حدائق الأنوار ومطالع الأسرار في سيرة النبي المختار

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya بحرق اليمني (w. 930 H).

Bagian 7 dari 10 540 halaman

— Bagian 7 · ش لهم بالماء الغزير حتّى صدروا عنه «٢» . —

Bagian 7

ش لهم بالماء الغزير حتّى صدروا عنه «٢» . فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعيّ، فقال: إنّي تركت قريشا وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت، فقال رسول

الله ﷺ: «إنّا لم نجىء لقتال أحد، ولكنّا جئنا معتمرين، وإنّ قريشا قد أضرّت بهم الحرب، فإن شاؤوا ماددتهم- أي: صالحتهم مدّة- على أن يخلّوا بيني وبين النّاس، فإن أظهر، فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه النّاس فعلوا، وإلّا فقد جمّوا- أي: استراحوا- من الحرب مدّة، وإن أبوا، فو الله لأقاتلنّهم على هذا الأمر حتّى تنفرد سالفتي- أي: صفحة عنقي- ولينفذنّ الله أمره» ، قال بديل: سأبلّغهم ما تقول، قال: فانطلق حتّى أتى قريشا، فحدّثهم بما قال النّبيّ ﷺ. فقام عروة بن مسعود وقال: أي قوم، إنّ هذا قد عرض عليكم خطّة رشد، فاقبلوها، ودعوني آتيه، قالوا: ائته، فأتاه، فجعل يكلّم النّبيّ ﷺ، ويرمق أصحابه، فقال له النّبيّ ﷺ نحوا ممّا قاله لبديل، فرجع عروة إلى قريش، فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على كسرى وقيصر والنّجاشيّ، فما رأيت ملكا يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمّد محمّدا، والله ما تنخّم نخامة إلّا وقعت في كفّ رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم أمرا ابتدروا أمره «١» ، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون النّظر إليه «٢» تعظيما له، وإنّه قد عرض عليكم خطّة رشد فاقبلوها. فأرسلوا إليه سهيل بن عمرو، فلمّا أقبل قال النّبيّ ﷺ: «قد سهل الأمر» ، فجاء سهيل فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابا.

[كتابة عليّ ﵁ عقد الصّلح وبنوده] فدعا النّبيّ ﷺ الكاتب، وهو عليّ بن أبي طالب رضي الله

عنه، فقال: «اكتب بسم الله الرّحمن الرّحيم» /، فقال سهيل: أمّا الرّحمن فو الله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: باسمك اللهمّ كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله ما نكتبها إلّا بسم الله الرّحمن الرّحيم، فقال النّبيّ ﷺ: «اكتب باسمك اللهمّ» ، ثمّ قال: «هذا ما قاضى عليه محمّد رسول الله» ، فقال سهيل: والله، لو كنّا نعلم أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمّد بن عبد الله، فقال النّبيّ ﷺ: «والله، إنّي لرسول الله وإن كذّبتموني، اكتب محمّد بن عبد الله» ، ثمّ قال: «على أن تخلّوا بيننا وبين البيت فنطوف به» ، قال سهيل: والله، لا تتحدّث العرب أنّا أخذنا ضغطة- أي: قهرا- ولكن ذلك لك من العام القابل، فكتب، فقال سهيل: وعلى أنّه لا يأتيك رجل منّا، وإن كان على دينك إلّا رددته إلينا، فقال المسلمون: سبحان الله، كيف يردّ إلى المشركين وقد جاء مسلما، فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف «١» في قيوده، وقد خرج من أسفل (مكّة) ، فرمى بنفسه بينهم، وكان قد عذّب في الله عذابا شديدا، وقال: أي معشر المسلمين، أردّ إلى المشركين وقد جئت مسلما، ألا ترون إلى ما قد لقيت؟ فقال سهيل: هذا يا محمّد أوّل من أقاضيك عليه أن تردّه إليّ، وإلّا فو الله لا أصالحك أبدا، فقال النّبيّ ﷺ: «إنّا لم نقض الكتاب بعد فأجزه لي» ، فقال: ما أنا بمجيزه لك.

[موقف عمر بن الخطّاب ﵁ من شروط الصّلح] قال عمر بن الخطّاب: فقلت: ألست نبيّ الله حقّا؟، قال: «بلى» ، قلت: ألسنا على الحقّ، وعدوّنا على الباطل؟، قال: «بلى» ، قلت: فلم نعطي الدّنيّة في ديننا إذا؟، قال: «إنّي

ب: فقلت: ألست نبيّ الله حقّا؟، قال: «بلى» ، قلت: ألسنا على الحقّ، وعدوّنا على الباطل؟، قال: «بلى» ، قلت: فلم نعطي الدّنيّة في ديننا إذا؟، قال: «إنّي

رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري» ، قلت: أو ليس كنت تحدّثنا أنّا سنأتي البيت فنطوف به؟، قال: «بلى، فأخبرتك أنّا نأتيه هذا العام؟» ، قلت: لا، قال: «فإنّك آتيه ومطوّف به» ، قال: فأتيت أبا بكر- وكان/ غائبا- فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبيّ الله حقّا؟، قال: بلى، قلت: ألسنا على الحقّ، وعدوّنا على الباطل؟، قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدّنيّة في ديننا إذا؟، قال: أيّها الرّجل، إنّه لرسول الله، وليس يعصي ربّه، وهو ناصره فاستمسك بغرزه- أي: بركابه- فو الله إنّه على الحقّ، قلت: أوليس كان يحدّثنا أنّا سنأتي البيت فنطّوّف به؟ - أي: وها هو قد صالحهم عشر سنين- قال: بلى، أفأخبرك أنّك تأتيه هذا العام؟ قلت: لا، قال: فإنّك آتيه ومطوّف به «١» . قال عمر ﵁: فعملت لذلك أعمالا- أي: من البرّ لتكفّر على جرأتي بالكلام على رسول الله ﷺ. ثمّ إنّ النّبيّ ﷺ لمّا رجع إلى (المدينة) لحقه رجال مسلمون من قريش فردّهم، فانقلبوا ولحقوا بسيف البحر حتّى اجتمعت منهم عصابة، فجعلوا لا تمرّ بهم عير لقريش إلّا اعترضوها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النّبيّ ﷺ تناشده الله والرّحم لمّا ضمّهم إليه، وأنّ من خرج إليه فهو آمن، فضمّهم.

فائدة [: في أنّ مقام الصّدّيقيّة فوق مقام أهل الإلهام] قال العلماء: هذا من أوضح الأدلّة على أنّ أهل الإلهام يخطئون ويصيبون، فلا بدّ من عرض ما وقع في قلوبهم من ذلك على الكتاب

دّيقيّة فوق مقام أهل الإلهام] قال العلماء: هذا من أوضح الأدلّة على أنّ أهل الإلهام يخطئون ويصيبون، فلا بدّ من عرض ما وقع في قلوبهم من ذلك على الكتاب

والسّنّة، كما يخطىء أهل الاجتهاد ويصيبون، وهذا سيّدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁ أخطأ في أماكن كهذا الموطن. وفي وفاة النّبيّ ﷺ، وهو المشهود له بقوله ﷺ له في «الصّحيحين» : «إيها يا ابن الخطّاب، فو الله ما لقيك الشّيطان سالكا فجّا إلّا سلك فجّا غير فجّك» «١» . وبقوله ﷺ فيهما-[أي: الصّحيحين]- أيضا: «لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدّثون- أي: ملهمون- فإن يك في أمّتي أحد فإنّه عمر» «٢» . وفي رواية: «لقد كان فيمن كان/ قبلكم رجال يكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمّتي أحد منهم فعمر» «٣» . ولهذا كثيرا ما يوافق الوحي. وفي رواية: أنّ عمر قال: فعجبت من مطابقة كلام أبي بكر لكلام النّبيّ ﷺ، فأشار إلى أنّ مقام الصّدّيقيّة فوق مقام أهل الإلهام يردّونهم عند خطئهم إلى الحقّ. قال العلماء: ولا يخفى ما في هذه القصّة من وجوب طاعته ﷺ، والانقياد لأمره، وإن خالف ظاهر ذلك مقتضى القياس، أو كرهته النّفوس، فيجب على كلّ مكلّف أن يعتقد أنّ الخير فيما أمر به، وأنّه عين الصّلاح، المتضمّن لسعادة الدّنيا والآخرة، وأنّه جار على

أتمّ الوجوه وأكملها، غير أنّ أكثر العقول قصرت عن إدراك غايته وعاقبة أمره.

أمر به، وأنّه عين الصّلاح، المتضمّن لسعادة الدّنيا والآخرة، وأنّه جار على

أتمّ الوجوه وأكملها، غير أنّ أكثر العقول قصرت عن إدراك غايته وعاقبة أمره.

[حزن الصّحابة ﵃ لصلح القوم] وفي «الصّحيحين» ، أنّ سهل بن حنيف قال يوم صفّين: يا أيّها النّاس، اتّهموا رأيكم على دينكم، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أردّ أمر رسول الله لرددته «١» . ولهذا قال الله تعالى في هذه القصّة بعينها بعد أن قال: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ- أي: بصدّهم عن البيت وإنكارهم لاسم الله الرّحمن الرّحيم- إلى قوله تعالى: فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا- أي: من عاقبة الأمر- فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً- أي: صلح الحديبية-[سورة الفتح ٤٨/ ٢٦- ٢٧] . فسمّاه فتحا كما في «الصّحيحين» ، عن البراء بن عازب: تعدّون أنتم الفتح فتح (مكّة) ، وقد كان فتح (مكّة) فتحا، ونحن نعدّ الفتح بيعة الرّضوان يوم (الحديبية) «٢» . قال العلماء: فهي المراد بالفتح في قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً [سورة الفتح ٤٨/ ١] ؛ لأنّها نزلت عند انصرافهم منها، ثمّ قال فيها: فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً [سورة الفتح ٤٨/ ٢٧] . والمراد به فتح (خيبر) ؛ لأنّهم افتتحوها بعد انصرافهم من (الحديبية) ، ثمّ وعدهم فتح (مكّة) بقوله: إِذا جاءَ/ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [سورة النّصر ١١٠/ ١] . قال العلماء: ولم يكن فتح قبل الفتح أعظم من صلح (الحديبية) ،

وذلك أنّ المشركين اختلطوا بالمسلمين في تلك الهدنة، وسمعوا منهم أخلاق النّبيّ ﷺ، ومحاسن شريعته، فأسلم منهم في تلك المدّة جماعة من رؤسائهم؛ كعمرو بن العاص وخالد بن الوليد، في خلق كثير، فظهر حسن اختيار الله لهم في ذلك الصّلح الّذي كرهوه، مع ما سبق في علمه بأنّ (مكّة) إنّما يحلّ القتال بها لنبيّه محمّد ﷺ ساعة من نهار، وهي يوم فتحها: وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً [سورة الطّلاق ٦٥/ ٣] ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [سورة البقرة ٢/ ٢١٦] . [إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد ﵄] وفي هذه السّنة «١» : أسلم عمرو بن العاص وخالد بن الوليد ﵄. وذلك أنّ عمرا ذهب إلى النّجاشيّ، وكان صديقا له، فأكرمه، فقدم على النّجاشيّ عمرو بن أميّة الضّمريّ رسولا من النّبيّ ﷺ، ليجهّز إليه من عنده من مهاجرة (الحبشة) ، فسأل عمرو بن العاص من النّجاشيّ قتل عمرو بن أميّة الضّمريّ، فغضب النّجاشيّ، وقال: أتسأل منّي أن أقتل رسول رجل يأتيه النّاموس الأكبر الّذي كان يأتي موسى؟، قال عمرو: فقلت: أهو كذلك؟، قال: نعم، فأطعني يا عمرو واتبعه، فإنّه على الحقّ، وليظهرنّ على من خالفه، كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، فأسلم عمرو حينئذ على يد النّجاشيّ. ثمّ خرج من (الحبشة) عامدا إلى (المدينة) ، فلقي خالد بن الوليد مقبلا من (مكّة) إلى (المدينة) أيضا، فقال له: إلى أين

أسلم عمرو حينئذ على يد النّجاشيّ. ثمّ خرج من (الحبشة) عامدا إلى (المدينة) ، فلقي خالد بن الوليد مقبلا من (مكّة) إلى (المدينة) أيضا، فقال له: إلى أين

يا أبا سليمان؟ قال: لأسلم، والله فقد استبان لي الحقّ، وإنّ الرّجل لصادق، قال: وأنا والله ما جئت إلّا لأسلم، قال عمرو: فلمّا قدمنا (المدينة) تقدّم خالد فأسلم، وبايع. ثمّ دنوت، فقلت: يا رسول الله، أبايعك على أن يغفر الله لي ما تقدّم من ذنبي/، فقال: «يا عمرو إنّ الإسلام يجبّ ما كان قبله، وإنّ الهجرة تجبّ ما كان قبلها» «١» ، قال: وكان ذلك بعد (الحديبية) وقبل (خيبر) . [كتب رسول الله ﷺ إلى الملوك] وفي «٢» هذه السّنة-[أي: السّابعة]- أرسل النّبيّ ﷺ رسله بكتبه إلى ملوك الأقاليم. ومنهم: عبد الله بن حذافة السّهميّ؛ بعثه بكتابه إلى كسرى، فمزّقه. ودحية بن خليفة الكلبيّ؛ بعثه بكتابه إلى قيصر، فوجد عنده أبا سفيان بن حرب. وفي «الصّحيحين» ، عن ابن عبّاس ﵄ أنّ رسول الله ﷺ بعث بكتابه إلى كسرى، فأمره أن يدفعه إلى عظيم

البحرين «١» ، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلمّا قرأه مزّقه. قال ابن المسيّب: فدعا عليهم النّبيّ ﷺ أن يمزّقوا كلّ ممزق «٢» .

أمره أن يدفعه إلى عظيم

البحرين «١» ، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلمّا قرأه مزّقه. قال ابن المسيّب: فدعا عليهم النّبيّ ﷺ أن يمزّقوا كلّ ممزق «٢» .

[بعث دحية ﵁ إلى قيصر ملك الرّوم] وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن ابن عبّاس أيضا ﵄ أنّ رسول الله ﷺ كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه إليه مع دحية الكلبيّ، وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر، وهو ب (إيلياء) «٣» ، فلمّا جاء قيصر كتاب رسول الله ﷺ قال حين قرأه: التمسوا لي ها هنا أحدا من قومه لأسألهم عنه. قال ابن عبّاس: فأخبرني أبو سفيان بن حرب أنّه كان ب (الشّام) في رجال من قريش قدموا تجارا في المدّة الّتي كانت بين رسول الله ﷺ وبين كفّار قريش، قال أبو سفيان: فوجدنا رسول قيصر ببعض (الشّام) ، فانطلق بي وبأصحابي، حتّى قدمنا (إيلياء) ، فأدخلنا عليه، فإذا هو جالس في مجلس ملكه، وعليه التّاج، وإذا حوله عظاماء الرّوم. فقال لترجمانه: سلهم: أيّهم أقرب نسبا إلى هذا الرّجل الّذي يزعم أنّه نبيّ؟ قال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم إليه نسبا، وليس في الرّكب يومئذ أحد من بني عبد مناف غيري. قال قيصر: أدنوه منّي، وأمر بأصحابي «٤» فجعلوا/ خلف ظهري.

ثمّ قال لترجمانه: قل لأصحابه: إنّي سائل هذا الرّجل حديثا، فإن كذب فكذّبوه في وجهه. ثمّ قال لترجمانه: قل له كيف نسب هذا الرّجل فيكم؟، قلت: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول أحد منكم قبله؟، قلت: لا. قال: فهل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟، قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟، قلت: لا. قال: فأشراف النّاس اتّبعوه أم ضعفاؤهم؟، قلت: بل ضعفاؤهم. قال: فيزيدون أم ينقصون؟، قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتدّ أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟، قلت: لا. قال: فهل يغدر؟، قلت: لا، ونحن الآن في مدّة لا ندري ما يصنع. قال أبو سفيان: ولم يمكنّي كلمة أدخل فيها شيئا أنتقصه به لا أخاف أن تؤثر عنّي غيرها. قال: فهل قاتلتموه؟، قلت: نعم. قال: فكيف كان حربه وحربكم؟. قلت: كان دولا وسجالا «١» ، يدال علينا مرّة وندال عليه أخرى. قال: فماذا يأمركم؟، قلت: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك

به شيئا، وينهانا عمّا كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصّلاة والصّدقة والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. فقال لترجمانه: قل له: إنّي سألتك عن نسبه فيكم؛ فزعمت أنّه فيكم ذو نسب، وكذلك الرّسل تبعث في نسب قومها. وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول قبله؛ فزعمت أن لا، فقلت: لو كان أحد منكم قال هذا القول قبله، قلت: رجل يأتمّ- أي: يقتدي- بقول قد قيل قبله. وسألتك: هل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؛ فزعمت أن لا، فعرفت أنّه لم يكن ليدع الكذب على النّاس ويكذب على الله. وسألتك: هل كان من أبائه من ملك؛ فزعمت أن لا، فقلت: لو كان من آبائه من ملك، قلت: رجل يطلب ملك آبائه. وسألتك: أشراف النّاس اتّبعوه أم ضعفاؤهم؛ فزعمت أنّ ضعفاءهم اتّبعوه، وهم أتباع الرّسل. وسألتك: هل يزيدون أو ينقصون؛ فزعمت/ أنّهم يزيدون، وكذلك [أمر] الإيمان حتّى يتمّ. وسألتك: هل يرتدّ أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؛ فزعمت أن لا، فكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد. وسألتك: هل يغدر؛ فزعمت أن لا، وكذلك الرّسل لا يغدرون. وسألتك: هل قاتلتموه وقاتلكم؛ فزعمت أن قد فعل، وأنّ

إيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد. وسألتك: هل يغدر؛ فزعمت أن لا، وكذلك الرّسل لا يغدرون. وسألتك: هل قاتلتموه وقاتلكم؛ فزعمت أن قد فعل، وأنّ

حربه وحربكم يكون سجالا ودولا، يدال عليكم المرّة، وتدالون عليه الآخرى، وكذلك الرّسل تبتلى، ثمّ تكون لها العاقبة. وسألتك: بماذا يأمركم؛ فزعمت أنّه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عمّا كان يعبد أباؤكم، ويأمركم بالصّلاة والصّدقة والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة، وهذه صفة نبيّ. وقد كنت أعلم أنّه خارج، ولكن لم أظنّ أنّه منكم، وإن يك ما قلت حقّا فيوشك أن يملك موضع قدميّ هاتين، ولو أرجو أنّي أخلص إليه لتكلّفت لقيّه، ولو كنت عنده لغسلت قدميه. ثمّ دعا بكتاب رسول الله ﷺ، فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمّد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الرّوم، سلام على من اتّبع الهدى، أمّا بعد: فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرّتين، فإن تولّيت فإنّ عليك إثم الأريسيّين- أي: الرّعايا-: ويا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [سورة آل عمران ٣/ ٦٤] . قال أبو سفيان: فلمّا انقضت مقالته، علت أصوات الّذين حوله من عظاماء الرّوم، وكثر لغطهم، فلا أدري ماذا قالوا، وأمر بنا فأخرجنا. قال أبو سفيان: والله، ما زلت ذليلا مستيقنا أنّ/ أمره سيظهر، حتّى أدخل الله الإسلام في قلبي وأنا كاره «١» .

وزاد في رواية: أنّ هرقل جمع عظاماء الرّوم في دسكرة «١» ، وأمر بإغلاق أبوابها، وأشرف عليهم، وقال: يا معشر الرّوم، هل لكم في الفلاح والرّشد، وأن يثبت ملككم إلى الأبد؟ أن تبايعوا لهذا النّبيّ، فنفروا نفرة شديدة إلى الأبواب، فوجدوها قد غلّقت، فلمّا رآى هرقل نفرتهم، وأيس من إيمانهم، قال: ردّوهم عليّ، وقال: إنّي قلت مقالتي تلك أختبر بها شدّتكم على دينكم، وقد رأيت، فسجدوا له، ورضوا عنه «٢» .

فلمّا رآى هرقل نفرتهم، وأيس من إيمانهم، قال: ردّوهم عليّ، وقال: إنّي قلت مقالتي تلك أختبر بها شدّتكم على دينكم، وقد رأيت، فسجدوا له، ورضوا عنه «٢» .

فائدة [: في أنّ حبّ الرّئاسة هو الّذي أضلّ هرقل] لا تخفى حسن سياسة هرقل. وقوّة إدراكه، وثقوب فهمه، بما استدلّ به على صحّة نبوّة محمّد ﷺ وصدقه، من البراهين الإقناعيّة لو ساعده التّوفيق، ولكن غلب عليه حبّ الرّئاسة، وهو الدّاء العضال الّذي غلب على إبليس فأبى واستكبر، مع سبق الشّقاوة، ولو وفّقه الله للهداية كما وفّق النّجاشيّ، لتلطّف لقومه في ظاهره، وآمن بقلبه، وأحسن إلى المسلمين بيده ولسانه، فجمع بين ملك الدّنيا والآخرة، ولكنّه ممّن أضلّه الله على علم، وكان منه ما سيأتي قريبا؛ من خروجه في محاربة الله ورسوله في قتال جعفر وأصحابه بغزوة (مؤتة) ، فأكرمهم الله تعالى بالشّهادة على يديه، وأشقاه. والعياذ بالله تعالى. رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [سورة آل عمران ٣/ ٨] .

[غزوة خيبر] وفي أوّل السّنة السّادسة «١» في المحرّم: افتتح النّبيّ ﷺ (خيبر) ، وهو اسم جامع لحصون وقرى؛ بينها وبين (المدينة) ثلاث مراحل. [سببها] لما سبق أنّ حييّ بن أخطب لحق بها، وحزّب قريشا والأحزاب.

[الإغارة على خيبر وبشارة النّبيّ ﷺ بفتحها] فسار إليهم النّبيّ ﷺ، فلمّا نزل بساحتهم قال: «الله أكبر، خربت خيبر- أي: أهلها- إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح/ المنذرين» ، قالها ثلاثا «٢» . [افتتاح حصونها] ثمّ أقبل على حصونها، يقاتلها ويفتتحها حصنا حصنا، حتّى انتهى إلى حصن لهم يسمّى السّلالم، وكان أعظمها وأوسعها أموالا، فحاصرهم بضع عشرة ليلة، واشتدّ الحصار عليه والقتال. وكان النّبيّ ﷺ قد أخذته شقيقة «٣» ، فلم يخرج إلى النّاس، فأخذ الرّاية أبو بكر فقاتل قتالا شديدا، ثمّ رجع ولم يفتح عليه، ثمّ أخذها عمر فقاتل قتالا شديدا، ثمّ رجع ولم يفتح عليه.

قة «٣» ، فلم يخرج إلى النّاس، فأخذ الرّاية أبو بكر فقاتل قتالا شديدا، ثمّ رجع ولم يفتح عليه، ثمّ أخذها عمر فقاتل قتالا شديدا، ثمّ رجع ولم يفتح عليه.

[شأن عليّ ﵁] وكان عليّ ﵁ قد تخلّف ب (المدينة) لرمد كان بعينيه، ثمّ لحق بالمسلمين، فلمّا كان مساء اللّيلة الّتي فتح الله في صباحها الحصن، قال النّبيّ ﷺ: «لأعطينّ الرّاية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله» .

فبات النّاس ليلتهم يخوضون أيّهم يعطاها. قال عمر: ما أحببت الإمارة إلّا يومئذ. [علي ﵁ وباب الحصن] فلمّا أصبحوا غدوا على النّبيّ ﷺ، وكلّهم يرجو أن يعطاها، فقال: «أين عليّ بن أبي طالب؟» ، قال الرّاوي: فإذا نحن بعليّ قد أقبل وما كنّا نرجوه، فقالوا: ها هو يشتكي عينيه، فدعاه وبصق في عينيه، فبرأ لوقته، حتّى كأن لم يكن به وجع، ثمّ أعطاه الرّاية «١» ، فتقدّم إلى الحصن، فأشرف عليه رجل من اليهود، فقال: من أنت؟، قال: أنا عليّ، قال: علوتم الآن وربّ موسى وهارون، فبرز له رئيسهم مرحب، فضرب ترس عليّ فطرحه، فتناول عليّ بابا كان عند الحصن فتترّس به، ثمّ ضرب رأس مرحب فقتله، ثمّ كان الفتح على يديه، ولم يزل الباب بيد عليّ ﵁ إلى أن انقضى القتال، ثمّ طرحه «٢» . قال أبو رافع [مولى رسول الله ﷺ] : فلقد رأيتني ثامن ثمانية نجهد أن نقلب ذلك الباب فلم نقلبه.

[مصالحة النّبيّ ﷺ أهل خيبر] فلمّا أيقن أهل الحصن بالهلكة، استسلموا، وسألوا من النّبيّ ﷺ أن يحقن دماءهم، ففعل. وسمع بهم أهل (فدك) / فأرسلوا إليه يطلبون منه ذلك، ففعله لهم. فكانت (خيبر) غنيمة و (فدك) فيئا خالصة للنّبيّ ﷺ، ممّا لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب.

ع بهم أهل (فدك) / فأرسلوا إليه يطلبون منه ذلك، ففعله لهم. فكانت (خيبر) غنيمة و (فدك) فيئا خالصة للنّبيّ ﷺ، ممّا لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب.

[قسمة غنائم خيبر] ثمّ قسم رسول الله ﷺ بين المسلمين، وكانوا مئة فارس وأربع عشرة مئة راجل، فجعل للفارس ثلاثة أسهم؛ سهما له وسهمين لفرسه. ولم يغب أحد من أهل (الحديبية) عن (خيبر) إلّا جابر بن عبد الله، فأسهم له النّبيّ ﷺ. [قدوم جعفر بن أبي طالب ﵁ وفرح النبي ص به] وقدم عليه جعفر في مهاجرة (الحبشة) بعد الوقعة، وقبل القسمة، فأسهم لهم النّبيّ ﷺ. ولمّا أقبل جعفر، قام النّبيّ ﷺ فقبّل بين عينيه واعتنقه، وقال: «ما أدري بأيّهما أسرّ: بفتح (خيبر) أم بقدوم جعفر؟» «١» . [رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم] وحدث للمسلمين من فتح (خيبر) الرّخاء العظيم، وكانت مع المهاجرين منائح «٢» من الأنصار، فردّوها عليهم. قال ابن عمر: ما شبعنا من التّمر حتّى فتحنا (خيبر) «٣» [مصالحة النبي ﷺ أهل خيبر على النصف من أموالهم] وعامل النّبيّ ﷺ يهود (خيبر) على أن يعملوها، ويكفوا المسلمين مؤونتها ما داموا مشغولين بالجهاد، ولهم نصف ما يخرج منها من الثّمار. [خبر الشاة المسمومة] وأهدت امرأة من اليهود «٤» للنّبيّ ﷺ شاة مشويّة مسمومة، وطعاما مسموما، وأكثرت من السّمّ في الذّراع، لما بلغها أنّ النّبيّ ﷺ كان يعجبه الذّراع، فلمّا أكلوا منها، ورفع النّبيّ ﷺ الذّراع

وأخذ منها لقمة في فمه ولم يبتلعها، قال: «إنّ هذا العظم ليخبرني أنّه مسموم» ، ولم يبتلع أحد من القوم لقمة إلّا بشر بن البراء، ثمّ دعا بالمرأة فاعترفت، فقال: «ما حملك على ذلك؟» ، قالت: إنّك بلغت من قومي ما لا يخفى عليك، فقلت: إن كان ملكا أرحت النّاس منه، وإن كان نبيّا لم يضرّه، فقال للقوم: «كلوا باسم الله» ، وتجاوز عنها، فأكلوا، ولم يضرّهم شيء، إلّا بشر فمات من لقمته/ الأولى، فلمّا مات قتلت به قصاصا «١» . قال أنس: فما زلت أعرف السّمّ في لهوات النّبيّ ﷺ من أكلة (خيبر) «٢» .

، ولم يضرّهم شيء، إلّا بشر فمات من لقمته/ الأولى، فلمّا مات قتلت به قصاصا «١» . قال أنس: فما زلت أعرف السّمّ في لهوات النّبيّ ﷺ من أكلة (خيبر) «٢» .

[زواج النبي ﷺ بصفية بنت حييّ ﵂] واصطفى ﷺ من سبايا (خيبر) أمّ المؤمنين صفيّة بنت حييّ بن أخطب ﵂. وكانت يوم فتح (خيبر) عروسا على ابن عمّها، فرأت أنّ القمر وقع في حجرها، وقصّت رؤياها على زوجها، فلطمها على وجنتها لطمة خضرت منها عينها، وقال: ما هذا إلّا أنّك تتمنّين محمّدا ملك العرب، فقتل أبوها وزوجها يومئذ، وأتي بها إلى النّبيّ ﷺ وبها أثر اللّطمة، فاستبرأها حيضة، وحلّت له على مرجعه إلى (المدينة) في أثناء الطّريق، فدخل بها، وأولم عليها، وأردفها خلفه على البعير، وكان ﷺ يضع ركبته لها إذا أرادت أن تركب، فتضع رجلها على ركبته ثمّ تركب. ودخل (المدينة) وهو مردفها خلفه. قال ابن عمر: وما زال يعتذر إليها من قتل أبيها، ليذهب ما في نفسها ﵂.

فائدة [: في أحد وعير] وفي «الصّحيحين» ، أنّه ﷺ لمّا قدم (المدينة) راجعا من (خيبر) وبدا له (أحد) ، قال: «هذا جبل يحبّنا ونحبّه» «١» . زاد بعضهم: «وعير جبل يبغضنا ونبغضه» . قال المحققون: لا مانع من إسناد الحبّ الحقيقيّ إلى الجبل، كما سخّر الله الجبال لداود يسبّحن، وردّوا على من فسّره بأنّ المراد: هذا جبل قوم يحبّوننا ونحبّهم بقوله: «وعير جبل يبغضنا ونبغضه» ، وهو من جبال (المدينة) أيضا مقابل لأحد وما بينهما حرم. والله أعلم. [عمرة القضاء] وفي ذي القعدة من هذه السّنة-[أي: السّابعة]-: اعتمر النّبيّ ﷺ عمرة القضاء، وأقام ب (مكّة) ثلاثا.

[زواج النّبيّ ﷺ من ميمونة بنت الحارث ﵂] ثمّ رجع فدخل بميمونة بنت الحارث الهلاليّة ﵂، عند منصرفه من (مكّة) ب (سرف) ، وهو مكان بين (التّنعيم ومرّ الظّهران) ، وبه ماتت ﵂، فقبرها هناك/. وفي «الصّحيحين» ، عن ابن عبّاس ﵄ قال: تزوّج النّبيّ ﷺ ميمونة في عمرة القضاء، وهو محرم، وبنى بها وهو حلال ب (سرف) ، وماتت ب (سرف) «٢» .

[وفد عبد القيس] وفي السّنة السّابعة في رجب منها: قدم على النّبيّ ﷺ من (البحرين) وفد عبد القيس «١» ، ورئيسهم الأشجّ، فلمّا دخلوا عليه، قال: «مرحبا بالقوم، غير خزايا ولا ندامى» «٢» ، وأمرهم ونهاهم، ثمّ قال للأشجّ: «إنّ فيك خصلتين يحبّهما الله: الحلم والأناة» «٣» . [بناء المنبر وحنين الجذع] وفيها-[أي: السّنة السّابعة] «٤» -: اتّخذ النّبيّ ﷺ المنبر، وكان قبله إذا خطب يستند إلى جذع نخلة، فلمّا عدل عن الجذع إلى المنبر سمعوا للجذع صوتا كصوت العشار «٥» ، فارتجّ المسجد

لخواره، وكثر بكاء النّاس حتّى وضع النّبيّ ﷺ يده عليه فسكت، وقال: «إنّ هذا بكى لما فقد من ذكر الله، والّذي نفسي بيده، لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة» . ثمّ أمر به فدفن تحت المنبر «١» . [غزوة مؤتة] وفيها-[أي: السّنة الثّامنة]- في جمادى الأولى منها: كانت غزوة (مؤتة) - بضمّ الميم مهموزا وبفوقيّة- وهي قرية من قرى (البلقاء بالشّام) دون (دمشق) ، انتهت غزوتهم إليها، وأكرم الله ﷿ فيها زيدا وجعفرا وابن رواحة بالشّهادة. وكان من خبرها أنّ النّبيّ ﷺ بعث جيشا، وهم ثلاثة آلاف، وأمّر عليهم زيد بن حارثة، وقال: «إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة» «٢» .

[عدّة العدوّ، وتشاور المسلمين] فساروا إلى (الشّام) فلقيهم هرقل في مئتي ألف، فتشاور المسلمون في أن يراجعوا رسول الله ﷺ فيمدّهم أو يأمرهم بأمره، فشجّعهم عبد الله بن رواحة، وقال: يا قوم، إنّما هي إحدى الحسنيين: إمّا النّصر، وإمّا الشّهادة، فقالوا: صدقت.

[ابتداء القتال واستشهاد الأمراء الثّلاثة] فمضوا حتّى التقوا ب (مؤتة) ، فتقدّم زيد فقاتل بالرّاية حتّى قتل. فأخذها جعفر فقاتل قتالا شديدا، وهو فارس/، فلمّا أحاطوا به نزل عن فرسه فعقرها، فكان أوّل من عقر فرسا في الإسلام، ثمّ قاتل حتّى قطعت يمينه، فأخذ الرّاية بشماله، فقطعت أيضا، فاحتضن الرّاية بعضديه حتّى قتل. فعوّضه الله بهما جناحين يطير بهما في الجنّة. فسمّي الطّيّار. رواه التّرمذيّ والحاكم «٣» .

لرّاية بشماله، فقطعت أيضا، فاحتضن الرّاية بعضديه حتّى قتل. فعوّضه الله بهما جناحين يطير بهما في الجنّة. فسمّي الطّيّار. رواه التّرمذيّ والحاكم «٣» .

وفي «البخاريّ» ، عن ابن عمر قال: كنت فيهم- في تلك الغزوة- فالتمسنا جعفرا، فوجدناه ما في جسده بضعا وتسعين طعنة من ضربة ورمية بسهم، ليس منها شيء في دبره «١» . ثمّ أخذ الرّاية عبد الله بن رواحة فوجد من نفسه كراهة للموت، فأنشد شعرا، [من الرّجز] «٢» : يا نفس إلّا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت وما تمنّيت فقد أعطيت ... إن تفعلي فعلهما هديت ثمّ قاتل حتّى قتل.

[تولّي خالد بن الوليد ﵁ قيادة الجيش] فأخذ الرّاية خالد بن الوليد من غير مشورة، وقاتل قتالا شديدا، ودافع عن المسلمين، حتّى انحاز بهم إلى جبل، ونجّاهم الله. ولم يستشهد منهم يومئذ إلّا ثمانية، منهم الأمراء الثّلاثة.

[نعي النّبيّ ﷺ زيدا وجعفرا وابن رواحة] وفي «صحيح البخاريّ» ، أنّ النّبيّ ﷺ نعاهم للنّاس يوم أصيبوا، وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «أخذ الرّاية زيد فأصيب، ثمّ أخذها جعفر فأصيب، ثمّ أخذها ابن رواحة فأصيب» ، وعيناه تذرفان. وقال: «ما يسرّهم أنّهم عندنا» ، ثمّ قال: «ثمّ أخذ الرّاية سيف من سيوف الله تعالى، حتّى فتح الله عليهم» «٣» أي: فرّج الله عنهم بسببه. وفيه-[أي: صحيح البخاريّ]- أنّ ابن عمر ﵄ كان إذا سلّم على عبد الله بن جعفر قال: السّلام عليك يا ابن ذي الجناحين «٤» .

وفيه-[أي: صحيح البخاريّ]- عن خالد بن الوليد ﵁ قال: لقد انقطعت في يدي يوم (مؤتة) تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلّا صفيحة يمانيّة وهي العاشرة «١» /.

فائدة [: في تأويل الجناحين الّذين لقّب بهما جعفر] قال السّهيليّ: (قد يتبادر- من ذكر الجناحين- إلى الذّهن أنّهما كجناحي الطّائر، وإنّما المراد أنّ جعفرا أعطي صفة الملائكة، وكذا أجنحة الملائكة، إنّما هي صفات لا تعلم حقيقتها) «٢» . والله أعلم.

  • إلى الذّهن أنّهما كجناحي الطّائر، وإنّما المراد أنّ جعفرا أعطي صفة الملائكة، وكذا أجنحة الملائكة، إنّما هي صفات لا تعلم حقيقتها) «٢» . والله أعلم.

[رثاء حسّان بن ثابت جعفرا ﵄] وممّا رثى به حسّان جعفرا ﵄ قوله، [من الكامل] «٣» : ولقد بكيت وعزّ مهلك جعفر ... حبّ النّبيّ على البريّة كلّها ولقد جزعت وقلت حين نعيت لي ... من للجلاد لدى العقاب وظلّها «٤» بالبيض حين تسلّ من أغمادها ... ضربا وإنهال الرّماح وعلّها بعد ابن فاطمة المبارك جعفر ... خير البريّة كلّها وأجلّها

[فتح مكّة] وفي رمضان من هذه السّنة- وهي: الثّامنة-: كان فتح (مكّة) ،

ويسمّى: فتح الفتوح؛ لأنّ العرب كانت تنتظر بإسلامها إسلام قريش وفتح (مكّة) ، وتقول: هم أهل الحرم، وقد أجارهم الله تعالى من أصحاب الفيل وغيرهم، فإن سلّط الله عليهم محمّدا فهو رسول الله حقّا. فلمّا فتح الله (مكّة) على يد رسول الله ﷺ دخل النّاس في دين الله أفواجا، كما وعد الله نبيّه ذلك، وجعل ذلك علامة قرب أجله، بقوله: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ إلى آخر السّورة [سورة النّصر ١١٠/ ١] . [سبب الغزوة] وسبب غزوة الفتح انتقاض صلح (الحديبية) ، وأنّ خزاعة كان بينها وبين بني بكر عداوة، وكانت خزاعة دخلت يوم صلح (الحديبية) في عهد رسول الله ﷺ، وكانوا عيبة «١» نصح لرسول الله ﷺ، مسلمهم وكافرهم، لأنّهم كانوا في الجاهليّة حلفاء لبني هاشم، ودخلت بنو بكر في عهد قريش، فمكثوا على ذلك نحو ثمانية عشر شهرا، ثمّ بيّتت «٢» بنو بكر خزاعة في شعبان، على ماء لهم يسمّى الوتير من ناحية (عرنة) ، وأعانتهم قريش مختفين في سواد اللّيل، فقتلوا رجالا من خزاعة، فركب عمرو بن سالم الخزاعيّ ثمّ الكعبيّ إلى رسول الله/ ﷺ، فوقف عليه وهو في المسجد بين ظهراني النّاس، وأنشده، [من الرّجز] «٣» : يا ربّ إنّي ناشد محمّدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا «٤»

فانصر هداك الله نصرا أعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا «١» فيهم رسول الله قد تجرّدا ... في فيلق كالبحر يجري مزبدا «٢» إنّ قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكّدا وبيّتونا ركّعا وسجّدا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا وهم أذلّ وأقلّ عددا ... هم بيّتونا بالوتير هجّدا وقتلونا ركّعا وسجّدا فقال له رسول الله ﷺ: «نصرت يا عمرو» «٣» .

[قدوم أبي سفيان ليجدّد الصّلح] فبينما هو عندهم إذ قدم أبو سفيان بن حرب من (مكّة) يريد تجديد العهد والزّيادة في مدّة الصّلح. فأبى عليه رسول الله ﷺ، وردّه، فانصرف. ولعلّ أبا سفيان لمّا أدخل في حديث هرقل: ونحن منه في مدّة لا ندري ما هو صانع؛ عوقب بإدخال الغدر عليه من جهته.

[تهيّؤ النّبيّ ﷺ للغزو وكتمانه الأمر] ثمّ إنّ النّبيّ ﷺ لمّا دخل رمضان آذن النّاس بالجهاز إلى (مكّة) وآذن من حوله من الأعراب، وقال: «اللهمّ خذ العيون والأخبار عن قريش حتّى نبغتها في بلادها» «٤» . [أمر حاطب بن أبي بلتعة ﵁] وفي «الصّحيحين» عن عليّ ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزّبير والمقداد فقال: «انطلقوا حتّى تأتوا (روضة خاخ)

  • أي: بمعجمة مكرّرة-، فإنّ بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها» ، فأدركناها، فأخذناه منها، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين ب (مكّة) ، يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ، فقال له [رسول الله ﷺ] : «ما حملك على هذا؟» ، فقال: أحببت أن يكون لي عندهم يد. فصدّقه النّبيّ ﷺ وعذره/ ﵁ «١» .

[خروج النّبيّ ﷺ لفتح مكّة ولقاؤه العبّاس في الطّريق] وخرج ﷺ لعشر مضين من رمضان، فلمّا بلغ (الجحفة) لقيه عمّه العبّاس مهاجرا بأهله وبيته- وقد كان أسر يوم (بدر) وفادى بنفسه وأسلم، واستأذن النّبيّ ﷺ أن يقيم ب (مكّة) على سقايته، فأذن له- فردّ عمّه معه. [إسلام أبي سفيان بن الحارث ﵁] ولقيه أيضا ابن عمّه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب، فأسلم، واعتذر إليه ممّا كان جرى منه، فعذره، وردّه معه.

[اعتذار أبي سفيان بن الحارث عمّا كان منه قبل إسلامه] وأنشد أبو سفيان شعرا، [من الطّويل] «٢» :

أسلم، واعتذر إليه ممّا كان جرى منه، فعذره، وردّه معه.

[اعتذار أبي سفيان بن الحارث عمّا كان منه قبل إسلامه] وأنشد أبو سفيان شعرا، [من الطّويل] «٢» :

لعمرك إنّي يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللّات خيل محمّد لكالمدلج الحيران أظلم ليله ... فهذا أواني حين أهدى وأهتدي «١» هداني هاد غير نفسي ودلّني ... على الحقّ من طرّدت كلّ مطرّد أصد وأنأى جاهدا عن محمّد ... وأدعى وإن لم أنتسب من محمّد

[نزول النّبيّ ﷺ مرّ الظّهران، وتحسّس قريش عليه] ثمّ مضى رسول الله ﷺ حتّى نزل (مرّ الظّهران) في عشرة آلاف، فأدركت العبّاس الرّقّة لقريش، فركب بغلة النّبيّ ﷺ في اللّيل بإذنه، رجاء أن يصادف أحدا يبعثه إلى قريش، فيطلبوا الأمان من النّبيّ ﷺ. فلقي أبا سفيان بن حرب في نفر من قريش، وقد كانوا خرجوا يتحسّسون الأخبار، فرأوا نيران الجيش واستنكروها، حتّى قال أبو سفيان: والله لكأنّها نيران أهل (عرفة) ، ولا شعور لهم بمخرج النّبيّ ﷺ إليهم. فأخبرهم العبّاس الخبر، فقال له أبو سفيان: فما الحيلة؟ قال: الحيلة أن تردّ من معك ليخبروا أهل (مكّة) ، وتركب أنت معي حتّى آتي بك رسول الله ﷺ فأستأمنه لك.

[إسلام أبي سفيان على يد العبّاس ﵄] فركب معه ورجع أصحابه، فلمّا انتهى به إلى النّبيّ ﷺ قال للعبّاس: «اذهب به إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به» ، فلمّا أصبح جاء به، فقال له النّبيّ ﷺ: «ألم يأن لك يا أبا سفيان/ أن تسلم؟» ، قال: بلى، بأبي أنت وأمّي، ما أحلمك وأرحمك، وأسلم. فقال له العبّاس: يا رسول الله، إنّ أبا سفيان رجل يحبّ الفخر والخيلاء، فاجعل له شيئا، فقال: «نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن» «٢» .

[عرض جيوش الرّسول ﷺ على أبي سفيان] وفي «صحيح البخاريّ» ، أنّه ﷺ قال للعبّاس: «احبس

و آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن» «٢» .

[عرض جيوش الرّسول ﷺ على أبي سفيان] وفي «صحيح البخاريّ» ، أنّه ﷺ قال للعبّاس: «احبس

أبا سفيان عند حطم الخيل «١» ، حتّى ينظر إلى جنود الله» ، فحبسه. ثمّ سار النّبيّ ﷺ، فجعلت الكتائب تمرّ كتيبة كتيبة، حتّى مرّت به كتيبة لم ير مثلها قطّ، فقال: يا عبّاس من هؤلاء؟، فقال: هؤلاء الأنصار عليهم سعد بن عبادة معه الرّاية، وهو يقول: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ (الكعبة) . ثمّ جاءت كتيبة وهي أقلّهم عددا، وأجلّهم قدرا، فيها المصطفى ﷺ ووزراؤه من خواصّ المهاجرين، والرّاية مع الزّبير بن العوّام. فقال أبو سفيان للنّبيّ ﷺ: يا رسول الله، ألم تسمع إلى ما قال سعد بن عبادة؟، قال: «ما قال؟» ، قال: قال: اليوم تستحلّ (الكعبة) . فقال: «كذب سعد، ولكن: هذا يوم تعظّم فيه (الكعبة) » «٢» . وأمر ﷺ الزّبير أن يركز رايته ب (الحجون) . وتفرّق أهل (مكّة) ، فمنهم من لجأ إلى المسجد، ومنهم من أغلق عليه داره.

[دخول النّبيّ ﷺ مكّة] ودخل ﷺ من أعلى (مكّة) ، وذلك لعشر بقين من رمضان المعظّم، ولم يعرض له قتال.

[دخول المسلمين مكّة] وأمر خالد بن الوليد في جمع من المهاجرين أن يدخلوا من أسفلها، فعرض لهم عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أميّة، وسهيل بن عمرو؛ في جمع من قريش، فهزمهم خالد، وقتل منهم ثلاثة عشر رجلا، وقد كان النّبيّ ﷺ عهد إلى أمرائه أن لا يقتلوا إلّا من قاتلهم.

[إهدار النّبيّ ﷺ دماء نفر من المشركين] إلّا أنّه أمر بقتل جماعة سمّاهم «١» ، فقال: «اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلّقين بأستار الكعبة» «٢» . وفي «صحيح البخاريّ» ، أنّ رجلا/ أتى النّبيّ ﷺ فقال: إنّ ابن خطل متعلّق بأستار الكعبة، فقال: «اقتلوه» «٣» . وزاد أحمد والبيهقيّ: فقتل وهو متعلّق بأستار الكعبة «٤» .

[إجارة أمّ هانئ ﵂ رجلين من قريش] وفي «الصّحيحين» أنّ أمّ هانىء أجارت ابن هبيرة، فأراد عليّ قتله، فقال النّبيّ ﷺ: «قد أجرنا من أجرت يا أمّ هانىء» «٥» . قلت: وفي هذا دليل على أنّ حرمة المؤمن عند الله ورسوله أشدّ من حرمة (الكعبة) المعظّمة.

[طواف النّبيّ ص بالبيت العتيق وتطهيره المسجد من الأصنام] ثمّ دخل ﷺ المسجد، وهو راكب راحلته، منكّس رأسه تواضعا لله تعالى، فطاف بالبيت سبعا راكبا، يستلم الرّكن بمحجن «٦» في يده. وكان حول البيت ثلاث مئة وستّون صنما، مثبّتة بالرّصاص، فجعل ﷺ يطعنها بالمحجن ويقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [سورة الإسراء ١٧/ ٨١] .

فما أشار إلى وجه صنم إلّا وقع إلى قفاه، ولا إلى قفاه إلّا وقع لوجهه.

[دخوله ﷺ الكعبة وكسر الأوثان وطمس الصّور] ولمّا فرغ من طوافه دعا بالمفتاح، وكان بيد عثمان بن طلحة بن أبي طلحة بن شيبة بن عبد الدّار، وبيد ابن عمّه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة بن شيبة بن عبد الدّار بن قصيّ، ففتح البيت، ودخل، وصلّى فيه ركعتين، وكبّر في نواحيه، ودعا، وكسر ما فيه من الأوثان، وطمس الصّور، وأخرج مقام إبراهيم ﵇.

[إعطاء النّبيّ ﷺ مفتاح الكعبة إلى أهله] فسأله العبّاس ﵁ أن يجمع له سدانة البيت إلى السّقاية «١» ، فنزل جبريل ﵇ بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها الآية [سورة النّساء ٤/ ٥٨] . فخرج وهو يتلوها، فدعا عثمان وشيبة فأعطاهما المفتاح، وقال: «خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلّا ظالم» «٢» .

أَهْلِها الآية [سورة النّساء ٤/ ٥٨] . فخرج وهو يتلوها، فدعا عثمان وشيبة فأعطاهما المفتاح، وقال: «خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلّا ظالم» «٢» .

[خطبة النّبيّ ﷺ على باب الكعبة] ثمّ قام ﷺ على باب (الكعبة) وقال: «لا إله إلّا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده» . ثمّ قال: «يا معشر قريش؛ ما ترون أنّي فاعل بكم؟» ، قالوا: خيرا، أخ كريم/ وابن أخ كريم، فقال: «اذهبوا فأنتم الطّلقاء، [أقول كما قال يوسف] : لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [سورة يوسف ١٢/ ٩٢] » . ثمّ قال: «يا معشر قريش، إنّ الله قد أذهب عنكم نخوة

الجاهليّة وتعظّمها بالآباء، النّاس من آدم، وآدم من تراب» ، ثمّ تلا: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ «١» [سورة الحجرات ٤٩/ ١٣] .

[خطبة النّبيّ ﷺ غداة الفتح] وفي «صحيح البخاريّ ومسلم» ، أنّه ﷺ قال: «إنّ (مكّة) حرّمها الله ولم يحرّمها النّاس، فلا يحلّ لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، فإن أحد ترخّص لقتال رسول الله ﷺ فقولوا له: إنّ الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنّما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلّغ الشّاهد منكم الغائب» «٢» . وفيها-[أي: السّنة الثّامنة]-: كانت غزوة حنين وأوطاس، ثمّ غزوة الطائف، ووفد هوازن، وعمرة الجعرانة، ومولد إبراهيم، وكسوف الشّمس. [غزوة حنين] أمّا غزوة حنين: فإنّه ﷺ لمّا فرغ من الفتح بلغه أنّ هوازن أقبلت لحربه في أربعة آلاف، عليهم مالك بن عوف النّصريّ- بمعجمة- فأجمع ﷺ على المسير إليهم، وأرسل إلى صفوان بن أميّة ليستعير منه السّلاح، وكان صفوان لمّا عرض عليه النّبيّ ﷺ الإسلام، قال: أمهلني شهرا أرى فيه رأيي، قال: «قد أمهلتك أربعة أشهر» ، وكان عنده مئة درع، فقال: أغصبا يا محمّد؟

قال: «لا، بل عاريّة مضمونة» «١» ، فأعطاه مئة درع مع ما يتبعها من السّلاح.

ي، قال: «قد أمهلتك أربعة أشهر» ، وكان عنده مئة درع، فقال: أغصبا يا محمّد؟

قال: «لا، بل عاريّة مضمونة» «١» ، فأعطاه مئة درع مع ما يتبعها من السّلاح.

[خروج النّبيّ ﷺ من مكّة إلى حنين] ثمّ خرج ﷺ بجيش الفتح وألفين ممّن أسلم بعد الفتح، وكان مدّة إقامته ب (مكّة) بعد الفتح نحو ثمانية عشر يوما، وكان يقصر فيها الصّلاة.

[هزيمة المسلمين، وثبات النّبيّ ﷺ وبعض أصحابه] فلمّا انتهى إلى (حنين) وهو واد بين (مكّة والطّائف) ، في غلس الصّبح، وجد المشركين قد سبقوه إليه، وكمنوا في شعابه، فلمّا توسّط المسلمون في الوادي، / شدّ المشركون عليهم شدّة رجل واحد، فانشمر «٢» المسلمون راجعين، لا يلوي منهم أحد على أحد، وكان سبب الهزيمة مسلمي الفتح. وثبت النّبيّ ﷺ، وثبت معه جماعة من أهل بيته، منهم: عمّه العبّاس وابنه الفضل، وعليّ بن أبي طالب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب، وأخوه ربيعة. ومن المهاجرين أبو بكر وعمر ﵃. وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» ، أنّ رجلا قال للبراء بن عازب ﵄: أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم (حنين) ؟، قال: لكنّ رسول الله ﷺ لم يفرّ، ولقد رأيته على بغلته البيضاء، وابن عمّه أبو سفيان آخذ بزمامها، وهو يقول: «أنا النّبيّ لا كذب ... أنا ابن عبد المطّلب» «٣»

فما رئي في النّاس يومئذ أشدّ منه. وروى ابن إسحاق عن العبّاس ﵁ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم (حنين) ، فلزمته أنا وأبو سفيان بن الحارث، فلم نفارقه. [عودة المسلمين واحتدام القتال] فلمّا التقى الجمعان، ولّى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته «١» قبل الكفّار، قال عبّاس: وأنا آخذ بلجام بغلته، أكفّها إرادة أن لا تسرع، فقال ﷺ: «يا عبّاس، ناد أصحاب السّمرة» - أي: أهل بيعة الرّضوان- وكان العبّاس صيّتا «٢» ، فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السّمرة؟، فقالوا: يا لبّيك، يا لبّيك، فو الله لكأنّ عطفتهم عليّ حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فاقتتلواهم والكفّار، فنظر رسول الله ﷺ إلى قتالهم، فقال: «هذا حين حمي الوطيس» «٣» .

[رمي النّبيّ ﷺ المشركين بالحصى] ثمّ أخذ ﷺ كفّا من الحصباء فرمى به وجوه الكفّار، وقال: «شاهت الوجوه» ، فما خلق الله منهم إنسانا إلّا ملئت عينه ترابا من تلك القبضة، فولّوا مدبرين، وهزمهم الله. [ما نزل من القرآن في يوم حنين] وأنزل الله في ذلك: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ

حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ، وكانوا قالوا: لن نغلب اليوم من قلّة فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ/ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ- أي: مع سعتها- ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها [سورة التّوبة ٩/ ٢٥- ٢٦]- أي: جبريل: بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ- أي: معلّمين-.

[شماتة أهل مكّة بالنّبيّ ﷺ وأصحابه] ولمّا انهزم المسلمون شمت بهم كثير من مسلمي الفتح «١» ، فقال أخ لصفوان بن أميّة من أمّه «٢» : اليوم بطل سحر محمّد، فقال له صفوان: اسكت، فضّ الله فاك- أي: كسره الله- فو الله لأن يربّني- أي: يسودني- رجل من قريش أحبّ إليّ من أن يربّني رجل من هوازن.

وم بطل سحر محمّد، فقال له صفوان: اسكت، فضّ الله فاك- أي: كسره الله- فو الله لأن يربّني- أي: يسودني- رجل من قريش أحبّ إليّ من أن يربّني رجل من هوازن.

[محاولة شيبة قتل النّبيّ ﷺ ثمّ إسلامه] وعن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدريّ ﵁ قال: استدبرت رسول الله ﷺ يوم (حنين) لأقتله، فأطلعه الله على ما في نفسي، فالتفت إليّ، فضرب بيده على صدري، وقال: «أعيذك بالله يا شيبة» «٣» . فارتعدت فرائصي، فرفع يده، وهو أحبّ إليّ من سمعي وبصري، وقلت: أشهد أنّك رسول الله، وأنّ الله قد أطلعك على ما في نفسي.

[سريّة أوطاس] وأمّا بعث أبي عامر الأشعريّ إلى (أوطاس) ، وكانت هوازن قد خرجت معها بأهليها وأموالها، فلمّا انهزموا انحاز منهم طائفة

بالأهل والمال إلى ناحية (أوطاس) ، عليهم دريد بن الصّمّة، فبعث النّبيّ ﷺ أبا عامر الأشعريّ في جيش من المسلمين في آثارهم، فأدركوهم، فناوشوهم القتال، فاستشهد أبو عامر بعد أن قتل تسعة إخوة، فقتله عاشرهم، فأخذ الرّاية منه ابن أخيه أبو موسى الأشعريّ باستخلاف منه، ففتح الله على يديه، وقتل قاتل أبي عامر، وهزمهم، وغنم أموالهم، وكانت سباياهم من النّساء والصّبيان نحو ستّة آلاف، وأمّا الإبل والغنم فلا تحصر عددا، فأمر بها النّبيّ ﷺ فحبست له ب (الجعرانة) . وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» ، عن أبي موسى ﵁ قال: لمّا فرغ النّبيّ ﷺ من (حنين) بعث أبا عامر على جيش إلى (أوطاس) ، فلقي دريد- أي: مصغّرا- ابن الصّمّة، فقتل/ دريد، وهزم الله أصحابه، قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر، فرمي أبو عامر في ركبته بسهم، فأثبته في ركبته فانتهيت إليه فقلت:

مصغّرا- ابن الصّمّة، فقتل/ دريد، وهزم الله أصحابه، قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر، فرمي أبو عامر في ركبته بسهم، فأثبته في ركبته فانتهيت إليه فقلت: يا عمّ، من رماك؟، فقال: ذاك قاتلي، فقصدت إليه، فقتلته، ثمّ قلت لأبي عامر: قد قتل الله صاحبك، فقال: فانزع هذا السّهم، وأقرىء النّبيّ ﷺ عنّي السّلام، وقل له يستغفر لي، واستخلفني أبو عامر على النّاس، ثمّ مات، فرجعت، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته، فدعا بماء فتوضّأ، ثمّ رفع يديه حتّى رأيت بياض إبطيه، فقال: «اللهمّ اغفر لعبيد أبي عامر، اللهمّ اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من النّاس» ، فقلت: ولي يا رسول الله فاستغفر، فقال: «اللهمّ اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما» «١» .

[غزوة الطّائف] وأمّا غزوة الطّائف: فإنّه ﷺ توجّه إليها لقتال من شرد إليها من (حنين) ، ومرّ على طريقه بحصن مالك بن عوف النّصريّ السّابق ذكره، قائد هوازن، فهدمه، ثمّ ارتحل، فحاصر أهل (الطّائف) بضعا وعشرين ليلة من شهر شوّال، وقاتلهم قتالا شديدا، فلم يظفر بهم، بعد أن رماهم بالمنجنيق، وحرّق أعنابهم، فلمّا انصرف قيل له: ادع عليهم، فقال: «اللهمّ اهد ثقيفا وائت بهم» «١» . فهداهم الله بدعوته، فأتوا إلى (المدينة) مسلمين، بعد أن تقدّم قبلهم مالك بن عوف فأسلم، ثمّ رجع إليهم، فدعاهم إلى الله، وأتى بهم إلى النّبيّ ﷺ مسلمين، ومن شعر مالك بن عوف حين أسلم، [من الكامل] «٢» : ما إن «٣» رأيت ولا سمعت بمثله ... في النّاس كلّهم كمثل محمّد أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدي ... ومتى تشأ يخبرك عمّا في غد وإذا الكتيبة عرّدت أنيابها ... بالسّمهريّ وضرب كلّ مهنّد «٤» فكأنّه ليث على أشباله ... وسط الهباءة خادر في مرصد «٥» [ارتحال المسلمين] وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» ، عن عبد الله بن عمر بن

الخطّاب رضي الله/ عنهما قال: لمّا حاصر النّبيّ ﷺ (الطّائف) ، فلم ينل منهم شيئا، قال: «إنّا قافلون غدا إن شاء الله» ، فثقل ذلك على أصحابه، وقالوا: نذهب ولا نفتحه؟، فقال: «اغدوا على القتال» فغدوا، فأصابهم جراح، فقال: «إنّا قافلون غدا إن شاء الله» ، فأعجبهم ذلك، فضحك النّبيّ ﷺ «١» . [نزوله ﷺ بالجعرانة وقسم الغنائم] ولمّا رجع ﷺ من (الطّائف) نزل ب (الجعرانة) فقسم بها غنائم (حنين) ، وأعطى جماعة من الرؤساء والمؤلّفة قلوبهم مئة مئة من الإبل، منهم من قريش: أبو سفيان بن حرب، وصفوان بن أميّة. ومن غير قريش: عيينة بن حصن الفزاريّ، والأقرع بن حابس.

[العبّاس بن مرداس يسخط عطاءه، ويعاتب النّبيّ ص فيه] وأعطى [ﷺ] العبّاس بن مرداس الشّاعر خمسين من الإبل، فسخطها، إذ لم يجعله كعيينة بن حصن والأقرع بن حابس، وأنشد النّبيّ ﷺ أبياتا يقول فيها، [من المتقارب] «٢» : أتجعل نهبي ونهب العبي ... د بين عيينة والأقرع «٣» وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع وما كنت دون امرىء منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع فأكمل له النّبيّ ﷺ مئة. [توزيع الغنائم على سائر المسلمين] وأمّا الغنم: فأعطى منها بغير عدد، حتّى أنّ أعرابيا رأى غنما بين جبلين، فقال: ما أكثر هذه الأغنام؟، فقال النّبيّ ﷺ: «هي لك» ، فأتى بها قومه، وقال لهم: أسلموا، فو الله إنّ محمّدا

عدد، حتّى أنّ أعرابيا رأى غنما بين جبلين، فقال: ما أكثر هذه الأغنام؟، فقال النّبيّ ﷺ: «هي لك» ، فأتى بها قومه، وقال لهم: أسلموا، فو الله إنّ محمّدا

ليعطي عطاء من لا يخاف الفقر «١» . وفي «الصّحيحين» ، أنّه ﷺ نادى قبل القسمة: «من أقام بيّنة على قتيل قتله فله سلبه» ، قال أبو قتادة: فقمت ألتمس بيّنة على قتيلي، فلم أر أحدا يشهد لي فجلست، ثمّ بدا لي، فذكرت أمره لرسول الله ﷺ، فقال رجل: سلاح هذا القتيل الّذي يذكر عندي، فأرضه منه، فقال أبو بكر- وعند أحمد: فقال عمر- وجمع بينهما بأنّ كلّا منهما قال: كلّا والله، لا نعطيه أضيبعا «٢» من قريش- تصغير ضبع/ بمعجمة- وندع أسدا من أسود الله يقاتل عن الله ورسوله، فقام رسول الله ﷺ فأدّاه إليّ «٣» . ولمّا قسم هذه المقاسم، وأعطى هذه العطايا، شرهت أنفس الأعراب وجفاة العرب، مع ضعف إيمانهم حينئذ إلى المال، فألحّوا عليه ﷺ في السّؤال، حتّى اضطرّوه إلى سمرة فخطفت رداءه، فقال: «أعطوني ردائي، فلو كان لي عدد هذه العضاه «٤» نعما لقسمته بينكم، ثمّ لا تجدوني بخيلا ولا كذّابا ولا جبانا» . رواه البخاريّ «٥» .

[أمر ذي الخويصرة التّميميّ] وروى أيضا-[أي: البخاريّ]- أنّ أعرابيا قال: اعدل، فقال: «ويحك! إن لم أعدل فمن يعدل وأنا حرّ؟!» ، قال: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فقال ﷺ: «رحم الله أخي موسى، قد

أوذي بأكثر من هذا فصبر» «١» .

[مقالة الأنصار بشأن الغنائم وخطبة النّبيّ ﷺ فيهم] وكان ﷺ وكل الأنصار إلى إيمانهم، فلم يعطهم من هذه المقاسم شيئا، فوجدوا وجدا شديدا، ووقع في أنفسهم ما لم يقع قبل ذلك. وأنشده حسّان بن ثابت في ذلك قوله، [من البسيط] «٢» : [زادت هموم] فدمع العين ينحدر ... سحّا إذا حفّلته عبرة درر «٣» وأت الرّسول فقل يا خير مؤتمن ... للمؤمنين إذا ما عدّد البشر علام تدعى سليم وهي نازحة ... قدّام قوم هم آووا وهم نصروا سمّاهم الله أنصارا لنصرهم ... دين الهدى وعوان الحرب تستعر «٤» وسارعوا في سبيل الله واعترفوا ... للنّائبات وما خاموا وما ضجروا «٥» والنّاس ألب علينا فيك ليس لنا ... إلّا السّيوف وأطراف القنا وزر «٦»

رب تستعر «٤» وسارعوا في سبيل الله واعترفوا ... للنّائبات وما خاموا وما ضجروا «٥» والنّاس ألب علينا فيك ليس لنا ... إلّا السّيوف وأطراف القنا وزر «٦»

نجالد النّاس لا نبقي على أحد ... ولا نضيّع ما توحي به السّور ثمّ إنّه ﷺ جمعهم وخطبهم، واعتذر إليهم، حتّى طابت أنفسهم. كما رواه البخاريّ ومسلم، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال ناس من الأنصار حين طفق رسول الله ﷺ يعطي رجالا من أموال هوازن المئة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله! يعطي قريشا/ ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، قال أنس: فحدّث رسول الله ﷺ بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبّة من أدم، ولم يدع معهم أحدا غيرهم، فلمّا اجتمعوا قام النّبيّ ﷺ فقال: «ما حديث بلغني عنكم؟» ، فقال فقهاء الأنصار: أمّا رؤساؤنا فلم يقولوا شيئا، وأمّا أناس منّا حديثة أسنانهم، فقالوا: يغفر الله لرسول الله، يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟، فقال رسول الله ﷺ: «إنّي لأعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألّفهم، أما ترضون أن يذهب النّاس بالأموال وتذهبوا برسول الله إلى رحالكم؟ فو الله لما تنقلبون به خير ممّا ينقلبون به» ، فقالوا: قد رضينا يا رسول الله «١» .

فائدة [: في سبب حجب النّبيّ ص أموال هوازن عن الأنصار] قوله: (لم يعط الأنصار شيئا) ، أي: أنّه لم يعط الأنصار شيئا من أصل الغنيمة، لا من الخمس الّذي أعطى منه المؤلّفة قلوبهم. قال العلماء: وسببه أنّهم كانوا انهزموا، فلم يرجعوا إلّا وقد

انهزم الكفّار، فردّ الله أمر الغنيمة إلى نبيّه ﷺ، ففعل فيها ما فعل للتّأليف، ووكل الأنصار إلى إيمانهم. والله أعلم.

[قدوم وفد هوازن مسلمين، وردّ النّبيّ ﷺ سباياهم] ثمّ إنّ وفد هوازن جاؤوا بعد قسمة غنائمهم مسلمين، ومناشدين للنّبيّ ﷺ برضاعه فيهم أن يردّ عليهم غنائمهم، وأنشدوه في ذلك أشعارا منها، [من البسيط] «١» : أمنن على نسوة قد كنت ترضعها ... إذ فوك يملؤه من مخضها الدّرر لا تجعلنّا كمن شالت نعامته ... واستبق منّا فإنّا معشر زهر ذكره ابن إسحاق مطوّلا، وأشار إليه البخاريّ بقوله في أبواب فرض الخمس، باب: ومن الدّليل على أنّ الخمس لنوائب المسلمين، ما سأل هوازن النّبيّ ﷺ برضاعه فيهم. وأتته أيضا أمّه وأخته من الرّضاعة: حليمة السّعديّة وبنتها الشّيماء، فبسط لهما رداءه وأجلسهما عليه ورقّ لهما ﷺ. وروى البخاريّ في «صحيحه» ، أنّ النّبيّ ﷺ/ قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين، فسألوه أن يردّ عليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم: «إنّ معي من ترون، وإنّ أحبّ الحديث إليّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطّائفتين: إمّا المال وإمّا السّبي» ، فقالوا: إنّا نختار سبينا، فقام رسول الله في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ قال: «أمّا بعد: فإنّ إخوانكم قد جاؤوا تائبين، وإنّي قد رأيت أن أردّ إليهم سبيهم، فمن أحبّ أن يطيّب «٢» ذلك

فليفعل، ومن أحبّ أن يكون على حظّه حتّى نعطيه إيّاه من أوّل ما يفيء الله علينا فليفعل» ، فقال النّاس: قد طيّبنا ذلك يا رسول الله «١» .

[عمرة الجعرانة واستخلاف النّبيّ ﷺ عتّابا على الحجّ] ثمّ انصرف رسول الله ﷺ من (الجعرانة) محرما بعمرة في ذي القعدة، فدخل (مكّة) فقضى نسكه، واستخلف على (مكّة) عتّاب- بتشديد الفوقيّة- ابن أسيد- بفتح الهمزة- فحجّ بالنّاس في تلك السّنة-[أي: الثّامنة]- ثمّ انصرف إلى (المدينة) فدخلها في آخر ذي القعدة.

لى (مكّة) عتّاب- بتشديد الفوقيّة- ابن أسيد- بفتح الهمزة- فحجّ بالنّاس في تلك السّنة-[أي: الثّامنة]- ثمّ انصرف إلى (المدينة) فدخلها في آخر ذي القعدة.

[خبر ولادة إبراهيم ابن النّبيّ ﷺ ووفاته] وولد له في ذي الحجّة ولده إبراهيم، فعاش نحو ثلاثة أشهر، وكسفت الشّمس يوم موته، في ربيع الأوّل من سنة تسع «٢» . وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» ، أنّ النّبيّ ﷺ دخل عليه في مرضه فوجده يجود بنفسه، فجعلت عيناه تذرفان، فقال له عبد الرّحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟، فقال له: «يا ابن عوف، إنّها رحمة، جعلها الله في قلوب عباده» ، ثمّ أتبعها بأخرى، وقال: «إنّ العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلّا ما يرضي ربّنا، وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» «٣» . وقال: «إنّ له مرضعا في الجنّة» «٤» .

وفيهما-[أي: صحيحي البخاريّ ومسلم]- أنّ النّاس قالوا: كسفت الشّمس لموت إبراهيم، فنهاهم النّبيّ ﷺ عن ذلك، وصلّى صلاة الكسوف، فأطال فيها حتّى انجلت، ثمّ خطب النّاس فحثّهم على الصّدقة والعتق، وقال: «إنّ الشّمس والقمر آيتان من آيات الله، يخوّف الله بهما عباده، ولا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته» «١» . [عام الوفود] وفي السّنة التّاسعة: دخل النّاس/ في دين الله أفواجا، كما أعلم الله ﷾ رسوله ﷺ بذلك، وجعله علما لقرب أجله. وفي «الصّحيحين» ، عن ابن عبّاس ﵄، أنّ عمر ﵁ قال له: ما تقول في: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ حتّى ختم السّورة؟، فقلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه الله له. قال: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ- فتح (مكّة) - وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً- فذلك علامة أجلك- فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [سورة النّصر ١١٠/ ١- ٣] فقال عمر:

نَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً- فذلك علامة أجلك- فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [سورة النّصر ١١٠/ ١- ٣] فقال عمر:

ما أعلم منها إلّا ما تعلمه «١» . [وفد بني حنيفة] ومن الوفود: وفد عليه ﷺ وفد بني حنيفة، عليهم مسيلمة الكذّاب. وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» ، عن ابن عبّاس ﵄ قال: قدم مسيلمة الكذّاب في بشر كثير من قومه، فأقبل إليه رسول الله ﷺ ومعه ثابت بن قيس بن شمّاس الأنصاريّ، وفي يد رسول الله ﷺ قطعة من جريد، حتّى وقف على مسيلمة في أصحابه، فجعل مسيلمة يقول: إن جعل لي محمّد الأمر [من] بعده تبعته، فقال رسول الله ﷺ: «لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنّك «٢» الله، وإنّي لأراك الّذي أريت فيه ما أريت، وهذا ثابت يجيبك عنّي» . ثمّ انصرف عنه «٣» . قال ابن عبّاس: فسألت عن قول رسول الله ﷺ: «إنّي لأراك الّذي أريت فيه ما أريت» ؟ فأخبرني أبو هريرة ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «بينما أنا نائم رأيت في يديّ سوارين من ذهب، فأهمّني شأنهما، فأوحي إليّ في المنام أن انفخهما، فنفختهما، فطارا، فأوّلتهما كذّابين يخرجان بعدي، أحدهما الأسود العنسيّ والآخر/ مسيلمة الكذّاب» «٤» . وفي رواية: «فأوّلتهما الكذّابين اللّذين أنا بينهما: صاحب (صنعاء) وصاحب (اليمامة) » «٥» . وفي رواية أخرى: «العنسيّ- أي: الّذي قتله فيروز ب (اليمن) -

والآخر مسيلمة الكذّاب- أي: الّذي قتله وحشيّ بن حرب الحبشيّ، قاتل حمزة في قتال خالد بن الوليد لأهل الرّدّة «١» -. وكان كلّ من مسيلمة والأسود ادّعى النّبوّة بعد وفاة النّبيّ ﷺ. [وفد نجران] ومن الوفود: وفد (نجران) ، وفيهم نزلت آية الملاعنة، لمّا حاجّوا النّبيّ ﷺ في عيسى ابن مريم [﵊] ، فقالوا: إنّه ابن الله، وكانوا نصارى، فأنزل الله تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ [سورة آل عمران ٣/ ٦١] . فأخذ النّبيّ ﷺ بيد الحسن والحسين وفاطمة تمشي خلفه وعليّ يمشي خلفها، فلمّا رأوهم قال حبران منهما- السّيّد والعاقب- لأصحابهما: لا تفعلوا، فو الله لئن لاعنتم هذه الوجوه لا تفلحوا أبدا. ثمّ صالحوه على الجزية، وبعث معهم أبا عبيدة بن الجرّاح. وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» ، عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: جاء السّيّد والعاقب صاحبا (نجران) إلى النّبيّ ﷺ يريدان أن يلاعناه، فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فو الله لئن كان نبيّا فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، ثمّ قالا: إنّا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلا أمينا، ولا تبعث معنا إلّا أمينا، فقال: «لأبعثنّ معكم رجلا أمينا حقّ أمين» ، فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﷺ، فقال: «قم يا أبا عبيدة بن الجرّاح» ، فلمّا قام قال النّبيّ ﷺ: «هذا أمين هذه الأمّة» «٢» .

فائدتان

الأولى: [في الحجّة على النّصارى في شبهتهم بولادة عيسى ﵊] وجه الحجّة على النّصارى، بقوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [سورة آل عمران ٣/ ٥٩] : إنّ شبهتهم فيه كونه خلق من أمّ بلا أب، فاحتجّ الله عليهم بأنّ آدم خلق من غير أمّ ولا أب، وليس بابن الله اتّفاقا. قال العلماء: والقسمة تقتضي أربعة أقسام: قسم خلقه الله/ من غير أمّ ولا أب، وهو آدم ﵇. وقسم بعكسه، وهو سائر ذرّيّته. وقسم من أب بلا أمّ، وهي حوّاء. وبقي القسم الرّابع، فأبرزه الله في عيسى ﵇.

قسم خلقه الله/ من غير أمّ ولا أب، وهو آدم ﵇. وقسم بعكسه، وهو سائر ذرّيّته. وقسم من أب بلا أمّ، وهي حوّاء. وبقي القسم الرّابع، فأبرزه الله في عيسى ﵇.

الثّانية: [في شهادة النّبيّ ص بتفضيل صحابته بعضهم على بعض] قال العلماء: إذا شهد الرّسول ﷺ لبعض أصحابه بفضيلة عليهم وجب القطع بأنّه أفضل منهم في تلك الفضيلة، فيجب أن نقطع بأنّ أبا عبيدة أفضل من أبي بكر وعمر وغيرهما في فضيلة الأمانة. وأنّ أبا ذرّ حيث قال فيه: «أصدقكم لهجة أبو ذرّ» «١» فصار أفضل منهم جميعا في تحرّي الصّدق. وأنّ عليّا أقضاهم، حيث قال: «أقضاكم عليّ» «٢» . وأنّ معاذا أعلمهم بالحلال والحرام حيث وصفه بذلك «٣» . وأنّ زيدا أفرضهم حيث وصفه أيضا بذلك «٤» .

والأفضل المطلق بإجماع أهل السّنّة من جمع خصال الفضل كأبي بكر ﵁، حيث أشار إليه ﷺ بقوله: «من أصبح منكم اليوم صائما؟» ، فقال أبو بكر: أنا، فقال: «من عاد منكم اليوم مريضا؟» ، فقال أبو بكر: أنا، فقال: «من تبع منكم اليوم جنازة؟» ، فقال أبو بكر: أنا. الحديث «١» ﵃ أجمعين، والله أعلم. [وفد أهل اليمن] ومن الوفود: وفد أهل (اليمن) ، فبشّرهم ﷺ وأثنى عليهم خيرا، وبعث معهم معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعريّ ﵄. وفي «الصّحيحين» ، جاءت بنو تميم، فقال لهم رسول الله ﷺ: «ابشروا يا بني تميم» ، فقالوا: بشّرتنا فأعطنا، فتغيّر وجهه ﷺ، فجاء ناس من (اليمن) ، فقال: «اقبلوا البشرى يا أهل (اليمن) ، إذ لم يقبلها بنو تميم» ، فقالوا: قد قبلنا يا رسول الله «٢» . فقال: «الإيمان ها هنا» ، وأشار بيده إلى (اليمن) «٣» . وفي رواية لهما-[أي: الصّحيحين] : «أتاكم أهل (اليمن) ، هم أرقّ أفئدة، وألين قلوبا. الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانيّة» «٤» .

لى (اليمن) «٣» . وفي رواية لهما-[أي: الصّحيحين] : «أتاكم أهل (اليمن) ، هم أرقّ أفئدة، وألين قلوبا. الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانيّة» «٤» .

وفيهما-[أي: الصّحيحين] : «أنّه ﷺ بعث أبا موسى الأشعريّ، ومعاذ بن جبل إلى (اليمن) ، وبعث كلّ واحد منهما على مخلاف، قال: «و (اليمن) مخلافان» ، ثمّ قال: «يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا» «١» . وأنّه [ﷺ] قال لمعاذ: «إنّك ستأتي قوما أهل/ كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أنّ الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كلّ يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أنّ الله قد فرض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإيّاك وكرائم أموالهم «٢» ، واتّق دعوة المظلوم، فإنّها ليس بينها وبين الله حجاب» «٣» . وممّا جاء في فضل أهل (اليمن) ، أنّ عمر ﵁ سأل النّاس: من أجود العرب؟، قالوا: حاتم، قال: فمن فارسها؟، قالوا: عمرو بن معدي كرب، قال: فمن شاعرها؟، قالوا: امرؤ القيس، قال: فأيّ سيوفها أقطع؟، قالوا: الصّمصامة، قال: كفى بهذا فضل (اليمن) . وأنّ ابن عبّاس ﵄ قال: لأهل (اليمن) ؛ من السّماء نجمها- أي: سهيل- ومن (الكعبة) ركنها.

[إسلام كعب بن زهير ﵁] وقدم أيضا على النّبيّ ﷺ كعب بن زهير بن أبي سلمى- بالضّمّ- المزنيّ فأسلم، واعتذر إلى النّبيّ ﷺ ممّا سبق منه، وكان النّبيّ ﷺ قد أهدر دمه لتعريضه بذمّه وذمّ الصّدّيق ﵁، في شعر له. وأنشد النّبيّ ﷺ حين وافاه قصيدته المشهورة: (بانت سعاد فقلبي اليوم متبول) ، ومنها، [من البسيط] «١» : نبّئت أنّ رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول مهلا هداك الّذي أعطاك نافلة ال ... قرآن فيه مواعيظ وتفصيل لا تأخذنّي بأقوال الوشاة ولم ... أذنب ولو كثرت فيّ الأقاويل فعفا عنه، وكساه بردته. فاشتراها منه معاوية بن أبي سفيان في أيّام خلافته بمئة ألف درهم، وأوصى أن يكفّن فيها. [غزوة تبوك] وفي هذه السّنة- وهي التّاسعة- في رجب منها: غزا النّبيّ ﷺ غزوة (تبوك) . وهي آخر غزوة غزاها النّبيّ ﷺ وسمّاها الله تعالى ساعة العسرة، لوقوعها في شدّة/ الحرّ. وذلك أنّه ﷺ لمّا لم يبق له عدوّ من العرب، أمر أصحابه بالتهيّؤ لغزو الرّوم إلى (الشّام) ، وحثّ الموسرين منهم على إعانة المعسرين، فأنفق عثمان بن عفّان ﵁ فيها ألف دينار ذهبا، وحمل على تسع مئة وخمسين بعيرا، وخمسين فرسا في سبيل الله، فذلك ألف،

حثّ الموسرين منهم على إعانة المعسرين، فأنفق عثمان بن عفّان ﵁ فيها ألف دينار ذهبا، وحمل على تسع مئة وخمسين بعيرا، وخمسين فرسا في سبيل الله، فذلك ألف،

وبذلك سمّي ﵁ مجهّز جيش العسرة، حتّى قال النّبيّ ﷺ: «اللهمّ ارض عن عثمان، فإنّي عنه راض» «١» . وقال: «ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم» «٢» . وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» ، أنّ عثمان ﵁ حين حوصر أشرف عليهم، وقال: أنشدكم بالله ولا أنشد إلّا أصحاب رسول الله ﷺ، ألستم تعلمون أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من جهّز جيش العسرة فله الجنّة» ، فجهّزتهم؟ ألستم تعلمون أنّ رسول الله ﷺ قال: «من حفر بئر رومة فله الجنّة» ، فحفرتها؟ فصدّقوه فيما قال «٣» . وأوعب المسلمون «٤» مع رسول الله ﷺ حتّى بلغوا سبعين ألفا، ولم يتخلّف عنها إلّا منافق أو معذور، سوى الثّلاثة الّذين خلّفوا، الآتي ذكرهم، وسوى عليّ ﵁. ففي «الصّحيحين» ، أنّ رسول الله ﷺ خرج إلى (تبوك) واستخلف عليّا ﵁ على (المدينة) ، فقال: أتخلّفني في الصّبيان والنّساء؟، فقال: «ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى؟، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي؟» «٥» . وفيهما-[أي: الصّحيحين]- أنّه ﷺ قال ب (تبوك) : «إن

بالمدينة أقواما حبسهم العذر، ما قطعنا واديا ولا شعبا إلّا وهم معنا فيه» «١» .

[أمر المعذّرين من الأعراب] وأنزل الله أيضا في المعذّرين: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [سورة التّوبة ٩/ ٩١] . [أمر المنافقين] وأنزل في المنافقين قوله تعالى: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ/ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ- أي: النّساء- وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [سورة التّوبة ٩/ ٩٣] .

ُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ- أي: النّساء- وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [سورة التّوبة ٩/ ٩٣] .

[أمر البكّائين] وفي «الصّحيحين» أيضا، أنّ الأشعريّين أرسلوا أبا موسى الأشعريّ إلى رسول الله ﷺ يسأله الحملان لهم في جيش العسرة، وهي غزوة (تبوك) ، فقال: «والله لا أحملكم على شيء» ، أي: لا أجد شيئا أحملكم عليه- كما في الرّواية الآخرى- فرجعوا يبكون، فأنزل الله فيهم: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ [سورة التّوبة ٩/ ٩٢] . ثمّ إنّ النّبيّ ﷺ ابتاع ستّة أبعرة فأرسل بها إلى أبي موسى، فقال: «خذها فانطلق بها إلى أصحابك» . ومضى ﷺ بسبيله «٢» .

[مرور النّبيّ ﷺ وأصحابه بالحجر] وفي «الصّحيحين» ، أنّه ﷺ لمّا مرّ بالحجر- ديار ثمود- قال لأصحابه: «لا تدخلوا مساكن الّذين ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم ما أصابهم إلّا أن تكونوا باكين» ، ثمّ قنّع رأسه- أي: غطّاه-

وأسرع السّير حتّى أجاز الوادي «١» .

[مصالحة النّبيّ ﷺ أهل أيلة وجرباء وأذرح] ولمّا انتهى ﷺ إلى (تبوك) ، وهي أدنى بلاد الرّوم، أقام بها بضع عشرة ليلة. وصالح جملة من أهل الناحية على الجزية، ثمّ رجع إلى (المدينة) ، ولم يلق عدوّا.

[اعتذار المنافقين عن تخلّفهم] فلمّا قدم (المدينة) ، جاء المنافقون يعتذرون إليه عن تخلّفهم عنه، ويحلفون له، فقبل منهم معذرتهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى، فأنزل الله تعالى فيهم: يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ الآيات، إلى قوله: فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [سورة التّوبة ٩/ ٩٤- ٩٦] . ونزلت فيهم سورة براءة، وسمّاها ابن عبّاس ﵄ الفاضحة- والعياذ بالله تعالى- وقال: لم يزل ينزل فيهم: وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ حتّى ظنّوا أنّها لم تبق أحدا منهم إلّا ذكرته.

اها ابن عبّاس ﵄ الفاضحة- والعياذ بالله تعالى- وقال: لم يزل ينزل فيهم: وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ حتّى ظنّوا أنّها لم تبق أحدا منهم إلّا ذكرته.

[أمر كعب بن مالك، وهلال بن أميّة، ومرارة بن الرّبيع] أمّا الثّلاثة الّذين خلّفوا، وهم: كعب بن مالك الخزرجيّ، وهلال بن أميّة الأوسيّ، ومرارة/ بن الرّبيع، فإنّهم لم يتخلّفوا لنفاق ولا لعذر، بل كسلا مع استطاعتهم، كمن ترك الصّلاة كسلا، فاستحقّوا العقاب، فعوقبوا، ثمّ تاب الله عليهم. وكان من خبرهم ما ذكره البخاريّ ومسلم في «صحيحيهما» ، عن كعب بن مالك ﵁ قال: لم أتخلّف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها إلّا في غزوة (تبوك) ، غير أنّي لم أشهد (بدرا) ، ولم

Bagian 7 dari 10