— Bagian 6 · أجمل العرب، أنرهنك نساءنا؟ قال له: —
Bagian 6
أجمل العرب، أنرهنك نساءنا؟ قال له: ترهنوني أولادكم؟ قال: يسبّ ابن أحدنا فيقال: رهن في وسقين من تمر «١» ، ولكن نرهنك الّلأمة- يعني السّلاح- قال: فنعم. فواعده أن يأتيه بالحارث بن أوس، وأبي نائلة، وأبي عبس بن جبر، وعبّاد بن بشر، قال: فجاؤوا، فدعوه ليلا، فقالت له امرأته: والله إنّي لأسمع صوتا فيه الموت، قال: إنّما هذا محمّد بن مسلمة، ورضيعه أبو نائلة، إنّ الكريم لو دعي إلى طعنة لأجاب، فقال محمّد بن مسلمة لأصحابه: إنّي إذا جاء/ فسوف أمدّ يدي إلى رأسه، فإذا استمكنت منه فدونكم، فنزل وهو متوشّح بالسّيف، فقالوا له: إنّا نجد منك ريح الطّيب، قال: نعم، تحتي فلانة أعطر نساء العرب، قال محمّد بن مسلمة: أفتأذن لي أن أشمّ منه؟ قال: نعم، فشمّ، فتناول فشمّ، ثمّ قال: أتأذن لي أن أعود؟ قال: نعم، وتمكّن منه، ثمّ قال: دونكم، فقتلوه. ثمّ
أتوا النّبيّ ﷺ فأخبروه «١» .
[بعث النّبيّ ﷺ عبد الله بن عتيك لقتل سلّام بن أبي الحقيق] وفي «صحيح البخاريّ» ، عن البراء بن عازب ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ رجالا من الأنصار، وأمّر عليهم عبد الله بن عتيك، وكان أبو رافع يؤذي النّبيّ ﷺ، ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض (الحجاز) ، فلمّا دنوا منه، وقد غربت الشّمس، وراح النّاس بسرحهم «٢» ، قال عبد الله بن عتيك لأصحابه: اجلسوا مكانكم- أي: خارج السّور- فإنّي منطلق، ومتلطّف للبوّاب، لعلّي أن أدخل، ثمّ أقبل حتّى دنا من الباب، ثمّ تقنّع بثوبه- أي: غطّى به رأسه- كأنّه يقضي الحاجة، وقد دخل النّاس، فهتف به البوّاب: يا هذا، إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإنّي أريد أن أغلق الباب، قال: فدخلت فكمنت- أي:
غطّى به رأسه- كأنّه يقضي الحاجة، وقد دخل النّاس، فهتف به البوّاب: يا هذا، إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإنّي أريد أن أغلق الباب، قال: فدخلت فكمنت- أي: اختفيت- فلمّا دخل النّاس أغلق البوّاب الباب، ثمّ علّق المفاتيح على وتد، قال: فقمت إلى الأغاليق فأخذتها، ففتحت الباب، وكان أبو رافع يسمر مع أصحابه في علّيّة «٣» له، فلمّا ذهب عنه أهل سمره، صعدت إليه، فجعلت كلّما فتحت بابا أغلقت عليّ من داخل، وقلت: إن يدر بي القوم لم يخلص إليّ أحد منهم حتّى أقتله- أي: وإن قتلوني بعده-، فانتهيت إليه، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو، فقلت: يا أبا رافع، فقال: من هذا؟ فأهويت نحو الصّوت، فضربته بالسّيف وأنا دهش، فما
أغنيت شيئا «١» ، وصاح، فخرجت من البيت، فمكثت غير بعيد، ثمّ دخلت إليه، فقلت: ما هذا/ الصّوت يا أبا رافع؟ وغيّرت صوتي كأنّي أغيثه، فقال: إنّ رجلا في البيت ضربني بالسّيف، قال: فضربته ضربة فأثخنته، ثمّ وضعت ظبّة السّيف «٢» في بطنه، واعتمدت عليه حتّى خرج من ظهره، فعرفت أنّي قد قتلته، فجعلت أفتح الأبواب بابا بابا، حتّى انتهيت إلى درجة له، فوضعت رجلي، وأنا أظنّ أنّي قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت، فانكسرت ساقي فعصبتها، ثمّ جلست على الباب، وقلت: والله لا أخرج اللّيلة حتّى أعلم أنّي قتلته، فمكثت إلى أن صاح الدّيك، فقام النّاعي على السّور، وقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل (الحجاز) ، فانطلقت إلى أصحابي، فقلت: النّجاء «٣» ، فقد قتل الله أبا رافع، فانتهينا إلى النّبيّ ﷺ فحدّثته، فقال: «ابسط رجلك» ، فبسطتها فمسحها بيده، فكأنّي لم أشكها قطّ «٤» . [غزوة بني قينقاع] وفي هذه السّنة أيضا-[أي: السّنة الثّانية]-: نقضت بنو قينقاع يهود (المدينة) العهد، فحاصرهم النّبيّ ﷺ حتّى نزلوا على حكمه فيهم، فوهبهم لعبد الله بن أبيّ ابن سلول، وكانوا حلفاءه، وأخذ أموالهم. [غزوة أحد] وفي السّنة الثّالثة: كانت غزوة (أحد) ، وكانت وقعتها يوم السّبت للنّصف من شوّال.
[خروج قريش] وكان من حديث (أحد) أنّ قريشا تحاشدوا بعد (بدر) ، واجتهدوا في طلب الثّأر، وخرجوا بظعنهم ومن أطاعهم من الأحابيش- أي: جموع العرب- حتّى نزلوا ب (أحد) ، وكانوا ثلاثة آلاف، منهم مئتا فارس.
[مشاورة النّبيّ ﷺ أصحابه في الخروج] فلمّا علم بهم رسول الله ﷺ استشار أصحابه في الخروج إليهم أو الإقامة، وقال لهم: «إنّي رأيت في منامي كأنّ في سيفي ثلمة، وأنّ بقرا تذبح، وتأوّلتها أنّ نفرا من أصحابي يقتلون، وأنّ رجلا من أهل بيتي يصاب، فإن رأيتم أن تقيموا ب (المدينة) وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشرّ مقام، وإن دخلوها قاتلناهم فيها» «١» . فاختلفت آراؤهم في ذلك، حتّى غلب رأي من أحبّ الخروج. وكان من لم يشهد/ (بدرا) حصل معهم من الأسف على ما فاتهم من الفضيلة.
[تهيّؤ النّبيّ ﷺ للخروج] فدخل ﷺ فلبس لأمته «٢» ، وخرج عليهم فوجدهم قد رجّحوا رأي القعود، فقال: «لا ينبغي لنبيّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتّى يقاتل» «٣» . فسار بهم، وكانوا نحو الألف، ليس فيهم فرس «٤» . [انخذال عبد الله بن أبي بالمنافقين] فانخذل عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وكان مطاعا بثلث النّاس.
[تعبئة النّبيّ ﷺ المسلمين للقتال] فبقي نحو سبع مئة رجل، فنزل ﷺ وجعل ظهره إلى (أحد) ، ورتّب أصحابه كما قال الله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ
- وكان غدا من منزل عائشة- تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ الآيات [سورة آل عمران ٣/ ١٢١] ، وأقعد الرّماة، وهم خمسون على جبل (عنين) - مصغّرا بمهملة ونون مكرّرة- وقال لهم: «لا تبرحوا مكانكم إن غلبنا أو غلبنا» .
[انتصار المسلمين ودور الرّماة فيه] وظاهر ﷺ يومئذ بين درعين «١» ، وحمل هو وأصحابه على المشركين فهزمهم الله تعالى، كما قال الله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [سورة آل عمران ٣/ ١٥٢] . وقتل منهم اثنان وعشرون رجلا.
تعالى، كما قال الله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [سورة آل عمران ٣/ ١٥٢] . وقتل منهم اثنان وعشرون رجلا.
[الابتلاء بعد النّصر] فقالت الرّماة: الغنيمة يا قوم، فقد ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فأبى بعضهم فثبت مكانه لقول رسول الله ﷺ: «لا تبرحوا مكانكم» ، وخالف الآخرون، فأقبلوا على الغنيمة، كما قال الله تعالى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا- أي: الغنيمة- وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ، لكن عفا عنهم بقوله: وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [سورة آل عمران ٣/ ١٥٢] . فلمّا رأت خيل قريش ظهور المسلمين خالية عن الرّماة، حملوا عليهم، فقتلوا من بقي من الرّماة، وأتوا المسلمين من خلفهم.
[إشاعة مقتل النّبيّ ﷺ وما لقيه من الأذى] وصرخ إبليس- لعنه الله تعالى-: ألا إنّ محمّدا قد قتل، فانفضّت صفوف المسلمين، وتراجعت قريش بعد هزيمتها، وخلص العدوّ إلى رسول الله ﷺ فرموه بالحجارة، حتّى وقع لشقّه، وكسرت رباعيته اليمنى السّفلى، وجرحت شفته/ السّفلى،
وضربه ابن قمئة اللّيثي على وجهه، فدخلت حلقتان من حلق المغفر «١» في وجنته، وضربه آخر على رأسه حتّى هشم البيضة «٢» ، وكانوا أحرص شيء على قتله، فعصمه الله ﷿ منهم، وهو ﷺ ثابت ينادي أصحابه، فلم يلو عليه أحد، إذ لم يعرفوه، وظنّوا أنّه قد قتل، وهو في الحديد؛ الدّرع والمغفر، كما قال الله تعالى: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ- أي: جزاكم- غَمًّا بِغَمٍّ- أي: بعد غمّ-[سورة آل عمران ٣/ ١٥٣] .
[أوّل من عرف النّبيّ ﷺ بعد إشاعة مقتله] ثمّ إنّ كعب بن مالك الأنصاريّ ﵁ عرف النّبيّ ﷺ فصاح: يا معشر المسلمين، أبشروا، فهذا رسول الله ﷺ فعطف عليه نفر من المسلمين، ونهضوا إلى الشّعب.
مقتله] ثمّ إنّ كعب بن مالك الأنصاريّ ﵁ عرف النّبيّ ﷺ فصاح: يا معشر المسلمين، أبشروا، فهذا رسول الله ﷺ فعطف عليه نفر من المسلمين، ونهضوا إلى الشّعب.
[أبيّ بن خلف يبحث عن النّبيّ ﷺ ليقتله] فأدركهم أبيّ بن خلف فارسا، وهو يقول: أين محمّد؟ لا نجوت إن نجا، وشدّ عليه، فاعترضه رجال من المسلمين دون النّبيّ ﷺ، فقال النّبيّ ﷺ بيده هكذا- أي: خلّوا طريقه- وتناول الحربة فهزّها حتّى تطايروا من حوله لشدّة بأسه، ثمّ استقبله فدقّه في عنقه بطعنة، تدأدأ «٣» لها عن فرسه مرارا، ونفذت من الدّرع، فرجع إلى أصحابه فمات، فهمّ المشركون أن يكرّوا على النّبيّ ﷺ وأصحابه في الشّعب، فحماهم الله منهم.
[تغشية النّعاس المؤمنين] ثمّ إنّهم لمّا ترادفت عليهم الغموم ممّا أصابهم، ومن خوف كرّة العدوّ عليهم، ألقى الله عليهم النّعاس، أمنة منه لهم، إلّا المنافقين
فلم يغش النّعاس أحدا منهم لظنّهم السوء، كما قال الله تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ الآيات [سورة آل عمران ٣/ ١٥٤] . [شماتة أبي سفيان بعد المعركة] ثمّ إنّ أبا سفيان أشرف فقال: أفي القوم محمّد؟ فقال النّبيّ ﷺ: «لا تجيبوه» ، فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: «لا تجيبوه» ، قال: أفي القوم ابن الخطّاب؟ قال: / «لا تجيبوه» ، فقال: إنّ هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر ﵁ نفسه، فقال: كذبت يا عدوّ الله، قد أبقى الله لك ما يخزيك، فقال أبو سفيان: أعل هبل، فقال النّبيّ ﷺ: «أجيبوه» ، قالوا: ما نقول؟ قال: «قولوا: الله أعلى وأجلّ» ، قال أبو سفيان: لنا العزّى ولا عزّى لكم، فقال النّبيّ ﷺ: «أجيبوه» ، قالوا: ما نقول؟ قال: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم» ، قال أبو سفيان: يوم بيوم (بدر) ، والحرب سجال، وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. رواه البخاريّ عن البراء بن عازب «١» .
فائدة [: فيمن أكرمه الله بالشّهادة يوم أحد] قال العلماء: وكان يوم (أحد) يوم بلاء وتمحيص «٢» وإكرام، أكرم الله فيه من أكرم بالشّهادة، فقتل حمزة في سبعين شهيدا من المسلمين ﵃، ومثّلث بهم نساء قريش، فبقروا بطن
الحمزة، وقطعوا كبده، فلمّا نظر إليه ﷺ كذلك ترحّم عليه وأثنى عليه، ثمّ قال: «والله، لئن أظفرني الله بهم لأمثّلنّ بسبعين منهم مكانك» «١» ، ثمّ ذكر قول الله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ. وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [سورة النّحل ١٦/ ١٢٦- ١٢٧] . فاختار الصّبر كما أمره الله تعالى، وكان ينهى عن المثلة.
خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ. وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [سورة النّحل ١٦/ ١٢٦- ١٢٧] . فاختار الصّبر كما أمره الله تعالى، وكان ينهى عن المثلة.
[دفن الشّهداء] ثمّ إنّه ﷺ أمر بدفن الشّهداء بدمائهم، ولم يغسّلهم، ولم يصلّ عليهم، وقال: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة» - أي: لهم- وكان يجمع بين الرّجلين في ثوب واحد، ثمّ يقول: «أيّهم أكثر أخذا للقرآن؟» ، فإذا أشير له إلى أحدهما قدّمه في اللّحد «٢» . [ما نزل من القرآن في يوم أحد] وأنزل الله فيهم: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ الآيات [سورة آل عمران ٣/ ١٦٩- ١٧٠] . وأنزل الله تسلية للمؤمنين وتقوية لعزائمهم: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ- أي: يوم (بدر) - وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ [سورة آل عمران ٣/ ١٣٩- ١٤٠] . ودلّهم على وجه الحكمة فيما قضاه وقدّره/ عليهم بقوله تعالى: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا- أي: يظهر إيمانهم ويميّزهم
آل عمران ٣/ ١٣٩- ١٤٠] . ودلّهم على وجه الحكمة فيما قضاه وقدّره/ عليهم بقوله تعالى: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا- أي: يظهر إيمانهم ويميّزهم
عن المنافقين؛ كعبد الله بن أبيّ وذويه- وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ- كحمزة وأصحابه- وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا- أي: يخلّص إيمانهم- وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ [سورة آل عمران ٣/ ١٤٠- ١٤١] . [غزوة حمراء الأسد] [قال تعالى] : الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ [سورة آل عمران ٣/ ١٧٢] . وذلك أنّ قريشا لمّا بلغت (الرّوحاء) همّوا أيضا بالرّجوع لاستئصال من بقي من المسلمين بزعمهم، فلمّا علم بهم النّبيّ ﷺ ندب أصحابه للخروج للقائهم، وقال: «لا يخرج معنا إلّا من حضر يومنا بالأمس» «١» ، فسار بهم حتّى بلغ (حمراء الأسد) «٢» ، فمرّ بهم معبد الخزاعيّ، وهم نزول، فأسرع إلى قريش فأخبرهم بمخرج رسول الله ﷺ وأصحابه إليهم، فثنى ذلك قريشا عن لقائهم، وألقى الله في قلوبهم الرّعب، فأدبروا إلى (مكّة) ، فمرّ عليهم ركب، فجعلوا لهم جعلا على أن يخبروا محمّدا وأصحابه أنّهم يريدون الكرّة عليهم، ولا يخبروهم بانصرافهم إلى (مكّة) ، فلمّا مرّ الرّكب على المسلمين وأخبروهم بذلك، قالوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [سورة آل عمران ٣/ ١٧٣] . وأقاموا ثلاثا ينتظرون لقاء العدوّ، فبلغهم مسيرهم فرجعوا، فأنزل الله سبحانه: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ. الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ
- أي: الرّكب- إِنَّ النَّاسَ- أي: قريشا- قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [سورة آل عمران ٣/ ١٧٢- ١٧٤] .
[موقف أنس بن النّضر ﵁] وفي «الصّحيحين» ، عن أنس ﵁ قال: إنّ عمّي أنس بن النّضر غاب عن (بدر) ، فقال: غبت عن أوّل قتال للنّبيّ ﷺ، لئن أشهدني الله قتالا مع النّبيّ ﷺ ليرينّ الله ما أصنع، فلمّا انهزم المسلمون يوم (أحد) /، قال: اللهمّ إنّي أعتذر إليك ممّا صنع هؤلاء- يعني: المسلمين- وأبرأ إليك ممّا جاء به المشركون، فتقدّم بسيفه فلقيه سعد بن معاذ، قال: يا سعد إنّي أجد ريح الجنّة دون (أحد) ، فقتل، ووجد به بضع وثمانون، من طعنة وضربة «١» ورمية بسهم ﵁ «٢» . وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن أنس ﵁ قال: كنّا نرى أنّ هذه الآية: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [سورة الأحزاب ٣٣/ ٢٣] ، نزلت في أنس بن النّضر وأشباهه من قتلى (أحد) «٣» .
[حضور الملائكة ودفاعها عن النّبيّ ﷺ] وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن سعد بن أبي وقّاص ﵁ قال: رأيت النّبيّ ﷺ يقاتل يوم (أحد) ومعه رجلان يقاتلان، عليهما ثياب بيض، ما رأيتهما قبل ولا بعد «٤» .
[قتال سعد بن أبي وقّاص ﵁] وقال: نثل النّبيّ ﷺ لي كنانته يوم (أحد) ، وقال: «ارم فداك أبي وأمّي» «١» . وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: ما سمعت النّبيّ ﷺ جمع أبويه لأحد إلّا لسعد بن مالك «٢» ، فإنّي سمعته يقول له يوم (أحد) : «ارم فداك أبي وأمّي» «٣» .
[تأثّر النّبيّ ﷺ بما لقيه] وفي «صحيح البخاريّ» ، عن ابن عبّاس ﵄ قال: اشتدّ غضب الله على من قتله نبيّ الله، واشتدّ غضب الله على من أدمى وجه نبيّ الله «٤» .
النّبيّ ﷺ بما لقيه] وفي «صحيح البخاريّ» ، عن ابن عبّاس ﵄ قال: اشتدّ غضب الله على من قتله نبيّ الله، واشتدّ غضب الله على من أدمى وجه نبيّ الله «٤» .
[بشارة النّبيّ ﷺ جابرا ﵁] وفي «الصّحيحين» ، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لمّا قتل أبي يوم (أحد) ، جعلت أبكي، وأكشف الثّوب عن وجهه، فقال النّبيّ ﷺ: «تبكيه أو لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظلّه بأجنحتها حتّى رفع» «٥» . وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
[الرّجيع وبئر معونة] وفي هذه السّنة أيضا-[أي: السّنة الثّالثة]- بعد (أحد) : أصيب عاصم وأصحابه ب (الرّجيع) ، والقرّاء السّبعون أصحاب (بئر معونة) ، ليمتحن الله الأنصار بالصّبر، ويضاعف لهم عظيم الأجر، وقصّة الفريقين مشهورة في «الصّحيحين» .
[بعث الرّجيع] أمّا «١» أصحاب الرّجيع: فإنّ النّبيّ ﷺ بعث عاصم بن ثابت الأنصاريّ في عشرة من أصحابه عينا، فلمّا/ كانوا ب (الرّجيع) - وهو: ماء لهذيل، بين (عسفان ومرّ الظّهران) ، وعسفان على مرحلتين من (مكّة) - ذكروا لبني لحيان- وهم بطن من هذيل- فتبعهم منهم نحو مئة رام، فالتجأ عاصم وأصحابه إلى أكمة، فأحاط بهم القوم، ولم يقدروا على الوصول إليهم، فأمّنوهم وأعطوهم العهد أنّهم إن استسلموا لا يقتلونهم، فقال عاصم: أمّا أنا فلا أنزل في ذمّة كافر بالله أبدا، اللهمّ أخبر عنّا رسولك، فقاتلوهم حتّى قتل عاصم في ثمانية من أصحابه. [أسر زيد وخبيب] ونزل إليهم خبيب بن عديّ، وزيد بن الدّثنّة بالأمان، فغدروا بهما، فانطلقوا بهما إلى (مكّة) ، فباعوهما. فأمّا زيد: فاشتراه صفوان بن أميّة بن خلف، فقتله بأبيه، وكان قتل أباه يوم (بدر) . وأمّا خبيب: فاشتراه بنو الحارث بن عامر بن نوفل، فقتلوه بأبيهم، وكان قتل أباهم يوم (بدر) أيضا «٢» . [مقتل زيد ﵁] فلمّا خرجوا بزيد من (الحرم) إلى أدنى (الحلّ) ، وقرّبوه
ه بنو الحارث بن عامر بن نوفل، فقتلوه بأبيهم، وكان قتل أباهم يوم (بدر) أيضا «٢» . [مقتل زيد ﵁] فلمّا خرجوا بزيد من (الحرم) إلى أدنى (الحلّ) ، وقرّبوه
للقتل، قال له أبو سفيان: أنشدك الله يا زيد، أتحبّ أنّ محمّدا مكانك تضرب عنقه، وأنت في أهلك؟ قال: والله ما أحبّ أنّ محمّدا تصيبه الآن في مكانه شوكة تؤذيه، وأنا جالس في أهلي، فقتلوه، ثمّ أرادوا أخذ رأسه، فحمتهم عنه الدّبر- أي: الزّنابير- فتركوه إلى اللّيل ليأخذوه، فجاءه سيل فاحتمله، وكان قد أعطى الله عهدا أن لا يمسّ مشركا، ولا يمسّه مشرك، فأتمّ الله له ذلك بعد وفاته، كما وفّى به هو في حياته «١» . [مقتل خبيب ﵁] ولمّا خرجوا بخبيب ليقتلوه دعا بماء فتوضّأ، وصلّى ركعتين، وأوجز فيهما، وقال: لولا أن تظنّوا أنّ بي جزعا لزدت. فهو أوّل من سنّ هاتين الرّكعتين عند التّقديم للقتل، ثمّ أنشد رحمه الله تعالى، [من الطّويل] «٢» : ولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أيّ جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزّع «٣» / فقتلوه، ثمّ صلبوه، فلمّا بلغ النّبيّ ﷺ أنّه مصلوب، قال ﷺ: «أيّكم يحمل خبيبا عن خشبته وله الجنّة؟» .
فانتدب له الزّبير بن العوّام، والمقداد بن الأسود فارسين، فسارا إلى (مكّة) ، فحمله الزّبير على فرسه، فأغاز عليهما أهل (مكّة) ، فلمّا أرهقوهما ألقاه الزّبير، فابتلعته الأرض، فسمّي: بليع الأرض. [وقعة بئر معونة] وأمّا «١» أصحاب بئر معونة- بالنّون-: فإنّ أبا البراء عامر بن مالك العامريّ ملاعب الأسنّة قدم على النّبيّ ﷺ، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام، فلم يسلم، ولم يبعد «٢» ، وقال: يا محمّد، ابعث معي رجالا من أصحابك إلى أهل (نجد) يدعونهم إلى أمرك، وأنا لهم جار، فبعث معه رسول الله ﷺ سبعين رجلا من خيار المسلمين. قال أنس: كنّا نسمّيهم القرّاء، وأمّر عليهم المنذر بن عمرو الأنصاريّ الخزرجيّ السّاعديّ، أحد النّقباء الاثني عشر.
[غدر عامر بن الطّفيل بالمسلمين] فلمّا نزلوا ب (بئر معونة) ، انطلق حرام بن ملحان إلى عامر بن الطّفيل رئيس المكان ليبلّغه رسالة من رسول الله ﷺ، فأمّنه عامر ثمّ غدر به، فأومأ إلى رجل خلفه فطعنه بالرّمح حتّى أنفذ الطّعنة، فقال حرام: الله أكبر فزت وربّ الكعبة، فقتلوه، ثمّ استصرخوا على أصحابه بقبائل سليم: (رعل وذكوان وعصيّة) ، فقتلوهم عن آخرهم، ما خلا رجلين، وأخفروا «٣» ذمّة أبي البراء عامر بن مالك.
والرّجلان هما: عمرو بن أميّة الضّمريّ وأنصاريّ «١» ، كانا في إبل أصحابهم، فلمّا راحا بهما وجدا أصحابهما صرعى، والخيل واقفة، فقتلوا الأنصاريّ أيضا، وتركوا عمرا حين أخبرهم أنّه من ضمرة. فرجع عمرو إلى (المدينة) فوجد رجلين من بني عامر فقتلهما، وكان معهما جوار من النّبيّ ﷺ لم يعلم به، فلمّا قدم (المدينة) / أخبر النّبيّ ﷺ الخبر، فقال: «لقد قتلت رجلين لأدينّهما» «٢» .
لين من بني عامر فقتلهما، وكان معهما جوار من النّبيّ ﷺ لم يعلم به، فلمّا قدم (المدينة) / أخبر النّبيّ ﷺ الخبر، فقال: «لقد قتلت رجلين لأدينّهما» «٢» .
[دعاء النّبيّ ﷺ على قتلة أصحاب بئر معونة وحزنه عليهم] وحزن ﷺ على أصحاب (بئر معونة) حزنا شديدا، وقنت في الصّلوات الخمس، على قبائل سليم: (رعل وذكوان وعصيّة) ، الّذين عصوا الله ورسوله وبني لحيان أيضا شهرا، إلى أن نزل عليه قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ [سورة آل عمران ٣/ ١٢٨] فترك القنوت «٣» . [أمر عامر بن فهيرة ﵁] وممّن قتل ب (بئر معونة) عامر بن فهيرة مولى أبي بكر ﵄.
وروى البخاريّ في «صحيحه» ، عن عمرو بن أميّة الضّمريّ أنّ عامر بن الطّفيل قال له: من هذا؟ - وأشار له إلى عامر بن فهيرة- فقال له عمرو: هذا عامر بن فهيرة، فقال: لقد رأيته رفع بعد ما قتل إلى السّماء، حتّى إنّي أنظر إلى السّماء بينه وبين الأرض «١» .
[غزوة بني النّضير] وفي هذه السّنة أو في الرّابعة «٢» : كانت غزوة بني النّضير. وسببها: ما رواه البخاريّ أنّ رسول الله ﷺ خرج إليهم يستعينهم في دية الرّجلين اللّذين قتلهما عمرو بن أميّة الضّمريّ خطأ «٣» - فهي على الصّواب كما قال ابن إسحاق: بعد (أحد) وبعد (بئر معونة) - فاستند إلى جدار حصن لهم من حصونهم، فأمروا رجلا بطرح حجر على رأسه من الحصن، فأخبره جبريل ﵇ بذلك، فقام موهما لهم وترك أصحابه ورجع إلى (المدينة) . فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [سورة المائدة ٥/ ١١] وقيل: إنّها نزلت في قصّة غورث بن الحارث الّذي همّ بقتل النّبيّ ﷺ «٤» .
[حصار بني النّضير] ثمّ أصبح غازيا عليهم، فحصرهم وقطع نخيلهم وحرّقها،
٥/ ١١] وقيل: إنّها نزلت في قصّة غورث بن الحارث الّذي همّ بقتل النّبيّ ﷺ «٤» .
[حصار بني النّضير] ثمّ أصبح غازيا عليهم، فحصرهم وقطع نخيلهم وحرّقها،
فدسّ إليهم المنافقون ما حكى الله عنهم من قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ/ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ الآيات [سورة الحشر ٥٩/ ١١] . فلمّا اشتدّ الحصار على أعداء الله، وأيسوا من نصرة المنافقين، قذف الله في قلوبهم الرّعب، فطلبوا الصّلح، فصالحهم النّبيّ ﷺ على الجلاء- أي: الإخراج من أرض إلى أرض- وأنّ لهم ما أقلّت الإبل إلّا السّلاح، فجلوا إلى (الشّام) إلّا آل حييّ بن أخطب وآل أبي الحقيق، فإنّهم جلوا إلى (خيبر) . وأنزل الله فيهم سورة الحشر، وكانت أموالهم ممّا أفاء الله على رسوله، خالصة لرسول الله ﷺ، فقسمها بين المهاجرين خاصّة لشدّة حاجتهم، ولم يعط الأنصار منها شيئا، إلّا لثلاثة نفر بهم حاجة «١» ، وطابت بذلك نفوس الأنصار، كما أثنى الله عليهم بقوله: وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [سورة الحشر ٥٩/ ٩] . وفي «صحيح البخاريّ» ، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عبّاس ﵄: سورة الحشر، قال: قل سورة النّضير «٢» . وفيه-[أي: صحيح البخاريّ]- عن ابن عمر ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ حرّق نخل بني النّضير وقطّع، وهي البويرة،
فعاب ذلك المشركون عليه، فأنزل الله ﷿: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ [سورة الحشر ٥٩/ ٥] «١» . قال ابن عمر: ولها يقول حسّان بن ثابت، [من الوافر] «٢» : وهان على سراة بني لؤيّ ... حريق بالبويرة مستطير «٣» فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب، [من الوافر] : أدام الله ذلك من صنيع ... وحرّق في نواحيها السّعير ستعلم أيّنا منها بنزه ... وتعلم أيّ أرضينا تضير «٤»
[مآل أموال بني النّضير] وفي «الصّحيحين» ، عن عمر ﵁ أنّه قال: كانت أموال بني النّضير ممّا أفاء الله على رسوله، ممّا لم يوجف المسلمون عليه خيلا ولا ركابا، وكانت لرسول الله ﷺ خاصّة/ ينفق على أهله منها نفقة سنة، ثمّ يجعل ما بقي في السّلاح والكراع عدّة في سبيل الله «٥» .
[غزوة ذات الرّقاع، أو غزوة نجد] وفي هذه السّنة أيضا- وهي: الرّابعة- غزا النّبيّ ﷺ غزوة ذات
الرّقاع إلى (نجد) يريد غطفان «١» - سمّيت بذلك لأنّ أقدامهم نقبت «٢» من الحفاء، وكان يلفّون عليها الخرق- فانتهى ﷺ إلى (نجد) ، فلقي جمعا من غطفان، فتقاربوا ولم يكن قتال، فلمّا صلّى الظّهر بأصحابه ندم المشركون أن لا يكونوا حملوا عليهم في الصّلاة، ثمّ قالوا: دعوهم فإنّ لهم بعدها صلاة هي أحبّ إليهم من آبائهم وأبنائهم- يعنون: صلاة العصر- فإذا قاموا إليها فشدّوا عليهم، فنزل جبريل ﵇ بصلاة الخوف، وهي قوله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ
إليها فشدّوا عليهم، فنزل جبريل ﵇ بصلاة الخوف، وهي قوله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ
وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ الآية [سورة النّساء ٤/ ١٠٢] «١» . وفي «صحيح البخاريّ» ، خرج النّبيّ ﷺ إلى ذات الرّقاع من بطن (نخل) ، فلقي جمعا من غطفان، فصلّى بهم ركعتي الخوف «٢» . وقول البخاريّ وهي غزوة محارب خصفة من بني ثعلبة: صوابه وثعلبة- بواو العطف «٣» -. [خبر غورث بن الحارث] ولمّا قفل ﷺ من هذه الغزوة نزلوا وقت القيلولة منزلا وتفرّقوا، ونزل ﷺ تحت شجرة وعلّق بها سيفه ونام، فجاء أعرابيّ يسمّى غورث بن الحارث، فأخذ السّيف فاخترطه «٤» ، فاستيقظ النّبيّ ﷺ، فقال له الأعرابيّ: من يمنعك منّي؟ قال: «الله» ، فسقط السّيف من يده، فأخذه النّبيّ ﷺ وقال: «من يمنعك منّي؟» ، فقال: كن خير آخذ، فتركه ولم يعاقبه، فذهب إلى قومه «٥» . [غزوة بني المصطلق] وفي هذه السّنة- وهي الرّابعة-: غزا النّبيّ ﷺ غزوة بني المصطلق/ من خزاعة ب (المريسيع) - مصغّرا بمهملات-. [سببها] وذلك أنّه بلغه أنّ بني المصطلق من خزاعة أجمعوا لحربه.
[التقاء الفريقين وهزيمتهم] فخرج إليهم فلقيهم ب (المريسيع) - وهو ماء لهم من ناحية (قديد) - مصغّرا- أيضا. وهو- أي: قديد- مكان بين (خليص ورابغ) ، بين (مكّة والمدينة) . وخليص على ثلاث مراحل من (مكّة) ، فهزمهم الله، وقتل من قتل منهم، وسبى أولادهم ونساءهم، وغنم أموالهم، واصطفى من سبيهم لنفسه جويرية بنت الحارث المصطلقيّة، أمّ المؤمنين ﵂. ولمّا قفل ﷺ اتّفق في قفوله [حدثان] . أحدهما: نزول سورة المنافقين، وثانيهما: حديث الإفك. [سبب نزول سورة المنافقين] أمّا نزول سورة المنافقين: فذلك أنّه ازدحم مهاجريّ وأنصاريّ «١» على الماء، فتداعى الفريقان، فتكاثر المهاجرون على
الأنصار، فغلبوهم.
ل سورة المنافقين] أمّا نزول سورة المنافقين: فذلك أنّه ازدحم مهاجريّ وأنصاريّ «١» على الماء، فتداعى الفريقان، فتكاثر المهاجرون على
الأنصار، فغلبوهم.
[مقالة عبد الله بن أبيّ بن سلول] فجعل عبد الله بن أبيّ ابن سلول يؤنّب أصحابه- أي: يوبّخهم- ويقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتّى ينفضّوا عنه- أي: لو تركتم الإنفاق على من عنده من المهاجرين لانفضّوا عنه، وتركوه وحيدا محتاجا إليكم- ولكن والله لئن رجعنا إلى (المدينة) ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، إمّا تركوها لنا وإمّا تركناها لهم، في كلام كثير.
[زيد بن أرقم ﵁ يخبر النّبيّ ﷺ بما سمع، وتصديق الوحي له] وكان زيد بن أرقم ﵁ حاضرا عنده، فشقّ عليه ذلك، فحمل كلامه إلى النّبيّ ﷺ، فشكاه النّبيّ ﷺ إلى قومه، فعاتبوه على ذلك، فأنكره وكذّب زيد بن أرقم، وجاء إلى النّبيّ ﷺ فحلف بالله إنّه ما قال شيئا من ذلك، وإنّه يشهد أنّك لرسول الله حقّا، فقبل منه علانيته ووكل سريرته إلى الله تعالى؛ فحزن لذلك زيد بن أرقم حزنا شديدا، وقال له قومه: ما أردت إلّا/ أن كذّبك رسول الله ﷺ، وكذّبك النّاس. فلمّا ارتحل ﷺ من ذلك المنزل أردف زيد بن أرقم خلفه، وكان يومئذ فتى، فنزل جبريل الأمين بسورة (المنافقون) فقال
النّبيّ ﷺ لزيد بن أرقم: «أبشر، فقد صدّقك الله» «١» . وتلاها النّبيّ ﷺ على النّاس: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ. اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً- أي: وقاية في الظّاهر بين كفرهم الباطن وبين النّاس- الآيات [سورة المنافقون ٦٣/ ١- ٢] .
[صور من مواقف عبد الله بن أبيّ بن سلول] وكان عبد الله بن أبيّ يقوم في كلّ جمعة إذا قام النّبيّ ﷺ يخطب يقول: يا معشر المسلمين، هذا رسول الله بين أظهركم، فانصروه، فلمّا انصرف يوم (أحد) بثلث النّاس وخذل المؤمنين، فقتل منهم من قتل، أراد أن يقوم مقامه ذلك، فأقعده النّاس، وقالوا: أسكت يا عدوّ الله، فانصرف من المسجد في حال الخطبة مغاضبا، فقيل له: ارجع يستغفر لك رسول الله، فلوى رأسه وقال: لا حاجة بي إلى استغفاره، فعدّد الله في هذه السّورة قبائحه بقوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ. سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ. هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ. يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [سورة المنافقون ٦٣/ ٥- ٨] .
[موقف ابن عبد الله بن أبيّ بن سلول ﵁، من أبيه] وكان لعبد الله بن أبيّ ابن/ يسمّى عبد الله أيضا ابن عبد الله بن أبيّ، وكان مؤمنا صادقا، حسن الإيمان، فلمّا أراد أبوه أن يدخل (المدينة) ، وكان قد تخلّف قليلا عن النّاس، ردّه، وقال: والله
الله أيضا ابن عبد الله بن أبيّ، وكان مؤمنا صادقا، حسن الإيمان، فلمّا أراد أبوه أن يدخل (المدينة) ، وكان قد تخلّف قليلا عن النّاس، ردّه، وقال: والله
يا عدوّ الله، لا تدخلها إلّا بإذن من رسول الله ﷺ، حتّى تعلم أنّه الأعزّ وأنت الأذلّ، ولئن أمرني رسول الله لأضربنّ عنقك. فأرسل إليه النّبيّ ﷺ أن خلّ عنه، فخلّى عنه، وأتى النّبيّ ﷺ وقال: يا رسول الله إن شئت أن آتيك برأسه فمرني بذلك؟ فقال: «بل نعاشره معاشرة حسنة حتى يموت أو نموت، لئلا يتحدّث النّاس أنّ محمّدا يقتل أصحابه» «١» . فعامله ﷺ بالإحسان مدّة حياته، وكفّنه في قميصه بعد وفاته، واستغفر له قبل أن ينهى عنه، وقام على قبره وأراد أن يصلّي عليه، فنهي بنزول قوله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ [سورة التّوبة ٩/ ٨٤] . [حديث الإفك] وأمّا حديث الإفك فروى البخاريّ ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: خرجت مع رسول الله ﷺ في غزاة، فأنا أحمل في هودجي، فلمّا دنونا من (المدينة) ، آذن رسول الله ﷺ ليلة بالرّحيل، فقمت لأقضي حاجتي، فأبطأت، فأقبل الرّهط الّذين كانوا يرحلوني «٢» ، فاحتملوا الهودج، فرحلوه على بعيري، وهم يحسبون أنّي فيه، فجئت المنزل فإذا ليس فيه أحد، فجلست مكاني، وكان صفوان بن المعطّل قد تخلّف عن الرّكب، فأصبح بالمنزل، فلمّا رآى سوادي عرفني، فاسترجع «٣» ، فو الله ما كلّمني كلمة، ثمّ أناخ راحلته لي، فركبتها، وأخذ بزمامها يقود بي حتّى
أتى الجيش، فقال أهل الإفك ما قالوا، وكان الّذي تولّى كبر «١» ذلك عبد الله بن أبيّ.
مني كلمة، ثمّ أناخ راحلته لي، فركبتها، وأخذ بزمامها يقود بي حتّى
أتى الجيش، فقال أهل الإفك ما قالوا، وكان الّذي تولّى كبر «١» ذلك عبد الله بن أبيّ.
[مرض عائشة ﵂ وإخبار أمّ مسطح لها بالأمر] / فقدمنا (المدينة) ، فاشتكيت بها شهرا، والنّاس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا علم لي بذلك حتّى نقهت- أي: شفيت- فخرجت ليلة أنا وأمّ مسطح للبراز- بفتح الموحّدة، أي: المكان البارز- وذلك قبل أن نتّخذ الكنف «٢» ، فعثرت أمّ مسطح في مرطها «٣» ، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت لرجل شهد (بدرا) ، قالت: ألم تسمعي ما قال؟ - وكان ممّن خاض في حديث الإفك- فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا على مرضي، فلمّا رجعت إلى بيتي، دخل عليّ رسول الله ﷺ فسلّم- وقد رابني منه أنّي لا أرى منه اللّطف- أي: بالتّحريك- الّذي كنت أراه منه حين أشتكي، إنّما يدخل ويسلّم ويسأل عنّي، ثمّ ينصرف، فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبويّ؟، وأنا أريد أن أستيقن الخبر، فأذن لي.
[مواساة أمّ رومان لابنتها ﵄] فأتيت أبويّ فقلت لأمّي: يا أمّاه، ماذا يتحدّث النّاس به؟ فقالت: يا بنيّة، هوّني على نفسك الأمر، فقلّما حظيت امرأة عند زوجها إلّا حسدت، فقلت: سبحان الله أو لقد تحدّث النّاس بهذا؟ فبكيت تلك اللّيلة، لا يرقأ «٤» لي دمع، ولا أكتحل بنوم.
[استشارة النّبيّ ﷺ أصحابه بشأن عائشة ﵂] فلمّا أصبح النّبيّ ﷺ استشار عليّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد في فراقي.
فأمّا أسامة فقال: يا رسول الله، أهلك، والله ما نعلم إلّا خيرا. وأمّا عليّ فقال: يا رسول الله، لن يضيّق الله عليك، والنّساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك. فدعا رسول الله ﷺ بريرة، فقال: «يا بريرة، هل رأيت في عائشة شيئا يريبك؟» ، قالت: لا، والّذي بعثك بالحقّ.
فائدة [: في حرص الصّحابة على إراحة خاطره ﷺ] قال العلماء: إنّما رأى عليّ ﵁ من النّبيّ ﷺ انزعاجا وقلقا، فأراد راحة خاطره. قلت: وممّا يدلّ على أنّهم كانوا يرون انزعاج خاطره أشدّ عليهم من كلّ أمر: أنّ عمر لمّا قال للأنصاريّ: أجاء الغسانيّ؟ قال: بل أشدّ، اعتزل النّبيّ ﷺ نساءه «١» .
[خطبة النّبيّ ﷺ بشأن الإفك] قالت عائشة/: فقام رسول الله ﷺ في النّاس واستعذر من عبد الله بن أبيّ «٢» ، فقال: «من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فو الله ما علمت على أهل بيتي إلّا خيرا، ولقد ذكروا
رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا» . فقام سعد بن معاذ سيّد الأوس، فقال: أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك، فقام سعد بن عبادة- وكان رجلا صالحا، ولكن احتملته الحميّة- فقال لسعد بن معاذ: كذبت، والله لا تقتله ولا تقدر على ذلك، فتثاور الحيّان «١» في المسجد حتّى همّوا أن يقتتلوا، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفّضهم حتّى سكتوا. قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثمّ بكيت ليلتي المقبلة. قالت: وأصبح عندي أبواي، وقد بكيت ليلتين ويوما «٢» ، حتّى أظنّ أنّ البكاء فالق كبدي. قالت: فبينما هما عندي وأنا أبكي، إذ دخل علينا رسول الله ﷺ فسلّم، ثمّ جلس عندي، قالت: ولم يجلس عندي من يوم قيل ما قيل، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء «٣» ، فتشهّد رسول الله ﷺ، ثمّ قال: «أمّا بعد: يا عائشة، فإنّه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة، فسيبرّئك الله، وإن كنت ألممت
يوحى إليه في شأني بشيء «٣» ، فتشهّد رسول الله ﷺ، ثمّ قال: «أمّا بعد: يا عائشة، فإنّه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة، فسيبرّئك الله، وإن كنت ألممت
بذنب، فاستغفري الله، وتوبي إليه، فإنّ العبد إذا اعترف بذنبه ثمّ تاب، تاب الله عليه» . فقلت لأبي: أجب عنّي رسول الله ﷺ، فقال: والله ما أدري ما أقول له، فقلت لأمّي: أجيبي عنّي رسول الله ﷺ، فقالت: والله ما أدري ما أقول له، فقلت: والله لئن قلت لكم: إنّي بريئة- والله يعلم ذلك- لا تصدّقوني بذلك، وقد استقرّ في أنفسكم ما تحدّث به النّاس، ولئن اعترفت بذنب والله يعلم أنّي منه لبريئة لتصدّقنّي، فو الله ما أجد لي ولكم مثلا إلّا أبا يوسف- والتمست اسم يعقوب فدهشت «١» - إذ قال/: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ [سورة يوسف ١٢/ ١٨] . قالت: ثمّ تحوّلت واضطجعت على فراشي، وأنا والله أعلم أنّ الله سيبرّئني، وما كنت أظنّ أن ينزل الله في شأني وحيا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من ذلك، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ رؤيا يبرّئني الله بها، فو الله ما قام من مجلسه حتّى أخذه ما كان يأخذه من البرحاء «٢» ، من ثقل الوحي، ثمّ سرّي عنه وهو يضحك، وقال: «أبشري يا عائشة، فقد برّأك الله» ، فقلت: لا أحمد إلّا الله الّذي أنزل براءتي، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيّرتموه» . قال العلماء: فبيّنت أنّهم لا حمد لهم بالنّسبة إلى براءتها لعلمهم بحسن سيرتها.
وفي رواية: وكنت أشدّ ما كنت غضبا «١» . فأظهرت وجه العذر. قالت: وأنزل الله ﷿: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ- أي: في الآخرة-[سورة النّور ٢٤/ ١١] .
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ- أي: في الآخرة-[سورة النّور ٢٤/ ١١] .
فائدة [في طرق روايات حديث الإفك] روى البخاريّ ومسلم حديث الإفك من طريق الزّهريّ، عن عروة وهشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وانفرد البخاريّ بروايته له من طريق مسروق بن الأجدع، عن أمّ رومان أمّ عائشة، مصرّحا بسماعه منها، وهو يردّ ما زعمه أبو بكر الخطيب وجماعة من الحفّاظ من أنّ أمّ رومان ماتت في حياة النّبيّ ﷺ، وصلّى عليها سنة ستّ؛ بل حديث نزول آية التّخيير وفيه: «لا تعجلي حتّى تستأمري أبويك» «٢» - أي: أبا بكر وأمّ رومان- كما صرّح به في رواية الإمام أحمد يردّ ما قالوه، لأنّ التّخيير سنة تسع. والله أعلم «٣» .
[موقف عائشة من حسّان ﵄] قال عروة: لم يسمّ من أهل الإفك غيره إلّا حسّان بن ثابت، ومسطحا، وحمنة بنت جحش، غير أنّهم عصبة كما قال الله تعالى «٤» .
قال- أي: عروة- وكانت عائشة تكره أن يسبّ عندها حسّان، وتقول إنّه الّذي يقول، [من الوافر] «١» : فإنّ أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمّد منكم وقاء / وكان حسّان أيضا يعتذر عن ذلك. ومن شعره فيه وفي مدح عائشة ﵂ قوله، [من الطّويل] «٢» : حصان رزان ما تزنّ بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل «٣» عقيلة حيّ من لؤيّ بن غالب ... كرام المساعي مجدهم غير زائل «٤» مهذّبة قد طيّب الله خيمها ... وطهّرها من كلّ سوء وباطل «٥» فإن كنت قد قلت الّذي قد زعمتم ... فلا رفعت سوطي إليّ أناملي وكيف وودّي ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل له شرف عال على النّاس كلّهم ... تقاصر عنه سورة المتطاول «٦»
قالت عائشة ﵂: فلمّا أنزل الله تعالى براءتي، قال أبو بكر- وكان ينفق على مسطح لقرابته منه-: والله لا أنفق على مسطح أبدا بعد الّذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله ﷿: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [سورة النّور ٢٤/ ٢٢] . فقال أبو بكر: بلى، والله إنّي لأحبّ أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الّذي يجرى عليه «١» .
فائدة [: في كفر من يعتقد أنّ عائشة ﵂ لم تكن بريئة] لا يخفى أنّ بين حديث نزول سورة المنافقين وحديث الإفك مناسبة من وجوه: منها: إنّهما وقعا في الرّجوع من غزوة واحدة. ومنها: إنّ سورة المنافقين في براءة زيد بن أرقم عن الإفك، وهو الكذب المتّهم به، وحديث الإفك في براءة عائشة ﵂ عمّا قذفت به، فهي براءة قطعيّة بنصّ القرآن، حتّى إنّ من يشكّك في براءتها فهو كافر بالإجماع. بل قال ابن عبّاس ﵄ في تفسير قوله تعالى: فَخانَتاهُما [سورة التّحريم ٦٦/ ١٠]- أي: امرأة نوح نوحا، وامرأة لوط لوطا-: لم تزن امرأة نبيّ قطّ. وفي «الصّحيحين» ، أنّ صفوان بن المعطّل قال: والله ما كشفت
اهُما [سورة التّحريم ٦٦/ ١٠]- أي: امرأة نوح نوحا، وامرأة لوط لوطا-: لم تزن امرأة نبيّ قطّ. وفي «الصّحيحين» ، أنّ صفوان بن المعطّل قال: والله ما كشفت
عن كنف أنثى قطّ- أي: أنّه كان حصورا لا يأتي النّساء «١» -. وسيأتي أنّ (الخندق) في شوّال، فيلزم أنّ حديث الإفك قبل شوّال، / لأنّ سعد بن معاذ أصيب ب (الخندق) وهو القائم بعذر النّبيّ ﷺ في الإفك، كما سبق. [فضل عائشة ومنزلتها من العلم] وسبق أنّ عائشة دخل بها النّبيّ ﷺ في شوّال بعد (بدر) «٢» ، وهي بنت تسع، فيكون سنّها يوم الإفك أقلّ من إحدى عشرة سنة، ومن تأمّل ثباتها فيه كقولها: (ولشأني في نفسي أحقر من أن ينزل الله فيّ قرآنا يتلى) ، علم أنّ الله يزكّي من يشاء: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً [سورة النّور ٢٤/ ٢١] . وأمّا علوّ درجتها بعد ذلك في العلم فأشهر من أن يذكر: كقولها لمّا قال مسروق: هل رأى محمّد ﷺ ربّه؟ [فقالت] : لقد قفّ شعري «٣» . وقولها لمّا قال لها عروة: وظنّوا أنّهم قد كذبوا- مخفّفة-[فقالت] : معاذ الله أن تكون الرّسل تظنّ ذلك بربّها «٤» .
ربّه؟ [فقالت] : لقد قفّ شعري «٣» . وقولها لمّا قال لها عروة: وظنّوا أنّهم قد كذبوا- مخفّفة-[فقالت] : معاذ الله أن تكون الرّسل تظنّ ذلك بربّها «٤» .
وبمثل ذلك يعلم جلالة قدرها فيما يجب لله سبحانه من التنزيه، ولرسله من العصمة. ومنها: إنّ الّذي تولّى كبر الحدثين معا عبد الله بن أبيّ، المنافق مرّة بعد أخرى، مع ما سبق من معاشرة النّبيّ ﷺ له معاشرة حسنة. قال العلماء: وكان تقريره ﷺ له من باب ترجيح المصلحة العامّة، وهي تأليف القلوب وخشية التّنفير عن الإسلام المشار إليه بقوله: «لا يتحدّث النّاس أنّ محمّدا يقتل أصحابه» «١» . مع ما سبق من غضب قومه له، وأنّ سعد بن عبادة حملته الحميّة، هذا ولو لم يكن لسعد بعد شهود (العقبة وبدر) إلّا قوله يوم (بدر) : (والّذي بعثك بالحقّ، لو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى (برك الغماد) «٢» لفعلنا، أو نخيضها البحر لأخضناها معك) «٣» . فترجّحت هذه المصلحة العامّة على المفسدة الخاصّة به ﷺ، لأنّ الأذى راجع إليه وإلى أهله، فاحتمله لمصلحة المسلمين العامّة. كما عفا عن غورث بن الحارث الّذي اخترط عليه السّيف. وعن اليهوديّة الّتي أطعمته السّمّ، وغير ذلك. والله أعلم. [غزوة الخندق أو الأحزاب] وفي هذه السّنة- وهي الرّابعة «٤» -: كانت غزوة/ (الخندق) ، وتسمّى غزوة الأحزاب، في شوّال منها، لحول الحول من غزوة (أحد) «٥» ، ثمّ غزوة بني قريظة.
اب] وفي هذه السّنة- وهي الرّابعة «٤» -: كانت غزوة/ (الخندق) ، وتسمّى غزوة الأحزاب، في شوّال منها، لحول الحول من غزوة (أحد) «٥» ، ثمّ غزوة بني قريظة.
[سببها] أمّا غزوة (الخندق) فسببها: أنّ رسول الله ﷺ لمّا أجلى بني النّضير، ولحق رئيسهم حييّ بن أخطب ب (خيبر) ، ذهب بعد ذلك إلى (مكّة) في رجال من قومه، ودعوا قريشا إلى حرب رسول الله ﷺ، بعد أن سألوهم: أيّنا أهدى سبيلا نحن أم محمّد؟ فقالوا: بل أنتم أهدى سبيلا منه. وفيهم أنزل الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ- والجبت: الأصنام، والطّاغوت: طغاة المشركين- وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا. أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً [سورة النّساء ٤/ ٥١- ٥٢] . [خروج المشركين] فلمّا أجابتهم قريش إلى ذلك تقدّموا إلى قبائل قيس عيلان- بمهملة- من أهل (الطّائف) وغطفان وهوازن وغيرهم، فدعوهم إلى مثل ذلك، فأجابوهم.
[مشاورة النّبيّ ﷺ أصحابه] فلمّا علم بهم النّبيّ ﷺ استشار أصحابه، فأشار عليه سلمان الفارسيّ ﵁ بحفر الخندق، فشرع فيه، وقسّمه بين المهاجرين والأنصار، فاجتهدوا في حفره متنافسين في رضا الله ورسوله، بحيث لا ينصرف أحد منهم لحاجته حتّى يستأذن النّبيّ ﷺ.
[مشاركة النّبيّ ﷺ أصحابه العمل] وكان ﷺ ينقل معهم التّراب على عاتقه، ويكابد معهم النّصب والجوع.
[ارتجاز النّبيّ ﷺ مع أصحابه] ويرتجز معهم بأبيات عبد الله بن رواحة، [من الرّجز] «١» : والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا إنّ الّذين قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا ويمدّ بها صوته: أبينا أبينا. وكانوا يرتجزون، [من الرّجز] «٢» : نحن الّذين بايعوا محمّدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا فيجيبهم [ﷺ] : «اللهمّ لا عيش إلّا عيش/ الآخره فاغفر للأنصار والمهاجره» وأصله: «اللهمّ إنّ العيش عيش الآخره، فاغفر للأنصار- بالنّقل- والمهاجره» . وفي «الصّحيحين» ، عن البراء بن عازب [﵄] : رأيت النّبيّ ﷺ ينقل من تراب الخندق حتّى وارى [عنّي] الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشّعر- أي شعر أعالي الصّدر- لأنّه ﷺ كان دقيق المسربة «٣» .
[حصار المسلمين] ولمّا فرغوا من الخندق وأقبلت جموع الأحزاب في عشرة آلاف، وأحاطوا ب (المدينة) من جميع جهاتها، واشتدّ الحصار على المسلمين، كما قال الله تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً [سورة الأحزاب ٣٣/ ١٠- ١١] .
ُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً [سورة الأحزاب ٣٣/ ١٠- ١١] .
[ظهور النّفاق] وعند ذلك ظهر نفاق المنافقين، واضطرب إيمان ضعفاء الإيمان، كما قال الله تعالى: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً الآيات [سورة الأحزاب ٣٣/ ١٢] . وكانوا يقولون: يعدنا محمّد أن نفتح (مكّة والشّام والعراق) ، وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط. وامتدّ الحصار قريبا من شهر. ثمّ زاد الأمر شدّة أنّ حييّ بن أخطب تقدّم إلى بني قريظة فلم يزل بهم حتّى نقضوا العهد. [نقض بني قريظة العهد] ثمّ إنّ النّبيّ ﷺ لمّا رآى ما أصحابه فيه من الشّدّة، استشار الأنصار في أن يعطي عيينة بن حصن الفزاريّ، والحارث بن عوف المرّيّ- قائدي غطفان- ثلث ثمار (المدينة) ، على أن يفرّقا الجمع، فقال له سعد بن معاذ ﵁: أهذا أمر أمرك الله به لا بدّ منه، فالسّمع والطّاعة لله ولرسوله، أم هو أمر تصنعه لنا؟ قال: «لا، بل لأنّني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، فأردت أن أكسر شوكتهم» ، فقال له سعد: قد كنّا ونحن وهؤلاء على الشّرك، وهم لا يطمعون منّا بتمرة إلّا قرى أو بيعا، أفحين
أكرمنا الله بالإسلام وأعزّنا بك نعطيهم/ أموالنا؟! والله لا نعطيهم إلّا السّيف «١» .
[دعاء النّبيّ ﷺ على الأحزاب] فسرّ بذلك رسول الله ﷺ وقال: «اللهمّ منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهمّ اهزمهم وزلزلهم» «٢» . ولم يكن بين القوم قتال إلّا الرّمي بالنّبل والحصى، فأوقع الله بينهم التّخاذل.
[تأييد الله نبيّه ﷺ بالرّيح] ثمّ أرسل الله عليهم في ظلمة شديدة من اللّيل ريح الصّبا الشّديدة، في برد شديد، فأسقطت خيامهم، وأطفأت نيرانهم وزلزلتهم، حتّى جالت خيولهم بعضها في بعض في تلك الظّلمة، فارتحلوا خائبين.
ة من اللّيل ريح الصّبا الشّديدة، في برد شديد، فأسقطت خيامهم، وأطفأت نيرانهم وزلزلتهم، حتّى جالت خيولهم بعضها في بعض في تلك الظّلمة، فارتحلوا خائبين.
[بعث النّبيّ ﷺ حذيفة بن اليمان ليتحسّس أخبار المشركين] وفي «٣» «الصّحيحين» ، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من يأتيني بخبر القوم؟» ، فقال الزّبير: أنا، ثمّ قال: «من يأتيني بخبر القوم؟» ، فقال الزّبير: أنا، فقال النّبيّ ﷺ: «إنّ لكلّ نبيّ حواريّا وحواريّ الزّبير» «٤» . زاد ابن إسحاق أنّ الزّبير قال: فذهبت، فدخلت بينهم، فنادى أبو سفيان: إن هذه الظّلمة ظلمة شديدة، فليسأل كلّ منكم
جليسه من هو؟ قال: فبدأت بجليسي، وقلت: من أنت؟ ومكثت إلى أن ارتحلوا. ثمّ أتيت النّبيّ ﷺ بخبرهم. فحمد الله وأثنى عليه. فأنزل الله ﷿ مذكّرا لعباده ما منّ به عليهم قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها- أي: الملائكة- إلى قوله: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً [سورة الأحزاب ٣٣/ ٩- ٢٥] .
[ما ظهر للنّبيّ ﷺ من الآيات في حفر الخندق] ووقع في أيّام حفر (الخندق) معجزات باهرة من علامات نبوّته ﷺ. [أمر الكدية] كحديث الكدية: وهي قطعة من الجبل الّتي اعترضت لهم في حفر (الخندق) ، فلم يعمل فيها المعول، وأعيت فيها الحيل، فأخذ ﷺ المعول وسمّى الله فضربها، فانهالت كالكثيب «١» . [تكثير طعام أنس ﵁] وكحديث أبي طلحة: حيث بعث/ أنسا بأقراص من شعير تحت إبطه، ففتّها ﷺ وأطعم منها ثمانين «٢» . [تكثير طعام جابر بن عبد الله ﵄] وكحديث جابر: حيث دعا النّبيّ ﷺ خامس خمسة، على صاع من شعير وعناق ذبحها لهم، لمّا رأى النّبيّ ﷺ قد ربط حجرا على بطنه من شدّة الجوع، فبصق ﷺ في البرمة وفي العجين، ونادى في أهل (الخندق) وكانوا ألفا على ما بهم من الجوع، فأشبعهم جميعا خبزا وثريدا ولحما.
وقال جابر: فأقسم، بالله لقد انصرفوا وإنّ برمتنا لتغطّ كما هي، وإنّ عجيننا ليخبز كما هو «١» . [إخباره ﷺ بانتهاء غزو قريش لهم] وكقوله ﷺ لمّا انصرفت الأحزاب: «لن تغزونا قريش بعدها أبدا، بل نغزوهم ولا يغزوننا» «٢» . فكان كما قال، وكانت تلك الشّدّة خاتمة الشّدائد. [غزوة بني قريظة] وأمّا غزوة بني قريظة: فسببها ما سبق من نقضهم العهد.
[أمر الله تعالى نبيّه ﷺ بالمسير إلى بني قريظة] وفي «الصّحيحين» ، أنّ النّبيّ ﷺ لمّا رجع من (الخندق) ، ووضع السّلاح، واغتسل، أتاه جبريل ﵇، فقال: قد وضعت السّلاح؟، والله ما وضعناه «٣» ، فاخرج إليهم، قال: «فإلى أين؟» ، قال: ها هنا. وأشار بيده إلى بني قريظة، فخرج إليهم النّبيّ ﷺ «٤» .
[النّبيّ ﷺ يأمر أصحابه بالخروج] وفيهما-[أي: الصّحيحين]- أنّه ﷺ قال: «لا يصلّينّ أحد العصر إلّا في بني قريظة» ، فأدرك بعضهم العصر في الطّريق، فقال بعضهم: لا نصلّي حتّى نأتيها- أي: ولو غربت الشّمس متمسّكا بظاهر اللّفظ- وقال بعضهم: بل نصلّي، لم يرد منّا ذلك- ففهم من النّصّ معنى خصّصه به- فذكر ذلك للنّبيّ ﷺ، فلم يعنّف واحدا منهم «٥» .
ربت الشّمس متمسّكا بظاهر اللّفظ- وقال بعضهم: بل نصلّي، لم يرد منّا ذلك- ففهم من النّصّ معنى خصّصه به- فذكر ذلك للنّبيّ ﷺ، فلم يعنّف واحدا منهم «٥» .
قلت: وفي ذلك فسحة للأئمة المجتهدين ﵃، وأنّ كلّ مجتهد مصيب- أي: في الفروع- إذ لم يخصّ النّبيّ ﷺ أحدا من الفريقين بصواب ما ذهب إليه. [شأن أبي لبابة ﵁] فلمّا نزل ﷺ بساحتهم، وحاصرهم/ واشتدّت عليهم وطأته، أرسلوا إليه أن أرسل إلينا أبا لبابة- بموحّدة مكرّرة- الأنصاريّ الأوسيّ، وكانوا حلفاء الأوس، فأرسله إليهم، فلمّا أقبل عليهم تلقّاه النّساء والصّبيان يبكون في وجهه، فرقّ لهم، فقالوا: أترى أن ننزل على حكم محمّد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه- يعني: أنّ حكمه الذّبح- ثمّ ندم في مقامه، وعلم أنّه قد خان الله ورسوله، فلم يرجع إلى النّبيّ ﷺ، بل ذهب إلى (المدينة) ، وربط نفسه بسارية في المسجد، وقال: والله لا أذوق ذواقا حتّى يطلقني النّبيّ ﷺ بيده، فأقام على ذلك سبعة أيّام لا يذوق ذواقا حتّى خرّ مغشيّا عليه، فنزل فيه: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [سورة التّوبة ٩/ ١٠٢] . فتاب الله عليه، وغفر له ورحمه، فأطلقه النّبيّ ﷺ بيده، ولم يطأ بلد بني قريظة حتّى مات، وكان يقول: والله لا أرى ببلد خنت الله ورسوله فيها، وكان له بها أموال فتركها ﵁. [نزول بني قريظة على حكم سعد بن معاذ ﵁] ثمّ إنّ بني قريظة سألوا النّبيّ ﷺ أن يقبل منهم ما قبل من إخوانهم بني النّضير، بأن يجلو عن بلدهم، ولهم ما أقلّت الإبل، فأبى عليهم لما تولّد من حييّ بن أخطب من الشّرّ، فنزلوا على حكمه ﷺ، فجاء حلفاؤهم من الأوس، وقالوا: هبهم لنا يا رسول الله كما وهبت بني قينقاع لحلفائهم الخزرج، فقال: «ألا
ترضون أن يحكم فيهم سيّدكم سعد بن معاذ» ؟ قالوا: بلى.
لفاؤهم من الأوس، وقالوا: هبهم لنا يا رسول الله كما وهبت بني قينقاع لحلفائهم الخزرج، فقال: «ألا
ترضون أن يحكم فيهم سيّدكم سعد بن معاذ» ؟ قالوا: بلى.
[توجّه سعد ﵁ إلى بني قريظة] وكان سعد قد أصيب بسهم يوم (الخندق) ، فجعله النّبيّ ﷺ في خيمة في المسجد، ليعوده عن قرب، فأتاه قومه فاحتملوه على حمار، وأقبلوا به، وهم يقولون: يا أبا عمرو، أحسن في مواليك- أي: حلفائك-/ فقال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فعلموا أنّه قاتلهم. فلمّا دنا من النّبيّ ﷺ قال لمن عنده: «قوموا إلى سيّدكم» ، فقاموا له. فالمهاجرون قالوا: إنّما أراد الأنصار، والأنصار قالوا: قد عمّ بها. [حكم سعد ﵁ في بني قريظة] فحكم فيهم بقتل الرّجال وسبي الذّراريّ والنّساء، وقسمة الأموال، فقال النّبيّ ﷺ: «لقد حكمت بحكم الله فيهم» «١» . [تنفيذ الحكم في بني قريظة] فخدّ لهم أخدود، وضرب أعناق رجالهم وألقاهم فيه، وكان عدد من قتل منهم نحو سبع مئة- بتقديم السّين- وقيل: نحو تسع مئة- بتقديم التّاء-. وفيهم أنزل الله تعالى متفضّلا بقوله: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً ... وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ- أي: أعانوا
قريشا وأحزابها- مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ- أي: حصونهم، وأصلها قرون البقر- وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً. وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً [سورة الأحزاب ٣٣/ ٢٥- ٢٧] . [وفاة سعد بن معاذ ﵁] وكان سعد ﵁ لمّا أصيب يوم (الخندق) دعا الله تعالى فقال: (اللهمّ فإن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، وإلّا فاجعله لي شهادة، ولا تمتني يا ربّ حتّى تقرّ عيني من بني قريظة) . فلمّا انقضى شأنهم ورجع إلى خيمته بالمسجد، استجاب الله له دعوته، فانفجر جرحه، فمات فيها. ولم يشعر أحد بموته حتّى نزل جبريل ﵇ فقال: من هذا الّذي فتحت لروحه أبواب السّماء، واهتزّ له عرش الرّحمن؟
- أي: طربا لقدومه- فقام النّبيّ ﷺ مسرعا، فإذا سعد قد مات ﵁.
وته حتّى نزل جبريل ﵇ فقال: من هذا الّذي فتحت لروحه أبواب السّماء، واهتزّ له عرش الرّحمن؟
- أي: طربا لقدومه- فقام النّبيّ ﷺ مسرعا، فإذا سعد قد مات ﵁.
[زواج الرّسول ﷺ من زينب بنت جحش ﵂] وفي السّنة الخامسة: بنى النّبيّ ﷺ بأمّ المؤمنين زينب بنت جحش الأسديّة ﵂، وأمّها أميمة بنت عبد المطّلب؛ عمّة رسول الله ﷺ بعد أن زوّجه الله إيّاها/، وكان لزواجها شأن جليل. وذلك أنّ النّبيّ ﷺ كان خطبها أوّلا لمولاه زيد بن حارثة، فترفّعت عليه لشرف نسبها وجمالها، وساعدها أخوها عبد الله بن جحش، فأنزل الله ﷿ فيهما: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً [سورة الأحزاب ٣٣/ ٣٦] .
فلمّا سمعا ذلك رضيا طاعة لله ولرسوله، فأنكحها النّبيّ ﷺ زيدا، فمكثت عنده ما شاء الله. ثمّ رآها النّبيّ ﷺ يوما متزيّنة فأعجبته، ورغب في نكاحها لو طلّقها زيد، فأوقع الله كراهيّتها في قلب زيد، فجاء إلى النّبيّ ﷺ يستأمره في فراقها، فقال له: «أمسك عليك زوجك واتّق الله» - أي: في طلاقها من غير سبب- فأبى إلّا طلاقها وطلّقها «١» . وفي «صحيح مسلم» ، أنّها لمّا انقضت عدّتها بعثه النّبيّ ﷺ إليها ليخطبها له، قال زيد «٢» : فلمّا جئتها عظمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها إجلالا للنّبيّ ﷺ، فولّيتها ظهري، وقلت: يا زينب، أرسلني رسول الله ﷺ إليك يذكرك، فقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتّى أوامر ربّي «٣» ، فقامت إلى مسجدها- تصلّي الاستخارة «٤» - فنزل القرآن بقوله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ- أي: بالإسلام- وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ- أي: بالعتق- أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ- أي: مظهره، لأنّه سبق في علمه أنّها ستكون لك- وَتَخْشَى
النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [سورة الأحزاب ٣٣/ ٣٧]- أي: تستحي أنّ ذلك يظهر لئلّا يشنّع عليك المنافقون واليهود أنّك نكحت منكوحة ابنك.
َى
النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [سورة الأحزاب ٣٣/ ٣٧]- أي: تستحي أنّ ذلك يظهر لئلّا يشنّع عليك المنافقون واليهود أنّك نكحت منكوحة ابنك.
[تحريم التّبني] وكان من قبل قد تبنّى زيدا، ثمّ حرّم الله ذلك عليه وعلى الأمّة بقوله: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ/، وقوله: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ الآية [سورة الأحزاب ٣٣/ ٤٠، ٥] . فأمره الله بنكاحها، بل أنكحه إيّاها لتقتدي به الأمّة، كما قال الله تعالى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [سورة الأحزاب ٣٣/ ٣٧] . فجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير استئذان، كما في «صحيح مسلم» «١» . [افتخار زينب ﵂ بتزويج الله لها] وفي «الصّحيحين» ، عن أنس بن مالك، قال: جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النّبيّ ﷺ يقول له: «اتّق الله وأمسك عليك زوجك» ، قال أنس: وكانت زينب ﵂ تفتخر فتقول لأزواج النّبيّ ﷺ ورضي عنهنّ: زوّجكنّ أهاليكنّ، وزوّجني ربّي من فوق سبع سماوات «٢» .
فائدة كذا روى ابن إسحاق وغيره من حديث قتادة عن أنس ما تقدّم من أنّ النّبيّ ﷺ رأى زينب متزيّنة فأعجبته، فرغب في نكاحها لو
طلّقها زيد. روى ذلك جمع من المفسّرين بأسانيد قويّة «١» . وفي «البخاريّ» من حديث ثابت البنانيّ عن أنس بن مالك أنّ هذه الآية: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ [سورة الأحزاب ٣٣/ ٣٧] نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة ولم يزد. وسبق أنّ الّذي أخفاه هو ما أعلمه الله من أنّها ستكون زوجته. وقال له: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ استصحابا للحال إلى أن يبلغ الكتاب أجله. وليس في استحسانه لها، ورغبته في نكاحها لو طلّقها زيد قدح في منصبه الجليل حتّى يوجب الطّعن في الرّوايات الثّابتة المنقولة في هذه القصّة، بل قد جعلها العلماء من أصحابنا أصلا، استدلّوا به
ها لو طلّقها زيد قدح في منصبه الجليل حتّى يوجب الطّعن في الرّوايات الثّابتة المنقولة في هذه القصّة، بل قد جعلها العلماء من أصحابنا أصلا، استدلّوا به
على أنّ من خصائصه ﷺ وجوب طلاق من رغب في نكاحها على زوجها، ووجوب إجابتها، فجوّزوا رغبته في نكاح منكوحة/ غيره. وأنّ في هذه القصّة ما لا يخفى من التّنويه بقدر المصطفى ﷺ، والإعلام بعظيم مكانته عند ربّه ﷾، وأنّه سبحانه يحبّ ما يحبّه، ويكره ما يكرهه، وينوب عنه في إظهار ما استحيا من إظهاره، علما منه سبحانه بأنّه إنّما يفعل ذلك قمعا لشهوته، وردّا لنفسه عن هواها «١» ، كما قال سبحانه في الآية الآخرى: إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [سورة الأحزاب ٣٣/ ٥٣] . فما نقله القاضي عياض عن ابن القشيريّ وقرّره: من أنّ ما سبق من تجويز رغبته في نكاحها لو طلّقها زيد إقدام عظيم من قائله، وقلّة
معرفة بحقّ النّبيّ ﷺ مردود بحثا ودليلا. والله أعلم «١» . واعلم أنّ نظره إليها كان قبل نزول آية الحجاب، لأنّها نزلت في حال دخوله عليها، مع أنّ الرّاجح أيضا عند المحقّقين أنّ النّساء ما كنّ يحتجبن عنه ﷺ.
» . واعلم أنّ نظره إليها كان قبل نزول آية الحجاب، لأنّها نزلت في حال دخوله عليها، مع أنّ الرّاجح أيضا عند المحقّقين أنّ النّساء ما كنّ يحتجبن عنه ﷺ.
[وليمة النّبيّ ﷺ على زينب ﵂] وفي «الصّحيحين» ، عن أنس ﵁ قال: أنا أعلم النّاس بشأن الحجاب، وكان في أوّل ما أنزل في مبتنى النّبيّ ﷺ بزينب، أصبح النّبيّ ﷺ بها عروسا، فأرسلت معي أمّ سليم بحيس من تمر وسمن وأقط «٢» إليه في برمة، فقال لي ضعها، ثمّ أمرني فقال: «ادع لي رجالا- سمّاهم- وادع من لقيت» ، ففعلت الّذي أمرني به، فرجعت، فإذا البيت غاصّ بأهله، ورأيت النّبيّ ﷺ وضع يده على تلك الحيسة، وتكلّم بما شاء الله، ثمّ جعل يدعو عشرة عشرة، يأكلون منها، ويقول لهم: «اذكروا اسم الله، وليأكل كلّ رجل ممّا يليه» ، حتّى تفرّقوا كلّهم، وبقي نفر يتحدّثون، ثمّ خرج النّبيّ ﷺ نحو الحجرات، وخرجت في إثره، فقلت: إنّهم قد ذهبوا، فرجع ودخل البيت/ وأرخى السّتر، وإنّي لفي الحجرة وهو يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ- إلى قوله- وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ الآية [سورة الأحزاب ٣٣/ ٥٣] «٣» . وفي «صحيح البخاريّ» عن أنس أيضا قال: أولم رسول الله ﷺ
حين بنى بزينب بنت جحش فأشبع النّاس خبزا ولحما «١» . وفي رواية: فأرسلت داعيا على الطّعام، فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون، ثمّ يجيء قوم فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتّى ما أجد أحدا أدعو، فقلت: يا نبيّ الله، ما أجد أحدا أدعوه، فقال: «ارفعوا طعامكم» «٢» . [صلح الحديبية] وفي هذه السّنة- وهي الخامسة «٣» - أحرم النّبيّ ﷺ بعمرة، فصدّ عن البيت، فوقع صلح الحديبية بعد بيعة الرّضوان، وذلك أنّه ﷺ خرج في ذي القعدة معتمرا، فأحرم وقلّد الهدي، وأشعر البدن، فاجتمعت قريش على أن تصدّه عن البيت، فاجتمع رأيه على أن يدخلها عليهم قهرا. وفي ذلك يقول حسّان بن ثابت جوابا لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب ابن عمّ النّبيّ ﷺ عن شعره الّذي هجا فيه، [من الوافر] «٤» : هجوت محمّدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء هجوت محمّدا برّا تقيّا ... رسول الله شيمته الوفاء أتهجوه ولست له بكفء؟ ... فشرّكما لخير كما الفداء «٥» فإنّ أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمّد منكم وقاء
عدمنا خيلنا إن لم تروها ... تثير النّقع موردها كداء «١» ينازعن الأعنّة مصعدات ... على أكبادها الأسل الظّلماء «٢» فإن أعرضتم عنّا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء وإلّا فاصبروا لضراب يوم ... يعزّ الله فيه من يشاء / وقال الله: قد أرسلت عبدا ... يقول الحقّ ليس به خفاء وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء «٣»
[إرسال النّبيّ ﷺ عثمان بن عفّان لمفاوضة قريش] ثمّ إنّ رسول الله ﷺ أرسل إليهم عثمان بن عفّان ﵁، فهمّ سفاؤهم أن يقتلوا عثمان، فأجاره ابن عمّه أبان بن سعيد بن العاص بن أميّة، فشاع أنّ قريشا قتلت عثمان، فقال النّبيّ ﷺ: «لا خير في الحياة بعد عثمان، أما والله لئن قتلوه لأناجزنّهم» «٤» .
[بيعة الرّضوان] ودعا النّاس إلى تجديد البيعة على الموت، فبايعوه، وكانوا ألفا وأربع مئة. ثمّ تحقّق كذب الخبر، فضرب [ﷺ] بإحدى يديه على الآخرى، وقال: «هذه لعثمان» «٥» .
دعا النّاس إلى تجديد البيعة على الموت، فبايعوه، وكانوا ألفا وأربع مئة. ثمّ تحقّق كذب الخبر، فضرب [ﷺ] بإحدى يديه على الآخرى، وقال: «هذه لعثمان» «٥» .
ولا يخفى ما في ذلك من الفضيلة لعثمان ﵁. وأنزل الله ﷿: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [سورة الفتح ٤٨/ ١٨] . وكانوا تحت شجرة سمرة. ثمّ صالحهم عشر سنين على أن لا يدخل (مكّة) إلّا من العام القابل، وأنّ من أتاه منهم مسلما ردّه إليهم، ثمّ نحر وحلق، ورجع إلى (المدينة) ، وأنزل الله في منصرفه سورة الفتح.
[كيفيّة الصّلح] وفي «صحيح البخاريّ» ، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ﵃ يصدّق كلّ واحد منهما حديث الآخر- قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن (الحديبية) ، حتّى إذا كان بالثّنيّة الّتي يهبط عليهم منها، بركت به راحلته، فزجروها، فألحّت، فقالوا: خلأت القصواء- أي: حرنت- فقال: «ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل» ، ثمّ قال: «والّذي نفسي بيده، لا يسألوني خطّة- أي: طريقا- يعظّمون فيها حرمات الله إلّا أعطيتهم إيّاها» ، ثمّ زجرها، فوثبت، فعدل عنهم حتّى نزل بأقصى (الحديبية) ، على ماء قليل يتبرّضه «١» النّاس، فشكوا إليه العطش، فانتزع سهما من كنانته، وأمرهم/ أن يجعلوه فيه، فجاش لهم بالماء الغزير حتّى صدروا عنه «٢» . فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعيّ، فقال: إنّي تركت قريشا وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت، فقال رسول



