— Bagian 2 · والأندلسي، والهندي، والصيني آدم ﵊، كتبها في طين … —
Bagian 2
والأندلسي، والهندي، والصيني آدم ﵊، كتبها في طين وطبخه، فلما أصاب الأرض الغرق وجد كل قوم كتابا فكتبوه، فأصاب إسمعيل الكتاب العربي: أي وأما ما جاء: أول من خط بالقلم إدريس فالمراد به خط الرمل. وفي كلام بعضهم: أول من تكلم بالعربية المحضة، وهي عربية قريش التي نزل بها القرآن إسمعيل. وأما عربية قحطان وحمير فكانت قبل إسمعيل، ويقال لمن يتكلم بلغة هؤلاء العرب العاربة، ويقال لمن يتكلم بلغة إسمعيل العرب المستعربة وهي لغة الحجاز وما والاها. وجاء «من أحسن أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالفارسية فإنه يورث النفاق» . وقد ذكر بعضهم أن أهل الكهف كلهم أعجام، ولا يتكلمون إلا بالعربية، وأنهم يكنون وزراء المهدي. واشتهر على ألسنة الناس أنه ﷺ قال: «أنا أفصح من نطق بالضاد» قال جمع: لا أصل له، ومعناه صحيح لأن المعنى أنا أفصح العرب لكونهم هم الذين ينطقون بالضاد ولا توجد في غير لغتهم. وإسمعيل ﵊ أول من ركب الخيل وكانت وحوشا: أي ومن ثم قيل لها العراب، أو لما سيأتي. وقد قال ﷺ «اركبوا الخيل فإنها ميراث أبيكم إسمعيل ﵊» . وفي رواية «أوحى الله تعالى إلى إسمعيل: أن اخرج إلى أجياد» الموضع المعروف، سمي بذلك لأنه قتل فيه مائة رجل من العمالقة من جياد الرجال «فادع يأتك الكنز، فخرج إلى أجياد فألهمه الله تعالى دعاء فدعا به فلم يبق على وجه الأرض فرس بأرض العرب إلا جاءته وأمكنته من نواصيها، وذللها الله تعالى له، فاركبوها واعلفوها فإنها ميامين، وهي ميراث أبيكم إسمعيل» . وذكر الحافظ السيوطي ﵀ أن له كتابا في الخيل سماه «جر الذيل في علم الخيل» وفي العرائس «أن الله تعالى لما أراد أن يخلق الخيل قال لريح الجنوب: إني خالق منك خلقا، فاجعله عزا لأوليائي، ومذلة على أعدائي، وجمالا لأهل طاعتي، فقالت: افعل ما تشاء، فقبض قبضة فخلق فرسا فقال لها: خلقتك عربيا، وجعلت الخير معقودا بناصيتك، والغنائم مجموعة على ظهرك، وعطفت عليك صاحبك، وجعلتك تطيري بلا جناح، فأنت للطلب وأنت للهرب» .
ق فرسا فقال لها: خلقتك عربيا، وجعلت الخير معقودا بناصيتك، والغنائم مجموعة على ظهرك، وعطفت عليك صاحبك، وجعلتك تطيري بلا جناح، فأنت للطلب وأنت للهرب» . وعن وهب أنه قيل لسليمان صلوات الله وسلامه عليه: إن خيلا بلقا لها أجنحة تطير بها وترد ماء كذا، فقال للشياطين عليّ بها فصبوا في العين التي تردها خمرا، فشربت فسكرت فربطوها وساسوها حتى تأنست. وقيل ويجوز أن يكون المراد من تلك الخيل الفرس الذي قال فيه صلى الله
عليه وسلم «أتيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق جاءني به جبريل ﵊» . وجاء «إن الله تعالى لما عرض على آدم ﵊ كل شيء مما خلق قال له اختر من خلقي ما شئت، فاختار الفرس، فقيل له: اخترت عزك وعز ولدك، خالدا ما خلدوا وباقيا ما بقوا أبد الآبدين ودهر الداهرين» وهذا صريح في أن الخيل خلقت قبل آدم. وقد سئل الإمام السبكي: هل خلقت الخيل قبل آدم أو بعده؟ وهل خلقت الذكور قبل الإناث أو الإناث قبل الذكور؟ فأجاب بأنا نختار أن خلق الخيل قبل آدم ﵊، لأن الدواب خلقت يوم الخميس، وآدم خلق يوم الجمعة بعد العصر وأن الذكور خلقت قبل الإناث لأمرين: أحدهما أن الذكر أشرف من الأنثى. والثاني حرارة الذكر أقوى من الأنثى، ولذلك كان خلق آدم قبل خلق حواء فليتأمل. وقد ذكر الإمام السهيلي أن في الفرس عشرين عضوا كل عضو منها يسمى باسم طائر، ذكرها وبينها الأصمعي. فمنها النسر، والنعامة، والقطاط، والذباب، والعصفور والغراب، والصرد، والصقر. قالوا: وفي الحيوان أعضاء باردة يابسة كالعظام نظير السوداء، وأعضاء باردة رطبة كالدماغ نظير البلغم. وأعضاء حارة يابسة كالقلب نظير الصفراء. وأعضاء حارة رطبة كالكبد نظير الدم. وعن أنس ﵁ «أن النبي ﷺ لم يكن شيء أحب إليه بعد النساء من الخيل» وجاء «ما من ليلة إلا والفرس يدعو فيها ويقول: رب إنك سخرتني لابن آدم، وجعلت رزقي في يده اللهم فاجعلني أحب إليه من أهله وولده» وقيل لبعض الحكماء: أي المال أشرف؟ قال فرس يتبعها فرس، وفي بطنها فرس. ومن ثم قيل: ظهر الخيل حرز، وبطنها كنز.
يده اللهم فاجعلني أحب إليه من أهله وولده» وقيل لبعض الحكماء: أي المال أشرف؟ قال فرس يتبعها فرس، وفي بطنها فرس. ومن ثم قيل: ظهر الخيل حرز، وبطنها كنز. وفي الحديث «لما أراد ذو القرنين أن يسلك في الظلمة إلى عين الحياة سأل أي الدواب في الليل أبصر؟ فقالوا الخيل، فقال: أي الخيل أبصر؟ فقالوا الإناث، قال: فأي الإناث أبصر؟ قالوا البكارة، فجمع من عسكره ستة آلاف فرس كذلك» . وأعطى الله إسمعيل القوس العربية، وكان لا يرمي شيئا إلا أصابه. وفي الحديث ارموا بني إسمعيل، فإن أباكم كان راميا» أي قال ذلك لجماعة مر عليهم وهم ينتضلون، فقال «حسن هذا اللهو مرتين أو ثلاثا» زاد في بعض الروايات «ارموا وأنا مع بني فلان فأمسك الفريق الآخر، فقال لهم، ما بالكم لا ترمون؟ فقالوا يا رسول الله كيف نرمي وأنت معهم؟ إذا ينضلونا قال: ارموا وأنا معكم كلكم» أخرجه البخاري في صحيحه. زاد البيهقي في دلائل النبوة «فرموا عامة يومهم ذلك، ثم
تفرقوا على السواء ما نضل بعضهم بعضا» . وقد جاء «أحب اللهو إليّ إجراء الخيل والرمي، ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا» وقد جاء «أحب اللهو إلى الله تعالى إجراء الخيل والرمي» وجاء «كلّ شيء يلهو به الرجل باطل، إلا رمي الرجل بقوسه، أو تأديبه فرسه، أو ملاعبته امرأته فإنه من الحق» وجاء «علموا أولادكم السباحة والرمي» وفي رواية «الرماية» وفي رواية «علموا بنيكم الرمي، فإنه نكاية العدو» وقد جاء «تعلموا الرمي؟ فإن ما بين الهدفين روضة من رياض الجنة» وروي مرفوعا «حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرمي» وجاء «من تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا» وفي رواية «فهو نعمة جحدها» . قال الحافظ السيوطي ﵁ والأحاديث المتعلقة بالرمي كثيرة. قال: وقد ألفت كتابا في الرمي سميته «غرس الأنشاب في الرمي بالنشاب» وفي العرائس: كان إسمعيل مولعا بالصيد، مخصوصا بالقنص والفروسية والرمي والصراع، والرمي سنة إذا نوى به التأهب للجهاد، لقوله تعالى وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: الآية ٦٠] وقوله ﷺ «القوة الرمي» على حد قوله «الحج عرفة» وإلا فقد قال ابن عباس ﵄ في الآية وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: الآية ٦٠] قال:
ه ﷺ «القوة الرمي» على حد قوله «الحج عرفة» وإلا فقد قال ابن عباس ﵄ في الآية وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: الآية ٦٠] قال: الرمي والسيوف والسلاح. وسئل الحافظ السيوطي ﵁ هل ما ذكره الطبري والمسعودي في تاريخيهما أن أول من رمى بالقوس العربية آدم ﵊، وذلك لما أمره الله تعالى بالزراعة حين أهبط من الجنة وزرع، أرسل الله تعالى له طائرين يخرجان ما بذره ويأكلانه، فشكا الله تعالى ذلك، فهبط عليه جبريل وبيده قوس ووتر وسهمان، فقال آدم: ما هذا يا جبريل؟ فأعطاه القوس وقال: هذه قوة الله تعالى، وأعطاه الوتر وقال: هذه شدة الله تعالى، وأعطاه السهمين وقال: هذه نكاية الله تعالى، وعلمه الرمي بهما فرمى الطائرين فقتلهما، وجعلهما، يعني السهمين، عدة في غربته، وأنسا عند وحشته ثم صار القوس العربية إلى إبراهيم الخليل ﵊، ثم إلى ولده إسمعيل، وهو يدل على أن قوس إبراهيم هي القوس التي هبطت على آدم ﵊ من الجنة، وأنه ادخرها لإبراهيم، وهو خلاف قول بعضهم إنها غيرها أهبطت إلى إبراهيم ﵊ من الجنة. فأجاب الحافظ السيوطي ﵁ بقوله: راجعت تاريخ الطبري في تاريخ آدم وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام فلم أجده فيه، ولا تبعد صحته فإن الله تعالى علم آدم علم كل شيء. وذكر أن ابن أبي الدنيا ذكر في كتاب الرمي من طريق الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس ﵄ قال «أول من عمل القسي إبراهيم، عمل لإسمعيل ولإسحق قوسين فكانا يرميان بها» وتقدم أن إسحق جاء لإبراهيم بعد إسمعيل بثلاث عشرة، وقيل بأربع عشرة سنة: أي حملت به أمه سارة في الليلة التي خسف الله تعالى بقوم لوط فيها. ولها من العمر تسعون سنة.
ق جاء لإبراهيم بعد إسمعيل بثلاث عشرة، وقيل بأربع عشرة سنة: أي حملت به أمه سارة في الليلة التي خسف الله تعالى بقوم لوط فيها. ولها من العمر تسعون سنة.
وفي جامع ابن شداد يرفعه «كان اللواط في قوم لوط في النساء قبل الرجال بأربعين سنة، ثم استغنى النساء بالنساء والرجال بالرجال، فخسف الله تعالى بهم» قيل ولا يعمل عمل قوم لوط من الحيوان إلا الحمار والخنزير. وكان أول من اتخذ القسي الفارسية نمروذ فليتأمل الجمع. وقد يقال: لا منافاة، لجواز أن يكون إبراهيم ﵊ أول من عمل القسي بعد ذهاب تلك القوس، فالأولية إضافية. ومعلوم أن إسمعيل بن إبراهيم خليل الله تعالى عليهما الصلاة والسلام: أي ولم يبعث بشريعة مستقلة من العرب بعد إسمعيل إلا محمد ﷺ. وأما خالد بن سنان وإن كان من ولد إسمعيل على ما قيل، فقال بعضهم: لم يكن في بني إسمعيل نبي غيره قبل محمد ﷺ، إلا أنه لم يبعث بشريعة مستقلة، بل بتقرير شريعة عيسى ﵊: أي وكان بينه وبين عيسى ثلاثمائة سنة، وخالد هذا هو الذي أطفأ النار التي خرجت بالبادية بين مكة والمدينة، كادت العزب أن تعبدها كالمجوس، كان يرى ضوؤها من مسافة ثمان ليال، وربما كان يخرج منها العنق فيذهب في الأرض فلا يجد شيئا إلا أكله، فأمر الله تعالى خالد بن سنان بإطفائها، وكانت تخرج من بئر ثم تنتشر، فلما خرجت وانتشرت أخذ خالد بن سنان يضربها ويقول: بدا بدا بدا كل هدى وهي تتأخر حتى نزلت إلى البئر، فنزل إلى البئر خلفها فوجد كلابا تحتها فضربها وضرب النار حتى أطفأها، ويذكر أنه كان هو السبب في خروجها فإنه لما دعا قومه وكذبوه وقالوا له إنما تخوفنا بالنار، فإن تسل علينا هذه الحرة نارا اتبعناك، فتوضأ ثم قال: اللهم إن قومي كذبوني ولم يؤمنوا بي إلا أن تسيل عليهم هذه الحرة نارا فأرسلها عليهم نارا، فخرجت، فقالوا: يا خالد أرددها فإنا مؤمنون بك، فردها.
ثم قال: اللهم إن قومي كذبوني ولم يؤمنوا بي إلا أن تسيل عليهم هذه الحرة نارا فأرسلها عليهم نارا، فخرجت، فقالوا: يا خالد أرددها فإنا مؤمنون بك، فردها. قيل وكان خالد بن سنان إذا استسقى يدخل رأسه في جيبه فيجيء المطر ولا يقلع إلا إن رفع رأسه. قيل «وقدمت ابنته وهي عجوز على النبي ﷺ، فتلقاها بخير وأكرمها، وبسط لها رداءه وقال لها: مرحبا بابنة أخي، مرحبا بابنة نبي ضيعه قومه فأسلمت» وهذا الحديث مرسل رجاله ثقات. وفي البخاري «أنا أولى الناس بابن مريم في الدنيا والآخرة، وليس بيني وبينه نبي» قال بعضهم: وبه يرد على من قال كان بينهما خالد بن سنان. وقد يقال مراده ﷺ بالنبي الرسول الذي يأتي بشريعة مستقلة. وحينئذ لا يشكل هذا لما علمت أنه لم يأت بشريعة مستقلة، ولا ما جاء في رواية أخرى «ليس بيني وبينه نبيّ ولا رسول» ولا ما في كلام البيضاوي تبعا للكشاف من أن بين عيسى ومحمد ﷺ أربعة أنبياء: ثلاثة من بني إسرائيل، وواحد من العرب وهو خالد بن سنان، وبعده حنظلة بن صفوان عليهما الصلاة والسلام، أرسله الله تعالى لأصحاب الرس بعد خالد بمائة سنة لأنه يجوز أن يكون كل من هؤلاء الثلاثة
لم يبعث بشريعة مستقلة، بل كان مقررا لشريعة عيسى ﵊ أيضا كخالد بن سنان. والرس: البئر الغير المطوية: أي الغير المبنية، كذا في الكشاف، والذي في القاموس كالصحاح المطوية بإسقاط غير، فإنهم قتلوا حنظلة ودسوه فيها: أي وحين دسوه فيها، غار ماؤها، وعطشوا بعد ريهم، ويبست أشجارهم، وانقطعت ثمارهم بعد أن كان ماؤها يرويهم ويكفي أرضهم جميعا، وتبدلوا بعد الأنس الوحشة، وبعد الاجتماع الفرقة لأنهم كانوا ممن يعبد الأصنام: أي وكان ابتلاهم الله تعالى بطير عظيم ذي عنق طويل كان فيه من كل لون، فكان ينقضّ على صبيانهم يخطفهم إذا أعوزه الصيد، وكان إذا خطف أحدا منهم أغرب به: أي ذهب به إلى جهة المغرب، فقيل له لطول عنقه ولذهابه إلى جهة المغرب عنقاء مغرب، فشكوا ذلك إلى حنظلة ﵊، فدعا على تلك العنقاء، فأرسل الله تعالى عليها صاعقة فأهلكتها ولم تعقب، وكان جزاؤه منهم أن قتلوه وفعلوا به ما تقدم. وذكر بعضهم أن حنظلة هذا كان من العرب من ولد إسمعيل أيضا ﵊: ثم رأيت ابن كثير ذكر أن حنظلة هذا كان قبل موسى ﵊، وأنه لما ذكر أن في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فتحت تستر المدينة المعروفة وجدوا تابوتا، وفي لفظ: سريرا عليه دانيال ﵊، ووجدوا طول أنفه شبرا، وقيل ذراعا، ووجدوا عند رأسه مصحفا فيه ما يحدث إلى يوم القيامة، وأن من وفاته إلى ذلك اليوم ثلاثمائة سنة، وقال: إن كان تاريخ وفاته القدر المذكور فليس بنبي بل هو رجل صالح، لأن عيسى ابن مريم ﵊ ليس بينه وبين رسول الله ﷺ نبي بنص الحديث في البخاري. أقول: قد علمت الجواب عن ذلك، بأن المراد بالنبي الرسول. وفيه أن هذا يبعده عطف الرسول على النبي المتقدم في بعض الروايات، إلا أن يجعل من عطف التفسير والله أعلم. والفترة التي كانت بينهما أربعمائة سنة، وقيل ستمائة، وقيل بزيادة عشرين سنة. قالت عائشة ﵂: ما وجدنا أحدا يعرف ما وراء عدنان ولا قحطان إلا تخرصا أي كذبا لأن الخراص الكذاب كذا قيل.
بعمائة سنة، وقيل ستمائة، وقيل بزيادة عشرين سنة. قالت عائشة ﵂: ما وجدنا أحدا يعرف ما وراء عدنان ولا قحطان إلا تخرصا أي كذبا لأن الخراص الكذاب كذا قيل. أقول: لعل المراد بالكذب الغير المقطوع بصحته، لأن الخرص حقيقته الحزر والتخمين، وكل من تكلم كلاما بناه على ذلك قيل له خراص، ثم قيل للكذاب خراص توسعا، وحينئذ كان القياس أن يقال إلا خرصا: أي حزرا وتخمينا. وعلى هذا كأن الصدّيقة رضي الله تعالى عنها أرادت المبالغة للتنفير عن الخوض في ذلك. والله أعلم.
وعن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه «أن النبي ﷺ انتسب حتى بلغ النضر بن كنانة ثم قال: فمن قال غير ذلك» أي مما زاد على ذلك «فقد كذب» . أقول: إطلاق الكذب على من زاد على كنانة إلى عدنان يخالف ما سبق من أن المجمع عليه إلى عدنان إلا أن يقال: لا مخالفة، لأنه يجوز أن يكون عمرو بن العاص لم يسمع ما زاد على النضر بن كنانة إلى عدنان مع ذكره ﷺ له الذي سمعه غيره. وفي إطلاقه الكذب على ذلك التأويل السابق. وأخرج الجلال السيوطي في الجامع الصغير عن البيهقي أنه ﷺ انتسب فقال «أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إلى أن قال: ابن مضر بن نزار» وهذا هو الترتيب المألوف، وهو الابتداء بالأب ثم بالجد ثم بأبي الجد وهكذا. وقد جاء في القرآن على خلافه في قوله تعالى حكاية عن سيدنا يوسف ﵊ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ [يوسف: الآية ٣٨] قال بعضهم: والحكمة في ذلك أنه لم يرد مجرد ذكر الآباء، وإنما ذكرهم ليذكر ملتهم التي اتبعها، فبدأ بصاحب الملة ثم بمن أخذها عنه أولا فأولا على الترتيب، والله أعلم. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن النبي ﷺ كان إذا انتسب لم يجاوز معد بن عدنان بن أدد، ثم يمسك ويقول: كذب النسابون مرتين أو ثلاثا» . قال البيهقي: والأصح أن ذلك: أي قوله «كذب النسابون» من قول ابن مسعود ﵁: أي لا من قوله ﷺ.
ن عدنان بن أدد، ثم يمسك ويقول: كذب النسابون مرتين أو ثلاثا» . قال البيهقي: والأصح أن ذلك: أي قوله «كذب النسابون» من قول ابن مسعود ﵁: أي لا من قوله ﷺ. أقول: والدليل على ذلك ما جاء: كان ابن مسعود إذا قرأ قوله تعالى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ [إبراهيم: الآية ٩] قال: كذب النسابون، يعني الذين يدعون علم الأنساب، ونفى الله تعالى علمها عن العباد. ولا مانع أن يكون هذا القول صدر منه ﷺ أولا ثم تابعه ابن مسعود عليه. وقد يقال: هذه الرواية تقتضي إما الزيادة على المجمع عليه، وإما النقص عنه: أي زيادة أدد أو نقص عدنان، فهي مخالفة لما قبلها. وفي كلام بعضهم أن بين عدنان وأدد أد، فيقال عدنان بن أد بن أدد قيل له أدد لأنه كان مديد الصوت، وكان طويل العز والشرف. قيل وهو أول من تعلم الكتابة: أي العربية من ولد إسمعيل، وتقدم أن الصحيح أن أول من كتب نزار. وانظر هل يشكل على ذلك ما رواه الهيثم بن عدي أن الناقل لهذه الكتابة يعني العربية من الحيرة إلى الحجاز حرب بن أمية بن عبد شمس. وقد يقال: الأولية
إضافية: أي من قريش وعدنان، سمي بذلك، قيل لأن أعين الإنس والجن كانت إليه ناظرة. قال بعضهم: اختلف الناس فيما بين عدنان وإسمعيل من الآباء، فقيل سبعة، وقيل تسعة، وقيل خمسة عشر، وقيل أربعون، والله أعلم، قال الله ﷿ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً [الفرقان: الآية ٣٨] أي لا يكاد يحاط بها، فقد جاء «كان ما بين آدم ونوح ﵉ عشرة قرون، وبين نوح وإبراهيم ﵉ عشرة قرون» . وعن ابن عباس ﵄ أن مدة الدنيا: أي من آدم ﵇ سبعة آلاف سنة: أي وقد مضى منها قبل وجود النبي ﷺ خمسة آلاف وسبعمائة وأربعون سنة. وعن أبي خيثمة وثمانمائة سنة. قلت: وفي كلام بعضهم من خلق آدم إلى بعثة نبينا محمد ﷺ خمسة آلاف سنة وثمانمائة سنة وثلاثون سنة. وقد جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من طرق صحاح أنه قال «الدنيا سبعة أيام كل يوم ألف سنة، وبعث رسول الله ﷺ في آخر يوم منها» . وفي كلام الحافظ السيوطي: دلت الأحاديث والآثار على أن مدة هذه الأمة تزيد على الألف سنة، ولا تبلغ الزيادة خمسمائة سنة أصلا، وإنما تزيد بنحو أربعمائة سنة تقريبا وما اشتهر على ألسنة الناس أن النبي ﷺ لا يمكث في قبره أكثر من ألف سنة باطل لا أصل له، هذا كلامه. وقوله لا تبلغ الزيادة خمسمائة سنة، هل يخالفه ما أخرجه أبو داود «لن يعجز الله أن يؤخر هذه الأمة نصف يوم يعني خمسمائة سنة» . وفي كلام بعضهم قد أكثر المنجمون في تقدير مدة الدنيا. فقال بعضهم عمرها سبعة آلاف سنة بعدد النجوم السيارة أي وهي سبعة. وبعضهم اثنا عشر ألف سنة بعدد البروج. وبعضهم بثلاثمائة ألف وستون ألفا بعدد درجات الفلك، وكلها تحكمات عقلية لا دليل عليها.
النجوم السيارة أي وهي سبعة. وبعضهم اثنا عشر ألف سنة بعدد البروج. وبعضهم بثلاثمائة ألف وستون ألفا بعدد درجات الفلك، وكلها تحكمات عقلية لا دليل عليها. وفي كلام الشيخ محيي الدين بن العربي: أكمل الله خلق الموجودات من الجمادات والنباتات والحيوان بعد انتهاء خلق العالم الطبيعي بإحدى وسبعين ألف سنة، ثم خلق الله الدنيا بعد أن انقضى من مدة خلق العالم الطبيعي أربع وخمسون ألف سنة. ثم خلق الله تعالى الآخرة يعني الجنة والنار بعد الدنيا بتسعة آلاف سنة، ولم يجعل الله تعالى للجنة والنار أمدا ينتهي إليه بقاؤهما فلهما الدوام. قال: وخلق الله تعالى طينة آدم بعد أن مضى من عمر الدنيا سبع عشرة ألف سنة، ومن عمر الآخرة التي لا نهاية لها في الدوام ثمانية آلاف سنة وخلق الله تعالى الجان في
الأرض قبل آدم بستين ألف سنة: أي ولعل هذا هو المعنى بقول بعضهم: خلق الله قبل آدم خلقا في صورة البهائم، ثم أماتهم قبل، وهم الجن والبن والطم والرم والحس والبس فأفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء كما سيأتي. قال الشيخ محيي الدين: وقد طفت بالكعبة مع قوم لا أعرفهم، فقال لي واحد منهم: أما تعرفني؟ فقلت لا، قال: أنا من أجدادك الأول، فقلت له: كم لك منذ مت؟ قال لي بضع وأربعون ألف سنة فقلت: ليس لآدم هذا القدر من السنين، فقال لي: عن أي آدم تقول عن هذا الأقرب إليك، أم عن غيره؟ فتذكرت حديثا روي عن النبي ﷺ «إن الله خلق مائة ألف آدم» فقلت: قد يكون ذلك الجد الذي نسبتي إليه من أولئك، والتاريخ في ذلك مجهول مع حدوث العالم بلا شك هذا كلامه. وفي كلام الشيخ عبد الوهاب الشعراني: وكان وهب بن منبه رضي الله تعالى عنه يقول: سأل بنو إسرائيل المسيح ﵊ أن يحيي لهم سام بن نوح عليهما الصلاة والسلام، فقال: أروني قبره، فوقف على قبره وقال: يا سام قم بإذن الله تعالى، فقام وإذا رأسه ولحيته بيضاء، فقال إنك مت وشعرك أسود، فقال: لما سمعت النداء ظننت أنها القيامة فشاب رأسي ولحيتي الآن، فقال له عيسى ﵇: كم لك من السنين ميت؟ قال خمسة آلاف سنة، إلى الآن لم تذهب عني حرارة طلوع روحي.
ما سمعت النداء ظننت أنها القيامة فشاب رأسي ولحيتي الآن، فقال له عيسى ﵇: كم لك من السنين ميت؟ قال خمسة آلاف سنة، إلى الآن لم تذهب عني حرارة طلوع روحي. وسبب الاختلاف فيما بين عدنان وآدم أن قدماء العرب لم يكونوا أصحاب كتب يرجعون إليها، وإنما كانوا يرجعون إلى حفظ بعضهم من بعض، ولعله لا يخالفه ما تقدم من أن أول من كتب معد أو نزار. وفي كلام سبط ابن الجوزي أن سبب الاختلاف المذكور اختلاف اليهود، فإنهم اختلفوا اختلافا متفاوتا فيما بين آدم ونوح وفيما بين الأنبياء من السنين. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لو شاء رسول الله ﷺ أن يعلمه لعلمه: أي لو أراد أن يعلم ذلك للناس لعلمه لهم، وهذا أولى من يعلمه بفتح الياء وسكون العين. وذكر ابن الجوزي أن بين آدم ونوح شيثا وإدريس، وبين نوح وإبراهيم هود وصالح، وبين إبراهيم وموسى بن عمران إسمعيل وإسحق ولوط وهو ابن أخت إبراهيم وكان كاتبا لإبراهيم، وشعيب وكان يقال له خطيب الأنبياء ويعقوب ويوسف، ولد يوسف ليعقوب، وله من العمر إحدى وتسعون سنة، وكان فراقه له وليوسف من العمر ثماني عشرة سنة وبقيا مفترقين إحدى وعشرين سنة، وبقيا مجتمعين بعد ذلك سبع عشرة سنة هذا. وفي الإتقان: ألقي يوسف في الجب وهو ابن ثنتي عشرة سنة، ولقي أباه بعد
الثمانين، وعاش مائة وعشرين سنة، وكان كاتبا للعزيز. قيل وسبب الفرقة بين سيدنا يعقوب وسيدنا يوسف ﵉ أن سيدنا يعقوب ذبح جديا بين يدي أمه فلم يرض الله تعالى له ذلك، فأراه دما بدم، وفرقة بفرقة، وحرقة بحرقة، وموسى بن عمران بن منشاء. وبين موسى بن عمران وهو أول أنبياء بني إسرائيل وداود يوشع، وكان يوشع كهارون يكتب لموسى. ويذكر أن مما أوصى به داود ولده سليمان ﵉ لما استخلفه: يا بني إياك والهزل فإن نفعه قليل، ويهيج العداوة بين الإخوان، أي ومن ثم قيل: لا تمازح الصبيان فتهون عليهم، ولا تمازح الشريف فيحقد عليك ولا تمازح الدنيء فيجترىء عليك، ولكل شيء بذر، وبذر العداوة المزاح. وقد قيل المزاح يذهب بالمهابة ويورث الضغينة. وقيل آكد أسباب القطيعة المزاح. وقد قيل: من كثر مزاحه لم يخل من استخفاف به أو حقد عليه، واقطع طمعك من الناس فإن ذلك هو الغنى. وإياك وما تعتذر فيه من القول أو الفعل، وعود لسانك الصدق، والزم الإحسان ولا تجالس السفهاء، وإذا غضبت فالصق نفسك بالأرض: أي وقد جاء في الحديث «إذا جهل على أحدكم جاهل، فإن كان قائما جلس، وإن كان جالسا فليضطجع» . وممن مات من الأنبياء فجأة داود وولده سليمان وإبراهيم الخليل عليهم أفضل الصلاة والسلام، ثم بعد يوشع كالب بن يوفنا، وهو خليفة يوشع، ثم حزقيل وهو خليفة كالب، ويقال له ابن العجوز لأن أمه سألت الله تعالى أن يرزقها ولدا بعد ما كبرت وعقمت فجاءت به، وهو ذو الكفل لأنه تكفل بسبعين نبيا وأنجاهم من القتل. وإلياس ثم طالوت الملك: أي فإن شمويل ﵇ لما حضرته الوفاة سأله بنو إسرائيل أن يقيم فيهم ملكا فأقام فيهم طالوت ملكا، ولم يكن من أعيانهم بل كان راعيا، وقيل سقاء، وقيل غير ذلك. وبين داود وعيسى ﵉ وهو آخر أنبياء بني إسرائيل: أيوب ثم يونس ثم شعياء ثم أحصياء ثم زكرياء ويحيى ﵈.
كن من أعيانهم بل كان راعيا، وقيل سقاء، وقيل غير ذلك. وبين داود وعيسى ﵉ وهو آخر أنبياء بني إسرائيل: أيوب ثم يونس ثم شعياء ثم أحصياء ثم زكرياء ويحيى ﵈. وفي النهر لأبي حيان في تفسير قوله تعالى وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ [البقرة: الآية ٨٧] كان بينه وبين عيسى من الرسل يوشع وشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعياء وأرمياء وعزير: أي وهو من أولاد هارون بن عمران، وحزقيل وإلياس ويونس وزكرياء ويحيى. وكان بين موسى وعيسى ألف نبي، هذا كلامه، وكان يحيى يكتب لعيسى، وتقدم الكلام على من بين عيسى ومحمد ﷺ. ومما يدل على شرف هذا النسب وارتفاع شأنه وفخامته وعلو مكانه ما جاء عن
سعد بن أبي وقاص ﵁ قال «قيل يا رسول الله قتل فلان لرجل من ثقيف، فقال أبعده الله، إنه كان يبغض قريشا» . وفي الجامع الصغير «قريش صلاح الناس، ولا يصلح الناس إلا بهم، كما أن الطعام لا يصلح إلا بالملح، قريش خالصة الله تعالى، فمن نصب لها حربا سلب، ومن أرادها بسوء خزي في الدنيا والآخرة» . قال: وعن سعد بن أبي وقاص أيضا أن رسول الله ﷺ قال: «من يرد هوان قريش أهانه الله تعالى» اهـ. أي وأشد الإهانة ما كان في الآخرة، وحينئذ إما أن يراد بالإرادة العزم والتصميم، أو المراد المبالغة، أو يكون ذلك من خصائص قريش، فلا ينافي أن حكم الله المطرد في عدله أن لا يعاقب على مجرد الإرادات، إنما يعاقب ويجازي على الأفعال والأقوال الواقعة، أو ما هو منزل منزلة الواقعة كالتصميم، فإن من خصائص هذه الأمة عدم مؤاخذتها بما تحدث به نفسها. وعن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله تعالى عنها «أن رسول الله ﷺ فضل قريشا» أي ذكر تفضيلهم «بسبع خصال لم يعطها أحد قبلهم، ولا يعطاها أحد بعدهم: النبوة فيهم، والخلافة فيهم، والحجابة فيهم، والسقاية فيهم، ونصروا على الفيل» أي على أصحابه «وعبدوا الله سبع سنين» وفي لفظ عشر سنين «لم يعبده أحد غيرهم، ونزلت فيهم سورة من القرآن لم يذكر فيها أحد غيرهم لإيلاف قريش» وتسمية لإيلاف قريش سورة يرد ما قيل إن سورة الفيل ولإيلاف قريش سورة واحدة، ولينظر ما معنى عبادتهم الله تعالى دون غيرهم في تلك المدة.
يرهم لإيلاف قريش» وتسمية لإيلاف قريش سورة يرد ما قيل إن سورة الفيل ولإيلاف قريش سورة واحدة، ولينظر ما معنى عبادتهم الله تعالى دون غيرهم في تلك المدة. وعن أنس رضي الله تعالى عنه «حب قريش إيمان وبغضهم كفر» . وعن أبي هريرة ﵁ «الناس تبع لقريش، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم» وقال ﷺ «العلم في قريش» أي وقال «الأئمة من قريش» وقد جمع الحافظ ابن حجر طرق هذا الحديث في كتاب سماه «لذة العيش في طرق حديث الأئمة من قريش» . وفي الحديث «عالم قريش يملأ طباق الأرض علما» وفي رواية «لا تسبوا قريشا فإن عالمها يملأ الأرض علما» وفي رواية «اللهم اهد قريشا فإن عالمها يملأ طباق الأرض علما» قال جماعة من الأئمة منهم الإمام أحمد: هذا العالم هو الشافعي رضي الله تعالى عنه، لأنه لم ينتشر في طباق الأرض من علم عالم قرشي من الصحابة وغيرهم ما انتشر من علم الشافعي. وفي كلام بعضهم: ليس في الأئمة المتبوعين في الفروع قرشي غيره. وفيه أن الإمام مالك بن أنس من قريش. ويجاب بأنه إنما يكون قرشيا على القول الباطل من
أن جماع قريش قصي. وقد ذكر السبكي أنهم ذكروا أن من خواص الشافعي رضي الله تعالى عنه من بين الأئمة أن من تعرض إليه أو إلى مذهبه بسوء أو نقص هلك قريبا، وأخذوا ذلك من قوله ﷺ «من أهان قريشا أهانه الله تعالى» هذا كلامه. قال الحافظ العراقي: إسناد هذا الحديث يعني «لا تسبوا قريشا فإن عالمها يملأ الأرض علما» لا يخلو عن ضعف، وبه يرد ما زعمه الصغاني من أنه موضوع، وحاشا الإمام أحمد أن يحتج بحديث موضوع أو يستأنس به على فضل الشافعي. وقال ابن حجر الهيتمي: هو حديث معمول به في مثل ذلك أي في المناقب، وزعم وضعه حسد أو غلط فاحش: أي وعن الربيع قال: رأيت في المنام كأن آدم مات، فسألت عن ذلك؟ فقيل لي هذا موت أعلم أهل الأرض، لأن الله علم آدم الأسماء كلها، فما كان إلا يسير حتى مات الشافعي رضي الله تعالى عنه ورضي عنا به. ومما يؤثر عن إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه: من أطراك في وجهك بما ليس فيك فقد شتمك، ومن نقل إليك نقل عنك، ومن نمّ عندك نم عليك، ومن إذا أرضيته قال فيك ما ليس فيك إذا أسخطته قال فيك ما ليس فيك. وقال ﷺ «قدموا قريشا ولا تقدموا» أي لا تتقدموها. وفي رواية «ولا تعالموها: أي لا تغالبوها بالعلم ولا تكاثروها فيه» . وفي رواية «ولا تعلموها» أي لا تجعلوها في المقام الأدنى الذي هو مقام المتعلم بالنسبة للمعلم. وقال ﷺ «أحبوا قريشا، فإنه من أحبهم أحبه الله تعالى» وقال ﷺ «لولا أن تبطر قريش لأخبرتها بالذي لها عند الله ﷿» . وفي السنن المأثورة عن إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه رواية المزني عنه.
أحبه الله تعالى» وقال ﷺ «لولا أن تبطر قريش لأخبرتها بالذي لها عند الله ﷿» . وفي السنن المأثورة عن إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه رواية المزني عنه. قال الطحاوي: حدثنا المزني قال: حدثنا الشافعي رضي الله تعالى عنه «أن قتادة بن النعمان وقع بقريش وكأنه نال منهم، فقال رسول الله ﷺ: مهلا يا قتادة لا تشتم قريشا فإنك لعلك ترى منهم رجالا إذا رأيتهم عجبت بهم، لولا أن تطغى قريش لأخبرتها بالذي لها عند الله تعالى» أي لولا أنها إذا علمت ما لها عند الله من الخير المدخر لها تركت العمل، بل ربما ارتكبت ما لا يحل اتكالا على ذلك لأعلمتها به، لكن في رواية «لأخبرتها بما لمحسنها عند الله من الثواب» . وهذا دليل على علو منزلتها وارتفاع قدرها عند الله تعالى. وقال ﷺ يوما «يا أيها الناس إن قريشا أهل أمانة، من بغاها العواثر» أي من طلب لها المكايد «أكبه الله تعالى لمنخريه» أي أكبه الله على وجهه «قال ذلك ثلاث مرات» وعن سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان بالمسجد فمر عليه سعيد بن العاص فسلم عليه، فقال له: والله يا ابن أخي ما قتلت أباك يوم بدر، وما لي أن أكون أعتذر من قتل مشرك، فقال له سعيد بن العاص: لو
المسجد فمر عليه سعيد بن العاص فسلم عليه، فقال له: والله يا ابن أخي ما قتلت أباك يوم بدر، وما لي أن أكون أعتذر من قتل مشرك، فقال له سعيد بن العاص: لو
قتلته كنت على الحق وكان على الباطل، فعجب عمر من قوله وقال: قريش أفضل الناس أحلاما، وأعظم الناس أمانة، ومن يرد بقريش سوآ يكبه الله لفيه. هذا كلامه. والذي قتل العاص والد سعيد علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وقيل سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: قتلت يوم بدر العاص وأخذت سيفه ذا الكثيفة وقال ﷺ «شرار قريش خير شرار الناس» وفي رواية «خيار قريش خيار الناس، وشرار قريش شرار الناس» أي ولعله سقط من هذه الرواية قبل شرار الثانية لفظ خيار لتوافق الرواية قبلها المقتضي لذلك المقام. ويحتمل إبقاء ذلك على ظاهره لأنه ممن يقتدى به. فكانوا أشر الأشرار، ويكون هذا هو المراد بوصفهم بأنهم خيار شرار الناس. ثم رأيت في كتاب السنن المأثورة عن إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه ما رواه المزني عنه «خيار قريش خيار الناس، وشرار قريش خيار شرار الناس» وفي الحديث «ولاة هذا الأمر، فبر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم» ومن ثم قال الطحاوي: قريش أهل أمانة، هكذا قرأه علينا المزني أهل أمانة أي بالنون، وإنما هو أهل إمامة أي بالميم. وفي كلام فقهائنا «قريش قطب العرب وفيهم الفتوة» . ومما يدل على شرف هذا النسب أيضا ما جاء عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه «إن الله اختار العرب على الناس، واختارني على من أنا منه من أولئك العرب» وما جاء عن وائلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله اصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» .
جاء عن وائلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله اصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» . أقول: وجاء بلفظ آخر عن وائلة بن الأسقع وهو «إن الله اصطفى من ولد آدم إبراهيم ﵉. واتخذه خليلا، واصطفى من ولد إبراهيم إسمعيل، ثم اصطفى من ولد إسمعيل نزارا، ثم اصطفى من ولد نزار مضر، ثم اصطفى من ولد مضر كنانة، ثم اصطفى من كنانة قريشا، ثم اصطفى من قريش بني هاشم، ثم اصطفى من بني هاشم بني عبد المطلب ثم اصطفاني من بني عبد المطلب» والله أعلم. قال وفي رواية «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسمعيل، واصطفى من ولد إسمعيل كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» . وما جاء عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ «أتاني جبريل فقال لي: يا محمد إن الله بعثني فطفت شرق الأرض ومغربها وسهلها وجبلها، فلم أجد حيا خيرا من مضر، ثم أمرني فطفت في مضر فلم أجد حيا خيرا من كنانة، ثم أمرني فطفت في كنانة فلم أجد حيا خيرا من قريش، ثم أمرني فطفت في قريش فلم
أجد حيا خيرا من بني هاشم. ثم أمرني أن أختار في أنفسهم» أي أختار نفسا من أنفسهم «فلم أجد نفسا خيرا من نفسك» انتهى. وفي الوفاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التوبة: الآية ١٢٨] قال: ليس من العرب قبيلة إلا ولدت النبي ﷺ مضرها وربيعتها ويمانيها. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشا، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار إلى خيار» انتهى. وقوله واختار من مضر قريشا يدل على أن مضر ليس جماع قريش وإلا كانت أولاده كلها قريشا. وعن أبي هريرة يرفعه بسند حسنه الحافظ العراقي «إن الله حين خلق الخلق بعث جبريل فقسم الناس قسمين: قسم العرب قسما، وقسم العجم قسما، وكانت خيرة الله في العرب. ثم قسم العرب إلى قسمين، فقسم اليمن قسما وقسم مضر قسما وكانت خيرة الله في مضر، وقسم مضر قسمين فكانت قريش قسما وكانت خيرة الله في قريش، ثم أخرجني من خيار من أنا فيه» . قال بعضهم: وما جاء في فضل قريش فهو ثابت لبني هاشم والمطلب، لأنهم أخص وما ثبت للأعم يثبت للأخص ولا عكس. وفي الشفاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله ﷾ قسم الخلق قسمين فجعلني من خيرهم قسما فذلك قوله تعالى:
يثبت للأخص ولا عكس. وفي الشفاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله ﷾ قسم الخلق قسمين فجعلني من خيرهم قسما فذلك قوله تعالى: أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) [الواقعة: الآية ٢٧] وَأَصْحابُ الشِّمالِ [الواقعة: الآية ٤١] فأنا من أصحاب اليمين، وأنا خير أصحاب اليمين. ثم جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرها ثلثا، فذلك قوله تعالى فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ [الواقعة: الآية ٨]- وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ [الواقعة: الآية ٩]- وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) [الواقعة: الآية ١٠] فأنا خير السابقين ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني من خيرها قبيلة، وذلك قوله تعالى: وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ [الحجرات: الآية ١٣] الآية فأنا أبر ولد آدم وأكرمهم على الله تعالى ولا فخر، وجعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا ولا فخر، فذلك قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ [الأحزاب: الآية ٣٣] هذا كلام الشفاء، فليتأمل. وإلى شرف هذا النسب يشير صاحب الهمزية رحمه الله تعالى بقوله: وبدا للوجود منك كريم ... من كريم آباؤه كرماء نسب تحسب العلا بحلاه ... قلدتها نجومها الجوزاء حبذا عقد سودد وفخار ... أنت فيه اليتيمة العصماء
ى بقوله: وبدا للوجود منك كريم ... من كريم آباؤه كرماء نسب تحسب العلا بحلاه ... قلدتها نجومها الجوزاء حبذا عقد سودد وفخار ... أنت فيه اليتيمة العصماء
أي ظهر لهذا العالم منك كريم: أي جامع لكل صفة كمال، وهذا على حد قولهم: لي من فلان صديق حميم، وذلك الكريم الذي ظهر وجد من أب كريم سالم من نقص الجاهلية آباؤه الشامل للأمهات جميعهم كرماء: أي سالمون من نقائص الجاهلية: أي ما يعد في الإسلام نقصا من أوصاف الجاهلية، وهذا نسب لا أجل منه، ولجلالته إذا تأملته تظن بسبب ما تحلى به من الكمالات: أي معاليها جعلت الجوزاء نجومها التي يقال لها نطاق الجوزاء قلادة لتلك المعالي، وهذه القلادة نعم هي قلادة سيادة وتمدح موصوفة بأنك في تلك القلادة الدرة اليتيمة التي لا مشابه لها المحفوظة عن الأعين لجلالتها. لا يقال: شمول الآباء للأمهات لا يناسب قوله نسب، لأن النسب الشرعي في الآباء خاصة. لأنا نقول: المراد بالنسب ما يعم اللغوي أو قد يقال سلامة آبائه من النقائص إنما هو من حيث أبيه: أي كونه متفرعا عنه، وذلك يستلزم أن تكون أمهاته كذلك، وسيأتي «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات» وسيأتي الكلام على ذلك مستوفى. وقد قال الماوردي في كتاب «أعلام النبوة» : وإذا اختبرت حال نسبه ﷺ وعرفت طهارة مولده ﷺ علمت أنه سلالة آباء كرام ليس فيهم مسترذل، بل كلهم سادة قادة، وشرف النسب وطهارة المولد من شروط النبوة، هذا كلامه ومن كلام عمه أبي طالب: إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر ... فعبد مناف سرها وصميمها وإن حصلت أنساب عبد منافها ... ففي هاشم أشرافها وقديمها وإن فخرت يوما فإن محمدا ... هو المصطفى من سرها وكريمها بالرفع عطفا على المصطفى، وسر القوم: وسطهم، فأشرف القوم قومه، وأشرف القبائل قبيلته، وأشرف الأفخاذ فخذه. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «من أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم» . وعن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه قال قال لي رسول الله ﷺ: «يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك، قلت يا رسول الله كيف أبغضك وبك هداني الله تعالى؟ قال: تبغض العرب فتبغضني» .
ي الله تعالى عنه قال قال لي رسول الله ﷺ: «يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك، قلت يا رسول الله كيف أبغضك وبك هداني الله تعالى؟ قال: تبغض العرب فتبغضني» . وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ: «لا يبغض العرب إلا منافق» . وفي الترمذي عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: «من غش العرب لم يدخل في شفاعتي ولم تنله مودتي» قال الترمذي: هذا حديث غريب، وقال ﷺ «ألا من أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم» وقال ﷺ: «أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي» وقال ﷺ: «إن لواء الحمد يوم القيامة بيدي وإن أقرب الخلق من لوائي يومئذ العرب» وقال ﷺ: «إذا ذلت العرب ذل الإسلام» وفي كلام فقهائنا: العرب أولى الأمم، لأنهم المخاطبون أولا والدين عربي. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «خير العرب مضر، وخير مضر عبد مناف، وخير بني عبد مناف بنو هاشم، وخير بني هاشم بنو عبد المطلب، والله ما افترق فرقتان منذ خلق الله تعالى آدم إلا كنت في خيرهما» . أقول: وفي لفظ آخر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله حين خلقني جعلني من خير خلقه، ثم حين خلق القبائل جعلني من خيرهم قبيلة، وحين خلق الأنفس جعلني من خير أنفسهم، ثم حين خلق البيوت جعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم بيتا وأنا خيرهم نسبا» وفي لفظ آخر عنه قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله قسم الخلق قسمين، فجعلني في خيرهم قسما، ثم جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرها ثلثا، ثم جعل الثلث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة، ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا» وتقدم عن الشفاء مثل ذلك مع زيادة الاستدلال بالآيات، وتقدم الأمر بالتأمل في ذلك، والله أعلم. وفيه أنه ورد النهي في الأحاديث الكثيرة عن الانتساب إلى الآباء في الجاهلية على سبيل الافتخار، من ذلك «لا تفتخروا بآبائكم الذين ماتوا في الجاهلية، فو الذي نفسي بيده ما يدحرج الجعل بأنفه خير من آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية» أي والذي يدحرجه الجعل هو النتن. وجاء في الحديث «ليدعن الناس فخرهم في الجاهلية. أو ليكونن أبغض إلى الله تعالى من الخنافس» وجاء «آفة الحسب الفخر» أي عاهة الشرف بالآباء التعاظم بذلك.
. وجاء في الحديث «ليدعن الناس فخرهم في الجاهلية. أو ليكونن أبغض إلى الله تعالى من الخنافس» وجاء «آفة الحسب الفخر» أي عاهة الشرف بالآباء التعاظم بذلك. وأجاب الإمام الحليمي بأنه ﷺ لم يرد بذلك الفخر، إنما أراد تعريف منازل أولئك ومراتبهم: أي ومن ثم جاء في بعض الروايات قوله ولا فخر: أي فهو من التعريف بما يجب اعتقاده وإن لزم منه الفخر، وهو إشارة إلى نعمة الله تعالى عليه، فهو من التحدث بالنعمة وإن لزم من ذلك الفخر أيضا. وعن ابن عباس ﵄ «في قوله تعالى: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) [الشعراء: الآية ٢١٩] قال: من نبي إلى نبي حتى أخرجت نبيا» أي وجدت الأنبياء في آبائه فسيأتي «أنه قذف بي في صلب آدم، ثم في صلب نوح، ثم في صلب إبراهيم عليهما الصلاة والسلام» بدليل ما يأتي فيه. وفي لفظ آخر عنه «ما زال النبي ﷺ يتقلب في أصلاب الأنبياء» أي المذكورين أو غيرهم
«حتى ولدته أمه» أي وهذا كما لا يخفى لا ينافي وقوع من ليس نبيا في آبائه، فالمراد وقوع الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في نسبه ﵊ كما علمت، ضرورة أن آباءه كلهم ليسوا أنبياء، لكن قال غيره: لا زال نوره ﷺ ينقل من ساجد إلى ساجد. قال أبو حيان: واستدل بذلك، أي بما ذكر من الآية المذكورة: أي المفسرة بما ذكر الرافضة على أن آباء النبي ﷺ كانوا مؤمنين: أي لأن الساجد لا يكون إلا مؤمنا، فقد عبر عن الإيمان بالسجود، وسيأتي مزيد الكلام في ذلك، وهو استدلال ظاهري، وإلا فالآية قيل معناها وتصفحك أحوال المتهجدين من أصحابك لأنه لما نسخ فرض قيام الليل عليه وعليهم بناء على أنه كان واجبا عليه وعلى أمته وهو الأصح.
هري، وإلا فالآية قيل معناها وتصفحك أحوال المتهجدين من أصحابك لأنه لما نسخ فرض قيام الليل عليه وعليهم بناء على أنه كان واجبا عليه وعلى أمته وهو الأصح. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان واجبا على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبله ﷺ «طاف ﷺ تلك الليلة على بيوت أصحابه لينظر حالهم» أي هل تركوا قيام الليل لكونه نسخ وجوبه بالصلوات الخمس ليلة المعراج حرصا على كثرة طاعتهم فوجدها كبيوت الزنابير: أي لأن الله ﷿ افترض عليه ﷺ: أي وعلى أمته قيام الليل أو نصفه أو أقل أو أكثر في أول سورة المزمل، ثم نسخ ذلك في آخر السورة بما تيسر: أي وكان نزول ذلك بعد سنة، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس ليلة المعراج كما سيأتي. وجعل بعضهم ذلك من نسخ الناسخ فيصير منسوخات، لما علمت أن آخر هذه السورة ناسخ لأولها ومنسوخ بفرض الصلوات الخمس. واعترض بأن الأخبار دالة على أن قوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمّل: الآية ٢٠] إنما نزل بالمدينة يدل على ذلك قوله تعالى: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [المزمّل: الآية ٢٠] لأن القتال في سبيل الله إنما كان بالمدينة، فقوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ [المزمّل: الآية ٢٠] اختيار لا إيجاب. وقيل معنى وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) [الشّعراء: الآية ٢١٩] وتقلبك في أركان الصلاة قائما وقاعدا وراكعا وساجدا في الساجدين: أي في المصلين، ففي الساجدين ليس متعلقا بتقلبك بل بساجدا المحذوف. لا يقال: يعارض جعل الساجدين عبارة عن المؤمنين أن من جملة آبائه ﷺ آزر والد إبراهيم الخليل صلى الله على نبينا وعليه وسلم وكان كافرا.
بل بساجدا المحذوف. لا يقال: يعارض جعل الساجدين عبارة عن المؤمنين أن من جملة آبائه ﷺ آزر والد إبراهيم الخليل صلى الله على نبينا وعليه وسلم وكان كافرا. لأنا نقول: أجمع أهل الكتاب على أن آزر كان عمه، والعرب تسمي العم أبا كما تسمي الخالة أما فقد حكى الله عن يعقوب ﵇ أنه قال: «آبائي إبراهيم وإسماعيل» ومعلوم أن إسماعيل إنما هو عمه. أي ويدل لذلك أن أبا إبراهيم كان اسمه تارخ بالمثناة فوق والمعجمة كما عليه جمهور أهل النسب، وقيل بالمهملة وعليه اقتصر الحافظ في الفتح لا آزر، لكن ادعى بعضهم أنه لقب له، لأن آزر اسم
صنم كان يعبده فصار له اسمان: آزر وتارخ كيعقوب وإسرائيل. قال بعضهم: وقد تساهل من أخذ بظاهر الآية كالقاضي البيضاوي وغيره فقال: إن أبا إبراهيم مات على الكفر وما قيل إنه عمه فعدول عن الظاهر من غير دليل. ويوافقه ما في النهر نقلا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن آزر كان اسم ابيه، ويرد ذلك قول الحافظ السيوطي ﵀: يستنبط من قول إبراهيم ﵊ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (٤١) [إبراهيم: الآية ٤١] وكان ذلك بعد موت عمه بمدة طويلة، أن المذكور في القرآن بالكفر والتبري من الاستغفار له: أي في قوله تعالى: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [التوبة: الآية ١١٤] هو عمه لا أبوه الحقيقي. قال: فلله الحمد على ما ألهم: أي ولا يخفى أن هذا لا يتم إلا إذا كان أبوه الحقيقي حيا وقت التبري منه، وأن التبري سببه الموت: أي موت عمه على الكفر لا الوحي بأنه يموت كافرا فليتأمل، وحينئذ يكون أبوه الحقيقي هو المعني بقول أبي هريرة: أحسن كلمة قالها أبو إبراهيم. أن قال لما رأى ولده وقد ألقي في النار أي على تلك الحالة أي في روضة خضراء وحوله النار: لم تحرق منه إلا كتافه نعم الرب ربك يا إبراهيم، وكان سنه حين ألقي في النار ست عشرة سنة كما في الكشاف. وفي كلام غيره كان سنه ثلاثين سنة بعد ما سجن ثلاث عشرة سنة. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «إن قريشا كانت نورا بين يدي الله تعالى قبل أن يخلق آدم ﵊ بألفي عام يسبح ذلك النور وتسبح الملائكة بتسبيحه فلما خلق الله تعالى آدم ﵊ ألقى ذلك النور في صلبه، قال ﷺ: فأهبطني الله تعالى إلى الأرض في صلب آدم، وجعلني في صلب نوح، وقذفني في صلب إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، ثم لم يزل ينقلني من الأصلاب الكريمة والأرحام الطاهرة حتى أخرجني من بين أبوي لم يلتقيا على سفاح قط» .
نوح، وقذفني في صلب إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، ثم لم يزل ينقلني من الأصلاب الكريمة والأرحام الطاهرة حتى أخرجني من بين أبوي لم يلتقيا على سفاح قط» . أقول: قوله ﷺ: «فأهبطني» ينبغي أن لا يكون معطوفا على ما قبله من قوله: «إن قريشا كانت نورا بين يدي الله تعالى الخ» فيكون نوره ﷺ من جملة نور قريش، وإنه ﷺ انفرد عن نور قريش وأودع في صلب نوح ﵊ الخ، بل على ما يأتي من قوله: «كنت نورا بين يدي ربي قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام» اللازم لذلك أن يكون نوره سابقا على نور قريش، ويكون نور قريش من نوره ﷺ. وحكمة اقتصاره ﷺ على من ذكر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا تخفى. وهي أنهم آباء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فمن ذرية نوح هود وصالح عليهما
الصلاة والسلام، ومن ذرية إبراهيم إسمعيل وإسحق ويعقوب ويوسف وشعيب وموسى وهارون بناء على أنه شقيق موسى أو لأبيه وإلا فسيأتي أن نوره انتقل إلى شيث، وتقدم أنه ﷺ من ذرية إسمعيل. وعن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «كنت نورا بين يدي ربي قبل خلق آدم ﵊ بأربعة عشر ألف عام» ورأيت في كتاب التشريفات في الخصائص والمعجزات لم أقف على اسم مؤلفه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه «أن رسول الله ﷺ سأل جبريل ﵊ فقال يا جبريل كم عمرت من السنين؟ فقال يا رسول الله لست أعلم، غير أن في الحجاب الرابع نجما يطلع في كل سبعين ألف سنة مرة، رأيته اثنين وسبعين ألف مرة فقال: «يا جبريل وعزة ربي ﷻ أنا ذلك الكوكب» رواه البخاري، هذا كلامه، فلما خلق الله آدم ﵊ جعل ذلك النور في ظهره: أي فهو حالة كونه نورا سابق على قريش حالة كونها نورا، بل سيأتي ما يدل على أن نوره ﷺ سابق على سائر المخلوقات، بل وتلك المخلوقات خلقت من ذلك النور آدم وذريته وحينئذ يحتاج إلى بيان وجه كون آدم خلق من نوره ﷺ، وجعل نوره ﷺ في ظهر آدم ﵊، فقد تقدم في الخبر «لما خلق الله تعالى آدم جعل ذلك النور في ظهره» أي فكان يلمع في جبينه فيغلب على سائر نوره الخ ما يأتي، ثم انتقل إلى ولده شيث الذي هو وصيه،
دم في الخبر «لما خلق الله تعالى آدم جعل ذلك النور في ظهره» أي فكان يلمع في جبينه فيغلب على سائر نوره الخ ما يأتي، ثم انتقل إلى ولده شيث الذي هو وصيه، وكان من جملة ما أوصاه به أنه يوصي من انتقل إليه ذلك النور من ولده أنه لا يضع ذلك النور الذي انتقل إليه إلا في المطهرة من النساء، ولم تزل هذه الوصية معمولا بها في القرون الماضية إلى أن وصل ذلك النور إلى عبد المطلب: أي وهذا السياق يدل على أن ذلك النور كان ظاهرا فيمن ينتقل إليه من آبائه، وهو قد يخالف ما تقدم من تخصيص بعض آبائه بذلك، ولم تلد حواء ولدا مفردا إلا شيث كرامة لهذا النور، قيل مكث في بطنها حتى نبتت أسنانه وكان ينظر إلى وجهه من صفاء بطنها وهو الثالث من ولد آدم ﵊، وكانت تلد ذكرا وأنثى معا: أي فقد قيل إنها ولدت لآدم أربعين ولدا في عشرين بطنا، وقيل ولدت مائة وعشرين ولدا، وقيل مائة وثمانين ولدا، وقيل خمسمائة. ويقال إن آدم ﵊ لما مات بكى عليه من ولده وولد ولده أربعون ألفا، ولم يحفظ من نسل آدم إلا ما كان من صلب شيث دون إخوته: أي فإنهم لم يعقبوا أصلا فهو أبو البشر. وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: «قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء؟ قال: يا جابر إن الله تعالى قد خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره» الحديث، وفيه أنه أصل لكل موجود،
والله ﷾ أعلم. واختلف الناس في عد طبقات أنساب العرب وترتيبها، والذي في الأصل عن الزبير بن بكار أنها ست طبقات، وأن أولها شعب، ثم قبيلة، ثم عمارة بكسر العين المهملة، ثم بطن، ثم فخذ، ثم فصيلة قال: وقد نظمها الزين العراقي في قوله: للعرب العربا طباق عدة ... فصلها الزبير وهي ستة أعم ذاك الشعب فالقبيلة ... عمارة بطن فخذ فصيلة أي فالشعب أصل القبائل، والقبيلة أصل العمارة، والعمارة أصل البطون، والبطن أصل الفخذ، والفخذ أصل الفصيلة، فيقال: مضر شعب رسول الله ﷺ: أي وقيل شعبه خزيمة، وكنانة قبيلته ﷺ، وقريش عمارته ﷺ، وقصي بطنه ﷺ، وهاشم فخذه ﷺ، وبنو العباس فصيلته ﷺ. وقيل بعد الفصيلة العشيرة، وليس بعد العشيرة شيء. وقيل بعدها الفصيلة قال: ثم الرهط. وزاد بعضهم الذرية والعترة والأسرة، ولم يرتب بينها. وقد ذكرها محمد بن سعد اثني عشر فقال: الجذم، ثم الجمهور، ثم الشعب، ثم القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم العشيرة، ثم الفصيلة، ثم الرهط، ثم الأسرة، ثم الذرية، وسكت عن العترة. وفي كلام بعضهم: الأسباط بطون بني إسرائيل، والشعب في لسان العرب: الشجرة الملتفة الكثيرة الأغصان والأوراق، والقبائل بطون العرب والشعوب بطون العجم، فليتأمل.
باب: تزويج عبد الله أبي النبي ﷺ آمنة أمه ﷺ وحفر زمزم وما يتعلق بذلك قيل خرج عبد المطلب ومعه ولده عبد الله، وكان أحسن رجل في قريش خلقا، وخلقا، وكان نور النبي ﷺ بينا في وجهه. وفي رواية أنه كان أحسن رجل رئاء بكسر الراء وبضمها ثم همزة مفتوحة: منظرا في قريش. وفي رواية أنه كان أكمل بني أبيه، وأحسنهم وأعفهم، وأحبهم إلى قريش، وقد هدى الله تعالى والده فسماه بأحب الأسماء إلى الله تعالى. ففي الحديث «أحب الأسماء إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن» وهو الذبيح. وذلك لأن أباه عبد المطلب حين أمر في النوم بحفر زمزم بئر إسمعيل ﵇: أي لأن الله تعالى أخرج زمزم لإسمعيل بواسطة جبريل كما يأتي إن شاء الله تعالى في بناء الكعبة، أخرج زمزم مرتين: مرة لآدم، ومرة لإسمعيل عليهما الصلاة
﵇: أي لأن الله تعالى أخرج زمزم لإسمعيل بواسطة جبريل كما يأتي إن شاء الله تعالى في بناء الكعبة، أخرج زمزم مرتين: مرة لآدم، ومرة لإسمعيل عليهما الصلاة
السلام، وكانت جرهم قد دفنتها: أي فإن جرهما لما استخفت بأمر البيت الحرام، وارتكبوا الأمور العظام، قام فيهم رئيسهم مضاض بكسر الميم وحكى ضمها، ابن عمرو خطيبا: ووعظهم فلم يرعووا فلما رأى ذلك منهم عمد إلى غزالتين من ذهب كانتا في الكعبة وما وجد فيها من الأموال: أي السيوف والدروع على ما سيأتي التي كانت تهدى إلى الكعبة ودفنها في بئر زمزم. وفي مرآة الزمان أن هاتين الغزالتين أهداهما للكعبة وكذا السيوف ساسان أول ملوك الفرس الثانية. ورد بأن الفرس لم يحكموا على البيت ولا حجوه هذا كلامه. وفيه أن هذا لا ينافي ذلك، فليتأمل. وكانت بئر زمزم نضب ماؤها: أي ذهب فحفرها مضاض بالليل وأعمق الحفر ودفن فيها ذلك: أي ودفن الحجر الأسود أيضا كما قيل، وطم البئر، واعتزل قومه فسلط الله تعالى عليهم خزاعة، فأخرجتهم من الحرم، وتفرقوا وهلكوا كما تقدم، ثم لا زالت زمزم مطمومة لا يعرف محلها مدة خزاعة ومدة قصي، ومن بعده إلى زمن عبد المطلب. ورؤياه التي أمر فيها بحفرها. قيل وتلك المدة خمسمائة سنة: أي وكان قصي احتفر بئرا في الدار التي سكنتها أم هانئ أخت علي رضي الله تعالى عنهما، وهي أول سقاية احتفرت بمكة. فعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال عبد المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت فقال احفر طيبة، فقلت: وما طيبة؟ فذهب وتركني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال احفر برة، فقلت: وما برة فذهب وتركني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني وقال احفر المضنونة، فقلت: وما المضنونة؟ فذهب وتركني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال احفر زمزم، فقلت: وما زمزم؟ قال: لا تنزف، ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم، عند قرية النمل. وقوله لا تنزف: أي لا يفرغ ماؤها، ولا يلحق قعرها.
: لا تنزف، ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم، عند قرية النمل. وقوله لا تنزف: أي لا يفرغ ماؤها، ولا يلحق قعرها. وفيه أنه ذكر أنه وقع فيها عبد حبشي فمات بها وانتفخ فنزحت من أجله، ووجدوا قعرها فوجدوا ماؤها يفور من ثلاثة أعين، أقواها وأكثرها التي من ناحية الحجر الأسود. وقوله ولا تذم بالذال المعجمة: أي لا توجد قليلة الماء، من قولهم: بئر ذمة أي قليلة الماء قيل وليس المراد أنه لا يذمها أحد، لأن خالد بن عبد الله القسري أمير العراق من جهة الوليد بن عبد الملك ذمها وسماها أم جعلان، واحتفر بئرا خارج مكة باسم الوليد بن عبد الملك، وجعل يفضلها على زمزم ويحمل الناس على التبرك بها. وفيه أن هذا جرأة منه على الله تعالى وقلة حياء منه، وهو الذي كان يعلن
ويفصح بلعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه على المنبر، فلا عبرة بذمه. وقيل لزمزم طيبة لأنها للطيبين والطيبات من ولد إبراهيم، وقيل لها برة لأنها فاضت للأبرار، وقيل لها المضنونة لأنها ضن بها على غير المؤمنين، فلا يتضلع منها منافق، وقد جاء في رواية «يقول الله تعالى ضننت بها على الناس إلا عليك» ولعل المراد إلا على أتباعك، فيكون بمعنى ما قبله. وفي رواية أنه قيل لعبد المطلب احفر زمزم، ولم يذكر له علامتها فجاء إلى قومه وقال لهم: إني قد أمرت أن أحفر زمزم، قالوا: فهل بين لك أين هي؟ قال لا، قالوا فارجع إلى مضجعك الذي رأيت فيه ما رأيت، فإن يكن حقا من الله تعالى بين لك، وإن يكن من الشيطان فلن يعود إليك، فرجع عبد المطلب إلى مضجعه فنام فيه فأتاه فقال احفر زمزم إنك إن حفرتها لن تندم، وهي ميراث من أبيك الأعظم، لا تنزف أبدا ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، فقال عبد المطلب: أين هي؟ فقال: هي بين الفرث والدم، عند قرية النمل حيث ينقر الغراب الأعصم غدا: أي والأعصم، قيل أحمر المنقار والرجلين، وقيل أبيض البطن، وعلى هذا اقتصر الإمام الغزالي حيث قال في قوله ﷺ «مثل المرأة الصالحة في النساء مثل الغراب الأعصم بين مائة غراب» يعني الأبيض البطن، هذا كلامه. وقيل الأعصم أبيض الجناحين، وقيل أبيض إحدى الرجلين، فلما كان الغد ذهب عبد المطلب وولده الحارث ليس له ولد غيره، فوجد قرية النمل، ووجد الغراب ينقر عندها بين الفرث والدم: أي في محلهما وذلك بين إساف ونائلة: الصنمين اللذين تقدم ذكرهما، وتقدم أن قريشا كانت تذبح عندهما ذبائحها: أي التي كانت تتقرب بها، وهذا يبعد ما جاء في رواية أنه لما قام بحفرها رأى ما رسم له من قرية النمل ونقرة الغراب، ولم ير الفرث والدم فبينما هو كذلك ندت بقرة من ذابحها فلم يدركها حتى دخلت المسجد فنحرها في الموضع الذي رسم له. وقد يقال لا يبعد لأنه يجوز أن يكون فهم أن يكون الفرث والدم موجودين بالفعل فلا يلزم من كون المحل المذكور محلهما وجودهما فيه في ذلك الوقت، فلم يكتف بنقرة الغراب في محلهما، فأرسل الله له تلك البقرة ليرى الأمر عيانا.
دين بالفعل فلا يلزم من كون المحل المذكور محلهما وجودهما فيه في ذلك الوقت، فلم يكتف بنقرة الغراب في محلهما، فأرسل الله له تلك البقرة ليرى الأمر عيانا. وذكر السهيلي ﵀ لذكر هذه العلامات الثلاث حكمة لا بأس بها، ولعل إسافا ونائلة نقلا بعد ذلك إلى الصفا والمروة بعد أن نقلهما عمرو بن لحي من جوف الكعبة إلى المحل المذكور، فلا يخالف ما ذكره القاضي البيضاوي وغيره أن إسافا كان على الصفا ونائلة على المروة، وكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما: أي ومن ثم لما جاء الاسلام وكسرت الأصنام، كره المسلمون الطواف أي السعي بينهما، وقالوا يا رسول الله هذا كان شعارنا في الجاهلية لأجل التمسح بالصنمين، فأنزل الله تعالى- إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [البقرة: الآية ١٥٨]- الآية: ويقال إن
بقرة نحرت بالحزورة بوزن قسورة فانفلتت ودخلت المسجد في موضع زمزم فوقعت مكانها، فاحتمل لحمها، فأقبل غراب أعصم فوقع في الفرث فليتأمل الجمع. وقد يقال: لا منافاة، لأن قوله في الرواية الأولى: فندت بقرة من ذابحها: أي ممن شرع في ذبحها ولم يتمه حتى دخلت المسجد فنحرها: أي تمم ذبحها، فقد نحرت بالحزورة وبالمسجد أو يراد بنحرها في الحزورة ذبحها، وبنحرها في المسجد سلخها وتقطيع لحمها فقد رأينا الحيوان بعد ذبحه يذهب إلى موضع آخر ثم يقع به، وعند ذلك جاء عبد المطلب بالمعول وقام ليحفر، فقامت إليه قريش، فقالوا له: والله لا نتركك تحفر بين وثنينا اللذين ننحر عندهما فقال عبد المطلب لولده الحارث ذد عني: أي امنع عني حتى أحفر، فو الله لأمضين لما أمرت به، فلما رأوه غير نازع خلوا بينه وبين الحفر وكفوا عنه، فلم يحفر إلا يسيرا حتى بدا له الطي: أي البناء، فكبر وقال هذا طي إسمعيل ﵇: أي بناؤه، فعرفت قريش أنه أصاب حاجته، فقاموا إليه وقالوا والله يا عبد المطلب إنها بئر أبينا إسمعيل، وإن لنا فيها حقا فأشركنا معك، فقال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم، فقالوا نخاصمك فيها، فقال: اجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه،
، وإن لنا فيها حقا فأشركنا معك، فقال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم، فقالوا نخاصمك فيها، فقال: اجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا: كاهنة بني سعد بن هذيم وكانت بأعالي الشام: أي ولعلها التي لما حضرتها الوفاة طلبت شقا وسطيحا وتفلت في فمهما، وذكرت أن سطيحا يخلفها في كهانتها ثم ماتت في يومها ذلك، وسطيح ستأتي ترجمته. وأما شق فقيل له ذلك، لأنه كان شق إنسان يدا واحدة، ورجلا واحدة، وعينا واحدة، فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني عبد مناف، وركب من كل قبيلة من قريش نفر، وكان إذ ذاك ما بين الحجاز والشام مفازات لا ماء بها، فلما كان عبد المطلب ببعض تلك المفاوز فني ماؤه وماء أصحابه، فظمؤوا ظمأ شديدا حتى أيقنوا بالهلكة، فاستقوا ممن معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم وقالوا نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم، فقال عبد المطلب لأصحابه ما ترون؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع لرأيك، فقال: إني أرى أن يحفر كل أحد منكم حفيرة يكون فيها إلى أن يموت فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه حتى يكون آخرهم رجلا واحدا فضيعة رجل واحد: أي يترك بلا مواراة أيسر من ضيعة ركب جميعا، فقالوا: نعم ما أمرت به فحفر كل حفيرة لنفسه ثم قعدوا ينتظرون الموت، ثم قال عبد المطلب لأصحابه: والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا إلى الموت لعجز، فلنضرب في الأرض فعسى الله أن يرزقنا، فانطلقوا، كل ذلك وقومهم ينظرون إليهم ما هم فاعلون فتقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها، فلما انبعثت انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب، فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه ثم نزل فشرب وشرب أصحابه وملأوا أسقيتهم، ثم دعا القبائل فقال: هلموا إلى الماء فقد
سقانا الله فاشربوا واستقوا، فجاؤوا فشربوا واستقوا، ثم قالوا لعبد المطلب قد والله قضى لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخاصمك في زمزم أبدا، إن الذي سقاك الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا، فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة، فلما جاء وأخذ في الحفر وجد فيها الغزالتين من الذهب اللتين دفنتهما جرهم، ووجد فيها أسيافا وأدراعا، فقالت له قريش: يا عبد المطلب لنا معك في هذا شرك، فقال: لا، ولكن هلموا إلى أمر نصف بيني وبينكم. والنصف: بكسر النون وسكون الصاد المهملة وبفتحها النصفة بفتحات نضرب عليها بالقداح قالوا: وكيف تصنع؟ قال: أجعل للكعبة قدحين، ولي قدحين، ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شيء كان له، ومن تخلف قدحاه فلا شيء له، قالوا أنصفت، فجعل قدحين أصفرين للكعبة وقدحين أسودين لعبد المطلب وقدحين أبيضين لقريش، ثم أعطوها لصاحب القداح الذي يضرب بها عند هبل: أي وجعلوا الغزالتين قسما والأسياف والأدراع قسما آخر، وقام عبد المطلب يدعو ربه بشعر مذكور في الأمتاع، فضرب صاحب القداح، فخرج الأصفران على الغزالتين، وخرج الأسودان على الأسياف والأدراع، وتخلف قدحا قريش، فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة، وضرب في الباب الغزالتين، فكان أول ذهب حليت به الكعبة ذلك. ومن ثم جاء عن ابن عباس ﵄: والله إن أول من جعل باب الكعبة ذهبا لعبد المطلب. وفي شفاء الغرام أن عبد المطلب علق الغزالتين في الكعبة، فكان أول من علق المعاليق بالكعبة، وسيأتي الجمع بين كونهما علقا بالكعبة وبين جعلهما حليا لباب الكعبة وقد كان بالكعبة بعد ذلك معاليق، فإن عمر رضي الله تعالى عنه لما فتحت مدائن كسرى كان مما بعث إليه منها هلالان فعلقا بالكعبة، وعلق بها عبد الملك بن مروان شمستين وقدحين من قوارير، وعلق بها الوليد بن يزيد سريرا وعلق بها السفاح صحفة خضراء، وعلق بها المنصور القارورة الفرعونية، وبعث المأمون ياقوتة كانت تعلق كل سنة في وجه الكعبة في زمن الموسم في سلسلة من ذهب.
را وعلق بها السفاح صحفة خضراء، وعلق بها المنصور القارورة الفرعونية، وبعث المأمون ياقوتة كانت تعلق كل سنة في وجه الكعبة في زمن الموسم في سلسلة من ذهب. ولما أسلم بعض الملوك في زمنه أرسل إليها بصنمه الذي كان يعبده، وكان من ذهب متوجا ومكللا بالجواهر والياقوت الأحمر والأخضر والزبرجد، فجعل في خزانة الكعبة. ثم إن الغزالتين سرقتا وأبيعتا من قوم تجار قدموا مكة بخمر وغيرها، فاشتروا بثمنها خمرا. وقد ذكر أن أبا لهب مع جماعة نفدت خمرهم في بعض الأيام، وأقبلت قافلة من الشام معها خمر، فسرقوا غزالة واشتروا بها خمرا، وطلبتها قريش، وكان أشدهم
طلبا لها عبد الله بن جدعان، فعلموا بهم فقطعوا بعضهم وهرب بعضهم، وكان فيمن هرب أبو لهب: هرب إلى أخواله من خزاعة فمنعوا عنه قريشا، ومن ثم كان يقال لأبي لهب سارق غزالة الكعبة. وقد قيل منافع الخمر المذكورة فيها أنهم كانوا يتغالون فيها إذا جلبوها من النواحي لكثرة ما يربحون فيها لأنه كان المشتري إذا ترك المماكسة في شرائها عدوه فضيلة له ومكرمة فكانت أرباحهم تتكثر بسبب ذلك. وما قيل في منافعها أنها تقوي الضعيف، وتهضم الطعام، وتعين على الباه، وتسلي المحزون، وتشجع الجبان، وتصفي اللون، وتنعش الحرارة الغريزية، وتزيد في الهمة والاستعلاء، فذلك كان قبل تحريمها، ثم لما حرمت سلبت جميع هذه المنافع، وصارت ضررا صرفا، ينشأ عنها الصداع والرعشة في الدنيا لشاربها، وفي الآخرة يسقى عصارة أهل النار. وفي كلام بعضهم: من لازم شربها حصل له خلل في جوهر العقل، وفساد الدماغ والبخر في الفم، وضعف البصر والعصب، وموت الفجاءة ومميتة للقلب، ومسخطة للرب، ومن ثم جاء أنها أي الخمرة ليست بدواء ولكنها داء. وجاء «اجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كل شر» أي كان مغلقا. وجاء «الخمر أم الفواحش» وفي رواية «أم الخبائث» وجاء في الخمر «لا طيب الله من تطيب بها، ولا شفى الله من استشفى بها» . وقد قيل لا منافاة بين كون الغزالتين علقتا في الكعبة وسرقتا أو سرقت إحداهما، وبين كون عبد المطلب جعلهما حليا للباب، لأنه يجوز أن يكون عبد المطلب استخلص الغزالتين أو الغزالة من التجار، ثم جعلهما حليا للباب بعد أن كان علقهما.
ا، وبين كون عبد المطلب جعلهما حليا للباب، لأنه يجوز أن يكون عبد المطلب استخلص الغزالتين أو الغزالة من التجار، ثم جعلهما حليا للباب بعد أن كان علقهما. وفي الإمتاع: وكان الناس قبل ظهور زمزم تشرب من آبار حفرت بمكة، وأول من حفر بها بئرا قصي كما تقدم، وكان الماء العذب بمكة قليلا. ولما حفر عبد المطلب زمزم بنى عليها حوضا وصار هو وولده يملآنه فيكسره قوم من قريش ليلا حسدا فيصلحه نهارا حين يصبح، فلما أكثروا من ذلك وجاء شخص واغتسل به غضب عبد المطلب غضبا شديدا فأري في المنام أن قل: اللهم إن لا أحلها لمغتسل وهي لشارب حل وبل: أي حلال مباح ثم كفيتهم، فقام عبد المطلب حين اختلفت قريش في المسجد ونادى بذلك، فلم يكن يفسد حوضه أحد، أو اغتسل إلا رمى في جسده بداء. ثم إن عبد المطلب لما قال لولده الحارث ذد عني: أي امنع عني حتى أحفر،



