ وكانوا إذا نازعوه في شيء ممّا أخبرهم به- كحكم الرّجم، وما حرّم إسرائيل على نفسه- احتجّ عليهم بأنّهم يجدونه مكتوبا عندهم في التّوراة والإنجيل، وقال: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [سورة آل عمران ٣/ ٩٣- ٩٤] ، فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [سورة البقرة ٢/ ٨٩] . وما أحسن قول صاحب البردة- رحمه الله تعالى-[من البسيط] «١» : دعني ووصفي آيات له ظهرت ... ظهور نار القرى ليلا على علم «٢» فالدّرّ يزداد حسنا وهو منتظم ... وليس ينقص قدرا غير منتظم «٣» فما تطاول آمال المديح إلى ... ما فيه من كرم الأخلاق والشّيم «٤»

آيات حقّ من الرّحمن محدثة ... قديمة صفة الموصوف بالقدم «١» لم تقترن بزمان وهي تخبرنا ... عن المعاد وعن عاد وعن إرم «٢» دامت لدينا ففاقت كلّ معجزة ... من النّبيّين إذ جاءت ولم تدم «٣» محكّمات فما تبقين من شبه ... لذي شقاق وما تبغين من حكم «٤» ما حوربت قطّ إلّا عاد من حرب ... أعدى الأعادي إليها ملقي السّلم ردّت بلاغتها دعوى معارضها ... ردّ الغيور يد الجاني عن الحرم «٥» لها معان كموج البحر في مدد ... وفوق جوهره في الحسن والقيم

فما تعدّ ولا تحصى عجائبها ... ولا تسام على الإكثار بالسّأم «١» قرّت بها عين قاريها فقلت له ... لقد ظفرت بحبل الله فاعتصم إن تتلها خيفة من حرّ نار لظى ... أطفأت حرّ لظى من وردها الشّبم «٢» كأنّها الحوض تبيضّ الوجوه به ... من العصاة وقد جاؤوه كالحمم وكالصّراط وكالميزان معدلة ... فالقسط من غيرها في النّاس لم يقم لا تعجبن لحسود راح ينكرها ... تجاهلا وهو عين الحاذق الفهم «٣» قد تنكر العين ضوء الشّمس من رمد ... وينكر الفم طعم الماء من سقم «٤»

ا في النّاس لم يقم لا تعجبن لحسود راح ينكرها ... تجاهلا وهو عين الحاذق الفهم «٣» قد تنكر العين ضوء الشّمس من رمد ... وينكر الفم طعم الماء من سقم «٤»

الباب السّابع في بعض سيرته ﷺ، مما لاقاه من حين بعثه الله إلى أن هاجر إلى الله تعالى

[الفترة بين عيسى ومحمّد عليهما الصّلاة والسّلام] روى البخاريّ في «صحيحه» ، عن سلمان الفارسيّ ﵁، قال: فترة بين عيسى ومحمّد ﵉ ستّ مئة سنة «١» .

[زمن الرّسالة] قال علماء السّير: وكانت رسالته ﷺ على رأس الأربعين من مولده.

[قصّة بدء الوحي] ففي «صحيح البخاريّ ومسلم» ، عن محمّد بن شهاب الزّهريّ، عن عروة بن الزّبير/، عن عائشة ﵂، قالت: أوّل ما بدىء به رسول الله ﷺ من الوحي: الرّؤيا الصّالحة في النّوم، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصّبح، ثمّ حبّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار (حراء) ، فيتحنّث فيه- (أي: بحاء مهملة ثمّ نون ثمّ مثلّثة، قال الزّهريّ: وهو التّعبّد) - اللّيالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزوّد لذلك، ثمّ يرجع إلى خديجة ﵂ فيتزوّد لمثلها، حتّى جاءه الحقّ وهو في غار (حراء) ، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: «ما أنا بقارىء» . قال: «فأخذني فغطّني- أي: حبس نفسي- حتّى بلغ منّي الجهد- أي: المشقّة- ثمّ أرسلني» ، فقال: اقرأ، قلت: «ما أنا

الملك فقال: اقرأ، قال: «ما أنا بقارىء» . قال: «فأخذني فغطّني- أي: حبس نفسي- حتّى بلغ منّي الجهد- أي: المشقّة- ثمّ أرسلني» ، فقال: اقرأ، قلت: «ما أنا

بقارىء، فأخذني وغطّني الثّانية حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني» ، فقال: اقرأ، فقلت: «ما أنا بقارىء، فأخذني فغطّني الثّالثة حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني» ، فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ [سورة العلق ٩٦/ ١- ٣] ، فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده «١» ، فدخل على خديجة، فقال: «زمّلوني زمّلوني» - أي: غطّوني- فزمّلوه حتّى ذهب منه الرّوع- أي: الفزع- فقال لخديجة وأخبرها الخبر- أي: خديجة-: «لقد خشيت على نفسي» «٢» ، فقالت خديجة: كلّا والله ما يخزيك الله أبدا- أي: لا يهينك بل يكرمك-، إنّك لتصل الرّحم، وتحمل الكلّ- أي: المنقطع-، وتكسب المعدوم- أي: تعطي الشّيء مع قلّته وفقده-، وتقري الضّيف- أي: تطعمه الطّعام-، وتعين على نوائب الحقّ- أي: الحوادث المحمودة- «٣» .

[تحقّق خديجة ﵂ من الوحي] فانطلقت به خديجة حتّى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى، ابن عمّ خديجة، وكان امرأ- أي: رجلا- قد تنصّر في الجاهليّة، وكان يكتب الكتاب [العربي] ، فيكتب من الإنجيل

[بالعربيّة] ما شاء الله أن يكتب، وكان/ شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره النّبيّ ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا هو النّاموس الأكبر الّذي نزّل الله تعالى على موسى «١» ، يا ليتني فيها جذعا «٢» ، ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ: «أو مخرجيّ هم؟» قال: نعم، لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إلّا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزّرا- أي: معانا-. ثمّ لم ينشب ورقة- أي: لم يلبث- أن توفّي، وفتر الوحي «٣» . (حتّى حزن النّبيّ ﷺ [فيما بلغنا] حزنا شديدا، غدا منه يتردّى من رؤوس الجبال، فكلّما أراد أن يلقي نفسه تبدّى له جبريل، وقال: يا محمّد، إنّك رسول الله حقّا) «٤» .

[فترة الوحي وما نزل من القرآن بعد ذلك] قال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرّحمن بن عوف، أنّ جابر بن عبد الله- ﵄ أخبره أنّه سمع النّبيّ ﷺ يحدّث عن فترة الوحي، قال: «ثمّ فتر الوحي عنّي فترة، فبينما أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السّماء، فرفعت بصري قبل السّماء- أي: في جهتها- فإذا الملك الّذي جاءني ب (حراء) قاعد على كرسيّ بين السّماء والأرض، فرعبت منه- أي: فزعت- حتّى هويت إلى الأرض- أي: سقطت- فجئت أهلي، فقلت: دثّروني دثّروني، - أي: غطّوني- فدثّروني، فأنزل الله ﷿: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ- أي: النّجس- فَاهْجُرْ- أي: فاترك- «١» [سورة المدّثّر ٧٤/ ١- ٥] » .

[شكوى النّبيّ ﷺ ونزول الضّحى] وفي رواية: أنّه لمّا فتر الوحي عنه، قالت قريش: قلاه ربّه.

فأنزل الله تعالى: وَالضُّحى. وَاللَّيْلِ إِذا سَجى. ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى إلى آخر السّورة «١» .

لمّا فتر الوحي عنه، قالت قريش: قلاه ربّه.

فأنزل الله تعالى: وَالضُّحى. وَاللَّيْلِ إِذا سَجى. ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى إلى آخر السّورة «١» .

[حجب الشّياطين عن استراق السّمع عند مبعثه ﷺ] وفي «الصّحيحين» ، عن ابن عبّاس ﵄، قال انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشّياطين وبين خبر السّماء، وأرسلت عليهم الشّهب/، فرجعت الشّياطين، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السّماء، وأرسلت علينا الشّهب، فقالوا: ما حال بينكم وبين خبر السّماء إلّا أمر حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانطلق الّذين توجّهوا منهم نحو (تهامة) ، فإذا رسول الله ﷺ ب (نخلة) «٢» ، يصلّي بأصحابه صلاة الفجر، فلمّا سمعوا القرآن عجبوا له، وقالوا: هذا الّذي حال بينكم وبين خبر السّماء، ورجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا، إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً [سورة الجنّ ٧٢/ ١- ٢] فأنزل الله تعالى على نبيّه: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [سورة الجنّ ٧٢/ ١] «٣» .

[دعوة النّبيّ ﷺ قومه إلى الإسلام سرّا] ولمّا بعث ﷺ أخفى أمره، وجعل يدعو أهل (مكّة) ، ومن أتى إليها سرّا، فامن به ناس من ضعفاء الرّجال والنّساء والموالي، وهم أتباع الرّسل؛ كما في حديث أبي سفيان عن هرقل، فلقوا من المشركين في ذات الله تعالى أنواع الأذى، فما ارتدّ أحد منهم عن دينه، ولا التوى، ولذلك أشار ﷺ بقوله: «إنّ هذا الدّين

بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء» «١» . نعوذ بالله من الفتن والمحن، ما ظهر منها وما بطن.

[الجهر بالدّعوة] وفي السّنة الرّابعة من مبعثه ﷺ: نزل قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [سورة الحجر ١٥/ ٩٤- ٩٥] . فامتثل ﷺ أمر ربّه، وأظهر الدّعوة إلى الله تعالى، فدخل النّاس في الإسلام أرسالا، حتّى فشا ذكر الإسلام ب (مكّة) ، ولكن كان المسلمون إذا أرادوا الصّلاة ذهبوا إلى الشّعاب، واستخفوا من قومهم بصلاتهم.

ى، فدخل النّاس في الإسلام أرسالا، حتّى فشا ذكر الإسلام ب (مكّة) ، ولكن كان المسلمون إذا أرادوا الصّلاة ذهبوا إلى الشّعاب، واستخفوا من قومهم بصلاتهم.

[موقف المشركين من النّبيّ ﷺ إثر جهره بالدّعوة] ولمّا أظهر ﷺ دعوة الخلق إلى الحقّ لم يتفاحش إنكار قومه عليه، حتّى ذكر آلهتهم وسبّها، وضلّل آباءهم، وسفّه أحلامهم، فحينئذ اشتدّ ذلك عليهم، وأجمعوا له الشّرّ، فحدب «٢» عليه عمّه أبو طالب، وعرّض نفسه للشّرّ دونه، مع/ بقائه على دينه. فلمّا رأت ذلك قريش، اجتمع أشرافهم ومشوا إلى أبي طالب، وقالوا له: إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفّه أحلامنا، وضلّل آباءنا، فإمّا أن تكفّه عنّا، وإمّا أن تخلّي بيننا وبينه، فإنّك على مثل ما نحن عليه من خلافه.

[أبو طالب بين نصرته للرّسول ﷺ وتخلّيه عنه] فعظم على أبي طالب فراق قومه، ولم تطب نفسه بخذلان ابن أخيه، فكلّم النّبيّ ﷺ، فظنّ النّبيّ ﷺ أنّ عمّه قد بدا له تركه، والعجز عن نصرته، فقال: «يا عمّ! والله لو وضعوا الشّمس في

يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، حتّى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته» ثمّ استعبر ﷺ باكيا «١» ، فقال له: يا ابن أخي، قل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبدا «٢» . وفي ذلك يقول أبو طالب، [من الكامل] «٣» : والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتّى أوسّد في التّراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر وقرّ بذاك منك عيونا «٤» ودعوتني وعرفت أنّك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثمّ أمينا وعرضت دينا قد علمت بأنّه ... من خير أديان البريّة دينا لولا الملامة أو حذار مسبّة ... لو جدتني سمحا بذاك مبينا

[اشتداد قريش على الرّسول ﷺ وأصحابه] فعند ذلك نابذتة قريش وتزامروا للحرب، ووثبت كلّ قبيلة على من أسلم منهم يعذّبونهم. [حشد أبي طالب مؤيديه من بني هاشم] وأخذ أبو طالب يحشد بطون بني عبد مناف، وهم أربعة: بنو هاشم، وبنو المطّلب، وبنو عبد شمس، وبنو نوفل، فأجابه: بنو هاشم، وبنو المطّلب، وخذله: بنو عبد شمس، وبنو نوفل، وانسلخ أيضا من بني هاشم: أبو لهب.

[قصيدة أبي طالب اللّاميّة] وفي بني عبد شمس وبني نوفل وحميّته على النّبيّ ﷺ، ومدحه له، يقول أبو طالب في قصيدته الطّويلة، [من الطّويل] / «١» : جزى الله عنّا عبد شمس ونوفلا ... عقوبة شرّ عاجلا غير آجل كذبتم وبيت الله نبزى محمّدا ... ولمّا نطاعن دونه ونناضل «٢» ونسلمه حتّى نصرّع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل «٣» وينهض قوم في الحديد إليكم ... نهوض الرّوايا تحت ذات الصّلاصل «٤» بكفّي فتى مثل الشّهاب سميدع ... أخي ثقة حامي [الحقيقة] باسل «٥»

وما ترك قوم، لا أبا لك سيّدا ... يحوط الذّمار غير ذرب مواكل «١» وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل «٢» يلوذ به الهلّاف من آل هاشم ... فهم عنده في نعمة وفواضل «٣» لعمري لقد كلّفت وجدا بأحمد ... وإخوته دأب المحبّ المواصل «٤» حدبت بنفسي دونه وحميته ... ودافعت عنه بالذّرا والكلاكل «٥» فمن مثله في النّاس أيّ مؤمّل ... إذا قاسه الحكّام عند التّفاضل؟! حليم رشيد عادل غير طائش ... يوالي إلها ليس عنه بغافل فو الله لولا أن أجيء بسبّة ... تجرّ على أشياخنا في المحافل

... إذا قاسه الحكّام عند التّفاضل؟! حليم رشيد عادل غير طائش ... يوالي إلها ليس عنه بغافل فو الله لولا أن أجيء بسبّة ... تجرّ على أشياخنا في المحافل

لكنّا اتّبعناه على كلّ حالة ... من الدّهر جدّا غير قول التّهازل لقد علموا أنّ ابننا لا مكذّب ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل فأصبح فينا أحمد في أرومة ... تقاصر عنها سورة المتطاول «١»

فائدة [: في تشريف بني المطّلب بتسميتهم أهل البيت] قال العلماء: ولأجل نصرة بني المطّلب لبني هاشم وموالاتهم لهم، شاركوهم في التّشريف بتسميتهم أهل البيت، وفضل الكفاءة على سائر قريش، واستحقاق سهم ذوي القربى، وتحريم الزّكاة دون البطنين الآخرين، إذ لم يفترقوا في جاهليّة ولا إسلام. وروى البخاريّ في «صحيحه» ، عن سعيد بن المسيّب، عن جبير بن مطعم بن عديّ بن الحارث بن نوفل بن عبد مناف، قال: مشيت أنا وعثمان بن عفّان- أي: ابن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف- إلى رسول الله ﷺ، فقلنا: يا رسول الله أعطيت/ بني المطّلب- أي: ابن عبد مناف- وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ فقال: «إنّما بنو المطّلب وبنو هاشم شيء واحد» . وفي رواية: أعطيت بني المطّلب من خمس خيبر. وفي أخرى: ولم يقسم النّبيّ ﷺ لبني عبد شمس ولا لبني نوفل شيئا. قال البخاريّ: وقال ابن إسحاق: عبد شمس وهاشم

والمطّلب إخوة لأب وأمّ، وأمّهم: عاتكة بنت مرّة، وكان نوفل أخاهم لأبيهم. انتهى «١» .

ولا لبني نوفل شيئا. قال البخاريّ: وقال ابن إسحاق: عبد شمس وهاشم

والمطّلب إخوة لأب وأمّ، وأمّهم: عاتكة بنت مرّة، وكان نوفل أخاهم لأبيهم. انتهى «١» .

[دعوة النّبيّ ﷺ النّاس بالحكمة والموعظة الحسنة] قال العلماء: وجعل النّبيّ ﷺ يدعو إلى سبيل ربّه مرّة بالتّرغيب، ومرّة بالتّرهيب، ومرّة بالقول اللّيّن، ومرّة بالخشن، كما أمره ربّه بقوله تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [سورة النّحل ١٦/ ١٢٥] . [تعذيب المسلمين] وامتنع جماعة ممّن أسلم بعشائرهم من أذى المشركين، وبقي قوم مستضعفون في أيدي المشركين، يعذّبونهم بأنواع العذاب؛ كعمّار بن ياسر، وأبيه، وأمّه، وأخته، وبلال بن حمامة، وخبّاب بن الأرتّ، وغيرهم ﵃. [تعذيب آل ياسر ﵃] فكانوا يأخذون عمّارا وأباه وأمّه وأخته فيقلّبونهم ظهرا لبطن، فيمرّبهم رسول الله ﷺ فيقول: «صبرا آل ياسر، فإنّ موعدكم الجنّة» «٢» .

[أوّل شهيد في الإسلام] وماتت سميّة أمّ عمّار بذلك. فكانت أوّل قتيل في الإسلام في ذات الله «٣» . ثمّ مات ياسر وابنته بعدها أيضا. [تعذيب بلال ﵁] وأمّا بلال فكان أميّة بن خلف يخرج به فيضع الصّخور على صدره، ويتركها كذلك حتّى يكاد يموت، فيرفعها، وبلال يقول: أحد، أحد. فمّر به أبو بكر ﵁، فقال لأميّة: ألا تتّقي الله في هذا العبد؟ فقال: أنت الّذي أفسدته عليّ، فقال: بعنيه، فباعه منه، فأعتقه» .

[عتقاء أبي بكر ﵁] وكان عمر ﵁، يقول: أبو بكر سيّدنا، وأعتق سيّدنا بلالا «١» . واشترى أيضا عامر بن فهيرة في ستّ رقاب أخر على مثل ذلك «٢» . قال المفسّرون: وفي حقّه ﵁/ نزلت: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى. الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى. وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى. إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى. وَلَسَوْفَ يَرْضى [سورة اللّيل ٩٢/ ١٧- ٢١] «٣» .

فائدة [: في أنّ الأتقى هو الأفضل عند الله] ولا يخفى دلالة الآية الكريمة أنّ الأتقى هو الأفضل عند الله، لقوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [سورة الحجرات ٤٩/ ١٣] .

[شكوى المسلمين إلى رسول الله ﷺ من التّعذيب] وأمّا خبّاب بن الأرتّ: ففي «صحيح البخاريّ» عنه، قال: . تيت النّبيّ ﷺ وهو متوسّد بردة، وهو في ظلّ الكعبة، ولقد لقينا من المشركين شدّة، فقلت: يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمرّ وجهه، فقال: «لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد، ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه، فيشقّ باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمّنّ الله هذا الأمر حتّى يسير الرّاكب من (صنعاء) إلى (حضر موت) ، ما يخاف إلّا الله أو الذّئب على غنمه» «٤» .

فيشقّ باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمّنّ الله هذا الأمر حتّى يسير الرّاكب من (صنعاء) إلى (حضر موت) ، ما يخاف إلّا الله أو الذّئب على غنمه» «٤» .

فائدة [: في فضل من ثبت على إيمانه] قال العلماء: وهذا الحديث من أحسن الأحاديث النّبويّة الدّالّة على التّأسّي مع قوله ﷾: الم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ [سورة العنكبوت ٢٩/ ١- ٣] وقوله ﷿: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [سورة البقرة ٢/ ٢١٤] وقوله تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [سورة آل عمران ٣/ ١٨٦] . فأعلمهم الله ﷾ أنّ مبنى الدّين على الصّبر، وأنّ من تجرّد لإظهار دين الله استقبلته المحن في نفسه وماله وعرضه وأهله. وإنّما أعلم المؤمنين بذلك أوّلا لتتوطّن نفوسهم عليه، وأعلمهم أنّ هذه سنّة الّذين خلوا من قبلهم/، ثمّ كانت لهم العاقبة، تعبوا قليلا ثمّ استراحوا طويلا، وبذلوا حقيرا فنالوا خطيرا: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [سورة البقرة ٢/ ١٥٧] . ومع شدّة حرصهم على أذاه، فقد كانت عين الله ترعاه. وفي «الصّحيحين» ، أنّ أبا جهل، قال: لئن رأيت محمّدا يصلّي لأطأنّ [على] عنقه، فبلغ النّبيّ ﷺ، فقال: «لو فعل لأخذته الملائكة عضوا عضوا» «١» .

ه ترعاه. وفي «الصّحيحين» ، أنّ أبا جهل، قال: لئن رأيت محمّدا يصلّي لأطأنّ [على] عنقه، فبلغ النّبيّ ﷺ، فقال: «لو فعل لأخذته الملائكة عضوا عضوا» «١» .

زاد مسلم والنّسائيّ: أنّه لمّا همّ بذلك رأى بينه وبينه خندقا من نار، وهولا وأجنحة، فنكص على عقبيه، وهو يتّقي بيديه، وأخبرهم بما رأى، فأنزل الله تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى. عَبْداً إِذا صَلَّى إلى قوله: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى، ثمّ توعّده بقوله تعالى: كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ إلى قوله: سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ، ثمّ أمر رسوله بالسّجود غير مكترث به، فقال: كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [سورة العلق ٩٦/ ٩- ١٩] «١» . [الهجرة الأولى إلى الحبشة] وفي السّنة الخامسة من مبعثه ﷺ: رأى شدّة ما بأصحابه من البلاء، وما نالهم في دين الله من الأذى، فأمرهم بالمهاجرة إلى (الحبشة) ، وقال لهم: «إنّ بها معاشا وسعة، وملكا عادلا لا يسلم جاره» «٢» . فهاجر إليها عثمان بن عفّان، ومعه امرأته رقيّة بنت رسول الله ﷺ، والزّبير بن العوّام، وعبد الرّحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، وجماعة من الصّحابة ﵃ «٣» .

جر إليها عثمان بن عفّان، ومعه امرأته رقيّة بنت رسول الله ﷺ، والزّبير بن العوّام، وعبد الرّحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، وجماعة من الصّحابة ﵃ «٣» .

[الهجرة الثّانية إلى الحبشة] ثمّ تبعهم جعفر بن أبي طالب في جماعة ﵃، حتّى بلغوا اثنين وثمانين رجلا، سوى النّساء والصّبيان، فلمّا وصلوا إلى (الحبشة) أكرمهم النّجاشيّ، وأحسن جوارهم، وسمع القرآن من جعفر ﵁، فامن به وصدّق، وأمر قومه بذلك فأبوا، فكتم إيمانه عنهم. [وفد قريش إلى الحبشة لاسترداد المهاجرين إليها] فلمّا شاعت بذلك الأخبار، وجّهت قريش إلى النّجاشيّ عمرو بن العاص في جماعة، ووجّهوا معهم بهدايا للنّجاشيّ ولخواصّه، فقدموا على النّجاشيّ وقدّموا ما عندهم من الهدايا، وكلّموه في شأنهم، ليمكّنهم/ منهم، فغضب، وردّ هداياهم عليهم، فانقلبوا خائبين. [عودة بعض مهاجري الحبشة] ثمّ إنّ مهاجرة (الحبشة) بلغهم أنّ أهل (مكّة) أسلموا، فاستخفّ ذلك الخبر جماعة منهم، نحو ثلاثين رجلا، فأقبلوا راجعين، حتّى إذا كانوا بقرب (مكّة) بان لهم فساد الخبر، فلم يدخل أحد منهم (مكّة) إلّا مستخفيا أو بجوار، وأقام بقيّة المهاجرين ب (الحبشة) إلى سنة [سبع] من الهجرة، فمدّة إقامتهم نحو عشر سنين «١» .

[قدوم جعفر ﵁ من الحبشة] فكتب النّبيّ ﷺ إلى النّجاشيّ ليجهّزهم إليه، فجهّزهم، فقدموا يوم فتح (خيبر) ، فأسهم لهم، وقال ﷺ: «لا أدري بأيّهما أسرّ بفتح خيبر، أم بقدوم جعفر» «١» .

فائدة [: في حكم الهجرة] قال العلماء: وهذه الهجرة أوّل هجرة في الإسلام، وبعدها الهجرة الكبرى إلى (المدينة) ، وقد حازها أيضا مهاجرو (الحبشة) كجعفر وعثمان والزّبير وعبد الرّحمن، فسمّوا أهل الهجرتين. وحكم الهجرة باق إلى يوم القيامة إذا وجد معناها؛ وهو الفرار بالدّين عند خوف الافتتان فيه، أو عند العجز عن الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، أو عن ردّ البدع المنكرة. أمّا عند خوف الافتتان: فمن بقي في دار الحرب عاجزا عن إظهار دين الإسلام عصى معصية عظيمة، بل اختلف في صحّة

إسلامه، لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ- لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً الآيات، [سورة النّساء ٤/ ٩٧] . وكذلك يعصي من أقام ببلد البدع والمنكر، الّذي لا يقدر على تغييره فيها، أو بأرض غلب عليها الحرام، فإنّ طلب الحلال فرض على كلّ مسلم.

[إسلام حمزة وعمر بن الخطّاب ﵄] وفي السّنة السّادسة: أسلم سيّدنا حمزة بن عبد المطّلب، عمّ رسول الله ﷺ، ثمّ أسلم بعده سيّدنا عمر بن الخطّاب ﵄. فعزّ بإسلامهما الإسلام والمسلمون. وفي «صحيح البخاريّ» ، عن/ عبد الله بن عمر ﵄، قال: لمّا أسلم عمر اجتمع النّاس عند داره، وقالوا: صبأ عمر، وأنا غلام فوق ظهر البيت، فجاء العاص بن وائل، وقال: أنا له جار. فتفرّقوا «١» . [المقاطعة وحصر قريش لبني هاشم] وفي أوّل ليلة من المحرّم من السّنة السّابعة: اجتمعت قريش بخيف بني كنانة؛ وهو: (المحصّب) «٢» ، فتقاسموا «٣» على الكفر، كما في «صحيحي البخاريّ ومسلم» وذلك أنّهم تعاهدوا

لمحرّم من السّنة السّابعة: اجتمعت قريش بخيف بني كنانة؛ وهو: (المحصّب) «٢» ، فتقاسموا «٣» على الكفر، كما في «صحيحي البخاريّ ومسلم» وذلك أنّهم تعاهدوا

على قطيعة بني هاشم وبني المطّلب، ومقاطعتهم في البيع والشّراء والنّكاح وغير ذلك، حتّى يهلكوا عن آخرهم، أو يسلموا إليهم محمّدا ﷺ، وكتبوا بذلك صحيفة وعلّقوها في سقف (الكعبة) تأكيدا لأمرها.

[مدّة الحصار وشدّته] فانحاز البطنان «١» إلى أبي طالب في الشّعب، وبقوا هنالك محصورين مدّة ثلاث سنين، وتضوّروا بذلك جوعا وعطشا وعريا، ولحقتهم مشقّة عظيمة بسبب النّبيّ ﷺ. وفي ذلك يقول أبو طالب، [من الطّويل] «٢» : ألا أبلغا عنّي على ذات بيننا ... لؤيّا وخصّا من لؤيّ بني كعب ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّدا ... نبيّا كموسى خطّ في أوّل الكتب وأنّ الّذي التفّقتم من كتابكم ... لكم كائن نحسا كراغية السّقب «٣» أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الثّرى ... ويصبح من لم يجن ذنبا كذي الذّنب ولا تتبعوا أمر الوشاة وتقطعوا ... أو اصرنا بعد المودّة والقرب «٤»

فلسنا وربّ البيت نسلم أحمدا ... لعزّاء من عضّ الزّمان ولا كرب «١» ولمّا تبن منّا ومنكم سوالف ... وأيد أترّت بالقساسية الشّهب «٢» أليس أبونا هاشم شدّ أزره ... وأوصى بنيه بالطّعان وبالضّرب ولسنا نملّ الحرب حتّى تملّنا ... ولا نشتكي ما قد ينوب من النّكب ولكنّنا أهل الحفائظ والنّهى ... إذا طار أرواح الكماة من الرّعب «٣»

[نقض الصّحيفة] فلمّا أراد الله تعالى حلّ ما عقدوه، وإبطال ما أكّدوه، اجتمع في أواخر السّنة التّاسعة ستّة من سادات قريش ليلا بأعلى (مكّة) /، فتعاقدوا على نقض الصّحيفة، منهم: المطعم بن عديّ النّوفليّ، وزمعة بن الأسود بن أسد الأسديّ، فلمّا أصبحوا قال قائلهم: أنأكل الطّعام، ونلبس الثّياب وبنو هاشم هلكى، والله لا أقعد حتّى تشقّ هذه الصّحيفة الظّالمة، فقال أبو جهل: كذبت والله [لا تشقّ] ، فقال [زمعة] : أنت والله الكاذب، ووثبوا، فقال أبو جهل: هذا أمر قد برم بليل، ثمّ قاموا إلى الصّحيفة ليشقّوها، فأخبرهم النّبيّ ﷺ أنّ الأرضة «٤» قد أكلت جميعها، إلّا ما فيه اسم الله،

، ووثبوا، فقال أبو جهل: هذا أمر قد برم بليل، ثمّ قاموا إلى الصّحيفة ليشقّوها، فأخبرهم النّبيّ ﷺ أنّ الأرضة «٤» قد أكلت جميعها، إلّا ما فيه اسم الله،

فوجدوه كما ذكر النّبيّ ﷺ. وخرج النّبيّ ﷺ وبنو هاشم وبنو المطّلب من الشّعب؛ في أواخر السّنة التّاسعة. [انشقاق القمر] وفي «١» موسم السّنة التّاسعة سألت قريش النّبيّ ﷺ آية وهو ب (منى) ، فأراهم انشقاق القمر شقّتين. رواه البخاريّ ومسلم «٢» . وفي رواية: حتّى رأوا حراء بينهما «٣» .

فائدة [: في أنّ معجزة انشقاق القمر لا تعدلها معجزة] قال العلماء: وانشقاق القمر معجزة عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من معجزات الأنبياء ﵈، إذ لا يطمع أحد بحيلة إلى التّصرّف في العالم العلويّ، فصار البرهان بها أظهر، ولهذا نصّ عليها القرآن بقوله تعالى: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [سورة القمر ٥٤/ ١] . [وفاة أبي طالب] وفي السّنة العاشرة: مات أبو طالب، فاشتدّ حزن النّبيّ ﷺ.

[حرص النّبيّ ﷺ على إسلام عمّه] وفي «صحيح البخاريّ» ، أنّ أبا طالب لمّا حضرته الوفاة، دخل عليه النّبيّ ﷺ، فوجد عنده أبا جهل، فقال: «أي عمّ، قل لا إله إلّا الله، كلمة أحاجّ لك بها عند الله» ، فقال أبو جهل [وعبد الله بن أبي أميّة] : أترغب عن ملّة عبد المطّلب؟ [فلم يزالا يكلّمانه] ، حتّى قال آخر شيء [كلّمهم] به هو: على ملّة

عبد المطّلب. فقال النّبيّ ﷺ: «لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنه» ، فنزلت: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ «١» [سورة التّوبة ٩/ ١١٣]- أي: فلم يزل يستغفر له حتّى نزلت-/. [تخفيف العذاب عن أبي طالب] وفي «صحيح البخاريّ» أيضا، أنّ العبّاس قال للنّبيّ ﷺ: ما أغنيت عن عمّك؟ فإنّه كان يحوطك ويغضب لك، فقال: «هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدّرك الأسفل من النّار» «٢» . أي: لأنّ كفره كفر إيثار للباطل على الحقّ، مع علمه بذلك وتيقّنه بذلك، وما شاء الله تعالى كان، وما لم يشأ لم يكن. [وفاة خديجة ﵂] ثمّ ماتت خديجة ﵂، بعد موت أبي طالب بثلاثة أيّام. فتضاعف حزنه ﷺ، ولكن كان الله له خلفا عن كلّ فائت.

[اشتداد إيذاء قريش للنّبيّ ﷺ بعد وفاة أبي طالب] ولمّا مات أبو طالب نالت قريش من النّبيّ ﷺ من الأذى بعد وفاته ما لم تنله به في حياته. وفي «صحيح البخاريّ» ، عن عروة بن الزّبير، قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن أشدّ شيء صنعه المشركون بالنّبيّ ﷺ؟ فقال: بينما النّبيّ ﷺ يصلّي في (الحجر) ،

البخاريّ» ، عن عروة بن الزّبير، قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن أشدّ شيء صنعه المشركون بالنّبيّ ﷺ؟ فقال: بينما النّبيّ ﷺ يصلّي في (الحجر) ،

إذ أقبل عقبة بن أبي معيط- أي: مصغّرا بمهملتين- فوضع ثوبه في عنقه، فخنقه به خنقا شديدا، فأقبل أبوبكر- ﵁ فأخذ بمنكبيه، ودفعه عن النّبيّ ﷺ، وقال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ الآية، [سورة غافر ٤٠/ ٢٨] «١» . وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» عن ابن مسعود ﵁، قال: بينما النّبيّ ﷺ يصلّي عند (الكعبة) ، وقريش في مجالسهم في المسجد، إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي، أيّكم يقوم إلى جزور بني فلان، فيجيء بسلاها فيضعه بين كتفيه إذا سجد؟ فانبعث أشقاهم- وفي رواية: أنّه عقبة بن أبي معيط أيضا- ففعل ذلك، فضحكوا حتّى مال بعضهم على بعض من الضّحك، وثبت النّبيّ ﷺ ساجدا، فانطلق منطلق إلى فاطمة ﵂ وهي يومئذ جويرية- فأقبلت تسعى حتّى ألقته عنه، / ثمّ أقبلت عليهم تسبّهم، فلمّا قضى رسول الله ﷺ الصّلاة، قال: «اللهمّ عليك بقريش» ثلاثا، ثمّ سمّى رجالا «٢» . قال عبد الله: فو الله لقد رأيتهم صرعى يوم (بدر) ، ثمّ سحبوا إلى (القليب) - قليب بدر- «٣» . [تحقيق حول مولد فاطمة وأخواتها] قلت: وهذا يدلّ على أنّ مولد فاطمة ﵂ متقدّم

على ليلة الإسراء بمدّة عشر سنين وأكثر، وسبق أنّ أختها رقيّة ﵂ من مهاجرة (الحبشة) ، فلعلّ زينب وأمّ كلثوم كذلك، أو منعهنّ الحياء من الخروج. والله أعلم.

ى ليلة الإسراء بمدّة عشر سنين وأكثر، وسبق أنّ أختها رقيّة ﵂ من مهاجرة (الحبشة) ، فلعلّ زينب وأمّ كلثوم كذلك، أو منعهنّ الحياء من الخروج. والله أعلم.

[إسلام أبي ذرّ الغفاريّ ﵁ وقومه] وفي «الصّحيحين» أيضا، أنّ أبا ذرّ الغفاريّ ﵁، قال لأخيه أنيس: اركب إلى هذا الرّجل الّذي يزعم أنّه نبيّ، يأتيه الخبر من السّماء، واسمع من قوله، ثمّ ائتني، فانطلق الأخ حتّى قدم (مكّة) ، وسمع من قول النّبيّ ﷺ، ثمّ رجع، فقال لأبي ذرّ: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلاما ما هو بالشّعر، فقال: ما شفيتني ممّا أردت، فتزوّد وحمل شنّة «١» له، فيها ماء حتّى قدم (مكّة) ، فأتى المسجد، فالتمس النّبيّ ﷺ وهو لا يعرفه، وكره أن يسأل عنه، فلمّا أدركه اللّيل اضطجع في المسجد، فرآه عليّ فعرف أنّه غريب فأضافه، فتبعه ولم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتّى أصبح، ثمّ احتمل زاده وقربته إلى المسجد، وظلّ ذلك اليوم ولم يره النّبيّ ﷺ حتّى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمرّ عليه عليّ فقال: أما آن للرّجل أن يعرف منزله؟ فأقامه فذهب به معه، لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتّى إذا كان يوم الثّالث [فعل] عليّ مثل ذلك، فأقامه عليّ معه، ثمّ قال له: ألا تحدّثني ما الّذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدنّني فعلت، ففعل، فأخبره. قال عليّ: فإنّه حقّ، وإنّه رسول الله، فإذا أصبحت فاتّبعني، فإنّي إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأنّي/ أريق الماء، وإن مضيت فاتّبعني حتّى تدخل مدخلي ففعل، فانطلق يقفوه حتّى دخل على النّبيّ ﷺ فدخل معه، وسمع من

ي، فإنّي إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأنّي/ أريق الماء، وإن مضيت فاتّبعني حتّى تدخل مدخلي ففعل، فانطلق يقفوه حتّى دخل على النّبيّ ﷺ فدخل معه، وسمع من

قوله، وأسلم مكانه، فقال له النّبيّ ﷺ: «ارجع إلى قومك فأخبرهم حتّى يأتيك أمري» . وفي رواية مسلم: فقال النّبيّ ﷺ: «إنّي قد وجّهت لي أرض ذات نخل لا أراها إلّا يثرب» . فقال: والّذي بعثك بالحقّ، لأصرخنّ بها بين أظهرهم، فخرج حتّى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّدا رسول الله، فقام القوم فضربوه حتّى أضجعوه، فأتى العبّاس فأكبّ عليه، ثمّ قال: ويحكم: ألستم تعلمون أنّه من غفار، وأنّ طريق تجاركم عليهم، فأنقذه منهم، ثمّ عاد لمثلها من الغد، فبادروا إليه فضربوه، فأكبّ عليه العبّاس فأنقذه منهم. هذا لفظ البخاريّ «١» . زاد مسلم في روايته عنه: قال: فأتيت أخي أنيسا فقال: ما صنعت؟ قلت: إنّي قد أسلمت وصدّقت، فقال: ما بي رغبة عن دينك، فإنّي أيضا أسلمت وصدّقت. قال: فأتينا أمّنا، فقالت: ما بي رغبة عن دينكما، فإنّي قد أسلمت وصدّقت، فأتينا قومنا غفارا، فأسلم نصفهم، وقال نصفهم: إذا قدم رسول الله ﷺ (المدينة) قدمنا إليه فأسلمنا، فلمّا قدم رسول الله ﷺ (المدينة) أسلم نصفهم الباقي، وجاءت أسلم، فقالوا: يا رسول الله، إنّا أسلمنا على ما أسلم عليه إخواننا، فقال رسول الله ﷺ: «غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله» «٢» .

[خروج النّبيّ ﷺ إلى الطّائف] وفي هذه السّنة وهي العاشرة: خرج رسول الله ﷺ إلى (الطّائف) ، إلى ثقيف، وأقام فيهم شهرا يدعوهم إلى الله، وسألهم أن يمنعوه، فردّوا عليه قوله، واستهزؤوا به، فسألهم أن يكتموا عنه لئلّا تشمت به/ قريش، فلم يفعلوا. فلمّا انصرف عنهم أغروا به سفهاءهم يصيحون خلفه ويسبّونه، حتّى اجتمعوا عليه، وألجؤوه إلى حائط «١» ، فاشتدّ كربه لذلك ﷺ ودعا حينئذ بدعاء الكرب: «لا إله إلّا الله العظيم الحليم، لا إله إلّا الله ربّ العرش العظيم، لا إله إلّا الله ربّ السّماوات وربّ الأرض، ربّ العرش الكريم» ، ثمّ قال: «اللهمّ إنّي أشكو إليك ضعف قوّتي، وقلّة حيلتي، وهواني على النّاس يا أرحم الرّاحمين، أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربّي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهّمني «٢» ، أم إلى عدوّ ملّكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولكنّ عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الّذي أشرقت له الظّلمات، وصلح عليه أمر الدّنيا والآخرة [من] أن تنزل بي غضبك، أو يحلّ عليّ سخطك، لك العتبى «٣» حتّى ترضى، ولا حول ولا قوّة إلّا بك» . فنزل عليه جبريل ﵇، وقال: إنّ الله قد سمع قولك وسمع قولهم، وما ردّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال، لتأمره فيهم بما شئت، فقال: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم

﵇، وقال: إنّ الله قد سمع قولك وسمع قولهم، وما ردّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال، لتأمره فيهم بما شئت، فقال: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم

من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا» «١» . وروى البخاريّ ومسلم في «صحيحيهما» ، عن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول ﷺ هل أتى عليك يوم أشدّ عليك من يوم (أحد) ؟ قال: «لقد لقيت من قومك [ما لقيت] «٢» ، وكان أشدّ ما لقيت منهم [يوم العقبة] ، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل- أي: بتحتيّة مكرّرة- ابن عبد كلال- أي: بالضّم- فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت، وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلّا وأنا ب (قرن الثّعالب) «٣» ، فرفعت رأسي، وإذا سحابة قد أظلّتني، فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇، فناداني وقال: إنّ الله قد سمع قول قومك لك، وما ردّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال، لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلّم عليّ، ثمّ قال: / يا محمّد، إنّ الله قد سمع قول قومك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربّك إليك لتأمرني بأمرك بما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟» أي: جبلي

مكّة «١» فقال ﷺ: «فقلت: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئا» «٢» . قلت: وابن عبد كلال هذا هو وإخوته رؤساء أهل (الطّائف) .

فائدة [: في أنّ الاستهزاء والسّبّ أشدّ من الطّعن والضّرب] قال العلماء: جعل ﷺ ما ناله من الاستهزاء وشماتة الأعداء أشدّ ممّا لاقاه يوم (أحد) ؛ من قتل حمزة في سبعين من أصحابه، مع ما ناله في نفسه من الجراحة، وما ذاك إلّا أنّ نفس الكريم تتأذّى بالأذى وبالقول والسّبّ أشدّ ممّا تتأذّى به من الطّعن والضّرب. ولهذا عفا ﷺ عن كلّ من تعرّض لقتله، وأهدر دم كلّ من تعرّض لشتمه. ومع ذلك فقد كان ﷺ صابرا على ما ناله من الأذى في نفسه أو عرضه أو أهله، لعلمه بأنّ الامتحان عنوان الإيمان الّذي يتبيّن به جواهر الرّجال، كما قيل: عند الامتحان يكرم المرء أو يهان. وأنّ أشدّ النّاس بلاء الأنبياء ثمّ الأمثال فالأمثل، زيادة في حسناتهم ورفع درجاتهم. [قال تعالى] : هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ [سورة آل عمران ٣/ ١٦٣] .

أمثال فالأمثل، زيادة في حسناتهم ورفع درجاتهم. [قال تعالى] : هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ [سورة آل عمران ٣/ ١٦٣] .

[دخول النّبيّ ﷺ مكّة في جوار المطعم بن عديّ] ولمّا بلغ ﷺ في مرجعه من (الطّائف) (حراء) ، بعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره فاعتذر، وقال: (إنّما أنا حليف والحليف لا يجير) ، فبعث إلى سهيل بن عمرو فاعتذر، وقال:

(إنّ بني عامر- أي: ابن لؤيّ- لا تجير على بني كعب بن لؤيّ بن غالب) ، فبعث إلى المطعم بن عديّ النّوفليّ، فلبس سلاحه، هو وأهل بيته، وخرجوا إلى المسجد، وبعثوا إلى النّبيّ ﷺ أن ادخل، فدخل ﷺ في جوارهم، فطاف ب (الكعبة) وانصرف. فلمّا كان يوم (بدر) قال النّبيّ ﷺ: «لو كان المطعم بن عديّ حيّا وكلّمني في/ هؤلاء [النّتنى]- يعني: الأسرى- لتركتهم له» «١» وكانوا سبعين أسيرا.

[عرض النّبيّ ﷺ نفسه على القبائل] وفي «٢» السّنة الحادية عشرة، في الموسم منها: اجتهد النّبيّ ﷺ في عرض نفسه على القبائل في مجامعهم بالموسم ب (منى، وعرفات) أيّهم يمنعه ويؤويه. واجتمعت قريش إلى الوليد بن المغيرة ليأمرهم بما يرمون به النّبيّ ﷺ في الموسم، لتكون كلمتهم واحدة، وعرضوا عليه أن يقولوا ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون، فقال: (والله ما هو بشاعر ولا ساحر ولا كاهن ولا مجنون، ولقد سمعت قولا ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجنّ) ، قالوا: فكيف نقول فيه؟ ففكّر في نفسه، ثمّ قال: (إنّ أقرب القول فيه أن تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر يفرّق بين المرء وزوجه، وبين المرء وأخيه، فتفرّقوا على ذلك، وجعلوا يلقونه إلى من قدم إليهم من أهل الموسم.

وكان أبو لهب يقفو أثر النّبيّ ﷺ، فكلّما أتى قوما ودعاهم إلى الله كذّبه عمّه وحذّرهم منه. وفي الوليد بن المغيرة أنزل الله تعالى: كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً. سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً. إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ. فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ نَظَرَ. ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ. ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ. فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ. سَأُصْلِيهِ سَقَرَ [سورة المدّثر ٧٤/ ١٦- ٢٦] «١» . [ابتداء أمر الأنصار] ولمّا أراد الله تعالى كرامة الأنصار، وإعزاز دينه بهم، لقي النّبيّ ﷺ في ذلك الموسم ستّة نفر منهم، فعرض عليهم ما عرض على غيرهم، فقالوا فيما بينهم: والله إنّه للنّبيّ الّذي تواعدنا به اليهود، فلا يسبقونا إليه «٢» . وكان اليهود يقولون لهم: قد أظلّ «٣» زمان نبيّ سوف نتّبعه، ونقتلكم معه، قال الله تعالى: وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ- أي: يستنصرون- عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [سورة البقرة ٢/ ٨٩] . وكانوا قد وضعت عليهم تكاليف شاقّة، وحرّمت/ عليهم طيّبات أحلّت لهم من قبل، فوعدوا بوضع التّكاليف وحلّ الطّيّبات على لسان محمّد ﷺ، وهو معنى قوله ﷾: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي

التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ- أي: حملهم الثّقيل- وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ [سورة الأعراف ٧/ ١٥٧] ؛ [وقوله تعالى] : رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا [سورة البقرة ٢/ ٢٨٦] .

[سورة الأعراف ٧/ ١٥٧] ؛ [وقوله تعالى] : رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا [سورة البقرة ٢/ ٢٨٦] .

[إسلام النّفر الّذين لقيهم النّبيّ ﷺ في الموسم] فلمّا عرض نفسه «١» على السّتّة النّفر من الأنصار «٢» ، أتوه ليلا فامنوا به وصدّقوه، وقالوا: إنّ قومنا بينهم العداوة والبغضاء، فإن جمعنا الله بك فلا رجل أعزّ علينا منك. فلمّا قدموا (المدينة) أخبروا قومهم، وفشا فيهم الإسلام، فلم تبق دار من دور الأنصار إلّا وفيها ذكر رسول الله ﷺ. وكان ذلك عقيب يوم (بعاث) «٣» - بموحّدة مضمومة، ثمّ مهملة ومثلّثة- وهو يوم وقعت فيه مقتلة عظيمة بين الأوس والخزرج في شوّال في هذه السّنة. وفي «صحيح البخاريّ» ، كان يوم (بعاث) يوما قدّمه الله لرسوله، فقدم رسول الله وقد افترق ملؤهم، وقتلت سرواتهم، وجرّحوا، فدخلوا في الإسلام «٤» .

[زواج النّبيّ ﷺ من عائشة ﵂] وفي شوّال من السّنة الثّانية عشرة «١» : عقد نكاح عائشة ﵂. وفي «صحيح البخاريّ» توفّيت خديجة قبل الهجرة بثلاث سنين، ونكح عائشة بعد موت خديجة بسنتين أو قريبا من ذلك، وهي بنت ستّ سنين، وبنى بها وهي بنت تسع- أي: بعد سنة ونصف من الهجرة، في شوّال أيضا «٢» -. وفي «الصّحيحين» ، أنّه ﷺ قال لعائشة: «أريتك في المنام مرّتين، رأيت الملك يحملك في سرقة من حرير، فقال: هذه زوجتك، فأكشف، فإذا هي أنت، فقلت: إن يكن هذا من عند الله يمضه» «٣» . [بيعة العقبة الأولى] وفي الموسم من السّنة الثّانية عشرة: وافاه اثنا عشر/ رجلا من الأنصار، فبايعوه عند (العقبة) بيعة النّساء «٤» : عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً، إلى آخر الآية، [سورة الممتحنة ٦٠/ ١٢] . ورجعوا. [بعث مصعب ﵁ إلى المدينة وانتشار الإسلام فيها] وبعث معهم النّبيّ ﷺ مصعب بن عمير ﵁، يقرئهم

القرآن، فأسلم على يديه السّعدان: سعد بن معاذ سيّد الأوس، وسعد بن عبادة سيّد الخزرج، فأسلم لإسلامهما كثير من قومهما.

لنّبيّ ﷺ مصعب بن عمير ﵁، يقرئهم

القرآن، فأسلم على يديه السّعدان: سعد بن معاذ سيّد الأوس، وسعد بن عبادة سيّد الخزرج، فأسلم لإسلامهما كثير من قومهما.

[بيعة العقبة الثّانية] وفي الموسم من السّنة الثّالثة عشرة: خرج حجّاج الأنصار من المسلمين مع حجّاج قومهم من المشركين، فلمّا قدموا (مكّة) ، واعدوا رسول الله ﷺ في (العقبة) من أوسط ليالي التّشريق؛ فلمّا كان ليلة الميعاد باتوا مع قومهم، فلمّا مضى ثلث اللّيل خرجوا مستخفين، فلمّا اجتمعوا بالشّعب عند (العقبة) ، جاءهم رسول الله ﷺ ومعه عمّه العبّاس، وهو يومئذ باق على دينه، لكن أراد أن يتوثّق لابن أخيه، فتكلّم رسول الله ﷺ وقال: «أبايعكم على أن تمنعوني ممّا تمنعون منه أنفسكم ونساءكم وأبناءكم؟» ، قالوا: نعم، فقال لهم: «أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا كفلاء على قومهم» ، فأخرجوهم. وهم تسعة من الخزرج: أسعد بن زرارة- بضمّ الزّاي-، والبراء بن معرور- بمهملات-، ورافع بن مالك بن عجلان، وسعد بن الرّبيع، وسعد بن عبادة، وعبادة بن الصّامت، وعبد الله بن رواحة، وعبد الله بن عمرو بن حرام- والد جابر- والمنذر بن عمرو. وثلاثة من الأوس، وهم: أسيد بن حضير- مصغّرين، وبحاء مهملة وضاد معجمة- ورفاعة بن عبد المنذر، وسعد بن خيثمة- بمعجمة مفتوحة وتحتيّة ثمّ مثلّثة- ﵃ أجمعين. فقال لهم رسول الله ﷺ: «إن أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريّين «١» لعيسى ابن مريم، وأنا الكفيل على قومي؟» ،

قالوا: نعم، فبايعوه، ووعدهم على الوفاء: الجنّة. وجملتهم: ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان/. وروي أنّ جبريل ﵇ كان إلى جنب النّبيّ ﷺ عند مبايعتهم، وهو يشير إليهم واحدا بعد واحد «١» . [تحذير إبليس قريشا من البيعة] ولمّا تمّت البيعة صاح إبليس- لعنه الله- صيحة منكرة، مشبّها صوته بصوت منبّه بن الحجّاج السّهميّ: يا أهل (منى) : هذا محمّد وأهل (يثرب) قد اجتمعوا لحربكم، فقال له رسول الله ﷺ: «أي عدوّ الله، أما والله لأفرغنّ لك» «٢» ، ثمّ تفرّقوا. [استجلاء قريش الحقيقة] فلمّا أصبحوا غدت عليهم رؤساء قريش، وقالوا: يا معشر الخزرج، بلغنا أنّكم جئتم إلى صاحبنا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنّه والله ما حيّ من العرب أبغض علينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم، فحلف مشركوا الأنصار ما كان من هذا شيء ولا علمناه، وصدقوا، فإنّهم لم يعلموا.

[تأكّد قريش من صحّة الخبر، وملاحقتها للمبايعين] فلمّا تفرّق النّاس من (منى) فتّشت قريش عن الخبر فوجدوه قد كان، فخرجوا في طلب القوم ففاتوهم، إلّا أنّهم أدركوا سعد بن عبادة، فرجعوا به أسيرا يضربونه، فاستنقذه منهم مطعم بن عديّ والحارث بن حرب بن أميّة؛ لصنائع كانت لسعد في رقابهما، وخوّفوا قريشا من تعرّض الأنصار لهم على طريق (الشّام) .

[إذن النّبيّ ﷺ لأصحابه بالهجرة إلى المدينة] ثمّ إنّ النّبيّ ﷺ قال لأصحابه: «إنّ الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها» «٣» .

وأمرهم بالهجرة إلى (المدينة) ، فهاجروا إليها، فلقوا عند الأنصار خير دار وخير جوار، آثروهم على أنفسهم، وقاسموهم في أموالهم. وبذلك أثنى الله عليهم في محكم كتابه العزيز بقوله تعالى: يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [سورة الحشر ٥٩/ ٩] ، ﵃.

إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [سورة الحشر ٥٩/ ٩] ، ﵃.

[ثناء النّبيّ ﷺ على الأنصار] وفي «الصّحيحين» ، أنّه ﷺ قال: «لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك النّاس واديا وسلكت الأنصار شعبا، لسلكت وادي الأنصار وشعبهم» «١» . وفيهما-[أي: الصّحيحين]- أنّه ﷺ/ قال قبيل موته: «أوصيكم بالأنصار خيرا، فإنّهم كرشي وعيبتي، قد قضوا الّذي عليهم، وبقي الّذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» «٢» .

[انتظار النّبيّ ﷺ الإذن بالهجرة] وأقام ﷺ ب (مكّة) ينتظر الإذن في الهجرة، ولم يتخلّف منهم إلّا من حبسه المشركون، وإلّا أبو بكر وعليّ ﵄؛ فإنّهما حبسا أنفسهما على صحبة رسول الله ﷺ. وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» ، أنّه ﷺ قال: «رأيت في المنام أنّي أهاجر من مكّة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنّها

اليمامة [أو هجر] ، فإذا هي المدينة يثرب» «١» . قلت: هكذا سمّاها (يثرب) ، ثمّ سمّاها (طيبة) ، ونهى عن تسميتها (يثرب) «٢» . [المهاجرون الأوائل] [وفي «صحيح البخاريّ» ] ، عن البراء بن عازب ﵄، قال: أوّل من قدم علينا مصعب بن عمير، وابن أمّ مكتوم، وكانوا يقرئان النّاس، ثمّ قدم سعد- أي: ابن أبي وقّاص- وبلال، وعمّار بن ياسر، ثمّ قدم عمر بن الخطّاب في عشرين من أصحاب النّبيّ ﷺ، ثمّ قدم النّبيّ ﷺ «٣» .

[خوف قريش من خروج النّبيّ ﷺ واجتماعهم بدار النّدوة] فلمّا رأت قريش ما لقي أصحاب رسول الله من طيب الدّار، وحسن الجوار، خافوا خروج النّبيّ ﷺ، فاجتمعوا في أوّل المحرّم من السّنة الرّابعة عشرة في (دار النّدوة) «٤» ، وتشاوروا في أمره، وتصوّر لهم إبليس-[لعنه الله]- في صورة شيخ نجديّ، مشاركا لهم في الرّأي.

أوّل المحرّم من السّنة الرّابعة عشرة في (دار النّدوة) «٤» ، وتشاوروا في أمره، وتصوّر لهم إبليس-[لعنه الله]- في صورة شيخ نجديّ، مشاركا لهم في الرّأي.

فقال قائل منهم: أرى أن تربطوه في الحديد، وتغلقوا دونه الأبواب حتّى يموت، وقال آخر: أرى أن تخرجوه من بين أظهركم، فتستريحوا منه، وإن قتله غيركم كفاكم شرّه، وإن ظفر بالعرب فعزّه عن عزّكم، فقال أبو جهل: الرّأي عندي أن تخرجوا له من كلّ قبيلة رجلا، فيقتلوه دفعة واحدة، فيتفرّق دمه في القبائل، فيعجز قومه عن طلب الثّأر به. فقال الشّيخ النّجديّ: هذا والله هو الرّأي. فتفرّقوا على ذلك. [الإذن بالهجرة] فأخبر/ جبريل النّبيّ ﷺ بما قصدوا له، وأمره بالهجرة ليلة كذا، وهي اللّيلة الّتي علم الله سبحانه أنّهم يمكرون به فيها. وفي ذلك يقول الله ﷾: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ- أي: يحبسوك- أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ- أي: يحاربهم الله- وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [سورة الأنفال ٨/ ٣٠] «١» . [الإسرار إلى أبي بكر ﵁ بالهجرة] وكان أبو بكر ﵁ قد تجهّز للهجرة إلى (المدينة) ، فقال له رسول الله ﷺ: «على رسلك- أي: أمهل- فإنّي أرجو أن يؤذن لي فيها» . فعلف أبو بكر راحلتين كانتا عنده ورق التّمر «٢» .

قالت عائشة ﵂: فبينما نحن جلوس في نحر الظّهيرة- حين تبلغ الشّمس منتهاها من الارتفاع، كأنّها وصلت إلى النّحر، وهو أعلى الصّدر- إذ أقبل رسول الله ﷺ فقال أبو بكر: فداه أبي وأمّي، ما جاءنا في هذه السّاعة الّتي لم يكن يأتينا فيها إلّا لأمر قد حدث، فلمّا دخل ﷺ قال له: «أخرج من عندك» ، قال: فإنّما هم أهلك. قال: «فإنّي قد أذن لي في الخروج» وواعده وقت السّحر، وأمره بالتّجهيز. قالت عائشة: فجهّزناهما أحثّ الجهاز- بالمثلّثة، أي: أسرعه- واستأجرا رجلا دليلا ماهرا «١» ، قد دفعا إليه راحلتيهما، وواعداه (غار ثور) بعد ثلاث ليال.

[خروج النّبيّ ﷺ وأبي بكر إلى الغار] ثمّ لحقا ب (الغار) ، فمكثا فيه ثلاثا يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو يومئذ غلام فطن، ويدّلج «٢» من عندهما بسحر، فيصبح ب (مكّة) مع قريش كبائت فيها، فلا يسمع أمرا يكادان به إلّا وعاه، وأتاهما بذلك حين يختلط الظّلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منائح من غنم «٣» ، فيريحها عليهما عشيا «٤» ،

وينعق بها من عندهم «١» .

[تطويق المشركين دار النّبيّ ﷺ] وكان المشركون قبل خروج النّبيّ ﷺ من داره قد قعدوا له على بابه تلك اللّيلة، فقال النّبيّ ﷺ لعليّ ﵁: «نم على فراشي، وتسجّ ببردي الحضرميّ الأخضر فنم فيه، فإنّه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم» «٢» /. وخرج عليهم رسول الله ﷺ وبيده حفنة من التّراب، وهو يتلو فيها صدر سورة (يس) إلى قوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [سورة يس ٣٦/ ٩] . فأعمى الله أبصارهم عنه، وجعل ينثر على رؤوسهم التّراب، فأتاهم آت، فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمّدا، قال: خيّبكم الله!! والله لقد خرج عليكم محمّد وما ترك رجلا منكم إلّا وقد وضع على رأسه ترابا، فتفقّدوا رؤوسهم فوجدوا التّراب عليها كما قال. ثمّ نظروا إلى الفراش فوجدوا عليّا مسجّى بالبرد، فبقوا متحيّرين، وفتر حرصهم على النّبيّ ﷺ.

رأسه ترابا، فتفقّدوا رؤوسهم فوجدوا التّراب عليها كما قال. ثمّ نظروا إلى الفراش فوجدوا عليّا مسجّى بالبرد، فبقوا متحيّرين، وفتر حرصهم على النّبيّ ﷺ.

[جائزة قريش لمن يردّ النّبيّ ﷺ وصاحبه] فلمّا علموا بخروجهم وقعوا في الأسف، فطلبوهم بأشدّ وجوه الطّلب، وأخذوا على الطّرقات بالرّصد، وجعلوا دية كلّ واحد منهما لمن أسره أو قتله «٣» . [وصول المشركين إلى باب الغار] ومرّوا على (غارهما) ، فأعمى الله أبصارهم عنهما، وألهم الله العنكبوت فنسجت على فم (الغار) ، وحمامتين فعشّشتا

على فمه، فلمّا رأوا ذلك قالوا: لو دخله أحد ما كان هكذا.

[لا تحزن إنّ الله معنا] وفي «الصّحيحين» ، من حديث أنس بن مالك، عن أبي بكر الصّدّيق ﵁، قال: نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار، وهم على رؤوسنا، فقلت: يا رسول الله، لو أنّ أحدهم نظر إلى قدميه لأبصارنا تحت قدميه، فقال: «يا أبا بكر، ما ظنّك باثنين الله ثالثهما» «١» . وفي ذلك يقول الله تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [سورة التّوبة ٩/ ٤٠] . وما أحسن قول صاحب البردة- رحمه الله تعالى- فيهما، [من البسيط] «٢» : أقسمت بالقمر المنشقّ إنّ له ... من قلبه نسبة مبرورة القسم «٣» وما حوى الغار من خير ومن كرم ... وكلّ طرف من الكفّار عنه عمي فالصّدق في الغار والصّدّيق لم يرما ... وهم يقولون ما بالغار من أرم «٤» / ظنّوا الحمام وظنّوا العنكبوت على ... خير البريّة لم تنسج ولم تحم

وقاية الله أغنت عن مضاعفة ... من الدّروع وعن عال من الأطم «١»

[مدّة إقامة النّبيّ ﷺ في الغار] وبعد الثّلاث جاءهم الدّليل «٢» بالرّاحلتين فارتحلوا، وأردف النّبيّ ﷺ عامر بن فهيرة ليخدمهما، فأخذ بهم الدّليل طريق السّواحل.

امة النّبيّ ﷺ في الغار] وبعد الثّلاث جاءهم الدّليل «٢» بالرّاحلتين فارتحلوا، وأردف النّبيّ ﷺ عامر بن فهيرة ليخدمهما، فأخذ بهم الدّليل طريق السّواحل.

[خروج النّبيّ ﷺ إلى المدينة] وفي «الصّحيحين» ، من حديث البراء بن عازب ﵄، عن أبي بكر الصّدّيق ﵁، قال: فأسرينا ليلتنا كلّها، حتّى قام قائم الظّهيرة «٣» ، وخلا الطّريق فلا يمرّ فيه أحد، حتّى رفعت لنا صخرة «٤» طويلة لها ظلّ، لم تأت عليه الشّمس بعد، فنزلنا عندها، فأتيت الصّخرة وسوّيت بيدي مكانا ينام فيه رسول الله ﷺ، ثمّ بسطت عليه فروة، ثمّ قلت: نم يا رسول الله، وأنا أنفض لك ما حولك «٥» ، فنام، وخرجت أنفض ما حوله- أي: أستبرئه-، فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصّخرة، يريد منها الّذي أردناه، فلقيته، فقلت، لمن أنت يا غلام؟، فقال: لرجل من أهل المدينة- يعني: (مكّة) ، فهو صفة لا علم- فقلت: أفي غنمك لبن؟، قال: نعم، قلت: أفتحلب لي؟، قال: نعم،

فأخذ شاة، فقلت له: انفض الضّرع من الشّعر والتّراب والقذى، فحلب لي في قعب معه- أي: قدح- كثبة «١» من لبن، قال: ومعي إداوة «٢» أرتوي فيها للنّبيّ ﷺ، ليشرب منها ويتوضّأ، قال: فأتيت النّبيّ ﷺ وكرهت أن أوقظه من نومه، فوقفت حتّى استيقظ. - وفي رواية: فوافقته حين استيقظ- فصببت على اللّبن من الماء حتّى برد أسفله، فقلت يا رسول الله: اشرب من هذا اللّبن، فشرب حتّى رضيت، ثمّ قال: «ألم يأن للرّحيل؟» ، قلت: بلى، قال: فارتحلنا بعد ما زالت الشّمس، فاتّبعنا سراقة بن مالك، ونحن في جلد من الأرض/- أي: موضع صلب- فقلت: يا رسول الله أتينا، فقال: «لا تحزن إنّ الله معنا» ، فدعا عليه رسول الله ﷺ، قال: فارتطمت فرسه إلى بطنها «٣» ، فقال: إنّي قد علمت أنّكما قد دعوتما عليّ، فادعوا لي، فالله لكما أن أردّ عنكما الطّلب، فدعا له رسول الله ﷺ فنجا، فجعل لا يلقى أحدا إلّا قال: قد كفيتكم ما هاهنا، ولا يلقى أحدا إلّا ردّه، فوفّى لنا «٤» .

[وصول النّبيّ ﷺ إلى قباء] فأقام ﷺ ب (قباء) ، ثمّ دخل (المدينة) يوم الاثنين أيضا «٥» .

[دخول النّبيّ ﷺ المدينة، ودعوة الأنصار له بالنّزول عندهم] قال أبو بكر ﵁: فقدمنا (المدينة) ليلا، فتنازعوا على أيّهم ينزل عليه، فقال ﷺ: «أنزل على بني النّجار، أخوال

عبد المطّلب، أكرمهم بذلك» «١» . فصعد الرّجال والنّساء فوق البيوت، وتفرّق الغلمان والخدم ينادون: جاء محمّد، جاء رسول الله «٢» . [خبر إسلام سراقة] وفي «صحيح البخاريّ» ، أنّ سراقة قال: فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب «٣» . زاد ابن إسحاق عنه، قال: فلقيته ب (الجعرانة) فرفعت يدي بالكتاب، فقلت: هذا كتابك لي، فقال: «نعم، هذا يوم وفاء وبرّ، ادن» «٤» فدنوت، فأسلمت. قال علماء السّير: ولم تدر قريش أين توجّه رسول الله ﷺ، حتّى سمعوا وقت الصّبح هاتفا من مؤمني الجنّ ينشد ب (مكّة) في الهواء، [من الطّويل] «٥» : جزى الله ربّ [العرش] خير جزائه ... رفيقين حلّا خيمتي أمّ معبد «٦» هما نزلا بالبرّ ثمّ ترحّلا ... فيا فوز من أمسى رفيق محمّد فيال قصيّ ما زوى الله عنكم ... به من فخار لا يجارى وسؤدد

.. رفيقين حلّا خيمتي أمّ معبد «٦» هما نزلا بالبرّ ثمّ ترحّلا ... فيا فوز من أمسى رفيق محمّد فيال قصيّ ما زوى الله عنكم ... به من فخار لا يجارى وسؤدد

ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا أختكم عن شأنها وإنائها ... فإنّكم إن تسألوا الشّاة تشهد أتته بشاة حائل فتحلّبت ... عليه بدرّ ضرّة الشّاة مزبد

[مرور النّبيّ ﷺ وأبي بكر بأمّ معبد بعد لحاق سراقة لهم] / وكانوا قد مرّوا على خيمة أمّ معبد الخزاعيّة الكعبيّة، فسألوها الزّاد، فلم يجدوا عندها إلّا شاة هزيلة، قد تخلّفت لضعفها عن الغنم، فمسح ﷺ بيده المباركة على ضرّتها- أي: ضرعها- فدرّت لهم بلبن غزير، شرب منه النّبيّ ﷺ وأصحابه حتّى ارتووا، وأفضلوا لأهل الخيمة ما يرويهم. ثمّ أتى زوجها فأخبرته، فقال: والله إنّه لصاحب قريش، فحينئذ علمت قريش أنّ النّبيّ ﷺ توجّه إلى (المدينة) ، وأنّ الله ناصر عبده، ومظهر لا محالة دينه «١» .

الباب الثّامن في ذكر ما اشتمل عليه حديث الإسراء من العجائب واحتوى عليه من الأسرار والغرائب [وذلك] من العروج به إلى سدرة المنتهى، ثمّ إلى قاب قوسين أو أدنى، وما رأى من آيات ربّه الكبرى، والمناجاة، والرّؤية، وإمامة الأنبياء، ممّا أكرمه الله تعالى به ﷺ. [زمن الإسراء] قال القاضي عياض: وكان قبل الهجرة بسنة «١» - أي: في السّنة الثّانية عشرة-. ثمّ قال بعضهم: في رمضان منها. وقال النّوويّ في «روضته» : في رجب «٢» . والأصل فيه من القرآن قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ

ه من القرآن قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ

لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا [سورة الإسراء ١٧/ ١] . وقوله تعالى: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى. فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى. فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى. ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [سورة النّجم ٥٣/ ٨- ١١] ، إلى قوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى. لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [سورة النّجم ٥٣/ ١٧- ١٨] . [حديث الإسراء والمعراج] ولا خلاف بين أئمة المسلمين وعلماء الدّين في صحّة الإسراء به ﷺ، إذ هو نصّ القرآن العظيم. ورواه جماعة من الصّحابة، كما أخرجه الحفّاظ في أصول الإسلام المشهورة، ولكنّ أكملها ترتيبا ووضعا ما رواه مسلم في «صحيحه» من حديث ثابت البناني. عن أنس بن مالك ﵁، أنّ رسول الله ﷺ قال: «أتيت بالبراق- (وهو/ دابّة أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه) - قال: فركبته حتّى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة الّتي تربط بها الأنبياء، ثمّ دخلت المسجد فصلّيت فيه ركعتين، ثمّ خرجت، فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللّبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة «١» .

ثمّ عرج بي إلى السّماء، فاستفتح «١» جبريل، فقيل: من أنت؟، قال: جبريل، فقيل: ومن معك؟، قال: محمّد، قيل: وقد بعث إليه؟، قال: قد بعث إليه، ففتح لنا. فإذا أنا بادم- ﵇ فرحّب بي ودعا لي بخير. ثمّ عرج بنا إلى السّماء الثّانية، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟، قال: جبريل، قيل: ومن معك؟، قال: محّمد، قيل: وقد بعث إليه؟، قال: قد بعث إليه، ففتح لنا. فإذا أنا بابني الخالة «٢» : عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريّا- ﵉ فرحّبا بي ودعوا لي بخير. ثمّ عرج بنا إلى السّماء الثّالثة- فذكر مثل الأوّل- ففتح لنا. فإذا أنا بيوسف- ﵇ وإذا هو قد أعطي شطر الحسن- أي: نصفه، ومن النّاس من يعطى عشره أو دونه أو فوقه، وفيه إشارة إلى أنّ منهم من أكمل له الحسن، ويتعيّن أنّه محمّد ﷺ قال: فرحّب بي ودعا لي بخير. ثمّ عرج بنا إلى السّماء الرّابعة- وذكر مثله- فإذا أنا بإدريس- ﵇ فرحّب بي ودعا لي بخير- قال الله تعالى: وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا [سورة مريم ١٩/ ٥٧]-.

ثمّ عرج بنا إلى السّماء الخامسة- فذكر مثله- فإذا أنا بهارون- ﵇ فرحّب بي ودعا لي بخير. ثمّ عرج بنا إلى السّماء السّادسة- فذكر مثله- فإذا أنا بموسى- ﵇ فرحّب بي ودعا لي بخير. ثمّ عرج بنا إلى السّماء السّابعة- فذكر مثله- فإذا أنا بإبراهيم- ﵇ مسندا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه. ثمّ ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا ورقها/ كاذان الفيلة «١» ، وإذا ثمرها كالقلال «٢» . فلمّا غشيها من أمر الله ما غشي تغيّرت- أي: تلوّنت بألوان مختلفة- فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها.

Bagian 4 dari 10