السيرة الحلبية = إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya نور الدين الحلبي (w. 1044 H).

Bagian 9 dari 62 1574 halaman

— Bagian 9 · بليس تمثل في صورة شيخ نجدي حين حكموا رسول الله ﷺ… —

Bagian 9

بليس تمثل في صورة شيخ نجدي حين حكموا رسول الله ﷺ في أمر الركن من يرفعه، وصاح: يا معشر قريش أرضيتهم أن يلي هذا الغلام دون أشرافكم وذوي أنسابكم؟ انتهى. وإنما تصوّر بصورة نجدي، لأن في الحديث، نجد طلع منها قرن الشيطان. ولما قال ﷺ: «اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا، قالوا وفي نجدنا، فأعاد الأول، والثاني قال: هناك الزلازل والفتن، وفيها يطلع قرن الشيطان» . أقول: سيأتي أنه تصور بهذه الصورة أيضا عند دخول قريش دار الندوة ليتشاوروا في كيفية قتله ﷺ ودخل معهم، وسيأتي. ثم في حكمة تصوره بذلك غير ما ذكر. ولا مانع أن يكونا حكمة لما هنا ولما يأتي. وأعادوا الصور التي كانت في حيطانها، لأنه كان في حيطانها صور الأنبياء بأنواع الأصباغ، ومن جملتهم صورة إبراهيم وفي يده الأزلام: أي وإسمعيل وفي يده الأزلام، وصورة الملائكة وصورة مريم كما سيأتي في فتح مكة، وكساها زعماؤهم أرديتهم وكانت من الوصائل، ولم يكسها أحد بعد ذلك حتى كساها رسول الله ﷺ الحبرات في حجة الوداع، والله أعلم. وهذه المرة الرابعة أي من بناء الكعبة بناء على أن أول من بناها الملائكة. ففي بعض الآثار أن الله ﷾ قبل أن يخلق السموات والأرض كان

عرشه على الماء أي العذب، فلما اضطرب العرش كتب عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ فسكن، فلما أراد أن يخلق السموات والأرض أرسل الريح على ذلك الماء فتموج فعلاه دخان، فخلق من ذلك الدخان السموات، ثم أزال ذلك الماء عن موضع الكعبة فيبس» وفي لفظ «أرسل على الماء ريحا هفافة فصفق الريح الماء» أي ضرب بعضه بعضا «فأبرز عنه خشفة» الحديث، وبسط الله ﷾ من ذلك الموضع جميع الأرض طولها والعرض، فهي أصل الأرض وسرتها. وقد يخالفه ما في «أنس الجليل» كذا روي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: وسط الدنيا بيت المقدس وأرفع الأرضين كلها إلى السماء بيت المقدس. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومعاذ بن جبل أنه أقرب إلى السماء باثني عشر ميلا ثم بين ذلك في أنس الجليل. ولما ماجت الأرض وضع عليها الجبال، فكان أول جبل وضع عليها أبو قبيس، وحينئذ كان ينبغي أن يسمى أبا الجبال، وأن يكون أفضلها مع أن أفضلها كما قال الجلال السيوطي استنباطا: أحد، لقوله ﷺ: «أحد يحبنا ونحبه» ولما ورد أنه على باب من أبواب الجنة، قال: ولأنه من جملة أرض المدينة التي هي أفضل البقاع: أي عنده تبعا لجمع، ولأنه مذكور في القرآن باسمه في قراءة من قرأ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ [آل عمران: الآية ١٥٣] أي بضم الهمزة والحاء، ثم فتق الأرض فجعلها سبع أرضين. وقد جاء «بدأ الله خلق الأرض في يومين غير مدحوّة ثم خلق السموات فسواهن في يومين، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وجعل فيها الرواسي وغيرها في يومين» . وبهذا يظهر التوقف في قول مغلطاي: إن لفظة بعد في قوله تعالى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) [النّازعات: الآية ٣٠] بمعنى قبل، لأن خلق الأرض قبل خلق السماء، لما علمت أن الأرض خلقت قبل السماء غير مدحوة، ثم بعد خلق السماء دحى الأرض.

دَحاها (٣٠) [النّازعات: الآية ٣٠] بمعنى قبل، لأن خلق الأرض قبل خلق السماء، لما علمت أن الأرض خلقت قبل السماء غير مدحوة، ثم بعد خلق السماء دحى الأرض. ثم رأيت بعضهم سأل ابن عباس عن ذلك، حيث قال له: يا إمام اختلف عليّ من القرآن آيات، ثم ذكر منها أنه قال: قال الله تعالى: أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [فصّلت: الآية ٩] . حتى بلغ- طائِعِينَ [فصّلت: الآية ١١] ثم قال في الآية الأخرى: أَمِ السَّماءُ بَناها [النّازعات: الآية ٢٧] ثم قال: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) [النّازعات: الآية ٣٠] فأجابه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. أما قوله: خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [فصّلت: الآية ٩] فإن الأرض خلقت قبل السماء، وكانت السماء دخانا فسواهن سبع سموات في يومين بعد خلق الأرض. وأما قوله تعالى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) [النّازعات: الآية ٣٠] يقول: جعل فيها جبلا، وجعل فيها نهرا، وجعل فيها شجرا، وجعل

فيها بحورا. وبه يرد قول بعضهم: خلق السماء قبل الأرض، والظلمة قبل النور، والجنة قبل النار فليتأمل. وقد جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطّلاق: الآية ١٢] قال: سبع أرضين، وفي كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدمكم، ونوح كنوحكم، وإبراهيم كإبراهيمكم، وعيسى كعيسكم، رواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح الإسناد. وقال البيهقي: إسناده صحيح لكنه شاذ بالمرة: أي لأنه لا يلزم من صحة الإسناد صحة المتن، فقد يكون فيه مع صحة إسناده ما يمنع صحته فهو ضعيف. قال الحافظ السيوطي: ويمكن أن يؤول على أن المراد بهم النذر الذين كانوا يبلغون الجن عن أنبياء البشر. ولا يبعد أن يسمى كل منهم باسم النبي الذي يبلغ عنه هذا كلامه: أي وحينئذ كان لنبينا ﷺ رسول من الجن اسمه كاسمه، ولعل المراد اسمه المشهور وهو محمد فليتأمل. ولما خاطب الله السموات والأرض بقوله: ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [فصّلت: الاية ١١] كان المجيب من الأرض موضع الكعبة، ومن السماء ما حاذاها، الذي هو محل البيت المعمور.

يا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [فصّلت: الاية ١١] كان المجيب من الأرض موضع الكعبة، ومن السماء ما حاذاها، الذي هو محل البيت المعمور. وعن كعب الأحبار ﵁: لما أراد الله تعالى أن يخلق محمدا ﷺ أمر جبريل أن يأتيه بالطينة التي هي قلب الأرض وبهاؤها ونورها، فقبض قبضة رسول الله ﷺ من موضع قبره الشريف، وهي بيضاء منيرة لها شعاع عظيم. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أصل طينة رسول الله ﷺ من سرة الأرض بمكة. قال بعض العلماء: هذا يشعر بأن ما أجاب من الأرض إلا تلك الطينة: أي وقد ذكر الشيخ أبو العباس المرسي رحمه الله تعالى «أن النبي ﷺ قال يوما لأبي بكر الصديق ﵁: أتعرف يوم يوم؟ فقال أبو بكر نعم والذي بعثك بالحق نبيا، يا رسول الله سألتني عن يوم المقادير، يعني يوم- أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: الآية ١٧٢]- ولقد سمعتك تقول حينئذ: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» وقد سئل الشيخ علي الخواص نفعنا الله تعالى ببركاته لم لم تتكلم الأنبياء بلسان الباطن الذي تكلم به الصوفية. فأجاب بأنه إنما لم تتكلم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم بذلك لأجل عموم خطابهم للأمة، ولا يعتبر بالأصالة إلا فهم العامة دون فهم الخاصة إلا بعض تلويحات، ومنه قوله ﷺ للصديق رضي الله تعالى عنه: «أتعرف يوم يوم؟ فقال نعم يا رسول الله» الحديث، وتلك الطينة لما تموّج الماء رمى بها من مكة إلى محل تربته ﷺ ومدفنه بالمدينة.

وبهذا يندفع ما يقال: مقتضى كون أصل طينته ﷺ بمكة أن يكون مدفنه بها، لأن تربة الشخص تكون في محل مدفنه ثم عجنها بطينة آدم، ولعل هذه الطينة هي المعبر عنها بالنور في قوله ﷺ وقد قال له جابر: «يا رسول الله أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء؟ قال: يا جابر إن الله خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، ولم يكن في ذلك الوقت لا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا لوح ولا قلم» الحديث. وجاء «أول ما خلق الله نوري» وفي رواية: «أول ما خلق الله العقل» قال الشيخ عليّ الخواص: ومعناهما واحد، لأن حقيقته ﷺ يعبر عنها بالعقل الأول وتارة بالنور. فأرواح الأنبياء والأولياء مستمدة من روح محمد ﷺ هذا كلامه، وهذا هو المعني بقول بعضهم: لما تعلقت إرادة الحق بإيجاد خلقه أبرز الحقيقة المحمدية من الأنوار الصمدية في الحضرة الأحدية، ثم سلخ منها العوالم كلها علوها وسفلها. وفيه أن هذا لا يناسبه قوله: «ولم يكن في ذلك الوقت لا سماء ولا أرض» إذ كيف يأتي ذلك مع قول كعب الأحبار، أمر جبريل أن يأتيه بالطينة التي هي قلب الأرض إلى آخره؟ ومع قول ابن عباس: أصل طينة رسول الله ﷺ من سرة الأرض. إلا أن يقال إن ذلك النور بعد إيجاده أودع تلك الطينة التي هي قلب الأرض وسرتها. وحينئذ لا يخالف ذلك ما جاء أن الله خلق آدم من طين العزة من نور محمد ﷺ، فهو ﷺ الجنس العالي لجميع الأجناس والأب الأكبر لجميع الموجودات والناس. هذا وقد جاء في حديث بعض رواته متروك الحديث «خلق الله آدم من تراب الجابية، وعجنه بماء الجنة» وجاء «خلق الله آدم من تربة دحنا ومسح ظهره بنعمان الأراك» ودحنا: محل قريب من الطائف، وتقدم أنه يحتاج إلى بيان وجه كون آدم خلق من نوره وجعل نوره في ظهر آدم. ولما خلق الله آدم وقبل نفخ الروح فيه، استخرج ذلك النور من ظهره وأخذ عليه العهد أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: الآية ١٧٢] فقد خص بذلك عن بقية خلقه من بني آدم فإن بني آدم ما أخرجوا من ظهر آدم وأخذ عليهم الميثاق إلا بعد نفخ الروح في آدم.

تُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: الآية ١٧٢] فقد خص بذلك عن بقية خلقه من بني آدم فإن بني آدم ما أخرجوا من ظهر آدم وأخذ عليهم الميثاق إلا بعد نفخ الروح في آدم. ونقل بعضهم أن الله تعالى لما أخرج الذرية وأعاده في صلب آدم، أمسك روح عيسى إلى أن أتى وقت خلقه. ولا يخفى أن هذا يفيد أن أخذ العهد على الصديق كان بعد نفخ الروح في آدم، وأخذ العهد عليه ﷺ كان سابقا على ذلك، وحينئذ فيكون المراد بقول الصديق حينئذ لما قال له ﷺ: «أتعرف يوم يوم، وقال نعم» إلى قوله: «ولقد سمعتك تقول حينئذ أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» أي حين أخذ العهد على بني آدم، لا حين أخذ العهد عليه ﷺ كما قد يتبادر فليتأمل. ثم لما نفخت الروح في آدم صار ذلك النور في ظهر آدم فصارت الملائكة

تقف صفوفا خلف آدم يتعجبون من ظهور ذلك النور، فقال آدم يا رب: ما بال هؤلاء ينظرون إلى ظهري؟ قال: ينظرون إلى نور محمد خاتم الأنبياء الذي أخرجه من ظهرك فسأل الله تعالى أن يجعله في مقدمه لتستقبله الملائكة، فجعله الله في جبهته، ثم سأل الله تعالى أن يجعله في محل يراه، فكان في سبابته، فلما أهبط آدم إلى الأرض، انتقل ذلك النور إلى ظهره، فكان يلمع في جبهته، وفي رواية: لما انتقل النور إلى سبابته قال: يا رب هل بقي في ظهري من هذا النور شيء؟ قال: نعم، نور أخصاء أصحابه، فقال: يا رب اجعله في بقية أصابعي، فكان نور أبي بكر في الوسطى، ونور عمر في البنصر ونور عثمان في الخنصر، ونور عليّ في الإبهام، فلما أكل من الشجرة عاد ذلك النور إلى ظهره كذا في بحر العلوم عن ابن عباس. ثم انتقل ذلك النور من آدم إلى ولده شيث، ولما قال تعالى للملائكة: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: الآية ٣٠] وقالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [البقرة: الآية ٣٠] يعنون الجن الذين أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، غضب عليهم. وفي لفظ: ظنت الملائكة: أي علمت أن ما قالوا ردا على ربهم، وأنه قد غضب عليهم من فوقهم، فلاذوا بالعرش وطافوا به سبعة أطواف يسترضون ربهم فرضي عليهم.

يهم. وفي لفظ: ظنت الملائكة: أي علمت أن ما قالوا ردا على ربهم، وأنه قد غضب عليهم من فوقهم، فلاذوا بالعرش وطافوا به سبعة أطواف يسترضون ربهم فرضي عليهم. وفي لفظ: فنظر الله إليهم، ونزلت الرحمة عليهم، فعند ذلك قال لهم ابنوا لي بيتا في الأرض يعوذ به من سخطت عليه من بني آدم: أي الذي هو الخليفة، فيطوفون حوله كما فعلتم بعرشي فأرضى عنهم، فبنوا الكعبة. وفي هذه الرواية اختصار، بدليل ما قيل: وضع الله تحت العرش البيت المعمور على أربع أساطين من زبرجد يغشاهن ياقوتة حمراء، وقال للملائكة: طوفوا بهذا البيت: أي لأرضى عنكم، ثم قال لهم: ابنوا لي بيتا في الأرض بمثاله وقدره: أي ففعلوا، وقدره عطف تفسير على مثاله، فالمراد بالمثال القدر. وفي لفظ لما قال تعالى للملائكة: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: الآية ٣٠] وقالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [البقرة: الآية ٣٠] الآية خافوا أن يكون الله تعالى عابها عليهم لاعتراضهم في علمه، فطافوا بالعرش سبعا يسترضون ربهم، ويتضرعون إليه، فأمرهم أن يبنوا البيت المعمور في السماء السابعة، وأن يجعلوا طوافهم به فكان ذلك أهون عليهم من الطواف بالعرش، ثم أمرهم أن يبنوا في كل سماء بيتا، وفي كل أرض بيتا. قال مجاهد: هي أربعة عشر بيتا متقابلة، لو سقط بيت منها لسقط على مقابله، والبيت المعمور في السماء السابعة، وله حرمة كحرمة مكة في الأرض، واسم البيت الذي في السماء الدنيا بيت العزة. وفي كلام بعضهم: في كل سماء بيت تعمره الملائكة بالعبادة كما يعمر أهل

الأرض البيت العتيق بالحج في كل عام. والاعتمار في كل وقت، والطواف في كل أوان، ولينظر ما معنى بناء الملائكة للبيوت في السموات. وإذا لم يصح أن الملائكة بنت الكعبة تكون هذه المرة من بناء قريش هي المرة الثالثة، بناء على أنّ أول من بناها آدم ﷺ أي أو ولده شيث، فقد قال بعضهم: ما تقدم من الأثرين الدالين على أن أول من بناها الملائكة لم يصح واحد منها، وكانت قبل ذلك: أي وكان محلها قبل بناء آدم، لها خيمة من ياقوتة حمراء، أنزلت لآدم من الجنة: أي لها بابان من زمرد أخضر شرقي، وباب غربي من ذهب، منظومان من در الجنة، فكان آدم يطوف بها ويأنس إليها. وقد حج إليها من الهند ماشيا أربعين حجة ويجوز أن تكون تلك الخيمة هي البيت المعمور وعبر عنها بحمراء لأن سقف البيت المعمور كان ياقوتة حمراء. قال: وذكر أن آدم، لما أهبط إلى الأرض كان رجلاه بها، ورأسه في السماء. وفي لفظ: كان رأسه يمسح السحاب فصلع، فأورث ولده الصلع أي بعض ولده، فسمع تسبيح الملائكة ودعاءهم، فاستأنس بذلك، فهابته الملائكة: أي صارت تنفر منه فشكا إلى الله تعالى، فنقص إلى ستين ذراعا بالذراع المتعارف. وقيل بذراع آدم، فلما فقد أصوات الملائكة حزن وشكا إلى الله تعالى، فقال: يا آدم إني قد أهبطت بيتا يطاف به: أي تطوف به الملائكة كما يطاف حول عرشي، ويصلى عنده كما يصلى عند عرشي: أي كان ذلك أي الطواف بالعرش والصلاة عنده شأن الملائكة أولا، فلا ينافي ما تقدم أنهم بعد ذلك صاروا يطوفون بالبيت المعمور كما تقدم، فاخرج إليه: أي طف به وصلّ عنده، وهذا البيت هو هذه الخيمة التي أنزلت لأجله. وقد علمت أنه يجوز أن تكون تلك الخيمة هي البيت المعمور. وقيل أهبط آدم وطوله ستون ذراعا: أي على الصفة التي خلق عليها، وهو المراد بقوله ﷺ: «خلق الله تعالى آدم على صورته وطوله ستون ذراعا» أي أوجده الله تعالى على الهيئة التي خلقه عليها، لم ينتقل في النشأة أحوالا، بل خلقه كاملا سويا من أول ما نفخ فيه الروح، فالضمير في صورته يرجع لآدم، وعلى رجوعه إلى الحق ﷾ المراد على صفته: أي حيا عالما قادرا مريدا متكلما سميعا بصيرا مدبرا حكيما.

من أول ما نفخ فيه الروح، فالضمير في صورته يرجع لآدم، وعلى رجوعه إلى الحق ﷾ المراد على صفته: أي حيا عالما قادرا مريدا متكلما سميعا بصيرا مدبرا حكيما. وقد يخالف هذا قول ابن خزيمة قوله ﷺ: «إن الله خلق آدم على صورته» فخرج على سبب، وهو «أن النبي ﷺ رأى رجلا يضرب وجه رجل فقال: لا تضربه على وجهه، فإن الله تعالى خلق آدم على صورته» أي صورة هذا الرجل، فهو ينتقل أطوارا. ولا يخفى أن هذا خلاف الظاهر، ومن ثم عبر بقوله أوجده، وهذا القيل المتقدم من أنه أهبط آدم وطوله ستون ذراعا، يوافقه ما جاء في الحديث المرفوع،

«كان طوله ستين ذراعا في سبعة أذرع عرضا» ومن ثم قال الحافظ ابن حجر: إنما روي أن آدم لما أهبط كانت رجلاه في الأرض، ورأسه في السماء فحطه الله تعالى إلى ستين ذراعا: أي الذي تقدم ظاهر الخبر الصحيح يخالفه، وهو أنه خلق في ابتداء الأمر على طول ستين ذراعا وهو الصحيح. وكان آدم أمرد. وفي الصحيحين «فكل من يدخل الجنة يكون على صورة آدم» وقد جاء في صفة أهل الجنة «جرد مرد على صورة آدم» . وفي بعض الأخبار أن آدم لما كثر بكاؤه على فراق الجنة نبتت لحيته، ولم يصح ولم تنبت اللحية إلا لولده، وكان مهبطه بأرض الهند بجبل عال يراه البحريون من مسافة أيام، وفيه أثر قدم آدم مغموسة في الحجر، ويرى على هذا الجبل كل ليلة كهيئة البرق من غير سحاب، ولا بد له في كل يوم من مطر يغسل قدمي آدم، وذروة هذا الجبل أقرب ذرا جبال الأرض إلى السماء، ولعل هذا وجه النظر الذي أبداه بعض الحفاظ في قول بعضهم: إن بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. قال بعض الحفاظ: وفيه نظر. قيل: ونزل معه من ورق الجنة فبثه هناك فمنه كان أصل الطيب بالهند. وعن عطاء بن أبي رباح: إن آدم هبط بأرض الهند ومعه أربعة أعواد من الجنة، فهي هذه التي يتطيب الناس بها. وجاء أنه نزل بنخلة العجوة. ثم لما أمر آدم بالخروج لتلك الخيمة خرج إليها ومدّ له في خطوه، قيل كانت خطوته مسيرة ثلاثة أيام. فقد قيل لمجاهد: هل كان آدم يركب؟ قال: وأي شيء كان يحمله، فو الله إن خطوته لمسيرة ثلاثة أيام.

إليها ومدّ له في خطوه، قيل كانت خطوته مسيرة ثلاثة أيام. فقد قيل لمجاهد: هل كان آدم يركب؟ قال: وأي شيء كان يحمله، فو الله إن خطوته لمسيرة ثلاثة أيام. وفيه أن هذا يقتضي أن آدم لم يكن يركب البراق، فقول بعضهم: إن الأنبياء كانت تركبه مراده مجموعهم لا جميعهم، وقيض الله تعالى له ما كان في الأرض من مخاض أو بحر، فلم يكن يضع قدمه في شيء من الأرض إلا صار عمرانا، وصار بين كل خطوة مفازة حتى انتهى إلى مكة، فإذا خيمة في موضع الكعبة: أي الموضع الذي به الكعبة الآن، وتلك الخيمة ياقوتة حمراء من يواقيت الجنة مجوفة: أي ولها أربعة أركان بيض، وفيها ثلاثة قناديل من ذهب، فيها نور يلتهب من نور الجنة، طولها ما بين السماء والأرض، كذا في بعض الروايات، ولعل وصف الخيمة بما ذكر لا ينافي ما تقدم أنه يجوز أن تكون تلك الخيمة هي البيت المعمور، ووصف بأنه ياقوتة حمراء، لأن سقفه كان ياقوتة حمراء، لأن التعدد بعيد فليتأمل، ونزل مع تلك الخيمة الركن وهو الحجر الأسود ياقوتة بيضاء من أرض الجنة، وكان كرسيا لآدم يجلس عليه: أي ولعل المراد يجلس عليه في الجنة.

أقول: وهذا السياق يدل على أن آدم أهبط من الجنة إلى أرض الهند ابتداء. وذكر في مثير الغرام عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن الله تعالى أهبط آدم إلى موضع الكعبة، وهو مثل الفلك من شدة رعدته، ثم قال: يا آدم تخطّ فتخطى فإذا هو بأرض الهند، فمكث هنالك ما شاء الله، ثم استوحش إلى البيت، فقيل له: حج يا آدم، فأقبل يتخطى فصار موضع كل قدم قرية، وما بين ذلك مفازة حتى قدم مكة» الحديث. والسياق المذكور أيضا يدل على أن الخيمة والحجر الأسود نزلا بعد خروج آدم من الجنة. ويدل لكون الحجر الأسود نزل عليه ما في مثير الغرام «وأنزل عليه الحجر الأسود وهو يتلألأ كأنه لؤلؤة بيضاء، فأخذه آدم فضمه إليه استئناسا به» هذا كلامه. وفي رواية عنه «أنزل الركن والمقام مع آدم ليلة نزل آدم من الجنة، فلما أصبح رأى الركن والمقام فعرفهما فضمهما إليه وأنس بهما» فليتأمل الجمع. وفي رواية أن آدم نزل بتلك الياقوتة: أي فعن كعب: أنزل الله من السماء ياقوتة مجوّفة مع آدم فقال له: يا آدم هذا بيتي أنزلته معك، يطاف حوله كما يطاف حول عرشي ويصلى حوله كما يصلى حول عرشي: أي على ما تقدم، ونزل معه الملائكة فرفعوا قواعده من الحجارة، ثم وضع البيت: أي تلك الياقوتة عليها. وحينئذ يحتاج إلى الجمع بين هاتين الروايتين على تقدير صحتهما. وقد يقال في الجمع: يجوز أن تكون المعية ليست حقيقية، والمراد أنه نزل بعده قريبا من نزوله، فلقرب الزمن عبر بالمعية، فلا ينافي ما تقدم من قوله: «يا آدم إني قد أهبطت بيتا يطاف به فأخرج إليه» وجاء «إن آدم نزل من الجنة ومعه الحجر الأسود متأبطه» أي تحت إبطه، وهو ياقوتة من يواقيت الجنة، ولولا أن الله تعالى طمس ضوءه ما استطاع أحد أن ينظر إليه» . وكون آدم نزل بالحجر الأسود متأبطا له يخالف الرواية المتقدمة أنه نزل مع تلك الخيمة التي هي الياقوتة بعد نزوله. وحينئذ يحتاج للجمع بين هاتين الروايتين على تقدير صحتهما.

جر الأسود متأبطا له يخالف الرواية المتقدمة أنه نزل مع تلك الخيمة التي هي الياقوتة بعد نزوله. وحينئذ يحتاج للجمع بين هاتين الروايتين على تقدير صحتهما. وأيضا يحتاج إلى الجمع بين ذلك وبين ما روي عن وهب بن منبه ﵀ أن آدم لما أمره الله تعالى بالخروج من الجنة أخذ جوهرة من الجنة: أي التي هي الحجر الأسود مسح بها دموعه، فلما نزل إلى الأرض لم يزل يبكي ويستغفر الله ويمسح دموعه بتلك الجوهرة حتى اسودت من دموعه، ثم لما بنى البيت أمره جبريل ﵊ أن يجعل تلك الجوهرة في الركن ففعل. وفي «بهجة الأنوار» أن الحجر الأسود كما في الابتداء ملكا صالحا. ولما خلق الله تعالى آدم أباح له الجنة كلها إلا الشجرة التي نهاه عنها، ثم جعل ذلك الملك

موكلا على آدم أن لا يأكل من تلك الشجرة، فلما قدّر الله تعالى أن آدم يأكل من تلك الشجرة غاب عنه ذلك الملك، فنظر الله تعالى إلى ذلك الملك بالهيبة فصار جوهرا. ألا ترى أنه جاء في الأحاديث «الحجر الأسود يأتي يوم القيامة وله يد ولسان وأذن وعين» لأنه كان في الابتداء ملكا. أقول: ورأيت في ترجمة كلام الشيخ كمال الدين الأخميمي أنه لما جاور بمكة رأى الحجر الأسود وقد خرج من مكانه وصار له يدان ورجلان ووجه، ومشى ساعة ثم رجع إلى مكانه. وقد جاء «أكثروا من استلام هذا الحجر، فإنكم توشكون أن تفقدوه، بينما الناس يطوفون به ذات ليلة إذ أصبحوا وقد فقدوه، إن الله ﷿ لا يترك شيئا من الجنة في الأرض إلا أعاده فيها قبل يوم القيامة» أي فقد جاء «ليس في الأرض من الجنة إلا الحجر الأسود والمقام، فإنهما جوهرتان من جواهر الجنة، ما مسهما ذو عاهة إلا شفاه الله تعالى» وجاء «استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يرفع» وقد هدم مرتين ويرفع في الثالثة، والله أعلم.

ان من جواهر الجنة، ما مسهما ذو عاهة إلا شفاه الله تعالى» وجاء «استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يرفع» وقد هدم مرتين ويرفع في الثالثة، والله أعلم. وجاء «أن آدم أتى ذلك، أي تلك الخيمة: أي التي هي البيت المعمور على ما تقدم ألف مرة من الهند ماشيا من ذلك ثلاثمائة حجة وسبعمائة عمرة، وأول حجة حجها جاءه جبريل وهو واقف بعرفة فقال له: يا آدم برّ نسكك، أما إنا قد طفنا بهذا البيت قبل أن تخلق بخمسين ألف سنة. وفي رواية: لما حج آدم استقبلته الملائكة بالردم: أي ردم بين جمح الذي هو محل المدعي، فقالوا: بر حجك يا آدم، قد حججنا هذا البيت قبلك بألف عام. أقول: وفي تاريخ مكة للأزرقي أن آدم ﵊ حج على رجليه سبعين حجة ماشيا، وأن الملائكة لقيته بالمأزمين فقالوا: بر حجك يا آدم، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. والمأزمان: موضع بين عرفة والمزدلفة. قال الطبري: ودون مني أيضا مأزمان، والله أعلم بالمراد منهما هذا كلامه. وجاء «أنه وجد الملائكة بذي طوى وقالوا له: يا آدم ما زلنا ننتظرك ههنا منذ ألفي سنة» وكان بعد ذلك إذا وصل إلى المحل المذكور خلع نعليه، ويحتاج للجمع بين كون الملائكة استقبلته بالردم، وكونها لقيته بالمأزمين، وكونه وجدهم بذي طوي، وبين كونهم حجوا البيت قبله بألف عام، وكونهم حجوا قبله بألفي عام، وبخمسين ألف عام، وهل الملائكة خلقوا دفعة واحدة أم خلقوا جيلا بعد جيل. ومما يدل على أنهم جيلا بعد جيل ما جاء من نحو «من قال سبحان الله وبحمده، خلق الله ملكا له عينان وجناحان وشفتان ولسان يطير مع الملائكة ويستغفر لقائلها إلى يوم القيامة» وما جاء «إن جبريل في كل غداة يدخل بحر النور فينغمس

فيه» الحديث، لكن في «سفر السعادة» الحديث المنسوب إلى أبي هريرة أنه ﷺ قال: «يأمر الله تعالى جبريل كل غداة أن يدخل بحر النور ينغمس فيه انغماسة، ثم يخرج فينتفض انتفاضة يخرج منه سبعون ألف قطرة، يخلق الله ﷿ من كل قطرة منها ملكا» لهذا الحديث طرق كثيرة ولم يصح منها شيء؟ ولم يثبت في هذا المعنى حديث هذا لفظه، والله أعلم. وعند ذلك قال آدم للملائكة: «فما كنتم تقولون حوله؟ قالوا: كنا نقول: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. قال آدم: زيدوا فيها: ولا حول ولا قوة إلا بالله فكان آدم إذا طاف يقولها، وكان طوافه سبعة أسابيع بالليل وخمسة أسابيع بالنهار: أي ولما فرغ من الطواف صلى ركعتين تجاه باب الكعبة، ثم أتى الملتزم أي محله فقال: اللهم إنك تعلم سريرتي وعلانيتي فاقبل معذرتي، وتعلم ما في نفسي وما عندي فاغفر لي ذنبي، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي» الحديث. أقول: قول الملائكة قد طفنا بهذا البيت لا يحسن أن يعنوا به تلك الخيمة المذكورة المعنية بقوله تعالى لآدم: قد أهبطت بيتا إلى آخر ما تقدم، أو كونها أهبطت مع آدم، بل المراد محل ذلك البيت الذي هو الخيمة قبل أن تنزل. ويجوز أن يكون المراد تلك الخيمة أو نفس تلك الخيمة، بناء على أنها البيت المعمور، وأن الملائكة طافوا بها قبل نزولها إلى الأرض كما تقدم. قال: وعن وهب ابن منبه: قرأت في كتاب من كتب الأول: ليس من ملك بعثه الله إلى الأرض إلا أمره بزيارة البيت فينقض من تحت العرش محرما ملبيا حتى يستلم الحجر، ثم يطوف سبعا بالبيت، ويصلي في جوفه ركعتين، ثم يصعد. أقول: يجوز أن يكون المراد بإحرامه بنية الطواف بالبيت لا إحرامه بالعمرة بدليل قولة «ثم يطوف سبعا بالبيت» إلى آخره. ويجوز أن يكون المراد بالبيت في كلام وهب محل تلك الخيمة ما يعم من وجد من الملائكة وبمن بعث بعد ذلك. ولا يخفى أن الأول يبعده قوله حتى يستلم الحجر.

خره. ويجوز أن يكون المراد بالبيت في كلام وهب محل تلك الخيمة ما يعم من وجد من الملائكة وبمن بعث بعد ذلك. ولا يخفى أن الأول يبعده قوله حتى يستلم الحجر. وعلى الثاني يكون فيه دلالة على أن الحجر الأسود كان في تلك الخيمة يبتدأ الطواف بها منه. وجاء عن عطاء وسعيد بن المسيب وغيرهما «إن الله ﷿ أوحى إلى آدم أن اهبط إلى الأرض، ابن لي بيتا، ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف بيتي الذي في السماء» وفي رواية «وطف به واذكرني عنده كما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي» أي على ما تقدم، وهذا السياق بظاهره يوافق ما تقدم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هبوط آدم كان من الجنة إلى موضع الكعبة ابتداء،

والله أعلم. قال «وجاء أن جبريل ﵊ بعثه الله تعالى إلى آدم وحواء، فقال لهما: ابنيا» أي قال لهما إن الله تعالى يقول لكما ابنيا لي بيتا. فخط لهما جبريل، فجعل آدم يحفر وحواء تنقل التراب حتى أجابه الماء ونودي من تحته: «حسبك يا آدم» وفي رواية «حتى إذا بلغ الأرض السابعة. فقذفت فيها الملائكة الصخر، ما يطيق الصخرة ثلاثون رجلا» اهـ. وفيه أنه كان أمر آدم ببناء البيت بعد مجيئه إلى تلك الخيمة من الهند ماشيا خالف ظاهر ما تقدم عن عطاء وسعيد بن المسيب «أوحى الله تعالى إلى آدم أن اهبط إلى الأرض ابن لي بيتا» إذ ظاهره أنه أوحى إليه بذلك وهو في الجنة، إلا أن يقال المراد بالأرض في قوله اهبط إلى الأرض أرض الحرم: أي اذهب إلى أرض الحرم ابن لي بيتا. ثم لا يخفى أن قوله فقذفت فيه الملائكة الصخر، يقتضي أن إلقاء الملائكة للصخرة كان بعد حفر آدم، وهو لا يخالف ما تقدم عن كعب. «أنزل الله من السماء ياقوتة مجوفة مع آدم، فقال له: يا آدم هذا بيتي أنزلته معك، ونزل معه الملائكة، فرفعوا قواعده من الحجارة ثم وضع البيت عليها» فيكون إلقاء الملائكة للصخر بعد حفر آدم «فلما تم ذلك الأس جعل ذلك البيت فوق تلك الصخور» ويكون المراد بقوله ونزل معه الملائكة: أي صحبوه من أرض الهند إلى أرض الحرم.

الملائكة للصخر بعد حفر آدم «فلما تم ذلك الأس جعل ذلك البيت فوق تلك الصخور» ويكون المراد بقوله ونزل معه الملائكة: أي صحبوه من أرض الهند إلى أرض الحرم. وجاء في بعض الروايات إن آدم وحواء لما أسساه نزل البيت من السماء من ذهب أحمر وكل به من الملائكة سبعون ألف ملك فوضعوه على أس آدم، ونزل الركن فوضع موضعه اليوم من البيت فطاف به آدم أي كما كان يطوف به قبل ذلك، وبهذا تجتمع الروايات. وحينئذ لا مانع أن ينسب بناء هذا الأساس الذي وضعت الملائكة عليه تلك الخيمة لآدم وأن ينسب للملائكة. أما نسبته للملائكة فواضح. وأما نسبته لآدم فلأنه السبب فيه، أو لأنه كان إذا ألقت الملائكة الصخر يضع آدم بعضه على بعض، وعلى نسبة بناء ذلك الأس للملائكة ولآدم يحتمل القول بأن أول من بنى الكعبة الملائكة. والقول بأن أول من بنى الكعبة آدم فليتأمل. وقد جاء أن آدم بناه من لبنان جبل بالشام، ومن طور زيتا جبل من جبال القدس، ومن طور سينا جبل بين مصر وإيليا. وفي كلام بعضهم أنه جبل بالشام، وهو الذي نودي منه موسى ﵊، ومن الجودي وهو جبل بالجزيرة، ومن حرا حتى استوى على وجه الأرض.

أقول: وفي رواية بناه من ستة أجبل: من أبي قيس ومن رضوى ومن أحد فالمتحصل من الروايتين أنه بناء من ثمانية أجبل، ولا مانع من ذلك، واستمر ذلك البيت الذي هو الخيمة إلى زمن نوح ﵊، فلما كان الغرق بعث الله تعالى سبعين ألف ملك فرفعوه إلى السماء الرابعة فهو البيت المعمور كما في الكشاف، وكان رفعه لئلا يصيبه الماء النجس، وبقيت قواعده التي هي الأس. وفي العرائس: ثم طافت السفينة بأهلها الأرض كلها في ستة أشهر لا تستقر على شيء، حتى أتت الحرم: فلم تدخله ودارت بالحرم أسبوعا. وقد رفع الله البيت الذي كان يحجه آدم صيانة له من الغرق، وهو البيت المعمور أي وكون حواء أسست البيت مع آدم يخالف ما جاء أن حواء أهبطت بجدة، وحرّم الله عليها دخول الحرم والنظر إلى خيمة آدم وإلى شيء من مكة لأجل خطيئتها، وأنها أرادت أن تدخل مع آدم إلى مكة فقال لها: إليك عني، قد خرجت من الجنة بسببك فتريدين أن أحرم هذا، فكان آدم إذا أراد أن يلقاها ليلم بها خرج من الحرم كله حتى يلقاها بالحل. وذكر محمد بن جرير أن الله أهبط آدم على جبل سرنديب بالهند: أي وتقدم ما فيه وحواء بحدة بالحاء المهملة. وقيل بالجيم. فجاء آدم في طلبها فتعارفا بالمحل الذي قيل له بسبب ذلك عرفة، فاجتمعا بالمحل الذي قيل له بسبب ذلك جمع، وزلفت إليه في المحل الذي قيل له بسبب ذلك مزدلفة، وهذا يدل على أن جمع غير مزدلفة، وهو خلاف المشهور من أن جمع هو مزدلفة، إلا أن يقال كل من المحلين من جملة البقعة، وأطلق كل من الاسمين على جميع تلك البقعة. وقيل سمي المحل عرفة، لأن جبريل ﵊ لما علم إبراهيم ﵊ المناسك وانتهى إلى عرفة وقال له أعرفت مناسك؟ قال نعم. فسمى عرفة: أي والمراد مناسكه التي قبل عرفة، وإلا فعظم المناسك بعد عرفة، فليتأمل. وفي الخصائص الصغرى عن رزين أنه روي «أن آدم ﵊. قال: إن الله أعطى أمة محمد ﷺ أربع كرامات لم يعطنيها: كانت توبتي بمكة وأحدهم يتوب في كل مكان» الحديث، وهو يدل على أن توبته كانت بسبب طوافه بالبيت. ويذكر أن حواء عاشت بعد آدم سنة.

أربع كرامات لم يعطنيها: كانت توبتي بمكة وأحدهم يتوب في كل مكان» الحديث، وهو يدل على أن توبته كانت بسبب طوافه بالبيت. ويذكر أن حواء عاشت بعد آدم سنة. وجاء «أن آدم لما فرغ من بناء البيت أمره الله تعالى بالمسير إلى أن يا بني بيت المقدس، فسار وبناه ونسك فيه» وحينئذ لا يشكل قوله ﷺ وقد قيل له: «أي مسجد وضع في الأرض أولا المسجد الحرام، قيل ثم أيّ؟ قال بيت المقدس، قيل: كم كان بينهما؟ قال أربعون سنة» وحينئذ لا حاجة لجواب الإمام البلقيني إن المراد أن

المدة المذكورة بين أرضيهما في الدحوّ أي دحيت أرض المسجد الحرام، ثم بعد مضي مقدار أربعين سنة دحيت أرض بيت المقدس» . وفيه أن الإمام البلقيني إنما أجاب بذلك بناء على أن سيدنا إبراهيم ﵊ هو الباني للمسجد الحرام، والباني لمسجد بيت المقدس سيدنا سليمان ﵊، فإن بينهما كما قيل أكثر من ألف عام. وكذا لا إشكال إذ كان الباني للمسجد الحرام آدم، والباني لمسجد بيت المقدس أحد أولاده كما قيل بذلك، ومن ثم أجاب بعضهم بأن سليمان إنما كان مجددا لبناء بيت المقدس: وأما المؤسس له فسيدنا يعقوب بن إسحق بعد بناء جده إبراهيم للمسجد الحرام بالمدة المذكورة، وأما على أن الباني لهما آدم فلا إشكال. وفي رواية أن أول من بنى الكعبة أي كلها بعد أن رفعت تلك الخيمة بعد موت آدم شيث ولد آدم بناها بالطين والحجارة: أي فهي أولية إضافية، ثم لما جاء الطوفان انهدم وبقي محله. وقيل إنه استمر ولم يبنه أحد إلى زمن ابراهيم ﵊. ففي رواية «أن إبراهيم ﵊ لما أراد بناء الكعبة جاء جبريل فضرب بجناحه الأرض، فأبرز عن أس ثابت على الأرض السابعة ثم بناها إبراهيم الخليل ﵊ على ذلك الأس» ويقال له القواعد: أي كما تقدم، وهذا الأس كما علمت لآدم أو للملائكة أولهما، وإنما قيل له أساس إبراهيم وقواعد إبراهيم لأنه بني على ذلك ولم ينقضه.

الأس» ويقال له القواعد: أي كما تقدم، وهذا الأس كما علمت لآدم أو للملائكة أولهما، وإنما قيل له أساس إبراهيم وقواعد إبراهيم لأنه بني على ذلك ولم ينقضه. ومما يدل للقيل المذكور ما جاء في بعض الروايات عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت دثر مكان البيت أي بسبب الطوفان، بدليل ما جاء في رواية «قد درس مكان البيت بين نوح وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وكان موضعه أكمة حمراء، وكان يأتيه المظلوم والمتعوذ من أقطار الأرض وما دعا عنده أحد إلا استجيب له» . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها «لم يحجه هود ولا صالح عليهما الصلاة والسلام، لتشاغل هود بقومه عاد، وتشاغل صالح بقومه ثمود» . وجاء «إن بين المقام والركن وزمزم قبر تسعة وتسعين نبيا» ، وجاء «إن حول الكعبة لقبور ثلاثمائة نبي، وإن ما بين الركن اليماني إلى الركن الأسود لقبور سبعين نبيا، وكل نبي من الأنبياء إذا كذبه قومه خرج من بين أظهرهم وأتى مكة يعبد الله ﷿ بها حتى يموت» وجاء «ما بين الركن اليماني والحجر الأسود روضة من رياض الجنة، وإن قبر هود وصالح وشعيب وإسمعيل في تلك البقعة» . أقول: ويوافق ذلك قول بعضهم: إن إسمعيل دفن حيال الموضع الذي فيه الحجر الأسود، لكن جاء «إن قبر إسمعيل في الحجر» وذكر المحب الطبري أن

البلاطة الخضراء التي بالحجر قبر إسمعيل ﵊. وقد يقال: لا منافاة بين كون هود وصالح لم يحجا البيت، وبين كونهما دفنا في تلك البقعة، لأنه يجوز أن يكونا ماتا قبل وصولهما إلى البيت، فجيء بهما ودفنا في تلك البقعة. على أن بعضهم ضعف كونهما لم يحجا: أي ويدل له أنه قد جاء «حجه هود وصالح ومن آمن معهما» وفي بعض الروايات «لم يحجه بين نوح وإبراهيم أحد من الأنبياء» ويحتاج إلى الجمع بينه وبين ما تقدم من أن كل نبي إذا كذبه قومه إلى آخره على تقدير صحتها. وقد يقال: لا يحتاج إلى الجمع إلا أن يثبت أن بين نوح وإبراهيم أحد من الأنبياء كذبه قومه، على أنه لم يكن بين نوح وإبراهيم أحد من الأنبياء كذبه قومه، إلا هود وصالح، وهو يؤيد القول بأنهما لم يحجا، وتقدم ضعفه. وجاء في حديث، راويه متروك «إن نوحا حجت به السفينة، فوقفت بعرفات، وباتت بمزدلفة، وطافت به أي بالحرم» كما تقدم أن السفينة لم تجاوز الحرم، وهذا لا يناسبه قوله «وسعت» لأن السعي بين الصفا والمروة، إلا أن يراد بالسعي نفس الطواف، فهو من عطف التفسير. وفي أنس الجليل ورد حديث شريف «إن السفينة طافت ببيت المقدس أسبوعا، واستوت على الجودي» أي وجاء «إن نوحا قال لأهل السفينة وهي تطوف بالبيت العتيق، إنكم في حرم الله وحول بيته، لا يمس أحد امرأة، وجعل بينهم وبين النساء حاجزا» ويذكر أن ولده حاما تعدى ووطئ زوجته، فدعا عليه بأن يسود الله لون بنيه، فأجاب الله دعاءه في أولاده، فجاء ولده أسود، وهو أبو السودان. وقيل في سبب دعوة نوح وسوادهم غير ذلك. وقد بينت ذلك في كتابي «إعلام الطراز المنقوش في فضائل الحبوش» والله أعلم. وقبر آدم وإبراهيم وإسحق ويعقوب ويوسف في بيت المقدس: أي بعد نقل يوسف من بحر النيل كما سنذكره. قال: وقد جاء «إن الله ﷾ أوحى إلى إبراهيم: أن ابن لي بيتا. فقال إبراهيم: أي رب أين أبنيه؟ فأوحى الله تعالى إليه أن اتبع السكينة: أي وهي ريح لها وجه كوجه الإنسان: أي وقيل كوجه الهر وجناحان، ولها لسان تتكلم به: أي وفي الكشاف في تفسير السكينة التي كانت في التابوت الذي هو صندوق التوراة، قيل هو صورة من زبرجد أو ياقوت، لها رأس كرأس الهر، وذنب كذنبه» .

تتكلم به: أي وفي الكشاف في تفسير السكينة التي كانت في التابوت الذي هو صندوق التوراة، قيل هو صورة من زبرجد أو ياقوت، لها رأس كرأس الهر، وذنب كذنبه» . وعن علي رضي الله تعالى عنه «كان لها وجه كوجه الإنسان» هذا كلام الكشاف. وفي رواية «بعث الله ريحا يقال لها الخجوج لها جناحان، ورأس في صورة حية، فكشف لإبراهيم واسماعيل ﷺ ما حول البيت من أساس البيت الأول» . وفي رواية «أرسل الله سحابة فيها رأس، فقال الرأس: يا إبراهيم إن ربك

يأمرك أن تأخذ بقدر هذه السحابة، فجعل ينظر إليها ويخط قدرها، ثم قال الرأس له: قد فعلت قال نعم، فارتفعت» فليتأمل الجمع بين هذه الروايات وبينها وبين ما تقدم أن جبريل ضرب بجناحه الأرض فأبرز عن أس إلى آخره. وجاء «إن السكينة جعلت تسير ودليله الصرد» وهو الطائر المعروف: أي وهو طائر فوق العصفور يصيد العصافير وغيرها، لأن له صفيرا مختلفا يصفر لكل طائر يريد صيده بلغته فيدعوه إلى القرب منه فإذا قرب منه قصمه من ساعته وأكله. ويقال له الصوام، لأنه ورد أنه أول طائر صام عاشوراء. فعن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنه «رآني رسول الله ﷺ وعلى يدي صرد فقال: هذا أول طير صام عاشوراء» لكن قال الذهبي هو حديث منكر. وقال الحاكم: حديث باطل. ويذكر أن خالد بن الوليد لما قتل طليحة الكذاب الذي ادعى النبوة في زمنه ﷺ، وقوي أمره بعد موته ﷺ قال خالد لبعض أصحابه ممن أسلم: ما كان يقول لكم طليحة من الوحي؟ فقال: كان يقول: والحمام واليمام، والصدر الصوام، ليبلغن ملكنا العراق والشام. وقد سمع نبي الله سليمان ﵊ الصرد يصوّت فقال: يقول: استغفروا الله يا مذنبون. وفي الكشاف أن ذلك صياح الهدهد، ولا مانع أن يكون ذلك صياحهما. وسمع طاووسا يصوت فقال: يقول كما تدين تدان. وسمع هدهدا يصوت فقال: يقول: من لا يرحم لا يرحم.

ي الكشاف أن ذلك صياح الهدهد، ولا مانع أن يكون ذلك صياحهما. وسمع طاووسا يصوت فقال: يقول كما تدين تدان. وسمع هدهدا يصوت فقال: يقول: من لا يرحم لا يرحم. ويجمع بينه وبين ما تقدم بأنه يجوز أن الهدهد تارة يقول استغفروا الله يا مذنبون، وتارة يقول من لا يرحم لا يرحم. وسمع خطافا يصوت، فقال: يقول قدموا خيرا تجدوه. وسمع ديكا يصوت فقال: يقول: اذكروا الله يا غافلون. وسمع بلبلا يصوت فقال: يقول: إذا أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء. وصاحت فاختة، فقال: إنها تقول: ليت الخلق لم يخلقوا. وسمع رخمة تصوت فقال: تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه. وقال: الحدأة تقول كل شيء هالك إلا الله. والقطاة تقول: من سكت سلم. والببغا تقول: ويل لمن الدنيا همه. والنسر يقول: يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت. والعقاب يقول: في البعد عن الناس أنس. وعن سيدنا سليمان صلوات الله وسلامه عليه: ليس من الطيور أنصح لبني آدم وأشفق عليهم من البومة، تقول إذا وقفت عند خربة: أين الذين كانوا يتنعمون بالدنيا، ويسعون فيها؟ ويل لبني آدم، كيف ينامون وأمامهم الشدائد، تزودوا، يا غافلون، وتهيؤوا لسفركم. وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: «خرجت مع رسول الله ﷺ فرأينا طيرا أعمى يضرب بمنقاره على شجرة، فقال النبي ﷺ: أتدري ما يقول:

فقلت: الله ورسوله أعلم، فقال: إنه يقول: اللهم أنت العدل وقد حجبت عني بصري وقد جعت، فأقبلت جرادة فدخلت في فمه، ثم ضرب بمنقاره الشجرة، فقال ﵊: أتدري ما يقول: قلت: لا، قال إنه يقول: من توكل على الله كفاه» . ويقال لما قال سليمان للهدهد، لأعذبنك عذابا شديدا، قال له الهدهد: اذكر يا بني الله وقوفك بين يدي الله، فلما سمع سليمان صلوات الله وسلامه عليه ذلك ارتعد فرقا وعفا عنه: أي فإن الهدهد كان دليلا له على الماء، لأن الهدهد يرى الماء تحت الأرض كما يرى الماء في الزجاجة، فلما فقد سليمان الماء تفقد الهدهد فلم يجده، فأرسل خلفه العقاب، فرآه الهدهد مقبلا من جهة اليمن، فلما رآه الهدهد منقضا عليه قال له بحق من أقدرك علي إلا ما رحمتني. قيل لابن عباس: يا سبحان الله! الهدهد يرى الماء تحت الأرض ولا يرى الفخ؟ فقال: إذا وقع القضاء عمي البصر. قيل عني سيدنا سليمان ﵊ بالعذاب الشديد الذي يعذبه به الهدهد التفرقة بينه وبين إلفه، وقيل إلزامه خدمة أقرانه، وقيل صحبة الأضداد وقد قيل: أضيق السجون عشرة الأضداد. وقيل الزوجة العجوز. قال تعالى حكاية عنه عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [النّمل: الآية ١٦] . قال بعضهم: عبر عن أصواتها بالمنطق، لما يتخيل منها من المعاني التي تدرك من النطق، فسليمان صلوات الله وسلامه عليه مهما سمع من صوت طائر علم بقوته القدسية الغرض الذي أراده ذلك الطائر، وهذا في طائر لم يفصح بالعبارة، وإلا فقد يسمع من بعض الطيور الإفصاح بالعبارة. فنوع من الغربان يفصح بقوله: الله حق. وعن بعضهم قال: شاهدت غرابا يقرأ سورة السجدة، وإذا وصل إلى محل السجود سجد وقال: سجد لك سوادي، وآمن بك فؤادي، والدرة تنطق بالعبارة الفصيحة. وقد وقع لي أني دخلت منزلا لبعض أصحابنا وفيه درة لم أرها، فإذا هي تقول لي: مرحبا بالشيخ البكري وتكرر ذلك، فعجبت من فصاحة عبارتها.

طق بالعبارة الفصيحة. وقد وقع لي أني دخلت منزلا لبعض أصحابنا وفيه درة لم أرها، فإذا هي تقول لي: مرحبا بالشيخ البكري وتكرر ذلك، فعجبت من فصاحة عبارتها. وكان ﵇ يعرف نطق الحيوان غير الطير، فقد جاء أن سليمان ﵊ سمع النملة وقد أحست بصوت جنود سليمان، تقول للنمل ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النّمل: الآية ١٨] فعند ذلك أمر سليمان الريح فوقفت حتى دخل النمل مساكنها، ثم جاء سليمان إلى تلك النملة وقال لها: حذرت النمل ظلمي، قالت: أما سمعت قولي وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [الأعراف: الآية ٩٥] على أني لم أرد حطم النفوس أي إهلاكها، إنما أردت حطم القلوب خشية أن يشتغلن بالنظر إليك عن التسبيح: أي فيمتن.

فقد جاء مرفوعا «آجال البهائم كلها وخشاش الأرض في التسبيح، فإذا انقضى تسبيحها، قبض الله أرواحها» ويروى «ما من صيد يصاد ولا شجرة تقطع إلا بغفلتها عن ذكر الله تعالى» وفي الحديث «الثوب يسبح، فإذا اتسخ انقطع تسبيحه» وفي رواية «إن النملة قالت له إنما خشيت أن تنظر إلى ما أنعم الله به عليك فتكفر نعم الله عليها، فقال لها: عظيني، قالت: هل تدري لم جعل ملكك في فص خاتمك؟ قال لا، قالت: أعلمك أن الدنيا لا تساوي قطعة من حجر» . ومن عجيب صنع الله تعالى أن النملة تغتذي بشم الطعام، لأنها لا جوف لها يكون به الطعام. ويذكر أن هذه النملة التي خاطبت سيدنا سليمان أهدت له نبقة فوضعتها في كفه. ويحكى عنها لطيفة لا نطيل بذكرها. وفي فتاوى الجلال السيوطي. قال الثعالبي في زهرة الرياض: لما تولى سليمان ﵊ الملك جاءه جميع الحيوانات يهنئونه إلا نملة واحدة فجاءت تعزيه، فعاتبها النمل في ذلك، فقالت: كيف أهنيه وقد علمت أن الله تعالى إذا أحب عبدا زوى عنه الدنيا وحبب إليه الآخرة. وقد شغل سليمان بأمر لا يدرى ما عاقبته، فهو بالتعزية أولى من التهنئة. وجاء في بعض الأيام شراب من الجنة، فقيل له: إن شربته لم تمت، فشاور جنده، فكل أشار بشربه إلا القنفذ فإنه قال له: لا تشربه، فإن الموت في عز خير من البقاء في سجن الدنيا، قال صدقت، فأراق الشراب في البحر.

ته لم تمت، فشاور جنده، فكل أشار بشربه إلا القنفذ فإنه قال له: لا تشربه، فإن الموت في عز خير من البقاء في سجن الدنيا، قال صدقت، فأراق الشراب في البحر. قال: وصار إبراهيم وإسمعيل صلوات الله وسلامه عليهما يتبعان الصرد حتى وصلا إلى محل البيت صارت السكينة سحابة، وقالت: يا إبراهيم خذ قدر ظلي فابن عليه: أي وفي لفظ «لما أمر إبراهيم ببناء البيت ضاق به ذرعا فأرسل إليه السكينة وهي ريح خجوج ملتوية في هبوبها لها رأس» الحديث فحفر إبراهيم واسمعيل عليهما الصلاة والسلام فأبرزا أي الحفر عن أس ثابت في الأرض. فبنى إبراهيم واسمعيل يناول الحجارة: أي التي تأتي بها الملائكة، كما سيأتي حتى ارتفع البناء اهـ. أقول: يحتمل أن إبراهيم ﵊، لما أوحى الله إليه بذلك كان في مكة عند إسمعيل وإنهما كانا بمحل بعيد عن محل البيت. ويحتمل أنهما كانا بغيرها ثم جاآ. وقد قيل في قوله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ [النّحل: الآية ١٢٠] الآية: أي قائما مقام الأمة لانفراده بعبادة الله تعالى في أرضه، لأنه لم يكن على وجه الأرض من يعبد الله سواه، والله أعلم. قال: ثم لما ارتفع البناء جاء بالمقام أي وهو الحجر المعروف، فقام عليه وهو

يا بني وهما يقولان رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: الآية ١٢٧] وصار كلما ارتفع البناء ارتفع به المقام في الهواء، فأثر قدم إبراهيم في ذلك الحجر. وقيل إنما أثر في صخرة اعتمد عليها وهو قائم حين غسلت زوجة إسمعيل له رأسه، لأن سارة كانت أخذت عليه عهدا حين استأذنها في الذهاب إلى مكة لينظر كيف حال إسمعيل وهاجر، فحلف لها إنه لا ينزل عن دابته: أي التي هي البراق ولا يزيد على السلام واستطلاع الحال، غيرة من سارة عليه من هاجر، فحين اعتمد على الصخرة ألقى الله تعالى فيها أثر قدمه آية، وفيه كيف يعتمد بقدمه على الصخرة وهو راكب دابته؟ إلا أن يقال لما مال بشقه اعتمد عليها بإحدى رجليه مع ركوبه، وهذا يدل على أن الموجود في المقام أثر قدمه لا قدميه، ووقوفه عليه في حال البناء يدل على أن الموجود فيه أثر قدميه فلينظر، وجعل ارتفاع البيت تسعة أذرع، قيل وعرضه ثلاثين ذراعا. قال بعضهم: وهو خلاف المعروف، ولم يجعل له سقفا ولا بناه بمدر، وإنما رصه رصا وجعل له بابا: أي منفذا لاصقا بالأرض، غير مرتفع عنها، ولم ينصب عليه بابا: أي يقفل، وإنما جعله تبع الحميري بعد ذلك، وحفر له بئرا داخله عند بابه: أي على يمين الداخل منه يلقى فيها ما يهدي إليه، وكان يقال لها خزانة الكعبة كما تقدم.

قفل، وإنما جعله تبع الحميري بعد ذلك، وحفر له بئرا داخله عند بابه: أي على يمين الداخل منه يلقى فيها ما يهدي إليه، وكان يقال لها خزانة الكعبة كما تقدم. ولما أراد أن يجعل حجرا يجعله علما للناس: أي يبتدئون الطواف منه ويختمون به، ذهب إسمعيل ﵊ إلى الوادي يطلب حجرا، فنزل جبريل ﵊ بالحجر الأسود يتلألأ نورا: أي فكان نوره يضيء إلى منتهى أبواب الحرم من كل ناحية. وفي الكشاف: إنه اسودّ لما لمسته الحيض في الجاهلية، وتقدم أنه اسودّ من مسح آدم به دموعه. وجاء «إن خطايا بني آدم سودته» وأما شدة سواده فبسبب إصابة الحريق له أولا في زمن قريش، وثانيا في زمن عبد الله ابن الزبير، وقد كان رفع إلى السماء حين غرقت الأرض زمن نوح، بناء على أنه كان موجودا في تلك الخيمة كما تقدم. وفي رواية: إن إبراهيم عليه الصلاة لما قال لإسمعيل: يا بني اطلب لي حجرا حسنا أضعه ههنا، قال: يا أبتي إني كسلان لغب أي تعب، قال: عليّ بذلك، فانطلق يأتيه بحجر، فجاءه جبريل بالحجر من الهند وهو الحجر الذي خرج به آدم من الجنة: أي كما تقدم فوضعه إبراهيم موضعه، وقيل وضعه جبريل وبنى عليه إبراهيم، وجاء إسمعيل بحجر من الوادي فوجد إبراهيم قد وضع ذلك الحجر: أي أو بنى عليه فقال: من أين هذا الحجر؟ من جاءك به؟ قال إبراهيم ﵊: من لا يكلني إليك ولا إلى حجرك: أي وفي لفظ «جاءني به من هو أنشط منك» وفي لفظ «إن إسمعيل جاءه بحجر من الجبل، قال: غير هذا، فرده مرارا لا يرضى ما يأتيه به» وجاء «إن الله تعالى استودع الحجر أبا قبيس حين أغرق الله الأرض زمن نوح ﵊، وقال: إذا رأيت خليلي يا بني بيتي فأخرجه له: أي فلما انتهى إبراهيم ﵊ لمحل

ه» وجاء «إن الله تعالى استودع الحجر أبا قبيس حين أغرق الله الأرض زمن نوح ﵊، وقال: إذا رأيت خليلي يا بني بيتي فأخرجه له: أي فلما انتهى إبراهيم ﵊ لمحل

الحجر نادى أبو قبيس إبراهيم، فقال: يا إبراهيم هذا الركن فجاء فحفر عنه فجعله في البيت» وقيل تمحض أبو قبيس فانشق عنه. أقول: وفي لفظ قال: «يا إبراهيم يا خليل الرحمن إن لك عندي وديعة فخذها، فإذا هو بحجر أبيض من يواقيت الجنة» ومن ثم كان أبو قبيس يسمى في الجاهلية الأمين لحفظه ما استودع، ويسمى أبا قبيس باسم رجل من جرهم اسمه قبيس هلك فيه. وقيل باسم رجل من مذحج بنى فيه يقال له أبو قبيس. وقيل لأنه اقتبس منه الحجر الأسود فسمي بذلك، ويحتاج إلى الجمع بين ما ذكر على تقدير صحته، وما ذكر في ترجمة إلياس أحد أجداده ﷺ أنه أول من وضع الركن: أي الحجر الأسود حين غرق البيت وانهدم زمن نوح، فكان أول من سقط عليه: أي أول من علم به، فوضعه في زاوية البيت فليتأمل ذلك، والله أعلم: أي وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال عند المقام: أشهد بالله يكررها لسمعت رسول الله ﷺ يقول: «الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولولا أن نورهما طمس لأضاء ما بين المشرق والمغرب» أي من نورهما، ولعل طمس نور الحجر كان سببه ما تقدم فلا مخالفة. وجاء «إنهما يقفان يوم القيامة وهما في العظم مثل أبي قبيس، يشهدان لمن وافاهما بالوفاء» وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «لولا ما مسهما من أهل الشرك، ما مسهما ذو عاهة إلا شفاه الله تعالى» . وعن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: لما خلق الله الخلق، قال لبني آدم:

عالى عنهما «لولا ما مسهما من أهل الشرك، ما مسهما ذو عاهة إلا شفاه الله تعالى» . وعن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: لما خلق الله الخلق، قال لبني آدم: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [الأعراف: الآية ١٧٢] فكتب القلم إقرارهم، ثم ألقم ذلك الكتاب الحجر، فهذا الاستلام له إنما هو بيعة على إقرارهم الذي كانوا أقروا به. قال رضي الله تعالى عنه: وكان أبي عليّ يقول: إذا استلم الحجر يقول: اللهم أمانتي أديتها، وميثاقي وفيت به ليشهد لي عندك بالوفاء. وفي كلام السهيلي «إن العهد الذي أخذه الله تعالى على ذرية آدم حين مسح ظهره أن لا يشركوا به شيئا كتبه في صك وألقمه الحجر الأسود، ولذلك يقول المستلم اللهم إيمانا بك، ووفاء بعدك» وقد جاء «الحجر الأسود يمين الله في الأرض» . قال الإمام ابن فورك: وكان ذلك سببا لاشتغالي بعلم الكلام، فإني لما سمعت ذلك سألت فقيها كنت أختلف إليه عن معناه فلم يحر جوابا، فقيل لي: سل عن ذلك فلانا من المتكلمين، فسألته فأجاب بجواب شاف، فقلت لا بد لي من معرفة هذا العلم، فاشتغلت به، وهذا الذي قاله السهيلي يروي عن علي بن أبي طالب ﵁. فعن سيدنا عمر ﵁ «أنه لما دخل المطاف قام عند الحجر وقال:

والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك. فقال له عليّ رضي الله تعالى عنه: بلى يا أمير المؤمنين، هو يضر وينفع. قال ولم؟ قلت: ذاك بكتاب الله، قال: وأين ذلك من كتاب الله؟ قلت: قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ [الأعراف: الآية ١٧٢] الآية. وكتب ذلك في رق، وكان هذا الحجر له عينان ولسان، فقال له افتح فاك فألقمه ذلك الرق، وجعله في هذا الموضع، فقال: تشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة، فقال عمر ﵁: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن» . وعن قتادة قال: ذكر لنا أن إبراهيم ﵊ بني البيت من خمسة أجبل من طور سيناء وطور زيتا ولبنان والجوديّ وحراء. وذكر لنا أن قواعده من حراء التي وضعها آدم مع الملائكة. أقول: تقدم أن تلك القواعد كانت من جبل لبنان، ومن طور سيناء، ومن طور زيتا، ومن الجودي، ومن حراء، إلا أن يقال يجوز أن يكون معظم ذلك كان من حراء فليتأمل. وذكر بعضهم أنه كان له ركنان، وهما اليمانيان: أي لم يجعل له إبراهيم ﵊ إلا الركنين المذكورين، فجعلت له قريش حين بنته أربعة أركان. وذكر الحافظ ابن حجر أن ذا القرنين الأول وهو المذكور في القرآن في قصة موسى ﵊ وهو إسكندر الرومي، قدم مكة فوجد إبراهيم وإسمعيل عليهما الصلاة والسلام يبنيان الكعبة فاستفهمهما عن ذلك، فقالا: نحن عبدان مأموران، فقال لهما: من يشهد لكما؟ فقامت خمسة أكبش شهدت: أي قلن نشهد أن إبراهيم وإسمعيل عبدان مأموران بالبناء، فقال: رضيت وسلمت وقال لهما صدقتما. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لما كان إبراهيم ﵊ بمكة وأقبل ذو القرنين: عليهما فلما كان بالأبطح قيل له: في هذه البلدة إبراهيم خليل الرحمن. فقال ذو القرنين: ما ينبغي لي أن أركب في بلدة فيها إبراهيم خليل الرحمن، فنزل ذو القرنين ومشى إلى إبراهيم ﵊، فسلم عليه إبراهيم واعتنقه، فكان هو أول من عانق عند السلام. قال الفاكهي: وأظن أن الأكبش المذكورة: أي التي شهدت أحجارا، ويحتمل أن تكون غنما.

إبراهيم ﵊، فسلم عليه إبراهيم واعتنقه، فكان هو أول من عانق عند السلام. قال الفاكهي: وأظن أن الأكبش المذكورة: أي التي شهدت أحجارا، ويحتمل أن تكون غنما. ووصف ذي القرنين بالأكبر احترازا من ذي القرنين الأصغر وهو الإسكندر اليوناني فإنه كان قريبا من زمن عيسى ﵊، وبين عيسى وإبراهيم

عليهما الصلاة والسلام أكثر من ألفي سنة وكان كافرا والله أعلم. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لما فرغ إبراهيم ﷺ من بناء البيت، قال: يا رب قد فرغت، قال: أذن في الناس بالحج، قال: أي رب ومن يبلغ صوتي؟ قال الله جل ثناؤه: أذن وعليّ البلاغ، قال: أي رب كيف أقول؟ قال قل: يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فأجيبوا ربكم ﷿، فوقف على المقام وارتفع به حتى كان أطول الجبال، فنادى وأدخل أصبعيه في أذنيه، وأقبل بوجهه شرقا وغربا ينادي بذلك ثلاث مرات: أي وزويت الأرض له يومئذ سهلها وجبلها وبحرها وبرها وإنسها وجنها حتى أسمعهم جميعا فقالوا؟ لبيك اللهم لبيك، وبدأ بشق اليمن، وحينئذ يكون أول من أجاب أهل اليمن، وسيأتي التصريح بذلك في بعض الروايات. وعن ابن عباس ﵄: كان أهل اليمن أكثر إجابة ومن ثم جاء في الحديث «الإيمان يمان» وقال ﷺ في حق أهل اليمن «يريد أقوام أن يضعوهم ويأبى الله إلا أن يرفعهم» . وروى الطبراني بإسناده عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من أحب أهل اليمن فقد أحبني، ومن أبغضهم فقد أبغضني» . ومما يؤثر عن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه. من علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه. وقد ذكر في تفسير قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ [آل عمران: الآية ٩٧] هو نداء إبراهيم على المقام بما ذكر. وقيل له البيت العتيق لأنه أعتق من الجبابرة لم يدعه: أي بحيث ينسب إليه جبار من الجبابرة الذين كانوا بمكة مع العمالقة وجرهم. وقال القاضي تبعا للكشاف: لأنه أعتق من تسلط الجبابرة، فكم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله تعالى. قال: وأما الحجاج فإنما كان قصده إخراج ابن الزبير عنه لما تحصن به دون التسلط عليه كذا قال.

سلط الجبابرة، فكم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله تعالى. قال: وأما الحجاج فإنما كان قصده إخراج ابن الزبير عنه لما تحصن به دون التسلط عليه كذا قال. قال بعضهم: وعن عبد الله بن عمر أنه قال: إنما سميت بكة أي بالموحدة، لأنها كانت تبك أعناق الجبابرة، ولينظر من قصده ليهدمه من الجبابرة غير أبرهة. ثم رأيت في المشرف أن ثلاثة غيره قصدوا هدمه: اثنان قاتلتهما خزاعة ومنعتهما، والثالث كان في أول زمان قريش، أراد هدمه حسدا على شرف الذكر لقريش به وأن يا بني عنده بيتا يصرف حجاج العرب إليه، فلما قارب مكة أظلمت الأرض وأيقن بالهلاك، فأقلع عن تلك النية ونوى أن يكسو البيت وينحر عنده، فانجلت الظلمة ففعل ذلك.

وفيه أن هذا الذي حصلت له الظلمة إنما هو تبع الأول، فإنه لما عمد إلى البيت يريد تخريبه، أرسلت عليه ريح كتعت منه يديه ورجليه، وأصابته وقومه ظلمة شديدة. وفي رواية أصابه داء تمخض منه رأسه قيحا وصديدا: أي يثج ثجا حتى لا يستطيع أحد أن يدنو منه، فدعا بالأطباء فسألهم عن دائه فهالهم ما رأوا منه ولم يجد عندهم فرجا، فعند ذلك قال له الحبر: لعلك هممت بشيء في حق هذا البيت؟ فقال: نعم، أردت هدمه فقال له تب إلى الله مما نويت فإنه بيت الله وحرمه، وأمره بتعظيم حرمته ففعل فبرئ من دائه. وقيل لأنه أول بيت وضع في الأرض، وقيل لأنه أعتق من الغرق بسبب الطوفان في زمن نوح ﵊، كذا في الكشاف وغيره. وفيه نظر ظاهر، لما تقدم من دثوره بالطوفان، ولما ذكر في قصة نوح أنه لما بعث الحمامة من السفينة لتأتيه بخبر الأرض، فوقفت بوادي الحرم. فإذا الماء قد نضب من موضع الكعبة، وكانت طينتها حمراء فاختضبت رجلاها، إلا أن يقال إن معنى أعتق أنه لم يذهب بالمرة، بل بقي أثره. وفي الخميس عن ابن هشام أن ماء الطوفان لم يصل للكعبة، ولكن قام حولها، وبقيت هي في هواء السماء: أي بناء على الكعبة هي الخيمة التي كانت على زمن آدم ﵊. وتقدم عن الكشاف أنها رفعت إلى السماء الرابعة، وأنها البيت المعمور. وهذا كما علمت يدل على أن المراد بالكعبة الخيمة التي كانت لآدم، وقوله قام حولها يريد أنه لم يعل محل تلك الخيمة، ولعله لا ينافيه ما تقدم في قصة نوح فليتأمل. وفي رواية: أن إبراهيم ﵊ نادى: «يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج» وفي لفظ «إن ربكم قد اتخذ بيتا وطلب منكم أن تحجوه فأجيبوا ربكم كرر ذلك ثلاث مرات، فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فأجابه من كان سبق في علم الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك، فليس حاج يحج إلى أن تقوم الساعة إلا ممن كان أجاب إبراهيم ﵊، ومن لبى تلبية واحدة حج حجة واحدة ومن لبى مرتين حج حجتين وهكذا» وفي لفظ «لما نادى إبراهيم ﵊ فما خلق الله من جبل ولا شجر ولا شيء من المطيعين له إلا أجاب: لبيك اللهم لبيك» .

ج حجة واحدة ومن لبى مرتين حج حجتين وهكذا» وفي لفظ «لما نادى إبراهيم ﵊ فما خلق الله من جبل ولا شجر ولا شيء من المطيعين له إلا أجاب: لبيك اللهم لبيك» . أقول: لا يخفى أنه يحتاج إلى الجمع بين هذه الروايات فيما نادى به إبراهيم ﵊، وسيأتي. ومعلوم أن إجابة غير العقلاء إجابة إجلال وتعظيم، ولعل المراد بالكتب مطلق الطلب لا خصوص الوجوب، لأنه لم يفرض الحج على هذه الأمة إلا بعد الهجرة في السنة السادسة، وقيل التاسعة، وقيل العاشرة كما

سيأتي. وأما بقية الأمم من بعد إبراهيم فلم أقف على وجوب الحج عليها. وقد ذكر بعض المتأخرين من أصحابنا أن الصحيح أنه لم يجب الحج إلا على هذه الأمة واستغرب. وفي الخصائص الصغرى: وافترض عليهم أي على هذه الأمة ما افترض على الأنبياء والرسل وهو الوضوء والغسل من الجنابة والحج والجهاد، وهو يفيد أنه كان واجبا على الأنبياء والرسل. وفيه أن الأصل أن ما وجب في حق نبي وجب في حق أمته إلا أن يقوم الدليل الصحيح على الخصوصية، وقوله وهو الوضوء سيأتي ما في الوضوء والله أعلم: أي ثم أمر بالمقام فوضعه قبله: أي ملصقا بالبيت على يمين الداخل، فكان يصلي إليه مستقبل الباب: أي جهته، وأول من أخره عن ذلك المحل ووضعه موضعه الآن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أي وقد تقدم ذلك عن ابن كثير. أقول: وقيل إن أول من وضعه موضعه الآن النبي ﷺ في فتح مكة. وسيأتي الجمع بين هذين القولين ويأتي ما فيه. وذكر الطبري أن محله أولا المنخفض: أي الذي تسميه العامة المعجنة: أي محل عجن الطين للكعبة، وذلك المنخفض هو محل صلاة جبريل به ﷺ الصلوات الخمس في اليومين كما سيأتي. ونازع في ذلك العز بن جماعة، وقال: لو كان ذلك لشهر عليه بالكتابة في الحفرة. وردّ بأن ذلك ليس بلازم والناقل ثقة، وهو حجة على من لم ينقل. وذكر ابن حجر الهيتمي أن في رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن إبراهيم ﵊ صعد أبا قبيس، وقيل صعد ثبيرا وأذن، وأن أول من أجابه أهل اليمن: أي لما تقدم أنه بدأ بشق اليمن. ولا مانع من تعدد ذلك:

رضي الله تعالى عنهما أن إبراهيم ﵊ صعد أبا قبيس، وقيل صعد ثبيرا وأذن، وأن أول من أجابه أهل اليمن: أي لما تقدم أنه بدأ بشق اليمن. ولا مانع من تعدد ذلك: أي وقوفه على تلك الأماكن التي هي المقام وأبو قبيس وثبير. ويجوز أن يكون قال في بعض تلك الأماكن ما لم يقله في غيره مما تقدم، فلا مخالفة بين تلك الروايات فيما نادى به إبراهيم ﵊. وجاء إنه لما فرغ من دعائه ذهب به جبريل، فأراه الصفا والمروة وحدود الحرم، وأمره أن ينصب عليها الحجارة، ففعل وعلمه المناسك: أي مع إسمعيل عليهما الصلاة والسلام. ففي العرائس: خرج جبريل بهما يوم التروية إلى منى، فصلى بهما الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، ثم باتا بها حتى أصبحا، فصلى بهما صلاة الصبح، ثم غدا بهما إلى عرفة، فقام بهما هناك حتى زالت الشمس جمع بين الصلاتين الظهر والعصر، ثم رجع بهما إلى الموقف من عرفة، فوقف بهما على الموقف الذي يقف عليه الناس الآن، فلما غربت الشمس دفع بهما إلى مزدلفة،

فجمع بين الصلاتين المغرب والعشاء الآخرة، ثم بات بهما حتى طلع الفجر، ثم صلى بهما صلاة الغداة، ثم وقف بهما على قزح حتى إذا أسفر أفاض بهما إلى منى، فأراهما كيف رمى الجمار، ثم أمرهما بالذبح، وأراهما المنحر من منى وأمرهما بالحلق، ثم أفاض بهما إلى البيت، فليتأمل ذلك فإن فيه التصريح بأن إبراهيم وإسمعيل صليا مع جبريل جماعة الصلوات الخمس، وجمعا تقديما بين الظهر والعصر، وتأخيرا بين المغرب والعشاء للنسك، وهو مخالف لقول أئمتنا لم تجمع الصلوات الخمس إلا لنبينا ﷺ. ففي الخصائص الصغرى: وخص بمجموع الصلوات الخمس، ولم تجتمع لأحد، وبالعشاء ولم يصلها أحد، وبالجماعة في الصلاة إلا أن يدعى أن المراد الجمع على جهة المداومة على ذلك لجواز أن يكون إبراهيم وإسمعيل عليهما الصلاة والسلام لم يداوما على ذلك، وفيه ما لا يخفى. وفي الوفاء عن وهب قال: أوحى الله تعالى إلى آدم ﵊ «أنا الله ذو بكة، أهلها جيرتي، وزوارها وفدي وفي كنفي، أعمره بأهل السماء وأهل الأرض، يأتونه أفواجا شعثا غبرا، يعجون بالتكبير عجا، ويرجّون بالتلبية ترجيحا، ويثجون بالكباء ثجا. فمن اعتمره لا يريد غيره فقد زارني وضافني ووفد إليّ ونزل بي، وحق لي أن أتحفه بكرامتي، أجعل ذلك البيت وذكره وشرفه ومجده وثناءه لنبي من ولدك يقال له إبراهيم، أرفع له قواعده، وأقضي على يديه عمارته، وأنيط له سقايته، وأريه حله وحرمه، وأعلمه مشاعره، ثم يعمره الأمم والقرون حتى ينتهي إلى نبي من ولدك يقال له محمد خاتم النبيين، وأجعله من سكانه وولاته وحجابه وسقاته، فمن سأل عني يومئذ فأنا من الشعث الغبر، الموفين بنذورهم، المقبلين على ربهم» .

من ولدك يقال له محمد خاتم النبيين، وأجعله من سكانه وولاته وحجابه وسقاته، فمن سأل عني يومئذ فأنا من الشعث الغبر، الموفين بنذورهم، المقبلين على ربهم» . ولما دعا إبراهيم ﵊ بقوله تعالى: وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ [إبراهيم: الآية ٣٧] أي دعا بذلك وهو على ثنية كداء بالمد. فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن إبراهيم ﵊ حين قال: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ [إبراهيم: الآية ٣٧] كان على الثنية العليا ذكره السهيلي، وعند ذلك نقل له الطائف من فلسطين من أرض الشام: أي وببركة دعائه ﵊ يوجد بمكة الفواكه المختلفة الأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد، ذكره في الكشاف. ثم لما فرغ: أي من بناء البيت وحج وطاف بالبيت لقيته الملائكة في الطواف فسلموا عليه، فقال لهم: ما تقولون في طوافكم؟ قالوا: كنا نقول قبل أبيك آدم: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فأعلمناه بذلك، فقال: زيدوا

ولا حول ولا قوة إلا بالله، فقال إبراهيم ﵊: زيدوا فيها العليّ العظيم. فقالت الملائكة ذلك. وكان بناء إبراهيم للبيت بعد مضي من عمره مائة سنة، ثم بناه العماليق، ثم بنته جرهم، وقيل عكسه. وقد يتوقف في بناء العماليق له. أما في الأول فلأن أول من نزل مكة مع هاجر وولدها إسمعيل جرهم، وإنهم بعد إسمعيل وبعض ولده كانوا ولاة البيت. وأما في الثاني، فلأن ولاية البيت كانت لخزاعة بعد جرهم كما تقدم، وكيف يبنون البيت ولا ولاية لهم عليه، إلا أن يقال: لا مانع أن يكونوا حينئذ أهل ثروة، بخلاف جرهم وخزاعة. ثم رأيت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن العماليق كانوا في عزّ وكانت لهم أموال كثيرة، وأن الله سلبهم ذلك لما تظاهروا بالمعاصي، وسلط عليهم الذر حتى خرجوا من الحرم، وتفرقوا وهلكوا، والذر في النمل كالزنبور في النحل. وفي تاريخ مكة للفاكهي أن العماليق قدموا مكة لما قدم وفد عاد للاستسقاء بالبيت. وقيل كانوا بعرفة. ولما أخرج الله تعالى زمزم لإسماعيل بواسطة جبريل.

نحل. وفي تاريخ مكة للفاكهي أن العماليق قدموا مكة لما قدم وفد عاد للاستسقاء بالبيت. وقيل كانوا بعرفة. ولما أخرج الله تعالى زمزم لإسماعيل بواسطة جبريل. ففي «ربيع الأبرار» أن جبريل أخرج ماء زمزم مرتين: مرة لآدم، ومرة لإسمعيل، وعند ذلك تحولوا إلى مكة. قال المقريزي: لما علموا بذلك. وقيل كانوا بعد جرهم، ولا يصح ذلك. ثم رأيت المقريزي قال: وفي كتاب أخبار مكة للفاكهي ما يدل على تقدم بناء جرهم على بناء العمالقة، ولا يصح ذلك لاتفاقهم على أن ولاية العمالقة على مكة كانت قبل ولاية جرهم، وعلى أنه لم يل مكة بعد جرهم إلا خزاعة. ولا يخفى أن هذا صريح في أن العمالقة بنته ولا بد، وأن بناءهم له كان قبل بناء جرهم له، والعماليق من ولد عملاق أو عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح ﵊. قيل وهو أول من كتب بالعربية، وقيل من ولد العيص بن إسحق بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام. ثم بناه قصي جده ﷺ، وسقفه بخشب الروم وجريد النخل. ثم بنته قريش كما تقدم. ثم بناه بعد قريش عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما أي ويكنى أبا خبيب، بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة، وكني بأبي خبيب لأن خبيبا كان رجلا بالمدينة من النساك، طويل الصلاة، قليل الكلام: أي وعبد الله رضي الله تعالى عنه كان مشابها له في ذلك، فكني به. هذا، وفي كلام ابن الجوزي أنه كان لعبد الله بن الزبير ولد يقال له خبيب حيث قال خبيب بن عبد الله بن الزبير ضربه عمر بن عبد العزيز بأمر الوليد مائة سوط فمات، لأنه لما حدّث عن النبي ﷺ أنه قال: إذا بلغ بنو أبي العاص أربعين رجلا،

وفي رواية ثلاثين رجلا، وفي رواية: إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلا. وفي رواية إذا بلغ بنو أمية أربعين رجلا اتخذوا عباد الله تعالى خولا: أي عبيدا، ومال الله دولا، ودين الله دغلا. وفي رواية بدل دين الله كتاب الله. قال ابن كثير: وهذا الحديث أي ذكر بني أمية وذكر الأربعين منقطع. ولما بلغ الوليد ما ذكر خبيب كتب لابن عمه عمر بن عبد العزيز وهو والي المدينة أن يضرب خبيبا هذا مائة سوط ففعل، ثم برّد ماء في جرة وصبه أي في يوم شات عليه وحبسه، فلما اشتد وجعه أخرجه وندم على ما فعل. فلما مات وسمع بموته سقط إلى الأرض واسترجع، واستعفى من ولاية المدينة، فكان عمر بن عبد العزيز إذا قيل له أبشر، قال: كيف أبشر وخبيب على الطريق أي عائق لي. وفي دلائل النبوة للبيهقي عن بعضهم قال: كنت عند معاوية بن أبي سفيان ومعه ابن عباس على السرير، فدخل عليه مروان بن الحكم، فكلمه في حاجته وقال: اقض حاجتي يا أمير المؤمنين، فو الله إن مؤنتي لعظيمة، فإني أبو عشرة، وعم عشرة، وأخو عشرة، فلما أدبر مروان قال معاوية لابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أشهدك بالله يا ابن عباس أما تعلم أن رسول الله ﷺ قال: «إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله بينهم دولا، وعباد الله تعالى خولا، وكتاب الله دغلا، فإذا بلغوا تسعة وتسعين وأربعمائة كان هلاكهم أسرع من لوك تمرة؟ فقال ابن عباس: اللهم نعم» ثم ذكر مروان حاجة فردّ مروان ولده عبد الملك إلى معاوية فكلمه فيها، فلما أدبر عبد الملك قال معاوية: أنشدك الله يا ابن عباس أما تعلم أن رسول الله ﷺ ذكر هذا؟ فقال: أبو الجبابرة الأربعة، فقال ابن عباس: اللهم نعم، فإن أربعة من ولدة ولوا الخلافة، فليتأمل هذا فإنه ربما يدل على أن عبد الملك صحابي، إلا أن يقال ذكره قبل وجوده فهو من أعلام نبوته ﷺ وفي كلام ابن كثير: هذا الحديث فيه غرابة ونكارة شديدة. هذا، وقد رأيت عن بعض حواشي الكشاف أن أعداء عبد الله ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما هم الذين كانوا يكنونه بأبي خبيب، لأن خبيبا كان من أخس أولاده، ويرده قول بعضهم: يغلب للشرف كالخبيبين لخبيب بن عبد الله بن الزبير وأخيه مصعب.

الى عنهما هم الذين كانوا يكنونه بأبي خبيب، لأن خبيبا كان من أخس أولاده، ويرده قول بعضهم: يغلب للشرف كالخبيبين لخبيب بن عبد الله بن الزبير وأخيه مصعب. وذكر ابن الجوزي أيضا فيمن ضرب بالسياط من العلماء سعيد بن المسيب، ضربه عبد الملك بن مروان مائة سوط، لأنه بعث ببيعة الوليد إلى المدينة فلم يبايع سعيد، فكتب أن يضرب مائة سوط ويصب عليه جرة ماء في يوم شات ويلبس جبة صوف ففعل به ذلك، أي كما فعل بخبيب. ثم رأيت في تاريخ الحافظ ابن كثير لما عهد به عبد الملك لولده الوليد في حياته وانتهت البيعة إلى المدينة امتنع سعيد بن المسيب أن يبايع، فضربه نائب المدينة

ستين سوطا، وألبسه ثيابا من شعر، وأركبه جملا وطاف به في المدينة، ثم أودع السجن، فلما بلغ ذلك عبد الملك أرسل يعنف والي المدينة على ذلك ويأمره بإخراجه من الحبس، هذا كلامه. وفي كلام البلاذري، وكان جابر بن الأسود عاملا لابن الزبير على المدينة وهو الذي ضرب سعيد بن المسيب ستين سوطا، إذ لم يبايع لابن الزبير، هذا كلامه. إلا أن يقال: لا مانع أن يكون سعيد فعل به الأمران لأن ولاية ابن الزبير سابقة على ولاية عبد الملك والد الوليد. ثم رأيت الحافظ ابن كثير صرح بذلك حيث ذكر أن سعيد بن المسيب ضرب بالسياط المذكورة، وفعل به ما تقدم لما امتنع من المبايعة لابن الزبير، وفعل به ذلك أيضا لما امتنع من البيعة للوليد.

Bagian 9 dari 62