السيرة الحلبية = إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya نور الدين الحلبي (w. 1044 H).

Bagian 25 dari 62 1574 halaman

— Bagian 25 · أنه سيأتي في غزوة بدر «أنه ﷺ خشي أن الأنصار لا ت… —

Bagian 25

أنه سيأتي في غزوة بدر «أنه ﷺ خشي أن الأنصار لا ترى مناصرته إلا في المدينة» أي فإن في بعض الروايات «وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم بيثرب» والله أعلم. وقبل الهجرة «آخي ﷺ بين المسلمين» أي المهاجرين «على الحق والمواساة، فآخى بين أبي بكر وعمر ﵄، وآخى بين حمزة وزيد بن حارثة، وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف، وبين الزبير وابن مسعود، وبين عبادة بن الحارثة وبلال، وبين مصعب بن عمير وسعد بن أبي وقاص، وبين أبي عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة، وبين سعيد بن زيد وطلحة بن عبيد الله، وبين عليّ ونفسه ﷺ، وقال: أما ترضى أن أكون أخاك؟ قال: بلى يا رسول الله رضيت، قال: فأنت أخي في الدنيا والآخرة» قال: وأنكر العباس بن تيمية المؤاخاة بين المهاجرين سيما مؤاخاة النبي ﷺ لعليّ رضي الله تعالى عنه، قال: لأن المؤاخاة بين المهاجرين

والأنصار إنما جعلت لإرفاق بعضهم ببعض، ولتألف قلوبهم بعضهم ببعض، فلا معنى لمؤاخاة مهاجريّ لمهاجريّ. قال الحافظ ابن حجر: هذا ردّ للنص بالقياس، وبعض المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة، فآخى بين الأعلى والأدنى ليرتفق الأدنى بالأعلى، وليستعين الأعلى بالأدنى، ولهذا تظهر مؤاخاته ﷺ لعليّ رضي الله تعالى عنه كان هو الذي يقوم بأمره قبل البعثة.

ى بين الأعلى والأدنى ليرتفق الأدنى بالأعلى، وليستعين الأعلى بالأدنى، ولهذا تظهر مؤاخاته ﷺ لعليّ رضي الله تعالى عنه كان هو الذي يقوم بأمره قبل البعثة. وفي الصحيح في عمرة القضاء «أن زيد بن حارثة قال إن بنت حمزة بنت أخي» أي بسبب المؤاخاة اهـ، وكان أول من هاجر منهم إليها أي لا معهم أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، وهو أخوه من الرضاع وابن عمته. وهو أول من يدعي للحساب اليسير كما تقدم فإنه لما قدم من الحبشة لمكة آذاه أهلها وأراد الرجوع إلى الحبشة، فلما بلغه إسلام من أسلم من الأنصار، أي الاثني عشر الذين بايعوا البيعة الأولى خرج إليهم، وقدم المدينة بكرة النهار. ولما عزم على الرحيل رحل بعيره وحمل عليه أم سلمة وابنها سلمة في حجرها، وخرج يقود البعير رآه رجال من قوم أم سلمة فقاموا إليه وقالوا: يا أبا سلمة قد غلبتنا على نفسك فصاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد، ثم نزعوا خطام البعير منه، فجاء رجال من قوم أبي سلمة، وقالوا: إن ابننا معها إذا نزعتموها من صاحبنا ننزع ولدنا منها، ثم تجاذبوه حتى خلعوا يده وأخذه قوم أبيه ففرق بينها وبين زوجها وولدها، فكانت تخرج كل غداة بالأبطح فتبكي حتى المساء مدة سنة، فمرّ بها رجل من بني عمها فرأى ما بها فرحمها وقال لقومها: أما ترحمون هذه المسكينة؟ فرقتم بينها وبين ولدها وزوجها، فقالوا لها: الحقي بزوجك، فلما بلغ ذلك قوم أبي سلمة ردوا عليها ولدها، فارتحلت بعيرا وجعلت ولدها في حجرها وخرجت تريد المدينة وما معها أحد من خلق الله تعالى، حتى إذا كانت بالتنعيم لقيها عثمان بن طلحة: أي الحجبي صاحب مفتاح الكعبة وكان عثمان بن طلحة يومئذ مشركا ثم أسلم رضي الله تعالى عنه في هدنة الحديبية وهاجر مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص كما سيأتي، فتبعها إلى المدينة حتى إذا وافى على قباء قال لها: هذا زوجك هنا ثم انصرف، وهي أول ظعينة دخلت من المهاجرين المدينة رضي الله تعالى عنها، وكانت أم سلمة تقول: ما رأيت صاحبا أكرم من عثمان بن طلحة.

قال لها: هذا زوجك هنا ثم انصرف، وهي أول ظعينة دخلت من المهاجرين المدينة رضي الله تعالى عنها، وكانت أم سلمة تقول: ما رأيت صاحبا أكرم من عثمان بن طلحة. قال: وقال ابن إسحاق وابن سعد: ثم كان أول من قدمها بعد أبي سلمة عامر بن ربيعة ومعه امرأته ليلى بنت أبي حثمة- بالحاء المهملة المفتوحة وسكون الثاء المثلثة- وهي أول ظعينة قدمت المدينة اهـ. أقول: فأم سلمة أوّل ظعينة قدمت المدينة لا مع زوجها، وليلى أول ظعينة

قدمت المدينة مع زوجها، فلا منافاة. وفي كلام ابن الجوزي: أول من هاجر إلى المدينة من النساء أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، والله أعلم. قال: بينت: أي أم سلمة ما تقدم عنها في حق عثمان بن طلحة بقولها: فإنه لما رآني قال: إلى أين؟ قلت: إلى زوجي، قال: أو ما معك أحد؟ قلت لا، ما معي إلا الله وابني هذا، فقال: والله لا أتركك، ثم أخذ بخطام البعير وسار معي، فكان إذا وصلنا المنزل أناخ بي ثم استأخر، فإذا نزلت جاء وأخذ بعيري فحط عنه ثم قيده في الشجرة، ثم أتى إلى شجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فرحله وقدمه ثم استأخر عني وقال اركبي، فإذا ركبت أخذ بخطامه فقادني اهـ. أي وقد قال فقهاؤنا: من الصغائر مسافرة المرأة بغير زوج ولا محرم ولا امرأة ثقة في غير الهجرة وفرض الحج والعمرة؛ أما في ذلك فيجوز حيث أمنت الطريق. وقولنا لا معهم لا ينافي أن أول من قدم المدينة من أصحاب النبي ﷺ مصعب بن عمير، لأن قدومه كان معهم على ما تقدم أو يقال: أبو سلمة أول من قدم المدينة بوازع طبعه. وأما مصعب فكان بإرسال منه ﷺ. ثم رأيت في السيرة الهشامية: أول من هاجر إلى المدينة من أصحاب رسول الله ﷺ من بني مخزوم أبو سلمة، وعليه فلا إشكال. ثم جاء عمار وبلال وسعد. وفي رواية: ثم قدم أصحاب رسول الله ﷺ، أرسالا بعد العقبة الثانية فنزلوا على الأنصار في دورهم فأووهم وواسوهم، ثم قدم المدينة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وعياش بن أبي ربيعة في عشرين راكبا. وكان هشام بن العاص واعد عمر بن الخطاب أن يهاجر معه وقال: تجدني أو أجدك عند محل كذا، فتفطن بهشام قومه فحبسوه عن الهجرة.

ش بن أبي ربيعة في عشرين راكبا. وكان هشام بن العاص واعد عمر بن الخطاب أن يهاجر معه وقال: تجدني أو أجدك عند محل كذا، فتفطن بهشام قومه فحبسوه عن الهجرة. وعن عليّ رضي الله تعالى عنه قال: ما علمت أحدا من المهاجرين هاجر إلا مختفيا إلا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فإنه لما همّ بالهجرة تقلد بسيفه وتنكب قوسه وانتضى في يديه أسهما واختصر عنزته: أي وهي الحربة الصغيرة علقها عند خاصرته ومضى قبل الكعبة والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعا، ثم أتى المقام فصلى ركعتين، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة، فقال: شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس: أي الأنوف، من أراد أن تثكله أمه: أي تفقده، أو يوتم ولده، أو ترمل زوجته فيلقني وراء هذا الوادي، قال عليّ رضي الله تعالى عنه: فما تبعه أحد ثم مضى لوجهه. ثم إن أبا جهل وأخاه شقيقه الحارث بن هشام رضي الله تعالى عنه- فإنه أسلم بعد ذلك يوم الفتح- قدما المدينة والنبي صلى الله عليه وسلم

بمكة لم يهاجر، فكلما عياش بن أبي ربيعة وكان أخاهما لأمهما وابن عمهما كان أصغر ولد أمه، وأخبراه أن أمه قد نذرت أن لا تغسل رأسها. وفي لفظ: ولا يمس رأسها مشط ولا تستظل من شمس حتى تراه، أي وفي لفظ: أن لا تأكل ولا تشرب ولا تدخل مسكنا حتى يرجع إليها، وقالا له وأنت أحب ولد أمك إليها، وأنت في دين منه برّ الوالدين، فارجع إلى مكة فاعبد ربك كما تعبده بالمدينة، فرقت نفسه وصدّقهما: أي وأخذ عليهما المواثيق أن لا يغشياه بسوء، وقال له عمر: إن يريدا إلا فتنتك عن دينك فاحذرهما، والله لو آذى أمك القمل امتشطت، ولو اشتد عليها حر مكة لاستظلت، فقال عياش: أبرّ أمي ولي مال هناك آخذه، فقال عمر: خذ نصف مالي ولا تذهب معهما، فأبى إلا ذلك، فقال له عمر: فحيث صممت فخذ ناقتي هذه فإنها نجيبة ذلول فالزم ظهرها، فإن رابك منهما ريب فانج عليها، فأبى ذلك وخرج راجعا معهما إلى مكة، فلما خرجا من المدينة كتفاه بتخفيف التاء: أي شدّا يديه إلى خلف بالكتاف في الطريق.

ا، فإن رابك منهما ريب فانج عليها، فأبى ذلك وخرج راجعا معهما إلى مكة، فلما خرجا من المدينة كتفاه بتخفيف التاء: أي شدّا يديه إلى خلف بالكتاف في الطريق. أي وفي السيرة الهشامية أنه أخذ الناقة وخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال له أبو جهل: يا أخي والله لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟ قال بلى، قال: فأناخ وأناخ ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه وأوثقاء رباطا ودخلا به مكة نهارا موثقا. وقالا: يا أهل مكة، هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفهائنا. وفي لفظ: بسفيهنا، فحبس بمكة مع هشام بن العاص، فإنه كما تقدم منع وحبس عن الهجرة، وجعل كل في قيد. وفي لفظ: أنهما لما ذكرا له أن أمه حلفت أن لا يظلها سقف بيت حتى تراه، وأعطياه موثقا أن لا يمنعاه وأن يخليا سبيله بعد أن تراه أمه، فانطلق معهما حتى إذا خرجا من المدينة عمدا إليه فشداه وثاقا وجلداه نحوا من مائة جلدة، وكان أعانهما عليه رجل من بني كنانة: أي يقال له الحارث بن يزيد القرشي وفي كلام ابن عبد البر أنه كان من يعذبه بمكة مع أبي جهل. وفي الينبوع: جلده كل واحد منهما مائة جلدة، وأنه لما جيء به إلى مكة ألقي في الشمس، وحلفت أمه أنه لا يحل عنه حتى يرجع عن دينه ففتن. قيل وكان ذلك سبب نزول قوله تعالى وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ [العنكبوت: الآية ٨] الآية. وفيه أنه تقدم أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص؛ إلا أن يقال يجوز أن يكون مما تكرر نزوله، فتكون نزلت فيهما، وحلف عياش ليقتلنّ ذلك الرجل إن قدر عليه. قيل ولم يزل عياش محبوسا حتى فتح رسول الله ﷺ مكة، فخرج عياش فلقي ذلك الرجل الكناني وكان قد أسلم وعياش لا يعلم بإسلامه، فقتله وأعلم النبي ﷺ بذلك، فأنزل الله تعالى وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً [النّساء: الآية ٩٢]

فقرأها النبي ﷺ وقال لعياش «قم فحرر» أي أعتق رقبة. وما ذكر من أن عياشا استمر محبوسا إلى الفتح يخالف قول بعضهم: مكث ﷺ وهو بالمدينة كما سيأتي أربعين صباحا يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع: أي من الركعة الأخيرة «وكان يقول في قنوته اللهم أنج الوليد بن الوليد وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص، والمستضعفين من المؤمنين بمكة الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا» فإن هذا يدل على أن هشام بن العاص وعياش بن أبي ربيعة لم يفتتنا ولم يرجعا عن الإسلام. وفي السيرة الهشامية ما يفيد أنهما فتنا، الأول صريحا، والثاني ظاهرا. وفي السيرة الهشامية التصريح بافتتانهما، وفيه نظر لما ذكر، ولأنهما لو كانا فتنا لأطلقا من الحبس والقيد وإدامة ذلك، إلا أن يقال فعل بهما ذلك لعدم الوثوق برجوعهما عن الإسلام. ومما يدل على أن رجوعهما عن الإسلام إن صح إنما كان ظاهرا فقط دعاؤه ﷺ لهما. أي وسيأتي أن الوليد كان سببا لتخليص عياش بن أبي ربيعة وهشام بن أبي العاص بعد أن تخلص من الحبس وهاجر إلى المدينة، فإن الوليد كان أسر ببدر ثم افتداه أخوه خالد وهشام ابنا الوليد بن المغيرة وذهبا به إلى مكة فأسلم وأراد الهجرة فحبساه بمكة. وقيل له: هلا أسلمت قبل أن تفدى؟ قال: كرهت أن يظن فيّ أني جزعت من الأسر، ثم نجا وتوصل إلى المدينة ورجع إلى مكة مستخفيا وخلص عياشا وهشاما وجاء بهما إلى المدينة، فسر رسول الله ﷺ بذلك وشكر صنيعه، وبه يعلم ضعف ما تقدم من أن عياشا لم يزل محبوسا إلى يوم الفتح. وممن هاجر قبل النبي ﷺ سالم مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة: أي لأنه لما أعتقته زوجة أبي حذيفة وكانت أنصارية تبناه أبو حذيفة، وكان يؤمّ المهاجرين بالمدينة فيهم عمر بن الخطاب، لأنه كان أكثرهم أخذ للقرآن، فكان عمر بن الخطاب يثني عليه كثيرا، حتى قال لما أوصى عند قتله: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا ما جعلتها شورى. قال ابن عبد البر: معناه أنه كان يأخذ برأيه فيمن يوّليه الخلافة: أي فإنه قتل في يوم اليمامة، وأرسل عمر بميراثه لمعتقته فأبت أن تقبله، فجعله في بيت المال.

ابن عبد البر: معناه أنه كان يأخذ برأيه فيمن يوّليه الخلافة: أي فإنه قتل في يوم اليمامة، وأرسل عمر بميراثه لمعتقته فأبت أن تقبله، فجعله في بيت المال. ولما أراد صهيب الهجرة إلى المدينة، أي بعد أن هاجر إليها ﷺ، خلافا لما يوهمه كلام الأصل والشامي قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكا فقيرا فكثر مالك عندنا ثم تريد أن تخرج بمالك؟ لا والله لا يكون ذلك، فقال لهم صهيب، أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا نعم، قال: فإني جعلته لكم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال «ربح صهيب» . أقول: «وذكر أن صهيبا تواعد معه ﷺ أن يكون معه في الهجرة فلما أراد صلى الله عليه وسلم

الخروج للغار أرسل إليه أبا بكر مرتين أو ثلاثا فوجده يصلي، فكره أن يقطع عليه صلاته» كما سيأتي، وحينئذ يكون قول صهيب المذكور بعد هجرته ﷺ إلى المدينة كما تقدم، وهو ما في الخصائص الكبرى عن صهيب «لما خرج رسول الله ﷺ إلى المدينة وخرج معه أبو بكر وقد كنت هممت بالخروج معه فصدني فتيان من قريش» أي بعد أن أردت الخروج بعده «وقالوا له جئتنا فقيرا حقيرا صعلوكا فكثر مالك عندنا وتريد أن تخرج بمالك ونفسك لا يكون ذلك أبدا، قال فقلت لهم: أنا أعطيكم أواقي من الذهب. وفي لفظ ثلث مالي. وفي لفظ: مالي وتخلون سبيلي، ففعلوا، فقلت احفروا تحت أسكفة الباب، فإن تحتها الأواقي، وخرجت حتى قدمت على رسول الله ﷺ قباء قبل أن يتحوّل منها، فلما رآني قال يا أبا يحيى ربح البيع ثلاثا، فقلت: يا رسول الله إنه ما سبقني إليك أحد، وما أخبرك إلا جبريل ﵊» أي وأخرج أبو نعيم في الحلية عن سعيد بن المسيب قال «أقبل صهيب مهاجرا نحو النبي ﷺ وقد أخذ سيفه وكنانته وقوسه، فاتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته وانتثل ما في كنانته. ثم قال: يا معشر قريش قد علمتم أني من أرماكم رجلا وأيم الله لا تصلون إليّ حتى أرمي بكل سهم في كنانتي ثم أضرب بسيفي ما بقيّ في يدي منه شيء ثم افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي بمكة وخليتم سبيلي، فقالوا نعم، فقال لهم ما تقدم» وفي رواية «أنهم قالوا له: دلنا على مالك ونخلي عنك، وعاهدوه على ذلك ففعل» .

وإن شئتم دللتكم على مالي بمكة وخليتم سبيلي، فقالوا نعم، فقال لهم ما تقدم» وفي رواية «أنهم قالوا له: دلنا على مالك ونخلي عنك، وعاهدوه على ذلك ففعل» . وذكر بعض المفسرين «أن المشركين أخذوه وعذبوه فقال لهم: إني شيخ كبير لا يضركم أمنكم كنت أم من غيركم، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني، وتتركوا لي راحلة ونفقة ففعلوا، ونزل قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [البقرة: الآية ٢٠٧] قال: فلما قدمت وجدت النبي ﷺ وأبا بكر جالسين، فلما رآني أبو بكر قام إليّ فبشرني بالآية التي نزلت فيّ أي وفي رواية «فتلقاني أبو بكر وعمر ورجال، فقال لي أبو بكر: ربح بيعك أبا يحيى، فقلت: وبيعك، هلا تخبرني ما ذاك؟ فقال: أنزل الله فيك كذا، وقرأ عليّ الآية» . وفي تفسير سهل بن عبد الله التستري أن صهيبا كان من المشتاقين لم يكن له قرار؛ كان لا ينام لا بالليل ولا بالنهار. وقد حكي أن امرأة اشترته فرأته كذلك، فقالت: لا أرضى لك حتى تنام بالليل، لأنك تضعف فلا يتهيأ لك الاشتغال بأعمالي؛ فبكى وقال: إن صهيبا إذا ذكر النار طار نومه وإذا ذكر الجنة جاء شوقه، وإذا ذكر الله طال شوقه: أي وليتأمل هذا مع ما في تاريخ ابن كثير أن الروم أغارت على بلاد صهيب وكانت على دجلة، وقيل على الفرات، فأسرته وهو صغير، ثم اشتراه منهم بنو كلب فحملوه إلى مكة فابتاعه

عبد الله بن جدعان فأعتقه وأقام بمكة حينا، فلما بعث رسول الله ﷺ أسلم وكان إسلامه وإسلام عمار بن ياسر في يوم واحد. وقد يقال: يجوز أن تكون تلك المرأة التي اشترته كانت من بني كلب. وعن صهيب رضي الله تعالى عنه «صحبت النبي ﷺ قبل أن يوحى إليه وأنه قال له عمر رضي الله تعالى عنه: يا صهيب اكتنيت وليس لك ولد؛ فقال: كناني رسول الله ﷺ بأبي يحيى» فهو من جملة من كناه رسول الله ﷺ ولا ولد له؛ وكان في لسانه عجمة شديدة، وكان فيه دعابة «رآه رسول الله ﷺ يأكل قثاء ورطبا وهو أرمد إحدى عينيه، فقال له: تأكل رطبا وأنت أرمد؟ فقال: إنما آكل من ناحية عيني الصحيحة فضحك ﷺ» . وفي المعجم الكبير للطبراني عن صهيب، قال «قدمت على رسول الله ﷺ وبين يديه تمر وخبز، فقال: ادن فكل، فأخذت آكل من التمر، فقال لي: أتأكل التمر وعينك رمدة، فقلت: يا رسول الله أمصه من الناحية الأخرى، فتبسم رسول الله ﷺ» أي ولا مانع من التعدد «ولما أذن ﷺ لأصحابه في الهجرة وهاجروا مكث ﷺ بعد أصحابه ينتظر أن يؤذن له في الهجرة ولم يتخلف معه إلا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأبو بكر أي وصهيب كما علمت، ومن كان محبوسا أو مريضا أو عاجزا عن الخروج، وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه كثيرا ما يستأذن رسول الله ﷺ في الهجرة، فيقول له: لا تعجل لعل الله أن يجعل لك صاحبا فيطمع أبو بكر أن يكون هو» وفي رواية «تجهز أبو بكر، فقال له رسول الله ﷺ: على رسلك؛ فإني أرجو أن يؤذن لي، فقال له أبو بكر هل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال نعم، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه وعلف راحلتين عنده الخبط» أي وفي لفظ «ورق السمر» بفتح المهملة وضم الميم، قال الزهري، وهو الخبط. قال ابن فارس: والخبط ما يخبط بالعصا فيسقط من ورق الشجر، وكان مدة علفها أربعة أشهر، وكان اشتراهما بثمانمائة درهم. أقول: ظاهر هذا السياق أن علفه للراحلتين كان بعد قول المصطفى ﷺ له ما ذكر. ومعلوم أن ذلك بعد مبايعة الأنصار ﷺ، والمدة بين مبايعة الأنصار له ﷺ والهجرة كانت ثلاثة أشهر أو قريبا منها، لأنها كانت في ذي الحجة، ومهاجرته ﷺ كانت في ربيع الأول.

لك بعد مبايعة الأنصار ﷺ، والمدة بين مبايعة الأنصار له ﷺ والهجرة كانت ثلاثة أشهر أو قريبا منها، لأنها كانت في ذي الحجة، ومهاجرته ﷺ كانت في ربيع الأول. وفي السيرة الشامية ما يصرح بأن علفة للراحلتين كان بعد قول المصطفى ﷺ له ما ذكر. ففيها «أنه ﷺ لما قال لأبي بكر وقد استأذنه في الهجرة: لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا» طمع بأن رسول الله ﷺ إنما يعني نفسه فابتاع راحلتين فحبسهما في داره يعلفهما إعدادا لذلك، وسيأتي عن الحافظ ابن حجر أن بين ابتداء

هجرة الصحابة وبين هجرته ﷺ شهرين ونصف شهر على التحرير، والله أعلم. «فلما رأت قريش أن رسول الله ﷺ صار له شيعة» أي أنصار وأصحاب من غيرهم «ورأوا خروج أصحابه إليهم، وأنهم أصابوا منعة لأن الأنصار قوم أهل حلقة» أي سلاح وبأس «حذروا: أي خافوا أن يخرج رسول الله ﷺ، وأن يجمع على حربهم، فاجتمعوا في دار الندوة يتشاورون فيما يصنعون في أمر رسول الله ﷺ، وكانت محل مشورتهم لا يقطعون أمرا إلا فيها» أي وهي أول دار بنيت بمكة، كانت منزل قصيّ بن كلاب كما تقدم، ثم صارت لولده عبد الدار، ثم ابتاعها معاوية لما حج وهو خليفة من أولاد عبد الدار. وتقدم أن معاوية إنما اشتراها من حكيم بن حزام، ويدل لذلك ما جاء عن مصعب بن عبد الله قال: جاء الإسلام ودار الندوة بيد حكيم بن حزام، فباعها لمعاوية بن أبي سفيان بمائة ألف درهم، فقال له عبد الله بن الزبير: بعت مكرمة قريش، فقال له حكيم: ذهبت المكارم إلا التقوى يا ابن أخي إلى آخر ما تقدم، وكانت دار الندوة جهة الحجر عند المقام الحنفي الآن، وكان لها باب للمسجد، وكان لا يدخلها عند المشورة من غير ولد قصي إلا ابن أربعين سنة.

لى آخر ما تقدم، وكانت دار الندوة جهة الحجر عند المقام الحنفي الآن، وكان لها باب للمسجد، وكان لا يدخلها عند المشورة من غير ولد قصي إلا ابن أربعين سنة. وفي كلام بعضهم: ساد أبو جهل وما طرّ شاربه، ودخل دار الندوة وما استدارت لحيته، وقد أدخلت في المسجد. قيل لها دار الندوة لاجتماع الندي وهو الجماعة فيها، وكان ذلك اليوم يسمى يوم الرحمة، لأنه اجتمع فيه أشراف بني عبد شمس وبني نوفل وبني عبد الدار وبني أسد وبني مخزوم وبني سهم وبني جمح، وغيرهم مما لا يعدّ من قريش، ولم يتخلف من أهل الرأي والحجا أحد. ثم إن إبليس جاء إليهم في صورة شيخ نجدي عليه طيلسان من خز وقيل من صوف: أي وإنما فعل ذلك ليقبل منه ما يشير به، لأن أهل الطيالسة في العادة من أهل الوقار والمعرفة؛ ووقف ذلك الشيخ على الباب، فقالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد، سمع بالذي اجتمعتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى أن لا يعدمكم منه رأيا ونصحا، قالوا أجل: أي نعم، فادخل فدخل معهم، أي وإنما قال لهم من أهل نجد، لأن قريشا قالوا: لا يدخلن معكم في المشاورة أحد من أهل تهامة لأن هواهم كان مع محمد ﷺ. قيل لما سمعهم يقولون: لا يدخل معكم اليوم إلا من هو معكم، قال لهم لما سألوه وقالوا له من أنت؟ قال شيخ من نجد، وأنا ابن أختكم؛ فقالوا: ابن أخت القوم منهم. وقيل إن إبليس لما دخل عليهم أنكروه وقالوا له من أنت وما أدخلك علينا في خلوتنا هذه بغير إذننا؟ فقال: إني رجل من أهل نجد، رأيتكم حسنة وجوهكم طيبة

ريحكم فأحببت أن أجلس إليكم وأسمع كلامكم، فإن كرهتم ذلك خرجت عنكم؛ فقال بعضهم لبعض: هذا نجدي ولا عين عليكم منه، وفي لفظ: هذا من أهل نجد لا من مكة فلا يضركم حضوره معكم. وعند المشهورة قال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل يعني النبي ﷺ: قد كان من أمره ما قد رأيتم، وإنا والله لا نأمنه الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا فأجمعوا فيه رأيا فتشاوروا، فقال قائل: أي وهو أبو البختري بن هشام احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء حتى يصيبه ما أصابهم من هذا الموت، فقال الشيخ النجدي، لا والله ما هذا لكم برأي، والله لو حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلا تشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيدكم ثم يكاثروكم حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا برأي، فانظروا رأيا غيره، فتشاوروا، فقال قائل منهم، أي وهو الأسود بن ربيعة بن عمير: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فإذا خرج عنا فوالله ما نبالي أين يذهب، فقال الشيخ النجدي: والله ما هذا برأي، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي الله به؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل» بفتح أوله وضم الحاء المهملة أي ينزل، ويجوز أن يكون بكسرها: أي يسقط على حيّ من العرب فيغلب بذلك عليهم من قوله وحديثه حتى يبايعوه ثم يسير به إليكم حتى يطأكم بهم، فيأخذوا أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد، دبروا فيه رأيا غير هذا؛ فقال أبو جهل بن هشام: والله إن لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد، قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: الرأي أن تأخذوا من كل قبيلة شابا جلدا: أي قويا حسيبا في قومه نسيبا وسطا، ثم يعطي كل فتى منهم سيفا صارما ثم يغدون إليه فيضربونه ضربة رجل واحد فيقتلونه فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا، فلم تقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا فيرضوا منا بالعقل: أي الدية فعقلنا لهم.

يقتلونه فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا، فلم تقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا فيرضوا منا بالعقل: أي الدية فعقلنا لهم. فقال النجدي: القول ما قال هذا الرجل، هذا هو الرأي ولا أرى غيره، فتفرق القوم على ذلك، فأتى جبريل رسول الله ﷺ فقال: لا تبت هذه الليلة في فراشك الذي كنت تبيت عليه: أي وأخبره بمكرهم، وأنزل الله ﷿ عليه وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ [الأنفال: الآية ٣٠] الآية، فلما كانت عتمة من الليل: أي الثلث الأول من الليل اجتمعوا على باب رسول الله ﷺ يرصدونه حتى ينام فيثبوا عليه: أي وكانوا مائة. أقول في الدرّ المنثور: أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبيد بن عمير «لما ائتمروا بالنبي ﷺ ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، قال له أبو طالب: هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال: يريدون أن يحبسوني أو يقتلوني أو يخرجوني، قال: من حدّثك بهذا؟ قال: ربي، قال: نعم الرب، وربك فاستوص به خيرا، قال: أنا

أستوصي به، بل هو يستوصي بي» هذا كلامه. ولم يتعقبه بأن هذا كان بعد موت أبي طالب قال: وكان ائتمارهم يوم السبت. فقد «سئل ﷺ عن يوم السبت؟ فقال: يوم مكر وخديعة، قالوا: ولم يا رسول الله؟ قال: إن قريشا أرادوا أن يمكروا فيه بي» أي أرادوا فيه المكر «فأنزل الله تعالى وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال: الآية ٣٠] . وفي سيرة الحافظ الدمياطي «فاجتمع أولئك القوم من قريش يتطلعون من صير الباب أي شقه ويرصدونه يريدون بياته: أي يوقعون به الأمر ليلا ويأتمرون أيهم يحمل على المضطجع» وفيه أن ائتمارهم في ذلك لا يناسب ما اجتمع رأيهم عليه من أنهم يجتمعون على قتله ليتفرق دمه في القبائل. ثم رأيت بعضهم قال: وأحدقوا ببابه ﷺ وعليهم السلاح يرصدون طلوع الفجر ليقتلوه ظاهرا فيذهب دمه لمشاهدة بني هاشم قاتله من جميع القبائل فلا يتمّ لهم أخذ ثأره وهو المناسب لما ذكر، والله أعلم.

وعليهم السلاح يرصدون طلوع الفجر ليقتلوه ظاهرا فيذهب دمه لمشاهدة بني هاشم قاتله من جميع القبائل فلا يتمّ لهم أخذ ثأره وهو المناسب لما ذكر، والله أعلم. فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم: أي علم ما يكون منهم «قال لعليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: نم على فراشي، واتشح بردائي هذا الحضرمي، وقد كان يشهد فيه العيدين، وقد كان طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراعان وشبر» وهل كان أخضر أو أحمر؟ يدل للثاني قول جابر «كان يلبس رداء أحمر في العيدين والجمعة» ثم رأيت في بعض الروايات أنه كان أخضر فلينظر الجمع. وفي سيرة الدمياطي «وارتد بردائي هذا الأحمر» والحضرمي: منسوب إلى حضر موت التي هي البلدة أو القبيلة باليمن. كان رسول الله ﷺ يتسجى بذلك البرد عند نومه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم» . أقول: وأما ما روي «أن الله تعالى أوحى إلى جبريل ومكائيل: أني قد آخيت بينكما، وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فاختار كلاهما الحياة فأوحى الله إليهما: ألا كنتما مثل عليّ بن أبي طالب: آخيت بينه وبين محمد ﷺ فبات على فراشه ليفديه بنفسه ويؤثره بالحياة، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه فنزلا فكان جبريل عند رأسه وميكائيل عند رجليه، فقال جبريل: بخ بخ، من مثلك يا ابن أبي طالب؟ باهى الله بك الملائكة، وأنزل الله ﷿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [البقرة: الآية ٢٠٧] قال فيه الإمام ابن تيمية: إنه كذب باتفاق أهل العلم بالحديث والسير. وأيضا قد حصلت له الطمأنينة بقول الصادق له «لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم» فلم يكن فيه فداء بالنفس ولا إيثار بالحياة، والآية المذكورة في سورة البقرة

وهي مدنية باتفاق. وقد قيل إنها نزلت في صهيب رضي الله تعالى عنه لما هاجر أي كما تقدم؛ لكنه في الإمتاع لم يذكر أنه ﷺ قال لعليّ ما ذكر، وعليه فيكون فداؤه للنبي ﷺ بنفسه واضحا، ولا مانع من تكرر نزول الآية في حق عليّ وفي حق صهيب. وحينئذ يكون شري في حق عليّ رضي الله تعالى بمعنى باع: أي باع نفسه بحياة المصطفى ﷺ، وفي حق صهيب بمعنى اشترى: أي اشترى نفسه بماله، ونزول هذه الآية بمكة لا يخرج سورة البقرة عن كونها مدنية، لأن الحكم يكون للغالب. وفي السبعيات «أنه ﷺ نظر إلى أصحابه وقال: أيكم يبيت على فراشي وأنا أضمن له الجنة، فقال عليّ: أنا أبيت واجعل نفسي فداءك» هذا كلامه، ولعله لا يصح. ثم رأيت في الإمتاع ما يدل لعدم الصحة، وهو قال ابن إسحاق: ولم علم فيما بلغني بخروجه ﷺ حين خرج إلا عليّ وأبو بكر الصدّيق، فليتأمل والله تعالى أعلم. وكان في القوم الحكم بن أبي العاص وعقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث وأمية بن خلف وزمعة بن الأسود وأبو لهب وأبو جهل، فقال: وهم على باب رسول الله ﷺ: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ثم بعثتم بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، أي بضم الهمزة وتشديد النون، وهو محل بأرض الشام بقريب بيت المقدس، وإن لم تفعلوا كان فيكم ذبح ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم نار تحترقون فيها، وسمعه رسول الله ﷺ فخرج عليهم وهو يقول: نعم أنا أقول ذلك، وأخذ حفنة من تراب وتلا قوله تعالى يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) [يس: الآيتان ١ و ٢] إلى قوله فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس: الآية ٩] فأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه فلم يروه. وفي مسند الحارث بن أبي أسامة عن النبي ﷺ «أنه ذكر في فضل يس (١) [يس: الآية ١] أنها إن قرأها خائف أمن، أو جائع شبع، أو عار كسي، أو عاطش سقي، أو سقيم شفي» «وعند خروجه ﷺ جعل ينثر التراب على رؤوسهم، فلم يبق رجل إلا وضع على رأسه ترابا ثم انصرف إلى حيث أراد، فأتاهم آت، فقال: ما تنتظرون هاهنا؟

، أو سقيم شفي» «وعند خروجه ﷺ جعل ينثر التراب على رؤوسهم، فلم يبق رجل إلا وضع على رأسه ترابا ثم انصرف إلى حيث أراد، فأتاهم آت، فقال: ما تنتظرون هاهنا؟ قالوا محمدا، فقال: قد خيبكم الله، والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلا إلا وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟ قال: فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب» . قال في النور وهذا يعارضه حديث مارية خادم النبي ﷺ تكنى أمّ الرباب «أنها طأطأت لرسول الله ﷺ حتى صعد حائطا ليلة فرّ من المشركين» وينبغي أن يوفق بينهما إن صحا وإلا فالعبرة بالصحيح منهما هذا كلامه. أقول: التوفيق حاصل، وهو أنه يجوز أن يكون النبي ﷺ لم يحب أن يخرج عليهم من الباب فتسوّر الحائط التي نزل منها عليهم والله أعلم، أي وكان ذهابه صلى الله عليه وسلم

في تلك الليلة إلى بيت أبي بكر ﵁، فكان فيه إلى الليل: أي إلى الليلة المقبلة، ثم خرج هو وأبو بكر رضي الله تعالى عنه، ثم مضيا إلى جبل ثور كذا في سيرة الدمياطي ثم أي بعد اخبارهم بخروجه ﷺ ووضعه التراب على رؤوسهم جعلوا يطلعون فيرون عليا نائما على الفراش مسجى ببرد رسول الله ﷺ؛ فيقولون: والله إن هذا محمد نائما عليه برده، فلم يزالوا كذلك، أي يريدون أن يوقعوا به الفعل، والله مانع لهم من ذلك «حتى أصبحوا واتضح النهار، فقام عليّ رضي الله تعالى عنه عن الفراش، فقالوا: والله لقد صدقنا الذي كان حدّثنا، أي ولما قام عليّ رضي الله تعالى عنه سألوه عن رسول الله ﷺ، قال لا علم لي به وفي رواية: «فلما أصبحوا ساروا إليه يحسبونه النبي ﷺ، فلما رأوا عليا رضي الله تعالى عنه ردّ الله تعالى مكرهم، فقالوا: أين صاحبك؟ قال لا أدري، فأنزل الله تعالى قوله أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) [الطّور: الآية ٣٠] وأنزل الله ﷿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠) [الأنفال: الآية ٣٠] كذا في الأصل تبعا لابن إسحاق، ولا يخفى أن الآية الثانية موفية بما ذكروه من المشاورة.

ُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠) [الأنفال: الآية ٣٠] كذا في الأصل تبعا لابن إسحاق، ولا يخفى أن الآية الثانية موفية بما ذكروه من المشاورة. قال: والمانع من اقتحام الجدار عليه في الدار مع قصر الجدار وقد جاؤوا لقتله، أنهم هموا بذلك فصاحت امرأة من الدار، فقال بعضهم لبعض: إنها لسبة في العرب أن يتحدث عنا أنا تسورنا الحيطان على بنات العم وهتكنا ستر حرمنا انتهى. أقول: لا يخفى أن هذا لا يناسب ما قدمناه عن بعضهم أنهم إنما أرادوا قتله ﷺ عند طلوع الفجر ليظهر لبني هاشم قاتلوه فلا يثبوا عليه لئلا يتسور الجدار، إلا أن يقال إرادة ذلك منهم كانت عند طلوع الفجر، ووجود الأسباب المانعة لهم من الوثوب عليه لا ينافي أن المانع لهم عن الوثوب عليه الذي جاؤوا بصدده وهم مائة رجل من صناديد قريش، إنما هي حماية الله تعالى الموجبة لخذلانهم وإظهار عجزهم، وفي ذلك تصديق لرسول الله ﷺ حيث قال لعلي «لا يخلص إليك شيء تكرهه منهم» على ما تقدم، والمراد بقول بعضهم: كان المشركون يرمون عليا يظنون أنه النبي ﷺ يرمونه بأبصارهم لا بنحو حجارة أو نبل كما لا يخفى. فإن قيل: هلا نام ﷺ على فراشه؟ قلنا لو فعل ذلك لفات، إذ لا لهم بوضع التراب على رؤوسهم وإظهار حماية الله تعالى له بخروجه عليهم ولم يبصره أحد منهم. وفي رواية «أنهم تسوروا عليه ﷺ ودخلوا شاهرين سيوفهم، فثار علي في وجوههم فعرفوه، فقالوا: هو أنت أين صاحبك؟ فقال: لا أدري» وهذا مخالف لما تقدم، فلينظر الجمع بناء على صحة هذا. وفي لفظ: «أمروه بالخروج فضربوه وأدخلوه المسجد وحبس به ساعة ثم خلوا عنه» والله أعلم.

ثم إن رسول الله ﷺ أذن له في الهجرة إلى المدينة، أي وأنزل الله تعالى عليه وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (٨٠) [الإسراء: الآية ٨٠] قال زيد بن أسلم: جعل الله ﷿ مدخل صدق المدينة، ومخرج صدق مكة وسلطانا نصيرا الأنصار. ويعارضه ما جاء «أن عند رجوعه ﷺ من تبوك إلى المدينة قال له جبريل: سل ربك، فإن لكل نبي مسألة، فقال: ما تأمرني أن أسأله؟ قال: قل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا، فأنزل الله تعالى عليه ذلك في رجعته من تبوك بعد ما ختمت السورة» أي إلا أن يدعى تكرار النزول «وعند الإذن له ﷺ في الهجرة قال لجبريل: من يهاجر معي؟ قال جبريل: أبو بكر الصديق» . أي ومن الغريب قول بعضهم: ومن ذلك اليوم سماه الله تعالى صدّيقا، فقد تقدم أن تسميته بذلك كان عند تصديقه له ﷺ عند إخباره بالإسراء، وعن صفة بيت المقدس. ومن الغريب أيضا ما في السبعيات «أن النبي ﷺ تشاور مع أصحابه، فقال: أيكم يوافق معي ويرافقني، فقد أمرني الله تعالى بالخروج من مكة إلى المدينة؟ فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أنا يا رسول الله» . ويرده ما في السير «أنه ﷺ أتى أبا بكر ذات يوم ظهرا، فناداه فقال أخرج من عندك، فقال: يا رسول الله إنما هما ابنتاي يعني عائشة وأسماء رضي الله تعالى عنهما، قال شعرت: أي علمت أنه قد أذن لي في الهجرة؟ فقال: يا رسول الله الصحبة» أي أسألك الصحبة «فقال: أي رسول الله ﷺ الصحبة» أي لك الصحبة عندي «فانطلقا» أي ليلا كما تقدم عن سيرة الدمياطي، لكن تقدم عنها أنه دخل بيت أبي بكر في ليلة خروجه من على فراشه؛ وأنه مكث ببيت أبي بكر إلى الليلة القابلة التي كان فيها خروجه ﷺ إلى جبل ثور، فيحتاج إلى الجمع. وقد يقال: إن مجيئه ﷺ ظهرا كان قبل تلك الليلة، ومع خروجهما خرجا مستخفيين حتى أتيا الغار وهو بجبل ثور، فتواريا فيه.

جه ﷺ إلى جبل ثور، فيحتاج إلى الجمع. وقد يقال: إن مجيئه ﷺ ظهرا كان قبل تلك الليلة، ومع خروجهما خرجا مستخفيين حتى أتيا الغار وهو بجبل ثور، فتواريا فيه. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه ﷺ قال عند خروجه من مكة أي متوجها إلى المدينة «والله إني لأخرج منك وأني لأعلم أنك أحب بلاد الله إلى الله وأكرمها على الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت» . أي وفي رواية «أنه ﷺ وقف أي على راحلته بالحزورة ونظر إلى البيت وقال والله إنك لأحب أرض الله إليّ وإنك لأحب أرض الله إلى الله ولولا أن أهلك

أخرجوني منك قهرا ما خرجت» وفي لفظ «أنه ﷺ وقف في وسط المسجد والتفت إلى البيت فقال: إني لأعلم ما وضع الله بيتا أحب إلى الله منك، وما في الأرض بلد أحب إليه منك، وما خرجت منك رغبة، ولكن الذين كفروا أخرجوني» . أي وهذا السياق يدل على أن وقوفه ﷺ على الحزورة أو في وسط المسجد يقتضي أنه جاء بعد خروجه من الغار إلى ما ذكر، ثم ذهب إلى المدينة. وفي رواية «وقف ﷺ على الحجون وقال: والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولو لم أخرج منك ما خرجت» وفي لفظ «ولو تركت فيك لما خرجت منك» ولا مانع من تكرر ذلك. ثم رأيت في كلام بعضهم أن وقوفه ﷺ على الحجون كان في عام الفتح. وفي لفظ آخر «قال لمكة: ما أطيبك من بلدة وأحبك إليّ؛ ولولا أن قومي أخرجوني ما سكنت غيرك» . أي وفي «جمال القراء» للسخاوي «أن النبي ﷺ لما توجه مهاجرا إلى المدينة وقف ونظر إلى مكة وبكي؛ فأنزل الله ﷿ عليه وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً [محمّد: الآية ١٣] الآية» . وأما ما روى الحاكم عن أبي هريرة مرفوعا «اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إليّ فأسكني في أحب البقاع إليك» فقال الذهبي: إنه موضوع. وقال ابن عبد البر: لا يختلف أهل العلم أنه منكر موضوع.

مرفوعا «اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إليّ فأسكني في أحب البقاع إليك» فقال الذهبي: إنه موضوع. وقال ابن عبد البر: لا يختلف أهل العلم أنه منكر موضوع. أقول: والذي رأيته عن المستدرك للحاكم «اللهم: إنك تعلم أنهم أخرجوني من أحب البلاد إليّ فأسكني أحب البلاد إليك» والمعنى واحد، وإليه وإلى ما روي عن الزهري «اللهم إنك أخرجتني من أحب البلاد إليّ فأسكني أحب البلاد إليك» استند من قال بتفضيل المدينة على مكة، قال: لأن الله تعالى أجاب دعاءه فأسكنه المدينة. قيل وعليه جمهور العلماء، ومنهم الإمام مالك رضي الله تعالى عنه. وإلى الأحاديث الأول استند من قال بتفضيل مكة على المدينة وهم الجمهور، ومنهم إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه، واستندوا في ذلك إلى أنه ﷺ قال في حجة الوداع «أيّ بلد تعلمون أعظم حرمة؟ قالوا لا نعلم إلا بلدنا هذه» يعنون مكة، وهذا إجماع من الصحابة أقرهم عليه ﷺ أنها: أي مكة أفضل من سائر البلاد، لأن ما كان أعظم حرمة فهو أفضل. وقد قال ﷺ «المقام بمكة سعادة، والخروج منها شقاوة» وقال ﷺ «من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت عنه جهنم مسيرة مائة عام» . قال ابن عبد البر: وإني لأعجب ممن ترك قول رسول الله ﷺ، وهو قوله «والله إني لأعلم أنك خير أرض وأحبها إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت» وهذا حديث صحيح، ويميل إلى تأويل لا يجامع ما تأويله عليه: أي ولأن الحسنة فيها بمائة ألف حسنة. فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم

قال «من حج ماشيا كتبت له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، قيل: وما حسنات الحرم؟ قال: الحسنة فيه بمائة ألف حسنة» . والكلام في غير ما ضم أعضاءه الشريفة ﷺ من أرض المدينة، وإلا فذاك أفضل بقاع الأرض بالإجماع، بل حتى من العرش والكرسي. على أن صاحب «عوارف المعارف» ذكر أن الطوفان موّج تلك التربة المكرمة عن محل الكعبة حتى أرساها بالمدينة، فهي من جملة أرض مكة. وحينئذ لا يحسن الاستناد في تفضيل المدينة على مكة بقول أبي بكر رضي الله تعالى عنه إنهم لما اختلفوا في أي محل يدفن رسول الله ﷺ لم يقبضه الله إلا في أحب البقاع إليه ليدفن فيه كما سيأتي، والله أعلم. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت «بينا نحن جلوس يوما في بيت أبي بكر الصديق في نحر الظهيرة» أي وسطها وهو وقت الزوال «قال قائل لأبي بكر أي وهذا القائل هي أسماء بنت أبي بكر. وفي كلام بعض الحفاظ: يحتمل أن يفسر بعامر بن فهيرة أي مولى أبي بكر «قالت أسماء: قلت: يا أبت هذا رسول الله ﷺ متقنعا» أي متطيلسا «في ساعة لم يكن يأتينا فيها» أي فعن عائشة رضي الله تعالى عنها «لم يمر علينا يوم» أي قبل الهجرة «إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشيا» وفي لفظ «كان لا يخطىء أن يأتي رسول الله ﷺ بيت أبي بكر أحد طرفي النهار إما بكرة وإما عشيا» أي ويحتاج إلى الجمع بين هاتين الروايتين على تقدير صحة الثانية وإلا فالأولى في البخاري. وتفسير التقنع بالتطيلس ذكره الحافظ ابن حجر، حيث قال: قوله: متقنعا: أي متطيلسا، وهو أصل في لبس الطيلسان، هذا كلامه. واعترضه ابن القيم حيث قال: لم ينقل عنه ﷺ أنه لبس الطيلسان ولا أحد من أصحابه. وحينئذ لا يكون القناع هنا هو الطيلسان، بل التقنع تغطية الرأس وأكثر الوجه بالرداء من غير أن يجعل منه شيء تحت رقبته الذي يقال له التحنيك. وحمل قول ابن القيم المذكور على الطيلسان المقوّر التي تلبسها اليهود. قال بعضهم: وهذا الطيلسان المقور هو المعروف بالطرحة، وقد اتخذت خلفاء بني العباس الطرحة السوداء على العمامة عند الخطبة، واستمر ذلك شعارا للخلفاء.

يهود. قال بعضهم: وهذا الطيلسان المقور هو المعروف بالطرحة، وقد اتخذت خلفاء بني العباس الطرحة السوداء على العمامة عند الخطبة، واستمر ذلك شعارا للخلفاء. فالحاصل أن ما يغطى به الرأس مع أكثر الوجه إن كان معه تحنيك: أي ادارة على العنق قيل له طيلسان، وربما قيل له رداء مجازا، وإن لم يكن معه تحنيك، قيل له رداء أو قناع، وربما قيل له مجازا طيلسان: هو ما كان شعارا في القديم لقاضي القضاة الشافعي خاصة. قال بعضهم: بل صار شعارا للعلماء، ومن ثم صار لبسه يتوقف على الإجازة من المشايخ كالإفتاء والتدريس. وكان الشيخ يكتب في إجازته:

وقد أذنت له في لبس الطيلسان، لأنه شهادة بالأهلية، وما يجعل على الأكتاف دون الرأس يقال له رداء فقط، وربما قيل له طيلسان أيضا مجازا. وصح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وله حكم المرفوع «التقنع من أخلاق الأنبياء» . وقد ذكر بعضهم أن الطيلسان الخلوة الصغرى وفي حديث «لا يتقنع إلا من استكمل الحكمة في قوله وفعله» وكان ذلك من عادة فرسان العرب في المواسم والجموع كالأسواق. وأول من لبس الطيلسان بالمدينة جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه. وعن الكفاية لابن الرفعة أن ترك الطيلسان للفقيه مخلّ بالمروءة أي وهو بحسب ما كان في زمنه ﵀. وفي الترمذي «لم تكن عادته ﷺ التقنع إنما كان يفعله لحر أو برد» . وتعقب بأن في حديث أنس «أنه ﷺ كان يكثر التقنع» وفي طبقات ابن سعد مرسلا أنه ذكر لرسول الله ﷺ فقال: «هذا ثوب لا يؤدي شكره» أي لأن فيه غض البصر، ومن ثم قيل إنه الخلوة الصغرى كما تقدم.

ان يكثر التقنع» وفي طبقات ابن سعد مرسلا أنه ذكر لرسول الله ﷺ فقال: «هذا ثوب لا يؤدي شكره» أي لأن فيه غض البصر، ومن ثم قيل إنه الخلوة الصغرى كما تقدم. ولما قيل لأبي بكر رضي الله تعالى عنه ذلك، أي هذا رسول الله ﷺ متقنعا، قال أبو بكر: فدا له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قال: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فأذن له فدخل، أي وتنحى أبو بكر عن سريره وجلس عليه رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ لأبي بكر رضي الله تعالى عنه: «أخرج من عندك، قال أبو بكر: إنما هي أهلك» أي لأنه ﷺ كان عقد على عائشة رضي الله تعالى عنها كما تقدم، فأمها من جملة أهله وأختها كذلك، وقيل هو على حدّ قول الشخص لآخر أهلي أهلك. وفي رواية «قال رسول الله ﷺ: اخرج من عندك، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: لا عين عليك إنما هما ابنتاي» أي وسكت عن أمهما سترا «قال: فإنه قد أذن لي في الخروج، فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله بأبي أنت وأمي، فقال رسول الله ﷺ نعم، أي فبكى أبو بكر سرورا؟ قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فرأيت أبا بكر يبكي، وما كنت أحسب أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر» ولله درّ القائل: ورد الكتاب من الحبيب بأنه ... سيزورني فاستعبرت أجفاني غلب السرور عليّ حتى إنني ... من فرط ما قد سرني أبكاني يا عين صار الدمع عندك عادة ... تبكين من فرح ومن أحزان أي ومنه: أقرّ الله عينه لم يدعى له، وهو قرّة عين لمن يفرح به. وأسخن عينه لمن يدعى عليه: وهو سخنة العين لما يحزن به، لأن دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة. وقد روي «أن نبيا من الأنبياء اجتاز بحجر يخرج منه الماء، فسأل ربه عن

ذلك؟ فأنطق الله تعالى الحجر، فقال: منذ سمعت أن الله تعالى نارا وقودها الناس والحجارة وأنا أبكي هذا الدمع خوفا من تلك النار، فاشفع لي عند ربك، فشفع له، فشفع فيه وبشره بذلك. ثم مرّ به بعد مدة فإذا الماء يخرج منه، فقال: ألم أبشرك أن الله أنجاك من النار فما هذا؟ فقال: يا نبيّ الله ذاك بكاء الخوف والخشية، وهذا بكاء الفرح والسرور» ومن ثم لما قال ﷺ لأبيّ بن كعب «إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة كذا: أي لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [البيّنة: الآية ١] بكى من الفرح، وقال: أو ذكرت هناك؟» أي ذكرني الله ﷿ وفي لفظ «وسماني؟ قال نعم» . وفي سفر السعادة قال العلماء: البكاء على عشرة أنواع: بكاء فرح، وبكاء حزن لما فات، وبكاء رحمة، وبكاء خوف لما يحصل، وبكاء كذب كبكاء النائحة فإنها تبكي بشجو غيرها، وبكاء موافقة بأن يرى جماعة يبكون فيبكي مع عدم علمه بالسبب، وبكاء المحبة والشوق، وبكاء الجزع من حصول ألم لا يحتمله، وبكاء الخور والضعف، وبكاء النفاق، وهو أن تدمع العين والقلب قاس. والبكى بالقصر: دمع العين من غير صوت. والممدود: ما كان معه صوت. وأما التباكي فهو تكلف البكاء. وهو نوعان: محمود ومذموم؛ فالأول ما يكون لاستجلاب رقة القلب، وهو المراد بقول سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه لما رأى المصطفى ﷺ وأبا بكر يبكيان في شأن أسارى بدر: أخبرني ما يبكيك يا رسول الله؟ فإن وجدت بكاء بكيت وإلا تباكيت، ومن ثم لم ينكر عليه ﷺ ذلك. والثاني ما يكون لأجل الرياء والسمعة. قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت وأمي يا رسول الله إحدى راحلتيّ هاتين، فإني أعددتهما للخروج، قال رسول الله ﷺ: «بل بالثمن» أي لتكون هجرته ﷺ إلى الله تعالى بنفسه وماله، أي وإلا فقد أنفق أبو بكر رضي الله تعالى عنه أكثر ماله عليه ﷺ:

دتهما للخروج، قال رسول الله ﷺ: «بل بالثمن» أي لتكون هجرته ﷺ إلى الله تعالى بنفسه وماله، أي وإلا فقد أنفق أبو بكر رضي الله تعالى عنه أكثر ماله عليه ﷺ: أي فعن عائشة رضي الله تعالى عنها: «أنفق أبو بكر على النبي ﷺ أربعين ألف درهم» . وفي لفظ «دينار» ومن ثم قال ﷺ «ليس من أحد أمنّ عليّ في أهل ومال من أبي بكر» وفي رواية «ما أحد أمنّ علي في صحبته وذات يده من أبي بكر، وما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر، فبكى أبو بكر وقال: هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله؟» وفي رواية «ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه ما خلا أبا بكر فإن له عندنا يدا الله يكافئه بها يوم القيامة» . أقول: ولا ينافي كونه ﷺ أخذ إحدى ناقتي أبي بكر بالثمن ما رواه أبان بن أبي عياش أحد التابعين عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر رضي الله تعالى عنه «ما أطيب مالك: منه بلال مؤذني، وناقتي التي هاجرت عليها، وزوجتني ابنتك وواسيتني بمالك كأني أنظر إليك على باب الجنة تشفع لأمتي» لأن أبان بن أبي عياش معدود من الضعفاء.

وقد قال شعبة: لأن أشرب من بول حمار حتى أروى أحبّ إليّ من أن أقول حديثا عن أبان بن أبي عياش، وقال فيه مرة أخرى: لأن يزني الرجل خير من أن يروي عن أبان. وقد طلب من شعبة أن يكف عن أبان هذا، فقال: الأمر دين، وهذا يكذب على رسول الله ﷺ. وقد بين ابن حبان عذر أبان بأنه كان يروي عن أنس وأبان مجالس الحسن البصري فكان يسمع كلامه، فإذا حدث ربما جعل كلام الحسن عن أنس مرفوعا وهو لا يعلم. وعلى تقدير صحة ما قاله لا منافاة أيضا، لأنها كانت من مال أبي بكر قبل أن يأخذها ﷺ بثمنها. على أن في الترمذي ما وافق ما رواه أبان. ففيه عن عليّ رضي الله تعالى عنه، قال: قال ﷺ «رحم الله أبا بكر، زوّجني ابنته، وحملني إلى دار الهجرة وصحبني في الغار، وأعتق بلالا من ماله» . قال: وهذا حديث غريب والله أعلم. وكان الثمن عن تلك الناقة التي هي القصواء، وقد عاشت بعده ﷺ، وماتت في خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه أو الجدعاء أربعمائة درهم، أي لما علمت أن الناقتين اشتراهما أبو بكر بثمانمائة درهم.

لقصواء، وقد عاشت بعده ﷺ، وماتت في خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه أو الجدعاء أربعمائة درهم، أي لما علمت أن الناقتين اشتراهما أبو بكر بثمانمائة درهم. وأما ناقته ﷺ العضباء فقد جاء «أن بنته فاطمة رضي الله تعالى عنها تحشر عليها» . قالت عائشة رضي الله تعالى عنها «فجهزناهما أحب الجهاز» أي أسرعه. والجهاز: بكسر الجيم أفصح من فتحها. ما يحتاج إليه في السفر «ووضعنا لهما سفرة في جراب» أي زادا في جراب، لأن السفرة في الأصل الزاد الذي يصنع للمسافر، ثم استعمل في وعاء الزاد «وكان في السفرة شاة مطبوخة فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب أي وأبقت الأخرى نطاقا لها» وهو يوافق ما في صحيح مسلم عن أسماء رضي الله تعالى عنها أنها قالت للحجاج: بلغني أنك تقول أي لولدها عبد الله بن الزبير تعيره بابن ذات النطاقين، أما أنا والله ذات النطاقين أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله ﷺ وطعام أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وأما الآخر فنطاق المرأة: أي الذي لا تستغني عنه، أي عند اشتغالها؛ لأن النطاق ما تشدّ به المرأة وسطها لئلا تعثر في ذيلها على ثوب يلقى على أسفله. وقيل النطاق إزار فيه تكة؛ ومن ثم جاءت ذات النطاق: أي وكلاهما صحيح، لكن في لفظ «قطعت نطاقها قطعتين، فأوكت بقطعة منه فم الجراب، وشدّت فم القربة بالباقي» ، أي فلم يبق لها شيء منه ويوافقه ما في البخاري عن أسماء: لم نجد لسفرة رسول الله ﷺ: أي لمحلها الذي هو الجراب ولا لسقائه أي الذي هو القربة ما نربطهما به، فقلت لأبي بكر: لا والله ما أجد شيئا

أربط به إلا نطاقي، قال فشقيه اثنين، واربطي بواحد السقاء الذي هو القربة وبواحد السفرة ففعلت، فلذلك سميت ذات النطاقين: أي سماها رسول الله ﷺ وقال لها «أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين في الجنة» . وفيه أن الرواية الأولى التي عن عائشة، والرواية الثانية التي عن أسماء رواها مسلم لم يذكر السقاء. وفي رواية البخاري ذكر السقاء وإسقاط الجراب، لكن ذكر بعد الجراب السفرة. وقد يقال: المراد بربط السفرة ربط محلها الذي هو الجراب كما أشار إليه. قال بعضهم: وما تقدم عن مسلم ينبغي أن يكون أقرب إلى الضبط، لأن أسماء قالت في آخر عمرها مخبرة عن نفسها: أي ولم تربط إلا الجراب بأحد شقي النطاق وأبقت لها الآخر. وقد يقال: الحصر ليس في محله لمنافاته لرواية البخاري. وحينئذ يجمع بأنه بجوازها لما شقت النطاق نصفين قطعت أحدهما قطعتين، فشدت بإحداهما الجراب والأخرى السقاء، فهي ذات النطاقين الذي أبقته، والذي فعلت به ما ذكر. وفي السيرة الهشامية أن أسماء بنت أبي بكر جاءت إليهما لما نزلا من الغار بسفرتهما، ونسيت أن تجعل لها عصاما فدهشت لغلق السفرة، فإذا ليس لها عصام، فشقت نطاقها فجعلته عصاما فعلقتها به وانتطقت الآخر: أي وهذا يدل على أن المراد بقول عائشة: فجهزناهما أحب الجهاز: أي عند خروجهما من الغار، لا عند ذهابهما إلى الغار كما قد يتبادر من السياق. ثم على المتبادر جرى ابن الجوزي حيث قال: أسما بنت أبي بكر أسلمت بمكة قديما، وبايعت وشقت نطاقها ليلة خروج رسول الله ﷺ إلى الغار، فجعلت واحدا لسفرة رسول الله ﷺ، والآخر عصاما لقربته، فسميت ذات النطاقين هذا كلامه. وقد قال: لا مانع من تعدد ذلك، وكون النطاق ما تشد به المرأة وسطها لئلا تعثر في ذيلها يخالفه قول بعضهم: النطاق هو ثوب تلبسه المرأة ثم تشد وسطها بحبل ثم ترسل الأعلى على الأسفل، وهذا يوافق القيل المتقدم، ولعل له إطلاقين، ويوافق الثاني ما قيل أول من فعله هاجر أم إسماعيل، اتخذته لتخفي أثر مشيتها على سارة، ولعله عند خروجها لما أمره الله ﷿ بإخراجها مع إبراهيم، فيذهب بها إلى مكة قبل أن تركب مع إبراهيم على البراق.

إسماعيل، اتخذته لتخفي أثر مشيتها على سارة، ولعله عند خروجها لما أمره الله ﷿ بإخراجها مع إبراهيم، فيذهب بها إلى مكة قبل أن تركب مع إبراهيم على البراق. «ثم استأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلا من بني الديل، وهو عبد الله بن أريقط» ويقال ابن أرقط أو أرقد اسم أمه، فأريقط مصغرها «ليدلهما على الطريق للمدينة» وكان على دين قريش، أي ثم أسلم بعد ذلك. وقيل لم يعرف له إسلام.

وفي الروض ما وجدنا من طريق صحيح أنه أسلم بعد ذلك «فدفعا إليها راحلتيهما، وواعداه على جبل ثور بعد ثلاث ليال» وقيل للجبل ذلك لأنه على صورة الثور الذي يحرث عليه، وسياق النسائي يدل على أن استئجار عبد الله المذكور كان قبل التجهيز. «قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور» أي ليلا كما تقدم. وعن ابن سعد: «لما خرج رسول الله ﷺ من بيته إلى بيت أبي بكر رضي الله تعالى عنه فكان فيه إلى الليل، ثم خرج هو وأبو بكر فمضيا إلى غار ثور فدخلاه» أي وكان خروجهما من خوخة في ظهر بيت أبي بكر. فعن عائشة بنت قدامة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ، قال: «لقد خرجت من الخوخة متنكرا فكان أول من لقيني أبو جهل لعنه الله فأعمى الله بصره عني» وعن أبي بكر «حتى مضينا» . وفي كلام سبط ابن الجوزي: وعن وهب بن منبه أن رسول الله ﷺ إنما خرج إلى الغار من بيت أبي بكر، فخرج من خوخة في ظهر الدار. والأصح إنما كان خروجه من بيت نفسه. «وجعل أبو بكر رضي الله تعالى عنه يمشي مرة أمام النبي ﷺ ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن شماله، فسأله رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: يا رسول الله، أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون خلفك، ومرة عن يمينك، ومرة عن يسارك لا آمن عليك» . أقول: في الدر المنثور «فمشى ﷺ ليلته على أطراف أصابعه لئلا يظهر أثر رجليه على الأرض حتى حفيت رجلاه، فلما رآهما أبو بكر قد حفيتا حمله على كاهله وجعل يشتدّ به حتى أتى على فم الغار فأنزله» وفي لفظ «لم يصب رسول الله ﷺ الغار حتى قطرت قدماه دما» وفي كلام السهيلي عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه قال: «نظرت إلى قدمي رسول الله ﷺ في الغار وقد تقطرتا دما» .

ب رسول الله ﷺ الغار حتى قطرت قدماه دما» وفي كلام السهيلي عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه قال: «نظرت إلى قدمي رسول الله ﷺ في الغار وقد تقطرتا دما» . قال بعضهم: ويشبه أن يكون ذلك من خشونة الجبل، وإلا فبعد المكان لا يحتمل ذلك أو لعلهم ضلوا طريق الغار حتى بعدت المسافة، ويدل عليه قوله: فمشى ليلته رسول الله ﷺ. وفي لفظ فانتهينا «إلى الغار مع الصبح» ولا يحتمل ذلك مشى ليلته إلا بتقدير ذلك، أو أنه ﷺ كما قيل ذهب إلى جبل حنين فناداه اهبط عني، فإني أخاف أن تقتل على ظهري فأعذب، فناداه جبل ثور: إليّ يا رسول الله» وساق في الأصل رواية تقتضي أنه ذهب إلى غار ثور راكبا ناقته الجدعاء. ثم رأيته في النور أشار إلى أن ركوبه ﷺ الجدعاء إنما كان بعد خروجه من الغار، لا أنه

ركبها من منزل أبي بكر إلى الغار كما هو ظاهر الرواية. وفي الخصائص الكبرى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «لما تشاور المشركون في أمر رسول الله ﷺ، وأطلع الله نبيه على ذلك، فخرج تلك الليلة حتى أتى الغار، فلما أصبحوا اقتفوا أثره ﷺ، فلما بلغوا الجبل» الحديث، أي وهو مخالف لما تقدم من أن خروجه ﷺ إلى الغار كان في الليلة الثانية لا في ليلة خروجه على قريش. وقد يقال: لا منافاة، لأن قوله: حتى لحق بالغار غاية لمطلق الخروج من بيته لا في خصوص تلك الليلة، أي خرج من بيته واستمر على خروجه حتى لحق بالغار وذلك في الليلة الثانية، لكن تقدم أنه ﷺ جاء إلى بيت أبي بكر متقنعا في وقت الظهيرة فليتأمل. وأعلم رسول الله ﷺ عليا بخروجه إلى الهجرة وأمره أن يتخلف بعده حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عند رسول الله ﷺ للناس، لأنه لم يكن بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده ﷺ لما يعلمون من أمانته، أي ولعل إعلام عليّ بذلك كان عند توجهه ﷺ إلى بيت أبي بكر، لأنه لم يثبت أنه ﷺ اجتمع بعلي رضي الله تعالى عنه بعد ذلك إلا في المدينة لكن سيأتي عن الدرّ ما يقتضي أنه اجتمع به عند خروجه من الغار. وفي الفصول المهمة «أنه ﷺ وصى عليا رضي الله تعالى عنه بحفظ ذمته وأداء أمانته ظاهرا على أعين الناس، وأمره أن يبتاع رواحل للفواطم» : فاطمة بنت النبي ﷺ، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب ولمن هاجر معه من بني هاشم ومن ضعفاء المؤمنين، وشراء علي ﵁ الرواحل مخالف لما يأتي في الأصل «أنه ﷺ أرسل إلي عليّ حلة وأرسل يقول: تشقها خمرا بين الفواطم، وهي فاطمة بنت حمزة، وفاطمة بنت عتبة، وفاطمة أم علي، وفاطمة بنته ﷺ» وإرساله لتلك الحلة كان بعد وصوله إلى المدينة فليتأمل.

قول: تشقها خمرا بين الفواطم، وهي فاطمة بنت حمزة، وفاطمة بنت عتبة، وفاطمة أم علي، وفاطمة بنته ﷺ» وإرساله لتلك الحلة كان بعد وصوله إلى المدينة فليتأمل. قال في الفصول المهمة: وقال له: أي لعليّ «إذا أبرمت ما أمرتك به كن على أهبة الهجرة إلى الله ورسوله، وبقدوم كتابي عليك، وإذا جاء أبو بكر توجهه خلفي نحو بئر أم ميمون» وكان ذلك في فحمة العشاء، والرصد من قريش قد أحاطوا بالدار ينتظرون أن تنتصف الليلة وتنام الناس، ودخل أبو بكر على عليّ وهو يظنه: أي وأبو بكر يظن عليا رسول الله ﷺ، فقال له علي: إن رسول الله ﷺ خرج نحو بئر أم ميمون، وهو يقول لك: أدركني، فحلقه أبو بكر، ومضيا جميعا يتسايران حتى أتيا جبل ثور فدخلا الغار، فليتأمل الجمع بينه وبين ما تقدم.

«ولما انتهيا إلى فم الغار قال أبو بكر للنبي ﷺ: والذي بعثك بالحق لا تدخل حتى أدخله قبلك، فإن كان فيه شيء نزل بي قبلك، فدخل رضي الله تعالى عنه فجعل يلتمس بيده كلما رأى حجرا قال بثوبه فشقه، ثم ألقمه الجحر حتى فعل ذلك بجميع ثوبه، فبقي جحر، وكان فيه حية فوضع عقبه عليه، ثم دخل رسول الله ﷺ، ثم إن الحية التي في الجحر لما أحست بعقب سيدنا أبي بكر جعلت تلسعه وصارت دموعه تتحدر» قال ابن كثير: وفي هذا السياق غرابة ونكارة «أي وقد كان ﷺ وضع رأسه في حجر أبي بكر رضي الله تعالى عنه ونام، فسقطت دموع أبي بكر رضي الله تعالى عنه على رسول الله ﷺ قال: ما لك يا أبا بكر؟ قال: لدغت» بالدال المهملة والغين المعجمة «فداك أبي وأمي، فتفل رسول الله ﷺ على محل اللدغة فذهب ما يجده» قال بعضهم: وقاه بعقبه فبورك في عقبه. قالت بعضهم: والسر في اتخاذ رافضة العجم اللباد المقصص على رؤوسهم تعظيما للحية التي لدغت أبا بكر في الغار، أي لأنهم يزعمون أن ذلك على صورة تلك الحية. «ولما أصبح رسول الله ﷺ، قال لأبي بكر: أين ثوبك؟ فأخبره الخبر» زاد في رواية «وأنه رأى على أبي بكر أثر الورم فسأل عنه، فقال: من لدغة الحية، فقال ﷺ: هلا أخبرتني؟ قال: كرهت أن أوقظك فمسحه النبي ﷺ فذهب ما به من الورم والألم» .

ية «وأنه رأى على أبي بكر أثر الورم فسأل عنه، فقال: من لدغة الحية، فقال ﷺ: هلا أخبرتني؟ قال: كرهت أن أوقظك فمسحه النبي ﷺ فذهب ما به من الورم والألم» . أي ويحتاج إلى الجمع بين هاتين الروايتين على تقدير صحتهما «وحين أخبره أبو بكر بذلك رفع رسول الله ﷺ يديه وقال: اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي في الجنة، فأوحى الله تعالى إليه: قد استجاب الله لك» . وروي أنه لما صار يسد كل جحر وجده أصاب يده ما أدماها، فصار يمسح الدم عن أصبعه وهو يقول: هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت وسيأتي أن هذا البيت من كلام ابن رواحة. وقيل من كلامه ﷺ، وأنه يجوز أن يكون ابن رواحة ضم ذلك البيت لأبياته. ومما قد يؤيد أن ذلك من كلامه ﷺ ما ذكره سبط ابن الجوزي «أن أبا بكر لما لحقه ﷺ في أثناء الطريق ظنه رسول الله ﷺ من الكفار فأسرع في المشي، فانقطع قبال نعله، ففلق إبهامه حجر فسال الدم، فرفع أبو بكر صوته ليعرفه رسول الله ﷺ فعرفه» . ومما يصرح بذلك ما رأيت عن جندب البجلي قال «كنت مع النبي ﷺ في غار

كذا فدميت أصبعه فذكر البيت المذكور» وأراد بالغار غارا من الغيران لا هذا الغار كما توهم. وجاء في الصحيحين عن جندب بن عبد الله «بينا نحن مع رسول الله ﷺ إذ أصابه حجر فدميت أصبعه، فقال: هل أنت إلا إصبع دميت» .... البيت. «أي ويقال إنه ﷺ دعا تلك الشجرة وكانت أمام الغار فأقبلت حتى وقفت على باب الغار وأنها كانت مثل قامة الإنسان وبعث الله العنكبوت فنسجت ما بين فروعها» أي نسجا متراكما بعضه على بعض أي كنسج أربع سنين كما قال بعضهم. وقد نسج العنكبوت أيضا على عبد الله بن أنيس رضي الله تعالى عنه لما قتل سفيان بن خالد وقطع رأسه وأخذها ودخل في غار في الجبل وكنّ فيه حتى انقطع عنه الطلب كما سيأتي. ونسج على نبي الله داود لما طلبه طالوت. ونسج أيضا على عورة سيدنا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، وهو أخو الإمام محمد الباقر وعم الإمام جعفر الصادق، وهو الذي ينسب إليه الزيدية كان إماما مجتهدا، وكان ممن أخذ عن واصل بن عطاء الآخر عن الحسن البصري. ولما أثبت ابن عطاء المنزلة بين المنزلتين أمره الحسن البصري باعتزال مجلسه، فقيل له معتزلي، وصار يقال لأصحابه معتزلة. ولا يلزم من كون شيخ سيدنا زيد معتزليا أن يسلك زيد مسلكه. وصلب سيدنا زيد عريانا، وأقام مصلوبا أربع سنين، وقيل خمس سنين فلم تر عورته، وقيل إن بطنه الشريف ارتخى على عورته فغطاها. ولا مانع من وجود الأمرين. وكان عند صلبه وجهوه إلى غير القبلة فدارت خشبته التي صلب عليها إلى أن صار وجهه إلى القبلة، أي وقد وقع لخبيب نحو ذلك كما سيأتي، ثم أحرقوا خشبة زيد وجسده وذري رماده في الرياح على شاطىء الفرات، فإنه خرج على هشام بن عبد الملك وقد سمت نفسه للخلافة، فحاربه يوسف بن عمر الثقفي أمير العراقين من قبل هشام بن عبد الملك، فانهزم أصحاب زيد عنه بعد أن خذله وانصرف عنه أكثرهم.

عبد الملك وقد سمت نفسه للخلافة، فحاربه يوسف بن عمر الثقفي أمير العراقين من قبل هشام بن عبد الملك، فانهزم أصحاب زيد عنه بعد أن خذله وانصرف عنه أكثرهم. فقد بايعه ناس كثير من أهل الكوفة وطلبوا منه أن يتبرأ من الشيخين أبي بكر وعمر لينصروه، فقال: كلا، بل أتولاهما، فقالوا اذن نرفضك، فقال: اذهبوا فأنتم الرافضة، فسموا بذلك من حينئذ رافضة. وجاءت إليه طائفة وقالوا: نحن نتولاهما ونبرأ ممن يبرأ منهما وقاتلوا معه فسموا الزيدية. أقول: والعجب ممن يتمذهب بمذهب سيدنا زيد، ويتبرأ من الشيخين

ويكرههما ويكره من يذكرهما بخير، بل ربما سبهما. وعند مقاتلته أصابته جراحات وأصابه سهم في جبهته وحال الليل بين الفريقين، فطلبوا حجاما من بعض القرى لينزع له النصل، فاستخرجه فمات من ساعته، فدفنوه من ساعته، وأخفوا قبره، وأجروا عليه الماء، واستكتموا الحجام ذلك، فلما أصبح الحجام مشى إلى يوسف بن عمر منتصحا وأخبره، ودله على موضع قبره، فاستخرجه وبعث برأسه إلى هشام. فكتب إليه هشام أن أصلبه عريانا فصلبه كذلك. ويقال إن هشام بن عبد الملك قال يوما لزيد: بلغني أنك تريد الخلافة ولا تصلح لك لأنك ابن أمة، فقال: قد كان إسماعيل ابن أمة وإسحاق ابن حرة، فأخرج الله من صلب إسماعيل خير ولد آدم، فقال له هشام: قم، قال: إذن لا تراني إلا حيث تكره. ومن شعره: لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم ... وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا قيل ورأس زيد دفنت بمصر القديمة بمسجد يقال له مشهد زيد العابدين بن الحسين. وكذلك وقع في طبقات الشيخ الشعراني، نفعنا الله به وببركاته، وليس كذلك؛ بل هو محل زيد بن زين العابدين كما ذكره المقريزي في الخطط، ويقال له زيد الأزياد. وذكر في حياة الحيوان أن ما ينسجه العنكبوت يخرج من خارج جلدها لا من جوفها وعن عليّ رضي الله تعالى عنه «طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت، فإن تركه في البيوت يورث الفقر» .

حيوان أن ما ينسجه العنكبوت يخرج من خارج جلدها لا من جوفها وعن عليّ رضي الله تعالى عنه «طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت، فإن تركه في البيوت يورث الفقر» . وأمر الله تعالى حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغاز: أي ويروى «أنهما باضتا» أي وفرختا، قال لأبي بكر: «ضع قدمك موضع قدمي، فإن الرمل لا ينم» وتقدم ما في ذلك: أي لأن المشركين لما فقدوا رسول الله ﷺ شق عليهم ذلك وخافوا ذلك وطلبوه بمكة أعلاها وأسفلها، وبعثوا القافة: أي الذين يقصون الأثر في كل وجه يقفون أثره، فوجدوا الذي ذهب إلى جبل ثور أثره، وقال ما تقدم. «وأقبل فتيان قريش من كل بطن بعصيهم وسيوفهم، أي ولما أقبلوا أشفق ﷺ على صهيب وخاف عليه، وقال: واصهيباه ولا صهيب لي» أي لأنه تواعد معهما أن يكون ثالثهما «فلما أراد ﷺ الخروج للغار أرسل له أبو بكر مرتين أو ثلاثا فوجده يصلي، فقال: يا رسول الله وجدت صهيبا يصلي فكرهت أن أقطع عليه صلاته، فقال أصبت» وتقدمت الحوالة على هذا. «فلما كان فتيان قريش على أربعين ذراعا من الغار تعجل بعضهم ينظر في الغار، فلم ير إلا حمامتين وحشيتين أي مع العنكبوت، فقال: ليس فيه أحد، فسمع

النبي ﷺ ما قال، فعرف أن الله ﷿ قد درأ عنه أي دفع عنه» . وفي رواية «فلما انتهوا إلى فم الغار، قال قائل منهم: ادخلوا الغار، فقال أمية بن خلف: وما أربكم» أي حاجتكم إلى الغار «إنّ عليه لعنكبوتا كان قبل ميلاد محمد ﷺ» أي ولو دخل الغار لا نفتح ذلك العنكبوت وتكسر البيض. وهذا يدل على أن البيض لم يكن فرخ: أي ويحتمل أن بعض البيض فرخ وبعضه لم يفرخ «ثم جاء قبالة فم الغار فبال، فقال أبو بكر: يا رسول الله إنه يرانا، فقال رسول الله ﷺ: يا أبا بكر لو كان يرانا ما فعل هذا» وفي بعض الروايات «لو رآنا ما تكشف عن فرجه» أي ما استقبلنا بفرجه وبوله، وقال أبو جهل: أما والله إني لأحسبه قريبا يرانا، ولكن بعض سحره قد أخذ على أبصارنا، فانصرفوا. وذكر ابن كثير أن بعض أهل السير ذكر أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لما قال للنبي ﷺ: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه، قال له النبي ﷺ: لو جاؤونا من هاهنا لذهبنا من هاهنا، فنظر الصديق إلى الغار قد انفرج من الجانب الآخر، وإذا البحر قد اتصل به وسفينة مشدودة إلى جانبه. قال ابن كثير: وهذا ليس بمنكر من حيث القدرة العظيمة، ولكن لم يرد ذلك بإسناد قوي ولا ضعيف، ولسنا نثبت شيئا من تلقاء أنفسنا «ونهى النبي ﷺ يومئذ عن قتل العنكبوت، وقال: إنها جند من جند الله» انتهى. وعن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه قال «لا أزال أحب العنكبوت منذ رأيت رسول الله ﷺ أحبها، ويقول: جزى الله العنكبوت عنا خيرا، فإنها نسجت عليّ وعليك يا أبا بكر» إلا أن البيوت تطهر من نسجها، أي ينبغي ذلك لما تقدم أن وجود نسجها في البيوت يورث الفقر. وفي الجامع الصغير «جزى الله العنكبوت عنا خيرا، فإنها نسجت على الغار» . أقول: فيه أن في الحديث «العنكبوت شيطان فاقتلوه» وفي لفظ «العنكبوت شيطان مسخه الله فاقتلوه» فإن صح وثبت تأخره فهو ناسخ له، وإن كان متقدما على ما هنا وصح ما هنا فهو منسوخ به والله أعلم، «وبارك ﷺ على الحمامتين، وفرض جزاء الحمام وانحدرتا في الحرم فأفرختا كل شيء في الحرم من الحمام» أي ولأجل ذلك ذهب الغزالي من أئمتنا إلى صحة الوقف على حمام مكة دون غيره من الطيور وهو الراجح.

مام وانحدرتا في الحرم فأفرختا كل شيء في الحرم من الحمام» أي ولأجل ذلك ذهب الغزالي من أئمتنا إلى صحة الوقف على حمام مكة دون غيره من الطيور وهو الراجح. ونظر في الإمتاع في كون حمام الحرم من نسل ذلك الزوج، فإنه روي في قصة نوح ﵊ «أنه بعث الحمامة من السفينة لتأتيه بخبر الأرض فوقعت بوادي الحرم فإذا الماء قد نضب من موضع الكعبة، وكانت طينتها حمراء

فاختضبت رجلاها، ثم جاءته فمسح عنقها وطوّقها طوقا، ووهب لها الحمرة في رجليها، وأسكنها الحرم، ودعا لها بالبركة» . وفي شعر الحارث بن مضاض الذي أوله: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر ويبك لبيت ليس يؤذى حمامه ... يظل به أمنا وفيه العصافر ففي هذا الحمام قد كان في الحرم من عهد جرهم، أي ونوح. وذكر بعضهم «أن حمام مكة أظله ﷺ يوم فتحها، فدعا له بالبركة» . ويروى «أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لما رأى قريشا أقبلت نحو الغار خصوصا ومعهم القافة بكى، أي ويقال لما سمع القائف يقول لقريش: والله ما جاز مطلوبكم من هذا الغار حزن وبكى، وقال: والله ما على نفسي أبكي، ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره، فقال له ﷺ: لا تحزن إن الله معنا وأنزل الله تعالى سكينته على أبي بكر رضي الله تعالى عنه، أي وأنزل عليه أمنته التي تسكن عندها القلوب» قيل قال له لا تحزن ولم يقل له لا تخف، لأن حزنه على رسول الله ﷺ، وهذا النهي تأنيس وتبشير له كما في قوله تعالى له ﷺ وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ [يونس: الآية ٦٥] وبه يردّ ما زعمته الرافضة، أن ذلك غضبا من أبي بكر وذما له، لأن حزنه رضي الله تعالى عنه إن كان طاعة فالنبي ﷺ لا ينهى عن الطاعة فلم يبق إلا أنه معصية. وفي رواية عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه «قلت للنبي ﷺ ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه» أي لأنهما علوا على رؤوسهما. فعن أبي بكر قال «نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رؤوسنا فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه، فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما» .

م المشركين ونحن في الغار وهم على رؤوسنا فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه، فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما» . قال بعضهم: كان معهما وثالثهما باللفظ والمعنى؛ أما باللفظ فكان يقال: يا رسول الله ويقال لأبي بكر، يا خليفة رسول الله، وأما بالمعنى فكان مصاحبا لهما بالنصر والهداية والإرشاد، والضمير في وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها [التوبة: الآية ٤٠] راجع النبي ﷺ، وتلك الجنود ملائكة أنزلهم الله تعالى عليه في الغار يبشرونه بالنصر على أعدائه. وروي «أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه عطش في الغار، فقال له رسول الله ﷺ: اذهب إلى صدر الغار فاشرب، فانطلق أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى صدر الغار فوجد ماء أحلى من العسل وأبيض من اللبن وأزكى رائحة من المسك فشرب منه، فقال له رسول الله ﷺ: إن الله أمر الملك الموكل بأنهار الجنة أن يخرق نهرا من جنة

الفردوس إلى صدر الغار لتشرب، قال أبو بكر: يا رسول الله، ولي عند الله هذه المنزلة؟ فقال النبي ﷺ: نعم وأفضل، والذي بعثني بالحق نبيا لا يدخل الجنة مبغضك ولو كان عمله عمل سبعين نبيا» . أي وذكر بعضهم قال: «كنت جالسا عند أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فقال: من كان له عند رسول الله ﷺ عدة فليقم، فقام رجل فقال: إن رسول الله ﷺ وعدني بثلاث حثيات من تمر، فقال أرسلوا إلى عليّ فجاء، فقال: يا أبا الحسن إن هذا يزعم كذا وكذا فاحث له فحثى له، فقال أبو بكر. عدوّها، فعدوها فوجدوها كل حثية ستين تمرة لا تزيد ولا تنقص، فقال أبو بكر: صدق الله ورسوله، قال لي رسول الله ﷺ ليلة الهجرة من الغار: كفي وكف عليّ في العدد سواء» ذكر الذهبي أنه موضوع، ولعل قول الصديق صدق الله ورسوله علة لاختياره عليا على نفسه في أن يحثو، لا أن ذلك علة لكون كل حثية جاءت ستين حبة. «ولما أيست قريش منهما أرسلوا لأهل السواحل إن من أسر أو قتل أحدهما كان له مائة ناقة» أي ويقال إن أبا جهل أمر مناديا ينادي في أعلى مكة وأسفلها: من جاء بمحمد أو دل عليه فله مائة بعير، وإلى قصة الغار أشار صاحب الهمزية بقوله: أخرجوه منها وآواه غار ... وحمته حمامة ورقاء وكفته بنسجها عنكبوت ... ما كفته الحمامة الحصداء واختفى منهم على قرب مرآ ... هـ ومن شدة الظهور الخفاء أي كانوا سببا لإخراجه من تلك الأرض التي هي مولده ﷺ ومرباه ووطنه ووطن آبائه، بسبب مبالغتهم في إيذائه وإيذاء أصحابه خصوصا ضعفاءهم، وآواه غار وحمته منهم حمامة في لونها بياض وسواد، وكفته أعداءه عنكبوت بنسجها الذي كفته إياهم الحمامة الكثيرة الريش، فتلك الحمامة كانت ورقاء حصداء واستتر منهم مع قرب محل رؤيته. وحكمة خفائه واستتاره منهم مع ظهوره لهم لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه شدة ظهوره عليهم بالغلبة والمعونة الإلهية، ومكثا في الغار ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام يعرف ما يقال، يأتيهما حين يختلط الظلام ويدلج من عندهما بفجر فيصبح مع قريش كبائت في بيته فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه ويخبرهما به.

Bagian 25 dari 62