حدائق الأنوار ومطالع الأسرار في سيرة النبي المختار

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya بحرق اليمني (w. 930 H).

Bagian 5 dari 10 540 halaman

— Bagian 5 · الفيلة «١» ، وإذا ثمرها كالقلال «٢» . —

Bagian 5

الفيلة «١» ، وإذا ثمرها كالقلال «٢» . فلمّا غشيها من أمر الله ما غشي تغيّرت- أي: تلوّنت بألوان مختلفة- فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها. قال: فأوحى الله إليّ ما أوحى. ففرض عليّ خمسين صلاة في كلّ يوم وليلة، فنزلت إلى موسى- ﵇، فقال: ما فرض ربّك على أمّتك؟، قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربّك واسأله التّخفيف، فإنّ أمّتك لا يطيقون ذلك، فإنّي قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم، قال: فرجعت إلى ربّي، فقلت: يا ربّ، خفّف على أمّتي. فحطّ عنّي خمسا، فرجعت إلى موسى، فقلت: حطّ عنّي خمسا، فقال: إنّ أمّتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربّي ﷿ وبين موسى، حتّى قال: يا محمّد، إنّهنّ خمس صلوات كلّ يوم

وليلة، لكلّ صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن همّ بسيّئة فلم يعملها لم تكتب شيئا- وفي رواية: كتبت حسنة- فإن عملها كتبت سيّئة واحدة، قال: فنزلت حتّى انتهيت إلى موسى- ﵇ فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف، فقال رسول الله ﷺ فقلت: قد رجعت إلى ربّي حتّى استحييت منه» «١» . قلت: هذا مع ما قد أفهمه ﷺ من الإلزام له بقوله: «إنّهنّ خمس» وفي رواية أيضا: «لا يبدّل القول لديّ» . قال القاضي عياض- ﵀: (جوّد ثابت- ﵀ هذا الحديث عن أنس ما شاء، ولم يأت عنه أحد بأصوب من هذا. وقد خلّط فيه غيره عن أنس تخليطا كثيرا، لا سيّما من رواية شريك بن أبي نمر) «٢» . انتهى. قلت: وحديث شريك ممّا اتّفق عليه الشّيخان، وإنّما لم يورد البخاريّ حديث ثابت هذا لأنّ مسلما إنّما رواه من طريق حمّاد بن سلمة، وهو متروك عند البخاريّ، لم يرو له إلّا تعليقا. واتّفق عليه الشّيخان أيضا من حديث أبي/ ذرّ وغيره.

فائدة [: في بعض دقائق الإسراء] وفي قوله ﷺ: «بالحلقة الّتي تربط به الأنبياء» إشارة إلى أنّ ركوب البراق للإسراء غير مختصّ بمحمّد ﷺ، ويشير إلى ذلك

ره.

فائدة [: في بعض دقائق الإسراء] وفي قوله ﷺ: «بالحلقة الّتي تربط به الأنبياء» إشارة إلى أنّ ركوب البراق للإسراء غير مختصّ بمحمّد ﷺ، ويشير إلى ذلك

قوله في الرّواية الآتية: «فما ركبك عبد أكرم على الله من محمّد» ، لكن في ظاهر قول أهل كلّ سماء: (وقد بعث إليه) ، إشكال لعدم علمهم ببعثه إلّا بعد مضيّ هذه المدّة، مع كثرة تردّد جبريل فيها، وانتشارها عند أهل الأرض، فضلا عن أهل السّماء. وأجاب بعضهم: بأنّه سؤال عن البعث إليه للعروج المتوقّع عندهم لقوله: (إليه) ، وهو جواب حسن. وإنّما لم يفتح له قبل مجيئه ليعلم أنّه إنّما فتح من أجله، كما في قوله ﷺ: «أنا أوّل من يقرع باب الجنّة» «١» . والحكمة في الإسراء به إلى (بيت المقدس) ما ذكره كعب الأحبار: أنّ باب السّماء الّذي يسمّى (مصعد الملائكة) يقابله (بيت المقدس) ، كما أنّ (البيت المعمور) مقابل (الكعبة) . وأيضا ليحوز ﷺ فضل شدّ الرّحال إلى المساجد الثّلاثة. وقوله ﷺ: «يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه» يحتمل أيضا أنّهم لا يخرجون منه، فيكون في ذلك دلالة على سعته، وعلى كثرة جنود الله تعالى، والله أعلم بالصّواب. وعندهما-[أي: البخاريّ ومسلم]- أنّ كلّ نبيّ قال: مرحبا بالنّبيّ الصّالح والأخ الصّالح، إلّا آدم وإبراهيم- ﵉ فقالا له: والابن الصّالح «٢» .

فائدة [: في اجتماع النّبيّ ﷺ بالأنبياء] الظّاهر أنّ أرواح الأنبياء تشكّلت له في العالم الأعلى. ويجوز نقل أجسادها تلك اللّيلة إكراما لهم أجمعين. ويؤيّد الأوّل قوله في الحديث: «فصلّى بأهل السّماء، وفيهم أرواح الأنبياء» «١» . والظّاهر أيضا: أنّ اختصاص من لقيه منهم في كلّ سماء، وهم: آدم، وعيسى، ويوسف، وإدريس، وهارون، وموسى، وإبراهيم، بحسب تفاوتهم في الدّرجات، فادم في السّماء الدّنيا، لأنّه أوّل الأنبياء. ثمّ عيسى في الثّانية، لأنّه أقرب الأنبياء عهدا بمحمّد. ويوسف في الثّالثة، لأنّ أمّة محمّد يدخلون الجنّة على صورته. وإدريس في الرّابعة/، لأنّها الوسطى، وقد رفعه الله مكانا عليّا. وهارون في الخامسة، لقربه من أخيه موسى. وموسى في السّادسة، لفضله بالتّكليم. وإبراهيم في السّابعة، لأنّه أفضل الأنبياء بعد محمّد. صلّى الله عليه وعليهم أجمعين. والظّاهر من اختصاص مراجعة موسى له كونه أشبه الرّسل به في كثرة الأتباع وشرف الكتاب. والله أعلم.

[رؤية النّبيّ ﷺ سدرة المنتهى] وفي «٢» رواية: «فغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثمّ أدخلت الجنّة» «٣» .

قال الله تعالى: عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى. عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى [سورة النّجم ٥٣/ ١٤- ١٦] . وفي أخرى: «إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها. وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها، فيقبض منها» «١» . وفي ثالثة: هذه السّدرة المنتهى ينتهي إليها كلّ أحد من أمّتك، خلا على سبيلك، وهي السّدرة المنتهى «٢» . وفي رابعة: «يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغيّر طعمه، وأنهار من خمر لذّة للشّاربين، وأنهار من عسل مصفّى، وهي شجرة يسير الرّاكب في ظلّها سبعين عاما [لا يقطعها] ، وأنّ ورقة منها مظلّة الخلق، فغشيها نور [الخالق] ، وغشيتها الملائكة» «٣» . وفي خامسة: «ثمّ عرج بي حتّى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام» «٤» .

[ما خصّ به النّبيّ ﷺ وأمّته] وفي سادسة: «أنّ جبريل لمّا جاء بالبراق فذهب ليركب، فاستعصت عليه، فقال لها جبريل: اسكني، فو الله ما ركبك عبد

لام» «٤» .

[ما خصّ به النّبيّ ﷺ وأمّته] وفي سادسة: «أنّ جبريل لمّا جاء بالبراق فذهب ليركب، فاستعصت عليه، فقال لها جبريل: اسكني، فو الله ما ركبك عبد

أكرم على الله من محمّد ﷺ، فركبها حتّى أتى بها الحجاب الّذي يلي عرش الرّحمن. فبينما هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب، فقال النّبيّ ﷺ: «من هذا يا جبريل؟» ، قال: والّذي بعثك بالحقّ نبيّا إنّي لأقرب الخلق مكانا، وإنّ هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه، فأذّن الملك وأقام، وأخذ بيد محمّد ﷺ فقدّمه فصلّى بأهل السّماء، وفيهم أرواح الأنبياء- ﵈ ثمّ قال محمّد: «يا ربّ، إنّك اتّخذت إبراهيم خليلا. وكلّمت موسى تكليما. وآتيت داود الملك والحكمة، وألنت له الحديد، وسخّرت له الجبال يسبّحن معه والطّير. ووهبت سليمان/ ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وسخّرت له الرّيح تجري بأمره رخاء- أي: ليّنة- حيث أصاب- أي: قصد- والشّياطين كلّ بناء وغوّاص، وآخرين مقرّنين في الأصفاد- أي: القيود- وعلّمت عيسى التّوراة والإنجيل، وأعذته وأمّه من الشّيطان الرّجيم، وجعلته يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذنك» ، فقال الله تعالى: يا محمّد؛ قد اتّخذتك خليلا وحبيبا، فهو مكتوب في التّوراة أنّ محمّدا حبيب الرّحمن، وأرسلتك إلى النّاس كافّة، وجعلت أمّتك هم الأوّلون وهم الآخرون بعثا، والسّابقون يوم القيامة، وجعلت أمّتك لا تجوز لهم خطبة حتّى يشهدوا أنّك عبدي ورسولي، وجعلتك فاتحا وخاتما، وأعطيتك السّبع المثاني- أي: الفاتحة- وخواتيم سورة البقرة من كنز تحت عرشي، ولم أعط ذلك أحدا من خلقي» «١» .

فائدة [: في الحكمة من ركوب البراق] الحكمة في ركوب البراق مع قدرة الله تعالى على طيّ المسافة له إكرامه بما جرت به العادة مع خرقها، إذ الملوك يبعثون لمن استدعوه بمركوب. وجزم جماعة من المحقّقين بأنّه لم يجاوز سدرة المنتهى أحد إلّا محمّد ﷺ، ويؤيّده قوله [ﷺ] : «إليها ينتهي ما يعرج [به] من الأرض» «١» .

ن استدعوه بمركوب. وجزم جماعة من المحقّقين بأنّه لم يجاوز سدرة المنتهى أحد إلّا محمّد ﷺ، ويؤيّده قوله [ﷺ] : «إليها ينتهي ما يعرج [به] من الأرض» «١» .

[عرض الآنية على النّبيّ] وقوله ﷺ: «فأتيت بإناء من لبن وإناء من خمر» «٢» . زاد في رواية في «الصّحيحين» : «وإناء من عسل» «٣» وفي رواية أخرى للبزّار: «وإناء من ماء» «٤» . قلت: وبتمام الأربعة يعلم أنّه أتي من كلّ نهر بإناء من الأنهار الّتي تخرج من أصل سدرة المنتهى المذكورة في الحديث السّابق. ثمّ في قوله تعالى فيها: أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [سورة محمّد ٤٧/ ١٥] . والله أعلم. وفي «الصّحيحين» ، عن أنس ﵁، عن النّبيّ ﷺ قال: «لمّا عرج بي جبريل إلى سدرة المنتهى دنا الجبّار ربّ العزّة، فتدلّى، حتّى كنت منه قاب قوسين- أي: قدر قوسين- أو أدنى،

فأوحى إليّ بما شاء» «١» . وعن ابن عبّاس رضي الله/ عنهما، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «فارقني جبريل، فانقطعت عنّي الأصوات، فسمعت كلام ربّي جلّ وعلا يقول: ليهدأ روعك- أي: ليسكن خوفك- ادن يا محمّد، ادن» «٢» .

[رؤية النّبيّ ﷺ نهر الكوثر] وفي البخاريّ، عن أنس ﵁، عن النّبيّ ﷺ قال: «لمّا عرج بي إلى السّماء بينما أنا أسير في الجنّة، إذا [أنا] بنهر حافّتاه قباب اللّؤلؤ المجوّف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟، قال: هذا الكوثر الّذي أعطاك ربّك، فإذا طينه مسك أذفر» «٣» .

[رؤية النّبيّ ﷺ لبعض أهل النّار] وفي «سنن أبي داود» ، عن أنس أيضا، قال: قال رسول الله ﷺ: «لمّا عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الّذين يأكلون لحوم النّاس ويقعون في أعراضهم» «٤» .

[وصيّة إبراهيم ﵊ لأمّة النّبيّ ﷺ] وروى التّرمذيّ في «جامعه» ، وقال: حديث حسن، عن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «لقيت إبراهيم- ﵇ ليلة أسري بي، فقال: يا محمّد: أقرىء أمّتك عنّي السّلام- عليه وعلى نبيّنا السّلام-، وأخبرهم أنّ الجنّة طيّبة التّربة، عذبة الماء، وأنّها قيعان، وأنّ غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلّا الله، والله أكبر» «٥» .

يّنا السّلام-، وأخبرهم أنّ الجنّة طيّبة التّربة، عذبة الماء، وأنّها قيعان، وأنّ غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلّا الله، والله أكبر» «٥» .

[ما رآه النّبيّ ﷺ لعمر بن الخطّاب ﵁] وروى الطّبرانيّ بإسناد حسن، والحاكم وقال: صحيح على شرط الشّيخين، عن النّبيّ ﷺ قال: «لمّا دخلت الجنّة أتيت على قصر من ذهب مربّع مشرف، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر بن الخطّاب، ثمّ قال رسول الله ﷺ: من قرأ بعد كلّ صلاة مكتوبة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ عشر مرّات بنى الله له قصرا في الجنّة، ومن قرأها عشرين مرّة بنى الله له قصرين في الجنّة» . فقال عمر بن الخطّاب ﵁: إذا تكثر قصورنا يا رسول الله؟، قال: «فضل الله أوسع من ذلك» «١» . [إخباره بمسراه وموقف قريش في ذلك] وفي «الصّحيحين» ، / أنّه ﷺ قال: «لمّا كذّبتني قريش، قمت في (الحجر) فجلا الله لي (بيت المقدس) ، فطفقت أخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه» «٢» . وفي رواية: «ثمّ رجعت إلى خديجة وما تحوّلت عن جانبها، ثمّ أصبحت فأخبرت قريشا، فلقد رأيتني في (الحجر) ، وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من وصف (بيت المقدس) لم أثبتها، فكربت كربا شديدا، فجلّى الله لي (بيت المقدس) » «٣» إلى آخره.

فائدة [: في تعليل مجيء المسجد الأقصى للنّبيّ ﷺ] وفي رواية للإمام أحمد: «فجيء ب (المسجد الأقصى) وأنا أنظر، حتّى وضع عند (دار عقيل) ، فنعتّه وأنا أنظر إليه» «١» . قال العلماء: وهذا أبلغ من كشف الحجب الّتي بين (الحرم وبيت المقدس) ؛ لأنّه نظير إحضار عرش بلقيس لسليمان في طرفة عين. قلت: وذلك بطريق انزواء الأرض، بأن تنقبض أجزاؤها حتّى يصير الموضع الّذي فيه (بيت المقدس) ب (مكّة) . ومن ذلك قوله ﷺ: «زويت لي الأرض» «٢» . والله أعلم. ومنه أنّي قلت لبعض أصحابنا: بلغني أنّك تصلّي أيّ فرض شئت جماعة ب (حرم مكّة) فعلى أيّ كيفيّة هذا؟، فقال: بمجرّد أن يخطر ذلك ببالي، صرت تجاه (الكعبة) ، ثمّ إذا خطر ببالي العود، صرت بمكاني ب (حضر موت) . والله أعلم.

ب (حرم مكّة) فعلى أيّ كيفيّة هذا؟، فقال: بمجرّد أن يخطر ذلك ببالي، صرت تجاه (الكعبة) ، ثمّ إذا خطر ببالي العود، صرت بمكاني ب (حضر موت) . والله أعلم.

[تصديق أبي بكر ﵁ وسبب تسميته بالصّدّيق] وفي رواية: فقيل لأبي بكر: إنّ محمّدا يزعم أنّه بلغ (بيت المقدس) ورجع، فقال: إنّا لنصدّقه في نزول الوحي في طرفة عين. فأنزل الله ﷿ في أبي بكر: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [سورة الزّمر ٣٩/ ٣٣] ، فسمّاه الله الصّدّيق» . وأنزل الله سبحانه في تصديق نبيّه ﷺ وتنزيهه عمّا نسبوه إليه في ذلك من الغيّ والضّلال والهوى قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى.

ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى. وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى. [سورة النّجم ٥٣/ ١- ٤] ، إلى قوله: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [سورة النّجم ٥٣/ ١٨] . فأقسم تعالى بالنّجم، وهو الثّريا. إذا هوى- أي: سقط للغروب- على نفي الضّلال عنه ﷺ والغيّ المستلزم، لإثبات/ الهدى والرّشد، وعلى صدقه فيما أخبر، ونفي النّطق عن الهوى، وأنّ ذلك وحي يوحى إليه من الله سبحانه، علّمه إيّاه جبريل شديد القوى. ثمّ لمّا كان ما أوحى إليه في تلك اللّيلة من عظيم ملكوته لا تحيط به العبارة رمز إليه بالإشارة، فقال: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى [سورة النّجم ٥٣/ ١٠] ، ثمّ أخبر عن تصديق فؤاده- وهو: قلبه- بما رأى بصره من آيات ربّه الكبرى بقوله: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [سورة النّجم ٥٣/ ١١]- أي: بما رآه البصر-، وعن حسن أدبه، وعدم التفات قلبه إلى غير ربّه بقوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [سورة النّجم ٥٣/ ١٧] فقد اشتملت هذه الآيات الكريمة على تزكية لسانه ﷺ وبصره وفؤاده، فزكّى لسانه بقوله: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، وبصره بقوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى، وفؤاده، بقوله: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى.

ﷺ وبصره وفؤاده، فزكّى لسانه بقوله: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، وبصره بقوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى، وفؤاده، بقوله: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى.

[الخلاف في رؤية النّبيّ ﷺ ربّه ليلة الإسراء] وصحّ عن ابن عبّاس ﵄ في تفسير قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى [سورة النّجم ٥٣/ ١٣] أنّه قال: (رأى محمّد ربّه بعيني رأسه وكلّمه من غير حجاب) «١» . قال العلماء: ولا يقول ذلك ابن عبّاس إلّا بتوقيف، فسبيله سبيل

المرفوع، إذ ليس للرّأي في هذا مدخل. وعن كعب الأحبار: (أنّ الله تعالى قسم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمّد- ﵉ فكلّمه موسى من وراء الحجاب بغير واسطة مرّتين، ورآه محمّد بعيني رأسه مرّتين) . نقله الماورديّ عنه. وقال كثير من العلماء في تفسير قوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً [سورة الشّورى ٤٢/ ٥١]- أي: من غير واسطة- بل مع المشاهدة، وذلك لمحمّد ﷺ خاصّة ليلة الإسراء. قالوا: بدليل قوله [تعالى] : أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ- أي: كمناجاته لموسى ﵇ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا [سورة الشّورى ٤٢/ ٥١]- وهو جبريل- فيوحي بإذنه إلى رسله ما يشاء- كأكثر أحوال محمّد وموسى ﵉ وكسائر أحوال غيرهما من النّبيّين ﵈ أجمعين. وقال الإمام/ أبو الحسن عليّ بن إسماعيل الأشعريّ- ﵀: (كلّ آية أوتيها نبيّ فقد أوتي نبيّنا مثلها، وخصّه الله بالرّؤية، قال: فمحمّد رأى ربّه بعيني رأسه. قال ابن عطاء: أي شرح الله صدره للرّؤية، كما شرح صدر موسى للتّكليم) . قال العلماء: ولا يقدح في ذلك إنكار عائشة ﵂ لذلك، لأنّها لم تقله إلّا عن رأيها، وأمّا احتجاجها بقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [سورة الأنعام ٦/ ١٠٣] ؛ فقال ابن عبّاس: (معناه: لا تحيط به) «١» .

وأمّا احتجاجها بقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [سورة الأنعام ٦/ ١٠٣] ؛ فقال ابن عبّاس: (معناه: لا تحيط به) «١» .

ولو قيل بإطلاقها لزم منه امتناع رؤيته- ﷾ في الآخرة أيضا، للأبرار في دار القرار، وهو خلاف ما أجمع عليه أهل السّنّة. قال العلماء: والدّليل على جوازها في الدّنيا سؤال موسى ﵇ لها، إذ يستحيل أن يجهل نبيّ ما يجوز على الله ﷿ وما لا يجوز عليه، ومعنى: لَنْ تَرانِي: لن تطيق رؤيتي كما لا يطيقها الجبل. قلت: ومعلوم أنّ الجبل وجميع المخلوقات جزء من نور محمّد ﷺ، فلا عجب أن يطيق من التّجلّي ما لا يطيقه الجبل. وإذا لم يستحل شيء من العقل، ولم يدلّ دليل قاطع من النّقل على امتناعه وجب قبوله على ظاهره، ومن أهّله الله لشيء تأهّل له، ومن لا، فلا. ألا تراه يقول في حقّه ﷺ عند رؤيته آيات ربّه الكبرى: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى، ويقول: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً [سورة الكهف ١٨/ ١٨] . هذا وهم بشر من أبناء جنسه، فسبحان من خصّ من شاء بما شاء وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ [سورة البقرة ٢/ ٢٥٥] . ومن أحسن ما قيل في حديث الإسراء قول صاحب البردة، [من البسيط] «١» :

يا خير من يمّم العافون ساحته ... سعيا وفوق متون الأينق الرّسم «١» ومن هو الآية الكبرى لمعتبر ... ومن هو النّعمة العظمى لمغتنم سريت من حرم ليلا إلى حرم ... كما سرى البدر في داج من الظّلم / وبتّ ترقى إلى أن نلت منزلة ... من قاب قوسين لم تدرك ولم ترم «٢» وقدّمتك جميع الأنبياء بها ... والرّسل تقديم مخدوم على خدم وأنت تخترق السّبع الطّباق بهم ... في موكب كنت فيه صاحب العلم «٣» حتّى إذا لم تدع شأوا لمستبق ... من الدّنوّ ولا مرقى لمستنم «٤» خفضت كلّ مقام بالإضافة إذ ... نوديت بالرّفع مثل المفرد العلم

ب كنت فيه صاحب العلم «٣» حتّى إذا لم تدع شأوا لمستبق ... من الدّنوّ ولا مرقى لمستنم «٤» خفضت كلّ مقام بالإضافة إذ ... نوديت بالرّفع مثل المفرد العلم

كيما تفوز بوصل أيّ مستتر ... عن العيون وسرّ أيّ مكتتم «١» فحزت كلّ فخار غير مشترك ... وجزت كلّ مقام غير مزدحم وجلّ مقدار ما ولّيت من رتب ... وعزّ إدراك ما أوليت من نعم «٢» بشرى لنا معشر الإسلام إنّ لنا ... من العناية ركنا غير منهدم لمّا دعا الله داعينا لطاعته ... بأكرم الرّسل كنّا أكرم الأمم

القسم الثّاني قسم المقاصد واللّواحق وفيه خطبة بليغة في الحثّ على الجهاد في سبيل الله بالأنفس والأموال، وايراد آيات وأحاديث صحيحة في كونه أفضل الأعمال، ثمّ شرح أحوال المجاهدين في سبيل الله، وهي سيرة النبيّ ﷺ وأصحابه ﵃ أجمعين، وفضل الصّحابة وترتيبهم في الفضل، والرّد على من قدح في أحد منهم بالقول الفصل.

خطبة في الحثّ على الجهاد في سبيل الله الحمد لله الّذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، الّذي له ملك السّماوات والأرض، ولم يتّخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كلّ شيء فقدّره تقديرا. وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له في ذاته وصفاته وأفعاله، سبحانه وتعالى عمّا يقول الظّالمون علوّا كبيرا، تسبح له السّماوات السّبع والأرض، ومن فيهنّ، وإن من شيء إلّا يسبّح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم، إنّه كان حليما غفورا. وأشهد أنّ محمّدا/ عبده ورسوله، الّذي أرسله شاهدا ومبشّرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. اللهمّ صلّ وسلّم على محمّد، وعلى آل محمّد، بأفضل الصّلوات كلّها، وسلّم تسليما كثيرا، وعلى آله الّذين أذهب الله عنهم الرّجس، وطهّرهم تطهيرا. وعلى أصحابه وأتباعه الّذين بشّرهم بأنّ لهم من الله فضلا كبيرا. أمّا بعد: فإنّ الجهاد في سبيل الله هو الكنز الّذي وفّر الله منه لمن أحبّه الأقسام، والعزّ الّذي أظهر الله به دين الإسلام. إخواني: فجاهدوا في سبيل الله فقد دلّكم الله به على المتجر الرّابح، فهل أنتم سامعون؟ وساومكم في شراء أنفسكم الّتي هي ملكه فهل أنتم لها بائعون؟

فقال ﷾: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [سورة الصّفّ ٦١/ ١٠- ١١] إلى آخر السّورة. وقال ﷿: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [سورة التّوبة ٩/ ١١١- ١١٢] . إخواني: يا لها صفقة خطيرة في بيع هذه الأنفس الحقيرة، المشتري فيها ربّ العالمين، والواسطة فيها سيّد المرسلين، والثّمن: جنّة عرضها السّماوات والأرض أعدّت للمتّقين. فأوجبوا- رحمكم الله- صفقة هذا البيع الرّابح، بالثّمن الجزيل الرّاجح، فلمثل/ هذا فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. فالجهاد الجهاد أيّها المؤمنون، والجنّة الجنّة أيّها الموقنون، وقاتلوا دون أنفسكم وأموالكم أعداء الله الفجّار، وادفعوا عن أنفسكم شؤم العار والنّار، فقد جاؤوكم يحادّون الله ورسوله بكفرهم، ويستأصلون شأفة «١» الإسلام والمسلمين بمكرهم،

أموالكم أعداء الله الفجّار، وادفعوا عن أنفسكم شؤم العار والنّار، فقد جاؤوكم يحادّون الله ورسوله بكفرهم، ويستأصلون شأفة «١» الإسلام والمسلمين بمكرهم،

وقَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [سورة آل عمران ٣/ ١١٨] ، وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [سورة التّوبة ٩/ ٣٦] . واحذروا أن تكونوا ممّن: كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ [سورة التّوبة ٩/ ٤٦] ، وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ [سورة العنكبوت ٢٩/ ٦] . ولقد ابتلاكم الله بالجهاد كما ابتلى به أفضل أهل السّماوات والأرض: ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [سورة محمّد ٤٧/ ٤] ، أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [سورة التّوبة ٩/ ١٣] . إخواني: إذا كانت المنيّة محتومة، فالشهادة في سبيل الله هي الغنيمة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ [سورة محمّد ٤٧/ ٧] . وإن أحجمتم فلن يدفع عنكم الأجل إحجامكم. إخواني: ما أقبح عبدا يبخل على سيّده ومولاه بنفس هي من مواهبه وعطاياه، هذا مع ما وعد- وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ [سورة التّوبة ٩/ ١١١] وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [سورة النّساء ٤/ ١٢٢]- على ذلك ثناء جميلا وثوابا جزيلا. إخواني: ما أقبح عبدا يقول بلسانه: قد رضيت بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمّد نبيّا، ثمّ يجبن عن قتال كافر بالله وباليوم الآخر، ولا يرجو ما يرجوه المؤمن من الجنّة والثّواب الوافر. أو ما سمعتم مولاكم سبحانه يقول: فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ [سورة النّساء ٤/ ١٠٤] .

اب الوافر. أو ما سمعتم مولاكم سبحانه يقول: فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ [سورة النّساء ٤/ ١٠٤] .

إخواني: أيّ عذر لمن جبن عن قتال أعداء الله؟ وبأيّ وجه يوم القيامة يلقى الله؟ هذا: (ومن لم يمت بالسّيف/ مات بغيره) «١» . ولا جنّة من القدر شرّه وخيره: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا [سورة الأحزاب ٣٣/ ١٦] ، قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ [سورة آل عمران ٣/ ١٥٤] ، أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [سورة النّساء ٤/ ٧٨] . إخواني: فجرّدوا عزائمكم في الجهاد، فقد وضح لكم السّبيل، وكونوا كالذين قال لهم النّاس: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ. إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [سورة آل عمران ٣/ ١٧٣- ١٧٥] ، وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً [سورة النّساء ٤/ ٨٩] ، وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.

ّا وَلا نَصِيراً [سورة النّساء ٤/ ٨٩] ، وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ. الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ

الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ [سورة آل عمران ٣/ ١٦٩- ١٧٢] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيّاكم بالآيات والذّكر الحكيم، ووفّقنا وإيّاكم لاتباع سيّدنا محمّد [ﷺ] النّبيّ الكريم، آمين.

فصل في فضل الجهاد اعلم أنّ الأحاديث الواردة في فضل الجهاد والمجاهدين في سبيل الله كثيرة مشهورة، ولكنّا نورد بعضا يشير إلى غيره. فعن أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول ﷺ: أيّ العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله» ، فقيل: ثمّ ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» ، قيل: ثمّ ماذا؟ قال: «حجّ مبرور» . متّفق عليه «١» . وعن ابن مسعود ﵁ قال: قلت: يا رسول الله: أيّ العمل أحبّ إلى الله تعالى؟ قال: «الجهاد/ في سبيل الله» . متّفق عليه «٢» . قلت: وأجاب العلماء في الجمع بين الحديثين بأنّ اختلاف الجواب بحسب حال السّائل. وعن أنس ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدّنيا وما فيها» . متّفق عليه «٣» . وعن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: أتى رجل

رسول الله ﷺ فقال: أيّ النّاس أفضل؟ قال: «مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله» ، قال: ثمّ من؟ قال: «مؤمن في شعب من الشّعاب يعبد الله ربّه، ويدع النّاس من شرّه» . متّفق عليه «١» . وعن سهل بن سعد السّاعديّ ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدّنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم في الجنّة خير من الدّنيا وما عليها» . متّفق عليه «٢» . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «والّذي نفس محمّد بيده، ما من كلم- أي: جراحة- يكلم في سبيل الله إلّا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم، لونه لون دم، وريحه ريح مسك، والّذي نفس محمّد بيده، لولا أن أشقّ على المسلمين ما قعدت خلاف سريّة تغزو في سبيل الله أبدا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشقّ عليهم أن يتخلّفوا عنّي، والّذي نفس محمّد بيده، لوددت أنّي أغزو في سبيل الله فأقتل، ثمّ أغزو فأقتل، ثمّ أغزو فأقتل» . متّفق عليه «٣» . وعن أبي هريرة أيضا ﵁ أنّ رجلا قال: يا رسول الله: دلّني على عمل يعدل الجهاد، قال: «لا أجده» ، ثمّ قال:

أغزو فأقتل، ثمّ أغزو فأقتل» . متّفق عليه «٣» . وعن أبي هريرة أيضا ﵁ أنّ رجلا قال: يا رسول الله: دلّني على عمل يعدل الجهاد، قال: «لا أجده» ، ثمّ قال: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم

ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟» ، قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال: «فذلك مثل المجاهد في سبيل الله» . متّفق عليه، وهذا لفظ البخاريّ «١» . وعن زيد/ بن خالد الجهنيّ ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «من جهّز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا» . متّفق عليه «٢» . وعن البراء بن عازب ﵄ قال: أتى النّبيّ ﷺ رجل مقنّع بالحديد- أي: مغطّي رأسه به- فقال: يا رسول الله أقاتل ثمّ أسلم؟ فقال: «أسلم ثمّ قاتل» ، فأسلم ثمّ قاتل فقتل، فقال رسول الله ﷺ: «عمل قليلا وأجر كثيرا» . متّفق عليه، وهذا لفظ البخاريّ «٣» . وعن أنس ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «ما أحد يدخل الجنّة يحبّ أن يرجع إلى الدّنيا، وله ما على الأرض من شيء، إلّا الشّهيد؛ فإنّه يتمنّى أن يرجع إلى الدّنيا، فيقتل عشر مرّات، لما يرى من الكرامة وفضل الشّهادة» . متّفق عليه «٤» . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ في الجنّة مئة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدّرجتين كما بين السّماء والأرض» . رواه البخاريّ «٥» .

ة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ في الجنّة مئة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدّرجتين كما بين السّماء والأرض» . رواه البخاريّ «٥» .

وعن أبي عبس عبد الرّحمن بن جبر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما اغبرّت قدما عبد في سبيل الله فتمسّه النّار» . رواه البخاريّ «١» . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من احتبس فرسا في سبيل الله، إيمانا بالله، وتصديقا بوعده، فإنّ شبعه وريّه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة» . رواه البخاريّ «٢» . وعن أنس ﵁ أنّ أمّ الرّبيّع بنت البراء- وهي: أمّ حارثة- وكان قتل يوم (أحد) «٣» ، قالت يا رسول الله: ألا تحدّثني عن حارثة؟ فقال: «يا أمّ حارثة: إنّها جنان في الجنّة، وإنّ ابنك أصاب الفردوس الأعلى» . رواه البخاريّ «٤» . وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «رأيت اللّيلة رجلين أتياني.. فصعدا بي الشّجرة/.. فأدخلاني دارا هي أحسن وأفضل.. لم أر قطّ أحسن منها.. قالا لي: أمّا هذه الدّار فدار الشّهداء» . رواه البخاريّ في حديث طويل «٥» . وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أرواح الشّهداء في جوف طير خضر، لها قناديل معلّقة بالعرش، تسرح من الجنّة حيث شاءت، ثمّ تأوي إلى تلك القناديل، فاطّلع

ن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أرواح الشّهداء في جوف طير خضر، لها قناديل معلّقة بالعرش، تسرح من الجنّة حيث شاءت، ثمّ تأوي إلى تلك القناديل، فاطّلع

إليهم ربّهم اطّلاعة، فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أيّ شيء نشتهي؟ ونحن نسرح من الجنّة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرّات، يقول: هل تشتهون شيئا؟ فلمّا رأوا أنّهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا ربّ، نشتهي أن تردّ أرواحنا في أجسادنا، وتعيدنا إلى الدّنيا حتّى نقتل في سبيلك مرّة أخرى. قال: إنّه قد سبق أنّهم إليها لا يرجعون، قالوا: فأبلغ عنّا إخواننا، فأنزل الله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ الآيات [سورة آل عمران ٣/ ١٦٩] . رواه مسلم «١» . وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من سأل الله الشّهادة بصدق بلّغه الله منازل الشّهداء، وإن مات على فراشه» . رواه مسلم «٢» . وعن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من رضي بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمّد رسولا؛ وجبت له الجنّة» ، ثمّ قال: «وأخرى يرفع الله العبد بها مئة درجة، بين كلّ درجتين كما بين السّماء والأرض» ، [قال: وما هي يا رسول الله؟ قال] : «الجهاد في سبيل الله» . رواه مسلم «٣» . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لا يجتمع كافر وقاتله في النّار أبدا» . رواه مسلم «٤» .

وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه يوم/ (بدر) : «قوموا إلى جنّة عرضها السّماوات والأرض» . رواه مسلم «١» . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته ستّين عاما، ألا تحبّون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنّة؟ اغزوا في سبيل الله، فمن قاتل في سبيل الله فواق ناقة- أي: قدر ما بين حلبتيها- وجبت له الجنّة» . رواه الإمام أحمد والتّرمذيّ، وقال: حديث حسن. والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم «٢» . وعن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مقام الرّجل في الصّفّ في سبيل الله أفضل عند الله من عبادة الرّجل ستّين سنة» . رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاريّ «٣» . وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا وقف العباد للحساب جاء قوم واضعو سيوفهم على رقابهم تقطر دما، فازدحموا على باب الجنّة، والنّاس في الموقف، فيقال: من هؤلاء؟ قيل: الشّهداء، كانوا أحياء مرزوقين» . رواه الطّبرانيّ بإسناد حسن «٤» .

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما يجد الشّهيد من مسّ القتل إلّا كما يجد أحدكم من قرصة النّملة» . رواه النّسائيّ، وابن ماجه، والتّرمذيّ، وقال: حديث حسن صحيح، وابن حبّان في «صحيحه» «١» . وعن أبي الدّرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يشفّع الشّهيد في سبعين من أهل بيته» . رواه أبو داود، وابن حبّان في «صحيحه» «٢» . وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يعجب ربّنا جلّ وعلا من رجل غزا في سبيل الله فانهزم أصحابه فعلم ما عليه، فرجع/ حتّى أريق دمه، فيقول الله ﵎ لملائكته: انظروا إلى عبدي هذا رجع رغبة فيما عندي، وشفقة ممّا عندي» رواه الإمام أحمد، وابن حبّان في «صحيحه» «٣» .

ه، فرجع/ حتّى أريق دمه، فيقول الله ﵎ لملائكته: انظروا إلى عبدي هذا رجع رغبة فيما عندي، وشفقة ممّا عندي» رواه الإمام أحمد، وابن حبّان في «صحيحه» «٣» . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله ﷿ ليدعو الجنة يوم القيامة، فتأتي بزخرفها وزينتها فيقول سبحانه: أين عبادي الّذين قاتلوا في سبيلي وجاهدوا؟ ادخلوا الجنّة، فيدخلونها بغير حساب، فتأتي الملائكة فيقولون: ربّنا، نحن نسبّح بحمدك اللّيل والنّهار، ونقدّس لك، من هؤلاء الّذين آثرتهم علينا؟ فيقول الرّبّ جلّ وعلا: هؤلاء عبادي الّذين قاتلوا في سبيلي، وقتلوا وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا،

فتدخل عليهم الملائكة من كلّ باب، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدّار» . رواه الأصبهانيّ بإسناد حسن «١» . وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «قال الله تعالى: المجاهد في سبيلي هو ضامن عليّ، إن قبضته أورثته الجنّة، وإن رجعته رجعته بأجر أو غنيمة» . رواه التّرمذيّ، وقال: حديث صحيح «٢» . وعن عبادة بن الصّامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «جاهدوا في سبيل الله، فإنّ الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنّة، وينجّي الله به من الهمّ والغمّ» . رواه الإمام أحمد برواة ثقات، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد «٣» . وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من جرح جرحا في سبيل الله، أو نكب نكبة- أي: طعن- فإنّها تأتي يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها لون الزّعفران، وريحها ريح المسك» . رواه أصحاب السّنن الأربعة: أبو داود، والنّسائيّ، وابن ماجه، والتّرمذيّ، وقال: حديث/ حسن صحيح «٤» . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «غزوة في البحر خير من عشر غزوات في البرّ، ومن أجاز البحر فكأنّما أجاز الأودية كلّها، والمائد في البحر- وهو

بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «غزوة في البحر خير من عشر غزوات في البرّ، ومن أجاز البحر فكأنّما أجاز الأودية كلّها، والمائد في البحر- وهو

الّذي يدور رأسه- كالمتشحّط في دمه» . رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاريّ «١» . وعن أمّ حرام ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «المائد في البحر- الّذي يصيبه القيء- له أجر شهيد، والغريق له أجر شهيدين» . رواه أبو داود بإسناد حسن «٢» . وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من رمى بسهم في سبيل الله أخطأ أو أصاب، كان له كعتق رقبة من ولد إسماعيل» . رواه الطّبرانيّ برواة ثقات «٣» . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر ب (مكّة) عند (الحجر الأسود) » . رواه البيهقيّ، وابن حبّان في «صحيحه» «٤» .

فائدة [: في فضل من وقف في سبيل الله ساعة] قال العلماء: فيكون موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام مئة ألف ألف شهر، لأنّ قيام ليلة القدر ب (مكّة) بمئة ألف ألف شهر في غيرها.

وعن أبي الدّرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «رباط شهر خير من صيام دهر، ومن مات مرابطا في سبيل الله أمن من الفزع الأكبر، وغدي عليه برزقه، وريح من الجنّة، وأجري عليه أجر المرابط، حتّى يبعثه الله ﷿» . رواه الطّبرانيّ برواة ثقات «١» . وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من رابط ليلة حارسا من وراء المسلمين، كان له أجر من كان خلفه ممّن صام وصلّى» . رواه الطّبرانيّ بإسناد جيّد «٢» .

فائدة [: في جزاء المرابطين في سبيل الله] قال العلماء: وهذا الحديث دليل على أنّ الله يكتب للوالي مثل أعمال من عبد الله آمنا في محلّ ولايته بحمايته له، وما أجزل هذا الفضل/ العظيم. وعن ابن عبّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «عينان لا تمسّهما النّار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» . رواه التّرمذيّ، وقال: حديث حسن «٣» . وعن أبي بكر الصّديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما ترك قوم الجهاد إلّا عمّهم الله بالعذاب» . رواه الطّبرانيّ بإسناد حسن «٤» .

وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من لم يغز في سبيل الله، أو يجهّز غازيا في سبيل الله، أو يخلف غازيا في سبيل الله في أهله بخير، أصابه الله تعالى بقارعة، قبل يوم القيامة» . رواه أبو داود بإسناد حسن «١» . وعن أنس ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» . رواه أبو داود بإسناد صحيح «٢» . وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵄ أنّ رسول الله ﷺ في بعض أيّامه الّتي لقي العدوّ فيها، انتظر حتّى مالت الشّمس، ثمّ قام في النّاس خطيبا، فقال: «أيّها النّاس: لا تتمنّوا لقاء العدوّ، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أنّ الجنّة تحت ظلال السّيوف» ، ثمّ قال: «اللهمّ منزل الكتاب، ومجري السّحاب، وهازم الأحزاب؛ اهزمهم، وانصرنا عليهم» . متّفق عليه «٣» . فهذه أربعون حديثا، عشرون منها في «الصّحيحين» . عشرة من المتّفق عليه، وخمسة من أفراد البخاريّ، وخمسة من أفراد مسلم. وعشرون حديثا من غيرهما من كتب الحديث المعتمدة، صحيحا وحسنا.

باب في ما اشتهر من سيرته ﷺ إلى وفاته ولنشرع الآن في سيرته ﷺ، وأصحابه المجاهدين في سبيل الله حقّ جهاده، على ترتيب سنيّ الهجرة.

[زمن وصول النّبيّ ﷺ إلى المدينة] قال علماء السّير: دخل النّبيّ ﷺ (المدينة) الشّريفة ضحى يوم الاثنين، ثاني عشر ربيع الأوّل، وهو أوّل/ يوم من الهجرة النّبويّة «١» .

[اعتماد الهجرة بداية التّاريخ] وفي «صحيح البخاريّ» ، عن سهل بن سعد السّاعديّ ﵁ قال: ما عدّوا من مبعث النّبيّ ﷺ ولا من وفاته، ما عدّوا إلّا من مقدمه (المدينة) «٢» .

[عمر النّبيّ ﷺ حين قدم المدينة، ومدّة إقامته بمكّة والمدينة] وفيه أيضا-[أي: صحيح البخاريّ]- عن ابن عبّاس ﵄ قال: أنزل على رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين سنة، فمكث ب (مكّة) ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثمّ أمر بالهجرة، فهاجر إلى (المدينة) ، فمكث بها عشر سنين، ثمّ توفّي ﷺ وهو ابن ثلاث وستين سنة «٣» .

ربعين سنة، فمكث ب (مكّة) ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثمّ أمر بالهجرة، فهاجر إلى (المدينة) ، فمكث بها عشر سنين، ثمّ توفّي ﷺ وهو ابن ثلاث وستين سنة «٣» .

[سكنى النّبيّ ﷺ في دار أبي أيّوب الأنصاريّ ﵁] وفي «الصّحيحين» ، عن عائشة ﵂ أنّه لمّا قدم (المدينة) ﷺ أقام ب (قباء) عند بني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة، وبنى بها مسجد (قباء) ، وهو المسجد الّذي أسّس على التّقوى من أوّل يوم، وأوّل مسجد بني في الإسلام، ثمّ ارتحل من (قباء) يوم الاثنين أيضا، راكبا راحلته، وقد أرخى لها الزّمام، وكان كلّما حاذى دارا من دور الأنصار اعترضوه، وقالوا: هلمّ يا رسول الله إلى القوّة والمنعة، ولزموا بزمام ناقته، فيقول لهم: «خلّوا سبيلها، فإنّها مأمورة» ، وقد أرخى لها زمامها، وما يحرّكها، وهي تنظر يمينا وشمالا، والناس كنفيها- يعني: جانبيها- حتّى بركت حيث بركت، على موضع باب مسجده ﷺ، ثمّ ثارت وهو عليها «١» ، فسارت حتّى بركت على باب أبي أيّوب الأنصاريّ ﵁، وهو أحد بني النّجّار، ثمّ ثارت وبركت في مبركها الأوّل، وألقت جرانها «٢» بالأرض، وأرزمت «٣» ، فنزل ﷺ عنها، وقال: «هذا هو المنزل إن شاء الله تعالى» «٤» . فاحتمل أبو أيّوب الأنصاريّ رحله، وأدخله بيته، فنزل في أخوال جدّه عبد المطّلب بني النّجّار، وكان يحبّ ذلك، فاختار الله له ما كان يختاره، ولم يزل ﷺ في منزل أبي أيّوب حتّى بنى مسجده ومساكنه، وكانت إقامته عنده شهرا. قلت: كذا/ في «الصّحيحين» .

[تأسيس مسجد قباء] وبنى بها مسجد (قباء) ، وهو المسجد الّذي أسّس على التّقوى، ولا يخفى أنّه من تفسير عائشة ﵂ لقوله تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى [سورة التّوبة ٩: ١٠٨] وهو نكرة، صادق على كلّ مسجد بني في ابتداء الهجرة، لكن يعارض تفسير عائشة تفسيره ﷺ كما في «صحيح مسلم والتّرمذيّ» ، أنّ رجلين اختلفا في المسجد الّذي أسّس على التّقوى، فسألا النّبيّ ﷺ فقال: «هو مسجدي هذا» «١» . وهو الصّواب، والله أعلم.

ا في «صحيح مسلم والتّرمذيّ» ، أنّ رجلين اختلفا في المسجد الّذي أسّس على التّقوى، فسألا النّبيّ ﷺ فقال: «هو مسجدي هذا» «١» . وهو الصّواب، والله أعلم.

[أوّل مولود ولد بعد قدوم النّبيّ ﷺ المدينة] وفي «صحيح البخاريّ» عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: ولدت عبد الله بن الزّبير ب (قباء) ، وكان أوّل مولود ولد في الإسلام بعد الهجرة «٢» .

[أوّل من مات بالمدينة] وفيه-[أي: صحيح البخاريّ]- عن أمّ العلاء: إنّ أوّل من مات ب (المدينة) : عثمان بن مظعون، وهو خال حفصة وعبد الله بن عمر ﵄ «٣» .

[بناء المسجد النّبويّ] ولمّا بنى مسجده ﷺ كان ينقل اللّبن «٤» مع أصحابه ويرتجز معهم.

وفي «الصّحيحين» ، عن أنس ﵁ قال: لمّا قدم النّبيّ ﷺ (المدينة) ، نزل في أعلى (المدينة) ، في حيّ يقال لهم: بنو عمرو بن عوف، فأقام النّبيّ ﷺ فيهم أربع عشرة ليلة، ثمّ أرسل إلى ملإ من بني النّجّار- لمّا أمر ببناء المسجد- فقال: «يا بني النّجّار، ثامنوني بحائطكم هذا» «١» ، فقالوا: لا، والله لا نطلب ثمنه إلّا إلى الله، فأبى أن يقبله منهما هبة حتّى ابتاعه منهما، ثمّ بناه مسجدا، وكان فيه قبور المشركين، وفيه خرب، وفيه نخل، فأمر النّبيّ بقبور المشركين فنبشت، ثمّ بالخرب فسوّيت، وبالنّخل فقطع، فصفّوا النّخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه الحجارة، وجعلوا ينقلون الصّخروهم يرتجزون، والنّبيّ ﷺ معهم، وهو يقول: «اللهمّ لا خير إلّا خير الآخره ... فاغفر للأنصار والمهاجره» «٢» وفي رواية: «فانصر الأنصار والمهاجره» «٣» . قال ابن شهاب: ولم يبلغنا أنّ رسول الله ﷺ/ تمثّل ببيت شعر تامّ غير هذه الأبيات «٤» . [تجديد بناء المسجد] وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن نافع عن ابن عمر ﵄: أنّ المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ مبنيّا باللّبن، وسقفه الجريد، وعمده الخشب، فلم يزد أبو بكر فيه شيئا،

وزاد عمر وبناه على بنيانه في عهد النّبيّ ﷺ باللّبن والجريد، وأعاد عمده خشبا، ثمّ غيّره عثمان، فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصّة- أي: النّورة، وهي بقاف مفتوحة ومهملة- وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالسّاج «١» . وفي «صحيح البخاريّ» ، عن ابن عبّاس ﵄ أنّه قال: لتزخرفنّها كما زخرفت اليهود والنّصارى «٢» .

[إخباره ﷺ عمّارا بقتله على يد الفئة الباغية] وفيه عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: كنّا في بناء المسجد نحمل لبنة لبنة، وعمّار لبنتين لبنتين، فرآه النّبيّ ﷺ فنفض التّراب عنه، وهو يقول: «ويح عمّار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النّار» «٣» .

[فضل المسجد النّبويّ] وفي «الصّحيحين» ، عن أبي هريرة ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «لا تشدّ الرّحال إلّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرّسول، والمسجد الأقصى» «٤» .

وفيهما-[أي: الصّحيحين]- أنّ النّبيّ ﷺ كان يزور مسجد (قباء) راكبا وماشيا «١» .

[مشروعيّة الأذان] وفي السّنة الأولى أيضا: شرع الأذان والإقامة للصّلوات الخمس، وذلك برؤيا مشهورة ارتضاها النّبيّ ﷺ. وفي «الصّحيحين» ، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: كان المسلمون حين قدموا (المدينة) يجتمعون فيتحيّنون الصّلاة «٢» ، ليس ينادى لها، فتكلّموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: اتّخذوا ناقوسا مثل ناقوس النّصارى، وقال بعضهم: بل بوقا مثل بوق اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلا منكم ينادي بالصّلاة؟ فقال النّبيّ ﷺ: «يا بلال، قم/ فناد بالصّلاة» «٣» . وأمره أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة «٤» . وسبق في حديث الإسراء أنه ﷺ سمع الأذان، وأمر بالصّلوات الخمس، ولم يؤمر به. والحديث رواه البزّار بإسناد حسن، عن عليّ بن أبي طالب ﵁، عن النّبيّ ﷺ: أنّه ركب البراق ليلة أسري به، حتّى

الأذان، وأمر بالصّلوات الخمس، ولم يؤمر به. والحديث رواه البزّار بإسناد حسن، عن عليّ بن أبي طالب ﵁، عن النّبيّ ﷺ: أنّه ركب البراق ليلة أسري به، حتّى

أتى بها الحجاب الّذي يلي عرش الرّحمن جلّ وعلا، فبينما هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب، فقال النّبيّ ﷺ: «من هذا يا جبريل؟» ، قال: والّذي بعثك بالحقّ إنّي لأقرب الخلق مكانا، وإنّ هذا الملك ما رأيته قطّ منذ خلقت قبل ساعتي هذه، فقال الملك: الله أكبر، الله أكبر، قال: فقيل له من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا أكبر، أنا أكبر، ثمّ قال الملك: أشهد أن لا إله إلّا الله، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا لا إله إلّا أنا، وذكر مثل هذا في بقيّة الأذان إلى آخر الحديث «١» .

فائدة [: في قول القرطبيّ والغزاليّ في الأذان] قال القرطبيّ: الأذان على قلّة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة. وقال الغزاليّ: إذا سمعت النّداء فأحضر في قلبك النّداء يوم القيامة، واعلم أنّك إن وجدت قلبك عند هذا النّداء مملوآ بالفرح والاستبشار، مشحونا بالرّغبة إلى المسارعة والابتدار، فاعلم أنّه سيأتيك النّداء بالبشرى، والفوز يوم القضاء «٢» .

[حمّى المدينة] قال أهل السّير: وكانت (المدينة) كثيرة الوباء، فتضرّر بذلك أصحابه المهاجرون، وشقّ ذلك عليه ﷺ، وخاف أن يكرهوها، فدعا الله أن يرفع الوباء عنها، فرفعه. وفي «الصّحيحين» ، عن عائشة ﵂ قالت: قدمنا (المدينة) وهي أوبأ أرض الله، فوعك أبو بكر، ووعك بلال، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمّى يقول، [من الرّجز] : كلّ امرىء مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله وكان بلال إذا أقلع عنه الحمّى يرفع عقيرته- أي: صوته- يقول/، [من الطّويل] «١» : ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل «٢» وهل أردن يوما مياه مجنّة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل «٣» وهما جبلان ب (مكّة) -[أي: شامة وطفيل] . قالت: فأخبرت النّبيّ ﷺ فقال: «اللهمّ حبّب إلينا (المدينة) ، كحبّنا (مكّة) ، أو أشدّ، وصحّحها لنا، وانقل حمّاها فاجعلها ب (الجحفة) ، وبارك لنا في صاعنا ومدّنا» «٤» .

ّبيّ ﷺ فقال: «اللهمّ حبّب إلينا (المدينة) ، كحبّنا (مكّة) ، أو أشدّ، وصحّحها لنا، وانقل حمّاها فاجعلها ب (الجحفة) ، وبارك لنا في صاعنا ومدّنا» «٤» .

فبعد دعوته ﷺ طاب لهم المقام، وانصرفت عنهم الأسقام، عند قوم كرام. وفي ذلك يقول أبو قيس صرمة بن أبي أنس، أحد بني النّجّار ﵁، [من الطّويل] «١» : ثوى في قريش بضع عشرة حجّة ... يذكّر لو يلقى صديقا مواتيا «٢» ويعرض في أهل المواسم نفسه ... فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا فلمّا أتانا أظهر الله دينه ... فأصبح مسرورا بطيبة راضيا وألفى صديقا واطمأنّت به النّوى ... وكنّا له عونا من الله باديا يقصّ لنا ما قال نوح لقومه ... وما قال موسى إذ أجاب المناديا فأصبح لا يخشى من النّاس واحدا ... قريبا ولا يخشى من النّاس نائيا «٣» بذلنا له الأموال من كلّ مالنا ... وأنفسنا عند الوغى والتّاسيا «٤»

نعادي الّذي عادى من النّاس كلّهم ... جميعا وإن كان الحبيب المصافيا [الإذن بالقتال وفرض الجهاد] وفي أوّل السّنة الثّانية من الهجرة: أذن الله في الجهاد، بقوله تعالى في حقّ المهاجرين: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [سورة الحج ٢٢/ ٣٩- ٤٠] . وبقوله تعالى في حقّ الأنصار: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، إلى آخر السّورة. [سورة الصّف ٦١/ ١٠- ١١] . ثمّ أوجب الله/ ذلك على نبيّه ﷺ بقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ الآية «١» [سورة التّوبة ٩/ ٧٣] .

فائدة [: في أي وقت يكون الجهاد فرض عين أو فرض كفاية] قال العلماء: كان الجهاد في زمنه ﷺ فرضا على الكفاية، إلّا أنّ التّخلّف عنه مشروط بإذنه ﷺ، وقيل: فرض عين. وأمّا بعده فغزونا الكفّار إلى بلادهم فرض كفاية، ودفعنا لمن دخل بلادنا منهم فرض عين، وقد أمر الله به وأوعد على تركه بقوله: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا الآية [سورة التّوبة ٩/ ٤١] ، وبقوله: إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً الآية [سورة التّوبة ٩/ ٣٩] . وعذر أولي الضّرر بقوله: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ الآية [سورة النّور ٢٤/ ٦١] ، وبقوله: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ الآية [سورة النّساء ٤/ ٩٥] .

َعْمى حَرَجٌ الآية [سورة النّور ٢٤/ ٦١] ، وبقوله: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ الآية [سورة النّساء ٤/ ٩٥] .

فائدة اخرى [: في المكّيّ والمدنيّ من سور القرآن العظيم] قال العلماء: سورة الحج وسورة الصّف من أوائل السّور المدنيّات، ومعظم القرآن مكيّ، نزل قبل الهجرة، والمدنيّ الّذي نزل بعدها، وهو نحو ثلاثين سورة؛ وهي: البقرة، وآل عمران، والنّساء، والمائدة، والأنفال، وبراءة، والحجّ، والنّور، والأحزاب، وسورة محمّد، والفتح، والحجرات، والحديد إلى الملك، وهي عشر متواليات، والمطفّفين- قيل: وهي أوّل سورة مدنيّة- ولم يكن، والنّصر، والمعوذتان. فهذه سبع وعشرون. واختلف العلماء في الرّعد، وهل أتى على الإنسان، والكوثر. والرّاجح أنّها مكيّة. والله أعلم. [الإخاء بين المهاجرين والأنصار] قال علماء السّير: فعند ذلك جمع النّبيّ ﷺ الأنصار وأسقط

الإحن «١» الّتي كانت بينهم، ثمّ آخى بين المهاجرين والأنصار «٢» ، ثمّ وادع اليهود «٣» .

[تجهيزه ﷺ السّرايا والبعوث] ثمّ شمّر عن ساق الجدّ والاجتهاد، وجاهد في الله حقّ الجهاد، فعقد الألوية، وأمّر الأمراء، وجهّز السّرايا والبعوث والجيوش، وشنّ الغارات على أعداء الدّين، بما سيأتي ذكر بعضه والإشارة إلى غيره مع التّرغيب في الجهاد والحثّ عليه بقوله وفعله، وقد سبق في صدر هذا القسم ما فيه كفاية من الآيات والأحاديث المرغّبة فيه «٤» . [عدد غزواته ﷺ] وفي/ «صحيح البخاريّ» ، عن البراء بن عازب ﵄ قال: غزا رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة، غزوت معه سبع عشرة غزوة «٥» . [صرف القبلة] وفي رجب من السّنة الثانية: حوّلت القبلة على رأس ستّة عشر شهرا من الهجرة.

ل: غزا رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة، غزوت معه سبع عشرة غزوة «٥» . [صرف القبلة] وفي رجب من السّنة الثانية: حوّلت القبلة على رأس ستّة عشر شهرا من الهجرة.

وكان ﷺ من قبل يصلّي إلى (بيت المقدس) ، ويقول: «وددت لو حوّلني ربّي إلى (الكعبة) ، فإنّها قبلة أبي إبراهيم ﵇» . وكان يتوقّع نزول الوحي عليه في ذلك، فيقلّب وجهه في السّماء، فاختار الله له ما يختاره، فنزل قوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ- أي: جهته وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ الآيات [سورة البقرة ٢/ ١٤٤] . وفي «الصّحيحين» عن البراء بن عازب ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ صلّى نحو (بيت المقدس) ستّة عشر شهرا، وكان يحبّ أن يوجّه إلى (الكعبة) ، فأنزل الله ﷿: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ، فتوجّه نحو (الكعبة) ، فقال السّفهاء من النّاس- وهم اليهود-: ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، فقال الله تعالى: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [سورة البقرة ٢/ ١٤٢] ، فصلّى مع النّبيّ ﷺ رجل ثمّ خرج بعدما صلّى، فمرّ على قوم من الأنصار في صلاة العصر يصلّون نحو (بيت المقدس) ، فقال: هو يشهد أنّه صلّى مع رسول الله ﷺ وأنّه توجّه نحو (الكعبة) ، فتوجّه القوم نحو (الكعبة) «١» .

فائدة [: في أنّ القبلة أوّل منسوخ في الإسلام] قال العلماء: كانت القبلة أوّل منسوخ في شريعتنا «١» .

[النّاسخ والمنسوخ] ومعنى النّسخ عند الأصوليين: رفع الحكم الشّرعي السّابق بخطاب لاحق. ويجوز النّسخ إلى بدل؛ كنسخ استقبال (بيت المقدس) إلى استقبال (الكعبة) . وإلى غير بدل؛ كنسخ وجوب تقديم صدقة بين يدي النّجوى في قوله تعالى: إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً بقوله: أَأَشْفَقْتُمْ/ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ الآية [سورة المجادلة ٥٨/ ١٢- ١٣] . وإلى بدل أخفّ؛ كنسخ العدّة عاما في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ بقوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [سورة البقرة ٢/ ٢٤٠، ٢٣٤] . وإلى أغلظ كنسخ التّخيير بين رمضان والفدية في قوله: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ بتعيّن الصّيام في قوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [سورة البقرة ٢/ ١٨٤- ١٨٥] .

ى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ بتعيّن الصّيام في قوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [سورة البقرة ٢/ ١٨٤- ١٨٥] .

وأنكرت اليهود جواز نسخ حكم الله السّابق بحكم لاحق، ليتوصّلوا بذلك إلى تأييد شرع موسى. واحتجّ عليهم بعض العلماء: بأنّ آدم ﵇ إن كان زوّج بنيه ببناته، فقد اعترفتم إمّا بالنّسخ وإمّا بجواز ذلك في شريعة موسى ﵇، وإن كان زوّج بنيه ببنات إبليس وبناته بأبناء إبليس؛ فأنتم من ذرية إبليس. عليه وعليهم لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين. [ما فعله اليهود عند صرف القبلة] قال العلماء: ولمّا نسخ التّوجّه إلى (بيت المقدس) بالتّوجّه إلى (الكعبة) أكثر اليهود في ذلك: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ- أي: اليهود- ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً- أي: خيارا- لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ- أي: يوم القيامة بتبليغ الرّسل- وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً- أي: مزكّيا- وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ- أي: لننظر- مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ- أي: قصّة التّحويل- لَكَبِيرَةً- أي: ثقيلة- إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ- أي: صلاتكم إلى (بيت المقدس) - إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ [سورة البقرة ٢/ ١٤٢- ١٤٣] .

[فرض الصّيام] وفي شعبان من هذه السّنة-[أي: السّنة الثّانية]-: فرض صوم رمضان، ونسخ صوم عاشوراء/، فنزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ الآيات [سورة البقرة ٢/ ١٨٣] . وفي «الصّحيحين» عن ابن عمر ﵄ قال: صام النّبيّ ﷺ عاشوراء، وأمر بصيامه، فلمّا فرض رمضان ترك «١» .

َ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ الآيات [سورة البقرة ٢/ ١٨٣] . وفي «الصّحيحين» عن ابن عمر ﵄ قال: صام النّبيّ ﷺ عاشوراء، وأمر بصيامه، فلمّا فرض رمضان ترك «١» .

[فرض صدقة الفطر] وفيها-[أي: السّنة الثانية]- في رمضان: فرضت صدقة الفطر. ففي «الصّحيحين» ، عن ابن عمر ﵄ قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على كلّ حرّ أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين «١» . [غزوة بدر الكبرى] وفيها-[أي: السّنة الثانية]- في رمضان: غزا رسول الله ﷺ غزوة (بدر) الكبرى، وكانت الوقعة يوم الجمعة، السّابع عشر من رمضان المعظّم، وهو يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان، وأشار إليها في القرآن قبل وقوعها بقوله: فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً [سورة الفرقان ٢٥/ ٧٧] ، وبقوله: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ [سورة الدّخان ٤٤/ ١٦] . وفضلها أشهر من أن يذكر.

[عدّة من خرج من المسلمين إلى بدر] وفي «صحيح البخاريّ» ، عن البراء بن عازب ﵄: إنّ عدّة أصحاب (بدر) على عدّة أصحاب طالوت الّذين جاوزوا معه النّهر، ولم يجاوز معه إلّا مؤمن. وهم ثلاث مئة وثلاثة عشر، معهم فارس واحد، وهو المقداد بن الأسود ﵃ أجمعين «٢» . وعدّة المشركين نحو الألف، منهم ثمانون فارسا. واستشهد من المسلمين أربعة عشر، وقتل من المشركين سبعون، وأسر سبعون.

[إمداد الله المسلمين بالملائكة وفضلهم] وشهدها جبريل الأمين في ألف من الملائكة مردفين، وصار لهم فضل عند أهل السّماء كفضل أهل (بدر) عند أهل الأرض. وفي «صحيح البخاريّ» ، أنّ جبريل ﵇ قال للنّبيّ ﷺ: ما تعدّون أهل (بدر) فيكم؟ قال: «من أفضل المسلمين» ، قال: وكذلك من شهد (بدرا) من الملائكة «١» . والله أعلم.

يح البخاريّ» ، أنّ جبريل ﵇ قال للنّبيّ ﷺ: ما تعدّون أهل (بدر) فيكم؟ قال: «من أفضل المسلمين» ، قال: وكذلك من شهد (بدرا) من الملائكة «١» . والله أعلم.

فائدة [: في المزايا الّتي منحها الله لأهل بدر] وفي «الصّحيحين» أيضا، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «لعلّ الله اطّلع على أهل (بدر) فقال: / اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» «٢» . أي: علم الله أنّهم من أهل الجنّة، لما سبق أنّه لم يشهدها إلّا مؤمن، كما أنّه لم يجاوز النّهر مع طالوت إلّا مؤمن، ومن سبقت له العناية لم تضرّه الجناية، ولم يمت أحد منهم بحمد الله إلّا على أعمال أهل الجنّة، ولا ينافي ذلك معاقبتهم على هفواتهم بعد ذلك؛ كحاطب وسعد وأبي لبابة ومسطح ومرارة وهلال «٣» . والمراد أنّ الله علم أنّ ذنوبهم مغفورة بما ينالهم من البلاء والأذى في الدّنيا، وإذا كان كذلك فلم يغفر حينئذ على القطع لأحد ما تأخّر من ذنبه، إلّا لمحمّد ﷺ.

وما ورد في بعض الأخبار- كما ورد في حديث الشّفاعة- من قوله: «غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر» ، محمول على غفران أوّل ذنبه وآخره، لقوله: «ما قدّمت وما أخّرت، وأوّله وآخره» . والله أعلم. [سبب غزوة بدر] قال اهل السّير: وسببها أنّ النّبيّ ﷺ سمع بأبي سفيان بن حرب في عير لقريش أقبلت من (الشّام) ، فجعل العيون عليها «١» ، فلمّا جاءه عينه خرج بمن خفّ معه من المسلمين، ولم يكن يظنّ أنّه يلقى عدوّا، وكان أبو سفيان يتحسّس الأخبار خوفا من النّبيّ ﷺ، فجاءه الخبر بمخرجه، فبعث إلى قريش يستنفرهم، فأوعبت «٢» قريش في الخروج، وخرجت سائر بطونها.

[استشارة النّبيّ ﷺ أصحابه بعد نجاة العير] فلمّا كان النّبيّ ﷺ ببعض الطّريق، بلغه نفر قريش، فاستشار أصحابه في طلب العير أو قتال النّفير، وقال: «إنّ الله وعدني إحدى الطّائفتين» «٣» . وكانت العير أحبّ إليهم، كما قال الله تعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ- أي: السّلاح، وهي العير- تَكُونُ لَكُمْ [سورة الأنفال ٨/ ٧] . فتكلّم أبو بكر فأعرض عنه، فتكلّم عمر فأعرض عنه، وهو في كلّ ذلك يقول: «أشيروا عليّ» ، فعلموا أنّه إنّما يريد/ الأنصار لأنّه لم يكن بايعهم على القتال، إنّما بايعهم على أن يمنعوه ممّا

يمنعون منه أنفسهم، ممّن دهمه «١» إلى (المدينة) ، ولكن كان الإيمان قد تمكّن في قلوبهم، واعتقدوا وجوب طاعته ونصرته ﷺ، حتّى لو أمرهم بقتل آبائهم وأبنائهم لا متثلوا أمره. فقام سعد بن عبادة ﵁ فقال: إيّانا تريد يا رسول الله؟ قال: «نعم» ، قال: والّذي بعثك بالحقّ، لو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى (برك الغماد) «٢» - أي: بالمعجمة- لفعلنا، ولو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها. فسرّ بذلك رسول الله ﷺ فقال: «سيروا على بركة الله، والله لكأنّي أنظر إلى مصارع القوم» «٣» .

[مبادرة النّبيّ ﷺ قريشا إلى الماء وبناء العريش له] فساروا حتّى نزل النّبيّ ﷺ على أدنى ماء من مياه (بدر) إلى عسكره، فأشير عليه أن ينزل على أدنى ماء إلى العدوّ، ويترك المياه كلّها خلفه، ففعل. وبني له عريش يستظلّ فيه.

النّبيّ ﷺ على أدنى ماء من مياه (بدر) إلى عسكره، فأشير عليه أن ينزل على أدنى ماء إلى العدوّ، ويترك المياه كلّها خلفه، ففعل. وبني له عريش يستظلّ فيه.

[دعاء النّبيّ ﷺ على قريش] ولمّا أقبلت قريش قال النّبيّ ﷺ: «اللهمّ هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادّك وتكذّب رسولك، اللهمّ أحنهم- أي: أحضر حينهم وهو هلاكهم- الغداة، اللهمّ إن تهلك هذه العصابة- يعني: المسلمين- لا تعبد في الأرض» «٤» . وما زال يهتف بربّه- أي: يدعوه- حتّى سقط رداؤه، فأخذ

أبو بكر بيده وقال: حسبك يا رسول الله، فقد ألححت على ربّك- أي: بالغت في سؤاله- فخرج ﷺ وعليه الدّرع وهو يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ. بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ [سورة القمر ٥٤/ ٤٥- ٤٦] . قلت: ينبغي نصب السّاعة الأولى في الحديث على الظّرفيّة لكنّا رويناه بالرّفع كلفظ التّلاوة.

[تسوية النّبيّ ﷺ الصّفوف] ثمّ أخذ ﷺ يعدّل صفوفهم، وأمرهم أن لا يحملوا حتّى يأمرهم.

[مناشدة النّبيّ ﷺ ربّه النّصر] ثمّ رجع إلى العريش ومعه أبو بكر ﵁، فخفق «١» / خفقة، ثمّ انتبه، فقال: «أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه» . ثمّ خرج إلى صفّ أصحابه، فلمّا تزاحف النّاس أخذ حفنة من الحصباء ورمى بها في وجوه المشركين، وقال لأصحابه: «شدّوا باسم الله» ، فكانت الهزيمة فيهم بإذن الله تعالى، ونصر الله عبده، وأعزّ جنده، وأنزل الله تعالى في قسمة غنائم (بدر) سورة الأنفال، وفيها أيضا ليعلموا أنّه النّاصر لهم: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [سورة الأنفال ٨/ ١٧] .

[طرح بعض المشركين في القليب، ومخاطبة النّبيّ ﷺ لهم] وفي «الصّحيحين» ، أنّه ﷺ أمر بقتلى المشركين فألقوا في قليب، ثمّ قام على القليب، فجعل يناديهم بأسمائهم: «هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّا» ، ثمّ قال: «والّذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» «٢» .

في قليب، ثمّ قام على القليب، فجعل يناديهم بأسمائهم: «هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّا» ، ثمّ قال: «والّذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» «٢» .

[عودة النّبيّ ﷺ إلى المدينة وتهنئته بالنّصر] ثمّ قفل ﷺ راجعا إلى (المدينة) ، ولقيه المسلمون إلى (الرّوحاء) «١» يهنّئونه بالنّصر والظّفر: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [سورة الأنعام ٦/ ٤٥] .

فائدة [: في سبب إلحاح النّبيّ ﷺ على ربّه بالنّصر في بدر] قوله: فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك يا رسول الله، فقد ألححت على ربّك. قال العلماء: لا يجوز أن يتوهّم أحد أنّ أبا بكر ﵁ كان أوثق بربّه من النّبي ﷺ في تلك الحالة وغيرها، بل الحامل له على ذلك تقوية قلوب أصحابه، لأنّهم كانوا يعلمون أنّه شفيع مشفّع، مستجاب الدّعوة، وكان ذلك اليوم أوّل مشهد شهدوه، فبالغ في الدّعاء لتسكن نفوسهم، فلمّا قال أبو بكر ما قال، علم أنّه قد اعتقد إجابة الدّعاء، ووقوع النّصر، فخرج النّبيّ ﷺ. والله أعلم. [بناؤه ﷺ بعائشة ﵂] وفيها-[أي: السّنة الثّانية]- في شوّال: بعد (بدر) دخل النّبيّ ﷺ بعائشة بنت أبي بكر ﵄، وهي بنت تسع سنين «٢»

[قتل كعب بن الأشرف وأبي رافع] وفيها-[أي: السّنة الثّانية]- بعد (بدر) : كان قتل كعب بن الأشرف وأبي رافع. [سبب قتل كعب بن الأشرف] أمّا «١» كعب بن الأشرف فإنّ النّبيّ ﷺ لمّا انتصر ب (بدر) اشتدّ حزن عدوّ الله/ كعب بن الأشرف الطّائيّ اليهوديّ، وأمّه من بني النّضير، فرثى قتلى المشركين بقصائد، وقدم (مكّة) وحرّض قريشا على الأخذ بالثّأر، ثمّ رجع إلى (يثرب) ، وكان له حصن منيع، فأظهر العداوة والبغضاء للنّبيّ ﷺ وأصحابه، وجعل يشبّب في شعره بنساء المسلمين ويؤذيهم «٢» ، فقال النّبيّ ﷺ: «من لكعب بن الأشرف؟ فإنّه قد آذى الله ورسوله» ، فانتدب له خمسة من الأنصار ثمّ من الأوس، فقتلوه.

[سبب قتل سلّام بن أبي الحقيق] وانتدب «٣» أيضا لقتل أبي رافع بن أبي الحقيق تاجر أهل (الحجاز) - وكان له حصن ب (خيبر) ، وكان يؤذي رسول الله ﷺ، ويعين عليه- سبعة من الخزرج، فقتلوه.

[تحريض النّبيّ ﷺ على قتل كعب بن الأشرف] وفي «الصّحيحين» ، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «من لكعب بن الأشرف؟ فإنّه قد آذى الله ورسوله» . فقال محمّد بن مسلمة: أتحبّ أن أقتله يا رسول الله؟ قال: «نعم» ، قال: ائذن لي فلأقل، قال: «قل» ، قال فأتاه فقال له: إنّ هذا الرّجل قد أراد الصّدقة منّا، وقد عنّانا- أي: أتعبنا- فقال كعب: وأيضا والله لتملّنّه، قال: إنّا قد اتّبعناه، ونكره أن ندعه حتّى ننظر إلى أيّ شيء يصير أمره، وقد أردت أن تسلفني سلفا، قال: فما ترهنني؟ قال: ما تريد؟ قال: ترهنني نساءكم؟ قال: أنت أجمل العرب، أنرهنك نساءنا؟ قال له: ترهنوني أولادكم؟ قال: يسبّ ابن أحدنا فيقال: رهن في وسقين من تمر «١» ، ولكن نرهنك الّلأمة- يعني السّلاح- قال: فنعم.

Bagian 5 dari 10