حدائق الأنوار ومطالع الأسرار في سيرة النبي المختار

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya بحرق اليمني (w. 930 H).

Bagian 8 dari 10 540 halaman

— Bagian 8 · يعاتب [الله] أحدا تخلّف عنها، ولم أكن قطّ أقوى و… —

Bagian 8

يعاتب [الله] أحدا تخلّف عنها، ولم أكن قطّ أقوى ولا أيسر منّي حين تخلّفت عنه في تلك الغزوة، فتجهّز رسول الله ﷺ، ولم أقض من جهازي شيئا، فقلت: أتجهّز بعده بيوم أو بيومين، فلم يزل يتباطأ بي الأمر حتّى تباعد الغزو، فكنت إذا خرجت في النّاس أحزنني أنّي لا أجد إلّا رجلا مغموصا عليه بالنّفاق- أي: معيّرا به- أو رجلا ممّن عذر الله من الضّعفاء، فلمّا بلغني أنّ رسول الله ﷺ قفل راجعا طفقت أتذكّر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا؟ ثمّ زاح عنّي الكذب، وعرفت أنّي لا أخرج عنه بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه. فلمّا قدم رسول الله ﷺ (المدينة) جاءه المخلّفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، فقبل منهم علانيتهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى، فجئته، فسلّمت عليه فتبسّم تبسّم المغضب، ثمّ قال: «ما خلّفك؟» ، فقلت: والله لو جلست عند غيرك من أهل الدّنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا «١» ، ولكنّي والله لئن حدّثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنّي، ليوشكنّ أن يسخطك الله عليّ، ولئن حدّثتك حديث صدق تجد عليّ فيه، إنّي لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، فقال ﷺ: «أمّا هذا فقد صدق، فقم حتّى يقضي الله فيك» ، فقمت، فلامني رجال من بني سلمة- أي: بكسر اللّام- أن لا أكون اعتذرت كما اعتذر إليه المخلّفون، فقلت: هل لقي معي هذا أحد؟، قالوا: نعم؛ مرارة/ بن الرّبيع العمريّ، وهلال بن أميّة الواقفيّ، فذكروا لي رجلين صالحين،

اعتذرت كما اعتذر إليه المخلّفون، فقلت: هل لقي معي هذا أحد؟، قالوا: نعم؛ مرارة/ بن الرّبيع العمريّ، وهلال بن أميّة الواقفيّ، فذكروا لي رجلين صالحين،

قد شهدا (بدرا) فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيّها الثّلاثة خاصّة «١» ، فاجتنبنا النّاس، وتغيّروا لنا، حتّى تنكّرت الأرض، فما هي بالأرض الّتي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فلمّا صلّيت صلاة الفجر، وأنا على الحال الّتي ذكرها الله تعالى «٢» ، وقد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت، وضاقت عليّ نفسي، سمعت وأنا جالس على ظهر بيتي صارخا، أوفى على (سلع) «٣» ، يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، فخررت لله ساجدا، وقد آذن رسول الله ﷺ النّاس بتوبة الله علينا، فذهبوا يبشّروننا، فلمّا جاءني الّذي سمعت صوته نزعت له ثوبيّ، فكسوته إيّاهما ببشراه. وو الله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله ﷺ، فيتلقاني النّاس فوجا فوجا، فلمّا دخلت المسجد وسلّمت على النّبيّ ﷺ قال لي- ووجهه يبرق من السّرور-: «أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك» . وأنزل الله على رسوله: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ

َتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ

الرَّحِيمُ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [سورة التّوبة ٩/ ١١٧- ١١٩] . فو الله ما أنعم الله عليّ من نعمة قطّ، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ، وأن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الّذين كذبوا، فإنّ الله قال للّذين كذبوا حين أنزل الوحي شرّ ما قال لأحد، فقال: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا/ انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ. يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [سورة التّوبة ٩/ ٩٥- ٩٦] «١» .

فائدة [: في قبول الله تعالى توبة كعب بن مالك] في قوله ﷺ لكعب: «أبشر بخير يوم مرّ عليك» دليل واضح أنّ توبة الله على عبده لا يتطرّق إليها نقص، إذ كعب أسلم وبايع ب (العقبة) وشهد غير (بدر وتبوك) من المشاهد، وكلّ هذه أيّام شريفة، لكنّ عاقبتها غير مأمونة، وبذلك يعلم أنّ ثناء الله على من أثنى عليه من عباده لا يتحوّل ذمّا، كثنائه على أصحاب نبيّه ﷺ ورضي عنهم. وسيأتي تقرير ذلك في فصل معقود لفضلهم.

[وفاة النّجاشيّ] وفيها-[أي: السّنة التّاسعة]- في رجب: نعى لهم النّبيّ ﷺ النّجاشيّ، وصلّى عليه في المصلّى جماعة. وفي «الصّحيحين» ، أنّه ﷺ نعى لهم النّجاشيّ صاحب

(الحبشة) في اليوم الّذي مات فيه، وقال: «استغفروا لأخيكم» «١» . وصفّ بهم في المصلّى، فصلّى عليه، وكبّر أربعا.

[حجّ أبي بكر ﵁] وفي خاتمة هذه السّنة-[أي: السّنة التّاسعة]-: حجّ أبو بكر ﵁ بالنّاس، وكان النّبيّ ﷺ همّ أن يحجّ، فذكر ما اعتاده المشركون من الجهالات في حجّهم، مع ما بينه وبينهم من المعاهدة، فثناه ذلك عن الحجّ، وأمّر أبا بكر على الحجّ، وبعث معه بصدر سورة براءة. وروى «البخاريّ ومسلم» ، عن أبي هريرة ﵁ أنّ أبا بكر بعثه في الحجّة الّتي أمّره عليها رسول الله ﷺ قبل حجّة الوداع في رهط يؤذّن في النّاس يوم النّحر: أن لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال: فنبذ أبو بكر إلى النّاس في ذلك العام عهودهم، فلم يحجّ في العام القابل الّذي حجّ فيه النّبيّ ﷺ حجّة الوداع مشرك، وأنزل الله تعالى في العام الّذي حجّ فيه أبو بكر ﵁: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا/ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [سورة التّوبة ٩/ ٢٨] .

[بعث النّبيّ ﷺ عليّا ﵁ بصدر براءة] قال: ثمّ أردف النّبيّ ﷺ بعليّ بن أبي طالب ﵁ فأمره أن يؤذّن ببراءة. قال أبو هريرة: فأذّن معنا ببراءة في أهل (منى) «٢» . وقال ابن إسحاق: بعث النّبيّ ﷺ أبا بكر أميرا، ثمّ بعث بعده

عليّا، وأمره أن يتولّى نبذ العهود، بأن يقرأ على النّاس صدر سورة براءة، لئلّا يبقى للمشركين عذر، إذ كان من عادتهم ألّا يتولّى نبذ العقود إلّا من تولّى عقدها، وهو صاحبها، أو رجل من أهل بيته «١» . قال ابن إسحاق: فلمّا أدرك عليّ أبا بكر، قال له أبو بكر: أأمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور؟، ثمّ مضيا، فكان عليّ ينادي ب (منى) : أنّ من كان له أجل فله أربعة أشهر، ثمّ لا عهد له- أي: لقوله تعالى-: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ [سورة التّوبة ٩/ ٢] «٢» .

وروى الطّبرانيّ أنّ جبريل أتاه فقال له: (إنّه لن يؤدّيها- أي: البراءة- إلّا أنت أو رجل منك) «١» .

ْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ [سورة التّوبة ٩/ ٢] «٢» .

وروى الطّبرانيّ أنّ جبريل أتاه فقال له: (إنّه لن يؤدّيها- أي: البراءة- إلّا أنت أو رجل منك) «١» .

[حجّة الوداع] وفي السّنة العاشرة: حجّ النّبيّ ﷺ حجّة الوداع، وسمّيت حجّة الوداع لأنّه ﷺ ودّع النّاس فيها. وقال: «خذوا عنّي مناسككم، فإنّي لا أدري لعلّي لا أحج بعد عامي هذا» «٢» . وحجّ ﷺ بأزواجه كلّهنّ ﵅، وبخلق كثير من الصّحابة ﵃. فحضرها من الصّحابة أربعون ألفا، كلّهم يلتمس أن يأتمّ به ﷺ، فعلّمهم المناسك، وأبطل شعائر الجاهليّة، وقال ﷺ في خطبته: «ألا إنّ كلّ شيء من أمر الجاهليّة موضوع تحت قدميّ هاتين، ودماء الجاهليّة موضوعة، وربا الجاهليّة موضوع، وقد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعده إن تمسّكتم به: كتاب الله، وأنّكم تسألون عنّي فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت وأدّيت ونصحت، فقال: «اللهمّ اشهد» ثلاث مرّات. ونزل علينا قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ/ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [سورة المائدة ٥/ ٣] «٣» .

ا قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ/ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [سورة المائدة ٥/ ٣] «٣» .

وكان نزولها يوم عرفة، بعد العصر، وهو ﷺ واقف ب (عرفات) ، وذلك يوم الجمعة. ولمّا سمعها عمر ﵁ بكى، فقال له النّبيّ ﷺ: «ما يبكيك؟» ، قال: إنّه لم يكمل شيء إلّا نقص. قال: «صدقت» «١» . فعاش بعدها ﷺ نحو ثلاثة أشهر، ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام ولا غيرهما من الأحكام. وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» ، عن ابن عمر ﵄ قال: كنّا نتحدّث بحجّة الوداع، والنّبيّ ﷺ بين أظهرنا، فلا ندري ما حجّة الوداع؟، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ ذكر المسيح الدّجّال، فأطنب في ذكره، وقال «ما بعث الله نبيّا إلّا وقد أنذر أمّته، أنذره نوح والنّبيّون من بعده، وإنّه يخرج فيكم فما خفي عليكم من شأنه فليس يخفى عليكم أنّ ربّكم ليس بأعور، وإنّه أعور العين اليمنى، كأنّ عينه عنبة طافية «٢» ، ألا وإنّ الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا هل بلّغت؟» ، قالوا: نعم، قال: «اللهمّ اشهد- ثلاثا- ويلكم، أو ويحكم، انظروا، لا ترجعوا بعدي كفّارا، يضرب بعضكم رقاب بعض» «٣» . وفيهما-[أي: الصّحيحين]- أنّ أناسا من اليهود قالوا: لو نزلت هذه الآية فينا لاتّخذنا ذلك اليوم عيدا، فقال عمر بن الخطّاب ﵁: أيّة آية هي؟، فقالوا: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ

وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً، فقال عمر ﵁: والله، إنّي لأعلم أيّ مكان أنزلت، أنزلت ورسول الله ﷺ واقف ب (عرفة) «١» . ثمّ قفل ﷺ إلى (المدينة) ، فأقام بها بقيّة ذي الحجّة والمحرّم وصفر.

ل عمر ﵁: والله، إنّي لأعلم أيّ مكان أنزلت، أنزلت ورسول الله ﷺ واقف ب (عرفة) «١» . ثمّ قفل ﷺ إلى (المدينة) ، فأقام بها بقيّة ذي الحجّة والمحرّم وصفر.

[سريّة أسامة بن زيد ﵄] ثمّ أمر النّاس بالجهاز إلى (الشّام) ، وأمّر عليهم أسامة بن زيد بن حارثة ﵃، وأمره أن يوطئ الخيل تخوم (البلقاء) ، وأن يحرق القرية الّتي عند (مؤتة) ، حيث قتل أبوه زيد، وأراد بذلك أن يدرك ثأره/ من المشركين. فطعن ناس في إمارته لحداثة سنّه، ولكونه مولىّ، وقالوا: أمّر غلاما على جلّة المهاجرين والأنصار «٢» ؟. وابتدأ برسول الله ﷺ المرض، فلمّا بلغه ذلك، خرج فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، وأمرهم بالجهاز، وبطاعة من أمّره عليهم. وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» ، عن ابن عمر ﵄ قال: بعث النّبيّ ﷺ بعثا، وأمّر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض النّاس في إمارته، فقام رسول الله ﷺ فقال: «إن تطعنوا في إمارته، فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله، إن كان لخليقا للإمارة، وإن كان لمن أحبّ النّاس إليّ، وإنّ هذا لمن أحبّ النّاس إليّ بعده» «٣» .

فأخذ النّاس في جهازهم، فثقل ﷺ، فأقاموا ينتظرون ما الله قاض في رسوله.

[مرض النّبيّ ﷺ] وكان وجعه ﷺ بالخاصرة والصّداع والحمّى، وكان يوعك وعكا شديدا، وكان يدار به على نسائه، ثمّ استأذنهنّ أن يمرّض في بيت عائشة، فأذنّ له. فلمّا عجز عن الخروج إلى الصّلاة، أمر أبا بكر أن يصلّي بالنّاس، فصلّى بهم.

[اشتداد مرض النّبيّ ﷺ] وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» ، عن ابن مسعود ﵁ قال: دخلت على النّبيّ ﷺ في مرضه، وهو يوعك وعكا شديدا، فمسسته بيدي، فقلت: يا رسول الله، إنّك لتوعك وعكا شديدا، قال: «أجل، إنّي لأوعك كما يوعك رجلان منكم» ، قلت: ذلك، بأنّ لك أجرين؟ قال: «أجل ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى، شوكة فما فوقها، إلّا كفّر الله به سيّئاته، كما تحاتّ الشّجرة ورقها» «١» .

[أمر النّبيّ ﷺ أبا بكر ﵁ أن يصلّي بالنّاس] وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن عائشة ﵂ قالت: ثقل النّبيّ ﷺ فقال: «ضعوا لي ماء في المخضب «١» » ، ففعلنا، فاغتسل، فأغمي عليه، ثمّ أفاق، والنّاس عكوف في المسجد بصلاة العشاء الآخرة، فقال: «أصلّى النّاس؟» ، قلنا: لا، هم ينتظرونك، فقال: «مروا أبا بكر فليصلّ/ بالنّاس» «٢» . قالت: فراجعت رسول الله ﷺ في ذلك، وما حملني على كثرة مراجعته إلّا أنّه لم يقع في قلبي: أن يحبّ النّاس بعده رجلا قام مقامه أبدا، ولا كنت أرى أنّه لن يقوم مقامه أحد إلّا تشاءم النّاس به، فأردت أن يعدل ذلك رسول الله ﷺ عن أبي بكر «٣» . فأرسل [النّبيّ ﷺ] إلى أبي بكر بأن يصلّي بالنّاس، فقال أبو بكر- وكان رجلا رقيقا-: يا عمر صلّ بالنّاس، فقال عمر: أنت أحقّ بذلك، وصلّى أبو بكر بالنّاس تلك الأيّام. ثمّ إنّ النّبيّ ﷺ أي: بعد أيّام- وجد من نفسه خفّة، فخرج لصلاة الظّهر بين رجلين، وأبو بكر يصلّي بالناس، فلمّا رآه أبو بكر ذهب ليتأخّر، فأومأ إليه [النّبيّ ﷺ] بأن لا يتأخّر، وقال: «أجلساني إلى جنبه» ، فأجلساه، فجعل أبو بكر يصلّي وهو يأتمّ بصلاة النّبيّ ﷺ، والنّاس يأتمّون بصلاة أبي بكر- أي: كالمبلّغ لهم «٤» -.

لا يتأخّر، وقال: «أجلساني إلى جنبه» ، فأجلساه، فجعل أبو بكر يصلّي وهو يأتمّ بصلاة النّبيّ ﷺ، والنّاس يأتمّون بصلاة أبي بكر- أي: كالمبلّغ لهم «٤» -.

فائدة [: في أمر النّبيّ ﷺ أبا بكر أن يصلّي بالنّاس] وفي «الصّحيحين» ، أنّ عائشة ﵂ راجعته ثلاث مرّات، تقول له: إنّ أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ غلبه البكاء، فلم يسمع النّاس، فمر عمر فليصلّ بالنّاس، وهو يقول: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» ، فأمرت حفصة فراجعته أيضا، فقال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس، فإنّكنّ صواحب يوسف» «١» . قال العلماء: وجه المشابهة: أنّ عائشة أضمرت ما سبق من قولها: (وما حملني على كثرة مراجعته) - إلى آخره- (وأظهرت أنّه رجل رقيق) - إلى آخره- فأشبهت امرأة العزيز، الّتي استدعت النّسوة، وأظهرت إكرامهنّ بالضّيافة، وأضمرت أن يعذرنها في شغفها بحبّ يوسف إذا رأينه، كما صرّحت بذلك في قولها: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ [سورة يوسف ١٢/ ٣٢] . والله أعلم.

[همّ النّبيّ ﷺ أن يكتب لأصحابه كتابا] وفي «الصّحيحين» عنها أيضا، أنّه ﷺ قال في مرضه: «لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه، وأعهد أن يقول القائلون، أو يتمنّى المتمنّون، ثمّ قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون» «٢» .

[خطبته ﷺ في النّاس] وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن أبي سعيد الخدريّ/ ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ خطب النّاس فقال: «إنّ الله خيّر عبدا بين الدّنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله» ، قال: فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه- فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشّيخ؟ أن يكون الله خيّر عبدا بين الدّنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله ﷿، فكان رسول الله ﷺ هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا به-.

فقال النّبيّ ﷺ: «يا أبا بكر لا تبك، إنّ من أمنّ النّاس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متّخذا خليلا غير ربّي لاتّخذت أبا بكر، ولكن أخوّة الإسلام ومودّته، لا يبقينّ في المسجد باب إلّا سدّ، إلّا باب أبي بكر» «١» .

وماله أبا بكر، ولو كنت متّخذا خليلا غير ربّي لاتّخذت أبا بكر، ولكن أخوّة الإسلام ومودّته، لا يبقينّ في المسجد باب إلّا سدّ، إلّا باب أبي بكر» «١» .

[نعي النّبيّ ص نفسه إلى فاطمة ﵂ وبشارته لها] وفيهما-[أي: الصّحيحين]- أنّه ﷺ دعا ابنته فاطمة، في شكواه الّتي قبض فيها، فسارّها بشيء فبكت، ثمّ دعاها فسارّها بشيء فضحكت. قالت عائشة: فسألتها بعد موته، فقالت: أخبرني أنّه يقبض في وجعه ذلك فبكيت، ثمّ أخبرني أنّي أوّل أهله يتبعه فضحكت «٢» . فماتت ﵂ بعده بستّة أشهر.

[كثرة نزول الوحي على النّبيّ ﷺ في السّنة الّتي قبض فيها] وروى البخاريّ عن أنس ﵁ قال: إنّ الله تابع على رسوله ﷺ نزول الوحي حين توفّاه أكثر ما كان الوحي، ثمّ توفّي رسول الله ﷺ بعد «٣» .

[تأثّر فاطمة ﵂ لما ألمّ بأبيها ﷺ] قال العلماء: وذلك لكثرة الوفود وسؤالهم عن الأحكام. وفيه-[أي: الصّحيحين]- عنه أيضا قال: لمّا ثقل النّبيّ ﷺ جعل يتغشّاه الكرب، فقالت فاطمة ﵍: واكرب أباه، فقال لها: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم» ، قال: فلمّا دفنّاه، قالت فاطمة ﵍: يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على نبيّكم التّراب «٤» .

[تخيير النّبيّ ﷺ عند قبضه] وفي «الصّحيحين» ، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ وهو صحيح يقول: «إنّه لن يقبض نبيّ قطّ حتّى يرى مقعده في الجنّة، ويخيّر بين الدّنيا والآخرة» ، فسمعته في مرضه الّذي مات فيه يقول، وقد أخذته بحّة: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [سورة النّساء ٤/ ٦٩] «١» . وفي رواية: ثمّ شخص بصره/ إلى السّماء، ثمّ قال: «اللهمّ الرّفيق الأعلى» . فقلت: إذا لا يختارنا، وعرفت أنّه حديثه الّذي كان يحدّثنا وهو صحيح «٢» . وفي رواية أنّه قال: «اللهمّ اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرّفيق الأعلى» «٣» .

[خروج النّبيّ ﷺ صبيحة يوم وفاته] وفي «الصّحيحين» ، عن أنس بن مالك ﵁ أنّ المسلمين بينما هم في صلاة الفجر من يوم الاثنين، وأبو بكر يصلّي لهم، لم يفجأهم إلّا رسول الله ﷺ قد كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم صفوف في الصّلاة، فتبسّم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصّفّ، وظنّ أنّ رسول الله ﷺ يريد أن يخرج إلى الصّلاة، فقال أنس: وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله ﷺ، فأشار إليهم بيده: «أن أتمّوا صلاتكم» ، ودخل الحجرة، وأرخى السّتر، ومات من يومه «٤» .

[معالجة النّبيّ ﷺ سكرات الموت] وفيهما-[أي: الصّحيحين]- أنّ رسول الله ﷺ كانت عنده ركوة فيها ماء، فجعل يدخل يديه فيها، ويمسح بها وجهه، ويقول: «أشهد أن لا إله إلّا الله، إنّ للموت سكرات» ، ثمّ نصب يده، فجعل يقول: «في الرّفيق الأعلى» ، حتّى قبض ومالت يده ﷺ «١» .

فائدة [: في حبّ الرّسول ﷺ لقاء الرّفيق الأعلى] قال العلماء: إنّما لم يزل يكرّرها لأنّ التّخيّير لم يزل يعاد عليه، وهي كلمة تتضمّن حبّ لقاء الله، الّذي هو لباب التّوحيد، وسرّ الذّكر باللّسان والقلب، ومنه يستفاد أنّه لا يشترط في نجاة المحتضر أن يتلفّظ ب (لا إله إلّا الله) ، إذا مات وقلبه مطمئن بالإيمان. والله أعلم.

د، وسرّ الذّكر باللّسان والقلب، ومنه يستفاد أنّه لا يشترط في نجاة المحتضر أن يتلفّظ ب (لا إله إلّا الله) ، إذا مات وقلبه مطمئن بالإيمان. والله أعلم.

[عمر النّبيّ ﷺ يوم قبض] وفي «صحيح البخاريّ» ، عن ابن عبّاس ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ لأربعين سنة، ومكث ب (مكّة) ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثمّ أمر بالهجرة، فهاجر إلى (المدينة) عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستّين سنة «٢» .

[دهشة المسلمين لوفاة النّبيّ ﷺ] ولمّا قبضه الله إليه، واختار له ما عنده؛ دهش أصحابه ﵃ دهشة عظيمة، وطاشت أحلامهم لعظم المصيبة، ولم يكن فيهم أثبت من العبّاس وأبي بكر ﵄. وروى التّرمذيّ/ في «الشّمائل النّبويّة» ، وابن ماجه في «السّنن» عن أنس ﵁ قال: لمّا كان اليوم الّذي دخل فيه النّبيّ ﷺ (المدينة) أضاء منها كلّ شيء، ولمّا كان اليوم الّذي مات

فيه أظلم منها كلّ شيء «١» . وفي ذلك يقول أبو سفيان بن الحارث، ابن عمّ رسول الله ﷺ، [من الوافر] «٢» : أرقت فبات ليلي لا يزول ... وليل أخي المصيبة فيه طول وأسعدني البكاء وذاك فيما ... أصيب المسلمون به قليل لقد عظمت مصيبتنا وجلّت ... عشيّة قيل قد قبض الرّسول وأضحت أرضنا ممّا عراها ... تكاد بنا جوانبها تميل فقدنا الوحي والتّنزيل فينا ... يروح به ويغدو جبرئيل وذاك أحقّ ما سالت عليه ... نفوس النّاس أو كادت تسيل نبيّ كان يجلو الشّك عنّا ... بما يوحى إليه وما يقول ويهديناا فما نخشى ضلالا ... علينا والرّسول لنا دليل أفاطم إن جزعت فذاك عذر ... وإن لم تجزعي ذاك السّبيل فقبر أبيك سيّد كلّ قبر ... وفيه سيّد النّاس الرّسول

ا فما نخشى ضلالا ... علينا والرّسول لنا دليل أفاطم إن جزعت فذاك عذر ... وإن لم تجزعي ذاك السّبيل فقبر أبيك سيّد كلّ قبر ... وفيه سيّد النّاس الرّسول

[موقف أبي بكر ﵁ من وفاة النّبيّ ﷺ] وروى البخاريّ في «صحيحه» ، أنّ النّبيّ ﷺ مات وأبو بكر ﵁ ب (العالية) ، فقام عمر ﵁ يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ وليبعثنّه الله، فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم، فجاء أبو بكر فكشف عن وجه رسول الله ﷺ وقبّله، وقال: بأبي أنت وأمّي، طبت حيّا وميتا، والّذي نفسي بيده لا يذيقك الله موتتين، أمّا الموتة الّتي كتبت عليك فقد متّها. ثمّ خرج إلى النّاس فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: ألا من كان يعبد محمّدا ﷺ فإنّ محمّدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإنّ الله حيّ

لا يموت، ثمّ تلا قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [سورة الزّمر ٣٩/ ٣٠] وقوله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ/ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [سورة آل عمران ٣/ ١٤٤] . قال: فنشج «١» النّاس بالبكاء حينئذ، وكأنّ النّاس لم يعلموا أنّ الله أنزل هذه الآية حتّى تلاها أبو بكر، فتلقّاها منه النّاس كلّهم يتلوها، قال عمر ﵁: والله ما هو إلّا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت «٢» ، وعلمت أنّ النّبيّ ﷺ قد مات «٣» .

[زمن وفاة النّبيّ ﷺ] وكانت وفاته ﷺ ضحى يوم الاثنين، ثاني عشر ربيع الأوّل،

[دفن النّبيّ ﷺ] ودفن يوم الثّلاثاء «٤» . وإنّما تأخّر دفنه لاختلافهم في موته، حتّى أزال الشّكّ عنهم أبو بكر.

ثمّ اختلفوا أيضا أين يدفن؟، فمنهم من قال: في مسجده. ومنهم من قال: في (البقيع) حيث دفن ابنه إبراهيم وأصحابه، ومنهم من قال: يحمل إلى (القدس) عند قبر أبيه إبراهيم ﵇. حتّى أزال الشّكّ الصّدّيق أيضا ﵁، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما دفن نبيّ إلّا حيث يموت» . أخرجه مالك في «الموطّأ» ، وابن ماجه في «السّنن» «١» . [أمر سقيفة بني ساعدة] ثمّ إنّ الأنصار أرادوا أن يتميّزوا عن المهاجرين، وأن يعقدوا الخلافة لسعد بن عبادة، فأطفأ الله نار الفتنة على يد أبي بكر الصّدّيق ﵁، بأنّ الأئمّة من قريش، ولهذا قال أبو هريرة ﵁: (لولا أبو بكر لهلكت هذه الأمّة) . [مبايعة أبي بكر ﵁] وفي «صحيح البخاريّ» ، عن ابن عبّاس ﵄، أنّ عمر بن الخطّاب ﵁ خطب النّاس في خلافته- فذكر حديث بيعة أبي بكر- فقال: إنّه كان من خيرنا حين توفّى الله نبيّه ﷺ، إلّا أنّ الأنصار خالفونا، واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا حتّى أتيناهم، فقال قائلهم: نحن أنصار الله وكتيبة الإسلام- أي الّتي اجتمع إليها آحاد النّاس- فمنّا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: ما ذكرتم فيكم من خير/ فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلّا لهذا الحيّ من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرّجلين، فبايعوا أيّهما شئتم، وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن

ن يعرف هذا الأمر إلّا لهذا الحيّ من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرّجلين، فبايعوا أيّهما شئتم، وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن

الجرّاح، وهو جالس بيننا، فلم أكره ممّا قال غيرها، كان والله أن أقدّم فيضرب عنقي، لا يقرّبني ذلك من إثم أحبّ إليّ من أن أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر، وكثر اللّغط «١» ، وارتفعت الأصوات، حتّى خفت من الاختلاف، ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقناهم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا، فإمّا أن نبايعهم على ما لا نرضى، وإمّا أن نخالفهم فيقع الفساد، فقلت لأبي بكر: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون، ثمّ بايعته الأنصار، ثمّ كانت بيعة العامّة من الغد «٢» . وأمّا سيّدنا عليّ ﵁ وسائر بني هاشم فكانوا في وقت البيعة مشغولين بغسل رسول الله ﷺ وتكفينه، فوقع في أنفسهم من استبداد أبي بكر وعمر وسائر المهاجرين والأنصار بالأمر عليهم. وسبق أنّها لم تقع عن رويّة، إنّما بادر إليها عمر خوفا من الوقوع في الفتنة، فلم يسأل أبو بكر منهم البيعة لانعقادها، ولم يبادروا هم إليها.

[طلب فاطمة ﵂ ميراثها من النّبيّ ﷺ] ثمّ إنّ فاطمة ﵂ سألت أبا بكر نصيبها ممّا ترك رسول الله ﷺ من (خيبر وفدك) ، وصدقات (المدينة) من أموال بني قينقاع والنّضير وقريظة، فأبى عليها أبو بكر ذلك، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا نورث، ما تركناه صدقة» ، ولكنّي سأعول من كان النّبيّ ﷺ يعوله، وقال: لست تاركا شيئا كان رسول الله ﷺ يفعله إلّا عملت به، فإنّي أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ.

ركناه صدقة» ، ولكنّي سأعول من كان النّبيّ ﷺ يعوله، وقال: لست تاركا شيئا كان رسول الله ﷺ يفعله إلّا عملت به، فإنّي أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ.

فوقع في نفسها من ذلك، فهجرت أبا بكر إلى أن ماتت ﵂. فلمّا ماتت أرسل عليّ ﵁ بعد أن جمع بني هاشم- إلى أبي بكر أن يأتيهم وحده، فأتاهم فاعتذر/ إليه عليّ من تخلّفه، وقال: إنّا قد عرفنا فضلك، ولم نحسدك على خير ساقه الله إليك، ولكنّك استبددت بالأمر علينا، ففاضت عينا أبي بكر، واعتذر إليهم بوقوع البيعة من غير رويّة، وقال: والله لقرابة رسول الله ﷺ أحبّ إليّ من أن أصل من قرابتي، فقال له عليّ: موعدك العشيّة للبيعة، ثمّ راح بمن معه من بني هاشم إلى المسجد، فبايعوه، ﵃ أجمعين، فسرّ بذلك المهاجرون والأنصار، وقالوا لعليّ ﵁: أصبت، أصبت. روى ذلك البخاريّ ومسلم «١» . ورويا أيضا-[أي: البخاريّ ومسلم]- أنّ عليّا والعبّاس سألا من أبي بكر ﵁ نصيبهما من الصّدقة السّابق ذكرها. سأل عليّ نصيب فاطمة، والعبّاس هو عصبة النّبيّ ﷺ، فأبى عليهما. ثمّ سألاها عمر فأبى عليهما، واستشهد جماعة من الصّحابة منهم: عثمان وعبد الرّحمن على أنّ النّبيّ ﷺ قال: «لا نورث»

فشهدوا، واعترف بذلك أيضا عليّ والعبّاس ﵄، ثمّ دفع إليهما صدقات (المدينة) ، على أن يعملا فيها بما عمل رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁، فأخذاها. ثمّ إنّ عليّا ﵁ تغلّب عليها، فلم يعط عمّه العبّاس منها شيئا، فاختصما إلى عمر ليقسمها بينهما نصفين، فأبى ذلك عليهما، وكره أن يجري عليها اسم القسم لئلّا تظنّ أنّها إرث، فلم يسع عليّ ﵁ مدّة خلافته أن يعمل فيها إلّا بما عمل فيها أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ أجمعين «١» . وفي «الصّحيحين» أيضا، أنّ أزواج النّبيّ ﷺ أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهنّ، فقالت لهنّ عائشة: أليس قال رسول الله ﷺ: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة؟» «٢» .

لنّبيّ ﷺ أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهنّ، فقالت لهنّ عائشة: أليس قال رسول الله ﷺ: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة؟» «٢» .

[زوجاته ﷺ اللّواتي توفّي عنهنّ] وتوفّي ﷺ عن تسع زوجات، وهنّ: عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر/، وجويرية بنت الحارث المصطلقيّة، وأمّ حبيبة رملة بنت أبي سفيان الأمويّة، وزينب بنت جحش الأسديّة، وسودة بنت زمعة العامريّة، وصفيّة بنت حييّ بن أخطب النّضريّة الإسرائيليّة الهارونيّة، وميمونة بنت الحارث الهلاليّة، وأمّ سلمة هند بنت أبي أميّة المخزوميّة. ﵅، وعن سائر أصحاب رسول الله أجمعين.

تذييل فيه فصول في وجوب نصب الإمام، وشرائط الإمامة، وفي الإمام الحقّ بعد رسول الله ﷺ وفي فضل الخلفاء الأربعة، ثمّ سائر الصّحابة ﵃ أجميعن

فصل في وجوب نصب الإمام اعلم أنّ مذهب أهل السّنّة أنّ نصب الإمام واجب على الأمّة، لإجماع الصّحابة ﵃ بعد وفاة رسول الله ﷺ على امتناع خلوّ الوقت عن خليفة له وإمام. وقد قال الصّدّيق ﵁ في خطبته في (سقيفة بني ساعدة) بين المهاجرين والأنصار: (ألا وإنّ محمّدا قد مات، وأنّه لا بدّ لهذا الدّين من إمام يقوم به) . فبادر الكلّ إلى قبول قوله، ولم يقل أحد لا حاجة لي إلى ذلك، بل اتّفقوا عليه، واجتمعوا له، وتركوا لشدّة اهتمامهم به أهمّ الأشياء عندهم؛ وهو تجهيز رسول الله ﷺ كما سبق، ثمّ لم يزل النّاس بعدهم على ذلك في جميع الأمصار والأعصار. وأيضا: فإنّ نصب الإمام يتضمّن دفع الضّرر، لأنّ النّاس إذا كان لهم رئيس قاهر انتظمت مصالح دينهم ودنياهم، لأنّ مقاصد الشّرع الشّريف فيما شرع الله ورسوله فيه من الأحكام والحدود، وإظهار شعائر الدّين، إنّما هي مصالح عائدة إلى الخلق، إمّا عاجلا وإمّا آجلا. ومعلوم أنّ ذلك لا يتمّ إلّا بإمام يرجعون إليه عند اختلافهم، وإلّا لأفضى ذلك إلى الهلاك. ويشهد لذلك ما يثور من الفتن عند موت الأئمّة، بحيث يقطع/ بأنّها لو تمادت لتعطّلت أمور المعاش والمعاد.

وقد سبق أنّ الشّيطان- لعنه الله- أطلع رأسه، ومدّ مطامعه، وأوقد نار الشّتات، ونصب راية الخلاف بعد موت رسول الله ﷺ، حتّى أطفأها الله بالصّدّيق، مع أنّهم أفضل الأمّة ﵃، فما الظّنّ بغيرهم؟ قال الله ﷾: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ [سورة البقرة ٢/ ٢٥١] . وما أحسن قول عبد الله بن المبارك- رحمه الله تعالى-[من البسيط] : الله يدفع بالسّلطان معضلة ... عن ديننا وبه إصلاح دنيانا لولا الأئمّة لم تأمن لنا سبل ... وكان أضعفنا نهبا لأقوانا

فصل في شروط الإمامة وحدّ الإمامة أنّها رئاسة عامّة في أمور الدّين والدّنيا لشخص بشروط؛ وهي عشرة:

الأوّل: أن يكون ذكرا ، إذ النّساء ناقصات عقل ودين «١» .

ي شروط الإمامة وحدّ الإمامة أنّها رئاسة عامّة في أمور الدّين والدّنيا لشخص بشروط؛ وهي عشرة:

الأوّل: أن يكون ذكرا ، إذ النّساء ناقصات عقل ودين «١» .

الثّاني: أن يكون بالغا ، لقصور عقل الصّبيّ.

الثّالث: أن يكون عاقلا ، إذ لا يصلح المجنون لتصرّفات نفسه فضلا عن غيره «٢» .

الرّابع: أن يكون حرّا ، إذ العبد مشغول بخدمة سيّده، ولأنّه مستحقر تستنكف النّفوس عن الانقياد له «٣» .

الخامس: أن يكون عدلا «٤» ، لأنّ الفاسق غير مأمون شرعا،

فربّما ضيّع الحقوق، وصرّف الأشياء في غير مصارفها.

السّادس: أن يكون ذا رأي وبصارة بتدبير الأمور ، لأنّ المغفّل لا يقوم بأمر الملك.

السّابع: أن يكون شجاعا ، لأنّ الجبان لا قوّة له على الذّبّ عن حوزة الدّين، وحريم المسلمين لجرأة العدوّ عليه.

الثّامن: أن يكون قرشيّا ؛ لقوله ﷺ: «الأئمّة من قريش» «١» مع عمل الصّحابة ﵃ به، وإجماعهم عليه، وأمّا قوله ﷺ: «اسمعوا وأطيعوا ولو لعبد حبشيّ» «٢» فمحمول على السّمع والطّاعة لأمراء الجيوش ونحوهم من ولاة الإمام «٣» .

التّاسع: أن يكون/ عالما مجتهدا في أصول الدّين وفروعه ، ولغة العرب وأعرابها، مشتغلا بالفتوى في الحوادث، لأنّ الجاهل أو القاصر عن رتبة الاجتهاد لا يتمكّن من حفظ العقائد، وحلّ الشّبه، وإقامة الحجج والبراهين، ولا من فصل الخصومات عند النّزاع «٤» .

العاشر: أن تعقد الإمامة طوعا ، إمّا بأن يبايعه أهل الحلّ والعقد «١» كأبي بكر، أو يستخلفه إمام سابق جامع لشروط الإمامة كعمر بن الخطّاب ﵁.

[الشّروط في عاقدي البيعة للإمام وشرط صحّة البيعة] وشرط العاقدين: أن يكونوا عدولا، ذوي رأي ومعرفة بالمصالح، ولا يشترط في صحّة البيعة إجماع الحاضرين منهم ببلدها، من أهل الحلّ والعقد، فضلا عن إجماع أهل الأقطار، لأنّ الصّحابة لم يفتقروا في عقدها لأبي بكر إلى حضور عليّ وعبّاس وسائر بني هاشم ﵃ أجمعين، بل يكتفى ببيعة واحد منهم في ثبوت الإمامة لمن عقدها له، ووجوب اتّباع المعقود له على سائر أهل الإسلام، لاكتفاء الصّحابة مع صلابتهم في الدّين بعقد عمر لأبي بكر كما سبق، وعقد عبد الرّحمن بن عوف لعثمان كما سيأتي.

ب اتّباع المعقود له على سائر أهل الإسلام، لاكتفاء الصّحابة مع صلابتهم في الدّين بعقد عمر لأبي بكر كما سبق، وعقد عبد الرّحمن بن عوف لعثمان كما سيأتي.

[انعقاد الإمامة للإمام الّذي تمّ السّبق لأهل الحلّ والرّبط في عقدها له] ثمّ إذا انعقدت الإمامة لشخص لم يجز عقدها لآخر لأدائه إلى ثوران الفتنة، فإن اتّفق التّعدّد فالإمامة للسّابق، وغيره باغ إن أصرّ، فيجب أن يقاتل حتّى يفيء إلى أمر الله، فإن جهل السّابق بطل في الجميع، واستؤنف العقد لمن وقع عليه الاختيار. [جواز خلع الإمام وعزله] ثمّ إذا وجد من الإمام ما يقتضي اختلال أمور الدّين، وانتقاض مصالح المسلمين؛ جاز لأهل الحلّ والعقد خلعه وعزله، كما كان لهم نصبه ابتداء، إلّا إذا كان المضرّة في خلعه أعظم من المضرّة في تقريره، فيحتمل أدنى المضرّتين.

[عدم الجواز لأهل الحلّ والعقد تقليد الإمامة لمن فقد بعض شروطها بوجود الكامل المستوفي جميع شروطها] ولا يجوز لأهل الحلّ والعقد أن ينصّبوا فاقدا لبعض الشّرائط مع وجود الكامل. نعم لهم نصب المفضول مع وجود الأفضل، إذا كان المفضول أصلح، إذ المعتبر في ولاية كلّ أمر والقيام/ به معرفة مصالحه ومفاسده، والقوّة على القيام بلوازمه ومقاصده، وربّ مفضول في علمه وعمله هو بالرّئاسة أعلم، وبشرائطها أقوم. وكذا يجوز لأهل الحلّ والعقد عند فقد الكامل نصب فاقد لبعض الشّرائط السّابقة، دفعا للمفاسد الّتي لا تندفع إلّا بنصب الأئمّة- وبعض الشّرّ أهون من بعض- والله يعلم المفسد من المصلح.

فصل في الإمام الحقّ بعد رسول الله ﷺ أجمع أهل السّنّة سلفا وخلفا على أنّ الإمام الحقّ بعد رسول الله ﷺ: أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان، ثمّ عليّ. على ترتيبهم في الخلافة ﵃. وأجمع معظم الأمّة على أنّ النّبيّ ﷺ لم ينصّ على خلافة رجل معيّن، بل أشار إلى ما سيكون بعده من غير وصيّة بذلك، كقوله: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» «١» [وقوله] : «ويأبى الله والمسلمون إلّا أبا بكر» «٢» .

[أمر النّبيّ ص بتقديم أبي بكر للصّلاة في مرضه وبحضور عليّ] وثبت أنّ عليّا ﵁ كان يقول: قدّم رسول الله ﷺ أبا بكر، فصلّى بالنّاس وأنا حاضر غير غائب، وصحيح غير مريض، ولو شاء أن يقدّمني قدّمني، أفلا نرضى لدنيانا من رضيه رسول الله ﷺ لديننا؟ «٣» . قال العلماء: وهل بقي من أمر الخلافة بعد الإمامة في الصّلوات إلّا جباية الزّكوات؟ وكيف يحسن لي أو لغيري أن يعزل أبو بكر عن الإمامة في الصّلوات، أو يكون غيره خليفة مأموما به في الصّلوات الّتي هي أعظم شعائر الدّين؟

ا جباية الزّكوات؟ وكيف يحسن لي أو لغيري أن يعزل أبو بكر عن الإمامة في الصّلوات، أو يكون غيره خليفة مأموما به في الصّلوات الّتي هي أعظم شعائر الدّين؟

قلت: وسبق أنّه ﷺ لمّا أعطى عثمان وشيبة مفتاح (الكعبة) قال: «خذاها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلّا ظالم» » . فالإمامة أولى. قال الشّيخ الرّبّانيّ محيي الدّين النّوويّ- رحمه الله تعالى- في «شرح صحيح مسلم» : (وخلافة أبي بكر ﵁ لم تكن بنصّ صريح، بل بإجماع الصّحابة ﵃ على عقدها له، فقدّموه لشهرة فضله عندهم، ولو كان هناك نصّ صريح عليه، أو على غيره؛ لم تقع المنازعة أوّلا من/ الأنصار- أي: بقولهم: (منّا أمير ومنكم أمير) - ولذكر حافظ النّصّ ما معه، ولرجعوا إليه- أي: كما احتجّ أبو بكر على الأنصار بقوله ﷺ: «الأئمّة من قريش» ورجعوا إليه- قال: لكن تنازعوا أوّلا، ثمّ اتّفقوا على أبي بكر ﵁ «٢» .

[تفنيد آراء الشّيعة في استخلاف الرّسول ﷺ عليا] قال: (وأمّا ما تدّعيه الشّيعة من النّصّ على عليّ ﵁ فباطل، لا أصل له باتّفاق المسلمين. وأوّل من كذّبهم عليّ ﵁، ولو كان عنده نصّ لذكره، ولم ينقل أنّه ذكره في يوم من الأيّام) «٣» انتهى. قال العلماء: ولو كان ثمّ نصّ لتواتر، ولم يمكن ستره عادة، إذ ذلك ممّا تتوفّر الدّواعي على نقله. وإذا لم يكن نصّ فالبيعة لم توجد لغير أبي بكر إجماعا، فوجب أن يكون هو الإمام الحقّ، ثمّ منصوبه عمر، ثمّ عثمان المجمع على عقد الخلافة له، ثمّ عليّ ﵃.

قال العلماء: وأمّا ما تدّعيه الشّيعة أنّ عليّا ﵁ قد أظهر النّصّ فلم يقبل منه، فمن أكاذيبهم الشّنيعة الّتي ظاهرها الرّفض، وباطنها الكفر المحض، لإزرائهم «١» بذلك على الصّحابة، الّذين نقلوا هذا الدّين وحملوه، إذ لو أجمعوا على نبذ وصيّة نبيّهم بعد موته وقبل دفنه، لردّت روايتهم وبطلت عدالتهم، وبطل حينئذ هذا الدّين من أصله، الّذي وعد الله أن يظهره على الدّين كلّه ولو كره المشركون.

يّة نبيّهم بعد موته وقبل دفنه، لردّت روايتهم وبطلت عدالتهم، وبطل حينئذ هذا الدّين من أصله، الّذي وعد الله أن يظهره على الدّين كلّه ولو كره المشركون.

[مبايعة عليّ أبا بكر وعمر وعثمان ﵃] وقد اجتمعت الأمّة على أنّ عليّا ﵁ لم ينازع أبا بكر ولا عمر، وبايع أبا بكر وترضّى عنه وعن عمر، وأثنى عليهما بعد موتهما، وأنّه عقد الخلافة لعثمان بعد أن خلا دست الخلافة «٢» وشغر، فلو كان عنده نصّ، أو كان ﵁ يرى أنّه يتعيّن للخلافة، لنازعهم كما نازع الفئة الباغية في أيّام معاوية. وما يزعمه المبطلون من مداهنته ﵁ في دين الله، يتحاشى عنه منصب عليّ العليّ ﵁، كيف وهو الّذي تضرب بشجاعته الأمثال، وتبطل عنده الأبطال؟ مع ما هو فيه من عزّة العشيرة نخبة بني/ هاشم، وبين الصّحابة الّذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، يشهد لهم القرآن بهجرهم في سبيل الله الأهل والأوطان. وإذا كان أبو طالب قاوم قريشا كلّها، كما سبق عنه من قوله، [من الكامل] «٣» :

والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتّى أوسّد في التّراب دفينا فكيف يجوز لمن يدّعي الإسلام أن ينسب إلى أخي الرّسول، وبعل البتول، الأسد المواثب، ليث بني غالب؛ أنّه نبذ وصيّة رسول الله ﷺ؟ أو داهن في دين الله؟ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ [سورة النّور ٢٤/ ١٦] . قال العلماء: وما يتمسّك به الشّيعة من الظّواهر الّتي توهم كون عليّ ﵁ متعيّنا للإمامة، معارض بنصوص كثيرة، تشير إلى تعيّن الصّدّيق تلويحا، بل تصريحا، يجب تقريرها، وتأويل ما عارضها، لانعقاد الإجماع على مقتضاها. وقد قام الدّليل المتواتر القطعيّ على عصمة الصّحابة، فمن بعدهم من القرون؛ من أن يجتمعوا على الضّلال، وقد سمّاهم الله: خير أمّة، فلو تعاونوا على الإثم والعدوان- كما يزعم أهل الباطل والبهتان- لكانوا شرّ أمّة، كيف وقد وعد الله من اتّبع غير سبيلهم؟ فقال تعالى: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً [سورة النّساء ٤/ ١١٥] .

فصل في فضل الخلفاء الأربعة ﵃ أجمعين

[الأئمّة من قريش] قال ﷺ: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان» «١» . قال العلماء: هو خبر بمعنى الأمر- أي: لا تزيلوا الخلافة من قريش- وقال ﷺ: «إنّ هذا الأمر في قريش ما أقاموا الدّين» . متفق عليهما «٢» . وقال الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً الآية [سورة النّور ٢٤/ ٥٥] . وثبت عنه ﷺ أنّه قال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثمّ تكون ملكا عضوضا» «٣» /.

فدلّت الآية الكريمة بوعد الله الحقّ من أنّ هذه الأمّة لا بدّ أن يقيم الله لها خلفاء بعد نبيّها، يمكّن لهم الدّين الّذي ارتضى لهم ويبدّلهم من بعد خوفهم أمنا، وذلك إن كان في حقّ من بعد الخلفاء الأربعة الأئمّة فباطل اتّفاقا، وإن كان فيهم فهم الّذين صدق وعد الله فيهم، وتعيّن حينئذ صحّة خلافتهم، وصحّة ترتيبهم، لأنّ الطّرفين من الأربعة، وهما: أبو بكر وعليّ دون الوسط في تحقيق التّمكين الموعود في الدّين؛ إذ الصّدّيق ﵁ إنّما قاتل أهل الرّدّة ليعودوا إلى ما كانوا عليه من الإسلام، وعلي ﵁ إنّما قاتل الفئة الباغية لتفيء إلى أمر الله. وحقيقة التّمكين في الدّين إنّما حصل في مدّة عمر وعثمان ﵄، وإذا صدق الوعد الحقّ في الوسط، وجب صدقه في الطّرف الأوّل قطعا، وفي الآخر إجماعا. وأمّا الحديث الشّريف: ففيه حكم منه ﷺ بأنّ مدّة القائمين بالخلافة بعده- أي: على ما كان هو عليه ﷺ ثلاثون سنة، وذلك هو قدر مدّة الخلفاء الأربعة مع أيّام خلافة سيّدنا الحسن بن عليّ ﵄. لأنّ الصّدّيق ﵁ بويع له بالخلافة في اليوم الّذي مات فيه رسول ﷺ، في سقيفة (بني ساعدة) ، ثمّ بويع له البيعة العامّة من غد ذلك اليوم كما سبق.

ن عليّ ﵄. لأنّ الصّدّيق ﵁ بويع له بالخلافة في اليوم الّذي مات فيه رسول ﷺ، في سقيفة (بني ساعدة) ، ثمّ بويع له البيعة العامّة من غد ذلك اليوم كما سبق.

[وفاة أبي بكر الصّدّيق ﵁] وتوفّي ﵁ لثمان ليال بقين من شهر جمادى الأولى، سنة ثلاث عشرة من الهجرة، فمدّة خلافته سنتان وشهران ونصف شهر، وسنّه ﵁ يوم مات ثلاث وستّون سنة كسنّ رسول الله ﷺ، ودفن معه في حجرته.

[عهد الصّدّيق بالخلافة إلى عمر ﵄] وعهد بالخلافة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁، وقال: ولّيت عليهم خيرهم. وتوفّي عمر شهيدا في صلاة الصّبح من يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجّة، سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، فمدّة خلافته/ عشر سنين وستّة أشهر. [انتخاب عثمان ﵁ وخلافته] وأوصى بالخلافة شورى بين ستّة من العشرة. وهم: عثمان، وعليّ، وعبد الرّحمن بن عوف، وطلحة، والزّبير، وسعد، فأجمع رأيهم بعد شدّة البحث على عثمان ﵁، فبايعوه بالخلافة يوم السّبت، غرّة المحرّم، أوّل سنة أربع وعشرين من الهجرة. [مقتل عثمان ﵁] وقتل ب (المدينة) شهيدا يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجّة، سنة خمس وثلاثين من الهجرة، فمدّة خلافته اثنتا عشرة سنة، وقد قارب ثمانين سنة، ودفن ب (البقيع) .

[مبايعة عليّ ﵁ بالخلافة ومقتله بالكوفة] وبويع لعليّ ﵁ في ذلك اليوم، في دار من دور الأنصار، ثمّ بويع له البيعة العامّة من الغد في (المسجد النّبويّ) ، وقتل ب (الكوفة) شهيدا صبح الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان المعظّم، سنة أربعين من الهجرة، ومدّة خلافته أربع سنين وتسعة أشهر- بتقديم التّاء- ﵁ وعنهم أجمعين.

لكوفة) شهيدا صبح الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان المعظّم، سنة أربعين من الهجرة، ومدّة خلافته أربع سنين وتسعة أشهر- بتقديم التّاء- ﵁ وعنهم أجمعين.

فصل في ذكر شيء من فضائل الصّحابة ﵃ أجمعين أجمع أهل السّنّة على أنّ خير الصّحابة وأفضلهم على ما رتّبوه هم ﵃، فمن قدّموه فهو المقدّم، ومن أخّروه فهو المؤخّر، إذ حقيقة الفضل ما هو فضل عند الله ﷿، وذلك غيب لا يطّلع عليه إلّا رسول الله ﷺ. وقد ورد من ثنائه ﷺ على أصحابه عموما وخصوصا نصوص لا يدرك دقائقها، ويعرف حقائقها إلّا الصّحابة الّذين سمعوها وحملوها، وعرفوا أسبابها، وقرائن أحوالها، وشاهدوا ما كان النّبيّ ﷺ يعامل به أصحابه، ويخصّ به بعضهم دون بعض من التّقديم والتّعظيم، فوجب الرّجوع في ذلك إلى الصّحابة الّذين شاهدوا الوحي والتّنزيل، وعلموا بقرائن الأحوال مراتب التّفضيل. وقد أجمعوا ﵃ من غير توقّف ولا تردّد في حياة رسول الله ﷺ وبعد وفاته- على أنّ أفضلهم أبو بكر ثمّ عمر. وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» ، / كنّا نفاضل بين الصّحابة في زمان رسول الله ﷺ فنقول: أفضلهم أبو بكر، ثمّ عمر، فلا ينكر علينا «١» . وفي رواية: ثمّ نترك أصحاب رسول الله فلا نفاضل بينهم «٢» . وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن محمّد بن عليّ بن أبي طالب

رضي الله عنهما- وهو ابن الحنفيّة- قال: قلت لأبي: أيّ النّاس خير بعد النّبيّ ﷺ؟، فقال: أبو بكر، قلت: ثمّ من؟، قال: عمر «١» . واتّفقت الأمّة على أنّ خير الصّحابة: الخلفاء الأربعة. قال أهل السّنّة: ثمّ تمام العشرة المشهود لهم بالجنّة، ثمّ بقيّة أهل (بدر) ، ثمّ أهل (أحد) ، ثمّ أهل بيعة الرّضوان. قال الشّيخ محيي الدّين النّووي- رحمه الله تعالى-: (وأجمع أهل السّنّة على أن أفضلهم على الإطلاق: أبو بكر، ثمّ عمر، وقدّم جمهورهم عثمان على عليّ، وهو الصّحيح، ولهذا اختارته الصّحابة للخلافة وقدّموه، وهم أعلم بالتّرتيب) «٢» . انتهى. قلت: ولهذا عقد الصّحابة الخلافة للصّدّيق من غير تردّد، وعقدها أبو بكر لعمر من غير تردّد، وتوقّف عمر فيمن يعقدها له. وقال الإمام الجليل الحافظ أبو عمر يوسف بن محمّد بن عبد البرّ المالكي- رحمه الله تعالى- في «شرح موطّأ الإمام مالك» - رحمه الله تعالى-: (أجمع أهل السّنّة على أنّ أفضل الأمّة بعد نبيّها: أبو بكر، ثمّ عمر، ووقف بعض السّلف في عثمان وعليّ. وأمّا اليوم فلا يختلف الخلف في أنّ التّرتيب: عثمان ثمّ عليّ. قال: وعليه عامّة أهل الحديث من لدن أحمد ابن حنبل وهلمّ جرّا) . انتهى. قال العلماء: ولولا فهم الصّحابة ﵃ ذلك عن رسول الله ﷺ لما رتّبوا الأمر كذلك، إذ كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عن الحقّ صارف.

فصل في أدلّة فضل الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم ومن الأدلّة الشّاهدة على فضل الخلفاء الأربعة ﵃، الموجبة لهم زيادة المزيّة على غيرهم:

[فضائل الصّدّيق ﵁] قوله ﷺ: «لو كنت متّخذا خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلا» ، متّفق/ عليه «١» . زاد في رواية: «ولكن أخوّة الإسلام أفضل» «٢» . وفي أخرى: «ولكنّه أخي وصاحبي» «٣» . أي: أنّ تسميتي له بما سمّاه الله به من الأخوّة والصّحبة في الغار أفضل من وصفي له بالخلّة. [وفي رواية] : إنّ أمنّ النّاس عليّ في صحبته وماله أبو بكر» ، متّفق عليه «٤» . [وقوله] : «إنّ الله بعثني فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، وواساني بنفسه وماله» ، متّفق عليه «٥» .

س عليّ في صحبته وماله أبو بكر» ، متّفق عليه «٤» . [وقوله] : «إنّ الله بعثني فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، وواساني بنفسه وماله» ، متّفق عليه «٥» .

[وقوله] : «فهل أنتم تاركو لي صاحبي، فهل أنتم تاركو لي صاحبي- ثلاث مرّات-» ، متّفق عليه «١» . [وقوله] : «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» ، متّفق عليه «٢» . [وقوله] : «إنّي أخشى أن يتمنّى متمنّ، أو يقول قائل: أنا أولى بالأمر، ويأبى الله ذلك والمؤمنون إلّا أبا بكر» ، متّفق عليه «٣» . وقوله ﷺ لمّا رجف به (أحد) ومعه أبو بكر وعمر وعثمان: «اثبت أو اسكن أحد، فما عليك إلّا نبيّ وصدّيق وشهيدان» ، متّفق عليه «٤» . والخطاب عند المحقّقين محمول على الحقيقة، إقامة له مقام من يفعل، لتحرّكه، مع قوله ﷺ: «ما من شيء إلّا ويعلم أنّي رسول الله» «٥» . وقالوا: سبحان الله أبقرة تتكلّم وذئب يتكلّم؟ فقال النّبيّ ﷺ: «فإنّي أومن بذلك أنا وأبو بكر وعمر» «٦» ، متّفق عليه.

وقيل له: من أحبّ النّاس إليك؟ قال: «عائشة» ، قيل: ومن الرّجال؟ قال: «أبوها» ، قيل: ثمّ من؟ قال: «عمر» ، متّفق عليه «١» . [فضائل عمر ﵁] [وقوله ﷺ] : «إيه يا ابن الخطّاب، والله ما سلكت فجّا إلّا سلك الشّيطان فجّا غير فجّك» متّفق عليه «٢» . أي: أنّ الحقّ يدور معه أينما دار، فهو من الّذين قال الله فيهم: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [سورة الحجر ١٥/ ٤٢] . وشهادته ﷺ بأنّ عمر من المحدّثين- بفتح المهملتين، أي: من أهل الإلهام الموافق للصّواب- وأنّه ﷺ رآى عليه قميصا ضافيا يجرّه، وأوّله بوفور الدّين في أيّامه. متّفق عليه «٣» . وأنّه [ﷺ] سقى فضلة من اللّبن عمر، وأوّله بالعلم، متّفق عليه «٤» . وأنّ عمر سقى النّاس حتّى أرواهم، متّفق عليه «٥» . وأوّله العلماء بكثرة الخيرات والفتوحات في أيّامه.

[فضائل عثمان ﵁] وقوله ﷺ: «بشّره بالجنّة، على بلوى تصيبه» - يعني: عثمان- متّفق عليه «١» .

[فضائل عليّ ﵁] وقوله/ ﷺ: «لأعطينّ الرّاية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله» ، فأعطاها عليّا. متّفق عليه «٢» . مع قوله [ﷺ] : «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى» ، متّفق عليه «٣» .

حبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله» ، فأعطاها عليّا. متّفق عليه «٢» . مع قوله [ﷺ] : «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى» ، متّفق عليه «٣» .

[مناقب الصّديق ﵁ فضائل عليّ ﵁] هذا مع ما اشتهر للصّديق ﵁ من سبقه إلى التّصديق من غير تردّد، وكثرة التّصدّق غير مرّة بجميع ماله في سبيل الله، وما كان يعرفه البرّ والفاجر والمؤمن والكافر من شدّة اختصاصه في الجاهليّة والإسلام بالنّبيّ عليه أفضل الصّلاة والسّلام، وقربه منه، ومجاورته له حيّا وميّتا، ثمّ ما أيّده الله به من الثّبات عند موت النّبيّ ﷺ، ووعظه المسلمين، ثمّ إطفاء نار الفتنة عند تنازع الصّحابة، وجهاد أهل الرّدّة، حتّى استقام الدّين، ومن تقواه المعروف، وصنائعه للمعروف، وكمال النّفس، ورسوخ القدم في التّوحيد، ووقر اليقين في الصّدر. [مناقب عمر ﵁] ومع ما عرف للفاروق ﵁ من عزّة الإسلام بإسلامه ابتداء وانتهاء، ومن الشّدّة في الدّين، والجمع في السّياسة بين

العنف واللّين، وكثرة الفتوحات، وموافقة رأيه للوحي في غير مرّة، وعدله، وإحسانه، وحسن سيرته المشهورة، حتّى قال أهل السّير: لو أنّ هذه الأمّة فاخرت جميع الأمم بسيرة عمر لفخرتها، إذ لم يعلم أنّ ملكا من المتقدّمين والمتأخّرين سار سيرته. [مناقب عثمان ﵁] ومع شهادة الرّسول ﷺ لعثمان الشّهيد باستحياء الملائكة الكرام منه إجلالا واحتراما، وضربه له بسهمه وأجره يوم (بدر) ، وضربه بيده اليمنى على اليسرى عنه في بيعة الرّضوان، وتزويجه له بابنتيه ﵄، ثمّ قال: «لو كان عندي ثالثة لزوّجتكها» » ، مع ما اشتهر من جمعه لمصاحف القرآن، ومواظبته على تلاوته، وكثرة الصّيام والقيام، وشفقته على الأمّة بوضع السّلاح تورّعا منه عن سفك الدّماء، وصدقاته المشهورة؛ كتجهيز جيش/ العسرة وحفر بئر (رومة) الموعود عليها بالجنّة.

[مناقب عليّ ﵁] ومع شهادته ﷺ للمرتضى عليّ بن أبي طالب بأنّه أقضاهم، وأنّه قائد الفئة النّاجية، وتقتل عمّارا الفئة الباغية، وتزويجه له بابنته فاطمة الزّهراء- سيّدة نساء أهل الجنّة، وأمّ الحسن والحسين، سبطي المصطفى ﷺ مع ما اشتهر من قدم إسلامه، ورسوخ علمه، وزهده، وشجاعته في نصرة دين الله، وشرف القرابة القربى من رسول الله ﷺ، ورضي الله عنهم أجمعين. ومن نظر بعين البصيرة في مناقب الخلفاء الأربعة الواردة في «الصّحيحين» ، أو في أحدهما- كما أوردناه، ولم تمل به الأهواء- ظهر له إصابة الصّحابة في ترتيبهم في الفضل على ترتيبهم في الخلافة. وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [سورة الحديد ٥٧/ ١٠] .

ابة الصّحابة في ترتيبهم في الفضل على ترتيبهم في الخلافة. وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [سورة الحديد ٥٧/ ١٠] .

فصل في أدلّة فضل الصّحابة ﵃ أجمعين الّذي عليه جمهور المحدّثين أنّ كلّ مسلم اجتمع بالنّبيّ ﷺ ولو لحظة فهو من الصّحابة. وقد ورد في فضلهم ﵃ من الآيات القرآنيّة والأحاديث النّبويّة ما لا يحصى. فروى البخاريّ ومسلم في «صحيحيهما» ، أنّه ﷺ قال: «خيركم- وفي رواية- خير النّاس قرني، ثمّ الّذين يلونهم- أي: التّابعون- ثمّ الّذين يلونهم- أي: تابعو التّابعين-» «١» . قال الشّيخ محيي الدّين النّوويّ- رحمه الله تعالى-: (ورواية «خير النّاس» على عمومها، والمراد منه جملة القرون السّابقة واللّاحقة، ولا يلزم منه تفضيل أهل قرنه على الأنبياء ﵈، إذ المراد جملة القرون، بالنّسبة إلى كلّ قرن بجملته. قال: والمراد بالقرن: الصّحابة، ثمّ الّذين يلونهم: التّابعون، ثمّ الّذين يلونهم: تابعو التّابعين) «٢» . انتهى.

قلت: وأوّل قرن الصّحبة من مبعثه ﷺ إلى موت آخرهم موتا؛ وهو أبو الطّفيل على رأس عشر بعد المئة من الهجرة، لمئة/ من الوفاة، وهو أيضا آخر قرن التّبعيّة لتعذّرها حينئذ، وأوّله من الوفاة لتعذّر الصّحبة حينئذ. والله أعلم. قال العلماء: وإنّما كانوا خير القرون بشهادة الله تعالى ورسوله ﷺ لهم بكلّ فضيلة؛ من الإخلاص والصّدق والتّقوى، والشّدّة في الدّين، والرّحمة على المؤمنين، ونصرة الله ورسوله، والجهاد في سبيله، وبذل النّفوس والأموال وبيعها من الله تعالى، وإيثارهم على أنفسهم، وكونهم خير أمّة أخرجت للنّاس، وقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، والحائزين على الفوز والفلاح والبشارة بأعلى الجنان وجوار الرّحمن، إلى غير ذلك. ومدح الله لا يتبدّل، ووعده لا يخلف ولا يتحوّل، إذ هو سبحانه المطّلع على عواقب الأمور، والعالم بخائنة الأعين وما تخفي الصّدور، فلا يمدح جلّ وعلا إلّا من سبقت له منه الحسنى، وكان ممدوحا في الآخرة والأولى.

سبحانه المطّلع على عواقب الأمور، والعالم بخائنة الأعين وما تخفي الصّدور، فلا يمدح جلّ وعلا إلّا من سبقت له منه الحسنى، وكان ممدوحا في الآخرة والأولى. قال الله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [سورة التّوبة ٩/ ١٠٠] . وقال سبحانه: لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [سورة التّوبة ٩/ ٨٨- ٨٩] . وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ

بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ [سورة التّوبة ٩/ ١١١] . وقال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ الآية [سورة الفتح ٤٨/ ٢٩] . وقال تعالى في حقّ المهاجرين: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ/ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [سورة الحشر ٥٩/ ٨] . [وقال تعالى] في حقّ الأنصار: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [سورة الحشر ٥٩/ ٩] .

ا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [سورة الحشر ٥٩/ ٩] . [وقال تعالى] في حقّ التّابعين لهم بإحسان، المستغفرين لهم، السّالمين من غلّ القلوب- جعلنا الله منهم-: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [سورة الحشر ٥٩/ ١٠] . وقال ﷺ: «لا تسبّوا أصحابي، فو الّذي نفسي بيده، لو أنّ أحدكم أنفق مثل (أحد) ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» ، متّفق عليه «١» . قال الشّيخ محيي الدّين النّوويّ- رحمه الله تعالى-: (ومعنى

الحديث: لو أنفق أحدكم في سبيل الله مثل (أحد) ذهبا ما بلغ ثوابه ثواب نفقة أحدهم مدّا من طعام ولا نصيفه. قال: وسبب ذلك كون نفقتهم ﵃ في وقت الضّرورة وضيق الحال، وفي نصرته ﷺ، وحماية دينه وإعزازه، وكذلك كان جهادهم وسائر طاعاتهم، وذلك معدوم فيمن بعدهم، مع أنّ فضيلة الصّحبة ولو بلحظة لا توازيها فضيلة، ولا تنال درجتها بشيء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) «١» انتهى. والمخاطب بقوله: «لا تسبّوا أصحابي» الأمّة، أو أنّه نزّل السّابّ منزلة من ليس من أصحابه، أو خصّ بالصّحبة السّابقين منهم، كما ورد في سبب الحديث أنّ خالد بن الوليد سبّ عبد الرّحمن بن عوف. قال العلماء: وإذا ثبت ثناء الله ورسوله عليهم ﵃ بكلّ فضيلة، والشّهادة لهم بالمناقب الجليلة، فأيّ دين/ يبقى لمن نبذ كتاب الله وراء ظهره، فنسبهم إلى باطل، أيقول هذا الجاهل بأنّ الله- تعالى عمّا يقول الظّالمون علوّا كبيرا- لمّا وصفهم وأثنى عليهم كان جاهلا بما يؤول إليه حالهم، فتبدّل قوله الحقّ باطلا، والصّدق كذبا، أم كان عالما بذلك، ولكنّه خان رسوله بالثّناء على من ليس أهلا للثّناء، ورضي لرسوله المجتبى عنده بصحبة الفاسقين، ومصافاة المنافقين. كلّا، والله لقد كانوا أحقّ بتلك الفضائل وأهلها. وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً [سورة الأحزاب ٣٣/ ٤٠] .

ده بصحبة الفاسقين، ومصافاة المنافقين. كلّا، والله لقد كانوا أحقّ بتلك الفضائل وأهلها. وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً [سورة الأحزاب ٣٣/ ٤٠] .

وكانوا كما وصفهم الله: رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [سورة الأحزاب ٣٣/ ٢٣] . اللهمّ إنّا نشهد أنّهم كما وصفتهم من أنّهم خير أمّة، ونثني عليهم بما أثنيت عليهم من الفضائل الجمّة، ونعتقد أنّهم قد قلّدوا رقاب الخاصّة والعامّة المنّة؛ لأنّهم الّذين جاهدوا في الله حقّ جهاده، حتّى قرّروا هذا الدّين، ثمّ حملوه إلى النّاس كما نقلوه، باذلين في ذلك غاية الجهد والنّصح، ونعتقد وجوب تعظيمهم واحترامهم ومحبّتهم، والكفّ عمّا شجر بينهم، وحسن الظّنّ بهم، والإعراض عمّا يورده الإخباريّون عنهم، ممّا لا يسلم من مثله بشر، إلّا من عصمه الله، وهم غير معصومين، وحمل ما صحّ عنهم من الهفوات الّتي هي قطرة كدرة في بحر صاف من محاسنهم على أحسن المحامل، وتأويله بما يليق بجلالة قدرهم، ولا يحرم ذلك إلّا من حرم التّوفيق. اللهمّ فانفعنا بحبّهم، واعصمنا عن سبّهم، وأحينا على سنّتهم، وتوفّنا على ملّتهم، واحشرنا في زمرتهم، يا أرحم الرّاحمين. وما أحسن قول صاحب البردة- رحمه الله تعالى- فيهم، [من البسيط] «١» : ما زال يلقاهم في كلّ معترك ... حتّى حكوا بالقنا لحما على وضم «٢»

كأنّما الدّين ضيف حلّ ساحتهم ... بكلّ قرم إلى لحم العدا قرم «١» يجرّ بحر خميس فوق سابحة ... يرمي بموج من الأبطال ملتطم «٢» من كلّ منتدب لله محتسب ... يسطو بمستأصل للكفر مصطلم «٣» / حتّى غدت ملّة الإسلام وهي بهم ... من بعد غربتها موصولة الرّحم مكفولة أبدا منهم بخير أب ... وخير بعل فلم تيتم ولم تئم «٤»

الخاتمة في ذكر شيء من سيرته ﷺ في أحواله النفسيّة وأقواله القدسيّة

الباب الأوّل في أحواله النّفسيّة وفيه فصول سبعة: في حسن خلقته ﷺ، وحسن خلقه، ووفور عقله، وحسن عشرته، وسماحته، وشجاعته، وزهده.

فسيّة وأقواله القدسيّة

الباب الأوّل في أحواله النّفسيّة وفيه فصول سبعة: في حسن خلقته ﷺ، وحسن خلقه، ووفور عقله، وحسن عشرته، وسماحته، وشجاعته، وزهده.

فصل في حسن خلقته ﷺ إعلم أنّ من نظر إلى خصال الكمال وجد نبيّنا ﷺ حائزا لجميعها، محيطا بشتاتها. أمّا حسن خلقته ﷺ: فقد كان كما في الحديث الصّحيح أحسن النّاس وجها، وأكملهم صورة. وأحسنهم خلقا، حتّى كأنّ الشّمس تجري في وجهه، إذا ضحك تلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أجمل النّاس من بعيد، وأحلاهم وأحسنهم من قريب. يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله. وكان له شعر يبلغ شحمة أذنيه، فإذا جاوزها قصّه. وكان ﷺ نظيف الجسم، طيّب الطّيب والعرق طبعا، لا يشمّ عنبر ولا مسك أطيب من ريحه، يصافح المصافح فيظلّ يومه يجد ريح يده، سواء مسّها بطيب أم لا، ويضع يده على رأس الصّبيّ فيعرف من بين الصّبيان بريحه، ولا يمرّ في طريق فيتبعه أحد إلّا عرف أنّه سلكه من طيبه، لم يكن منه شيء يكره ﷺ.

فائدة [: في أشبه النّاس صورة بالنّبيّ ﷺ] أشبه النّاس صورة بالنّبيّ ﷺ من أولاده: فاطمة، وابناها الحسن والحسين ﵃، ومن أهل بيته أربعة: وهم: بنو أعمامه الثّلاثة: جعفر بن أبي طالب، وقثم بن العبّاس، وأبو سفيان المغيرة بن الحارث، والسّائب بن يزيد جدّ الإمام

الشّافعيّ ﵃. وقد نظم- هؤلاء الأربعة مع الحسن بن عليّ- بعض الفضلاء فقال/، [من البسيط] : بخمسة شبّه «١» المختار من مضر ... يا حسن ما خوّلوا من وجهه الحسن كجعفر وابن عمّ المصطفى قثم ... وسائب وأبي سفيان والحسن «٢»

فصل في حسن خلقه ﷺ وأمّا حسن خلقه ﷺ: فقد كانت فيه الأخلاق الحميدة، والآداب المجيدة، جميعها على الانتهاء في كمالها، والاعتدال في غايتها، حتّى أثنى الله عليه بذلك، فقال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [سورة القلم ٦٨/ ٤] . وفي «الصّحيحين» : كان خلقه القرآن «١» - أي: مطبوعا على ما احتوى عليه من العدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، آخذا للعفو، آمرا بالعرف، معرضا عن الجاهلين- إلى غير ذلك. وقال ﷺ: «بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق» «٢» . وكان ﷺ مجبولا عليها في أصل خلقته، مطبوعا عليها في أوّل فطرته؛ بالجود الإلهيّ، والتّخصيص الرّحمانيّ، ثمّ ازداد كمالا بترادف نفحات الكرم، وإشراق أنوار المعارف والحكم، وطلوع شمس النّبوّة والرّسالة، واتّساق بدر الخلّة والمحبّة، إلى ما لا يحيط به الوصف، ولا يدركه الوهم، ولا يعلمه إلّا مانحه ومسديه، ومعيد الفضل ومبديه.

فصل في وفور عقله ﷺ وأمّا وفور عقله وذكاء لبّه ﷺ: فمن تأمّل حسن تدبيره ﷺ لأمور بواطن الخلق وظواهرهم، وسياسته للخاصّة والعامّة، مع عجيب شمائله، وغريب سيره، فضلا عمّا نشره من العلم، وقرّره من الشّرع، وما علّمه الله من ملكوت سماواته وأرضه، وآيات قدرته، وأطلعه عليه ممّا كان وممّا سيكون، ومع ما خصّه الله به من جوامع كلمه، وبدائع حكمه، ومع التّأييد الإلهيّ والعصمة بالوحي السّماويّ، فإنّه يقتضي العجب، ويذهب به الفكر، ويعلم يقينا مصداق قوله تعالى تشريفا له وتكريما وتعظيما: وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [سورة النّساء ٤/ ١١٣] . وعن وهب بن منبّه- رحمه الله تعالى- قال: قرأت في أحد وسبعين كتابا، فوجدت فيها أنّ الله تعالى لم يعط جميع الأوّلين/ والآخرين من العقل في جنب عقل نبيّه محمّد ﷺ إلّا كحبّة رمل من رمال الدّنيا. ولا شكّ أنّ العقل عنصر الأخلاق الشّريفة، ومنه ينبعث العلم والمعرفة، فبحسب عقله ﷺ كانت علومه ومعارفه، وهو ﵊ أحسن النّاس خلقا وعلما ومعرفة وعقلا، وذلك سجيّة فيه وطبعا

[وصف ما امتاز به النّبيّ ﷺ في خلقه وخلقه] وما أحسن قول صاحب البردة- رحمه الله تعالى- فيها، [من البسيط] «١» :

لما ومعرفة وعقلا، وذلك سجيّة فيه وطبعا

[وصف ما امتاز به النّبيّ ﷺ في خلقه وخلقه] وما أحسن قول صاحب البردة- رحمه الله تعالى- فيها، [من البسيط] «١» :

فاق النّبيّين في خلق وفي خلق ... ولم يدانوه في علم ولا كرم وكلّهم من رسول الله ملتمس ... غرفا من البحر أو رشفا من الدّيم «١» وواقفون لديه عند حدّهم ... من نقطة العلم أو من شكلة الحكم فهو الّذي تمّ معناه وصورته ... ثمّ اصطفاه حبيبا بارئ النّسم «٢» منزّه عن شريك في محاسنه ... فجوهر الحسن فيه غير منقسم

فصل في حسن عشرته ﷺ وأمّا حسن عشرته ﷺ ووفور شفقته ورحمته: فقد قال الله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [سورة التّوبة ٩/ ١٢٨] . وفي «الصّحيحين» ، أنّه ﷺ كان أوسع النّاس صدرا، وأكرمهم عشرة، وألينهم عريكة- أي: خبرة- «١» قد وسع النّاس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحقّ سواء «٢» . يؤلّفهم ولا ينفّرهم، ويكرم كريم كلّ قوم ويولّيه عليهم، ويحذر النّاس، ويحترس منهم، من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره، ويتعهّد أصحابه، ويعطي كلّ جلسائه نصيبه، ولا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه منه، ومن جالسه صابره حتّى ينصرف، ومن سأله حاجة لم يردّه إلّا بها، أو بميسور من القول «٣» . وما أخذ أحد بيده فأرسلها حتّى يرسلها الآخذ «٤» .

وكان يجيب من دعاه من حرّ أو عبد، أو غنيّ أو فقير، وما دعاه أحد إلّا قال: «لبّيك» «١» . ويعود المرضى، ويقبل عذر المعتذر، ويقبل الهديّة ويكافئ عليها، ويمازح أصحابه. ولكن لا يقول إلّا حقّا، ويخالطهم ويحادثهم، ويضع أطفالهم في حجره/، ويداعب صبيانهم، ويدعوهم بأحبّ أسمائهم «٢» . ويبدأ من لقيه بالسّلام والمصافحة، ولا يقطع على أحد حديثه حتّى ينتهي «٣» . وكان مجلسه مجلس حلم وحياء، وصدق وأمانة، إذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطّير.

بالسّلام والمصافحة، ولا يقطع على أحد حديثه حتّى ينتهي «٣» . وكان مجلسه مجلس حلم وحياء، وصدق وأمانة، إذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطّير.

فصل في سماحته وجوده ﷺ وأمّا سماحته وجوده ﷺ: فمن المعلوم أنّه كان بالمحلّ الأكمل. وفي «الصّحيح» ، أنّه ﷺ كان أجود النّاس بالخير، وأجود ما يكون في رمضان «١» . وأنّه كان إذا لقيه جبريل ﵇ أجود بالخير من الرّيح المرسلة «٢» . وما سئل عن شيء قطّ فقال: «لا» «٣» . وسبق أنّه أعطى رجلا من غير سؤال غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم أسلموا، فإنّ محمّدا يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة «٤» . وأنّه ﷺ قال: «لو كان عندي عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم، ثمّ لا تجدوني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا» «٥» .

وفي «الصّحيحين» ، أنّه ﷺ قال: «ما أحبّ أن يكون لي مثل (أحد) ذهبا، تمسي عليّ ثالثة وعندي منه شيء إلّا أن أقول به في عباد الله، هكذا وهكذا وهكذا» وحثا بين يديه وخلفه، وعن يمينه وشماله «١» . وأنّه ﷺ جاءه مال من (البحرين) - أي: نحو مئة ألف- فأمر بطرحه على نطع في المسجد، فصلّى العصر، ثم انصرف إليه، فما قام من مجلسه حتّى فرّقه عطاء «٢» .

فصل في شجاعته ﷺ وأمّا شجاعته ﷺ: فقد كان في ذلك بالمكان الّذي لا يجهل «١» . بذلك وصفه من عرفه، فقد حضر المواقف الصّعبة، وفرّ الكماة منه غير مرّة، وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يتزحزح، كما سبق في يوم (أحد) ، ويوم (حنين) «٢» . وثبت عن عليّ ﵁ أنّه قال- وهو البطل المقدام واللّيث الضّرغام-: كنّا إذا حمي الوطيس، واشتدّ البأس، واحمرّت الحدق؛ اتقينا برسول الله ﷺ/، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه، وكان أشجعنا من كان أقرب إليه «٣» . وسبق قول العّباس ﵁ في يوم (حنين) : وأنا آخذ بلجام بغلته ﷺ، أكفّها إرادة أن لا تسرع «٤» . وقول البراء بن عازب ﵄: لكنّ رسول الله ﷺ لم يفرّ، ولقد رأيته على بغلته البيضاء، وابن عمّه أبو سفيان آخذ بلجامها يكفّها وهو يقول: «أنا النّبيّ لا كذب، ... أنا ابن عبد المطّلب» فما رئي [من النّاس] يومئذ أشد منه ﷺ «٥» .

Bagian 8 dari 10