— Bagian 8 · لم يرم فيه بأسهم، بل قال: «كنت أنبل على أعمامي» … —
Bagian 8
لم يرم فيه بأسهم، بل قال: «كنت أنبل على أعمامي» أي أرد عليهم نبل عدوهم إذا رموه. وقد يقال: لا مخالفة، لأنه ليس في هذه العبارة أنه لم يرم، بل فيها أنه كان ينبل. ويجوز أن يكون أغلب أحواله ﷺ ذلك أي أنه كان ينبل: أي يرد النبل، فلا ينافي أنه رمى في بعض الأوقات بأسهم: أي وفي كلام بعضهم: كان أبو طالب يحضر أيام الفجار: أي فجار البراض، وكانت أربعة أيام ومعه رسول الله ﷺ وهو غلام، فإذا جاء هزمت قيس، ولعل المراد قيس هوازن، فلا ينافي ما يأتي من الاقتصار على هوازن. وإذا لم يجئ هو أي في يوم من تلك الأيام هزمت كنانة، فقالوا: لا أبا لك لا تغب عنا ففعل، ذكره في الإمتاع. وذكر فيه أنه ﷺ طعن أبا براء ملاعب الأسنة في تلك الحروب: أي في بعض تلك الأيام، وأبو براء هذا كان رئيس بني قيس وحامل رايتهم في تلك الحرب، والطعن ظاهر في الرمح محتمل للنبل. وظاهر كلامهم أنه لم يقاتل فيه بغير الرمي للأسهم على تقدير صحة تلك الرواية بذلك. ولا يبعد أن يكون رمى ولم يصب أحدا، إذ لو أصاب أحدا لنقل لأنه مما توفر الدواعي على نقله إلا أن يقال بجواز أن يكون أصاب ثمرة لم تذكر فليتأمل. قال: وسميت الفجار، لأن العرب فجرت فيه لأنه وقع في الشهر الحرام اهـ. أقول: ظاهره حروب الفجار الأربعة: أي التي هي فجار البراض وغيرها. وظاهر كلامهم ﷺ أنه لم يحضر إلا في الفجار الرابع، الذي هو فجار البراض، ثم رأيت التصريح بذلك في الوفاء وسأذكره، وسيأتي في الباب الذي يلي هذا أن حرب الفجار لم يكن في شهر حرام، وسيأتي في هذا الباب ما يدل على ذلك. أي أن القتال في ذلك لم يكن في الشهر الحرام وإنما سببه كان في الشهر الحرام وهو قتل البراض لعروة الرحال.
شهر حرام، وسيأتي في هذا الباب ما يدل على ذلك. أي أن القتال في ذلك لم يكن في الشهر الحرام وإنما سببه كان في الشهر الحرام وهو قتل البراض لعروة الرحال. فقد قيل سبب القتال أن عروة الرحّال بتشديد الحاء المهملة، وكان من أهل هوازن أجار لطيمة للنعمان بن المنذر ملك الحيرة. واللطيمة: العير التي تحمل الطيب والبز للتجارة: أي فإن المنذر كان يرسل تلك اللطيمة لتباع في سوق عكاظ ويشتري له بثمن ذلك أدم من أدم الطائف، ويرسل تلك اللطيمة في جوار رجل من أشراف العرب، فلما جهز اللطيمة كان عنده جماعة من العرب كان فيهم البرّاض وهو من بني كنانة، وعروة الرحال وهو من هوازن، فقال البراض: أنا أجيرها على بني كنانة يعني قومه، فقال له النعمان: ما أريد إلا من يجيرها على أهل نجد وتهامة، فقال له عروة الرحال: أنا أجيرها لك، فقال له البراض أتجيرها على كنانة؟ فقال نعم وعلى أهل الشيح والقيصوم، ونال من البراض، فخرج عروة الرحال مسافرا وخرج
البراض خلفه يطلب غفلته، فلما استغفله وثب عليه فقتله: أي فإنه شرب الخمر وغنته القينات، فسكر ونام، فجاءه البراض وأيقظه، فقال له الرحال: ناشدتك الله لا تقتلني فإنها كانت مني زلة وهفوة، فلم يلتفت إليه وقتله وذلك في الشهر الحرام، فأتى آت كنانة وهم بعكاظ مع هوازن، فقال لكنانة: إن البراض قد قتل عروة الرحال وهو في الشهر الحرام، فانطلقوا وهوازن لا تشعر ثم بلغهم الخبر، فاتبعوهم فأدركوهم قبيل دخولهم الحرم، فأمسكت عنهم هوازن، ثم التقوا بعد هذا اليوم وعاونت قريش كنانة. ولا يخفى أن في هذا تصريحا بأن القتال لم يكن في الشهر الحرام، لأنهم إذا كانوا في الشهر الحرام لا يقاتلون مطلقا أي وإن لم يدخلوا الحرم، فكفهم عن قتالهم لمقاربتهم دخول الحرم، وقتالهم لهم في اليوم الثاني دليل على أن قتالهم لم يكن في الشهر الحرام، ومكث القتال بينهم أربعة أيام: أي كما تقدم.
فهم عن قتالهم لمقاربتهم دخول الحرم، وقتالهم لهم في اليوم الثاني دليل على أن قتالهم لم يكن في الشهر الحرام، ومكث القتال بينهم أربعة أيام: أي كما تقدم. أقول: قال السهيلي: الصواب ستة أيام، والله أعلم. قال: وشهد رسول الله ﷺ بعض تلك الأيام، أخرجه أعمامه معهم: أي ويدل له ما تقدم من أنه كان إذا حضر غلبت كنانة وإذا لم يحضر هزمت، وفي بعض تلك الأيام وهو أشدها: أي وهو اليوم الثالث قيد أمية وحرب ابنا أمية بن عبد شمس وأبو سفيان بن حرب أنفسهم كيلا يفروا، فسموا العنابس: أي الأسود اهـ. أي وحرب والد أبي سفيان وأمية أخوه ماتا على الكفر، وأبو سفيان أسلم كما سيأتي، ثم تواعدوا للعام المقبل بعكاظ، فلما كان العام المقبل جاؤوا للوعد: أي وكان أمر قريش وكنانة إلى عبد الله بن جدعان. وقيل كان إلى حرب بن أمية والد أبي سفيان، لأنه كان رئيس قريش وكنانة يومئذ، وكان عتبة ابن أخيه ربيعة بن عبد شمس يتيما في حجره، فضنّ أي بخل به حرب، وأشفق: أي خاف من خروجه معه، فخرج عتبة بغير إذنه، فلم يشعر أي يعلم به إلا وهو على بعير بين الصفين ينادي: يا معشر مضر غلام تفانون؟ فقالت له هوازن: ما تدعو إليه؟ قال: الصلح الصلح على أن ندفع لكم دية قتلاكم وتعفوا عن دمائنا: أي فإن قريشا وكنانة كان لهم الظفر على هوازن يقتلونهم قتلا ذريعا: أي وذلك لا ينافي انهزامهم في بعض الأيام، قالوا: وكيف؟ قال: ندفع لكم رهنا منا إلى أن نوفي لكم ذلك، قالوا: ومن لنا بهذا؟ قال أنا، قالوا: ومن أنت؟ قال: أنا عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، فرضيت به هوازن وكنانة وقريش، ودفعوا إلى هوازن أربعين رجلا فيهم حكيم بن حزام، وهو ابن أخي خديجة بنت خويلد زوج النبي ﷺ كما تقدم، فلما رأت هوازن الرهن في أيديهم عفوا عن الدماء وأطلقوهم، وانقضت حرب الفجار. وفي رواية: وودت قريش قتلى هوازن، ووضعت الحرب أوزارها.
وقد يقال: على تقدير صحة هذه الرواية دماء بردت التزمت أن تديها فكان انقضاؤها على يد عتبة بن ربيعة وهو ممن قتل كافرا ببدر، وهو أبو هند زوج أبي سفيان أم معاوية ﵂ وعن زوجها وولدها المذكور. وكان يقال لم يسد مملق: أي فقير إلا عتبة بن ربيعة وأبو طالب، فإنهما سادا بغير مال: أي وفي كلام بعضهم: ساد عتبة بن ربيعة، وأبو طالب وكانا أفلس من أبي المزلق وهو رجل من بني عبد شمس لم يكن يجد مؤنة ليلته وكذا أبوه وجده وأبو جده وجد جده كلهم يعرفون بالإفلاس. هذا والذي في الوفاء الاقتصار على أن حرب الفجار كان مرتين: المرة الأولى كانت المحاربة فيه ثلاث مرات. المرة الأولى سببها قضية بدر بن معشر الغفاري. والمرة الثانية كان سببها قضية المرأة، والثالثة سببها قضية الدين ولم يحضر رسول الله ﷺ تلك المرات، وأما المرأة الثانية فكانت بين هوازن وكنانة، وقد حضرها ﷺ، وقد يقال لا خلاف في المعنى.
باب: شهوده ﷺ حلف الفضول وهو أشرف حلف في العرب. والحلف في الأصل: اليمين والعهد؟ وسمي العهد حلفا لأنهم يحلفون عند عقده، وكان عند منصرف قريش من حرب الفجار، لأن حرب الفجار كان في شوال: أي وقيل في شعبان لا في الشهر الحرام: أي وإن كان سببه وهو قتل البراض لعروة الرحال كان في الشهر الحرام كما تقدم. وكون هذا الحلف كان منصرف قريش من حرب الفجار ظاهر في أنه كان بعد انقضاء الحرب وقبل مجيء الفريقين للموعد من قابل، لأن عند مجيئهم من قابل للموعد لم يقع حرب، إلا أن يقال: أطلق عليه حرب باعتبار أنهم كانوا عازمين على المحاربة، وهذا الحلف كان في ذي القعدة. وأول من دعا إليه الزبير بن عبد المطلب: أي عم رسول الله ﷺ شقيق أبيه كما تقدم فاجتمع إليه بنو هاشم وزهرة وبنو أسد بن عبد العزى، وذلك في دار عبد الله بن جدعان التيمي، كان بنو تيم في حياته كأهل بيت واحد يقوتهم، وكان يذبح في داره كل يوم جزورا، وينادي مناديه: من أراد الشحم واللحم فعليه بدار ابن جدعان، وكان يطبخ عنده الفالوذج فيطعمه قريشا. أي وسبب ذلك أنه كان أولا يطعم التمر والسويق، ويسقي اللبن، فاتفق أن أمية بن أبي الصلت مر على بني عبد المدان، فرأى طعامهم لباب البر والشهد، فقال أمية:
أي وسبب ذلك أنه كان أولا يطعم التمر والسويق، ويسقي اللبن، فاتفق أن أمية بن أبي الصلت مر على بني عبد المدان، فرأى طعامهم لباب البر والشهد، فقال أمية: ولقد رأيت الفاعلين وفعلهم ... فرأيت أكرمهم بني المدان
البر يلبك بالشهاب طعامهم ... لا ما يعللنا بنو جدعان فبلغ شعره عبد الله بن جدعان فأرسل إلى بصرى الشام يحمل إليه البر والشهد والسمن وجعل ينادي مناد ألا هلموا إلى جفنة عبد الله بن جدعان. ومن مدح أمية بن أبي الصلت في ابن جدعان قوله: أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن سيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضك الثناء كريم لا يغيره صباح ... عن الخلق الجميل ولا مساء يباري الريح مكرمة وجودا ... إذا ما الضب أجحره الشتاء وكان عبد الله بن جدعان ذا شرف وسن، وإنه من جملة من حرم الخمر على نفسه في الجاهلية أي بعد أن كان بها مغرما. وسبب ذلك أنه سكر ليلة فصار يمد يده ويقبض على ضوء القمر ليمسكه، فضحك منه جلساؤه ثم أخبروه بذلك حين صحا، فحلف أن لا يشربها أبدا. وممن حرمها على نفسه في الجاهلية عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه، وقال: لا أشرب شيئا يذهب عقلي، ويضحك بي من هو أدنى مني، ويحملني على أن أنكح كريمتي من لا أريد. فصنع لهم عبد الله بن جدعان طعاما، وتعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكونن مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه ما بلّ بحر صوفة: أي الأبد. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: «أنها قالت لرسول الله ﷺ: إن ابن جدعان كان يطعم الطعام، ويقري الضيف، ويفعل المعروف، فهل ينفعه ذلك يوم القيامة؟ فقال: لا، لأنه لم يقل يوما، وفي رواية: أنه لم يقل ساعة من ليل أو نهار رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» رواه مسلم: أي لم يكن مسلما، لأن القول المذكور لا يصدر إلا عن مسلم، فلا يقال مقتضى الحديث أنه لو قال ذلك لنفعه ما ذكر يوم القيامة مع كونه كان كافرا، لأنه ممن أدرك البعثة ولم يؤمن، وحينئذ يسأل عن الحكمة عن عدوله ﷺ إلى ذلك عن قوله لأنه لم يؤمن بي، أو لم يكن مسلما: أي وكان يكنى أبا زهير، وقد قال ﷺ في أسرى بدر: «لو كان أبو زهير أو مطعم بن عدي حيا فاستوهبهم لوهبتهم له» .
ك عن قوله لأنه لم يؤمن بي، أو لم يكن مسلما: أي وكان يكنى أبا زهير، وقد قال ﷺ في أسرى بدر: «لو كان أبو زهير أو مطعم بن عدي حيا فاستوهبهم لوهبتهم له» . وقد ذكر أن جفنة ابن جدعان كان يأكل منها الراكب على البعير: أي وسيأتي في غزوة بدر «أنه ﷺ ذكر أنه ازدحم هو وأبو جهل وهما غلامان على مائدة لابن جدعان، وأنه ﷺ دفع أبا جهل لعنه الله فوقع على ركبته فجرحت جرحا أثر فيها»
وقد جاء أنه ﷺ قال: «كنت أستظل بجفنة عبد الله بن جدعان في صكة عمي» أي في الهاجرة، وسميت الهاجرة بذلك، لأن عمى تصغير أعمى على الترخيم: رجل من العماليق أوقع بالعدو القتل في مثل ذلك الوقت. وقيل هو رجل من عدوان كان فقيه العرب في الجاهلية، فقدم في قومه معتمرا، فلما كان على مرحلتين من مكة قال لقومه وهم في نحر الظهيرة: من أتى مكة غدا في مثل هذا الوقت كان له أجر عمرتين، فصكوا الإبل صكة شديدة حتى أتوا مكة من الغد في وقت الظهيرة، ولعل هذا لا يخالفه قول ابن عباس ﵄: عجلنا الرواح للمسجد صكة الأعمى، فقيل ما صكة الأعمى؟ قال: إنه لا يبالي أية ساعة خرج. وكان عبد الله بن جدعان في ابتداء أمره صعلوكا، وكان مع ذلك شريرا فتاكا لا يزال يجني الجنايات، فيعقل عنه أبوه وقومه حتى أبغضته عشيرته، وطرده أبوه، وحلف لا يأويه أبدا، فخرج هائما في شعاب مكة يتمنى الموت، فرأى شقا في جبل فدخل فإذا ثعبان، عظيم له عينان تتقدان كالسراج، فلما قرب منه حمل عليه الثعبان فلما تأخر انساب: أي رجع عنه، فلا زال كذلك حتى غلب على ظنه أن هذا مصنوع، فقرب منه ومسكه بيده فإذا هو من ذهب وعيناه ياقوتتان، فكسره ثم دخل المحل الذي كان هذا الثعبان على بابه، فوجد فيه رجالا من الملوك، ووجد في ذلك المحل أموالا كثيرة من الذهب والفضة، وجواهر كثيرة من الياقوت واللؤلؤ والزبرجد، فأخذ منه ما أخذ، ثم علم ذلك الشق بعلامة وصار ينقل منه ذلك شيئا فشيئا، ووجد في ذلك الكنز لوحا من رخام فيه: أنا نفيلة بن جرهم بن قحطان بن هود نبي الله، عشت خمسمائة عام، وقطعت غور الأرض باطنها وظاهرها في طلب الثروة والمجد والملك، فلم يكن ذلك ينجي من الموت، ثم بعث عبد الله بن جدعان إلى أبيه بالمال الذي دفعه في جناياته، ووصل عشيرته كلهم فسادهم، وجعل ينفق من ذلك الكنز ويطعم الناس، ويفعل المعروف. قال: وفي رواية: تحالفوا على أن يردوا الفضول على أهلها، ولا يقر ظالم على مظلوم: أي وحينئذ فالمراد بالفضول ما يؤخذ ظلما.
نز ويطعم الناس، ويفعل المعروف. قال: وفي رواية: تحالفوا على أن يردوا الفضول على أهلها، ولا يقر ظالم على مظلوم: أي وحينئذ فالمراد بالفضول ما يؤخذ ظلما. وقيل: إن هذا أي رد الفضول مدرج من بعض الرواة. زاد بعضهم: على ما بلّ بحر صوفة، وما رسا حراء وثبير مكانيهما اهـ: أي والمراد الأبد كما تقدم، وكان معهم في ذلك الحلف رسول الله ﷺ قال ﷺ: «ما أحب أن لي بحلف حضرته في دار بني جدعان حمر النعم» أي الإبل «وأني أغدر به» بالغين المعجمة والدال المهملة: أي لا أحب الغدر به وإن أعطيت حمر النعم في ذلك. قال: وفي رواية «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم» أي
بفواته «ولو دعي به في الإسلام لأجبت» أي لو قال قائل من المظلومين يا آل حلف الفضول لأجبت، لأن الإسلام إنما جاء بإقامة الحق ونصرة المظلوم. وفيه إن الإسلام قد رفع ما كان من دعوى الجاهلية من قولهم، يا لفلان عند الحرب والتعصب. وأجيب بأن هذا مستثنى، فالدعوى به جائزة. وفي أخرى «ما شهدت حلفا لقريش إلا حلف المطيبين، شهدته مع عمومتي، وما أحب أن لي به حمر النعم، وأني كنت نقضته» أي لا أحب نقضه وإن دفع لي حمر الإبل في مقابلة نقضه. والمطيبون: هم هاشم وزهرة: أي بنو زهرة بن كلاب وأمية ومخزوم. قال البيهقي كذا روي هذا التفسير: أي أن المطيبين هاشم وزهرة وأمية ومخزوم مدرجا، ولا أدري من قاله. وعبارته في السنن الكبرى: لا أدري هذا التفسير من قول أبي هريرة، أو من دونه؟ هذا كلامه، فإن النبي ﷺ لم يدرك حلف المطيبين: أي لأنه كما تقدم وقع بين بني عبد مناف بن قصي، وهم هاشم، وإخوته عبد شمس والمطلب ونوفل، وبنو زهرة، وبنو أسد بن عبد العزى، وبنو تميم، وبنو الحرث بن فهر، وهم المطيبون.
دم وقع بين بني عبد مناف بن قصي، وهم هاشم، وإخوته عبد شمس والمطلب ونوفل، وبنو زهرة، وبنو أسد بن عبد العزى، وبنو تميم، وبنو الحرث بن فهر، وهم المطيبون. وبين بني عمهم عبد الدار بن قصي وأحلافهم بني مخزوم وغيرهم، ويقال لهم الأحلاف كما تقدم، وذلك قبل أن يولد رسول الله ﷺ، وحيث لم يدرك ﷺ حلف المطيبين يصير المدرج لفظ المطيبين مع تفسيره بمن ذكر، لا أن المدرج تفسيره فقط بمن ذكر كما يقتضيه كلام البيهقي. وحينئذ تكون الرواية «ما شهدت حلفا لقريش إلا حلفا مع عمومتي إلى آخره» ظن الراوي أن حلف الفضول هو حلف المطيبين، فذكر لفظ المطيبين وبنيهم. وقد يقال: ذكر ابن إسحق أنه لما قام عبد الله بن جدعان هو والزبير بن عبد المطلب في الدعوى للتحالف، أجابهما بنو هاشم، وبنو المطلب، وبنو أسد، وبنو زهرة، وبنو تميم، هذا كلامه. ولا يخفى أن هؤلاء أجلّ المطيبين، أطلق على هذا الحلف والذي هو حلف الفضول حلف المطيبين، لأنهم العاقدون له، فليتأمل. وسمي بالفضول، قيل لما تقدم من أنهم تحالفوا على أن يردوا الفضول على أهلها، وقيل لأنه يشبه حلفا وقع لثلاثة من جرهم كل واحد يقال له الفضل. وعبارة بعضهم: لأن الداعي إليه كان ثلاثة من أشرافهم اسم كل واحد منهم فضل وهم: الفضل بن فضالة، والفضل بن وداعة، والفضل بن الحارث، والضمير في أشرافهم يتبادر رجوعه إلى قريش، وهؤلاء الثلاثة تحالفوا على نصرة المظلوم على ظالمه، فالفضول جمع الفضل.
وقيل لأنهم أي هؤلاء الذين تحالفوا كانوا أخرجوا فضول أموالهم للأضياف، وقيل لأن قريشا قالوا عن هؤلاء الذين تحالفوا لقد دخل هؤلاء في فضول من الأمر. والسبب في هذا الحلف والحامل عليه أن رجلا من زبيد قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل، وكان من أهل الشرف والقدر بمكة، فحبس عنه حقه، فاستدعى عليه الزبيدي الأحلاف عبد الدار ومخزوما وجمح وسهما وعدي بن كعب، فأبوا أن يعينوا على العاص، وانتهروه أي الزبيدي، فلما رأى الزبيدي الشرّ رقي على أبي قبيس عند طلوع الشمس وقريش في أنديتهم حول الكعبة، فقال بأعلى صوته: يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الدار والقفر ومحرم أشعث لم يقض عمرته ... يا للرجال وبين الحجر والحجر إن الحرام لمن تمت مكارمه ... ولا حرام لثوب الفاجر الغدر والحرام بمعنى الاحترام، فقام في ذلك الزبير بن عبد المطلب مع عبد الله بن جدعان كما تقدم، واجتمع إليه من تقدم. وقيل قام فيه العباس وأبو سفيان، وتعاقدوا وتعاهدوا ليكونن يدا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدى إليه حقه شريفا أو وضيعا، ثم مشوا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه سلعة الزبيدي فدفعوها إليه اهـ. أقول: ذكر السهيلي أن رجلا من خثعم قدم مكة معتمرا أو حاجا ومعه بنت له من أضوإ نساء العالمين، فاغتصبها منه نبيه بن الحجاج، فقيل له: عليك بحلف الفضول، فوقف عند الكعبة ونادى: يا لحلف الفضول، فإذا هم يعنقون إليه من كل جانب، وقد انتضوا أسيافهم: أي جردوها، يقولون: جاءك الغوث فما لك؟ فقال: إن نبيها ظلمني في بنتي، فانتزعها مني قسرا فساروا إليه حتى وقفوا على باب داره، فخرج إليهم، فقالوا له: أخرج الجارية ويحك، فقد علمت من نحن وما تعاهدنا عليه، فقال: أفعل، ولكن متعوني بها الليلة. فقالوا: لا والله ولا شخب لقحة: أي مقدار زمن ذلك، فأخرجها إليهم. وفي سيرة الحافظ الدمياطي: أنه كان بين الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان منازعة في مال متعلق بالحسين.
. وفي سيرة الحافظ الدمياطي: أنه كان بين الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان منازعة في مال متعلق بالحسين. فقال الحسين للوليد: احلف بالله لتنصفني من حقي، أو لآخذن سيفي: ثم لأقومن في مسجد رسول الله ﷺ، ثم لأدعون لحلف الفضول: أي لحلف كحلف الفضول وهو نصرة المظلوم على ظالمه، ووافقه على ذلك جماعة منهم عبد الله بن الزبير ﵄ لأنه كان إذ ذاك في المدينة، فلما بلغ ذلك الوليد بن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضي، والله أعلم.
باب: سفره ﷺ إلى الشام ثانيا وذلك مع ميسرة غلام خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها لما بلغ رسول الله ﷺ خمسا وعشرين سنة أي على الراجح من أقوال ستة، وعليه جمهور العلماء، وتلك أقوال ضعيفة لم تقم لها حجة على ساق، وليس له ﷺ اسم بمكة إلا الأمين، لما تكامل فيه من خصال الخير كما تقدم. وسبب ذلك أن عمه ﷺ أبا طالب قال له: يا ابن أخي أنا رجل لا مال لي وقد اشتد الزمان: أي القحط وألحت علينا: أي أقبلت ودامت سنون منكرة: أي شديدة الجدب، وليس لنا مادة: أي ما يمدنا وما يقوّمنا ولا تجارة، وهذه عير قومك وتقدم أنها الإبل التي تحمل الميرة. وفي رواية. عيرات، جمع عير قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالا من قومك في عيراتها، فيتجرون لها في مالها ويصيبون منافع، فلو جئتها فوضعت نفسك عليها لأسرعت إليك وفضلتك على غيرك، لما يبلغها عنك من طهارتك وإن كنت لأكره أن تأتي الشام وأخاف عليك من يهودها ولكن لا تجد لك من ذلك بدا، فقال له رسول الله ﷺ فلعلها أن ترسل إليّ في ذلك. فقال أبو طالب: إني أخاف أن تولي غيرك، فتطلب أمرا مدبرا فافترقا، فبلغ خديجة رضي الله تعالى عنها ما كان من محاورة عمه أبي طالب له. فقالت: ما علمت أنه يريد هذا، ثم أرسلت إليه ﷺ فقالت: إني دعاني إلى البعثة إليك ما بلغني من صدق حديثك، وعظم أمانتك، وكرم أخلاقك. وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلا من قومك، ففعل رسول الله ﷺ، ولقي عمه أبا طالب فذكر له ذلك. فقال:
عثة إليك ما بلغني من صدق حديثك، وعظم أمانتك، وكرم أخلاقك. وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلا من قومك، ففعل رسول الله ﷺ، ولقي عمه أبا طالب فذكر له ذلك. فقال: إن هذا لرزق ساقه الله إليك، فخرج ﷺ مع غلامها ميسرة: أي يريد الشام وقالت خديجة لميسرة: لا تعص له أمرا ولا تخالف له رأيا، وجعل عمومته يوصون به أهل العير: أي ومن حين سيره ﷺ أظلته الغمامة. فلما قدم ﷺ الشام نزل في سوق بصرى في ظل شجرة قريبة من صومعة راهب يقال له نسطورا: أي بالقصر، فاطلع الراهب إلى ميسرة وكان يعرفه. فقال: يا ميسرة من هذا الذي نزل تحت الشجرة؟ فقال ميسرة: رجل من قريش من أهل الحزم. فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي: أي صانها الله تعالى أن ينزل تحتها غير نبيّ. ثم قال له: أفي عينيه حمرة؟ قال ميسرة نعم لا تفارقه فقال الراهب: هو هو، وهو آخر الأنبياء، ويا ليت أني أدركه حين يؤمر بالخروج: أي يبعث، فوعى ذلك ميسرة: أي والحمرة كانت في بياض عينيه وهي الشكلة. ومن ثم قيل في وصفه ﷺ: أشكل العينين، فهذه الشكلة من علامات نبوّته ﷺ في الكتب القديمة، أي وقد تقدم ذلك.
قال: وفي الشرف للنيسابوري: فلما رأى الراهب الغمامة تظله ﷺ فزع وقال: ما أنتم عليه: أي أيّ شيء أنتم عليه؟ قال: ميسرة غلام خديجة رضي الله تعالى عنها، فدنا إلى النبي ﷺ سرا من ميسرة وقبل رأسه وقدمه وقال: آمنت بك، وأنا أشهد أنك الذي ذكره الله في التوراة، ثم قال: يا محمد قد عرفت فيك العلامات كلها: أي العلامات الدالة على نبوتك المذكورة في الكتب القديمة، خلا خصلة واحدة، فأوضح لي عن كتفك، فأوضح له فإذا هو بخاتم النبوة يتلألأ، فأقبل عليه يقبله ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله النبي الأمي الذي بشر بك عيسى ابن مريم، فإنه قال: لا ينزل بعدي تحت هذه الشجرة إلا النبي الأميّ الهاشمي العربي المكي، صاحب الحوض والشفاعة، وصاحب لواء الحمد انتهى. أقول: قال في النور: ولم أجد أحدا عدّ هذا الراهب الذي هو نسطورا في الصحابة رضي الله تعالى عنهم كما عدّ بعضهم فيها بحيرا الراهب، وينبغي أن يكون هذا مثله هذا كلامه. وقد قدمنا أنه سيأتي أن بحيرا ونسطورا ونحوهما ممن صدّق بأنه ﷺ نبي هذه الأمة من أهل الفترة لا من أهل الإسلام فضلا عن كونه صحابيا، لأن المسلم من أقرّ برسالته ﷺ بعد وجودها إلى آخر ما يأتي. ومن ثم ذكر الحافظ ابن حجر في الإصابة أن بحيرا ممن ذكر في كتب الصحابة غلطا، قال: لأن تعريف الصحابي لا ينطبق عليه، وهو مسلم لقي النبي ﷺ مؤمنا به، ومات على ذلك قال: فقولي مسلم يخرج من لقيه مؤمنا به قبل أن يبعث كهذا الرجل يعني بحيرا، هذا كلامه، ومراده ما ذكرنا، ولعل نسطورا هذا هو الذي تنسب إليه النسطورية من النصارى، فإن النصارى افترقت ثلاث فرق، نسطورية قالوا عيسى ابن الله. ويعقوبية قالوا عيسى هو الله ﷿ هبط إلى الأرض ثم صعد إلى السماء. وملكانية قالوا عيسى عبد الله ونبيه. زاد بعضهم فرقة رابعة وهم إسرائيلية قالوا هو إله وأمه إله والله إله.
سى هو الله ﷿ هبط إلى الأرض ثم صعد إلى السماء. وملكانية قالوا عيسى عبد الله ونبيه. زاد بعضهم فرقة رابعة وهم إسرائيلية قالوا هو إله وأمه إله والله إله. هذا وفي القاموس: النسطورية بالضم ويفتح: أمة من النصارى تخالف بقيتهم، وهم أصحاب نسطورا الحكيم الذي ظهر في أيام المأمون وتصرف في الإنجيل برأيه وقال إن الله واحد ذو أقانيم ثلاثة، وهو بالرومية نسطورس، كما افترقت اليهود ثلاث فرق، فإنها افترقت إلى قرائية وربانية وسامرية. ولا يخفى أن بقاء تلك الشجرة هذا الزمن الطويل قبل عيسى وبعده إلى زمن نبينا ﷺ على خلاف العادة، وصرف غير الأنبياء عن النزول تحت تلك الشجرة وكذا صرف الأنبياء الذين وجدوا بعد عيسى على ما تقدم عن النزول تحت تلك الشجرة بعد عيسى الذي دلت عليه الرواية الأولى والرواية الثانية ممكن، وإن كانت الشجرة
لا تبقي في العادة هذا الزمن الطويل، ويبعد في العادة أن تكون شجرة تخلو عن أن ينزل تحتها أحد غير الأنبياء، لأن هذا الأمر مع كونه ممكنا خارق للعادة، والأنبياء لهم خرق العوائد سيما نبينا ﷺ. وبهذا يردّ قول السهيلي: يريد ما نزل تحت هذه الشجرة الساعة إلا نبي ولم يرد ما نزل تحتها قط إلا نبي لبعد العهد بالأنبياء ﵈ قبل ذلك وإن كان في لفظ الخبر «قط» أي كما تقدم، فقد تكلم بها على جهة التأكيد للنفي، والشجرة لا تعمر في العادة هذا العمر الطويل حتى يدرى أنه لم ينزل تحتها إلا عيسى أو غيره من الأنبياء. ويبعد في العادة أيضا أن تكون شجرة تخلو من أن ينزل تحتها أحد حتى يجيء نبي، هذا كلامه. وقد يقال: يجوز أن تكون تلك الشجرة كانت شجرة زيتون. فقد ذكر أن شجرة الزيتون تعمر ثلاثة آلاف سنة، على أن في بعض الروايات: ونزل رسول الله ﷺ تحت شجرة يابسة نخر عودها، فلما اطمأن تحتها اخضرت ونورت، واعشوشب ما حولها، وأينع ثمرها، ودلت أغصانها ترفرف على رسول الله ﷺ. قال بعضهم: المختار عند جمهور المحققين من أهل السنة أن كل ما جاز وقوعه للأنبياء عليهم الصلاة والسلام من المعجزات جاز للأولياء مثله من الكرامات بشرط عدم التحدي، لأن المعجزة يعتبر فيها التحدي وأن تكون بعد النبوة، وما قبل النبوة كما هنا يقال له إرهاص.
م من المعجزات جاز للأولياء مثله من الكرامات بشرط عدم التحدي، لأن المعجزة يعتبر فيها التحدي وأن تكون بعد النبوة، وما قبل النبوة كما هنا يقال له إرهاص. وحينئذ لا يستبعد ما ذكر عن الشيخ رسلان ﵀ أنه كان إذا استند إلى شجرة يابسة قد ماتت تورق ويخرج ثمرها في الحال. على أنه سيأتي في الكلام على غزاة الخندق أن كرامات الأولياء معجزات لأنبيائهم. ولما رأى الراهب ما ذكر لم يتمالك الراهب أن انحدر من صومعته، وقال له: باللات والعزى ما اسمك؟ فقال له: إليك عني، ثكلتك أمك، ومع ذلك الراهب رقّ مكتوب، فجعل ينظر في ذلك الرق، ثم قال هو هو ومنزل التوراة، فظن بعض القوم أن الراهب يريد بالنبي ﷺ مكرا، فانتضى سيفه وصاح: يا آل غالب يا آل غالب، فأقبل الناس يهرعون إليه من كل ناحية يقولون: ما الذي راعك؟ فلما نظر الراهب إلى ذلك أقبل يسعى إلى صومعته فدخلها وأغلق عليه بابها، ثم أشرف عليهم فقال: يا قوم ما الذي راعكم مني؟ فو الذي رفع السموات بغير عمد إني لأجد في هذه الصحيفة أن النازل تحت هذه الشجرة هو رسول رب العالمين ﷺ، يبعثه الله بالسيف المسلول، وبالريح الأكبر، وهو خاتم النبيين، فمن أطاعه نجا، ومن عصاه غوى، ثم حضر رسول الله ﷺ سوق بصرى، فباع سلعته التي خرج بها واشترى. قال: ولم أقف على تعيين ما باعه وما اشتراه انتهى.
وكان بينه ﷺ وبين رجل اختلاف في سلعة، فقال الرجل لرسول الله ﷺ: احلف باللات والعزى، فقال النبي ﷺ: «ما حلفت بهما قط» ، فقال الرجل القول قولك، ثم قال الرجل لميسرة وقد خلا به: يا ميسرة هذا نبي، والذي نفسي بيده إنه لهو الذي تجده أحبارنا منعوتا: أي في الكتب، فوعى ميسرة ذلك: أي وقبل أن يصلوا إلى بصرى عيي بعيران لخديجة وتخلف معهما ميسرة، وكان رسول الله ﷺ في أول الركب فخاف ميسرة على نفسه وعلى البعيرين، فانطلق يسعى إلى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك، فأقبل رسول الله ﷺ إلى البعيرين، فوضع يده على أخفافهما وعوذهما، فانطلقا في أول الركب ولهما رغاء. قال: وفي الشرف أنهم باعوا متاعهم، وربحوا ربحا ما ربحوا مثله قط. قال ميسرة: يا محمد اتجرنا لخديجة أربعين سنة ما ربحنا ربحا قط أكثر من هذا الربح على وجهك انتهى. وأقول: لا يخفى ما في قول ميسرة: أتجرنا لخديجة أربعين سنة، ولعلها مصحفة عن سفرة، أو هو على المبالغة، والله أعلم. ثم انصرف أهل البعير جميعا راجعين مكة، وكان ميسرة يرى ملكين يظللانه ﷺ من الشمس وهو على بعيره إذا كانت الهاجرة واشتد الحر، وهذا هو المعنى بقول الخصائص الصغرى: وخص ﷺ بإظلال الملائكة له في سفره.
ن ميسرة يرى ملكين يظللانه ﷺ من الشمس وهو على بعيره إذا كانت الهاجرة واشتد الحر، وهذا هو المعنى بقول الخصائص الصغرى: وخص ﷺ بإظلال الملائكة له في سفره. ويحتمل أن المراد في كل سفر سافره، لكن لم أقف على إظلال الملائكة له ﷺ في غير هذه السفرة. وقد ألقى الله تعالى محبة رسول الله ﷺ في قلب ميسرة، فكان كأنه عبده، فلما كانوا بمرّ الظهران: أي وهو واد بين مكة وعسفان، وهو الذي تسميه العامة بطن مرو، وهو المعروف الآن بوادي فاطمة. قال ميسرة للنبي ﷺ: هل لك أن تسبقني إلى خديجة فتخبرها بالذي جرى، لعلها تزيدك بكرة إلى بكرتيك: أي وفي رواية: تخبرها بما صنع الله تعالى لها على وجهك، فركب النبي ﷺ وتقدم حتى دخل مكة في ساعة الظهيرة وخديجة في علية: أي في غرفة مع نساء، فرأت رسول الله ﷺ حين دخل وهو راكب على بعيره وملكان يظللان عليه، فأرته نساءها فعجبن لذلك، ودخل عليها رسول الله ﷺ فخبرها بما ربحوا، وهو ضعف ما كانت تربح، فسرت بذلك وقالت: أين ميسرة؟ قال: «خلفته في البادية» ، قالت: عجل إليه ليعجل بالإقبال وإنما أرادت أن تعلم أهو الذي رأت أم غيره؟ فركب رسول الله ﷺ، وصعدت خديجة تنظر فرأته على الحالة الأولى، فاستيقنت أنه هو. فلما دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت، فقال لها ميسرة: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام، وإلى ذلك أشار الإمام السبكي ﵀ في تائيته بقوله:
فاستيقنت أنه هو. فلما دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت، فقال لها ميسرة: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام، وإلى ذلك أشار الإمام السبكي ﵀ في تائيته بقوله:
وميسرة قد عاين الملكين إذ ... أظلاك لما سرت ثاني سفرة وأخبرها ميسرة بقول الراهب نسطورا، وقول الآخر الذي حالفه: أي استحلفه في البيع: أي وقصة البعيرين. وحينئذ أعطت خديجة له ﷺ ضعف ما سمته له: أي وما سمته له ضعف ما كانت تعطيه لرجل من قومه كما تقدم. وقول ميسرة له ﷺ فيما تقدم: لعلها تزيدك بكرة إلى بكرتيك يدل على أنها سمت له بكرتين، وكانت تسمي لغيره بكرة. وفي كلام بعضهم: وفي الروض الباسم: استأجرته على أربع بكرات. وفي الجامع الصغير ما نصه: آجرت نفسي من خديجة سفرتين بقلوصين. ثم رأيت في الإمتاع ما يوافق ذلك، ونصه: وأجر ﷺ نفسه من خديجة سفرتين بقلوصين، وفي السفرة الأولى أرسلته مع عبدها ميسرة إلى سوق حباشة: أي وهو مكان بأرض اليمن بينه وبين مكة ست ليال كانوا يبتاعون فيه ثلاثة أيام، من أول رجب في كل عام، فابتاعا منه بزا ورجعا إلى مكة، فربحا ربحا حسنا. وفي السفرة الثانية أرسلته مع عبدها ميسرة إلى الشام. وفيه أن سفره مع ميسرة إلى الشام سفرة ثالثة. فعن مستدرك الحاكم وصححه وأقره الذهبي عن جابر: أن خديجة استأجرته ﷺ سفرتين إلى جرش بضم الجيم وفتح الراء: موضع باليمن كل سفرة بقلوص، وهي الشابة من الإبل، وهو يفيد أنه ﷺ سافر لها ثلاث سفرات كما تقدم، ولعل سوق حباشة هو جرش، وإلا لزم أن يكون ﷺ سافر لها خمس سفرات: أربعة إلى اليمن، وواحدة إلى الشام، وما تقدم عن الروض الباسم من أنها استأجرته في سفرة إلى الشام بأربع بكرات لا يناسب ما تقدم عن ميسرة. قد جاء في بعض الروايات: أن أبا طالب جاء لخديجة، وقال لها: هل لك أن تستأجري محمدا؟ فقد بلغنا أنك استأجرت فلانا ببكرتين، وليس نرضى لمحمد دون أربع بكرات، فقالت خديجة: لو سألت لبعيد بغيض، فكيف وقد سألت لحبيب قريب؟.
لك أن تستأجري محمدا؟ فقد بلغنا أنك استأجرت فلانا ببكرتين، وليس نرضى لمحمد دون أربع بكرات، فقالت خديجة: لو سألت لبعيد بغيض، فكيف وقد سألت لحبيب قريب؟. ثم لا يخفى أن كون سفره ﷺ مع ميسرة بسوق حباشة قبل سفره معه إلى الشام مخالف لظاهر ما تقدم من قول عمه أبي طالب، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، فلو جئتها فوضعت نفسك عليها، وقول خديجة ما علمت أنه يريد هذا. وإنما قلنا ظاهر، لأنه يجوز أن يكون بعد قول أبي طالب، وقولها المذكور أرسلته ﷺ مع ميسرة إلى سوق حباشة لقرب مسافته وقصر زمنه، ثم أرسلته مع ميسرة إلى الشام، أو كانت خديجة لا تجوّز أن أبا طالب يرضى بسفره إلى الشام، وأنه ﷺ يوافق على ذلك فليتأمل.
وتقدم أنه ﷺ من حين سيره: أي من مكة صارت الغمامة تظله، فإن كانت غير الملكين، فالغمامة كانت تظله في الذهاب والملكان يظلانه في العود، ولعل عدم ذكر ميسرة لخديجة تظليل الغمامة له ﷺ في ذهابه أنه لم يفطن لها مثلا، ولكن سيأتي في كلام صاحب الهمزية ما يدل على أن الملكين هما الغمامة. وفيه وقوع رؤية البشر غير نبينا ﷺ للملائكة غير جبريل، وسيأتي رؤية جمع من الصحابة لجبريل. وفي المنقذ من الضلال للغزالي أن الصوفية يشاهدون الملائكة في يقظتهم: أي لحصول طهارة نفوسهم، وتزكية قلوبهم، وقطعهم العلائق، وحسمهم مواد أسباب الدنيا من الجاه والمال، وإقبالهم على الله تعالى بالكلية علما دائما وعملا مستمرا، والله أعلم. قال: ولم أقف على اسم الرجل الذي حالفه: أي استحلفه. وقال الحافظ ابن حجر: لم أقف على رواية صحيحة صريحة فيه بأنه: أي ميسرة بقي إلى البعثة انتهى. ثم إن خديجة ذكرت ما رأته من الآيات وما حدثها به غلامها ميسرة لابن عمها ورقة بن نوفل وكان نصرانيا: أي بعد أن كان يهوديا على ما يأتي، قد تتبع الكتب، فقال لها: إن كان هذا حقا يا خديجة إن محمدا نبي هذه الأمة، وقد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي منتظر هذا زمانه: أي وكان ﷺ يتجر قبل النبوة قبل أن يتجر لخديجة، وكان شريكا للسائب بن أبي السائب صيفي. ولما قدم عليه السائب يوم فتح مكة قال له: مرحبا بأخي وشريكي، كان لا يداري: أي لا يرائي، ولا يماري: أي يخاصم صاحبه، وهذا يدل على أن قوله كان لا يداري الخ من مقوله ﷺ. وقد قال فقهاؤنا: والأصل في الشركة خبر السائب بن يزيد أنه كان شريكا للنبي ﷺ قبل البعثة، وافتخر بشركته بعد المبعث: أي قال: كان ﷺ نعم الشريك لا يداري ولا يماري ولا يشاري. والمشاراة: المشاحة في الأمر واللجاج فيه، وهو يدل على أن ذلك كان من مقول السائب. ولا مانع أن يكون كل من النبي ﷺ والسائب قال في حق الآخر: كان لا يداري ولا يماري. وبهذا يندفع قول بعضهم: اختلفت الروايات في هذا الكلام الذي هو كان خير شريك، كان لا يشاري، ولا يماري، فمنهم من يجعله من قول النبي ﷺ في السائب، ومنهم من يجعله من قول السائب في حق النبي ﷺ.
يات في هذا الكلام الذي هو كان خير شريك، كان لا يشاري، ولا يماري، فمنهم من يجعله من قول النبي ﷺ في السائب، ومنهم من يجعله من قول السائب في حق النبي ﷺ. ويمكن أن لا يكون مخالفة بين السائب بن أبي السائب صيفي وبين السائب بن يزيد، لأنه يجوز أن يكون صيفي لقبا لوالده اسمه يزيد.
وفي الاستيعاب: وقع اضطراب هل الشريك كان أبا السائب، أو ولده السائب بن السائب، أو ولد السائب وهو قيس بن السائب بن أبي السائب لا أخ السائب، وهو عبد الله بن أبي السائب. قال: وهذا اضطراب لا يثبت به شيء، ولا تقوم به حجة. والسائب بن أبي السائب من المؤلفة، أعطاه ﷺ يوم الجعرانة من غنائم حنين. وبه يرد قول بعضهم إن السائب بن أبي السائب قتل يوم بدر كافرا. ومما يدل على أن الشركة كانت لقيس بن السائب قوله: كان رسول الله ﷺ في الجاهلية شريكي، فكان خير شريك: كان لا يشاريني، ولا يماريني. ووجه الدلالة أنه ﷺ سمع قوله: كان شريكي وأقره عليه. وذكر في الإمتاع «إن حكيم بن حزام اشترى من رسول الله ﷺ بزا من بزّ تهامة بسوق حباشة وقدم به مكة فكان ذلك سببا لإرسال خديجة له ﷺ مع عبدها ميسرة إلى سوق حباشة ليشتريا لها بزا» . وفي «سفر السعادة» أنه ﷺ وقع منه أنه باع واشترى، إلا أنه بعد الوحي وقبل الهجرة كان شراؤه أكثر من البيع وبعد الهجرة لم يبع إلا ثلاث مرات. وأما شراؤه فكثير. وآجر واستأجر، والاستئجار أغلب، ووكل وتوكل، وكان توكله أكثر.
وقبل الهجرة كان شراؤه أكثر من البيع وبعد الهجرة لم يبع إلا ثلاث مرات. وأما شراؤه فكثير. وآجر واستأجر، والاستئجار أغلب، ووكل وتوكل، وكان توكله أكثر.
باب: تزوجه ﷺ خديجة بنت خويلد ﵂ ابن أسد بن عبد العزى بن قصيّ فهي تجتمع معه ﷺ في قصي. قال الحافظ ابن حجر: وهي من أقرب نسائه ﷺ إليه في النسب، ولم يتزوج من ذرية قصي غيرها إلا أم حبيبة، هذا كلامه. وعن نفيسة بنت منبه رضي الله تعالى عنها: أي وهي أخت يعلى بن منبه. ففي الإمتاع منية أخت يعلى بن منبه، وعليه يكون ضمير وهي راجع لمنية لا لنفيسة. قالت: كانت خديجة بنت خويلد امرأة حازمة: أي ضابطة جلدة: أي قوية شريفة: أي مع ما أراد الله تعالى لها من الكرامة والخير، وهي يومئذ أوسط نساء قريش نسبا، وأعظمهم شرفا، وأكثرهم مالا: أي وأحسنهم جمالا، وكانت تدعى في الجاهلية بالطاهرة. وفي لفظ: كان يقال لها سيدة قريش، لأن الوسط في ذكر النسب من أوصاف المدح والتفضيل، يقال: فلان أوسط القبيلة: أعرقها في نسبها، وكل قومها كان حريصا على نكاحها لو قدر على ذلك، قد طلبوها وذكروا لها الأموال فلم تقبل، فأرسلتني دسيسا: أي خفية إلى محمد ﷺ بعد أن رجع في عيرها من الشام، فقلت: يا محمد ما يمنعك أن تتزوج؟ فقال: ما بيدي ما أتزوج به. قلت: فإن كفيت
ذلك ودعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاية ألا تجيب؟ قال: فمن هي؟ قلت خديجة، قال: وكيف لي بذلك؟ بكسر الكاف لأنه خطاب لنفيسة. قلت: بلى وأنا أفعل، فذهبت فأخبرتها، فأرسلت إليه أن ائت لساعة كذا وكذا، فأرسلت إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها، فحضر ودخل رسول الله ﷺ في عمومته فزوّجه أحدهم: أي وهو أبو طالب على ما يأتي. وقال في خطبته: وابن أخي له في خديجة بنت خويلد رغبة ولها فيه مثل ذلك، فقال عمرو بن أسد: هذا الفحل لا يقدع أنفه: أي بالقاف والدال المهملة: أي لا يضرب أنفه لكونه كريما، لأن غير الكريم إذا أراد ركوب الناقة الكريمة يضرب أنفه ليرتدع، بخلاف الكريم، وكون المزوّج لها عمها عمرو بن أسد قال بعضهم هو المجمع عليه. وقيل المزوّج لها أخوها عمرو بن خويلد. وعن الزهريّ أن المزوّج لها أبوها خويلد بن أسد وكان سكرانا من الخمر، فألقت عليه خديجة حلة وهي ثوب فوق ثوب، لأن الأعلى يحل فوق الأسفل، وضمخته بخلوق: أي لطخته بطيب مخلوط بزعفران فلما صحا من سكره قال: ما هذه الحلة والطيب؟ فقيل له: لأنك أنكحت محمدا خديجة وقد ابتنى بها فأنكر ذلك، ثم رضيه وأمضاه: أي لأن خديجة استشعرت من أبيها أنه يرغب عن أن يزوجها له، فصنعت له طعاما وشرابا، ودعت أباها ونفرا من قريش فطعموا وشربوا، فلما سكر أبوها قالت له: إن محمد بن عبد الله يخطبني فزوجني إياه، فزوّجها، فخلقته وألبسته، لأن ذلك: أي إلباس الحلة وجعل الخلوق به كان عادتهم أن الأب يفعل به ذلك إذا زوّج بنته، فلما صحا من سكره قال: ما هذا؟ قالت له خديجة: زوجتني من محمد بن عبد الله، قال: أنا أزوّج يتيم أبي طالب؟ لا لعمري، فقالت له خديجة: ألا تستحي، تريد أن تسفه نفسك عند قريش، تخبرهم أنك كنت سكرانا؟ فلم تزل به حتى رضي: أي وهذا مما يدل على أن شرب الخمر كان عندهم مما يتنزه عنه. ويدل له أن جماعة حرّموها على أنفسهم في الجاهلية، منهم من تقدم، ومنهم من يأتي. وفي رواية أنها عرضت نفسها عليه فقالت: يا ابن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك، وأمانتك وحسن خلقك، وصدق حديثك، فذكر ذلك ﷺ لأعمامه، فخرج معه عمه حمزة بن عبد المطلب ﵁ حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فزوّجها.
رغبت فيك لقرابتك، وأمانتك وحسن خلقك، وصدق حديثك، فذكر ذلك ﷺ لأعمامه، فخرج معه عمه حمزة بن عبد المطلب ﵁ حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فزوّجها. أقول: قال في النور ولعل الثلاثة: أي أباها وأخاها وعمها حضروا ذلك فنسب الفعل إلى كل واحد منهم، هذا كلامه. وفي كون المزوج لها أبوها خويلد أو كونه حضر تزويجها نظر ظاهر، لأن المحفوظ عن أهل العلم أن خويلد بن أسد مات قبل حرب الفجار المتقدم ذكرها. قال بعضهم: وهو الذي نازع تبعا: أي حين أراد أخذ الحجر الأسود إلى
اليمن، فقام في ذلك خويلد، وقام معه جماعة من قريش، ثم رأى تبع في منامه ما ردعه عن ذلك، فترك الحجر الأسود مكانه. وعلى كون المزوّج له عمه حمزة اقتصر ابن هشام في سيرته. وذكر أن رسول الله ﷺ أصدقها عشرين بكرة. وعبارة المحب الطبري: فلما ذكر ذلك لأعمامه خرج معه منهم حمزة بن عبد المطلب حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه ففعل، وحضره أبو طالب ورؤساء مضر فخطب أبو طالب فقال: الحمد لله القصة، والله أعلم. قال: وعن ابن إسحق أنها قالت له: يا محمد ألا تتزوج؟ قال: ومن؟ قالت: أنا، قال: ومن لي بك؟ أنت أيمّ قريش وأنا يتيم قريش؟ قالت: اخطبني الحديث: أي وفيه إطلاق اليتيم على البالغ، وذلك بحسب ما كان، والمراد به المحتاج، وإلا فالعرف أي الشرعي واللغوي خصه بغير البالغ ممن مات أبوه الحقيقي. وعن بعضهم قال: مررت أنا ورسول الله ﷺ على أخت خديجة فنادتني فانصرفت إليها، ووقف لي رسول الله ﷺ فقالت: أما لصاحبك هذا من حاجة في تزويج خديجة؟ فأخبرته، فقال: بلى لعمري، فذكرت ذلك لها، فقالت اغدوا علينا إذا أصبحنا، فغدونا عليهم فوجدناهم قد ذبحوا بقرة وألبسوا خديجة حلة، الحديث. وفي الإمتاع بعد أن ذكر أن السفير بينهما نفيسة بنت منية، ذكر أنه قيل: كان السفير بينهما غلامها، وقيل مولاة مولدة. وقد يقال: لا منافاة لجواز أن يكون كل ممن ذكر كان سفيرا.
ذكر أن السفير بينهما نفيسة بنت منية، ذكر أنه قيل: كان السفير بينهما غلامها، وقيل مولاة مولدة. وقد يقال: لا منافاة لجواز أن يكون كل ممن ذكر كان سفيرا. وفي الشرف أن خديجة رضي الله تعالى عنها قالت للنبي ﷺ: اذهب إلى عمك فقل له تعجل إلينا بالغداة، فلما جاءها ومعه رسول الله ﷺ قالت له: يا أبا طالب تدخل على عمي فكلمه يزوجني من ابن أخيك محمد بن عبد الله فقال أبو طالب: يا خديجة لا تستهزئي، فقالت: هذا صنع الله، فقام فذهب وجاء مع عشرة من قومه إلى عمها، الحديث: أي وفي رواية ومعه بنو هاشم ورؤساء مضر. ولا مخالفة لجواز أن يكون المراد ببني هاشم أولئك العشرة، وأنهم كانوا هم المراد برؤساء مضر في ذلك الوقت. وذكر أبو الحسين بن فارس وغيره أن أبا طالب خطب يومئذ فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسمعيل، وضئضيء معدّ: أي معدنه، وعنصر مضر: أي أصله، وجعلنا حضنة بيته: أي المتكفلين بشأنه، وسوّاس حرمه: أي القائمين بخدمته، وجعله لنا بيتا محجوجا، وحرما آمنا، وجعلنا حكام الناس. ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل إلا رجح به شرفا ونبلا وفضلا
وعقلا، وإن كان في المال قلّ، فإن المال ظل زائل، وأمر حائل، وعارية مسترجعة، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم، وخطر جليل، وقد خطب إليكم رغبة في كريمتكم خديجة، وقد بذل لها من الصداق ما عاجله وآجله اثنتي عشرة أوقية ونشا: أي وهو عشرون درهما والأوقية: أربعون درهما، أي وكانت الأواقي والنش من ذهب كما قال المحب الطبري: أي فيكون جملة الصداق خمسمائة درهم شرعي. وقيل أصدقها عشرين بكرة، أي كما تقدم. أقول: لا منافاة لجواز أن تكون البكرات عوضا عن الصداق المذكور. وقال بعضهم: يجوز أن يكون أبو طالب أصدقها ما ذكر وزاد ﷺ من عنده تلك البكرات في صداقها فكان الكل صداقا، والله أعلم. قال: وما قيل إن عليا رضي الله تعالى عنه ضمن المهر فهو غلط، لأن عليا لم يكن ولد على جميع الأقوال في مقدار عمره، وبه يردّ قول بعضهم: وكون عليّ ضمن المهر غلط، لأن عليا كان صغيرا لم يبلغ سبع سنين: أي لأنه ولد في الكعبة وعمره ﷺ ثلاثون سنة فأكثر، وسنه حين تزوج خديجة كان خمسا وعشرين سنة على ما تقدم أو زيادة بشهرين وعشرة أيام. وقيل خمسة عشر يوما على ما يأتي وقيل الذي ولد في الكعبة حكيم بن حزام. قال بعضهم: لا مانع من ولادة كليهما في الكعبة، لكن في النور: حكيم بن حزام ولد في جوف الكعبة، ولا يعرف ذلك لغيره. وأما ما روي أن عليا ولد فيها فضعيف عند العلماء.
لا مانع من ولادة كليهما في الكعبة، لكن في النور: حكيم بن حزام ولد في جوف الكعبة، ولا يعرف ذلك لغيره. وأما ما روي أن عليا ولد فيها فضعيف عند العلماء. قال النووي: وعند ذلك قال عمها عمرو بن أسد: هو الفحل لا يقدع أنفه وأنكحها منه. وقيل قائل ذلك ورقة بن نوفل: أي فإنه بعد أن خطب أبو طالب بما تقدم خطب ورقة، فقال: الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت، وفضلنا على ما عددت، فنحن سادة العرب وقادتها، وأنتم أهل ذلك كله لا ينكر العرب فضلكم، ولا يردّ أحد من الناس فخركم وشرفكم ورغبتنا في الاتصال بحبلكم وشرفكم، فاشهدوا عليّ معاشر قريش إني قد زوّجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله وذكر المهر، فقال أبو طالب: قد أحببت أن يشركك عمها، فقال عمها: اشهدوا عليّ معاشر قريش إني قد أنكحت محمد بن عبد الله خديجة بنت خويلد، وأو لم عليها ﷺ: نحر جزورا، وقيل جزورين، وأطعم الناس، وأمرت خديجة جواريها أن يرقصن ويضربن الدفوف، وفرح أبو طالب فرحا شديدا، وقال: الحمد لله الذي أذهب عنا الكرب، ودفع عنا الغموم، وهي أول وليمة أولمها رسول الله ﷺ. أقول: ولا ينافي هذا ما تقدم من قوله: فوجدناهم قد ذبحوا بقرة، وألبسوا خديجة حلة، لجواز أن يكون ذلك كان عند العقد، وهذا عند إرادة الدخول. ولا
الله ﷺ. أقول: ولا ينافي هذا ما تقدم من قوله: فوجدناهم قد ذبحوا بقرة، وألبسوا خديجة حلة، لجواز أن يكون ذلك كان عند العقد، وهذا عند إرادة الدخول. ولا
ينافي ذلك ما تقدم من قوله، وقد ابتنى بها، لأن تلك الرواية غير صحيحة، ولا ينافي كون المزوّج له عمه أبو طالب ما تقدم أن المزوج له عمه حمزة، لجواز أن يكون حضر مع أبي طالب فنسب التزويج إليه أيضا، والله أعلم. والسبب في ذلك: أي في عرض خديجة رضي الله تعالى عنها نفسها عليه ﷺ أيضا مع ما أراد الله تعالى بها من الخير، ما ذكره ابن إسحق. قال: كان لنساء قريش عيد يجتمعن فيه في المسجد، فاجتمعن يوما فيه، فجاءهن يهودي وقال أيا معشر نساء قريش إنه يوشك فيكنّ نبي قرب وجوده، فأيتكن استطاعت أن تكون فراشا له فلتفعل، فحصبته النساء: أي رمينه بالحصباء، وقبحنه وأغلظن له، وأغضت خديجة على قوله، ووقع ذلك في نفسها، فلما أخبرها ميسرة بما رآه من الآيات وما رأته هي: أي وما قاله لها ورقة لما حدثته بما حدثها به ميسرة مما تقدم قالت: إن كان ما قاله اليهودي حقا ما ذاك إلا هذا. وذكر الفاكهي عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ كان عند أبي طالب، فاستأذن أبا طالب في أن يتوجه إلى خديجة: أي ولعله بعد أن طلبت منه ﷺ الحضور إليها وذلك قبل أن يتزوجها، فأذن له وبعث بعده جارية له يقال لها نبعة، فقال: انظري ما تقول له خديجة، فخرجت خلفه، فلما جاء ﷺ إلى خديجة أخذت بيده فضمتها إلى صدرها ونحرها، ثم قالت: بأبي أنت وأمي، والله ما أفعل هذا الشيء، ولكني أرجو أن تكون أنت النبي الذي سيبعث، فإن تكن هو فاعرف حقي ومنزلتي، وادع الإله الذي سيبعثك لي، فقال لها والله لئن كنت أنا هو لقد اصطنعت عندي ما لا أضيعه أبدا، وإن كان غيري فإن الإله الذي تصنعين هذا لأجله لا يضيعك أبدا، فرجعت نبعة وأخبرت أبا طالب بذلك، وكان تزويجه ﷺ بخديجة رضي الله تعالى عنها بعد مجيئه من الشام بشهرين أو خمسة عشر يوما، وعمره إذ ذاك خمس وعشرون سنة على ما هو الصحيح الذي عليه الجمهور كما تقدم. زاد بعضهم على الخمسة والعشرين سنة شهرين وعشرة أيام، وقد أشار إلى ما تقدم صاحب الهمزية بقوله:
وعشرون سنة على ما هو الصحيح الذي عليه الجمهور كما تقدم. زاد بعضهم على الخمسة والعشرين سنة شهرين وعشرة أيام، وقد أشار إلى ما تقدم صاحب الهمزية بقوله: ورأته خديجة والتقى والزه ... د فيه سجية والحياء وأتاها أن الغمامة والسر ... ح أظلته منهما أفياء وأحاديث أن وعد رسول الله ... بالبعث حان منه الوفاء فدعته إلى الزواج وما أح ... سن ما يبلغ المنى الأذكياء أي وعلمته خديجة رضي الله تعالى عنها، ذات الشرف الطاهر، والمال الوافر الظاهر، والحسب الفاخر، والحال أن التقى والزهد والحياء فيه ﷺ سجية وطبيعة،
وأتاها الخبر بأن الغمامة والشجر أظلته: أفياء: أي أظلال حالة كون تلك الأفياء من الغمامة والشجر. وفيه أن هذا يدل على أن الملكين هما الغمامة. قال بعضهم: وتظليل الغمامة له ﷺ كان قبل النبوة تأسيسا لها، وانقطع ذلك بعد النبوة، وأتى خديجة الأحاديث والأخبار من بعض الأحبار بأن وعد الله لرسوله ﷺ بالبعث والإرسال إلى الخلق قرب الوفاء به منه تعالى لرسوله ﷺ، فبسبب ذلك خطبته إلى أن يتزوج بها وعرضت نفسها عليه. وما أحسن بلوغ الأذكياء ما يتمنونه. وتزوجها رسول الله ﷺ وهي يومئذ بنت أربعين سنة. قال: وقيل خمس وأربعين سنة، وقيل ثلاثين، وقيل ثمان وعشرين اهـ: أي وقيل خمس وثلاثين وقيل خمس وعشرين. وتزوجت قبله ﷺ برجلين. أولهما عتيق بن عابد: أي بالموحدة والمهملة، وقيل بالمثناة تحت والمعجمة فولدت له بنتا اسمها هند، وهي أم محمد بن صيفي المخزومي. وثانيهما أبو هالة، واسمه هند، فولدت له ولدا اسمه هالة، وولدا اسمه هند أيضا فهو عند بن هند: أي وكان يقول: أنا أكرم الناس أبا وأما وأخا وأختا، أبي رسول الله ﷺ لأنه زوج أمه، وأمي خديجة، وأخي القاسم، وأختي فاطمة، قتل هند هذا مع عليّ يوم الجمل رضي الله تعالى عنه. وفي كلام السهيلي أنه مات بالطاعون بالبصرة، وكان قد مات في ذلك اليوم نحو من سبعين ألفا فشغل الناس بجنائزهم عن جنازته، فلم يوجد من يحملها، فصاحت نادبته: واهنداه بن هنداه، واربيب رسول الله، فلم تبق جنازة إلا تركت واحتملت جنازته على أطراف الأصابع إعظاما لربيب رسول الله ﷺ هذا. هذا وفي المواهب أنها كانت تحت أبي هالة أولا، ثم كانت تحت عتيق ثانيا، وستأتي بقية ترجمتها ﵂ في أزواجه ﷺ.
باب: بنيان قريش الكعبة شرفها الله تعالى لما بلغ رسول الله ﷺ خمسا وثلاثين سنة على ما هو الصحيح جاء سيل حتى أتى من فوق الردم الذي صنعوه لمنعه السيل فأخربه: أي ودخلها وصدّع جدرانها بعد توهينها من الحريق الذي أصابها. وذلك أن امرأة بخرتها فطارت شرارة في ثياب الكعبة فاحترقت جدرانها، فخافوا أن تفسدها السيول: أي تذهبها بالمرة. وقيل تبخير المرأة كان لها في زمن
أصابها. وذلك أن امرأة بخرتها فطارت شرارة في ثياب الكعبة فاحترقت جدرانها، فخافوا أن تفسدها السيول: أي تذهبها بالمرة. وقيل تبخير المرأة كان لها في زمن
عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما. ولا مانع من التعدد، وكان ارتفاعها تسعة أذرع من عهد إبراهيم ﵊، ولم يكن لها سقف: أي وكان الناس يلقون الحليّ والمتاع كالطيب أي الذي يهدى إليها في بئر داخلها عند بابها على يمين الداخل منه أعدت لذلك، يقال لها خزانة الكعبة كما سيأتي ذلك. فأراد شخص في أيام جرهم أن يسرق من ذلك شيئا فوقع على رأسه وانهار البئر عليه فهلك. وفي كلام بعضهم: فسقط عليه حجر فحبسه في تلك البئر حتى أخرج منها وانتزع المال منه، فليتأمل الجمع. وقد يقال على بعد: جاز أن يكون هذا الرجل تكرر منه السرقة، وكان هلاكه في المرة الثانية، فعند ذلك بعث الله حية بيضاء سوداء الرأس والذنب رأسها كرأس الجدي، فأسكنها تلك البئر لحفظ تلك الأمتعة، وكانت قد تخرج منها إلى ظاهر البيت فتشرق بالقاف أي تبرز للشمس على جدار الكعبة، فيبرق لونها، وربما التفت عليه فتصير رأسها عند ذنبها، فلا يدنو منها أحد إلا كشت: أي صوّتت وفتحت فاها معطوف على كشت.
قاف أي تبرز للشمس على جدار الكعبة، فيبرق لونها، وربما التفت عليه فتصير رأسها عند ذنبها، فلا يدنو منها أحد إلا كشت: أي صوّتت وفتحت فاها معطوف على كشت. ففي حياة الحيوان قال الجوهري: كشيش الأفعى صوتها من جلدها لا من فيها، فحرست بئره وخزانة البيت خمسمائة عام، لا يقربه أحد: أي لا يقرب بئره وخزانته إلا أهلكته: أي ولعل المراد لو قرب منه أحد أهلكته، إذ لو هلكت أحدا قرب من تلك البئر لنقل، فلم تزل كذلك حتى كان زمن قريش ووجد هذا السيل والحريق، أرادوا هدمها وإعادة بنائها، وأن يشيدوا بنيانها: أي يرفعوه ويرفعوا بابها، حتى لا يدخلها إلا من شاؤوا واجتمعت القبائل من قريش تجمع الحجارة كل قبيلة تجمع على حدة، وأعدوا لذلك نفقة أي طيبة، ليس فيها مهر بغيّ، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس أي بعد أن قام أبو وهب عمرو بن عابد، فتناول منها حجرا فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال عند ذلك: يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا، الحديث: أي وفي لفظ أنه قال لهم: لا تدخلوا في نفقة هذا البيت مهر بغيّ: أي زانية ولا بيع ربا وفي لفظ: لا تجعلوا في نفقة هذا البيت شيئا أصبتموه غصبا ولا قطعتم فيه رحما، ولا انتهكتم فيه حرمة أو ذمة بينكم وبين أحد من الناس. وأبو وهب هذا خال عبد الله أبي النبي ﷺ، وكان شريفا في قومه، وكان رسول الله ﷺ ينقل معهم الحجارة. روى الشيخان عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: لما بنيت الكعبة ذهب رسول الله ﷺ والعباس رضي الله تعالى عنه ينقلان الحجارة، فقال العباس للنبي ﷺ: اجعل إزارك على رقبتك يقيك الحجارة: أي كبقية القوم، فإنهم كانوا يضعون أزرهم على عواتقهم، ويحملون الحجارة، ففعل ﷺ فخرّ إلى الأرض،
فطمحت عيناه إلى السماء: أي وندوي: عورتك، فقال إزاري إزاري: أي شدوا عليّ إزاري، فشدّ عليه. وفي رواية: سقط فغشي عليه، فضمه العباس إلى نفسه، وسأله عن شأنه، فأخبره أنه نودي من السماء أن شد عليك إزارك، وهذا يبعد ما جاء في رواية قال له العباس أي بعد أن أمر بستر عورته وسترها: يا ابن أخي اجعل إزارك على رأسك، فقال: ما أصابني ما أصابني إلا من التعرّي. وفي رواية: بينا النبي ﷺ يحمل الحجارة من أجياد وعليه نمرة فضاقت عليه النمرة فذهب يضعها على عاتقه فبدت عورته، فنودي يا محمد خمر عورتك: أي غطها، فلم ير عريانا أي مكشوف العورة بعد ذلك. أي وقد يقال: هذا لا يخالف ما تقدم عن العباس رضي الله تعالى عنه، لأنه يجوز أن يكون ذلك صدر من العباس حينئذ، وغايته أنه سمى النمرة إزارا له. قال: واستبعد بعض الحفاظ ذلك: أي وقوع هذا مع ما تقدم من نهيه عن ذلك: أي الذي تضمنه الأمر بالستر عند إصلاح عمه أبي طالب لزمزم قبل هذا، قال لأنه ﷺ إذا نهي عن شيء مرة لا يعود إليه ثانيا بوجه من الوجوه اهـ: أي وقد عاد إلى ذلك. أقول: يجوز أن يكون ﷺ لم يفهم أن أمره بستر عورته أولا عزيمة، بل جواز الترك، وفي الثانية علم أنه عزيمة. لا يقال: تقدم «من كرامتي على ربي أن أحدا لم ير عورتي» وتقدم أن ذلك من خصائصه ﷺ. ففي الخصائص الصغرى «أنه ﷺ لم تر عورته قط، ولو رآها أحد طمست عيناه» لأنه لا يلزم من كشف عورته ﷺ رؤيتها كما لم يلزم من حضانته وتربيته ومجامعة زوجاته ذلك. فعن عائشة رضي الله تعالى عنها «ما رأيت منه، ﷺ» والظاهر أن بقية زوجاته كذلك، والله أعلم. ثم عمدوا إليها ليهدموها على شفق وحذر: أي خوف من أن يمنعهم الله تعالى ما أرادوا: أي بأن يوقع بهم البلاء قبل ذلك، سيما وقد شاهدوا ما وقع لعمرو بن عائذ.
ثم عمدوا إليها ليهدموها على شفق وحذر: أي خوف من أن يمنعهم الله تعالى ما أرادوا: أي بأن يوقع بهم البلاء قبل ذلك، سيما وقد شاهدوا ما وقع لعمرو بن عائذ. أي قال: وعند ابن إسحق أن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه أي خافوا من أنه يحصل لهم بسببه بلاء، فقال الوليد بن المغيرة لهم، أتريدون بهدمها الإصلاح أم الإساءة؟ قالوا: بل نريد الإصلاح، قال: فإن الله لا يهلك المصلحين، قالوا من الذي يعلوها فيهدمها، قال أنا أعلوها وأنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول ثم قام عليها وهو يقول: اللهم لم ترع أي بالراء والعين المهملتين، والضمير في ترع للكعبة: أي لا تفزع الكعبة لا نريد إلا الخير: أي وفي رواية لم نزغ بالنون والزاي
المعجمة: أي لمن نحل عن دينك ثم هدم من ناحية الركنين، فتربص الناس تلك الليلة، وقالوا ننظر، فإن أصيب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شيء هدمناها فقد رضي الله ما صنعنا فأصبح الوليد من ليلته غاديا إلى عمله فهدم وهدم الناس معه حتى انتهى الهدم بهم إلى الأساس أساس إبراهيم ﷺ، وأفضوا إلى حجارة خضر كالأسنمة: أي أسنمة الإبل. وفي لفظ كالأسنة. قال السهيلي: وهو وهم من بعض النقلة عن ابن إسحق، هذا كلامه: أي وقد يقال: هي كالأسنة في الخضرة وكالأسمنة في العظم.
مة: أي أسنمة الإبل. وفي لفظ كالأسنة. قال السهيلي: وهو وهم من بعض النقلة عن ابن إسحق، هذا كلامه: أي وقد يقال: هي كالأسنة في الخضرة وكالأسمنة في العظم. لا يقال: الأسنة زرق. لأنا نقول شديد الزرقة يرى أخضر، أخذ بعضها ببعض، فأدخل رجل ممن كان يهدم عتلته بين حجرين منهما ليقلع بها بعضها فلما تحرك الحجر تنفضت مكة: أي تحركت بأسرها، وأبصر القوم برقة خرجت من تحت الحجر كادت تخطف بصر الرجل، فانتهوا عن ذلك الأساس. ووجدت قريش في الركن كتابا بالسريانية فلم يدر ما هو حتى قرأه لهم رجل من اليهود فإذا هو: أنا الله ذو بكة، خلقتها يوم خلقت السموات والأرض، وصورت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء، لا يزول أخشباها أي جبلاها، وهما أبو قبيس وهو جبل مشرف على الصفا. وقعيقعان: وهو جبل مشرف على مكة وجهه إلى أبي قبيس يبارك لأهلها في الماء واللبن، ووجدوا في المقام: أي محله، كتابا آخر مكتوب فيه: مكة بلد الله الحرام، يأتيها رزقها من ثلاث سبل. ووجدوا كتابا آخر مكتوب فيه: من يزرع خيرا يحصد غبطة: أي ما يغبط أي يحسد حسدا محمودا عليه، ومن يزرع شرا يحصد ندامة: أي ما يندم عليه. تعملون السيئات، وتجزون الحسنات، أجل: أي نعم، كما يجنى من الشوك العنب أي الثمر. أي وفي السيرة الشامية أن ذلك وجد مكتوبا في حجر في الكعبة. وفي كلام بعضهم: وجدوا حجرا فيه ثلاثة أسطر: الأول أنا الله ذو بكة، صنعتها يوم صنعت الشمس والقمر إلى آخره. وفي الثاني: أنا الله ذو بكة خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته. وفي الثالث: أنا الله ذو بكة خلقت الخير والشر، فطوبى لمن كان الخير على يديه، وويل لمن كان الشر على يديه. قال ابن المحدث: ورأيت في مجموع أنه وجد بها حجر مكتوب عليه: أنا الله ذو بكة، مفقر الزناة، ومعري تارك الصلاة، أرخصها والأقوات فارغة، وأغليها والأقوات ملآنة: أي فارغ محلها وملآن محلها، هذا كلامه. وقد يقال: لا مانع من أن يكون ذلك حجرا آخر، أو يكون هو ذلك الحجر، وما ذكر مكتوب في محل آخر منه: أي وفي الإصابة عن الأسود بن عبد يغوث عن أبيه أنهم وجدوا كتابا بأسفل المقام، فدعت قريش رجلا من حمير، فقال: إن فيه
لحرفا لو حدثتكموه لقتلتموني قال: وظننا أن فيه ذكر محمد ﷺ فكتمناه، وكان البحر قد رمى بسفينة إلى ساحل جدة: أي الذي به جدة الآن، وكان ساحل مكة قبل ذلك الذي يرمي به السفن يقال له الشعيبية بضم الشين، فلا يخالف قول غير واحد، فلما كانت السفينة بالشعيبية ساحل مكة انكسرت. وفي لفظ حبسها الريح، وتلك السفينة كانت لرجل من تجار الروم اسمه باقوم وكان بانيا. وقيل كانت تلك السفينة لقيصر ملك الروم يحمل له فيها الرخام والخشب والحديد، سرحها مع باقوم إلى الكنيسة التي حرقها الفرس بالحبشة، فلما بلغت مرساها من جدة، وقيل من الشعيبية بعث الله تعالى عليها ريحا فحطمها: أي كسرها. فخرج الوليد بن المغيرة في نفر من قريش إلى السفينة فابتاعوا خشبها، فأعدوه لسقف الكعبة. وقيل هابوا هدمها من أجل تلك الحية العظيمة، فكانوا كلما أرادوا القرب منه أي البيت ليهدموه بدت لهم تلك الحية فاتحة فاها، فبينا هي ذات يوم تشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع بعث الله طائرا أعظم من النسر، فاختطفها وألقاها في الحجون فالتقمتها الأرض، قيل وهي الدابة التي تكلم الناس يوم القيامة. وقد جاء أن الدابة تخرج من شعب أجياد. وفي حديث «أن موسى ﵇ سأل ربه أن يريه الدابة التي تكلم الناس فأخرجها له من الأرض، فرأى منظرا هاله وأفزعه، فقال: أي رب ردها فردها» . فقالت قريش عند ذلك: إنا لنرجو أن يكون الله تعالى قد رضي ما أردنا: أي بعد أن اجتمعوا عند المقام، وعجوا إلى الله تعالى: ربنا لن نراع، أردنا تشريف بيتك وتزيينه، فإن كنت ترضى بذلك فأتمه واشغل عنا هذا الثعبان يعنون الحية، وإلا فما بدا لك فافعل، فسمعوا في السماء صوتا ووجبة وإذا بالطائر المذكور أخذها وذهب بها إلى أجياد، فقالوا ما ذكر، وقالوا: عندنا عامل رفيق وعندنا أخشاب، وقد كفانا الله الحية وذلك العامل هو باقوم الرومي الذي كان بالسفينة وكان بانيا كما تقدم، فإنهم جاؤوا به معهم إلى مكة، أو هو باقوم مولى سعيد بن العاص وكان نجارا، وتلك الأخشاب هي التي اشتروها من تلك السفينة التي كسرت.
ة وكان بانيا كما تقدم، فإنهم جاؤوا به معهم إلى مكة، أو هو باقوم مولى سعيد بن العاص وكان نجارا، وتلك الأخشاب هي التي اشتروها من تلك السفينة التي كسرت. أقول: ومع أخذ الطائر لتلك الحية يجوز أن يقال هابوا هدمها حتى قدم عليه الوليد بن المغيرة، فلا مخالفة بين ما تقدم عن ابن إسحق وبين هذا الظاهر في أنهم هدموها عند أخذ الطائر لتلك الحية ولم يهابوا هدمها حتى فعل الوليد ما تقدم، والله أعلم. أي ثم لما أرادوا بنيانها تجزأتها قريش: أي بعد أن أشار عليهم بذلك أو وهب
عمرو بن عائذ، فقال لهم: إني أرى أن تقسموا أربعة أرباع، فكان شق الباب لعبد مناف وزهرة، وكان ما بين الركنين الأسود واليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم وكان ظهر الكعبة لبني جمح وبني سهم ابني عمرو، وكان شق الحجر أي الجانب الذي فيه الحجر الآن لبني عبد الدار ولبني أسد ولبني عدي. والذي في كلام المقريزي: كان لبني عبد مناف ما بين الحجر الأسود إلى ركن الحجر أي وهو شق الباب، وصار لأسد وعبد الدار وزهرة الحجر كله: أي الجانب الذي فيه الحجر وصار لمخزوم دبر البيت، وصار لسائر قريش ما بين الركن اليماني إلى الركن الأسود هذا كلامه فليتأمل. وفي كلام بعضهم: وسمي الركن اليماني باليماني، لأن رجلا من اليمن بناه وكان الباني لها باقوم النجار: أي الذي هو مولى سعيد بن العاص. أقول: وكان المناسب أن يكون الذي بناها باقوم الرومي الذي كان صحبة السفينة التي كسرت، لأنه كما تقدم كان بانيا، وسيأتي التصريح بذلك. وأما باقوم مولى سعيد بن العاص فتقدم أنه كان نجارا، إلا أن يقال باقوم مولى سعيد كان نجارا بناء، واشتهر بالوصف الأول، فكان الباني لها. وفيه يحتمل أن يكون باقوم الرومي البناء كان نجارا، أيضا، واشتهر بالوصف الأول. ثم رأيت في كلام بعضهم التصريح بذلك، فقال: وكان أي باقوم الرومي نجارا بناء. فقول القائل: وكان الباني لها باقوم النجار مراده باقوم الرومي لا مولى سعيد.
ثم رأيت في كلام بعضهم التصريح بذلك، فقال: وكان أي باقوم الرومي نجارا بناء. فقول القائل: وكان الباني لها باقوم النجار مراده باقوم الرومي لا مولى سعيد. ثم رأيت في بعض الروايات ما يؤيد ذلك، وهو وصف باقوم الرومي بأنه كان نجارا. ونصها: فخرجت قريش لتأخذ خشبها: أي السفينة التي كسرت، فوجدوا الرومي الذي فيها نجارا، فقدموا به وبالخشب. فقد دلت الروايتان على أنه موصوف بالوصفين. ويحتمل أن يكون أحدهما بناها والآخر عمل سقفها، أو أنهما اشتركا فيها لما علمت أن كلا منهما كان بانيا نجارا. ثم رأيت عن ابن إسحق: وكان بمكة قبطي يعرف نجر الخشب وتسويته، فوافقهم على أن يعمل لهم سقف الكعبة ويساعده باقوم، أي الرومي، فالقبطي هو مولى سعيد بن العاص. وحينئذ ففي هذه الرواية وصف باقوم الرومي بأنه كان نجارا كالرواية التي قبلها، وسيأتي في الرواية التي تلي هذه أنه الذي بناها. وهي في الإصابة اسم الرجل الذي بنى الكعبة لقريش باقوم. وكان روميا، وكان في سفينة حبستها الريح فخرجت إليها قريش فأخذوا خشبها وقالوا له: ابنها على بنيان الكنائس، وإن باقوم الرومي أسلم ثم مات فلم يدع وارثا فدفع النبي ﷺ ميراثه لسهيل بن عمرو.
ثم لما بنوها جعلوها مدماكا من خشب الساج، ومدماكا من الحجارة من أسفلها إلى أعلاها، وزادوا فيها تسعة أذرع، فكان ارتفاعها ثمانية عشر ذراعا، ورفعوا بابها من الأرض، فكان لا يصعد إليها إلا في درج، وضاقت بهم النفقة عن بنيانها على تلك القواعد فأخرجوا منها الحجر، وفي لفظ: أخرجوا من عرضها أذرعا من الحجر وبنوا عليه جدارا قصيرا علامة على أنه من الكعبة. ولما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود اختصموا، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى حتى أعدّوا للقتال، فقرّبت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما ثم تعاقدوا هم وبنو عدي: أي تحالفوا على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة، فسموا لعقة الدم، وقد تقدم في حلف المطيبين، ومكث النزاع بينهم أربع أو خمس ليال ثم اجتمعوا في المسجد الحرام. وكان أبو أمية بن المغيرة، واسمه حذيفة أسنّ قريش كلها يومئذ: أي وهو والد أم سلمة أم المؤمنين ﵂، وهو أحد أجواد قريش المشهورين بالكرم، وكان يعرف بزاد الراكب، لأنه كان إذا سافر لا يتزود معه أحد، بل يكفي كل من سافر معه الزاد. أي وذكر بعضهم أن أزواد الراكب من قريش ثلاثة: زمعة بن الأسود بن المطلب بن عبد مناف، قتل يوم بدر كافرا، ومسافر بن أبي عمرو بن أمية، وأبو أمية ابن المغيرة وهو أشهرهم بذلك. وفي كلام بعضهم: لا تعرف قريش زاد الراكب إلا أبا أمية بن المغيرة وحده، يحتمل أن المراد لا تكاد تعرف قريش غيره بهذا الوصف لشهرته فلا مخالفة، وأبو أمية هذا مات على دينه، ولعله لم يدرك الإسلام، فقال: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم: أي وهو باب بني شيبة، وكان يقال له في الجاهلية باب بني عبد شمس الذي يقال له الآن باب السلام. وفي لفظ أوّل من يدخل من باب الصفا: أي وهو المقابل لما بين الركنين اليماني والأسود ففعلوا أي وفي كلام البلاذري أن الذي أشار على قريش بأن يضع الركن أوّل من يدخل من باب بني شيبة مهشم بن المغيرة ويكنى أبنا حذيفة.
لركنين اليماني والأسود ففعلوا أي وفي كلام البلاذري أن الذي أشار على قريش بأن يضع الركن أوّل من يدخل من باب بني شيبة مهشم بن المغيرة ويكنى أبنا حذيفة. وقد يقال: لا مخالفة، لأنه يجوز أن يكون اسمه حذيفة، ويكنى بأبي حذيفة كما يكنى بأبي أمية ومهشم لقبه، وأن الراوي عنه اختلف كلامه، فتارة قيل عنه يقضي بينكم، وتارة قيل عنه يضع الركن، والمشهور الأول، ويدل له ما يأتي، فكان أول داخل منه رسول الله ﷺ، فلما رأوه قالوا هذا الأمين رضينا، هذا محمد: أي لأنهم كانوا يتحاكمون إليه ﷺ في الجاهلية، لأنه كان لا يداري ولا يماري، فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال ﷺ: هلم إليّ ثوبا فأتي به: أي وفي رواية: فوضع رسول الله ﷺ إزاره وبسطه في الأرض أي ويقال إنه كساء أبيض من متاع الشام.
ويقال إن ذلك الثوب كان للوليد بن المغيرة، فأخذ ﷺ الحجر الأسود فوضعه فيه بيده الشريفة، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب: أي بزاوية من زواياه ثم ارفعوه جميعا ففعلوا، فكان في ربع عبد مناف عتبة بن ربيعة، وكان في الربع الثاني زمعة، وكان في الربع الثالث أبو حذيفة بن المغيرة، وكان في الربع الرابع قيس بن عدي، حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو ﷺ: أي ولما مات أبو أمية بن المغيرة رثاه أبو طالب بقصيدة طويلة، ورثاه أبو جحيفة بقوله: ألا هلك الماجد الرافد ... وكل قريش له حامد ومن هو عصمة أيتامنا ... وغيث إذا فقد الراعد قال: وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لما وضع رسول الله ﷺ الركن: أي الحجر ذهب رجل من أهل نجد ليناول النبي ﷺ حجرا يشد به الركن، فقال العباس لا، وناول العباس رسول الله ﷺ ما شدّ به الركن، فغضب النجدي وقال: واعجبا لقوم أهل شرف وعقول وأموال عمدوا إلى رجل أصغرهم سنا وأقلهم مالا فرأسوه عليهم في مكرمتهم وحرزهم كأنهم خدم له، أما والله ليفرقنهم شيعا، وليقسمنّ بينهم حظوظا، فكاد يثير شرا فيما بينهم، ولعل هذا النجدي هو إبليس. فقد ذكر السهيلي أن إبليس تمثل في صورة شيخ نجدي حين حكموا رسول الله ﷺ في أمر الركن من يرفعه، وصاح: يا معشر قريش أرضيتهم أن يلي هذا الغلام دون أشرافكم وذوي أنسابكم؟ انتهى.



