— Bagian 24 · ومن بعض الوحوش ومن بعض الأشجار، وطرد الشياطين من… —
Bagian 24
ومن بعض الوحوش ومن بعض الأشجار، وطرد الشياطين من استراق السمع عند مبعثه بكثرة تساقط النجوم، وما وجد من ذكره ﷺ مكتوبا من النبات والأحجار وغيرهما ٢٦٥
باب: سلام الحجر والشجر عليه ﷺ قبل مبعثه ٣٢٠ باب: بيان حين المبعث وعموم بعثته ﷺ ٣٢٢ باب: بدء الوحي له ﷺ ٣٣٤ باب: ذكر وضوئه وصلاته ﷺ أول البعثة ٣٧٥ باب: ذكر أول الناس إيمانا به ﷺ ٣٨١ باب: استخفائه ﷺ وأصحابه في دار الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله تعالى عنهما ودعائه ﷺ إلى الإسلام جهرة وكلام قريش لأبي طالب في أن يخلي بينهم وبينه، وما لقي هو وأصحابه من الأذى وإسلام عمه حمزة رضي الله تعالى عنه ٤٠٢ باب: عرض قريش عليه ﷺ أشياء من خوارق العادات وغير العادات ليكف عنهم لما رأوا المسلمين يزيدون ويكثرون، وسؤالهم له أشياء من خوارق العادات معينات وغير معينات، وبعثهم إلى أحبار يهود بالمدينة يسألونهم عن صفة النبي ﷺ وعما جاء به، وحديث الزبيدي، وحديث المستهزئين به ﷺ، ومن حديثهم حديث الأراشي ومن قصد أذيته ﷺ فردّ خائبا ٤٢٨ باب الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة وسبب رجوع من هاجر إليها من المسلمين إلى مكة وإسلام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ٤٥٦ باب: اجتماع المشركين على منابذة بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف وكتابة الصحيفة ٤٧٥ باب الهجرة الثانية إلى الحبشة ٤٧٧ باب ذكر خبر وفد نجران ٤٨٧ باب ذكر وفاة عمه أبي طالب، وزوجته ﷺ خديجة رضي الله تعالى عنها ٤٨٨ باب ذكر خروج النبي ﷺ إلى الطائف ٤٩٨ باب ذكر خبر الطفيل بن عمرو الدوسي وإسلامه رضي الله تعالى عنه ٥١٣ باب ذكر الإسراء والمعراج وفرض الصلوات الخمس ٥١٤
الجزء الثاني ﷽
باب عرض رسول الله ﷺ نفسه على القبائل من العرب أن يحموه ويناصروه على ما جاء به من الحق أي لأنه ﷺ أخفى رسالته ثلاث سنين، ثم أعلن بها في الرابعة على ما تقدم، ودعا إلى الإسلام عشر سنين يوافي الموسم كل عام، يتبع الحجاج في منازلهم أي بمنى والموقف يسأل عن القبائل قبيلة قبيلة، ويسأل عن منازلهم ويأتي إليهم في أسواق المواسم، وهي: عكاظ، ومجنة، وذو المجاز، فقد تقدم أن العرب كانت إذا حجت تقيم بعكاظ شهر شوّال، ثم تجيء إلى سوق مجنة تقيم فيه عشرين يوما، ثم تجيء سوق ذي المجاز فتقيم به إلى أيام الحج يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه. فعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال «كان النبي ﷺ يعرض نفسه على الناس في الموقف ويقول: ألا رجل يعرض عليّ قومه، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي» وعن بعضهم «رأيت رسول الله ﷺ قبل أن يهاجر إلى المدينة يطوف على الناس في منازلهم أي بمنى يقول: يا أيها الناس إن الله يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، ووراءه رجل يقول يا أيها الناس إن هذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم، فسألت من هذا الرجل؟ فقيل أبو لهب يعني عمه» . وفي رواية عن أبي طارق رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز يعرض نفسه على قبائل العرب يقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، وخلفه رجل له غديرتان» أي ذؤابتان «يرجمه بالحجارة حتى أدمي كعبه يقول يا أيها الناس لا تسمعوا منه فإنه كذاب، فسألت عنه، فقيل إنه غلام عبد المطلب، فقلت ومن الرجل الذي يرجمه؟ فقيل هو عمه عبد العزى يعني أبا لهب» . أي وفي السيرة الهشامية عن بعضهم قال: إني لغلام شاب مع أبي بمنى ورسول الله ﷺ يقف في منازل القبائل من العرب فيقول: يا بني فلان إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه
الله ﷺ يقف في منازل القبائل من العرب فيقول: يا بني فلان إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه
من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا به وتصدقوني، وتمنعوني حتى أبين عن الله ﷿ ما بعثني به، قال: وخلفه رجل أحول وضيء له غديرتان، عليه حلة عدنية، فإذا فرغ رسول الله ﷺ من قوله قال ذلك الرجل: يا بني فلان إن هذا الرجل إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه، فقلت لأبي: من هذا الرجل الذي يتبعه يرد عليه ما يقول؟ قال: هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب» . وذكر ابن إسحاق أنه ﷺ عرض نفسه على كندة وكلب أي إلى بطن منهم، يقال لهم بنو عبد الله، فقال لهم «إن الله قد أحسن اسم أبيكم أي عبد الله» أي فقد قال ﷺ «أحب الأسماء إلى الله ﷿ عبد الله وعبد الرحمن» ثم عرض عليهم فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم، وعرض على بني حنيفة وبني عامر بن صعصعة أي فقال له رجل منهم: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظفرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك، فقال: الأمر إلى الله يضعه حيث شاء؛ قال: فقال له، أنقاتل العرب دونك؟ وفي رواية، أنهدف نحورنا للعرب دونك» أي نجعل نحورنا هدفا لنبلهم «فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك وأبوا عليه، فلما رجعت بنو عامر إلى منازلهم وكان فيهم شيخ أدركه السن حتى لا يقدر أن يوافي معهم الموسم؛ فلما قدموا عليه سألهم عما كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتى من قريش أحد بني عبد المطلب، يزعم أنه نبي يدعونا إلى أن نمنعه، ونقوم معه، ونخرج به إلى بلادنا فوضع الشيخ يده على رأسه ثم قال: يا بني عامر هل لها من تلاف» أي تدارك. «هل لها من مطلب؛ والذي نفس فلان بيده ما يقولها» أي ما يدعي النبوة «كاذبا أحد من بني إسماعيل قط، وإنها لحق، وإن رأيكم غاب عنكم» . وذكر الواقدي أنه ﷺ أتى بني عبس أي وبني سليم وغسان وبني محارب أي وفزارة وبني نضر ومرة وعذرة والحضارمة، فيردون عليه ﷺ أقبح الرد، ويقولون:
م غاب عنكم» . وذكر الواقدي أنه ﷺ أتى بني عبس أي وبني سليم وغسان وبني محارب أي وفزارة وبني نضر ومرة وعذرة والحضارمة، فيردون عليه ﷺ أقبح الرد، ويقولون: أسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك، ولم يكن أحد من العرب أقبح ردا عليه من بني حنيفة، أي وهم أهل اليمامة قوم مسيلمة الكذاب؟ وقيل لهم بنو حنيفة، لأن أمهم حنيفة قيل لها ذلك لحنف كان في رجلها وثقيف، أي ومن ثم جاء «شر قبائل العرب بنو حنيفة وثقيف» . أي ودفع ﷺ هو وأبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى مجلس من مجالس العرب فتقدم أبو بكر فسلم. وقال: ممن القوم، قالوا: من ربيعة؟ قال: وأي ربيعة؟ من هامتها أو من لهازمها قالوا: بل الهامة العظمى، قال: من أيها؟ قالوا: من ذهل الأكبر، قال: منكم حامي الذمار ومانع الجار فلان؟ قالوا لا، قال: منكم قاتل الملوك وسالبها فلان؟ قالوا لا، قال: منكم صاحب العمامة الفردة فلان؟ قالوا لا،
قال: فلستم من ذهل الأكبر، أنتم ذهل الأصغر، فقام إليه شاب حين بقل وجهه أي طلع شعر وجهه، فقال له: إن على سائلنا أن نسأله، يا هذا إنك قد سألتنا فأخبرناك، فممن الرجل؟ فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أنا من قريش، فقال الفتى، بخ بخ أهل الشرف والرياسة، فمن أي قريش أنت؟ قال: من ولد تيم بن مرة فقال الفتى: أمنكم قصي الذي كان يدعى مجمعا قال لا، قال: فمنكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه قال لا، قال: فمنكم شيبة الحمد عبد المطلب، مطعم طير السماء، الذي كأن وجهه القمر يضيء في الليلة الظلماء قال لا، واجتذب أبو بكر رضي الله تعالى عنه زمام ناقته، ورجع إلى رسول الله ﷺ وأخبره بذلك؛ فتبسم رسول الله ﷺ وقال له عليّ رضي الله تعالى عنه: لقد وقعت من الأعرابي على باقعة أي داهية أي ذي دهاء. وهو في الأصل اسم لطائر حذر يطير يمنة ويسرة قال: أجل أبا حسن؛ ما من طامة إلا فوقها طامة، والبلاء موكل بالمنطق، أي واستفهام الفتى توبيخي لا حقيقي لأن من المعلوم أن من ذكر ليسوا من تيم، لأن أبا بكر كما تقدم إنما يجتمع مع النبي ﷺ في مرة؛ ومرة جد لقصي؛ فكأنه يقول له إن قبيلتكم لم تشتمل على هؤلاء الأشراف؛ أي كما أن قبيلتنا لم تشتمل على أولئك الأشراف.
ا تقدم إنما يجتمع مع النبي ﷺ في مرة؛ ومرة جد لقصي؛ فكأنه يقول له إن قبيلتكم لم تشتمل على هؤلاء الأشراف؛ أي كما أن قبيلتنا لم تشتمل على أولئك الأشراف. وعن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما «أنه ﷺ لقي جماعة من شيبان بن ثعلبة؛ وكان معه أبو بكر وعلي رضي الله تعالى عنهما؛ وأن أبا بكر سألهم ممن القوم؟ فقالوا: من شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله ﷺ فقال: بأبي أنت وأمي، هؤلاء غرر، أي سادات في قومهم وفيهم مفروق بن عمرو وهانىء» بالهمز «ابن قبيصة» بفتح القاف «ومثنى بن حارثة والنعمان بن شريك. وكان مفروق بن عمرو قد غلبهم جمالا ولسانا له غديرتان» أي ذؤابتان من شعر «وكان أدنى القوم، أي أقرب مجلسا من أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فقال له أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ قال مفروق: إنا لنزيد على الألف، ولن تغلب الألف من قلة، والذي قاله ﷺ «لن تغلب اثنا عشر ألفا من قلة» قاله لما أراد أن يغزو هوازن، وكان جيشه العدد المذكور كما سيأتي «فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه، كيف المنعة فيكم قال مفروق: علينا الجهد» أي بفتح الجيم وضمها أي الطاقة «ولكل قوم جد» بفتح الجيم أي حظ وسعادة أي علينا أن نجهد وليس علينا أن يكون لنا الظفر، لأنه من عند الله يؤتيه من يشاء، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم فقال مفروق: إنا لأشد ما يكون غضبا حين نلقى، وإنا لأشد ما يكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد أي من الخيل على الأولاد، والسلاح على اللّقاح أي ذوات اللبن من الإبل، وربما قيل للبقر والغنم أيضا «والنصر من عند الله، يديلنا» بضم أوله وكسر الدال المهملة: أي ينصرنا «مرة، ويديل علينا مرة» أي ينصر علينا
اللبن من الإبل، وربما قيل للبقر والغنم أيضا «والنصر من عند الله، يديلنا» بضم أوله وكسر الدال المهملة: أي ينصرنا «مرة، ويديل علينا مرة» أي ينصر علينا
أخرى «لعلك أخو قريش، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أوقد بلغكم أن رسول الله ﷺ فيها هوذا فقال مفروق: بلغنا أنه يذكر ذلك، فإلام تدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله ﷺ فقال: أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله، وإلى أن تؤووني وتنصروني، فإن قريشا قد تظاهرت» أي تعاونت «على أمر الله وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد، قال مفروق: وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فقال رسول الله ﷺ قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) [الأنعام: الآية ١٥١] قال مفروق: ما هذا من كلام أهل الأرض، ولو كان من كلامهم عرفناه، ثم قال: وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش، فتلا رسول الله ﷺ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) [النّحل: الآية ٩٠] .
الْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) [النّحل: الآية ٩٠] . وهذه الآية ذكرها العز بن عبد السلام أنها اشتملت على جميع الأحكام الشرعية، وبين ذلك في سائر الأبواب الفقهية، وضمن ذلك كتابا سماه الشجرة «فقال مفروق: دعوت والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم» أي صرفوا عن الحق كذبوك وظاهروا أي عاونوا عليك، وكان مفروق أراد أن يشركه أي يشاركه في الكلام هانىء بن قبيصة، فقال: هذا هانىء بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا، فقال هانىء قد سمعنا مقالتك يا أخا قريش، وإني أرى أن تركنا ديننا، واتباعنا إياك على دينك بمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر لزلة في الرأي وقلة نظر في العاقبة، وإنما تكون الزلة مع العجلة، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدا، ولكن نرجع وترجع وننظر وتنظر، وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة، فقال: هذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا، فقال المثنى قد سمعنا مقالتك يا أخا قريش، والجواب هو جواب هانىء بن قبيصة في تركنا ديننا واتباعنا دينك بمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر، وإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب دون ما يلي أنهار كسرى فعلنا، فإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى: أن لا نحدث حدثا، وأن لا نؤوي محدثا. وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه أنت هو مما تكرهه الملوك فقال رسول الله ﷺ: ما أسأتم في الرد، إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله ﷿ لن ينصره إلا من أحاط به من جميع جوانبه، أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وأموالهم، ويغرسكم نساءهم تسبحون الله وتقدسونه؟ فقال النعمان بن شريك: اللهم لك ذا فتلا رسول الله ﷺ يا أَيُّهَا النَّبِيُ
إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب: الآيات ٤٥- ٤٧] ثم نهض رسول الله ﷺ» أي وهؤلاء لم أقف على إسلام أحد منهم؛ إلا أن في الصحابة شخصا يقال له المثنى بن حارثة الشيباني، وكان فارس قومه وسيدهم والمطاع فيهم، ولعله هو هذا، لقول هانىء بن قبيصة فيه: إنه صاحب حربنا. ورأيت بعضهم ذكر أن النعمان بن شريك له وفادة، فيكون من الصحابة، أي وفي أسد الغابة أن مفروق بن عمرو من الصحابة، ونقل عن أبي نعيم أنه قال لا أعرف لمفروق إسلاما. ولما قدمت بكر بن وائل مكة للحج قال رسول الله ﷺ لأبي بكر ائتهم. فاعرضني عليهم، فأتاهم فعرض عليهم، فقال لهم: كيف العدد فيكم، قالوا: كثير مثل الثرى، قال: فكيف المنعة؟ قالوا: لا منعة، جاورنا فارس فنحن لا نمنع منهم ولا نجير عليهم، قال: فتجعلون لله عليكم إن هو أبقاكم حتى تنزلوا منازلهم وتستنكحوا نساءهم وتستعبدوا أبناءهم أن تسبحوا الله ثلاثا وثلاثين وتحمدوه وثلاثا وثلاثين وتكبروه ثلاثا وثلاثين؟ قالوا: ومن أنت؟ قال: أنا رسول الله، ثم مر بهم أبو لهب فقالوا له هل تعرف هذا الرجل؟ قال نعم، فأخبروه بما دعاهم إليه، وأنه زعم أنه رسول الله ﷺ، فقال لهم: لا ترفعوا بقوله رأسا فإنه مجنون يهذي من أم رأسه، فقالوا: لقد رأينا ذلك حيث ذكر من أمر فارس ما ذكر» . وفي رواية أنه لما سألهم قالوا له: حتى يجيء شيخنا حارثة، فلما جاء قال: إنا بيننا وبينك من الفرس حربا، فإذا فرغنا عما بيننا وبينهم عدنا فنظرنا فيما تقول، فلما التقوا مع الفرس قال شيخهم: ما اسم الرجل الذي دعاكم إليه؟ قالوا محمد، قال: فهو شعاركم فنصروا على الفرس، فقال رسول الله ﷺ: بي نصروا، أي نصروا بذكرهم اسمي. ولا زال ﷺ يعرض نفسه على القبائل في كل موسم، ويقول «لا أكره أحدا على شيء، من رضي الذي أدعوه إليه فذلك، ومن كره لم أكرهه، إنما أريد منعي من القتل حتى أبلغ رسالات ربي، فلم يقبله أحد من تلك القبائل، ويقولون: قوم الرجل أعلم به ترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه.
ره لم أكرهه، إنما أريد منعي من القتل حتى أبلغ رسالات ربي، فلم يقبله أحد من تلك القبائل، ويقولون: قوم الرجل أعلم به ترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه. وعن ابن إسحاق لما أراد الله تعالى إظهار دينه، وإعزاز نبيه، ﷺ، وإنجاز موعده له خرج رسول الله ﷺ في الموسم. وفي سيرة مغلطاي ومستدرك الحاكم أن ذلك كان في شهر رجب يعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم «فبينا هو عند العقبة التي تضاف إليها
الجمرة فيقال جمرة العقبة، أي وهي عند يسار الطريق لقاصد منى من مكة، وبها الآن مسجد يقال له مسجد البيعة، إذ لقي بها رهطا من الخزرج: أي لأن الأوس والخزرج كانوا يحجون فيمن يحج من العرب، أي والأوس في الأصل أي اللغة: العطية، ويقال للذئب، ويقال لرجل اللهو واللعب. والخزرج في الأصل: الريح الباردة، قيل هي الجنوب خاصة وكانوا ستة نفر، وقيل ثمانية أراد الله تعالى بهم خيرا، وقد عد الستة في الأصل، وبين الناس اختلاف في ذكرهم، فقال لهم: من أنتم؛ قالوا نفر من الخزرج، فقال: أمن موالي يهود: أي من حلفاء يهود المدينة قريظة والنضير، لأنهم تحالفوا معهم على التناصر والتعاضد على من سواهم، وأن يأمن بعضهم من بعض، وهذا كان في أول أمرهم قبل أن تقوى شوكتهم على يهود قالوا: نعم، قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه ﷺ، وفي لفظ «وجدهم يحلقون رؤوسهم فجلس إليهم فدعاهم إلى الله ﷿ وعرض عليهم الإسلام، أي ورأوا امارات الصدق عليه ﷺ لائحة، فقال بعضهم لبعض: تعلمون والله أنه للنبي الذي يوعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه، لأن يهود كانوا إذا وقع بينهم وبينهم شيء من الشر قالوا لهم: سيبعث نبي قد أظل: أي قرب زمانه نتبعه، نقتلكم معه قتلة عاد وإرم: أي كما تقدم في أخبار الأحبار، والمراد نستأصلكم بالقتل، فلما دعاهم إلى الإسلام أجابوه وصدقوه وأسلموا وقالوا له: إنا تركنا قومنا يعنون الأوس والخزرج بينهم من العداوة والشر ما بينهم، أي فإن الأوس والخزرج كانا أخوين لأب وأم، فوقعت بينهما العداوة، وتطاولت بينهما الحروب، فمكثوا على المحاربة والمقاتلة أكثر من مائة سنة: أي مائة وعشرين كما في الكشاف، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك.
ا العداوة، وتطاولت بينهما الحروب، فمكثوا على المحاربة والمقاتلة أكثر من مائة سنة: أي مائة وعشرين كما في الكشاف، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك. أقول: وفي رواية «قالوا يا رسول الله إنما كانت بعاث» أي بضم الموحدة ثم عين مهملة مخففة وفي آخره ثاء مثلثة، وقيل بفتح الموحدة وبدل المهملة معجمة، قيل وذكر المعجمة تصحيف. فعن ابن دريد: صحف الخليل بن أحمد يوم بغاث بالغين المعجمة، وإنما هو بالمهملة. وفي القاموس بالمهملة والمعجمة «عام أول يوم من أيامنا اقتتلنا به ونحن كذلك، لا يكون لنا عليك اجتماع حتى نرجع إلى غابرنا لعل الله أن يصلح ذات بيننا وندعوهم إلى ما دعوتنا فعسى الله أن يجمعهم عليك فإن اجتمعت كلمتهم عليك واتبعوك فلا أحد أعز منك» وبعاث مكان قريب من المدينة على ليلتين منها عند بني قريظة، ويقال إنه حصن للأوس كان به القتال قبل قدومه ﷺ المدينة بخمس سنين بين الأوس والخزرج. وسيد الأوس ورئيسهم حينئذ حضير والد أسيد، وبه قتل مع من قتل من قومه، وكان النصر فيهم أولا للخزرج ثم صار للأوس.
وسبب القتل أنه كان من قاعدتهم أن الأصيل لا يقتل بالحليف، فقتل رجل من الأوس أي وهو سويد بن الصامت رجلا حليفا للخزرج: أي وهو ذياد والد المحذر بن ذياد، وذياد بالذال المعجمة، مكسورة ومفتوحة وتخفيف المثناة تحت، والمحذر بالذال المعجمة مشددة مفتوحة، فأرادوا أن يقتلوا سويدا فيه، فأبى عليه الأوس، وذلك لأن سويدا هذا كان تسميه قومه الكامل لشرفه، ونسبه وشعره وجلده، كان ابن خالة عبد المطلب لأن أمه أخت سلمى أم عبد المطلب، وكان قدم مكة حاجا أو معتمرا فتصدى له رسول الله حين سمع به لأنه ﷺ كان لا يسمع بقادم قدم مكة من العرب له اسم وشرف إلا تصدى له ودعاه إلى الله تعالى، فدعا سويدا إلى الله ﷿ إلى الإسلام، فقال له سويد: لعل الذي معك مثل الذي معي، فقال له رسول الله ﷺ اعرضها عليّ فعرضها عليه فقال رسول الله ﷺ: إن هذا الكلام حسن والذي معي أفضل من هذا؛ قرآن أنزله الله عليّ هو هدى ونور، فتلا عليه رسول الله ﷺ القرآن ودعاه إلى الإسلام فلم يبعد منه وقال: إن هذا القول حسن، ثم انصرف وقدم المدينة فلم يلبث أن قتله الخزرج» . وفي كلام بعضهم أنه آمن بالله ورسوله وسافر حتى دخل المدينة إلى قومه، فشعروا بإيمانه، فقتلته الخزرج بغتة وقيل القاتل له المحذر ولد ذياد الذي قتله سويد، لأن سويدا كان قد شرب الخمر وجلس يبول وهو ممتلىء سكرا، فضربه إنسان من الخزرج فخرج حتى أتى المحذر بن ذياد فقال: هل لك في الغنيمة الباردة؟ قال: ما هي، قال: سويد أعزل لا سلاح معه فخرج المحذر بالسيف مصلتا فلما أبصر سويدا قال له: قد أمكن الله منك، قال: ما تريد مني؟ قال: قتلك فقتله، فكان ذلك سبب الحرب بين الأوس والخزرج ببعاث، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أسلم الحارث بن سويد والمحذر بن ذياد وشهدا بدرا، فجعل الحارث بن سويد يطلب محذرا يقتله بأبيه فلم يقدر عليه، حتى كان وقعة أحد قدر عليه فقتله غيلة كما سيأتي.
الحارث بن سويد والمحذر بن ذياد وشهدا بدرا، فجعل الحارث بن سويد يطلب محذرا يقتله بأبيه فلم يقدر عليه، حتى كان وقعة أحد قدر عليه فقتله غيلة كما سيأتي. وممن قتل في هذه الحرب التي يقال لها بعاث شخص، يقال له إياس بن معاذ قدم مكة هو وشخص يقال له أبو الحيسر أنس بن رافع، مع جماعة من قومهم يلتمسون الحلف من قريش على قومهم الخزرج، فأتاهم رسول الله ﷺ فجلس إليهم وقال لهم: هل لكم في خير مما جئتم له، قالوا: وما ذاك؟ قال: أنا رسول الله، بعثني للعباد، وأدعوهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وأنزل عليّ الكتاب، ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ وكان صغيرا: أي قوم والله خير مما جئنا إليه، فأخذ أبو الحيسر حفنة من تراب فضرب بها وجه إياس وانتهره، وقال له: دعنا منك لقد جئنا لغير هذا، فسكت إياس وقام رسول الله ﷺ عنهم، فلما دنا
موت إياس صار يحمد الله ويسبحه ويهلله ويكبره حتى مات» والله أعلم. ثم انصرف أولئك الرهط من الخزرج راجعين إلى بلادهم. قال وفي رواية «أنهم لما آمنوا به ﷺ وصدقوه قالوا له: إنا نشير عليك أن تمكث على رسلك: أي على حالك باسم الله حتى نرجع إلى قومنا فنذكر لهم شأنك وندعوهم إلى الله ﷿ ورسوله ﷺ لعل الله يصلح ذات بينهم ونواعدك الموسم من العام المقبل؛ فرضي بذلك رسول الله ﷺ» . انتهى أي فلم يقع لهؤلاء الستة أو الثمانية مبايعة، ويسمى هذا ابتداء الإسلام للأنصار، وربما سماه بعضهم العقبة الأولى، فلما كان العام المقبل قدم من الأوس والخزرج اثنا عشر رجلا: أي عشرة من الخزرج واثنان من الأوس. وقيل: كانوا أحد عشر رجلا منهم خمسة من الستة أو الثمانية الذين اجتمعوا به ﷺ عند العقبة أولا، فاجتمع بهم ﷺ عند العقبة أيضا، فبايعهم: أي عاهدهم ﷺ، أي وسميت المعاهدة مبايعة تشبيها بالمعاوضة المالية، وتلا عليهم آية النساء: أي الآية التي نزلت بعد ذلك في شأن النساء يوم الفتح لما فرغ من مبايعة الرجال وأراد مبايعة النساء.
يعة تشبيها بالمعاوضة المالية، وتلا عليهم آية النساء: أي الآية التي نزلت بعد ذلك في شأن النساء يوم الفتح لما فرغ من مبايعة الرجال وأراد مبايعة النساء. فعن عبادة بن الصامت «بايعنا رسول الله ﷺ» أي كبيعة النساء أي كمبايعته للنساء التي كانت يوم فتح مكة، وهي على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا» أي لأن قتل الأولاد كان سائغا فيهم، وهو وأد البنات قيل والبنين خوف الإملاق. وفي النهر: كان جمهور العرب لا يئدون بناتهم، وكان بعض ربيعة ومضر يئدونهن: وهو دفنهن أحياء؛ فبعضهم يئد خوف العيلة والافتقار، وبعضهم خوف السبي، قال: وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ [الممتحنة: الآية ١٢] أي الكذب الذي يبهت صاحبه سامعه يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ [الممتحنة: الآية ١٢] أي في الحال والاستقبال، قيل وغير ذلك، ولا نعصيه في معروف أي ما عرف من الشارع حسنه نهيا وأمرا. قال الحافظ ابن حجر: المبايعة المذكورة في حديث عبادة بن الصامت على الصفة المذكورة لم تقع ليلة العقبة، وإنما نص بيعة العقبة ما ذكر ابن إسحاق وغيره عن أهل المغازي «أن النبي ﷺ قال لمن حضر من الأنصار: أبايعكم على أن تمنعوني ما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، فبايعوه على ذلك، وعلى أن يرحل إليهم هو ﷺ وأصحابه» ثم ذكر جملة من الأحاديث، وقال: هذه أدلة صريحة في أن هذه البيعة بعد نزول الآية بعد فتح مكة. أقول: ليس في كلام عبادة أن هذه البيعة بيعة العقبة، إذ لم يقل بايعنا رسول لله ﷺ بيعة العقبة وإن كان السياق يقتضيه، وحينئذ فلا يحسن أن يكون كلام عبادة شاهدا لمن قال، وتلا عليهم آية النساء، فلا يحسن التفريع المتقدم، بل هو
دليل على أن هذه المبايعة متأخرة عن يوم الفتح كما قال الحافظ، والله أعلم. زاد بعضهم «والسمع والطاعة في اليسر والعسر والمنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول الحق حيث كنا لا نخاف في الله لومة لائم، ثم قال: ومن وفى» بالتخفيف والتشديد: أي ثبت على العهد «فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو» أي العقاب «طهرة له، أو قال كفارة له» . واستشكل بأن أبا هريرة روى أنه ﷺ قال «لا أدري، الحدود كفارة لأهلها أو لا» وإسلام أبي هريرة تأخر عن بيعة العقبة بسبع سنين كما سيأتي، فإنه كان عام خيبر سنة سبع. ويجاب بأن هذه البيعة التي ذكرها عبادة ليست بيعة العقبة، بل بيعة غيرها وقعت بعد فتح مكة كما علمت. وحينئذ يكون ما رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه كان قبل أن يعلم ﷺ ذلك ثم علمه: أي أن الحدود كفارة، قال ﷺ «ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه فأمره إلى الله ﷿، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه» أي وكون الحدود كفارة وطهرة مخصوص بغير الشرك، فقتل المرتد لا يكون كفارة وطهرة له، لأن الله لا يغفر أن يشرك به. وفي رواية «فإن رضيتم فلكم الجنة» وإن غشيتم، من ذلك شيئا فأصبتم بحد في الدنيا فهو كفارة لكم في الدنيا، وإن سترتم عليه فأمركم إلى الله، إن شاء عذب، وإن شاء غفر» أي وفي هذا ردّ على من قال بوجوب التعذيب لمن مات بلا توبة، وعلى من قال يكفر مرتكب الكبيرة. «فلما انصرفوا راجعين إلى بلادهم بعث رسول الله ﷺ معهم ابن أم مكتوم» واسمها عاتكة، واسمه عمرو، وقيل عبد الله، وهو ابن خال خديجة بنت خويلد أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها. قال الشعبي: غزا رسول الله ﷺ ثلاث عشرة غزوة، ما فيها غزوة إلا واستخلف ابن أم مكتوم على المدينة، وكان يصلي بهم» وليس له رواية، ومصعب بن عمير رضي الله تعالى عنهما يعلمان من أسلم منهم القرآن ويعلمانهم:
يها غزوة إلا واستخلف ابن أم مكتوم على المدينة، وكان يصلي بهم» وليس له رواية، ومصعب بن عمير رضي الله تعالى عنهما يعلمان من أسلم منهم القرآن ويعلمانهم: أي من أراد أن يسلم الإسلام، ويفقهانهم في الدين، ويدعوان من لم يسلم منهم إلى الإسلام، وهذا ما في أكثر الروايات؛ وهو يفيد أنه ﷺ بعث بهما معا، ويدل له ما روي عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه «أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله ﷺ مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئان الناس القرآن» أي وفي رواية «أن رسول الله ﷺ بعث إليهم مصعبا حين كتبوا إليه يبعث إليهم» .
وفي رواية «ثم بعثوا إلى رسول الله ﷺ معاذ ابن عفراء ورافع بن مالك رضي الله تعالى عنهما أن أبعث إلينا رجلا من قبلك يفقهنا ويدعو الناس بكتاب الله» وفي رواية «كتبوا إليه ﷺ بذلك، فبعث إليهم رسول الله ﷺ مصعب بن عمير وكان يقال له المقرىء، وهو أول من تسمى بهذا الاسم، وهذا يدل على أن مصعبا لم يكن معهم. أقول: وقد يقال لا منافاة، لأنه يجوز أن يكون كتبوا وأرسلوا إليه ﷺ بذلك عند خروجهم من مكة، وقبل أن ينصرفوا منها راجعين إلى المدينة، والاقتصار على مصعب لا ينافي ما تقدم من ذكر ابن أم مكتوم معه. ثم رأيت ما يبعد الجمع الأول، وهو عن ابن إسحاق «أن رسول الله ﷺ إنما بعثه يعني مصعب بن عمير بعدهم» وإنما كتبوا إليه «إن الإسلام قد فشا فينا، فابعث إلينا رجلا من أصحابك يقرئنا القرآن ويفقهنا في الإسلام ويعلمنا بسنته وشرائعه ويؤمنا في صلاتنا، فبعث مصعب بن عمير» وما يبعد الجمع الثاني، وهو ما نقل عن الواقدي «أن ابن أم مكتوم قدم المدينة بعد بدر بيسير» . وفي كلام ابن قتيبة: وقدم ابن أم مكتوم المدينة مهاجرا بعد بدر بسنتين. وقد يقال: لا منافاة، لأنه يجوز أن يكون كل من مصعب بن عمير وابن أم مكتوم رجعا إلى مكة بعد مجيئهما مع القوم، وأن مكاتبتهم بأن الإسلام فشا فينا إلى آخره كانت وهم بالمدينة، فجاء إليهم مصعب وتخلف ابن أم مكتوم، فليتأمل ذلك، والله تعالى أعلم. وهذه المبايعة يقال لها العقبة الأولى لوجود تلك المبايعة عندها.
كانت وهم بالمدينة، فجاء إليهم مصعب وتخلف ابن أم مكتوم، فليتأمل ذلك، والله تعالى أعلم. وهذه المبايعة يقال لها العقبة الأولى لوجود تلك المبايعة عندها. ولما قدم مصعب المدينة نزل على أبي امامة أسعد بن زرارة رضي الله تعالى عنه دون بقية رفقته، وكان سالم مولى أبي حذيفة رضي الله تعالى عنه يؤمّ المهاجرين بقباء قبل أن يقدم رسول الله ﷺ، وكان مصعب يؤمّ القوم: أي الأوس والخزرج، لأن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض. وجمع بهم أول جمعة جمعت في الإسلام قبل قدومه ﷺ، المدينة وقبل نزول سورة الجمعة الآمرة بها فإنها مدنية. وقال الشيخ أبو حامد: فرضت الجمعة بمكة ولم يتمكن من فعلها. قال الحافظ ابن حجر: وهو غريب، أي وعلى صحته فهو ما تقدم حكمه على تلاوته. وعند ابن إسحاق أن أول من جمع بهم أبو أمامة أسعد بن زرارة وكانوا أربعين رجلا: أي فعن كعب بن مالك قال: أول من جمع بنا في المدينة أسعد بن زرارة قبل مقدم النبي ﷺ في نقيع الخضمان، والنقيع بالنون قيل أو بالباء الموحدة، لكن قال الخطابي: إنه خطأ، والخضمان: جمع خضمة: وهي الماشية التي تخضم أي تأكل بفمها كله مما في ذلك المحل من الكلأ: وهو اسم لقرية من قرى المدينة، قال: وكنا أربعين رجلا: أي ولا مخالفة، لأن مصعب بن عمير كان عند أبي أمامة
أسعد بن زرارة كما علمت فكان هو المعاون على الجمع، وكان الخطيب والمصلي مصعب بن عمير، فنسب الجمع لكل منهما، أي ويكون ما في الرواية الآتية من أن أسعد بن زرارة هو الذي صلى بهم على التجوز: أي جمعهم على الصلاة، ويؤيده ما تقدم من أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض. وأيضا المأمور بالتجميع مصعب بن عمير كما سيأتي. قال السهيلي: وتسميتهم: أي الأنصار إياها بهذا الاسم: أي تسميتهم اليوم بيوم الجمعة لاجتماعهم فيه هداية من الله تعالى لهم، وإلا فكانت تسمى في الجاهلية العروبة: أي يسمى ذلك اليوم بيوم العروبة: أي الرحمة. وقال ﵊ في حق ذلك اليوم «إنه اليوم الذي فرض عليهم» أي على اليهود والنصارى أي طلب منهم تعظيمه والتفرغ للعبادة فيه كما فرض علينا «أضلته اليهود والنصارى، وهداكم الله تعالى له» أي إن كلا من اليهود والنصارى أمر بذلك اليوم يعظمون فيه الحق ﷾ ويتفرغون فيه لعبادته، واختار اليهود من قبل أنفسهم بدله السبت لأنهم يزعمون أنه اليوم السابع الذي استراح فيه الحق ﷾ من خلق السموات والأرض وما فيهن من المخلوقات، أي بناء على أن أول الأسبوع الأحد، وأنه مبدأ الخلق. قال بعضهم: وهو الراجح. وفي كلام بعضهم: أول الأسبوع الأحد لغة، وأوله السبت عرفا: أي في عرف الفقهاء في الإيمان ونحوها. ويؤيد الأول أن السبت مأخوذ من السبات وهي الراحة، قال تعالى وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) [النّبإ: الآية ٩] أي راحة ظنا منهم أنه أولى بالتعظيم لهذه الفضيلة. واختارت النصارى من قبل أنفسهم بدل يوم الجمعة يوم الأحد، أي بناء على أنه أول يوم ابتدأ الله فيه بإيجاد المخلوقات ظنا منهم أنه أولى بالتعظيم لهذه الفضيلة. وحينئذ يكون معنى قوله أضلوه: تركوه مع علمهم به، ويؤيد ذلك ما جاء «إن الله تعالى فرض على اليهود الجمعة فأبوا، وقالوا: يا موسى اجعل لنا يوم السبت فجعل عليهم، وهدى الله تعالى المسلمين ليوم الجمعة» أي وهداية المسلمين له تدل على أنهم لم يعلموا عينه، وإنما اجتهدوا فيه فصادفوه. وفي «سفر السعادة» : كان من عوائده الكريمة ﷺ أن يعظم يوم الجمعة غاية التعظيم، ويخصه بأنواع التشريف والتكريم.
م يعلموا عينه، وإنما اجتهدوا فيه فصادفوه. وفي «سفر السعادة» : كان من عوائده الكريمة ﷺ أن يعظم يوم الجمعة غاية التعظيم، ويخصه بأنواع التشريف والتكريم. وجاء «إن أهل الجنة يتباشرون في الجنة بيوم الجمعة كما تتباشر به أهل الدنيا في الدنيا واسمه عندهم يوم المزيد» كما تقدم «لأن الله تعالى يتجلى عليهم في ذلك اليوم، ويعطيهم كل ما يتمنونه ويقول لهم: لكم ما تمنيتم ولدينا مزيد» فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من الخير.
وقد جاء في المرفوع «يوم الجمعة سيد الأيام، وأعظمها عند الله تعالى، فهو في الأيام كشهر رمضان في الشهور، وساعة الإجابة فيه كليلة القدر في رمضان» . والذي في البخاري «ثم هذا» أي يوم الجمعة «يومهم الذي فرض عليهم: أي على اليهود والنصارى، فاختلفوا فيه فهدانا الله تعالى له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا والنصارى بعد غد» وقوله فاختلفوا فيه يدل على أنهم لم يعلموا عينه، ويوافقه ما نقل عن بعض أهل العلم أن اليهود أمروا بيوم من الأسبوع يعظمون الله تعالى فيه ويتفرغون لعبادته، فاختاروا من قبل أنفسهم السبت فأكرموه في شرعهم، وكذلك النصارى أمروا على لسان عيسى بيوم من الأسبوع، فاختاروا من قبل أنفسهم الأحد، فالتزموه شرعا لهم، وهو يخالف ما سبق فليتأمل. قال بعضهم: والراجح أن أول الأسبوع السبت، لأنه أول يوم ابتدىء فيه بإيجاد المخلوقات، فقد جاء في الصحيح «إن الله خلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الاثنين، والمكروه يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء» كذا في مسلم. وعليه يشكل تسمية اليوم الذي يليه الأحد. وأجيب بأنه من تسمية اليهود، وتبعهم غيرهم. وقد ذكر السهيلي أن تسمية هذه الأيام طارئة؛ ولو كان الله ﷾ سماها في القرآن بهذه الأسماء المشتقة من العدد لقلنا هي تسمية صادقة، لكن لم يذكر منها إلا الجمعة والسبت، وإنهما ليسا مشتقين من العدد هذا كلامه. وردّ بأنه جاء «إن الله تعالى خلق يوما فسماه الأحد، ثم خلق ثانيا فسماه الاثنين، ثم خلق ثالثا فسماه الثلاثاء، ثم خلق رابعا فسماه الأربعاء، ثم خلق خامسا فسماه الخميس» .
ن الله تعالى خلق يوما فسماه الأحد، ثم خلق ثانيا فسماه الاثنين، ثم خلق ثالثا فسماه الثلاثاء، ثم خلق رابعا فسماه الأربعاء، ثم خلق خامسا فسماه الخميس» . وأجاب ابن حجر الهيتمي بأن هذه: أي التسمية المذكورة لم تثبت، وأن العرب تسمى خامس الورد أربعاء، هذا كلامه، فيكون أول الأسبوع السبت. ثم رأيت السهيلي قال: لم يسمها رسول الله ﷺ بالأحد والاثنين إلى سائرها إلا حاكيا للغة قومه لا مبتدئا تسميتها، ولعل قومه أن يكونوا أخذوا معاني هذه الأسماء من أهل الكتاب المجاورين لهم، فألقوا عليها هذه الأسماء اتباعا لهم، هذا كلامه فليتأمل. وفي السبعيات للهمداني: أكرم الله موسى ﵊ بالسبت، وعيسى بالأحد، وداود بالاثنين، وسليمان بالثلاثاء، ويعقوب بالأربعاء، وآدم بالخميس، ومحمدا ﷺ بالجمعة، وهذا يدل على أن اليهود لم يختاروا يوم السبت والنصارى يوم الأحد من عند أنفسهم فليتأمل الجمع.
وقد «سئل ﷺ عن يوم السبت؟ قال: يوم مكر وخديعة» أي وقع فيه المكر والخديعة، لأي لأنه اليوم الذي اجتمعت فيه قريش في دار الندوة، للاستشارة في أمره ﷺ «وسئل عن يوم الأحد؟ فقال: يوم غرس وعمارة» لأن الله تعالى ابتدأ فيه خلق الدنيا وعمارتها. وفي رواية لأن الجنة بنيت فيه وغرست «وسئل عن يوم الاثنين، فقال: يوم سفر وتجارة» لأن فيه سافر شعيب فربح في تجارته. «وسئل عن يوم الثلاثاء؟ فقال: يوم دم» لأن فيه حاضت حواء وقتل ابن آدم أخاه. وذكر الهمداني في السبعيات أيضا أنه قتل فيه سبعة: جرجيس، وزكريا، ويحيى ولده عليهم الصلاة والسلام، وسحرة فرعون، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وبقرة بني إسرائيل، وهابيل بن آدم، وبين قصة كل واحد. أي ومن ثم نهى رسول الله ﷺ عن الحجامة يوم الثلاثاء أشد النهي وقال «فيه ساعة لا يرقأ فيها الدم، وفيه نزل إبليس إلى الأرض، وفيه خلقت جهنم، وفيه سلط الله ملك الموت على أرواح بني آدم، وفيه ابتلي أيوب» وفي بعض الروايات أن اليوم الذي ابتلى الله فيه أيوب يوم الأربعاء. وسئل «عن يوم الأربعاء؟ قال: يوم نحس» لأن فيه أغرق فرعون وقومه، وأهلك فيه عاد وثمود وقوم صالح، أي ومن ثم كان يسمى في الجاهلية دبار، والدبار الملهى لكن الذي في الحديث الموقوف على ابن عباس الذي لا يقال من قبل الرأي «آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر» وجاء «يوم الأربعاء لا أخذ ولا عطاء» . وذكر الزمخشري أن بعضهم قال لأخيه اخرج معي في حاجة فقال: هذا الأربعاء، قال: فيه ولد يونس، قال لا جرم قد بانت له بركته: أي حيث ابتلعه الحوت؛ قال: وفيه ولد يوسف، قال: فما أحسن ما فعل به إخوته! طال حبسه وغربته، قال: وفيه نصر المصطفى ﷺ يوم الأحزاب، قال: أجل، ولكن بعد أن زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر. وورد في بعض الآثار النهي عن قص الأظفار يوم الأربعاء وأنه يورث البرص.
المصطفى ﷺ يوم الأحزاب، قال: أجل، ولكن بعد أن زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر. وورد في بعض الآثار النهي عن قص الأظفار يوم الأربعاء وأنه يورث البرص. وعن ابن الحاج صاحب المدخل أنه همّ بقص أظفاره يوم الأربعاء، فتذكر ذلك فترك، ثم رأى أن قص الأظفار سنة حاضرة ولم يصح عنده النهي فقصها فلحقه البرص فرأى النبي ﷺ في النوم، فقال له ألم تسمع نهي عن ذلك؟ فقال: يا رسول الله لم يصح ذلك عندي، فقال: يكفيك أن تسمع، ثم مسح ﷺ بيده على بدنه فزال البرص جميعا. قال ابن الحاج، فجددت مع الله توبة أني لا أخالف ما سمعت عن رسول الله ﷺ أبدا.
وجاء في حديث أخرجه ابن ماجه عن ابن عمر مرفوعا، وخرجه الحاكم من طريقين آخرين «لا يبدو جذام ولا مرض إلا يوم الأربعاء» وكره بعضهم عيادة المريض يوم الأربعاء. وفي منهاج الحليمي وشعب الإيمان للبيهقي «إن الدعاء مستجاب يوم الأربعاء بعد الزوال قبل وقت العصر» لأنه ﷺ أستجيب له الدعاء على الأحزاب في ذلك اليوم في ذلك الوقت. وكان جابر يتحرى ذلك بالدعاء في مهماته، وذكر أنه ما بدىء بشيء يوم الأربعاء إلا وتمّ، فينبغي البداءة بنحو التدريس فيه. «وسئل عن يوم الخميس؟ فقال: يوم قضاء الحوائج» لأن فيه دخل إبراهيم الخليل على ملك مصر فقضى حاجته وأعطاه هاجر، ومن ثم زاد في رواية «والدخول على السلطان» . «وسئل عن يوم الجمعة؟ فقال: يوم نكاح نكح فيه آدم حواء، ويوسف زليخا، وموسى بنت شعيب، وسليمان بلقيس» أي ونكح فيه ﷺ خديجة وعائشة. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أذن النبي ﷺ لهم قبل الهجرة» أي قبل أن يهاجر ﷺ «في إقامة الجمعة» أي فلم يفعلوها باجتهاد، بل بإذنه ﷺ. وكتب إلى مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه «أما بعد فانظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور لسبتهم أي اليوم الذي يليه يوم السبت، فأجمعوا نساءكم وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره فتقربوا إلى الله بركعتين، فجمع مصعب بن عمير عند الزوال: أي صلى الجمعة حتى قدم رسول الله ﷺ: أي استمر على ذلك حتى قدم النبي ﷺ. وهذا يدل على أنه ﷺ عين لهم ذلك اليوم، وهو خلاف قوله السابق «فهداكم الله له» الظاهر في أن هدايتهم له باجتهاد منهم.
: أي استمر على ذلك حتى قدم النبي ﷺ. وهذا يدل على أنه ﷺ عين لهم ذلك اليوم، وهو خلاف قوله السابق «فهداكم الله له» الظاهر في أن هدايتهم له باجتهاد منهم. ويدل له ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بإسناد صحيح «أن الأنصار قالوا: إن لليهود يوما يجتمعون فيه كل سبعة أيام وللنصارى مثل ذلك، فهلمّ فلنجعل يوما نجتمع فيه، فنذكر الله ونصلي ونشكره، فجعلوه يوم العروبة» أي لأنه اليوم الذي وقع فيه خلق آدم الذي هو مبدأ هذا الجنس، وجعل فيه فناء الخلق وانقضاءهم إذ فيه تقوم الساعة، ففيه المبدأ والمعاد إذ هو المرويّ عن ابن عباس، يقتضي أن الأنصار اختاروه باجتهاد منهم. إلا أن يقال: لا مخالفة، لأنه يجوز أن يكون هذا العزم على ذلك حصل منهم أوّلا ثم أرسلوا له ﷺ يستأذنونه في ذلك فأذن لهم فيه، فقد جاء الوحي موافقة لما اختاروه. وفيه أنه لو كان كذلك لقال ﷺ لمصعب بن عمير افعلوا ذلك ولم يقل له انظروا إلى اليوم إلى آخره. إلا أن يقال: يجوز أنهم لما استأذنوه ﷺ في الاجتماع لم يعينوا له اليوم فبينه ﷺ لهم. وتقدم عن الشيخ أبي حامد أن الجمعة أمر بها صلى الله عليه وسلم
وهو بمكة، وتركها لعدم التمكن من فعلها، وتقدم عن الحافظ ابن حجر أنه غريب، ويؤيده أنه لو كان أمر بها ﷺ وهو بمكة وتركها لعدم التمكن من فعلها لأمر بها مصعب بن عمير عند إرساله للمدينة ولم يأمره بها إلا بعد ذلك. إلا أن يقال: إنما لم يأمره بها حينئذ، لأنه يجوز أن يكون إنما أمر بها بعد ذهاب مصعب إلى المدينة، أو أنه إنما لم يأمره بذلك لأن لإقامتها شروطا منها العدد وهو عند إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه أربعون بشروط ولم يكن ذلك موجودا عند إرساله ﷺ، ومن ثم لما علم ﷺ وجود العدد المذكور أرسل له يأمره بذلك في قوله: أما بعد فانظر اليوم الخ. ثم لا يخفى أن ظاهر سياق الروايات يدل على أن الذي هداهم الله إليه إنما هو إيقاع العبادة في هذا اليوم لا تسميته بيوم الجمعة كما تقدم عن السهيلي، على أن تسميتهم له بذلك لم أقف عليها في رواية. على أن السهيلي ذكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ سماها يوم الجمعة لما أرسل لمصعب بن عمير أن يفعلها كما تقدم في الإسراء، وذكر أيضا أن كعب بن لؤيّ أول من سمى يوم العروبة الجمعة. وقد يقال: لا مخالفة، لأنه يجوز أن تكون الأنصار ومن معهم من المهاجرين لم يبلغهم ما ذكر عن كعب بن لؤيّ إن ثبت أنهم سموها بهذا الاسم اجتهادا منهم. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه «أنه سأل رسول الله ﷺ عن سبب تسمية هذا اليوم بيوم الجمعة، فقال: لأن فيها جمعت طينة أبيك آدم» وقدمنا أنه لا مخالفة بين ما هنا وما تقدم في الإسراء والله أعلم. وأسلم سعد بن معاذ وابن عمه أسيد بن حضير رضي الله تعالى عنهما على يد مصعب بن عمير، وكان إسلام أسيد قبل سعد في يومه.
نا وما تقدم في الإسراء والله أعلم. وأسلم سعد بن معاذ وابن عمه أسيد بن حضير رضي الله تعالى عنهما على يد مصعب بن عمير، وكان إسلام أسيد قبل سعد في يومه. فعن ابن إسحاق أن أسعد بن زرارة رضي الله تعالى عنه خرج بمصعب بن عمير إلى حائط: أي بستان من حوائط بني ظفر، فجلسا فيه واجتمع إليهما رجال ممن أسلم، وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير يومئذ سيدا قومهما: أي بني عبد الأشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه، فقال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: لا أبالك، انطلق بنا إلى هذين الرجلين؛ يعني أسعد بن زرارة ومصعب بن عمير اللذين أتيا دارينا تثنية دار، وهي المحلة، والمراد قبيلتنا وعشيرتنا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما وانههما: أي وفي لفظ قال له: ائت أسعد بن زرارة فازجره عنا فليكف عنا ما نكره، فإنه بلغني أنه قد جاء بهذا الرجل الغريب يسفه سفهاءنا وضعفاءنا، فإنه لولا أسعد بن زرارة مني حيث علمت لكفيتك ذلك، هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما، فأخذ
أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إليهما، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب بن عمير: هذا سيد قومه قد جاءك فأصدق الله فيه، ثم قال مصعب: إن يجلس هذا كلمته. قال: فوقف عليهما متشمتا، قال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة، وفي لفظ قال: يا أسعد ما لنا ولك؟ تأتينا بهذا الرجل الغريب تسفه به سفهاءنا وضعفاءنا. وفي رواية: علام أتيتنا في دورنا بهذا الرجل الوحيد الغريب الطريد يسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم إليه. فقال له مصعب: أو تجلس بفتح الواو استفهاما فتسمع بالنصب في جواب الاستفهام، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كفّ عنك ما تكره: أي منعنا عنك ما تكره، قال أنصفت، ثم ركز حربته وجلس إليها، فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن، فقال: ما أحسن هذا وأجمله بالنصب على التعجب، كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل وتتطهر وتغسل ثوبك ثم تشهد بشهادة الحق ثم تصلي، فقام واغتسل وطهر ثوبه وشهد بشهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين: أي وهما صلاة التوبة.
الدين؟ قالا له: تغتسل وتتطهر وتغسل ثوبك ثم تشهد بشهادة الحق ثم تصلي، فقام واغتسل وطهر ثوبه وشهد بشهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين: أي وهما صلاة التوبة. فقد روى أصحاب السنن، وقال الترمذي حديث حسن أنه ﷺ قال «ما من عبد يذنب ذنبا فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ركعتين ثم يستغفر الله ﷿ إلا غفر له» ثم قال لهما: إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن، وهو سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه، ثم أخذ حربته فانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد مقبلا قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بن حضير بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسا، وقد نهيتهما، فقالا: نفعل ما أحببت. وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك: أي ينقضوا عهدك، فقام سعد مغضبا مبادرا فأخذ الحربة من يده وقال: والله ما أراك أغنيت شيئا، ثم خرج إليهما، ولما أقبل سعد قال أسعد لمصعب: لقد جاءك والله سيد من وراءه من قومه، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان، فلما رآهما سعد مطمئنين عرف سعد أن أسيدا إنما أراد منه أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتما، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت مني هذا، هذا يغشانا في دارنا بما نكره، فقال له مصعب: أو تقعد تسمع؟ فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهت عزلنا عنك ما تكره، فقال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الإسلام وعرض عليه القرآن، فقال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ فقال: تغتسل وتتطهر وتطهر ثوبك ثم تشهد شهادة الحق ثم تركع ركعتين،
فقام سعد فاغتسل وطهر ثوبه ثم شهد شهادة الحق ثم ركع ركعتين ثم أخذ حربته فأقبل عامدا إلى نادي قومه، ومعه: أي مع ذلك النادي أسيد بن حضير. فلما رآه قومه مقبلا، قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا سيدنا، وأفضلنا رأيا، وأيمننا وأبركنا نقيبة أي نفسا وأمرا؛ قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، قال: فو الله ما أمسي في دار: أي قبيلة بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما ومسلمة فأسلموا في يوم واحد كلهم، وكان ذلك بعد العقبة الأولى وقبل العقبة الثانية، إلا ما كان من الأصيرم وهو عمرو بن ثابت من بني عبد الأشهل فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد فأسلم واستشهد، ولم يسجد لله سجدة، وأخبره ﷺ أنه من أهل الجنة. أي وفي كلام ابن الجوزي: أول دار أي قبيلة أسلمت من دور الأنصار دار بني عبد الأشهل، ثم رجع مصعب إلى دار أسعد بن زرارة رضي الله تعالى عنه فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور من الأنصار إلا فيها رجال ونساء مسلمون إلا ما كان من سكان عوالي المدينة: أي قراها من جهة نجد، قال:
م عنده يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور من الأنصار إلا فيها رجال ونساء مسلمون إلا ما كان من سكان عوالي المدينة: أي قراها من جهة نجد، قال: وفي كلام بعضهم إلا جماعة من الأوس بن حارثة، وذلك أنه كان فيهم أبو قيس وهو صيفي بن الأسلت، وكان شاعرا لهم يسمعون منه ويطيعونه، لأنه كان قوّالا بالحق معظما؛ وقد ترهب في الجاهلية، ولبس المسوح، واغتسل من الجنابة، ودخل بيتا فاتخذه مسجدا وقال: أعبد إله إبراهيم لا يدخل فيه حائض ولا جنب، فوقف بهم عن الإسلام، فلم يزل على ذلك حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق فأسلم وحسن إسلامه وهو شيخ كبير اهـ أي سبب تأخر إسلامه ما ذكره بعضهم أنه لما أراد الإسلام عند قدومه ﷺ المدينة لقيه أبي ابن سلول وكلمه بما أغضبه ونفره عن الإسلام وقال أبو قيس: لا أتبعه إلا آخر الناس، فلما احتضر أرسل إليه رسول الله ﷺ أن قل: لا إله إلا الله أشفع لك بها، فقالها وهمّ ابنه أن ينكح امرأة أبيه، أي على ما هو عادة الجاهلية، أي وكان ذلك في المدينة حتى في أول الإسلام أنّ أكبر أولاد الرجل يخلفه على زوجته بعد موته فنزل التحريم: أي قوله تعالى وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ [النساء: الآية ٢٢] وتقدم الكلام على سبب نزول هذه الآية مستوفى. ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة مع من خرج من المسلمين من الأنصار إلى الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة، أي وأخبر النبي ﷺ بمن أسلم، فسرّ بذلك. وعن كعب بن مالك قال: خرجنا في حجاج قومنا من المشركين ومعنا
لى الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة، أي وأخبر النبي ﷺ بمن أسلم، فسرّ بذلك. وعن كعب بن مالك قال: خرجنا في حجاج قومنا من المشركين ومعنا
البراء بن معرور سيدنا وكبيرنا، والبراء بالمد لغة: آخر ليلة من الشهر، سمي بذلك لأنه ولد فيها. ومعرور: معناه لغة: مقصود، فلما خرجنا من المدينة قال البراء لنا: إني قد رأيت رأيا ما أدري أتوافقوني عليه أم لا، قال: قلنا وما ذاك؟ قال: رأيت أن لا أدع هذه البنية أي بفتح الموحدة وكسر النون وتشديد المثناة تحت المفتوحة ثم تاء التأنيث على وزن فعيلة يعني الكعبة مني بظهر، وأن أصلي إليها، قال: قلنا والله ما بلغنا أن نبينا ﷺ يصلي إلا إلى الشام: يعنون بيت المقدس: أي صخرته، وما نريد أن نخالفه قال: فقال: إني أصلي إليها، قال: فقلنا له: لكنا لا نفعل، قال: فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام يعني بيت المقدس: أي واستدبرنا الكعبة، وصلى إلى الكعبة أي مستدبرا للشام حتى قدمنا مكة وقد كنا عبنا عليه ذلك وأبى إلا الإقامة على ذلك، فلما قدمنا مكة قال لي: يا بن أخي انطلق بنا إلى رسول الله ﷺ حتى أسأله عما صنعت في سفري هذا، فإنه والله لقد وقع في نفسي منه شيء، لما رأيت من خلافكم إياي فيه قال: فخرجنا نسأل عن رسول الله ﷺ وكنا لا نعرفه، لأنا لم نره قبل ذلك، فلقينا رجلا من أهل مكة فسألناه عن رسول الله ﷺ فقال: تعرفانه؟ قلنا لا، قال: فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه؟ قلنا نعم، وكنا نعرف العباس، كان لا يزال يقدم علينا تاجرا، قال: فإذا دخلتما المسجد، فإذا هو الرجل الجالس مع العباس، فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس ورسول الله ﷺ معه، فسلمنا حين جلسنا إليه، فقال رسول الله ﷺ للعباس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ قال نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك، قال كعب:
فسلمنا حين جلسنا إليه، فقال رسول الله ﷺ للعباس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ قال نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك، قال كعب: فوالله ما أنسى قول رسول الله ﷺ الشاعر؟ قال نعم، فقال له البراء بن معرور: يا رسول الله إني خرجت في سفري هذا وقد هداني الله بالإسلام، فرأيت أن لا أجعل هذه البنية مني بظهر: يعني الكعبة، فصليت إليها، وخالفني أصحابي في ذلك حتى وقع في نفسي من ذلك شيء، فماذا ترى يا رسول الله؟ قال قد كنت على قبلة لو صبرت عليها، فرجع البراء إلى قبلة رسول الله ﷺ وهي بيت المقدس: أي ولم يأمره بإعادة ما صلاه مع أنه كان مسلما؛ وبين له أنه كان الواجب عليه استقبال بيت المقدس، لأنه كان متأوّلا فليتأمل. وفي هذا تصريح بأنه ﷺ وأصحابه كانوا بمكة قبل الهجرة وبعدها يصلون إلى بيت المقدس قبل أن تحوّل القبلة، وقد تقدم الوعد بذلك. قال كعب: ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله ﷺ العقبة: أي إلى أن يوافوه في الشعب الأيمن إذا انحدروا من منى أسفل العقبة حيث المسجد اليوم، أي الذي يقال له مسجد البيعة كما تقدم، وأمرهم أن لا ينبهوا نائما ولا ينتظروا غائبا، وذلك في ليلة اليوم الذي هو يوم النفر الأول، قال: فلما فرغنا من الحج وكانت
الليلة التي واعدنا رسول الله ﷺ لها وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، وكان من جملة المشركين أبو جابر عبد الله بن عمرو بن حرام بفتح الحاء والراء المهملتين، سيد من ساداتنا، فكلمناه وقلنا له: يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا، ثم دعوناه إلى الإسلام فأسلم، وأخبرناه بميعاد رسول الله ﷺ فشهد معنا العقبة، فمكثنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ، أي بعد هدأة، يتسلل الرجل والرجلان تسلل القطا مستخفين، حتى إذا اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاث وسبعون رجلا وامرأتان: نسيبة بالتصغير، وهي أم عمارة من بني النجار، أي وكانت تشهد الحرب مع رسول الله ﷺ هي وزوجها وابناها حبيب وعبد الله رضي الله تعالى عنهم. وحبيب هذا اكتنفه مسيلمة الكذاب وصار يعذبه يقول له: أتشهد أن محمدا رسول الله فيقول نعم، ثم يقول: وتشهد، أني رسول الله، فيقول لا، فيقطع عضوا من أعضائه وهكذا حتى فنيت أعضاؤه ومات، وسيأتي ما وقع لها رضي الله تعالى عنها في حرب مسيلمة. وأم منيع: أي وهذه الرواية لا تخالف رواية الحاكم خمسة وسبعون نفسا، نعم تخالف قول ابن مسعود وهم سبعون رجلا يزيدون رجلا أو رجلين وامرأتان: أي منهم أحد عشر رجلا من الأوس، قال: فلا زلنا ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا. أي وفي رواية «أن رسول الله ﷺ سبقهم وانتظرهم» . أقول: وقد يقال لا مخالفة، لأنه يجوز أن يكون سبقهم وانتظرهم، فلما لم يجيؤوا ذهب، ثم جاءهم بعد مجيئهم- والله أعلم- ومعه عمه العباس بن عبد المطلب: أي ليس معه غيره، وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق به.
، ثم جاءهم بعد مجيئهم- والله أعلم- ومعه عمه العباس بن عبد المطلب: أي ليس معه غيره، وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق به. أقول: وهذا لا يخالف ما جاء أنه كان معه أيضا أبو بكر وعليّ لأن العباس أوقف عليا على فم الشعب عينا له، وأوقف أبا بكر على فم الطريق الآخر عينا، فلم يكن معه عندهم إلا العباس والله أعلم، فلما جلسوا كان العباس أول من تكلم، فقال: يا معشر الخزرج أي قال ذلك، لأن العرب كانت تطلق الخزرج على ما يشمل الأوس، وكانت تغلب الخزرج على الأوس فيقولون الخزرجين إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا، فهو في عزّ من قومه ومنعة في بلده، وقد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم. فإن كنتم ترون أنكم وافون له، بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن تدعونه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده، فقال البراء بن معرور: إنا والله لو كان في أنفسنا غير ما ننطق به لقلناه،
ولكنا نريد الوفاء والصدق، وبذل مهج أنفسنا دون رسول الله ﷺ: أي والبراء بن معرور هو أول من أوصى بثلث ماله. وفي رواية أن العباس قال: قد أبى محمد الناس كلهم غيركم، فإن كنتم أهل قوة وجلد وبصر بالحرب واستقلال بعداوة العرب قاطبة ترميكم عن قوس واحدة فأروا رأيكم وائتمروا بينكم، ولا تفرقوا إلا عن ملأ منكم واجتماع، فإن أحسن الحديث أصدقه. أقول: قول العباس قد أبى محمد الناس كلهم غيركم، ربما يفيد أن الناس غير الأنصار وافقوه على مناصرته فأباهم، ولا يساعد عليه ما تقدم، ولولا التأكيد بلفظ كلهم لأمكن أن يراد بالناس قبيلة شيبان بن ثعلبة، فإنهم كما تقدم قالوا له: ننصرك بما يلي مياه العرب دون ما يلي مياه كسرى فأبى ذلك. ويحتمل أن المراد بالناس الذين أباهم أهله وعشيرته والله أعلم.
ثعلبة، فإنهم كما تقدم قالوا له: ننصرك بما يلي مياه العرب دون ما يلي مياه كسرى فأبى ذلك. ويحتمل أن المراد بالناس الذين أباهم أهله وعشيرته والله أعلم. وعندما تكلم العباس بما ذكر، قالوا له: قد سمعنا مقالتك، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. وفي رواية: خذ لنفسك ما شئت، واشترط لربك ما شئت، فقال النبي ﷺ: أشترط لربي ﷿ أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأبناءكم ونساءكم، فقال ابن رواحة: فإذا فعلنا فما لنا؟ فقال ﷺ: لكم الجنة، قالوا ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل. وفي رواية: «فتكلم رسول الله ﷺ فتلا القرآن، ودعا إلى الله ﷿ ورغب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم» أي وفي رواية «أنهم قالوا له: يا رسول الله نبايعك؟ قال: تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة، فأخذ البراء بن معرور بيده ﷺ، ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع به أزرنا أي نساءنا وأنفسنا» لأن العرب تكنى بالإزار عن المرأة وعن النفس «فنحن والله أهل الحرب وأهل الحلقة» أي السلاح «ورثناها كابرا عن كابر، وبينا البراء يكلم رسول الله ﷺ قال أبو الهيثم بن التيهان» بتشديد المثناة تحت وتخفيفها «نقبله على مصيبة المال وقتل الأشراف، فقال العباس: اخفوا جرسكم: أي صوتكم، فإن علينا عيونا، ثم قال أبو الهيثم: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال؛ يعني اليهود حبالا أي عهودا، وإنا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله ﷺ، ثم قال: بل الدم الدم والهدم الهدم، بفتح الدال وسكونها: إهدار دم القتيل: أي دمي دمكم: أي تطلبون بدمي وأطلب بدمكم،
فدمي ودمكم واحد» وفي لفظ بدل الدم «اللدم» وهو بالتحريك: الحرم من القرابات: أي حرمي حرمكم. تقول العرب: اللدم اللدم، إذا أرادت تأكيد المحالفة هدمي وهدمكم واحد، أي وإذا أهدرتم الدم أهدرته «وذمتي ذمتكم، ورحلتي مع رحلتكم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم» أي وعند ذلك قال لهم العباس رضي الله تعالى عنه «عليكم بما ذكرتم ذمة الله مع ذمتكم وعهد الله مع عهدكم في هذا الشهر الحرام والبلد الحرام، يد الله فوق أيديكم لتجدّن في نصرته ولتشدن من أزره، قالوا جميعا نعم، قال العباس: اللهم إنك سامع شاهد، وإن ابن أخي قد استرعاهم ذمته واستحفظهم نفسه، اللهم كن لابن أخي عليهم شهيدا. ثم قال رسول الله ﷺ: أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم، فأخرجوا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس» أي وفي رواية «أنه ﷺ قال لهم: إن موسى أخذ من بني إسرائيل اثني عشر نقيبا، فلا يحدث أحد في نفسه أن يؤخذ غيره، فإنما يختار لي جبريل» أي لأنه ﵊ حضر البيعة «فلما تخيرهم أي وهم سعد بن عبادة، وأسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع، وسعد بن أبي خيثمة، والمنذر بن عمرو، وعبد الله بن رواحة، والبراء بن معرور، وأبو الهيثم بن التيهان، وأسيد بن حضير، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وعبادة بن الصامت، ورافع بن مالك، كل واحد على قبيلة» رضي الله تعالى عنهم أجمعين. «وقال ﷺ لأولئك النقباء: أنتم كفلاء على غيركم ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي يعني المهاجرين» . وقيل إن الذي تولى الكلام من الأنصار وشد العقدة لرسول الله ﷺ أسعد بن زرارة: أي وهو من أصغرهم «فإنه أخذ بيد النبي ﷺ وقال: رويدا يا أهل يثرب إنا لن نضرب، إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله ﷺ، وإن إخراجه اليوم مفارقة لجميع العرب، وقتل خياركم، وإن تعطكم السيوف فإما أنتم قوم تصبرون عليها إذا مستكم بقتل خياركم ومفارقة العرب كافة: أي جميعا، فخذوه وأجركم على الله تعالى، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فهو عذر لكم عند الله ﷿، فقالوا: يا أسعد أمط عنا يدك، فو الله لا نذر: أي نترك هذه البيعة ولا نستقيلها: أي لا نطلب الإقالة منها.
من أنفسكم خيفة فذروه، فهو عذر لكم عند الله ﷿، فقالوا: يا أسعد أمط عنا يدك، فو الله لا نذر: أي نترك هذه البيعة ولا نستقيلها: أي لا نطلب الإقالة منها. وقيل إن الذي تكلم مع الأنصار وشدّ العقدة العباس بن عبادة بن نضلة، قال: يا معشر الخزرج هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس: أي على من حاربه منهم، وإلا فهو ﷺ لم يؤذن له في البداءة بالمحاربة إلا بعد أن هاجر إلى المدينة بمدة كما سيأتي، وكان قبل ذلك مأمورا بالدعاء إلى الله تعالى والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل، ثم ذكر ما
تقدم عن أسعد بن زرارة أي ثم توافقوا على ذلك وقالوا: يا رسول الله ما لنا بذلك إن نحن قضينا؟ قال: «رضوان الله والجنة» . قالوا: رضينا، ابسط يدك فبسط يده ﷺ فبايعوه، أي وأول من بايعه ﷺ البراء بن معرور، وقيل أسعد بن زرارة، وقيل أبو الهيثم بن التيهان، ثم بايعه السبعون كلهم، أي وبايعه المرأتان المذكورتان من غير مصافحة، «لأنه ﷺ كان لا يصافح النساء إنما كان يأخذ عليهن، فإذا أحرزن قال: اذهبن فقد بايعتكن» كما سيأتي، فكانت هذه البيعة على حرب الأسود والأحمر أي العرب والعجم، فهؤلاء الثلاثة لم يتقدم عليهم أحد غيرهم، وحينئذ تكون الأولية فيهم حقيقية واضافية.
كما سيأتي، فكانت هذه البيعة على حرب الأسود والأحمر أي العرب والعجم، فهؤلاء الثلاثة لم يتقدم عليهم أحد غيرهم، وحينئذ تكون الأولية فيهم حقيقية واضافية. أي ويقال: إن أبا الهيثم قال: أبايعك يا رسول الله على ما بايع عليه الاثنا عشر نقيبا من بني إسرائيل موسى بن عمران ﵊، وأن عبد الله بن رواحة قال: أبايعك يا رسول الله على ما بايع عليه الاثنا عشر من الحواريين عيسى ابن مريم ﵊، وقال أسعد بن زرارة: أبايع الله ﷿ يا رسول الله، فأبايعك على أن أتمّ عهدي بوفائي وأصدق قولي بفعلي في نصرك، وقال النعمان بن حارثة: أبايع الله ﷿ يا رسول الله، وأبايعك على الإقدام في أمر الله ﷿، لا أرأف فيه القريب ولا البعيد أي لا أعامل فيه بالرأفة والرحمة. وقال عبادة بن الصامت: أبايعك يا رسول الله على أن لا تأخذني في الله لومة لائم، وقال سعد بن الربيع: أبايع الله وأبايعك يا رسول الله على أن لا أعصي لكما أمرا ولا أكذبكما حديثا، فلما انتهت البيعة، وهذه البيعة يقال لها العقبة الثانية، ولما وقعت صرخ الشيطان من رأس العقبة بأشد صوت وأبعده: يا أهل الجباجب: أي بجيمين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وبعد كل جيم باء موحدة: وهي منازل منى. وفي الهدى: يا أهل الأخاشب هل لكم في مذمم والصباة معه، يعني بمذمم النبي ﷺ، لأن قريشا كانت تقول بدل محمد ﷺ مذمم، ويعني بالصباة أصحابه الذين بايعوه، لأنهم كانوا يقولون لمن أسلم صابىء، لأن الصابىء من خرج من دين إلى دين، وقد جاء «ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يسبون مذمما وأنا محمد، فإنهم قد أجمعوا» أي عزموا على حربكم «فقال رسول الله ﷺ هذا إزب العقبة أسمع، أي عدو الله، أما والله لا أفزعن» وإزب بكسر الهمزة وإسكان الزاي ثم بالباء الموحدة الخفيفة، وقيل بفتح الهمزة وفتح الزاي وتشديد الموحدة: أي شيطان سمي بهذا الاسم المركب من المضاف والمضاف إليه عامرها. والإزب في الأصل: القصير، ومن ثم رأى عبد الله بن الزبير رجلا طوله شبران على برذعة رحله، فقال له: ما أنت؟ قال إزب، قال. وما إزب؟ قال: رجل من الجن، فضربه على رأسه بعود سوطة فهرب.
«وعند ذلك قال لهم رسول الله ﷺ: ارفضّوا» وفي لفظ «انفضوا إلى رحالكم» . أقول: وفي رواية «لما بايع الأنصار بالعقبة صاح الشيطان من رأس الجبل: يا معشر قريش هذه بنو الأوس والخزرج تحالف على قتالكم، ففزعوا: أي الأنصار عند ذلك، فقال رسول الله ﷺ: لا يروعكم هذا الصوت، فإنما هو عدوّ الله إبليس وليس يسمعه أحد مما تخافون» . ولا مانع من اجتماع صراخ إزب العقبة وصراخ إبليس الذي هو أبو الجن. ويجوز أن يكون المراد بعدو الله إبليس إزب العقبة، لأنه من الأبالسة وإنه أتى باللفظين معا، وقد حضر البيعة جبريل كما تقدم. فعن حارثة بن النعمان رضي الله تعالى عنه «لما فرغوا من المبايعة قلت: يا نبي الله، لقد رأيت رجلا عليه ثياب بيض أنكرته قائما على يمينك قال: وقد رأيته؟ قلت: نعم، قال: ذاك جبريل» والله أعلم. ثم إن الحديث نما وسمع المشركون من قريش بذلك: أي وفي كتاب الشريعة أن الشيطان لما نادى بما ذكر شبه صوته بصوت منبه بن الحجاج، فنال عمرو بن العاص ما نال أبو جهل، قال عمرو: ذهبت أنا وهو إلى عتبة بن ربيعة فأخبره بصوت منبه بن الحجاج فلم يرعه ما راعنا، وقال: هل أتاكم فأخبركم بهذا منبه؟ قلنا لا، فقال: لعله إبليس الكذاب الحديث. وفيه طول وأمور مستغربة. ولا ينافي سماع عمرو وأبي جهل صوت إبليس قوله ﷺ «ليس يسمعه أحد مما تخافون» لأن سماعهما لم يحصل منه خوف لهم «وعند فشوّ الخبر جاء أجلتهم وأشرافهم حتى دخلوا شعب الأنصار، فقالوا يا معشر الأوس والخزرج، وفي رواية: يا معشر الخزرج أي بالتغليب بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا هذا لتخرجوه من بين أظهرنا وتبايعوه على حربنا، والله ما من حي أبغض إلينا أن نشب الحرب بيننا وبينه منكم، فصار مشركو الأوس والخزرج يحلفون لهم ما كان من هذا شيء وما علمناه:
أظهرنا وتبايعوه على حربنا، والله ما من حي أبغض إلينا أن نشب الحرب بيننا وبينه منكم، فصار مشركو الأوس والخزرج يحلفون لهم ما كان من هذا شيء وما علمناه: أي حتى أن أبيّ ابن سلول جعل يقول هذا باطل، وما كان هذا وما كان قومي ليفتاتوا عليّ بمثل هذا، لو كنت بيثرب ما صنع هذا قومي حتى يؤامروني» وصدقوا لأنهم لم يعلموه كما علم مما تقدم: أي ونفر الناس من منى وبحثت قريش عن خبر الأنصار فوجدوه حقا، فلما تحققوا الخبر اقتفوا آثارهم فلم يدركوا إلا سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو، فأما سعد فأمسك وعذب في الله، وأما المنذر فأفلت ثم أنقذ الله سعدا من أيدي المشركين، قال: نقل عنه أنه قال: لما ظفروا بي ربطوا يدي في عنقي، فلا زالوا يلطموني على وجهي ويجذبوني بجمتي: أي وكان ذا شعر كثير حتى أدخلوني مكة، فأومأ إليّ رجل أي وهو أبو البختري بن هشام، مات كافرا وقال: ويحك ما بينك وبين أحد من قريش، جوار ولا عهد، قال: بلى، قد كنت
أجير لجبير بن مطعم تجارة، وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي، وللحارث بن حرب بن أمية: أي وهو أخو أبي سفيان، والأول أسلم بعد الحديبية، والثاني لا يعلم له إسلام، فقال: ويحك فاهتف باسم الرجلين، ففعلت، فخرج ذلك الرجل إليهما فوجدهما في المسجد، فقال لهما إن رجلا من الخزرج يضرب بالأبطح يهتف باسمكما، فقالا: من هو؟ قال: يقول إنه سعد بن عبادة، فجاآ فخلصاني من أيديهم اهـ. وعن سعد: بينا أنا مع القوم أضرب إذ طلع عليّ رجل أبيض وضيء شعشاع: أي طويل زائد الحسن حلو من الرجال، فقلت في نفسي: إن يكن عند أحد من القوم خير فعند هذا، فلما دنا مني رفع يديه ولكمني لكمة شديدة فقلت في نفسي والله ما عندهم بعد هذا خير، أي وهذا الرجل سهيل بن عمرو رضي الله تعالى عنه؛ فإنه أسلم بعد ذلك.
ا، فلما دنا مني رفع يديه ولكمني لكمة شديدة فقلت في نفسي والله ما عندهم بعد هذا خير، أي وهذا الرجل سهيل بن عمرو رضي الله تعالى عنه؛ فإنه أسلم بعد ذلك. فلما قدم الأنصار المدينة أظهروا الإسلام، أي إظهارا كليا وتجاهروا، وإلا فقد تقدم أن الإسلام فشا فيهم قبل قدومهم لهذه البيعة، وكان عمرو بن الجموح وهو من سادات بني سلمة بكسر اللام وأشرافهم ولم يكن أسلم، وكان ممن أسلم ولده معاذ بن عمرو وكان لعمرو في داره صنم أي من خشب يقال له المناة لأن الدماء كانت تمنى: أي تصب عنده تقرّبا إليه، وكان يعظمه، فكان فتيان قومه ممن أسلم كمعاذ بن جبل وولده عمرو بن معاذ ومعاذ بن عمرو، يدلجون بالليل على ذلك الصنم فيطرحونه أي ولعله بعد إخراجه من داره في بعض الحفر التي فيها خرء الناس منكسا، فإذا أصبح عمرو قال: ويحكم من عدا على إلهنا هذه الليلة؟ ثم يعود يلتمسه؛ حتى إذا وجده غسله، فإذا أمسى عدوا عليه وفعلوا به مثل ذلك، إلى أن غسله وطيبه وحماه بسيف علقه في عنقه، ثم قال له: ما أعلم من يصنع بك، فإن كان فيك خير فامتنع، فهذا السيف معك، فلما أمسى عدوا عليه وأخذوا السيف من عنقه، ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل، ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فيها خرء الناس، فلما أصبح عمرو غدا إليه فلم يجده، ثم تطلبه إلى أن وجده في تلك البئر، فلما رآه كذلك رجع إلى عقله، وكلمه من أسلم من قومه، فأسلم وحسن إسلامه، وأنشد أبياتا منها: والله لو كنت إلها لم تكن ... أنت وكلب وسط بئر في قرن أي حبل. «وأمر ﷺ من كان معه من المسلمين بالهجرة إلى المدينة، أي لأن قريشا لما علمت أنه ﷺ آوى: أي استند إلى قوم أهل حرب وتحمل ضيقوا على أصحابه؛ ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالونه من الشتم والأذى، وجعل البلاء يشتد عليهم، وصاروا ما بين مفتون في دينه، وبين معذب في أيديهم، وبين هارب في البلاد شكوا
إليه ﷺ واستأذنوه في الهجرة: أي فمكث أياما لا يأذن لهم، ثم قال لهم: أريت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان، ولو كانت السراة أرض نخل وسباخ لقلت هي هي» والسراة بفتح السين: أعظم جبال بلاد العرب «ثم خرج إليهم مسرورا، فقال: قد أخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب، فأذن لهم، وقال: من أراد أن يخرج فليخرج إليها فخرجوا إليها أرسالا» أي متتابعين «يخفون ذلك» أي وفي رواية «أريت في المنام أني هاجرت من مكة إلى أرض بها نخل؛ فذهب وهلي» أي وهمي «إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب» . وفي الترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله أوحى إليّ: أي هؤلاء الثلاثة نزلت هي دار هجرتك المدينة، أو البحرين، أو قنسرين» قال الترمذي، هذا حديث غريب، وزاد الحاكم «فاختار المدينة» . أقول: فيه أن هذا السياق المتقدم يدل على أن استئذانهم في الهجرة عبارة عن خروجهم من مكة لا لخصوص المدينة، وأن عدم إذنه ﷺ لهم في الهجرة لعدم تعيين المحل الذي يهاجرون إليه له ﷺ، وكل ذلك لا يناسب ما تقدم في حديث المعراج من قول جبريل له «صليت بطيبة وإليها المهاجرة» . وقد يجاب بأنه يجوز أن يكون ﷺ أنسي قول جبريل المذكور حينئذ ثم تذكره بعد ذلك في قوله «قد أخبرت بدار هجرتكم» إلى آخره. وفيه أن هذا لا يحسن بعد مبايعته ﷺ للأوس والخزرج على مناصرته ومحاربة عدوّه مع علمه بأن وطنه المدينة، وكونهم يبايعونه على مناصرته مع كونه ساكنا في البحرين أو قنسرين في غاية البعد. على أنه سيأتي في غزوة بدر «أنه ﷺ خشي أن الأنصار لا ترى مناصرته إلا في المدينة» أي فإن في بعض الروايات «وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم بيثرب» والله أعلم.



