السيرة الحلبية = إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya نور الدين الحلبي (w. 1044 H).

Bagian 10 dari 62 1574 halaman

— Bagian 10 · بذلك حيث ذكر أن سعيد بن المسيب ضرب بالسياط المذك… —

Bagian 10

بذلك حيث ذكر أن سعيد بن المسيب ضرب بالسياط المذكورة، وفعل به ما تقدم لما امتنع من المبايعة لابن الزبير، وفعل به ذلك أيضا لما امتنع من البيعة للوليد. وفي طبقات الشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه الله تعالى في ترجمة سعيد بن المسيب: وضربه عبد الملك بن مروان حيث امتنع من مبايعته، وألبسه المسوح، ونهى الناس عن مجالسته، فكان كل من جلس إليه يقول له: قم لا تجالسني فإنهم قد جلدوني ومنعوا الناس عن مجالستي هذا كلامه، إلا أن يقال، المراد امتنع من قبول مبايعة عبد الملك لولده الوليد فلا مخالفة، وإنما امتنع سعيد بن المسيب من المبايعة للوليد، لأنه روي عن النبي ﷺ: «إنه سيكون في هذه الأمة رجل يقال له الوليد فهو شر لأمتي من فرعون لقومه» وفي رواية «هو أضر على أمتي من فرعون على قومه» زاد في رواية «يسد به ركن من أركان جهنم» وفي لفظ «زاوية من زوايا جهنم» فكان الناس يرون أنه الوليد بن عبد الملك. قال ابن كثير: وهو الوليد بن يزيد بن عبد الملك، لا الوليد بن عبد الملك الذي هو عمه. وكان سعيد بن المسيب أعبر الناس للرؤيا قال له رجل: رأيت كأني أبول في يدي، فقال: تحتك ذات محرم، فنظر فإذا بينه وبين امرأته رضاعة. وأخذ سعيد تعبير الرؤيا عن أسماء بنت أبي بكر وهي أخذت ذلك عن والدها أبي بكر رضي الله تعالى عنهما. وعن سعيد أخذ ابن سيرين ذلك. وعن ابن سيرين. كان أبو بكر أعبر هذه الأمة بعد النبي ﷺ، وكان يعبر الرؤيا في زمنه ﷺ وفي حضرته. وعن الزهري «رأى رسول الله ﷺ رؤيا فقصها على أبي بكر. فقال: رأيت كأني استبقت أنا وأنت درجة فسبقتك بمرقاتين ونصف. قال: يا رسول الله يقبضك الله إلى مغفرة ورحمة، وأعيش بعدك سنتين ونصفا» فكان كما عبر فقد عاش بعده ﷺ سنتين وسبعة أشهر وقال له: «رأيتني أردفت غنما سودا ثم أردفتها غنما بيضا حتى ما ترى السود فيها، فقال أبو بكر: يا رسول الله أما الغنم السود فإن العرب يسلمون ويكثرون، والغنم البيض الأعاجم يسلمون حتى لا ترى

العرب فيهم من كثرتهم. فقال رسول الله ﷺ: كذلك عبرها الملك سحيرا» . وسبب بناء عبد الله بن الزبير للكعبة أن يزيد بن معاوية لما وجه الجيش عشرين ألف فارس وسبعة آلاف راجل وأميرهم مسلم بن قتيبة لقتال أهل المدينة، لما علم أنهم خرجوا عن طاعته: أي وأظهروا شتمه وأعلنوا بأنه ليس له دين، لأنه اشتهر عنه نكاح المحارم وإدمان شرب الخمر وترك الصلاة وأنه يلعب بالكلاب: أي فقد ذكر بعض ثقات المؤرخين أنه كان له قرد يحضره مجلس شرابه ويطرح له وسادة ويسقيه فضلة كأسه، واتخذ له أتانا وحشية قد ربضت له وصنع لها سرجا من ذهب يركب عليها ويسابق بها الخيل في بعض الأيام، وكان يلبس عليه قباء وقلنسوة من الحرير الأحمر. وقد استفتى الكيا الهراسي من أكابر أئمتنا معاشر الشافعية، كان من رؤوس تلامذة إمام الحرمين نظير الغزالي عن يزيد هذا هل هو من الصحابة؟ وهل يجوز لعنه؟ فأجاب بأنه ليس من الصحابة لأنه ولد في أيام عمر بن الخطاب. وللإمام أحمد قولان: أي في لعنه تلويح وتصريح، وكذلك الإمام مالك وكذا لأبي حنيفة. ولنا قول واحد التصريح دون التلويح، وكيف لا يكون كذلك، وهو اللاعب بالنرد والمصيد بالفهود ومدمن الخمر وشعره في الخمر معلوم، هذا كلامه. وسئل الغزالي هل من صرح بلعن يزيد يكون فاسقا؟ وهل يجوز الترحم عليه؟ فأجاب بأن من لعنه يكون فاسقا عاصيا، لأنه لا يجوز لعن المسلم، ولا يجوز لعن البهائم، فقد ورد النهي عن ذلك، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة بنص النبي ﷺ، ويزيد صح إسلامه وما صح أمره بقتل الحسين ولا رضاه بقتله، وما لم يصح منه ذلك لا يجوز أن يظن به ذلك، فإن إساءة الظن بالمسلم حرام، وإذا لم يعرف حقيقة الأمر وجب إحسان الظن به، ومع هذا فالقتل ليس بكفر بل هو معصية، وأما الترحم عليه فهو جائز بل هو مستحب، لأنه داخل في المؤمنين في قولنا في كل صلاة: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، هذا كلامه. وكان على ما أفتى به الكيا الهراسي من جواز التصريح بلعنه استاذنا الأعظم الشيخ محمد البكري تبعا لوالده الأستاذ الشيخ أبي الحسن. وقد رأيت في كلام بعض أتباع أستاذنا المذكور في حق يزيد ما لفظه: زاده الله خزيا وضعه، وفي أسفل سجين وضعه.

د البكري تبعا لوالده الأستاذ الشيخ أبي الحسن. وقد رأيت في كلام بعض أتباع أستاذنا المذكور في حق يزيد ما لفظه: زاده الله خزيا وضعه، وفي أسفل سجين وضعه. وفي كلام ابن الجوزي: أجاز العلماء الورعون لعنه، وصنف في إباحة لعنه مصنفا. وقال السعد التفتازاني: إني لأشك في إسلامه، بل في إيمانه، فلعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه، وعلى هذا يكون مستثنى من عدم جواز لعن الكافر المعين بالشخص.

ولما خلعوا: أي أهل المدينة بيعة يزيد ولوا عليهم عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة وأخرجوا والي يزيد من المدينة وهو مروان بن الحكم وبني أمية حتى قال بعضهم: ما خرجنا عليه حتى خفنا أن نرمى بحجارة من السماء، فكانت وقعة الحرة المشهورة التي كادت تبيد أهل المدينة عن آخرهم، قتل فيها الجم الكثير من الصحابة والتابعين. وقيل المقتول فيها من الصحابة ثلاثة: منهم عبد الله بن حنظلة، ونهبت المدينة، وافتض فيها ألف عذراء: أي ولم تقم الجماعة ولا الأذان في المسجد النبوي مدة المقاتلة وهي ثلاثة أيام. وفي كلام بعضهم: ووقع من ذلك الجيش الذي وجهه يزيد للمدينة، من القتل، والفساد العظيم، والسبي، وإباحة المدينة، وقتل من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن التابعين خلق كثيرون. وكانت عدة المقتولين من قريش والأنصار ثلاثمائة وستة رجال، ومن قراء القرآن نحو سبعمائة نفس. وفي التنوير لابن دحية: وقتل من وجوه المهاجرين والأنصار ألف وسبعمائة، ومن حملة القرآن سبعمائة، وجالت الخيل في مسجد رسول الله ﷺ، وراثت بين القبر الشريف والمنبر، واختفت أهل المدينة حتى دخلت الكلاب المسجد وبالت على منبره ﷺ، ولم يرض أمير ذلك الجيش من أهل المدينة إلا بأن يبايعوه ليزيد على أنهم خول: أي عبيد له إن شاء باع وإن شاء أعتق، حتى قال له بعض أهل المدينة: البيعة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فضرب عنقه.

دينة إلا بأن يبايعوه ليزيد على أنهم خول: أي عبيد له إن شاء باع وإن شاء أعتق، حتى قال له بعض أهل المدينة: البيعة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فضرب عنقه. وروى البخاري «أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما لما أرجف أهل المدينة يزيد دعا بنيه ومواليه وقال لهم: إنا بايعنا هذا الرجل على بيعة الله وبيعة رسوله، وإنه والله لا يبلغني عن أحد منكم أنه خلع يدا من طاعته إلا كان التنصل بيني وبينه ثم لزم بيته» ولزم أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه بيته أيضا، فدخل عليه جمع من الجيش بيته، فقالوا له: من أنت أيها الشيخ؟ فقال: أنا أبو سعيد الخدري صاحب رسول الله ﷺ، فقالوا: قد سمعنا خبرك، ولنعم ما فعلت حين كففت يدك ولزمت بيتك، ولكن هات المال، فقال: قد أخذه الذين دخلوا قبلكم عليّ وما عندي شيء، فقالوا كذبت ونتفوا لحيته. وأما جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، فخرج في يوم من تلك الأيام وهو أعمى يمشي في بعض أزقة المدينة، وصار يعثر في القتلى ويقول: تعس من أخاف رسول الله ﷺ، فقال له قائل من الجيش: من أخاف رسول الله ﷺ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أخاف المدينة فقد أخاف ما بين جنبيّ، فحمل عليه جماعة من الجيش ليقتلوه، فأجاره منهم مروان وأدخله بيته» . قال السهيلي: وقتل في ذلك اليوم من وجوه المهاجرين والأنصار رضي الله

تعالى عنهم ألف وسبعمائة، وقتل من أخلاط الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان. فقد ذكر أن امرأة من الأنصار دخل عليها رجل من الجيش وهي ترضع صبيها وقد أخذ ما وجده عندها، ثم قال لها، هات الذهب وإلا قتلتك وقتلت ولدك، فقالت له: ويحك إن قتلته فأبوه أبو كبشة صاحب رسول الله ﷺ وأنا من النسوة اللاتي بايعن رسول الله ﷺ، فأخذ الصبي من حجرها وثديها في فمه وضرب به الحائط حتى انتثر دماغه في الأرض، فما خرج من البيت حتى اسودّ نصف وجهه وصار مثلة في الناس. قال السهيلي، وأحسب هذه المرأة جدة للصبي لا أما له، إذ يبعد في العادة أن تبايع امرأة وتكون يوم الحرة في سن من ترضع، أي ولدا صغيرا لها. ووقعة الحرة هذه من أعلام نبوّته ﷺ. ففي الحديث «أنه ﷺ وقف بهذه الحرة وقال: ليقتلنّ بهذا المكان رجال هم خيار أمتي بعد أصحابي» . وعن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه أنه قال: لقد وجدت قصة هذه الوقعة في كتاب يهوذا بن يعقوب الذي لم يدخله تبديل، وأنه يقتل فيها رجال صالحون، يجيئون يوم القيامة وسلاحهم على عواتقهم، وهذه الواقعة كانت سنة ثلاث وستين، ويقال كان يزيد أعذر أهل المدينة قبل هذه الوقعة فيما ذكروه، وبذل لهم من العطاء أضعاف ما يعطي الناس، رغبة في استمالتهم إلى الطاعة، وتحذيرهم من الخلاف، ولكن يأبى الله إلا ما أراد. وفي التنوير أن الله ابتلى أمير هذا الجيش الذي هو مسلم بن قتيبة بعد ثلاثة أيام من أخذه البيعة بمرض صار ينبح منه كالكلب إلى أن مات، وولي أمر الجيش بعده الحصين بن نمير بأمر يزيد، فإنه وصى مسلم بن قتيبة لما ولاه إمرة الجيش وقال له: إذا أشرفت على الموت أي لأنه كان مريضا بالاستسقاء فولّ أمر الجيش للحصين، وهذا الذي وقع من يزيد فيه تصديق لقوله ﷺ: «لا يزال أمر أمتي قائما بالقسط حتى يثلمه رجل من بني أمية يقال له يزيد» . وقد جاء عن سعيد بن المسيب رضي الله تعالى عنه: لقد رأيتني ليالي الحرة وما في مسجد رسول الله ﷺ غيري، وما يأتي وقت صلاة إلا سمعت الأذان والإقامة من القبر الشريف. ومما يؤثر عن سعيد بن المسيب: الدنيا نذلة تميل إلى الأنذال، ومن استغنى بالله افتقر إليه الناس.

يأتي وقت صلاة إلا سمعت الأذان والإقامة من القبر الشريف. ومما يؤثر عن سعيد بن المسيب: الدنيا نذلة تميل إلى الأنذال، ومن استغنى بالله افتقر إليه الناس. ومن جملة من خلع يزيد وقتل من الصحابة في تلك الوقعة مغفل بن سنان

الأشجعي رضي الله تعالى عنه. روى علقمة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يسم لها صداقا ولم يدخل بها حتى مات، فقال ابن مسعود: لها مثل مهر نسائها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث، فقام مغفل بن سنان وقال: «قضى رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق امرأة منا مثل ما قضيت» ففرح ابن مسعود. وسبب مقاتلة عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما، لأنه امتنع من المبايعة ليزيد أيضا هو والحسين رضي الله تعالى عنهما لما أرسل إليهما يطلب منهما المبايعة له، فامتنعا من ذلك وفرّا من المدينة إلى مكة. ثم لما قتل الحسين رضي الله تعالى عنه: أي لأن الحسين أرسل إليه أهل الكوفة أن يأتيهم ليبايعوه، فأراد الذهاب إليهم فنهاه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وبين له غدرهم، وقتلهم لأبيه، وخذلانهم لأخيه الحسن رضي الله تعالى عنه. ونهاه ابن عمر وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم، فأبى إلا أن يذهب، فبكى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقال: واحبيباه. وقال له ابن عمر: أستودعك الله من قتيل. وكان أخوه الحسن قال له: إياك وسفهاء الكوفة أن يستخفوك فيخرجوك ويسلموك فتندم ولات حين مناص، وقد تذكر ذلك ليلة قتله، فترحم على أخيه الحسن، ولم يبق بمكة إلا من حزن على مسيره، وقدم أمامه إلى الكوفة مسلم بن عقيل، فبايعه من أهل الكوفة للحسين اثنا عشر ألفا، وقيل أكثر من ذلك.

م على أخيه الحسن، ولم يبق بمكة إلا من حزن على مسيره، وقدم أمامه إلى الكوفة مسلم بن عقيل، فبايعه من أهل الكوفة للحسين اثنا عشر ألفا، وقيل أكثر من ذلك. ولما شارف الكوفة جهز إليه أميرها من جانب يزيد وهو عبد الله بن زياد عشرين ألف مقاتل، وكان أكثرهم ممن بايع له لأجل السحت العاجل على الخير الآجل، فلما وصلوا إليه ورأى كثرة الجيش طلب منهم إحدى ثلاث، إما أن يرجع من حيث جاء، أو يذهب إلى بعض الثغور، أو يذهب إلى يزيد يفعل فيه ما أراد، فأبوا وطلبوا منه نزوله على حكم بن زياد وبيعته ليزيد فأبى، فقاتلوه إلى أن أثخنته الجراحة فسقط إلى الأرض، فحزوا رأسه وذلك يوم عاشوراء عام إحدى وستين، ووضع ذلك الرأس بين يدي عبد الله بن زياد، ولما جاء خبر قتل الحسين رضي الله تعالى عنه قام ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما في الناس يعظم قتل الحسين وجعل يظاهر بعيب يزيد، وبذكر شربه الخمر وغير ذلك، ويثبط الناس عن بيعته. ويذكر مساوئ بني أمية، ويطنب في ذلك. ولما بلغ يزيد ذلك أقسم أن لا يؤتى به إلا مغلولا، فجاء إليه رجل من أهل الشام في خيل من خيل الشام، وتكلم مع ابن الزبير وعظم على ابن الزبير الفتنة وقال: لا يستحل الحرم بسببك، فإن يزيد غير تاركك ولا تقوى عليه، وأقسم أن لا يؤتى بك إلا مغلولا، وقد عملت لك غلا من فضة وتلبس فوقه الثياب وتبر قسم أمير المؤمنين، فالصلح خير عاقبة، وأجمل بك وبه، فقال له: انظر في أمري، ثم

دخل على أمه أسماء رضي الله تعالى عنها واستشارها فقالت: يا بني عش كريما ومت كريما ولا تمكن بني أمية من نفسك فتلعب بك، فامتنع وصار يبايع الناس سرا، ثم أظهر المبايعة، فاجتمع عليه أهل الحجاز ولحق به من انهزم من وقعة الحرة، فلما جاء الجيش إلى مكة حاصر عبد الله وضرب بالمنجنيق، نصبه على أبي قبيس قيل وعلى الأقمر وهما أخشبا بمكة فأصاب الكعبة من ناره ما حرق ثيابها وسقفها فإن الكعبة كانت في زمن قريش مبنية، مدماك من خشب الساج، ومدماك من حجارة كما تقدم. وذكر في الشرف أن الله تعالى بعث عليهم صاعقة بعد العصر، فأحرقت المنجنيق، وأحرقت تحته ثمانية عشر رجلا من أهل الشام، ثم عملوا منجنيقا آخر فنصبوه على أبي قبيس. ويذكر أن النار لما أصابت الكعبة أتت بحيث يسمع أنينها كأنين المريض آه آه، وهذا من أعلام نبوته ﷺ، فقد جاء إنذاره ﷺ بتحريق الكعبة فعن ميمونة رضي الله تعالى عنها زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ: «كيف أنتم إذا مرج الدين، فظهرت الرغبة والرهبة، وحرق البيت العتيق» وفي العرائس: إن أول يوم تكلم الناس في القدر ذلك اليوم، فقيل إحراق الكعبة من قدر الله، وقيل ليس من قدر الله، والمتكلم بذلك حينئذ قيل أبو معبد الجهني، وقيل أبو الأسود الدؤلي، وقيل غير ذلك. وقوله أول يوم تكلم الناس في القدر، لعل المراد أول يوم اشتهر واستفيض فيه الكلام من الناس في القدر، فلا يخالف ما حكي أن شخصا قال لعلي رضي الله تعالى عنه وهو بصفين: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا هذا؟ أكان بقضاء الله وقدره؟ فقال: نعم والذي خلق الحبة وبرأ النسمة، ما وطئنا موطئا، ولا قطعنا واديا، ولا علونا شرفا إلا بقضائه وقدره. والتكلم في القدر ليس من خصائص هذه الأمة، فقد تكلمت فيه الأمم قبلها، وفي الحديث «ما بعث الله نبيا إلا في أمته قدرية يشوشون عليه أمر أمته، ألا وإن الله تعالى قد لعن القدرية على لسان سبعين نبيا» وقد جاء في ذم القدرية زيادة على ما تقدم منها «القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم» وجاء «اتقوا القدر فإنه شعبة من النصرانية» وجاء «أخاف على أمتي التكذيب بالقدر» .

«القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم» وجاء «اتقوا القدر فإنه شعبة من النصرانية» وجاء «أخاف على أمتي التكذيب بالقدر» . وإنما كانت القدرية مجوس هذه الأمة، لأن طائفة من القدرية تقول يأتي الخير من الله والشر من العبد، وهؤلاء الطائفة أشبه بالمجوس القائلين بالأصلين النور والظلمة وأن الخير من النور والشر من الظلمة وهم المانوية، وإنما كان القدر شعبة

من النصرانية، لأن أكثر القدرية على أنه ليس من أفعال العبد من خير أو شر ناشئا عن إقدار الله تعالى له على ذلك، بل هو ناشئ عن قدرة العبد واختياره، فقد أثبتوا لله تعالى شريكا، كما أن النصارى أثبتوا الشريك لله تعالى، فهذه الفرقة من القدرية أشبهت النصارى، فكان القدر شعبة من النصرانية بهذا الاعتبار، وقد أوضحت ذلك في تعليقي المسمى ب «المصباح المنير على الجامع الصغير» وفيه «أخر الكلام على القدر لشرار أمتي في آخر الزمان» فإن الحق إسناد الفعل إلى الله تعالى إيجادا وللعبد اكتسابا. وقيل إن سبب بناء عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما للكعبة أن امرأة بخرتها فطارت شرارة فعلقت بثيابها فحصل ذلك، ولا مانع من التعدد. وقد وقع أيضا احتراقها بتبخير المرأة في زمن قريش، ولا مانع من تعدد ذلك كما تقدم. وعدّ بعضهم أن من البدع تجمير المسجد وأن مالكا كرهه. وقد روي أن مولى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان يجمر المسجد النبوي إذا جلس عمر ﵁ على المنبر يخطب، ومع حرق الكعبة حرق قرنا الكبش الذي فدي به إسماعيل فإنهما كانا معلقين بالسقف. أقول: ولعل تعليقهما في السقف كان بعد تعليقهما في الميزاب. فقد ذكر بعضهم جاء الإسلام ورأس الكبش معلق بقرنية في ميزاب الكعبة، ويدل لتعليقهما في السقف ما جاء عن صفية بنت شيبة قالت لعثمان بن طلحة «لم دعاك النبي ﷺ بعد خروجه من البيت؟ قال: قال لي رسول الله ﷺ: إني رأيت قرني الكبش في البيت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل مصليا» .

وجه من البيت؟ قال: قال لي رسول الله ﷺ: إني رأيت قرني الكبش في البيت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل مصليا» . وذكر الجلال المحلي في قطعة التفسير أن الكبش المذكور هو الذي قرّبه هابيل جاء به جبريل، فذبحه السيد إبراهيم ﵊ مكبرا: أي وحينئذ تكون النار التي أنزلت في زمن هابيل لم تأكله، بل رفعته إلى السماء، وحينئذ يكون قول بعضهم: فنزلت النار فأكلته على التسمح، ويدل لما ذكر الجلال ما جاء أنه ﷺ قال لجبريل ﵊: «ما كان ذبح إبراهيم؟ أي مذبوحه، قال: الذي قرّب ابن آدم» قال بعضهم: وهذا الحديث لم يثبت. قيل ووصف بأنه عظيم، لأنه رعى في الجنة أربعين عاما، وقيل كان الكبش اختراعا اخترعه الله هناك في ذلك الوقت قال بعضهم: فقد فدى من الموت بصورة الموت وهذا كله بناء على أن الذي قرّبه هابيل كان كبشا. وقيل كان جملا سمينا، وعليه اقتصر القاضي. فلينظر الجمع على تقدير صحة كل، وانصدع الحجر من تلك النار من ثلاثة أماكن، وعند محاصرة الجيش لعبد الله جاء الخبر بموت يزيد.

ويقال إن ابن الزبير علم بموت يزيد قبل أن يعلم الجيش وهم أهل الشام، فنادى فيهم يا أهل الشام قد أهلك الله طاغيتكم يعني يزيد، فمن أحب منكم أن يدخل فيما دخل فيه الناس فعل، ومن أحب أن يرجع إلى شأنه فليفعل، فانفلّ الجيش، وبايع عبد الله بن الزبير جماعة بالخلافة، ودخلوا في طاعته ظاهرا. ويقال إن أمير الجيش طلب من ابن الزبير أن يحدثه فخرج من الصفين حتى اختلفت رؤوس فرسيهما وجعل فرس أمير الجيش ينفر ويكفها فقال له ابن الزبير: ما لك؟ فقال: إن حمام الحرم تحت رجليها فأكره أن أطأ حمام الحرم، فقال تفعل هذا، وأنت تقتل المسلمين فقال له: تأذن لنا أن نطوف بالكعبة ثم نرجع إلى بلادنا، فأذن لهم فطافوا، وقال له: إن كان هذا الرجل قد هلك فأنت أحق الناس بهذا الأمر يعني الخلافة فارحل معي إلى الشام، فو الله لا يختلف عليك اثنان، فلم يثق به ابن الزبير وأغلظ عليه القول، فكرّ راجعا وهو يقول: أعده بالملك وهو يعدني بالقتل. ومن ثم قيل: كان في ابن الزبير خلال لا تصلح معها الخلافة: منها سوء الخلق، وكثرة الخلاف. ودخل في طاعة ابن الزبير جميع أهل البلدان إلا الشام ومصر، فإن مروان بن الحكم تغلب عليهما بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية. فإن معاوية هذا مكث في الخلافة أربعين يوما، وقيل عشرين يوما بعد أن كان مروان عزم على أن يبايع لابن الزبير بدمشق. وقد كان ابن الزبير لما ولى أخاه نائبا عنه بالمدينة أمره بإجلاء بني أمية وفيهم مروان وابنه عبد الملك إلى الشام، فلما أراد مروان أن يبايع ابن الزبير بدمشق ثنى عزمه عن ذلك جماعة، وقالوا له: أنت شيخ قريش وسيدها، وقد فعل معكم ابن الزبير ما فعل فأنت أحق بهذا الأمر، فوافقهم ومكث تسعة أشهر في الخلافة وهو الرابع من خلفاء بني أمية. وقام بالأمر بعده ولده عبد الملك، وهو أول من سمي عبد الملك في الإسلام، ثم عهد عبد الملك لأولاده الأربعة من بعده: الوليد، ثم سليمان، ثم يزيد، ثم هشام. وادعى عمرو بن سعيد أن مروان عهد إليه بعد ابنه عبد الملك، فضاق عبد الملك بذلك ذرعا، واستعجل أمر عمرو بدمشق، فلم يزل به عبد الملك حتى قتله.

د، ثم هشام. وادعى عمرو بن سعيد أن مروان عهد إليه بعد ابنه عبد الملك، فضاق عبد الملك بذلك ذرعا، واستعجل أمر عمرو بدمشق، فلم يزل به عبد الملك حتى قتله. وفي كلام ابن ظفر أن عبد الملك لما خرج لمقاتلة عبد الله بن الزبير خرج معه عمرو بن سعيد، وقد انطوى على دغل نية وفساد طوية وطماعيته في نقل الخلافة، فلما ساروا عن دمشق أياما تمارض عمرو بن سعيد واستأذن عبد الملك في العودة إلى دمشق، فأذن له، فلما عاد ودخل دمشق صعد المنبر وخطب خطبة نال فيها من عبد الملك، ودعا الناس إلى خلعه، فأجابوه إلى ذلك وبايعوه، فاستولى على دمشق وحصن سورها، وبذل الرغائب، وبلغ ذلك عبد الملك وهو متوجه إلى ابن الزبير،

فأشير على عبد الملك أن يرجع إلى دمشق ويترك ابن الزبير، لأن ابن الزبير لم يعطه طاعة ولا وثب له على مملكة، فهو في صورة ظالم له، وقصده لعمرو بن سعيد في صورة مظلوم، لأنه نكث بيعته وخان أمانته، وأفسد رعيته، فرجع إلى دمشق فظفر بعمرو بن سعيد. ويقال إن سبب بناء عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه للكعبة أنه جاء سيل فطبقها فكان عبد الله رضي الله تعالى عنه يطوف سباحة: أي ولا مانع من وجود الأمرين الحرق والسيل، فلما رأى عبد الله ما وقع في الكعبة شاور من حضر ومن جملتهم عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما في هدمها، فهابوا هدمها وقالوا: نرى أن يصلح ما وهى ولا تهدم، فقال: لو أن بيت أحدكم أحرق لم يرض له إلا بأكمل إصلاح، ولا يكمل إصلاحها إلا بهدمها. وقد حدثته خالته عائشة رضي الله تعالى عنها عن رسول الله ﷺ أنه قال لها:

ل: لو أن بيت أحدكم أحرق لم يرض له إلا بأكمل إصلاح، ولا يكمل إصلاحها إلا بهدمها. وقد حدثته خالته عائشة رضي الله تعالى عنها عن رسول الله ﷺ أنه قال لها: «ألم تري قومك يعني قريشا حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم ﵊ حين عجزت بهم النفقة، لولا حدثان قومك بالجاهلية. أي قرب عهدهم- بها» أي وفي لفظ «لولا الناس حديثو عهد بالجاهلية» أي قريب عهدهم بها. أي وفي لفظ «لولا الناس حديثو عهد بكفر وليس عندي من النفقة ما يقوى على بنائها لهدمتها وجعلت لها خلفا» أي بابا «من خلفها» أي وفي لفظ «لجعلت لها بابا يدخل منه وبابا بحياله يخرج الناس منه» وفي لفظ «وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا، وألصقت بابها بالأرض» أي كما كان عليه في زمن إبراهيم «ولأدخلت الحجر فيها» أي وفي رواية: «لأدخلت نحو ستة أذرع» وفي رواية «ستة أذرع وشيئا» وفي رواية «وشبرا» وفي رواية «قريبا من سبعة أذرع» فقد اضطربت الروايات في القدر الذي أخرجته قريش. وفي لفظ «لأدخلت فيها ما أخرج منها» وفي لفظ «لجعلتها على أساس إبراهيم وأزيد» أي بأن أزيد في الكعبة من الحجر: أي ذلك ما أخرجته قريش خشي ﷺ أن تنكر قلوبهم هدم بنائهم الذي يعدونه من أكمل شرفهم، فربما حصل لهم الارتداد عن الإسلام. وقد ذكر بعضهم أن كل من بنى الكعبة بعد إبراهيم ﵊ لم بينها إلا على قواعد إبراهيم، غير أن قريشا ضاقت بهم النفقة: أي الحلال الحديث، وهذا بناء على أن من بعد إبراهيم وقبل قريش بناها كلها وليس كذلك، بل الحاصل منهم إنما هو ترميم لها فقوله لم يبنها إلا على قواعد إبراهيم ليس على ظاهره، بل المراد أنه أبقاها على ذلك. قال: وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال لعبد الله: دع بناء وأحجارا أسلم عليها المسلمون وبعث عليها النبي ﷺ: أي فإنه يوشك أن يأتي بعدك من

يهدمها فلا يزال يهدم ويا بني، فيتهاون الناس بحرمتها ولكن ارفعها: أي رمها فقال عبد الله: إني مستخير ربي ثلاثا، ثم عازم على أمري، فلما مضى الثلاث أجمع أمره على أن ينقضها، فتحاماها الناس وخشوا أن ينزل بأول الناس يقصدها أمر من السماء، حتى صعدها رجل فألقى منها حجارة فلم ير الناس أصابه شيء فتابعوه اهـ. أي وقيل أول فاعل لذلك عبد الله بن الزبير نفسه رضي الله تعالى عنه وخرج ناس كثير من مكة إلى منى ومنهم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فأقاموا بها ثلاثا مخافة أن يصيبهم عذاب شديد بسبب هدمها، وأمر ابن الزبير جماعة من الحبشة بهدمها رجاء أن يكون فيهم الذي أخبر به ﷺ أنه يهدمها. وفيه أن الذي أخبر النبي ﷺ بأنه يهدمها ذكر صفته حيث قال: «كأني أنظر إليه أسود أفحج ينقضها حجرا حجرا» وجاء في وصفه أنه مع كونه أفحج الساقين أزرق العينين، أفطس الأنف، كبير البطن، ووصف أيضا «بأنه أصلع» وفي لفظ «أجلح» وهو من ذهب شعر مقدم رأسه، ووصف «بأنه أصعل» أي صغير الرأس، «وبأنه أصمع» أي صغير الأذنين «معه أصحابه يتقضونها حجرا حجرا، ويتناولونها حتى يرموا بها إلى البحر» . أي وقوله «ويتناولونها حتى يرموا بها إلى البحر» لعله لم يثبت عند ابن الزبير وكذا تلك الأوصاف، وهدم الحبشة لها يكون بعد موت عيسى ﵊، ورفع القرآن من الصدور والمصاحف: أي وورد أن أول ما يرفع رؤيته ﷺ في المنام والقرآن. وأول نعمة ترفع من الأرض العسل، وقيل يكون هدمها في زمن عيسى ﵊. وجمع بأنه يهدم بعضها في زمن عيسى ﵊، فإذا جاءهم الصريخ هربوا فإذا مات عيسى عادوا وكملوا هدمها.

عمة ترفع من الأرض العسل، وقيل يكون هدمها في زمن عيسى ﵊. وجمع بأنه يهدم بعضها في زمن عيسى ﵊، فإذا جاءهم الصريخ هربوا فإذا مات عيسى عادوا وكملوا هدمها. فهدمها عبد الله إلى أن انتهى الهدم إلى القواعد: أي التي هي الأساس. قال وفي رواية: كشف له عن أساس إبراهيم ﵊ فوجده داخلا في الحجر ستة أذرع وشيئا، وأحجار ذلك الأساس كأنها أعناق الإبل، حجارة حمراء، آخذ بعضها في بعض مشبكة كتشبك الأصابع، وأصاب فيه قبر أم إسمعيل ﵊، وهذا ربما يدل على أنه لم يصب فيه قبر إسمعيل، وهو يؤيد القول بأن قبره في حيال الموضع الذي فيه الحجر الأسود، لا في الحجر كما ذكره الطبري، وأنه تحت البلاطة الخضراء التي بالحجر كما تقدم، فدعا عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما خمسين رجلا من وجوه الناس وأشرافهم، وأشهدهم على ذلك الأساس، وأدخل عبد الله بن المطيع العدوي عتلة كانت بيده في ركن من أركان البيت فتزعزعت الأركان كلها، فارتج جوانب البيت، ورجفت مكة بأسرها رجفة

شديدة وطارت منه برقة فلم يبق دار من دور مكة إلا دخلت فيها ففزعوا اهـ. أقول: تقدم في بناء قريش أنهم أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنمة آخذ بعضها ببعض وأن رجلا أدخل عتلته بين حجرين منها فحصل نحو ما ذكر. وقد يقال: لا مخالفة بين كون تلك الأحجار كانت خضراء وبين كونها حمراء، لأنه يجوز أن تكون حمرة تلك الأحجار ليست صافية، بل هي قريبة من السواد، ومن ثم وصفت: بأنها زرق كما تقدم والأسود يقال له أخضر، كما أن الأخضر غير الصافي يقال له أسود، والصافي يقال له أزرق والله أعلم. وجعل عبد الله على تلك القواعد ستورا فطاف الناس بتلك الستور حتى بني عليها، وارتفع البناء وزاد في ارتفاعها على ما كانت عليه في بناء قريش تسعة أذرع، فكانت سبعا وعشرين ذراعا. زاد بعضهم وربع ذراع، وبناها على مقتضى ما حدثته به خالته عائشة رضي الله تعالى عنها، فأدخل فيه الحجر: أي لأنه يجوز أن يكون إدخال الحجر هو الذي سمعه من عائشة فعمل به دون غير ذلك من الروايات المتقدمة الدال على أن الحجر ليس من البيت، وإنما منه ستة أذرع وشبر أو قريب من سبعة أذرع.

ل الحجر هو الذي سمعه من عائشة فعمل به دون غير ذلك من الروايات المتقدمة الدال على أن الحجر ليس من البيت، وإنما منه ستة أذرع وشبر أو قريب من سبعة أذرع. وفيه أن هذا أي قوله فأدخل فيه الحجر هو الموافق لما تقدم من أن قريشا أخرجت منها الحجر، وهو واضح إن كان وجد الأساس خارجا عن جميع الحجر. وأما إذا لم يكن خارجا عن جميع الحجر كيف يتعداه ولا يا بني عليه اعتمادا على ما حدثته به خالته عائشة رضي الله تعالى عنها. على أنه سيأتي عن نص حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنه ﷺ قال لها: «فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوا فهلمي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريبا من ستة أذرع» فليتأمل، وجعل لها خلفا: أي بابا من خلفها وألصقه بالأس كالمقابل له. قال: ولما ارتفع البناء إلى مكان الحجر الأسود وكان في وقت الهدم وجد مصدعا بسبب الحريق كما تقدم، فشده بالفضة، ثم جعله في ديباجة، وأدخله في تابوت وأقفل عليه، وأدخله دار الندوة، فحين وصل البناء إلى محله أمر ابنه حمزة وشخصا آخر أن يحملاه ويضعاه محله وقال: إذا وضعتماه وفرغتما فكبرا حتى أسمعكما فأخفف صلاتي، فإنه صلى بالناس بالمسجد اغتناما لشغلهم عن وضعه لما أحس منهم بالتناقض في ذلك: أي أن كل واحد يريد أن يضعه وخاف الخلاف، فلما كبرا تسامع الناس بذلك، فغضب جماعة من قريش حيث لم يحضرهم. وكون الحجر وجد مصدعا بسبب الحريق، وكون ابن الزبير شده كذلك بالفضة لا ينافي ما وقع بعد ذلك من أن أبا سعيد كبير القرامطة وهم طائفة ملاحدة ظهروا

بالكوفة سنة سبعين ومائتين، يزعمون أن لا غسل من الجنابة، وحل الخمر، وأنه لا صوم في السنة إلا يوم النيروز والمهرجان، ويزيدون في أذانهم، وأن محمد ابن الحنفية رسول الله وأن الحج والعمرة إلى بيت المقدس وافتتن بهم جماعة من الجهال وأهل البراري، وقويت شوكتهم حتى انقطع الحج من بغداد بسببه وسبب ولده أبي طاهر، فإن ولده أبا طاهر بنى دارا بالكوفة وسماها دار الهجرة، وكثر فساده، واستيلاؤه على البلاد وقتله المسلمين وتمكنت هيبته من القلوب، وكثرت أتباعه، وذهب إليه جيش الخليفة المقتدر بالله السادس عشر من خلفاء بني العباس غير ما مرة وهو يهزمهم. ثم إن المقتدر سير ركب الحاج إلى مكة فوافاهم أبو طاهر يوم التروية فقتل الحجيج بالمسجد الحرام وفي جوف الكعبة قتلا ذريعا، وألقى القتلى في بئر زمزم، وضرب الحجر الأسود بدبوسه فكسره، ثم اقتلعه وأخذه معه، وقلع باب الكعبة، ونزع كسوتها وشققها بين أصحابه، وهدم قبة زمزم وارتحل عن مكة بعد أن أقام بها أحد عشر يوما ومعه الحجر الأسود، وبقي عند القرامطة أكثر من عشرين سنة: أي والناس يضعون أيديهم محله للتبرك، ودفع لهم فيه خمسون ألف دينار فأبوا حتى أعيد في خلافة المطيع، وهو الرابع والعشرون من خلفاء بني العباس، فأعيد الحجر إلى موضعه، وجعل له طوق فضة شد به زنته ثلاثة آلاف وسبعمائة وتسعون درهما ونصف. قال بعضهم: تأملت الحجر وهو مقلوع فإذا السواد في رأسه فقط وسائره أبيض، وطوله قدر عظم الذراع. وبعد القرامطة في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة قام رجل من الملاحدة وضرب الحجر الأسود ثلاث ضربات بدبوس فتشقق وجه الحجر من تلك الضربات، وتساقطت منه شظيات مثل الأظفار، وخرج مكسره أسمر يضرب إلى الصفرة محببا مثل حب الخشخاش فجمع بنو شيبة ذلك الفتات وعجنوه بالمسك واللك وحشوه في تلك الشقوق وطلوه بطلاء من ذلك، وجعل طول الباب أحد عشر ذراعا والباب الآخر بإزائه كذلك. فلما فرغ من بنائها خلقها من داخلها وخارجها بالخلوق أي الطيب والزعفران، وكساها القباطيّ: أي وهي ثياب بيض رقاق من كتان تتخذ بمصر. وفي كلام بعضهم أول من كسا الكعبة الديباج عبد الله بن الزبير.

جها بالخلوق أي الطيب والزعفران، وكساها القباطيّ: أي وهي ثياب بيض رقاق من كتان تتخذ بمصر. وفي كلام بعضهم أول من كسا الكعبة الديباج عبد الله بن الزبير. وأقول: وبناء عبد الله للكعبة من جملة أعلام النبوة لأنه من الإخبار بالمغيبات. ففي نص حديث عائشة رضي الله تعالى عنها «فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه

فهلمي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريبا من ستة أذرع» وتقدم أن هذا يرد قول بعضهم: أن ابن الزبير أدخل في بنائه جميع الحجر. قال بعضهم: وهذا منه ﷺ تصريح بالإذن في أن يفعل ذلك بعده ﷺ عند القدرة عليه والتمكن منه. وقد قال المحب الطبري: وهذا الحديث يعني حديث عائشة رضي الله تعالى عنها يدل تصريحا وتلويحا على جواز التغيير في البيت إذا كان لمصلحة ضرورية أو حاجية أو مستحسنة. قال الشهاب ابن حجر الهيتمي: ومن الواضح البين أن ما وهى وتشقق منها في حكم المنهدم أو المشرف على الانهدام فيجوز إصلاحه، بل يندب بل يجب هذا كلامه. وفي شعبان سنة تسع وثلاثين وألف جاء سيل عظيم بعد صلاة العصر يوم الخميس لعشرين من الشهر المذكور هدم معظم الكعبة، سقط به الجدار الشامي بوجهيه، وانحدر معه في الجدار الشرقي إلى حد الباب، ومن الجدار الغربي من الوجهين نحو السدس، وهدم أكثر بيوت مكة، وأغرق في المسجد جملة من الناس خصوصا الأطفال، فإن الماء ارتفع إلى أن سد الأبواب.

حد الباب، ومن الجدار الغربي من الوجهين نحو السدس، وهدم أكثر بيوت مكة، وأغرق في المسجد جملة من الناس خصوصا الأطفال، فإن الماء ارتفع إلى أن سد الأبواب. وعند مجيء الخبر بذلك إلى مصر جمع متوليها الوزير محمد باشا وهو الوزير الأعظم الآن: أي في سنة ثلاثة وأربعين وألف جمعا من العلماء كنت من جملتهم، ووقعت الإشارة بالمبادرة للعمارة، وقد جعلت للوزير المذكور في ذلك رسالة لطيفة وقعت منه موقعا كبيرا، وأعجب بها كثيرا، حتى أنه دفعها لمن عبر عنها باللغة التركية، وأرسل بها لحضرة مولانا السلطان مراد أعز الله أنصاره، وذكرت فيها أن الحق أن الكعبة لم تبن جميعها إلا ثلاث مرات المرة الأولى: بناء إبراهيم ﵊. والثانية: بناء قريش، وكان بينهما ألفا سنة وسبعمائة سنة وخمس وسبعون سنة. والثالثة: بناء عبد الله بن الزبير: أي وكان بينهما نحو اثنتين وثمانين سنة: أي وأما بناء الملائكة وبناء آدم وبناء شيث لم يصح. وأما بناء جرهم والعمالقة وقصي فإنما كان ترميما. ولم تبن بعد هدمها جميعها إلا مرتين: مرة زمن قريش، ومرة زمن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه. وحينئذ يكون ما جاء في الحديث «استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يرفع، وقد هدم مرتين ويرفع في الثالثة» معناه قد يهدم مرتين ويرفع في الهدم الثالث من الدنيا. وذكر الإمام البلقيني أن كون ابن الزبير أول من كسا الكعبة الديباج أشهر من

القول بأن أول من كساها الديباج أم العباس بن عبد المطلب كما سيأتي. وجاز أن يكون عبد الله بن الزبير كساها أوّلا القباطي ثم كساها الديباج، والله أعلم. وكان كسوتها: أي في زمن الجاهلية المسوح والأنطاع، فإن أول من كساها تبع الحميري، كساها الأنطاع ثم كساها الثياب الحميرية: أي وفي رواية كساها الوصائل: وهي برود حمر فيها خطوط خضر تعمل باليمن. وفي كلام الإمام البلقيني: ويروى أن تبعا اليماني لما كساها الخسف انتفضت فزال ذلك عنها فكساها المسوح والأنطاع فانتفضت، فزال ذلك عنها، فكساها الوصائل فقبلتها قال: والوصائل ثياب موصولة من ثياب اليمن. وفي الكشاف: كان تبع الحميري مؤمنا، وكان قومه كافرين، ولذلك ذم الله قومه ولم يذمه. وعن النبي ﷺ: «لا تسبوا تبعا: فإنه كان قد أسلم» وعنه ﵊ «ما أدري أكان تبع نبيا أو غير نبي» . هذا: وقد نقل الشمس الحموي في كتابه «المناهج الزهية، والمباهج المرضية» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان نبيا. وقيل أول من كساها عدنان بن أدد، وكانت قريش تشترك في كسوة الكعبة حتى نشأ أبو ربيعة بن المغيرة فقال لقريش: أنا أكسو الكعبة سنة وحدي. وجميع قريش سنة: أي وقيل كان يخرج نصف كسوة الكعبة في كل سنة، ففعل ذلك إلى أن مات فسمته قريش العدل، لأنه عدل قريشا وحده في كسوة الكعبة. ويقال لبنيه بنو العدل، وكانت كسوتها لا تنزع فكان كلما تجدد كسوة تجعل فوق، واستمر ذلك إلى زمنه ﷺ، ثم كساها النبي ﷺ الثياب اليمانية. وفي كلام بعضهم: أول من كسا الكعبة القباطيّ النبي ﷺ، وكساها أبو بكر وعمر وعثمان القباطي. وكساها معاوية الديباج والقباطي والحبرات، فكانت تكسى الديباج يوم عاشوراء والقباطي في آخر رمضان، والاقتصار على ذلك ربما يفيد أن عطف الحبرات على القباطي من عطف التفسير، فليتأمل.

قباطي والحبرات، فكانت تكسى الديباج يوم عاشوراء والقباطي في آخر رمضان، والاقتصار على ذلك ربما يفيد أن عطف الحبرات على القباطي من عطف التفسير، فليتأمل. وكساها المأمون الديباج الأحمر والديباج الأبيض والقباطي، فكانت تكسى الأحمر يوم التروية، والقباطي يوم هلال رجب، والديباج الأبيض يوم سبع وعشرين من رمضان قال بعضهم: وهكذا كانت تكسى في زمن المتوكل العباسي، ثم في زمن الناصر العباسي كسيت السواد من الحرير، واستمر ذلك إلى الآن في كل سنة، وكسوتها من غلة قريتين يقال لهما بيسوس وسندبيس من قرى القاهرة، وقفهما على

ذلك الملك الصالح إسماعيل بن الناصر محمد بن قلاون في سنة نيف وخمسين وسبعمائة: أي والآن زادت القرى على هاتين القريتين. والحاصل أن أول من كساها على الإطلاق تبع الحميري كما تقدم على الراجح، وذلك قبل الإسلام بتسعمائة سنة. قيل وسبب كسوة أم عمه ﷺ لها الديباج أن العباس ضل وهو صبي فنذرت إن وجدته لتكسونّ الكعبة فوجدته، فكست الكعبة الديباج: أي وكانت من بيت مملكة. وقيل أول من كساها الديباج عبد الملك بن مروان: أي وهو المراد بقول ابن إسحق أول من كساها الديباج الحجاج، لأن الحجاج كان من أمراء عبد الملك. وقد سئل الإمام البلقيني هل تجوز كسوة الكعبة بالحرير المنسوج بالذهب، ويجوز إظهارها في دوران المحمل الشريف؟ فأجاب بجواز ذلك. قال: لما فيه من التعظيم لكسوتها الفاخرة التي ترجى بكسوتها الخلع السنية في الدنيا والآخرة. ويجوز إظهارها في دوران المحمل الشريف، فإن في ذلك المناسبة للحال المنيف، هذا كلامه. أي وأول من حلى بابها بالذهب جده ﷺ عبد المطلب، فإنه لما حفر بئر زمزم وجد فيها الأسياف والغزالتين من الذهب، فضرب الأسياف بابا لها، وجعل في ذلك الباب الغزالتين، فكان أول ذهب حليته الكعبة على ما تقدم. وأول من ذهب الكعبة في الإسلام عبد الملك بن مروان. وقيل عبد الله بن الزبير جعل على أساطينها صفائح الذهب، وجعل مفاتيحها من الذهب، وجعل الوليد ابن عبد الملك الذهب على الميزاب. يقال إنه أرسل لعامله على مكة ستة وثلاثين ألف دينار يضرب منها على باب الكعبة وعلى الميزاب وعلى الأساطين التي داخلها وعلى أركانها من داخل.

على الميزاب. يقال إنه أرسل لعامله على مكة ستة وثلاثين ألف دينار يضرب منها على باب الكعبة وعلى الميزاب وعلى الأساطين التي داخلها وعلى أركانها من داخل. وذكر أن الأمين بن هارون الرشيد أرسل إلى عامله بمكة بثمانية عشر ألف دينار ليضرب بها صفائح الذهب على بابي الكعبة، فقطع ما كان على الباب من الصفائح وزاد عليها ذلك، وجعل مساميرها وحلقتي الباب والعتب من الذهب وإن أمّ المقتدر الخليفة العباسي أمرت غلامها لؤلؤا أن يلبس جميع أسطوانات البيت ذهبا ففعل. وقال عبد الله بن الزبير لما فرغ من بنائها: من كان لي عليه طاعة فليخرج فليعتمر من التنعيم، ومن قدر أن ينحر بدنة فليفعل، فإن لم يقدر فشاة، ومن لم يقدر فليتصدق بما تيسر وأخرج مائة بدنة، فلما طاف استلم الأركان الأربعة جميعا، فلم تزل الكعبة على بناء عبد الله بن الزبير تستلم أركانها الأربعة: أي لأنها على قواعد إبراهيم ﵊، ويدخل إليها من باب ويخرج من باب، حتى قتل: أي قتله شخص من جيش الحجاج بحجر رماه به فوقع بين عينيه فقتل وهو

بالمسجد، لأن الحجاج كان أميرا على الجيش الذي أرسله عبد الملك بن مروان لقتاله. وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج: أن اهدم ما زاده ابن الزبير فيها، أي يهدم البناء الذي جعله على آخر الزيادة التي أدخلها في الكعبة، وكانت قريش أخرجتها بدليل قوله وردها إلى ما كانت عليه، وسد الباب الذي فتح: أي وأن يرفع الباب الأصلي إلى ما كان عليه زمن قريش، واترك سائرها: أي لأنه اعتقد أن ابن الزبير فعل ذلك من تلقاء نفسه: فكتب الحجاج إلى عبد الملك يخبره بأن عبد الله بن الزبير وضع البناء على أسّ قد نظر إليه العدول من أهل مكة: أي وهم خمسون رجلا من وجوه الناس وأشرافهم كما تقدم. فكتب إليه عبد الملك: لسنا من تخبيط ابن الزبير في شيء، فنقض الحجاج ما أدخل من الحجر وسد الباب الثاني، أي الذي في ظهر الكعبة عند الركن اليماني، ونقص من الباب الأول خمسة أذرع: أي ورفعه إلى ما كان عليه في زمن قريش، فبنى تحته أربعة أذرع وشبرا، وبنى داخلها الدرجة الموجودة اليوم. وفي لفظ أن الحجاج لما ظفر بابن الزبير كتب إلى عبد الملك بن مروان يخبره أن ابن الزبير زاد في الكعبة ما ليس فيها وأحدث فيها بابا آخر، واستأذن في ردّ ذلك على ما كانت عليه في الجاهلية. فكتب إليه عبد الملك أن يسد بابها الغربي ويهدم ما زاد فيها من الحجر، ففعل ذلك الحجاج، فسائرها قبل وقوع هذا الهدم بالسيل الواقع في سنة تسع وثلاثين بعد الألف، وبنيانه على بنيان ابن الزبير إلا الحجاب الذي يلي الحجر، فإنه من بنيان الحجاج: أي والبناء الذي تحت العتبة وهو أربعة أذرع وشبر، فإن باب الكعبة كان على عهد العماليق وجرهم وإبراهيم ﵊ لاصقا بالأرض حتى رفعته قريش كما تقدم، وما سد به الباب الغربي والردم كان بالحجارة التي كانت داخل أرض الكعبة، أي التي وضعها عبد الله بن الزبير: أي ولعله إنما وضع في ذلك المحل الحجارة التي تصلح للبناء، فلا ينافي ما أخبرني به بعض الثقات أن بعض بيوت مكة كان فيها بعض الحجارة التي أخرجت من الكعبة زمن عبد الله بن الزبير.

ك المحل الحجارة التي تصلح للبناء، فلا ينافي ما أخبرني به بعض الثقات أن بعض بيوت مكة كان فيها بعض الحجارة التي أخرجت من الكعبة زمن عبد الله بن الزبير. ويقال إن ذلك البيت الذي كان فيه تلك الحجارة كان بيتا لعبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه، وبناء الحجاج كان في السنة التي قتل فيها عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه وهي سنة ثلاث وسبعين. قيل ولما دخل عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه وهو محاصر، حاصره الحجاج خمسة أشهر وقيل سبعة أشهر وسبع عشرة ليلة على أمه أسماء رضي الله تعالى عنهما قبل قتله بعشرة أيام وهي شاكية: أي مريضة فقال لها: كيف تجدينك يا

أمه؟ قالت: ما أجدني إلا شاكية، فقال لها: إن في الموت لراحة فقالت: لعلك تبغيه لي ما أحب أن أموت حتى يأتي على أحد طرفيك: إما قتلت، وإما ظفرت بعدوك فقرت عيني. ولما كان اليوم الذي قتل فيه دخل عليها في المسجد، فقالت له: يا بنيّ لا تقبلنّ منهم حطة تخاف فيها على نفسك، الذي تخافه القتل، فو الله لضربة بالسيف في عزّ خير من ضربة سوط في ذل. ويقال إن الناس لا زالوا يتنقلون عن ابن الزبير إلى الحجاج لطلب الأمان وهو يؤمنهم، حتى خرج إليه قريب من عشرة آلاف حتى كان من جملة من خرج إليه حمزة وخبيب ابنا عبد الله بن الزبير وأخذ لأنفسهما أمانا من الحجاج فأمنهما. ودخل عبد الله على أمه فشكا إليها خذلان الناس له وخروجهم إلى الحجاج حتى أولاده وأهله، وأنه لم يبق معه إلا اليسير، والقوم يعطونني ما شئت من الدنيا، فما رأيك؟ فقالت: يا بني أنت أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق وتدعو إلى حق فاصبر عليه فقد قتل أصحابك عليه، ولا تمكن من رقبتك تلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فلبئس العبد أنت، أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك كم خلودك في الدنيا، فدنا منها وقبل رأسها وقال: والله ما ركنت إلى الدنيا، ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تستحل حرمته.

عك كم خلودك في الدنيا، فدنا منها وقبل رأسها وقال: والله ما ركنت إلى الدنيا، ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تستحل حرمته. وبعد أن قتل وصلب على الجذع فوق الثنية ومضت ثلاثة أيام جاءت أمه أسماء رضي الله تعالى عنها تقاد، لأن بصرها كان قد كف حتى وقفت عليه، فدعت له طويلا ولم يقطر من عينها دمعة، وقالت للحجاج: أما آن لهذا الراكب أن ينزل، فقال لها الحجاج المنافق: رأيت كيف نصر الله الحق وأظهر أن ابنك ألحد في هذا البيت، وقد قال تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [الحجّ: الآية ٢٥] وقد أذاقه الله ذلك العذاب الأليم. وفي كلام سبط ابن الجوزي أن ابن الزبير لما قال لعثمان رضي الله تعالى عنه وهو محاصر إن عندي نجائب أعددتها لك فهل لك أن تنجو إلى مكة فإنهم لا يستحلونك بها، قال له عثمان: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يلحد رجل في الحرم من قريش أو بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم، فلن أكون أنا» . وفي رواية قال له، لا لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يلحد بمكة كبش من قريش اسمه عبد الله عليه مثل نصف أوزار الناس» هذا كلامه. وعندي أن المراد بعبد الله الحجاج لا ابن الزبير. ولا مانع أن يكون الحجاج من قريش على أن الذي في الصواعق لابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى أن القائل لعثمان ذلك المغيرة بن شعبة.

ولما سمعت سيدتنا أسماء رضي الله تعالى عنها الحجاج يقول في ولدها المنافق، قالت له: كذبت، والله ما كان منافقا، ولكنه كان صوّاما قوّاما برا كان أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة، وسر به رسول الله ﷺ وحنكه بيده، وكبر المسلمون يومئذ حتى ارتجت المدينة فرحا به، كان عاملا بكتاب الله، حافظا لحرم الله، يبغض أن يعصى الله ﷿، قال: انصرفي فإنك عجوز قد خرفت، قالت: والله ما خرفت ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج من ثقيف كذاب ومبير» أما الكذاب فقد رأيناه تعني المختار بن أبي عبيد الثقفي والي العراق، فإنه لما قتل الحسين رضي الله تعالى عنه اتفق مع طائفة من الشيعة ممن كان خذل الحسين، ولما قتل ندموا على ذلك، فوافقوا المختار على مقاتلة من قتل الحسين من أهل الكوفة، فتوجهوا إليه وقتلوا جميع من قاتل الحسين وملكوا الكوفة وشكر الناس للمختار ذلك، ثم قالت: وأما المبير فأنت المبير. ولما بلغ عبد الملك ما قاله الحجاج لأسماء كتب إليه يلومه على ذلك: أي ومن ثم أرسل إليها الحجاج، فأبت أن تأتيه، فأعاد إليها الرسول وقال: إما أن تأتيني أو لأبعثنّ إليك من يسحبك بقرونك، فأبت وقالت: والله لا آتيك حتى تبعث إليّ من يسحبني بقروني فعند ذلك أخذ نعليه ومشى حتى دخل عليها، فقال: يا أمه إن أمير المؤمنين أوصاني بك، فهل لك من حاجة؟ فقالت: لست لك بأمّ ولكني أم المصلوب على رأس الثنية، وما لي من حاجة، ولكن انتظر حتى أحدثك ما سمعت من رسول الله ﷺ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج من ثقيف كذاب ومبير» فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت، فقال الحجاج: مبير للمنافقين. ومن كذب المختار أنه ادعى النبوّة وأنه يأتيه الوحي ويسر ذلك لأحبابه.

ذاب ومبير» فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت، فقال الحجاج: مبير للمنافقين. ومن كذب المختار أنه ادعى النبوّة وأنه يأتيه الوحي ويسر ذلك لأحبابه. وفي دلائل النبوة للبيهقي عن بعضهم قال: كنت أقوم بالسيف على رأس المختار ابن أبي عبيد، فسمعته يوما يقول: قام جبريل عن هذه النمرقة، وفي رواية من على هذا الكرسي، فأردت أن أضرب عنقه، فتذكرت حديثا حدثته أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أمن الرجل الرجل على دمه ثم قتله رفع له لواء الغدر يوم القيامة» فكففت عنه، ولعل هذا مستند ما نقل عن كتاب الإملاء لإمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه من القول بأن المسلم يقتل بالمستأمن. وقد كتب المختار للأحنف بن قيس وجماعته: وقد بلغني أنكم تسموني الكذاب وقد كذب الأنبياء من قبلي ولست بخير منهم. وقد كان يقع منه أمور تشبه الكهانة، منها أنه لما جهز جيشا لقتال عبيد الله بن زياد المجهز لمقاتلة الحسين رضي الله تعالى عنه كما تقدم قال لأصحابه في غد يأتي إليكم خبر النفير. وقتل ابن زياد فكان كما أخبر، وجيء برأس ابن زياد وألقيت بين

يدي المختار وكان قتله يوم عاشوراء اليوم الذي قتل فيه الحسين. ثم قتل المختار، وكان قتل المختار على يد مصعب بن الزبير، جيء برأس المختار بين يدي مصعب لما ولي العراق من جانب أخيه لأبيه عبد الله بن الزبير. ومما يؤثر عن مصعب: العجب من ابن آدم كيف يتكبر وقد جرى في مجرى البول مرتين، ثم قتل مصعب وقطعت رأسه ووضعت بين يدي عبد الملك بن مروان. وعن بعضهم أنه حدّث عبد الملك فقال له: يا أمير المؤمنين دخلت القصر قصر الإمارة بالكوفة فإذا رأس الحسين على ترس بين يديه عبيد الله بن زياد وعبيد الله ابن زياد على السرير. ثم دخلت القصر بعد ذلك بحين فرأيت رأس عبيد الله بن زياد على ترس بين يدي المختار والمختار على السرير. ثم دخلت القصر بعد ذلك بحين فرأيت رأس المختار بين يدي مصعب بن الزبير ومصعب بن الزبير على السرير. ثم دخلت بعد ذلك بحين فرأيت رأس مصعب بن الزبير بين يديك وأنت على السرير، فقال عبد الملك لا أراك الله الخامسة ثم أمر بهدم ذلك القصر.

الزبير على السرير. ثم دخلت بعد ذلك بحين فرأيت رأس مصعب بن الزبير بين يديك وأنت على السرير، فقال عبد الملك لا أراك الله الخامسة ثم أمر بهدم ذلك القصر. وعن إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه أن أبا الحجاج لما دخل بأم الحجاج واقعها، فنام فرأى قائلا يقول له في المنام: ما أسرع ما أنجبت بالمبير. وفي كلام سبط ابن الجوزي أن أم الحجاج كانت قبل أبيه مع المغيرة بن شعبة فطلقها بسبب أنه دخل عليها يوما فوجدها تتخلل حين انقلبت من صلاة الصبح، فقال لها: إن كنت تتخللين من طعام البارحة إنك لقذرة، وإن كان من طعام اليوم إنك لنهمة، كنت فبنت، قالت: والله ما فرحنا إذ كنا، ولا أسفنا إذ بنا، ولا هو شيء مما ظننت، ولكني استكت فأردت أن أتخلل من السواك، فندم المغيرة على طلاقها، فخرج فلقي يوسف بن أبي عقيل والد الحجاج، فقال له: هل لك إلى شيء أدعوك إليه؟ قال: وما ذاك؟ قال: إني نزلت عن سيدة نساء ثقيف وهي الفارعة، فتزوجها تنجب لك، فتزوجها فولدت له الحجاج. وفي حياة الحيوان إنها كانت قبل أبي الحجاج عند أمية بن أبي الصلت، هذا كلامه. وقد يقال لا مانع أنها تزوجت الثلاثة وإن تزوجها لأمية كان قبل المغيرة، وكونها سيدة نساء ثقيف يبعد القول بأنها المتمنية التي مر بها سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه وهي تنشد: هل من سبيل إلى خمر فأشربها الأبيات وأنه كان يعير بها فيقال له ابن المتمنية.

وفي مدة صلب عبد الله بن الزبير صارت أمه تقول: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني بجثته. وذهب أخوه عروة بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان يسأل في إنزاله عن الخشبة فأجابه وأنزله، قال غاسله: كنا لا نتناول عضوا من أعضائه إلا جاء معنا، فكنا نغسل العضو ونضعه في أكفانه، وقامت فصلت عليه أمه وماتت بعده بجمعة، ذكر ذلك في الاستيعاب، وقيل بعده بمائة يوم. قال الحافظ ابن كثير وهو المشهور. وبلغت من العمر مائة سنة، ولم يسقط لها سنّ، ولم ينكر لها عقل. وقتل مع ابن الزبير مائتان وأربعون رجلا، منهم من سال دمه في جوف الكعبة. وكان من جملة من قتل عبد الله بن صفوان بن أمية الجمحي. قتل يوم قتل ابن الزبير وقطع رأسه، وبعث الحجاج برأسه ورأس ابن الزبير إلى المدينة فنصبوهما وصاروا يقربون رأس عبد الله بن صفوان إلى رأس ابن الزبير كأنه يساره يلعبون بذلك، ثم بعثوا بهما إلى عبد الملك بن مروان. ولما وضعت رأس عبد الله بن الزبير بين يدي عبد الملك سجد وقال: والله كان أحب الناس إليّ وأشدهم إليّ إلفا ومودة، ولكن الملك عقيم: أي فإن الرجل يقتل ابنه أو أخاه على الملك فإذا فعل ذلك انقطعت بينهما الرحم، وستأتي مدحة عبد الملك لعبد الله بن الزبير، وتوبيخ أمير الجيش الذي أرسله يزيد لمقاتلته. وقد كان ابن الزبير قال لعبد الله بن صفوان: إني قد أقلتك بيعتي، فاذهب حيث شئت، فقال: إنما أقاتل عن ديني، وكان سيدا شريفا مطاعا حليما كريما قتل وهو متعلق بأستار الكعبة. وحينئذ يشكل كونه حرما آمنا.

ي قد أقلتك بيعتي، فاذهب حيث شئت، فقال: إنما أقاتل عن ديني، وكان سيدا شريفا مطاعا حليما كريما قتل وهو متعلق بأستار الكعبة. وحينئذ يشكل كونه حرما آمنا. ومما يدل لما تقدم من أن عبد الله بن الزبير كان عنده سوء خلق، ما حكي أنه جاء إليه شخص فقال له: إن الناس على باب عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما يطلبون العلم وإن الناس على باب أخيه عبيد الله يطلبون الطعام، فأحدهما يفقه الناس، والآخر يطعم الناس، فما أبقيا لك مكرمة، فدعا شخصا وقال له: انطلق إلى ابني العباس رضي الله تعالى عنهم وقل لهما: يقول لكما أمير المؤمنين اخرجا عني وإلا فعلت وفعلت، فخرجا إلى الطائف: أي وقيل ما خرج عبد الله من مكة إلى الطائف إلا لأن الله تعالى يقول: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [الحجّ: الآية ٢٥] . فقد قال الشيخ محيي الدين بن العربي: اعلم أن الله تعالى قد عفا عن جميع الخواطر التي لا تستقر عندنا إلا بمكة، لأن الشرع قد ورد أن الله يؤاخذ فيه من يرد فيه بإلحاد بظلم، وكان هذا سبب سكنى عبد الله بن عباس بالطائف احتياطا لنفسه، لأنه ليس في قدرة الإنسان أن يدفع عن قلبه الخواطر. قال بعضهم: كان يقال من أراد الفقه والجمال والسخاء فليأت دار العباس،

بن عباس بالطائف احتياطا لنفسه، لأنه ليس في قدرة الإنسان أن يدفع عن قلبه الخواطر. قال بعضهم: كان يقال من أراد الفقه والجمال والسخاء فليأت دار العباس،

الجمال للفضل، والسخاء لعبيد الله، والفقه لعبد الله. قال: ولما حج عبد الملك: أي وذلك في سنة خمس وسبعين قال له الحارث: أنا أشهد لابن الزبير بالحديث الذي سمعه من خالته عائشة رضي الله تعالى عنها قال: أنت سمعته منها؟ قال نعم، فجعل ينكت، بالمثناة فوق، بقضيب كان في يده الأرض ساعة، ثم قال: وددت أني كنت تركته يعني ابن الزبير وما تحمل. وفي رواية أن عبد الملك كتب إلى الحجاج وددت أنك تركت ابن الزبير وما تحمل وهذا هو الموافق لما في تاريخ الأزرقي أن الحرث وفد على عبد الملك بن مروان في خلافته فقال له عبد الملك: ما أظن أبا خبيب يعني ابن الزبير سمع من عائشة رضي الله تعالى عنها ما كان يزعم أنه سمع منها في بناء الكعبة. قال الحرث: أنا سمعته منها، قال عبد الملك: أنت سمعته منها؟ الحديث وكون عائشة حدثت ابن الزبير بما ذكر لا ينافي ما في تاريخ ابن كثير عن بعضهم. قال سمعت ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما يقول: حدثتني أمي أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال لعائشة: «لولا قرب عهد قومك بالكفر لرددت الكعبة على أساس إبراهيم ﵊» الحديث، وفي رواية «أن عائشة رضي الله تعالى عنها نذرت إن فتح الله مكة على رسول الله ﷺ تصلي في البيت ركعتين، فلما فتحت مكة، أي وحج رسول الله ﷺ حجة الوداع فسألت النبي ﷺ أن يفتح لها باب الكعبة ليلا، فجاء عثمان بن طلحة بالمفتاح إلى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله إنها لم تفتح ليلا قط، قال فلا تفتحها ثم أخذ رسول الله ﷺ بيدها وأدخلها الحجر وقال: صلي ههنا، فإن الحطيم» أي الحجر «من البيت إلا أن قومك قصرت بهم النفقة» أي الحلال «فأخرجوه من البيت، ولولا حدثان قومك بالجاهلية لنقضت بناء الكعبة، وأظهرت قواعد الخليل، وأدخلت الحطيم في البيت وألصقت العتبة على الأرض، ولئن عشت إلى قابل لأفعلن ذلك» ولم يعش ﵊ ولم تتفرغ الخلفاء لذلك. وبما ذكر يعلم ما في قول الأصل فهدمها: أي عبد الملك وبناها على ما كانت عليه في عهد رسول الله ﷺ.

إلى قابل لأفعلن ذلك» ولم يعش ﵊ ولم تتفرغ الخلفاء لذلك. وبما ذكر يعلم ما في قول الأصل فهدمها: أي عبد الملك وبناها على ما كانت عليه في عهد رسول الله ﷺ. وقد علمت أن الحجاج لم يبن إلا الحجاب الذي يليه الحجر، والبناء الذي تحت العتبة والدرجة التي في باطنها. وأما التراب الذي جعل في باطنها، فيحتمل أن يكون هو التراب الذي أخرجه عبد الله بن الزبير استمر باقيا فأعاده الحجاج، ويحتمل أنه غيره، ولم أقف على بيان ذلك في كلام أحد.

والشاذروان الذي أخرجه عبد الله بن الزبير من عرض الأساس الذي بنته قريش لأجل مصلحة استمساك البناء وثباته. ومن العجب ما حدث به بعضهم قال: كنت أميرا على الجيش الذي بعث به يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن الزبير بمكة، فدخلت مسجد المدينة، فجلست بجانب عبد الملك بن مروان، فقال لي عبد الملك: أنت أمير هذا الجيش؟ قلت نعم، قال ثكلتك أمك، أتدري إلى من تسير؟ تسير إلى أول مولود ولد في الإسلام: أي بالمدينة من أولاد المهاجرين، وإلى ابن حواري رسول الله ﷺ، وإلى ابن ذات النطاقين يعني أسماء، وإلى من حنكه رسول الله ﷺ، أما والله إن جئته نهارا وجدّته صائما، وإن جئته ليلا وجدته قائما، فلو أن أهل الأرض أطبقوا على قتله لأكبهم الله في النار جميعا، فلما صارت الخلافة إلى عبد الملك وجهنا مع الحجاج حتى قتلناه. وذكر بعضهم أن عبد الملك بن مروان لما رأى جيش يزيد متوجها إلى مكة قال: أعوذ بالله أيبعث الجيش إلى حرم الله، فضرب منكبه شخص كان يهوديا وأسلم وكان يقرأ الكتب وقال له: جيشك إليه أعظم. ويقال إن هذا اليهودي مرّ على دار مروان والد عبد الملك هذا، فقال: ويل لأمة محمد من أهل هذه الدار: أي لأن مروان كان سببا لقتل عثمان، وعبد الملك ابنه كان سببا لقتل عبد الله بن الزبير، ووقع من الوليد بن يزيد بن عبد الملك الأمور الفظيعة. وسبب ولاية الحجاج على الجيش أنه قال لعبد الملك بن مروان: رأيت في منامي أني أخذت عبد الله بن الزبير فسلخته فولني قتاله فولاه، فأرسله في جيش كثيف من أهل الشام، فحضر ابن الزبير ورمى الكعبة بالمنجنيق. ولما رمي به أرعدت السماء وأبرقت فخاف أهل الشام، فصاح الحجاج: هذه صواعق تهامة وأنا ابنها، ثم قام ورمى المنجنيق بنفسه فزاد ذلك، ولم تزل صاعقة تتبعها أخرى حتى قتلت اثني عشر رجلا فخاف أهل الشام زيادة. قال بعضهم: ولا زال الحجج يحضهم على الرمي بالمنجنيق، ولم تزل الكعبة ترمى بالمنجنيق حتى هدمت وحرقت أستارها حتى صارت كالفحم.

رجلا فخاف أهل الشام زيادة. قال بعضهم: ولا زال الحجج يحضهم على الرمي بالمنجنيق، ولم تزل الكعبة ترمى بالمنجنيق حتى هدمت وحرقت أستارها حتى صارت كالفحم. أي وفيه أنه لو كانت هدمت أو حرقت لأعيد بناؤها أو أصلحت بالترميم، ولو وقع ذلك لنقل، لأنه مما تتوفر الدواعي على نقله، ولعل هذا اشتبه على بعض الرواة، ظن أن الذي وقع من جيش يزيد واقع من الحجاج. فإن قيل هلا أهلك الله من نصب المنجنيق على الكعبة كما أهلك أبرهة؟ قلنا لأن من نصب المنجنيق لم يرد هدم الكعبة، بخلاف أبرهة كما تقدم. وفيه أنه قد يشكل كونه حرما آمنا.

وفي البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال حين وقع بينه وبين ابن الزبير: أي وأمره بأن يخرج إلى الطائف ويهدده على ما تقدم، قلت أبوه الزبير، وأمه أسماء، وخالته عائشة، وجده أبو بكر، وجدّته صفية. وفي رواية عنه أنه قال: أما أبوه فحواريّ رسول الله ﷺ يريد الزبير، وأما جده فصاحب الغار يريد أبا بكر، وأما أمه فذات النطاقين يريد أسماء، وأما خالته فأم المؤمنين يريد عائشة، وأما عمته فزوج النبي ﷺ يريد خديجة، وأما عمة النبي ﷺ فجدته يريد صفية، ثم عفيف في الإسلام، وقارئ للقرآن. ولما قتل عبد الله بن الزبير ارتجت مكة بالبكاء، فجمع الحجاج الناس وخطبهم وقال في خطبته: ألا إن ابن الزبير كان من أخيار هذه الأمة إلا أنه نازع الحق أهله، إن الله خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه وأسكنه جنته، فلما أخطأ أخرجه من الجنة بخطيئته وآدم أكرم على الله من ابن الزبير، والجنة أعظم حرمة من الكعبة اذكروا الله يذكركم. ومن أعلام نبوّته ﷺ ما روي «أن عبد الله بن الزبير لما ولد نظر إليه رسول الله ﷺ، فقال: هو هو، فلما سمعت بذلك أمه أمسكت عن إرضاعه، فقال لها النبي ﷺ أرضعيه ولو بماء عينيك، كبش بين ذئاب وذئاب عليها ثياب، ليمنعن البيت أو ليقتلن دونه» . وفي حياة الحيوان: العرب إذا أرادوا مدح الإنسان قالوا كبش، وإذا أرادوا ذمه قالوا تيس، ومن ثم قال ﷺ في المحلل: «التيس المستعار» .

بيت أو ليقتلن دونه» . وفي حياة الحيوان: العرب إذا أرادوا مدح الإنسان قالوا كبش، وإذا أرادوا ذمه قالوا تيس، ومن ثم قال ﷺ في المحلل: «التيس المستعار» . ويقال إن الحجاج بعد قتل ابن الزبير ذهب إلى المدينة وعلى وجهه لثام، فرأى شيخا خارجا من المدينة فسأله عن حال أهل المدينة، فقال شرّ حال، قتل ابن حواري رسول الله ﷺ، قال: من قتله؟ قال: الفاجر اللعين الحجاج عليه لعائن الله ورسله، من قليل المراقبة لله، فغضب الحجاج غضبا شديدا، ثم قال: أيها الشيخ أتعرف الحجاج إذا رأيته؟ قال نعم ولا عرّفه الله خيرا، ولا وقاه ضيرا، فكشف الحجاج اللثام عن وجهه وقال: ستعلم الآن إذا سال دمك الساعة، فلما تحقق الشيخ أنه الحجاج قال: إن هذا لهو العجب يا حجاج، أنا فلان أصرع من الجنون في كل يوم خمس مرات، فقال الحجاج: اذهب لا شفى الله الأبعد من جنونه ولا عافاه، وخلوص هذا من يد الحجاج من العجب، لأن إقدامه على القتل ومبادرته إليه أمر لم ينقل مثله عن أحد. وكان يخبر عن نفسه ويقول: إن أكبر لذاته سفك الدماء. قال بعضهم: والأصل في ذلك أنه لما ولد لم يقبل ثديا فتصور لهم إبليس في صورة الحرث بن كلدة طبيب العرب، وقال: اذبحوا له تيسا أسود، وألعقوه من دمه، واطلوا به

وجهه، ففعلوا به ذلك فقبل ثدي أمه. وذكر أنه أتي إليه بامرأة من الخوارج، فجعل يكلمها وهي لا تنظر إليه ولا ترد عليه كلاما، فقال لها بعض أعوانه: يكلمك الأمير وأنت معرضة، فقالت: إني أستحي أن أنظر إلى من لا ينظر الله إليه، فأمر بها فقتلت. وقد أحصي الذي قتل بين يديه صبرا فبلغ مائة ألف وعشرين ألفا. ولما عزى سيدتنا أسماء عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم، وأمرها بالصبر قالت: وما يمنعني من الصبر وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل، وقد جاء أن هذه البغي أول من يدخل النار. ويقال إن عبد الله بن الزبير قال لأمه يوم قتل: يا أمه إني مقتول من يومي هذا، فلا يشتد حزنك، وسلمي الأمر لله، فإن ابنك لم يعمد لإتيان منكر ولا عمل فاحشة. وفي كون عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما تأخر موته عن ابن الزبير نظر، فقد قيل: إن عبد الله بن عمر مات قبل ابن الزبير بثلاثة أشهر. وسبب موته أن الحجاج سفه عليه، فقال له عبد الله: إنك سفيه مسلط فغيره ذلك عليه، فأمر الحجاج شخصا أن يسمّ زجّ رمحه ويضعه على رجل عبد الله، ففعل به ذلك في الطواف، فمرض من ذلك أياما ومات. ويذكر أن الحجاج دخل ليعوده فسأله عمن فعل به ذلك وقال له: قتلني الله إن لم أقتله، فقال له عبد الله: لست بقاتل له، قال ولم؟ قال: لأنك الذي أمرته. وقول عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما للحجاج إنك سفيه مسلط، يشير إلى قول أبيه عمر رضي الله تعالى عنهما، فإنه لما بلغه أن أهل العراق حصبوا أميرهم: أي رجموه بالحجارة خرج غضبان فصلى فسها في صلاته، فلما سلم قال: اللهم إنهم قد لبسوا عليّ، فألبس عليهم، وعجل عليهم بالغلام الثقفي يحكم فيهم بحكم الجاهلية، لا يقبل من محسنهم، ولا يتجاوز عن مسيئهم، وكان ذلك قبل أن يولد الحجاج.

قد لبسوا عليّ، فألبس عليهم، وعجل عليهم بالغلام الثقفي يحكم فيهم بحكم الجاهلية، لا يقبل من محسنهم، ولا يتجاوز عن مسيئهم، وكان ذلك قبل أن يولد الحجاج. ثم رأيت في تاريخ ابن كثير: لما مات ابن الزبير واستقر الأمر لعبد الملك بن مروان بايعه عبد الله بن عمر. ويوافقه ما في الدلائل للبيهقي أن ابن عمر وقف على ابن الزبير وهو مصلوب وقال: السلام عليك أبا خبيب، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله إن كنت ما علمت صواما قواما وصولا للرحم. ويذكر أنه كان لعبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما مائة غلام لكل غلام

منهم لغة لا يشاركه غيره فيها، وكان يكلم كل واحد منهم بلغته، وهذا أغرب مما استغرب. وهو أن ترجمان الواثق بالله من خلفاء بني العباس كان عارفا بألسن كثيرة، حتى قيل إنه يعرف أربعين لغة، ويماري فيها. وقد قال الحجاج لعروة بن الزبير يوما في كلام جرى بينهما: لا أم لك، فقال: إليّ تقول هذا وأنا ابن عجائز الجنة؟ يعني جدته صفية وعمته خديجة وخالته عائشة وأمه أسماء. وقال الحجاج يوما لشخص: ما تقول في عبد الملك بن مروان؟ فقال الرجل: ما أقول في رجل أنت سيئة من سيئاته. وقد أطلق سليمان بن عبد الملك لما ولي الخلافة من سجن الحجاج سبعين ألفا قد حبسهم للقتل ليس لواحد منهم ذنب يستوجب به الحبس فضلا عن القتل. وذكر أنه كان يحبس الرجال مع النساء، ولم يكن لحبسه بيوت أخلية، فكان الرجل يبول بجانب المرأة والمرأة تبول بجانب الرجل، فتبدو العورات، وكان كل عشرة في سلسلة، ويطعمهم خبز الدخن مخلوطا بالملح والرماد. ومر يوم جمعة فسمع استغاثة، فقال: ما هذا؟ فقيل له أهل السجن يقولون قتلنا الحر، فقال: قولوا لهم اخسؤوا فيها ولا تكلمون، فما عاش بعد ذلك إلا أقل من جمعه. وآخر من قتله الحجاج من التابعين سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه، ولم يقتل بعد ابن جبير إلا رجلا واحدا. وقال عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كل أمة بفرعونها وجئناهم بالحجاج لغلبناهم. وقال سليمان بن عبد الملك لرجل من أخصاء الحجاج بعد موت الحجاج:

ا رجلا واحدا. وقال عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كل أمة بفرعونها وجئناهم بالحجاج لغلبناهم. وقال سليمان بن عبد الملك لرجل من أخصاء الحجاج بعد موت الحجاج: أبلغ الحجاج قعر جهنم؟ فقال: يا أمير المؤمنين يجيء الحجاج يوم القيامة بين أبيك عبد الملك، وبين أخيك الوليد بن عبد الملك، فضعه في النار حيث شئت. ومن غريب الاتفاق ما حكاه بعضهم، قال: مات رجل، فلما وضع على مغتسله استوى قاعدا وقال: نظرت بعيني هاتين. وأهوى بيديه إلى عينيه- الحجاج وعبد الملك في النار يسحبان بأمعائهما ثم عاد ميتا كما كان. والحجاج متأصل في الظلم. فقد رأيت بعضهم حكى أنه يقال في المثل: أظلم من ابن الجلندي، وهو المشار إليه بقوله تعالى: وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [الكهف: الآية ٧٩] وإنه من أجداد الحجاج، بينه وبينه سبعون جدا. واستحلف الحجاج رجلا في أمر فقال: لا والذي أنت في يديه غدا أذل مني بين يديك اليوم، فقال: والله إني يومئذ لذليل.

وأول من ضرب الدراهم في الإسلام الحجاج بأمر عبد الملك بن مروان، وكتب عليها: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) [الإخلاص: الآية ١- ٢] أي على أحد وجهي الدراهم قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) [الإخلاص: الآية ١] وعلى وجهه الثاني اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) [الإخلاص: الآية ٢] . ولم توجد الدراهم الإسلامية إلا في زمن عبد الملك بن مروان، وكانت الدراهم قبل ذلك رومية وكسروية. وفي زمن الخليفة المستنصر بالله وهو السابع والثلاثون من خلفاء بني العباس ضرب دراهم وسماها النقرة، وكانت كل عشرة بدينار، وذلك في سنة أربع وعشرين وستمائة. ولما دخل سليمان بن عبد الملك المدينة سأل هل بالمدينة أحد أدرك أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ؟ فقالوا: أبو حازم، فأرسل إليه، فلما دخل عليه سأله فقال: يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟ فقال: لأنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم، فكرهتم أن تنقلوا من عمران إلى خراب، فقال له: وكيف القدوم على الله؟ قال: أما المحسن فكغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكآبق يقدم على مولاه، فبكى سليمان وقال: يا ليت شعري، ما لنا عند الله؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله تعالى، فقال: في أي مكان أجده؟ فقال: في قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) [الانفطار: الآيتان ١٣ و ١٤] قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قريب من المحسنين، قال: فأي عباد الله أكرم؟ قال: أولو المروءة.

ُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) [الانفطار: الآيتان ١٣ و ١٤] قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قريب من المحسنين، قال: فأي عباد الله أكرم؟ قال: أولو المروءة. وجاء أعرابي إلى سليمان بن عبد الملك هذا، فقال: يا أمير المؤمنين إني أكلمك بكلام فاحتمله، فإن وراءه إن قبلته ما تحب. فقال سليمان: هاته يا أعرابي، فقال الأعرابي: إني طلق لساني بما خرست عنه الألسن تأدية لحق الله. إنه قد اكتنفك رجال قد أساؤوا الاختيار لأنفسهم، وابتاعوا دنياك بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، وخافوك في الله، ولم يخافوا الله فيك، فهم حرب للآخرة وسلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما استخلفك الله عليه، فإنهم لن يبالوا بالأمانة، وأنت مسؤول عما اجترموا فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإن أعظم الناس عند الله عيبا من باع آخرته بدنيا غيره، فقال له سليمان: أنت ما أنت بأعرابي، فقد سللت لسانك وهو سيفك، قال: أجل يا أمير المؤمنين لك لا عليك. ولما حج بالناس قال لولد عمه وولى عهده عمر بن عبد العزيز: ألا ترى هذا الخلق، الذي لا يحصي عددهم إلا الله تعالى، ولا يسع رزقهم غيره؟ فقال: يا أمير المؤمنين هؤلاء رعيتك اليوم، وهم غدا خصماؤك عند الله، فبكى سليمان بكاء شديدا، ثم قال: بالله أستعين، وقال يوما لعمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه حين أعجبه ما صار إليه من الملك: يا عمر كيف ترى ما نحن فيه؟ فقال: يا أمير

Bagian 10 dari 62