السيرة الحلبية = إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya نور الدين الحلبي (w. 1044 H).

Bagian 44 dari 62 1574 halaman

— Bagian 44 · وخمسمائة قوس عربية بجعابها، أي ووجدوا في أثناء ا… —

Bagian 44

وخمسمائة قوس عربية بجعابها، أي ووجدوا في أثناء الغنيمة صحائف متعددة من التوراة فجاءت يهود تطلبها، فأمر ﷺ بدفعها إليهم. وهو يخالف ما قاله أئمتنا أن كتبهم التي يحرم الانتفاع بها لكونها مبدلة تمحى إن أمكن أو تمزق، وتجعل في الغنيمة فتباع، إلا أن يدعى أن تلك الصحف لم تكن مبدلة، وغيبوا الجلد الذي كان فيه حليّ بني النضير، أي وعقود الدر والجوهر الذي جلوا به، لأنهم لما جلوا كان سلام بن أبي الحقيق رافعا له ليراه الناس وهو يقول بأعلى صوته: هذا أعددناه لرفع الأرض وخفضها كما تقدم، فقال رسول الله ﷺ لسعية بن عمرو: أي وهو عمّ حيي بن أخطب. وفي لفظ: سعية بن سلام بن أبي الحقيق. وفي الإمتاع: وسأل ﷺ كنانة بن أبي الحقيق: أين مسك: أي جلد حيي بن أخطب، أي وإنما نسب إليه الجلد المذكور، فقيل كنز حيي، لأن حييا كان عظيم بني النضير، وإلا فهو لا يكون إلا عند بني الحقيق، فقال: أذهبته الحروب والنفقات، فدفع رسول الله ﷺ سعية بن عمرو للزبير رضي الله تعالى عنه فمسه بعذاب، فقال: رأيت حييا يطوف في خربة هاهنا فذهبوا إلى الخربة، ففتشوها فوجدوا ذلك الجلد. قال: وفي رواية أنه ﷺ أتي بكنانة، وهو زوج صفية تزوجها بعد أن طلقها سلام بن مشكم، وبالربيع أخوه، فقال لهما رسول الله ﷺ: أين آنيتكما التي كنتم تعيرونها أهل مكة، أي لأن أعيان مكة إذا كان لأحدهم عرس ويرسلون فيستعيرون من ذلك الحلي انتهى، أي والآنية والكنز عبارة عن حلي كان أولا في جلد شاة، ثم كان لكثرته في جلد ثور، ثم كان لكثرته في جلد بعير كما تقدم فقالا: أذهبته النفقات والحروب، فقال ﷺ: العهد قريب، والمال أكثر من ذلك، إنكما إن كتمتماني شيئا فاطلعت عليه استحللت دماءكما وذراريكما، فقالا: نعم، فأخبره الله بموضع ذلك الحلي، أي فإنه ﷺ قال لرجل من الأنصار: اذهب إلى محل كذا وكذا، ثم ائت النخل، فانظر نخلة عن يمينك أو قال عن يسارك مرفوعة فائتني بما فيها فانطلق فجاءه بالآنية.

أي فإنه ﷺ قال لرجل من الأنصار: اذهب إلى محل كذا وكذا، ثم ائت النخل، فانظر نخلة عن يمينك أو قال عن يسارك مرفوعة فائتني بما فيها فانطلق فجاءه بالآنية. ويمكن الجمع بين هذا وما تقدم وما يأتي أنهم فتشوا عليه في خربة حتى وجدوه، بأن التفتيش كان في أول الأمر، وإعلام الله تعالى له بذلك كان بعد، فجيء به فقوم بعشرة آلاف دينار؛ أي لأنه وجد فيه أساور ودمالج وخلاخيل وأقرطة وخواتيم الذهب، وعقود الجوهر والزمرد، وعقود أظفار مجزع بالذهب، فضرب أعناقهما وسبى أهلهما. أي وفي لفظ آخر: لما فتحت خيبر أتي رسول الله ﷺ بكنانة بن الربيع وفي لفظ: ابن ربيعة بن أبي الحقيق، وكان عنده كنز بني النضير، فسأله ﷺ عنه، فجحد

أن يكون يعلم مكانه، فأتى رسول الله ﷺ رجل من اليهود فقال: إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة، أي فإن كنانة حين رأى النبي ﷺ فتح حصن النطاة وتيقن ظهوره عليهم دفنه في خربة. أي وفيه أن هذا لا يناسب ما سبق من أن حييا كان يطيف بتلك الخربة، إلا أن يقال جاز أن يكون دفنه في تلك الخربة في محل آخر غير الذي دفنه فيه حيي، فقال رسول الله ﷺ لكنانة: أرأيت إن وجدته عندك أقتلك؟ قال نعم، فأمر رسول الله ﷺ بالخربة فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله ما بقي فأبى أن يؤديه، فأمر به الزبير رضي الله تعالى عنه فقال: عذبه حتى نستأصل ما عنده، فكان الزبير رضي الله تعالى عنه يقدح بزند، أي بالزناد الذي يستخرج به النار على صدره حتى أشرف على نفسه. وأخذ منه جواز العقوبة لمن يتهم ليقر بالحق، فهو من السياسة الشرعية، ثم دفعه ﷺ لمحمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه فضرب عنقه بأخيه محمود. أي ولا مانع أن يكون السؤال وتعذيب الزبير وقع لسعية وكنانة أيضا.

ن السياسة الشرعية، ثم دفعه ﷺ لمحمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه فضرب عنقه بأخيه محمود. أي ولا مانع أن يكون السؤال وتعذيب الزبير وقع لسعية وكنانة أيضا. وأمر رسول الله ﷺ بالغنائم: أي التي غنمت قبل الصلح فجمعت، وأصاب رسول الله ﷺ سبايا منها صفية رضي الله تعالى عنها بنت حيي بن أخطب، من سبط هارون بن عمران أخي موسى عليهما الصلاة والسلام، فاصطفى رسول الله ﷺ صفية لنفسه، وجعلها عند أم سليم التي هي أم أنس خادمه ﷺ حتى اهتدت وأسلمت، ثم أعتقها ﷺ وتزوجها وجعل عتقها صداقها: أي أعتقها بلا عوض وتزوجها بلا مهر لا في الحال ولا في المآل: أي لم يجعل لها شيئا غير العتق. وقد سئل أنس رضي الله تعالى عنه صفية، فقيل له: يا أبا حمزة ما أصدقها؟ قال: نفسها، أعتقها وتزوجها، وهذا يردّ ما استدلّ به بعض فقهائنا: على أن من خصائصه ﷺ جواز نكاح الأمة الكتابية، وجواز وطئها بملك اليمين من أنه ﷺ كان يطأ صفية قبل إسلامها بملك اليمين. ويرد أيضا على من استدل من فقهائنا على استحباب الوليمة للسرية، بأنه ﷺ أو لم على صفية كما علمت أنها زوجة لا سرية. أي لكن ذكر بعض فقهائنا أنه ﷺ لما أو لم على صفية رضي الله تعالى عنها، قالوا: إن لم يحجبها فهي أم ولد، وإن حجبها فهي امرأته، وذلك دليل على استحباب الوليمة للسرية، إذ لو اختصت بالزوجة لم يترددوا في كونها زوجة أو سرية، وذلك بعد أن خيرها ﷺ بين أن يعتقها فترجع إلى من بقي من أهلها، أو تسلم فيتخذها لنفسه، فقالت: أختار الله ورسوله.

وذكر في الأصل أن جعل عتق الأمة صداقها من خصائصه ﷺ، وقد ذكره الجلال السيوطي في الخصائص الصغرى. وذهب الإمام أحمد ﵀ إلى عدم الخصوصية. وقال ابن حبان: لم ينقل دليل على أنه خاص به ﷺ دون أمته. وقيل إن دحية الكلبي رضي الله تعالى عنه سأل رسول الله ﷺ صفية فوهبها له، وقيل وقعت في سهمه رضي الله تعالى عنه، ثم ابتاعها ﷺ منه بتسعة أرؤس، أي وإطلاق الشراء في ذلك على سبيل المجاز، على أنه يخالف ما تقدّم أنها من صفية ﷺ قبل القسمة. وفي البخاري «فجمع السبي فجاء دحية رضي الله تعالى عنه فقال: يا نبي الله أعطني جارية من السبي، فقال: اذهب فخذ جارية، فأخذ صفية بنت حيي، فجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أعطيت دحية صفية سيدة قريظة والنضير، لا تصلح إلا لك، فقال: ادعوه بها، فجاء بها، فلما نظر إليها النبي ﷺ قال: خذ جارية من السبي غيرها» أي فأخذ غيرها. أي والتي أخذها غيرها هي أخت كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق زوج صفية كما في الأم لإمامنا الشافعي ﵁ عن سيرة الواقدي، وقول الرجل للنبي ﷺ يا نبي الله أعطيت دحية صفية يدل على أنه اسمها، وحينئذ يخالف ما قيل إن اسمها زينب فسماها ﷺ صفية كما تقدم. وفي رواية أن صفية سبيت هي وبنت عمّ لها، وأن بلالا جاء بهما فمرّ على قتلى يهود، فلما رأتهم بنت عم صفية صاحت وصكت وجهها وحثت التراب على رأسها، فلما رآها ﷺ قال: اعزبوا عني هذه الشيطانة، وقال ﷺ لبلال: أنزعت منك الرحمة يا بلال حتى تمرّ بامرأتين على قتلى رجالهما؟ ثم دفع ﷺ بنت عمها لدحية الكلبي رضي الله تعالى عنه، وفي رواية: وأعطى دحية بنت عمها عوضا عنها.

ت منك الرحمة يا بلال حتى تمرّ بامرأتين على قتلى رجالهما؟ ثم دفع ﷺ بنت عمها لدحية الكلبي رضي الله تعالى عنه، وفي رواية: وأعطى دحية بنت عمها عوضا عنها. أي وقد جاء أنه ﷺ لما دخل بصفية رأى بأعلى عينها خضرة فقال: ما هذه الخضرة؟ قالت: كان رأسي في حجر بن أبي الحقيق- تعني زوجها، أي وهي عروس- وأنا نائمة، فرأيت كأن القمر وقع في حجري، فأخبرته بذلك، فلطمني وقال: تتمني ملك العرب، وفي لفظ: حين نزل رسول الله ﷺ خيبر وكنت عروسا رأت كأن الشمس نزلت حتى وقعت على صدرها فقصت ذلك على زوجها قال: والله ما تتمنين إلا هذا الملك الذي نزل بنا فلطم وجهها لطمة اخضرت عينها منها. ولا مانع من تعدد الرؤية أو أنها رأت الشمس والقمر في وقت واحد، وسيأتي في الكلام على زوجاته ﷺ أنها قصت ذلك على أبيها ففعل بها ذلك، وسيأتي أنه لا مانع من تعدد الواقعة وأنهما فعلا بها ذلك.

وتقدم أن جويرية رضي الله تعالى عنها رأت القمر أيضا وقع في حجرها، وكون صفية رضي الله تعالى عنها كانت عروسا عند مجيئه ﷺ خيبر ربما يدل على أن سلام بن مشكم طلقها قبل الدخول بها، فقد تقدّم أن كنانة تزوّج بها بعد أن طلقها سلام بن مشكم فليتأمل. وعن صفية ﵂ أنها قالت «انتهيت إلى رسول الله ﷺ وما من الناس أحد أكره إليّ منه قتل أبي وزوجي وقومي، فقال ﷺ: يا صفية أما إني أعتذر إليك مما صنعت بقومك، إنهم قالوا لي كذا وكذا، وقالوا فيّ كذا وكذا، وفي رواية: إن قومك صنعوا كذا وكذا، وما زال ﷺ يعتذر إليّ حتى ذهب ذلك من نفسي، فما قمت من مقعدي ومن الناس أحد أحب إليّ منه ﷺ» وأعرس بها رسول الله ﷺ بعد أن طهرت من الحيض في قبة بعد أن دفعها ﷺ لأم سليم لتصلح من شأنها، وبات تلك الليلة أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى متوشحا سيفه يحرسه ويطوف بتلك القبة حتى أصبح رسول الله ﷺ، فرأى مكان أبي أيوب، فقال: ما لك يا أبا أيوب؟ قال: يا رسول الله خفت عليك من هذه المرأة، قتلت أباها وزوجها وقومها وهي حديثة عهد بكفر، فبت أحفظك، فقال: اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني. قال السهيلي ﵀: فحرس الله أبا أيوب بهذه الدعوة، حتى إن الروم لتحرس قبره ويستشفون به فيستصحون، أي ويستسقون به فيسقون.

لهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني. قال السهيلي ﵀: فحرس الله أبا أيوب بهذه الدعوة، حتى إن الروم لتحرس قبره ويستشفون به فيستصحون، أي ويستسقون به فيسقون. فإن غزا مع يزيد بن معاوية سنة خمسين، فلما بلغوا القسطنطينية مات أبو أيوب ﵁ هنالك، فأوصى يزيد أن يدفنه في أقرب موضع من مدينة الروم، فركب المسلمون ومشوا به حتى إذا لم يجدوا مكانا مساغا دفنوه، فسألتهم الروم عن شأنهم، فأخبروهم أنه كبير من أكابر الصحابة، فقالت الروم ليزيد: ما أحمقك وأحمق من أرسلك أأمنت أن ننبشه بعدك، فنحرق عظامه، فحلف لهم يزيد لئن فعلتم ذلك ليهدمن كل كنيسة بأرض العرب، وينبش قبورهم، فحينئذ حلفوا بدينهم ليكرمن قبره وليحرسنه ما استطاعوا. أي وجاء أنه ﷺ لما قطع ستة أميال من خيبر وأراد أن يعرس بها فأبت، فوجد النبي ﷺ في نفسه، فلما سار ووصل الصهباء مال إلى دومة هناك فطاوعته، فقال لها: ما حملك على إبائك حين أردت المنزل الأول؟ قالت: يا رسول الله خشيت عليك قرب يهود، وهذا المحل الذي هو الصهباء هو الذي ردت فيه الشمس لعليّ بعد ما غربت كما تقدم. وأقام ﷺ بذلك المحل ثلاثة أيام، وجعل وليمتها حيسا في نطع صغير، والحيس: تمر وأقط وسمن. أي ففي البخاري «فأصبح النبي ﷺ عروسا، فقال: من كان عنده شيء فليجيء به وبسط نطعا، فجعل الرجل يجيء بالتمر، وجعل الرجل

يجيء بالسمن، أي وجعل الرجل يجيء بالأقط، وذكر أيضا السويق» . ولا يخفى أن الحيس خلط السمن والتمر والأقط إلا أنه قد يخلط مع هذه الثلاثة السويق، وهذا يدل على أن الوليمة على صفية رضي الله تعالى عنها كانت نهارا. وذهب ابن الصلاح من أئمتنا إلى أن الأفضل فعلها ليلا، قال بعضهم: وهو متجه إن ثبت أنه ﷺ فعلها ليلا، أي لأحد من نسائه. وقد جاء «لا بد للعرس من وليمة» . وقال لأنس: آذن من حولك: أي ليأكلوا من ذلك الحيس، وكان ﷺ يضع لها ركبته لتركب، فتضع رجلها على ركبته الشريفة حتى تركب. وفي لفظ: لما وضع ﷺ ركبته لتركب عليها أبت أن تضع قدمها على ركبته الشريفة ووضعت فخذها على ركبته، أي ولعل هذا الثاني منها كان في أول الأمر، فلا مخالفة. وعن صفية رضي الله تعالى عنها: ما رأيت أحدا قط أحسن خلقا من رسول الله ﷺ، لقد رأيته ركب بي في خيبر وأنا على عجز ناقته ليلا، فجعلت أنعس فتضرب رأسي مؤخرة الرحل فيمسني بيده ويقول: يا هذه مهلا. ونهى ﷺ عن إتيان الحبالى من النساء اللاتي سبين، وأن لا يصيب أحد امرأة من السبي غير حامل حتى يستبرئها أي تحيض. أي وفي لفظ: أمر ﷺ مناديه ينادي أن من آمن بالله واليوم الآخر لا يسق بمائة زرع الغير، ولا يطأ امرأة حتى تنقضي عدتها: أي حتى تحيض. وبلغه ﷺ عن شخص أنه ألمّ بامرأة من السبي حبلى، فقال: لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره. ونهى ﷺ عن أكل الثوم. ورأيت في كلام بعضهم أن غالب اقتياتهم في خيبر كان أكل الثوم والكراث حتى تقرحت أشاقهم، أي وذلك قبل النهي. ثم رأيت في الترغيب والترهيب عن أبي ثعلبة أنه غزا مع رسول الله ﷺ خيبر فوجدوا في جنانها بصلا وثوما فأكلوا منه وهم جياع، فلما راح الناس إلى المسجد إذا ريح بصل وثوم، فقال النبي ﷺ «من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربنا» وليس في ذلك نهي عن أكل الثوم والبصل: أي مطلقا، إنما النهي عن إتيان المسجد لمن أكلهما تأمل. ومن ثم جاء أنه لما قال ذلك ﷺ قال الناس حرم ذلك، فلما بلغه ﷺ ما قالوا، قال: أيها الناس؛ إنه ليس لنا تحريم ما أحل الله ولكنها شجرة أكره ريحها. وعن فرقد السنجي «ما أكل نبي قط ثوما ولا بصلا» .

رم ذلك، فلما بلغه ﷺ ما قالوا، قال: أيها الناس؛ إنه ليس لنا تحريم ما أحل الله ولكنها شجرة أكره ريحها. وعن فرقد السنجي «ما أكل نبي قط ثوما ولا بصلا» .

ونهى ﷺ عن متعة النساء. ففي مسلم عن علي ﵁ «أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر» . قال بعضهم: والراجح أن النهي عن متعة النساء لم يكن في خيبر، فإنه شيء لم يعرفه أهل السير ولا رواه أهل الأثر، ويدل لذلك ما قيل إن ثنية الوداع إنما سميت بذلك، لأنهم فيها ودّعوا النساء اللاتي تمتعوا بهنّ في خيبر، أي وإنما كان تحريمها عام الفتح، أي ولا معارضة لأنه أحل بعد ذلك: أي بعد خيبر في عام الفتح، ثم حرم فيه بعد ثلاثة أيام كما سيأتي. وقيل حرمت في حجة الوداع، وقيل في غزوة أوطاس، وهذا هو الصحيح، وسيأتي في غزوة الفتح الجمع بين هذه الأقوال. قال السهيلي ﵀: وأغرب ما روي في ذلك رواية من قال إن ذلك كان في غزوة تبوك. وفي حديث خرجه أبو داود أن تحريم نكاح المتعة كان في حجة الوداع، ومن قال من الرواة إنه كان في غزوة أوطاس فهو موافق لمن يقول إنه كان عام الفتح، هذا كلامه. وعن إمامنا الشافعي ﵁: لا أعلم شيئا حرم ثم أبيح ثم حرم إلا المتعة، أي فقد حرمت مرتين. ونقل السهيلي ﵀ وغيره عن بعضهم أنها أبيحت وحرمت ثلاث مرات. وعن بعضهم أنها أبيحت وحرمت أربع مرات، ولينظر هذا مع قول بعضهم إن أوّل من حرم المتعة سيدنا عمر ﵁. وقيل لم يحرمها ﷺ مطلقا، بل عند الاستغناء عنها. وأباحها عند الحاجة إليها: أي عند خوف الزنا، وبذلك كان يفتي ابن عباس ﵄. وفي كلام فقهائنا: والنهي عن نكاح المتعة في خبر الصحيحين الذي لو بلغ ابن عباس ﵄ لم يستمرّ على القول بإباحتها لمن خاف الزنا مخالفا في ذلك لكافة العلماء. وقد وقعت مناظرة في المتعة بين القاضي يحيى بن أكثم وأمير المؤمنين المأمون؛ فإن المأمون نادى بإباحة المتعة، فدخل عليه يحيى بن أكثم وهو متغير اللون بسبب ذلك وجلس عنده، فقال له المأمون: ما لي أراك متغيرا؟ قال: لما حدث في الإسلام، قال: وما حدث؟ قال: النداء بتحليل الزنا، قال: المتعة زنا؟

متغير اللون بسبب ذلك وجلس عنده، فقال له المأمون: ما لي أراك متغيرا؟ قال: لما حدث في الإسلام، قال: وما حدث؟ قال: النداء بتحليل الزنا، قال: المتعة زنا؟ قال: نعم المتعة زنا، قال: ومن أين لك هذا؟ قال: من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ. أما الكتاب، فقد قال الله تعالى قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) [المؤمنون: الآية ١] إلى قوله وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ

فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) [المؤمنون: الآيات ٥- ٧] يا أمير المؤمنين زوجة المتعة ملك يمين؟ قال: لا، قال: أفهي الزوجة التي عند الله ترث وتورث ويلحق بها الولد؟ قال: لا، قال: فقد صار متجاوز هذين من العادين. وأما السنة، فقد روى الزهري بسنده إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال «أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها بعد أن كان أمر بها» فالتفت المأمون للحاضرين وقال: أتحفظون هذا من حديث الزهري؟ قالوا: نعم يا أمير المؤمنين، فقال المأمون: أستغفر الله، نادوا بتحريم المتعة. ونهى ﷺ في خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، أي فإنهم أصابهم جوع فجودوا الحمر الأهلية، أي ثلاثين حمارا خرجت من بعض الحصون، وقيل لم يدخلوها الحصون، فأخذها رهط من المسلمين وذبحوها وجعلوا لحومها في القدور والبرام، وجعلوا يطبخونها للأكل، فمرّ بهم النبي ﷺ فسألهم عما في القدور والبرام، قالوا: لحوم الحمر الإنسية: أي المخالطة للإنس، فنهاهم ﷺ عن أكلها حتى أن القدور أكفئت وإنها لتفور» . أي وفي البخاري «أن النبي ﷺ رأى نيرانا توقد يوم خيبر، قال: علام توقد هذه النيران؟ قالوا: على الحمر الإنسية، قال: اكسروها وأهريقوها، قالوا: ألا نهريقها ونغسلها؟ قال: اغسلوها» . وفي رواية «أنه ﷺ قال: ما هذه النيران، على أي شيء توقد؟ قالوا: على لحم، قال: على أي لحم؟ قالوا: على لحم حمر إنسية، فقال رسول الله ﷺ: أهريقوها واكسروها، فقال رجل: يا رسول الله أو نهريقها ونغسلها؟ فقال أو ذاك» وعدوله ﷺ إلى هذا الثاني إما باجتهاد أو وحي.

م حمر إنسية، فقال رسول الله ﷺ: أهريقوها واكسروها، فقال رجل: يا رسول الله أو نهريقها ونغسلها؟ فقال أو ذاك» وعدوله ﷺ إلى هذا الثاني إما باجتهاد أو وحي. وجاء «أنه ﷺ عند ذلك أمر عبد الله بن عوف أن ينادي في الناس أن لحوم الحمر الأهلية لا تحل لمن يشهد أن محمد رسول الله، وأمر أن تكفأ القدور ولا يأكلون من لحوم القدور شيئا» . وفي مسلم «فأمر رسول الله ﷺ أبا طلحة فنادى: إن رسول الله ﷺ ينهاكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس أو نجس» وهذا السياق كله يدل على أنهم لم يأكلوا منها شيئا. وفي السيرة الهشامية: «وأكل المسلمون من لحوم الحمر، فقام رسول الله ﷺ فنهى الناس عن أمور سماها لهم» وهذا يرد القول بأنه إنما نهى عن أكلها للحاجة إليها، أو لأنها أخذت قبل القسمة. وروى أبو داود بإسناد على شرط مسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه «ذبحنا

يوم خيبر الخيل والبغال، ولم ينهنا رسول الله ﷺ عن الخيل» وفي رواية «ورخص في أكل الخيل» أي أباح أكلها. وفي مسلم عن أسماء ﵂، قالت «نحرنا فرسا على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه» أي وعلم رسول الله ﷺ بذلك ولم ينكره. وعن خالد بن الوليد ﵁ «أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية والبغال والخيل» . قال السهيلي ﵀: وحديث الإباحة أصح، وجاء «أنه ﷺ نهى يوم خيبر عن أكل لحم الجلالة وعن ركوبها، حتى تعلف أربعين يوما» والجلالة: التي تأكل الجلة، وهي الروث والعذرة. وذكر الهروي «أنه ﷺ كان لا يأكل الدجاج الجلالة حتى تقصر» أي تحبس ثلاثة أيام. وذكر فقهاؤنا أن الحمر الأهلية حللت بعد تحريمها، ثم حرمت فليتأمل. ونهى ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع، أي وذي مخلب من الطير وعن بيع المغانم حتى تقسم، وجعلت له ﷺ مائدة فأكل متكئا وأطلى بالنورة، وكان ينوّره الرجل، فإذا بلغ عانته تولى ذلك ﷺ بيده الشريفة. وروى ابن ماجه بسند جيد كما قاله الحافظ ابن كثير «أنه ﷺ كان إذا طلى بدأ بعورته فطلاها وطلى سائر جسده أهله» وحينئذ يكون المراد بعانته في الرواية السابقة العورة على أن تلك الرواية مرسلة فلا يحتج بذلك لمن يقول إن العورة ما عدا السوءتين. وأخرج الإمام أحمد عن عائشة ﵂ «أنها قالت: أطلى رسول الله ﷺ بالنورة، فلما فرغ منها قال: يا معشر المسلمين عليكم بالنورة فإنها طيبة وطهور، وإن الله تعالى يذهب بها عنكم أوساخكم وأشعاركم» أي فهو من نعيم الدنيا، ومن ثم كرهه عمر ﵁. وعن ثوبان مولى رسول الله ﷺ لما قيل له وقد دخل الحمام: أتدخل الحمام وأنت صاحب رسول الله ﷺ؟ فقال: كان رسول الله ﷺ يدخل الحمام. وعن ابن عمر ﵄ «أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر وعمر ﵄: طاب حمامكما» وجاء «أنه ﷺ كان يتنوّر كل شهر، ويقلم أظفاره كل خمسة عشر يوما» وما ورد أنه ﷺ لم يتنور فهو ضعيف معارض بما هو أقوى منه وأكثر عددا، على أن المثبت مقدّم على النافي. أي وفي الينبوع: وقول أنس ﵁ إن النبي ﷺ كان لا يتنوّر وكان يحلق محمول على الغالب من أمره ﷺ. وفي الخصائص الصغرى، وقال ابن عباس ﵄: ما تنور نبي قط.

نافي. أي وفي الينبوع: وقول أنس ﵁ إن النبي ﷺ كان لا يتنوّر وكان يحلق محمول على الغالب من أمره ﷺ. وفي الخصائص الصغرى، وقال ابن عباس ﵄: ما تنور نبي قط.

وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁ «أن النبي ﷺ وقت لقص الشارب وتقليم الأظفار أن لا يدع ذلك أربعين يوما» أي وكان ﷺ يقص أظفاره كل خمسة عشر يوما كما تقدم. وقد أستفيد من هذا كما قال بعضهم فائدة نفيسة وهي ذكر التوقيت للتنوّر وقص الأظفار. قال بعضهم: وفيه نظر، فإن بدنه ﷺ كان في غاية الاعتدال فلا يقاس به ﷺ غيره في ذلك، نظير ما قالوه فيما صح «أنه ﷺ كان يوضئه المدّ، ويغسله الصاع» إن ذلك خاص ببدن من يكون بدنه كبدنه ﵊ نعومة واعتدالا، وإلا زيد ونقص المتفاوت فكذلك هنا، ومن ثم قال الأئمة ﵏ في نحو حلق العانة ونتف الإبط والقلم للظفر وقص الشارب: إن ذلك لا يتقيد بمدة، بل يختلف باختلاف الأبدان والمحالّ، فيعتبر وقت الحاجة إلى إزالة ذلك. وبهذا يردّ على من قال يكره التنور في أقل من شهر، وقدم عليه ﷺ بخيبر الأشعريون، أي ومنهم أبو موسى الأشعري ﵁، والدوسيون ومنهم أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، فسأل ﷺ أصحابه ﵃ أن يشركوهم في الغنيمة ففعلوا. قال: وعن موسى بن عقبة ﵀ أن أحد الأشعريين ومن ذكر معهم: أي وهم الدوسيون من هذين الحصنين اللذين فتحا صالحا، وتكون مشاورة رسول الله ﷺ في إعطائهم ليست استنزالا لهم عن شيء من حقهم، وإنما هي المشورة العامة: أي المأمور بها في قوله تعالى وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: الآية ١٥٩] انتهى. أقول: وهذا صريح في أن ذلك كان فيئا له ﷺ، فهما وما فيهما مما أفاء الله عليه ﷺ، لأن الفيء ما جلوا عنه من غير قتال؛ أي من غير مصافة للقتال. والحاصل أن أرض خيبر ونخلها غنيمة، لأنه ﷺ غلب على النخل والأرض، وألجأهم إلى الحصون، وفتح جميع الحصون عنوة إلا الوطيح، والسلالم فإنهما فتحا صالحا على حقن دماء المقاتلة وترك الذرية لهم، بشرط أن لا يكتموه شيئا من أموالهم، وأن من كتم شيئا انقض ذلك الصلح له بالنسبة لدمه وذراريه. وهذان الحصنان هما المرادان بالكثيبة في قول بعضهم: كان ﷺ يطعم من الكثيبة أهله لما علمت أنهما من حصونها، وأنهما وما فيهما مما أفاء الله عليه.

وذراريه. وهذان الحصنان هما المرادان بالكثيبة في قول بعضهم: كان ﷺ يطعم من الكثيبة أهله لما علمت أنهما من حصونها، وأنهما وما فيهما مما أفاء الله عليه. وكونه ﷺ كان يطعم أهله مما فيهما واضح. وأما إذا كان المراد يطعم من الأرض والنخيل المتعلقين بالحصنين فقد يتوقف فيه، لما تقدم أن أرض خيبر ونخلها غنيمة وذلك شامل للأرض والنخيل المتعلقين بالحصنين فليتأمل والله أعلم. وفي لفظ: وقدم عليه ﷺ بعد فتح خيبر جعفر بن أبي طالب ﵁ من

أرض الحبشة ومعه الأشعريون، أبو موسى الأشعري وأخواه أبو رهم وأبو بردة ﵃، وكان أبو موسى أصغرهم وأقواهم وكان قوم جعفر بالحبشة، أي لأنهم هاجروا إلى الحبشة من اليمن كما تقدم، وقبل قدومهم إليه ﷺ قال ﷺ «يقدم عليكم قوم هم أرق منكم قلوبا» فقدم الأشعريون، وذكر أنهم عند مجيئهم صاروا يقولون: غدا نلقى الأحبة محمدا وحزبه وفي كلام بعضهم ما يفيد أنه ﷺ قال في حقهم «أتاكم أهل اليمن، هم أضعف قلوبا، وأرق أفئدة، الفقه يمان، والحكمة يمانية» . ولما أقبل عليه ﷺ جعفر ﵁ قام ﷺ إلى جعفر وقبله بين عينيه وفي رواية «قبل جبهته» . أي وعن ابن عباس ﵄ «لما قدم جعفر ﵁ من أرض الحبشة اعتنقه النبي ﷺ وقبل بين عينيه» وجعل ذلك أصلا لاستحباب المعانقة. وقال بعضهم: إنها مكروهة، وحديث جعفر يحتمل أن يكون قبل النهي عنها، فإنه نهى عن المعاكمة وهي المعانقة، وحمل ذلك بعضهم على ما إذا كانت المعانقة من غير حائل. أقول: لم يجب بذلك سيدنا مالك ﵁، فإنه لما قدم عليه سفيان بن عيينة ﵁ صافحه مالك وقال له: لولا أنها بدعة لعانقتك، فقال له سفيان: قد عانق من هو خير منك ومني النبي ﷺ، قال مالك: تعني جعفر بن أبي طالب؟ قال نعم، قال: ذلك حبيب خاص ليس بعامّ، أي فذلك من خصوصياته، فقال له سفيان: ما عم جعفرا يعمنا، وما يخصه يخصنا، أي فالأصل عدم الخصوصية، ثم قال له سفيان: أتأذن لي أن أحدثك بحديثك. قال نعم، فقال: حدثني فلان عن فلان عن ابن عباس ﵄، وذكر الحديث المتقدم عنه، وقد جاء أنه ﷺ التزم زيد بن حارثة ﵁ حين قدم عليه من مكة. وأما المصافحة، فقد جاء «أن أهل اليمن لما قدموا المدينة صافحوا الناس بالسلام، فقال النبي ﷺ: إن أهل اليمن قد سنوا لكم المصافحة» وقال «من تمام محبتكم المصافحة» وقال ﷺ لصفوان بن أمية لما قدم عليه «وإلى عدي بن حاتم» . قال السهيلي: وليس هذا معارضا لحديث «من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» لأن هذا الوعيد إنما توجه للمتكبرين وإلى من يغضب أن لا يقام له، وكان ﷺ يقوم لفاطمة ﵂ وكانت تقوم له ﷺ هذا كلامه، والله أعلم.

ما فليتبوأ مقعده من النار» لأن هذا الوعيد إنما توجه للمتكبرين وإلى من يغضب أن لا يقام له، وكان ﷺ يقوم لفاطمة ﵂ وكانت تقوم له ﷺ هذا كلامه، والله أعلم. ولما رآه ﷺ جعفر حجل: أي مشى على رجل واحدة إعظاما لرسول الله ﷺ، لأن أهل الحبشة يفعلون ذلك للتعظيم، وكان رسول الله ﷺ يقول له «أشبهت خلقي

وخلقي» وفي لفظ «جعفر أشبه الناس بي خلقا وخلقا» وكان ﷺ يسميه أبا المساكين، لأنه ﵁ كان يحب المساكين ويجلس إليهم ويحدثهم ويحدثونه. وذكر بعضهم أنه لما قال له ﷺ «أشبهت خلقي وخلقي» رقص من لذة هذا الخطاب، ولم ينكر عليه ﷺ رقصه، وجعل ذلك أصلا لجواز رقص الصوفية عند ما يجدونه من لذة المواجيد من مجالس الذكر والسماع، ثم قال ﷺ «والله ما أدري بأيهما أفرح؟ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟» ﵁. وقيل قدم مع جعفر ﵁ سبعون رجلا عليهم ثياب الصوف، منهم اثنان وستون من الحبشة، وثمانية روميون من أهل الشام. وفي لفظ: قدم معه سبعون كافرا أصحاب الصوامع، وقيل كانوا أربعين رجلا: اثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية روميون من أهل الشام. وقيل كانوا ثمانين رجلا أربعون من أهل نجران، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية روميون من أهل الشام، فقرأ عليهم رسول الله ﷺ سورة يس إلى آخرها فبكوا وأسلموا، وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى ﵊. أي ولعل هؤلاء الذين من الحبشة هم المرادون بقول بعضهم: ووفد إليه وفد النجاشي، فقام ﷺ يخدمهم بنفسه، فقال له أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله، فقال: إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وإني أحب أن أكافئهم. وفي لفظ: وقدم عليه أيضا أبو هريرة ﵁ وطائفة من قومه، وهم دوس كما تقدم.

نحن نكفيك يا رسول الله، فقال: إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وإني أحب أن أكافئهم. وفي لفظ: وقدم عليه أيضا أبو هريرة ﵁ وطائفة من قومه، وهم دوس كما تقدم. قال أبو هريرة ﵁: «قدمنا المدينة ونحن ثمانون بيتا من دوس فصلينا الصبح خلف سباع بن عرفطة الغفاري، فأخبرنا أن النبي ﷺ بخيبر: فزودنا سباع، ثم جئنا خيبر وهو محاصر الكثيبة فأقمنا حتى فتح الله: أي وكان من جملة من قدم معهم من بلاد الحبشة أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵄ زوج النبي ﷺ، تزوجها: أي عقد عليها وهي بالحبشة، فإنها كانت ممن هاجر الهجرة الثانية للحبشة مع زوجها عبد الله بن جحش فارتد عن الإسلام هناك وتنصر ومات على ذلك، وبقيت هي على إسلامها كما تقدم. وقد أرسل ﷺ عمرو بن أمية الضمري ﵁ في المحرم افتتاح سنة سبع إلى النجاشي ليزوجها منه ﷺ، قالت أم حبيبة ﵂: رأيت في المنام كأن قائلا يقول لي: يا أم المؤمنين ففزعت، فأولتها بأن رسول الله ﷺ يتزوجني، قالت: فما شعرت إلا وقد دخلت عليّ جارية النجاشي، فقالت لي: إن الملك يقول لك: كتب إليه إن رسول الله ﷺ أن يزوجك منه، فقلت لها: بشره الله بالخير، ويقول لك: وكلي من يزوجك، فأرسلت بالوكالة إلى خالد بن سعيد ﵁، أي وأعطت تلك الجارية سوارين وخدمتين، أي خلخالين وخواتيم فضة سرورا بما بشرت به، فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي

طالب ومن معه من المسلمين فحضروا وخطب النجاشي ﵁، فقال «الحمد لله الملك القدوس» أي في لفظ بدل ذلك «المؤمن المهيمن، العزيز الجبار. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم ﵊ أما بعد- فإن رسول الله ﷺ كتب إلى أن أزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، فأجبنا إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ، وقد أصدقها أربعمائة دينار، أي وفي لفظ أربعمائة مثقال ذهب ثم سكب الدنانير بين يدي القوم، فتكلم خالد بن سعيد بن العاص ﵁، فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. أما بعد: فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فبارك الله لرسول الله ﷺ» ، أي ودفع النجاشي الدنانير لخالد بن سعيد، فقبضها منه، وقيل إنه أنقدها لها النجاشي على يد جاريته التي بشرتها، فلما جاءتها بتلك الدنانير أعطتها خمسين دينارا. وقد يقال: يجوز أن يكون النجاشي استردها من خالد ثم دفعها لتلك الجارية، أو أمر خالد بن سعيد بدفعها للجارية لتدفعها لأم حبيبة فلا مخالفة، وهذا السياق يدل على أن النجاشي كان هو الوكيل عنه ﷺ. وفي كلام بعض فقهائنا أنه ﷺ وكل عمرو بن أمية في نكاح أم حبيبة. وقد يقال: معنى توكيل عمرو إرساله بالوكالة للنجاشي، أي ثم لما أرادوا أن يقوموا بعد العقد قال لهم النجاشي: اجلسوا، فإن من سنن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج؛ فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا، قالت أم حبيبة ﵂: فلما كان من الغد جاءتني جارية النجاشي فردت عليّ جميع ما أعطيتها وقالت: إن الملك عزم عليّ أن لا أرزأك شيئا، وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بكل ما عندهن من العطر، فجاءت بورس وعنبر وزباد كثير، وقالت:

يع ما أعطيتها وقالت: إن الملك عزم عليّ أن لا أرزأك شيئا، وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بكل ما عندهن من العطر، فجاءت بورس وعنبر وزباد كثير، وقالت: حاجتي إليك أن تقرئي رسول الله ﷺ مني السلام وتعلميه أني قد اتبعت دينه، وكانت كلما دخلت عليّ تقول لا تنسي حاجتي إليك، ثم أرسل النجاشي أم حبيبة مع شرحبيل ابن حسنة، أي قالت أم حبيبة: ولما دخلت على رسول الله ﷺ أخبرته كيف كانت الخطبة وما فعلت معي جارية النجاشي وأقرأته منها السلام، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: وعليها السلام ورحمة الله وبركاته. وجاء «أنه لما رجعت إليه ﷺ مهاجرة الحبشة قال: ألا تخبروني بأعجب شيء رأيتم بأرض الحبشة؟ فقال فتية منهم: يا رسول الله بينما نحن جلوس إذ مرت بنا عجوز من عجائزهم وعلى رأسها قلة فيها ماء، فمرت بصبي فدفعها فوقعت على ركبتيها فانكسرت قلتها، فلما ارتفعت: أي قامت التفتت إليه فقالت: سوف تعلم يا

غدر إذا وضع الله الكرسي وجمع الأولين والآخرين وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، تعلم أمري وأمرك عنده، فقال رسول الله ﷺ: صدقت «كيف يقدس الله قوما لا يأخذ لضعيفهم من قويهم» . وذكر «أنه لما أقبل رسول الله ﷺ على خيبر ودنا منها بعث محيصة بن مسعود إلى أهل فدك يدعوهم إلى الإسلام ويخوفهم، قال محيصة: فجئتهم فجعلوا يتربصون ويقولون إن بخيبر عشرة آلاف مقاتل فيهم عامر وياسر والحارث وسيد اليهود مرحب، ما نرى أن محمدا يقرب إليه، فمكثت عندهم يومين، ثم أردت الرجوع، فقالوا: نحن نرسل معك رجالا منا يأخذون لنا الصلح، كل ذلك وهم يظنون أنه ﷺ لا يقدر على فتح خيبر، حتى جاءهم أناس من حصن ناعم، وأخبروهم أن رسول الله ﷺ فتحه فأرسلوا رجلا من رؤسائهم يقال له نون بن يوشع في نفر، يصالحون رسول الله ﷺ أن يحقن دماءهم ويجليهم، ويخلوا بينه وبين الأموال، ففعل ذلك رسول الله ﷺ» . وقيل تصالحوا معه على أن يكون لهم نصف الأرض ولرسول الله ﷺ النصف الآخر، فكان فدك على الأول لرسول الله ﷺ، وعلى الثاني كان له نصفها لأنها لم تؤخذ بمقاتلة، فكان ﷺ ينفق منها ويعود منها على صغير بني هاشم، ويزوج منها أيمهم.

خر، فكان فدك على الأول لرسول الله ﷺ، وعلى الثاني كان له نصفها لأنها لم تؤخذ بمقاتلة، فكان ﷺ ينفق منها ويعود منها على صغير بني هاشم، ويزوج منها أيمهم. ولما مات ﷺ وولي أبو بكر ﵁ الخلافة سألته فاطمة ﵂ أن يجعلها أو نصفها لها فأبى. وروى لها أنه ﷺ قال: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» أي على المسلمين. ومما يؤيد الثاني ما قيل إنه لما أجلاهم عمر ﵁ مع يهود خيبر كما سيأتي اشترى منهم حصتهم التي هي النصف بمال بيت المال. فلما صارت الخلافة لعمر بن عبد العزيز ﵁، فقيل له إن مروان اقتطعها: أي جعلها أقطاعا له، فقال: أرأيتم أمرا منعه رسول الله ﷺ فاطمة: أي بقوله ﷺ «لا نورث ما تركناه صدقة» ليس لي بحق، وإني أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت على عهد رسول الله ﷺ: أي صدقة على المسلمين. وطلب الصلح كان بعد أن أرادت غطفان وسيدهم عيينة بن حصن أن يعينوا أهل خيبر، أي وكانوا أربعة آلاف، فإن يهود خيبر لما سمعوا بمجيئه ﷺ إليهم أرسلوا كنانة بن أبي الحقيق وهودة بن قيس في أربعة عشر رجلا إلى غطفان ليستمدوا بهم، وشرطوا لهم نصف ثمار خيبر إن غلبوا على المسلمين، فجمعوا ثم خرجوا ليظاهروا يهود خيبر. أي ويقال إن رسول الله ﷺ أرسل إليهم أن لا يعينوهم على أن يعطيهم من

خيبر شيئا سماه لهم، أي وهو نصف ثمارها فأبوا وقالوا جيراننا وحلفاؤنا، فلما ساروا قليلا سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حسا ظنوه القوم: أي ظنوا أن المسلمين أغاروا على أهاليهم، أي فألقى الله الرعب في قلوبهم فرجعوا على الصعب والذلول: أي مسرعين على أعقابهم فأقاموا في أهليهم وأموالهم وخلوا بين رسول الله ﷺ وبين أهل خيبر، أي وفي رواية سمعوا صوتا: أيها الناس أهليكم خولفتم إليهم، فرجعوا فلم يروا لذلك نبأ. ويدل للثاني أن غطفان لما قدموا ﷺ خيبر، قال عيينة بن حصن لرسول الله ﷺ وقد وجده ﷺ فتح حصونها: أعطنا الذي وعدتنا. وفي رواية: أعطني مما غنمت من حلفائي، فإني امتنعت عنك وعن قتالك، فقال له رسول الله ﷺ: كذبت، ولكن الصياح الذي سمعت أنفذك إلى أهلك ولكن لك ذو الرقيبة، قال عيينة: وما ذو الرقيبة؟ قال الجبل الذي رأيت في منامك أنك أخذته. أي فإن عيينة بن حصن لما سمع الصوت ورجع إلى أهله ولم يجد شيئا رجع بعد ذلك بمن معه إلى خيبر وأنهم بالقرب منها عرّسوا من الليل، فنام عيينة وانتبه وقال لقومه: أبشر فإني رأيت الليلة في النوم أني أعطيت ذا الرقيبة وهو جبل بخيبر، لقد والله أخذت برقبة محمد، فلما قدم خيبر وجد رسول الله ﷺ قد فتح خيبر الحديث. وقدم عليه ﷺ حينئذ أيضا حجاج بن علاط السلمي وأسلم، والعلاط: وسم في العنق، وهو أبو نصر بن حجاج الذي نفاه عمر ﵁ لما سمع أم الحجاج بن يوسف الثقفي تهتف به وتقول الأبيات التي منها: هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم من سبيل إلى نصر بن حجاج ومن ثم قال عروة بن الزبير يوما للحجاج: يا بن المتمنية يعيره بذلك، وكان الحجاج مكثرا من المال، فقال: يا رسول الله إن مالي عند امرأتي بمكة ومتفرق في تجار مكة، فأذن لي أن آتي مكة لآخذ مالي قبل أن يعلموا بإسلامي فلا أقدر على أخذ شيء منه، فأذن له رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله لا بد لي من أن أقول:

في تجار مكة، فأذن لي أن آتي مكة لآخذ مالي قبل أن يعلموا بإسلامي فلا أقدر على أخذ شيء منه، فأذن له رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله لا بد لي من أن أقول: أي أتقول وأذكر ما هو خلاف الواقع: أي ما أحتال به لما يوصل إلى أخذ مالي، قال: قل، قال: فخرجت حتى انتهيت إلى الحرم، فإذا رجال من قريش يتشممون الأخبار وقد بلغهم أن رسول الله ﷺ سار إلى خيبر: أي أهل القوة والمنعة بعد ما وقع بينهم من المراهنة على مائة بعير في أن النبي ﷺ يغلب أهل خيبر أولا، فقال حويطب بن عبد العزى وجماعة بالأول، وقال عباس بن مرداس وجماعة بالثاني، فقالوا: حجاج عنده والله الخبر، ولم يكونوا علموا بإسلامي: يا حجاج إنه قد بلغنا أن القاطع يعنون رسول الله ﷺ قد سار إلى خيبر، فقلت: عندي من الخبر ما

يسركم، فاجتمعوا عليّ يقولون: إيه يا حجاج؟ فقلت لهم: لم يلق محمد وأصحابه قوما يحسنون القتل غير أهل خيبر، فهزم هزيمة لم يسمع بمثلها قط وأسر محمد وقالوا لا نقتله حتى نبعث به إلى مكة فنقلته بين أظهرهم. وفي لفظ: يقتلونه بمن كان أصاب من رجالهم، فصاحوا وقالوا لأهل مكة: قد جاءكم الخبر، هذا محمد إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم. قال حجاج: وقلت لهم أعينوني على غرمائي، أريد أن أقدم فأصيب من غنائم محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى ما هناك، فجمعوا لي مالي على أحسن ما يكون، ففشا ذلك بمكة وأظهر المشركون الفرح والسرور، وانكسر من كان بمكة من المسلمين، وسمع بذلك العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، فجعل لا يستطيع أن يقوم، ثم بعث إلى حجاج غلاما وقال: قل له: يقول لك العباس: الله أعلى وأجل من أن يكون الذي جئت به حقا، فقال له حجاج: اقرىء على أبي الفضل السلام وقل له ليخل لي بعض بيوته لآتيه بالخبر على ما يسره، واكتم عني، فأقبل الغلام، فقال: أبشر أبا الفضل، فوثب العباس فرحا كأن لم يمسه شيء وأخبره بذلك فأعتقه العباس رضي الله تعالى عنه وقال: لله عليّ عتق عشر رقاب.

م عني، فأقبل الغلام، فقال: أبشر أبا الفضل، فوثب العباس فرحا كأن لم يمسه شيء وأخبره بذلك فأعتقه العباس رضي الله تعالى عنه وقال: لله عليّ عتق عشر رقاب. فلما كان ظهرا جاءه حجاج فناشده الله أن يكتم عنه ثلاثة أيام، أي وقال إني أخشى الطلب، فإذا مضت ثلاث، فأظهر أمرك، فوافقه العباس على ذلك فقال: إني قد أسلمت، وإن لي مالا عند امرأتي ودينا على الناس، ولو علموا بإسلامي لم يدفعوه إليّ، إني تركت رسول الله ﷺ قد فتح خيبر وجرت سهام الله وسهام رسوله فيها، وتركته عروسا بابنة ملكهم حيي بن أخطب، وقتل ابن أبي الحقيق. فلما أمسى حجاج خرج وطالت على العباس تلك الليالي الثلاث، فلما مضى حجاج أي ومضت الثلاث عمد العباس ﵁ إلى حلة فلبسها، وتخلق بخلوق وأخذ بيده قضيبا، ثم أقبل يخطر حتى أتى مجالس قريش وهم يقولون إذ مرّ بهم: لا يصيبك إلا خير يا أبا الفضل، هذا والله التجلد بحرّ المصيبة، قال: كلا الذي حلفتم به لم يصبني إلا خير بحمد الله، أخبرني حجاج أن خيبر فتحها الله على يد رسوله ﷺ، وجرت فيها سهام الله وسهام رسول الله، واصطفى رسول الله صفية بنت ملكهم حيي بن أخطب لنفسه، وأنه تركه عروسا بها، أي وإنما قال ذلك لكم ليخلص ماله، وإلا فهو ممن أسلم، فرد الله الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين، فقال المشركون: ألا يا عباد الله انفلت عدو الله، يعنون حجاجا، أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن، ولم يلبثوا إن جاءهم الخبر بذلك هذا. وفي الدلائل للبيهقي ﵀: لما فتح رسول الله ﷺ خيبر قال حجاج بن علاط: يا رسول الله ﷺ إن لي بمكة مالا، وإن لي بها أهلا. وأنا أريد أن آتيهم،

فأنا في حل إن أنا نلت منك وقلت شيئا، فأذن له رسول الله ﷺ أن يقول ما شاء، فقال لامرأته حين قدم: أخفي عليّ، واجمعي ما كان عندك، فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه، فإنهم قد استبيحوا، وأصيبت أموالهم، ففشا ذلك بمكة، فاشتد ذلك على المسلمين، وأظهر المشركون فرحا وسرورا، وبلغ العباس رضي الله تعالى عنه الخبر، فقعد وجعل لا يستطيع أن يقوم، فأرسل العباس رضي الله تعالى عنه غلاما له إلى الحجاج: ويلك ما تقول فالذي وعد الله خير مما جثت به، فقال حجاج: يا غلام اقرىء أبا الفضل السلام، وقل له: فليخل بي في بعض بيوته فآته بالخبر على ما يسره. فلما بلغ العبد باب الدار قال: أبشر يا أبا الفضل، فوثب العباس فرحا حتى قبل ما بين عينيه، فأخبره بقول حجاج فأعتقه. ثم جاء حجاج، فأخبره بافتتاح رسول الله ﷺ خيبر وغنم أموالهم، وأن سهام الله قد جرت فيها، وأن رسول الله ﷺ اصطفى صفية بنت حيي لنفسه، وخيرها بين أن يعقتها وتكون له زوجة أو يلحقها بأهلها فاختارت أن يعتقها وتكون له زوجة، ولكن جئت لمالي هاهنا أن أجمعه وأذهب به، وإني استأذنت رسول الله ﷺ أن أقول، فأذن لي أن أقول ما شئت، فأخف عليّ يا أبا الفضل ثلاثا ثم اذكر ما شئت. قال: فجمعت له امرأته متاعه، فلما كان بعد ثلاث أتى العباس رضي الله تعالى عنه امرأة حجاج فقال: ما فعل زوجك؟ قالت: ذهب، وقالت: لا يحزنك الله يا أبا الفضل، لقد شقّ علينا الذي بلغك، فقال: أجل، لا يحزنني الله، فلم يكن لمحمد إلا ما أحب، فتح الله على يد رسوله خيبر، واصطفى رسول الله ﷺ صفية لنفسه، فإن كان لك في زوجك حاجة فالحقي به، قالت: أظنك والله صادقا، قال: فإني والله صادق، والأمر على ما أقول. ثم ذهب حتى أتى مجلس قريش الحديث. قال: ولما قدم رسول الله ﷺ خيبر كان التمر أخضر، فأكثر الصحابة من أكله، فأصابتهم الحمى، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: برّدوا لها الماء في الشنان: أي القرب، ثم صبوا عليكم منه بين أذاني الفجر، واذكروا اسم الله عليه، ففعلوا، فذهبت عنهم.

، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: برّدوا لها الماء في الشنان: أي القرب، ثم صبوا عليكم منه بين أذاني الفجر، واذكروا اسم الله عليه، ففعلوا، فذهبت عنهم. وعن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه: أصابتني ضربة يوم خيبر، قال الناس: أصيب سلمة بن الأكوع، فأتيت رسول الله ﷺ، فنفث فيها ثلاث نفثات فما اشتكيت منها ساعة. وفي هذه الغزوة أراد ﷺ أن يتبرز، فقال لابن مسعود رضي الله تعالى عنه: يا عبد الله انظر هل ترى شيئا؟ فنظرت فإذا شجرة واحدة فأخبرته، فقال لي: انظر هل ترى شيئا؟ فنظرت شجرة أخرى متباعدة من صاحبتها، فأخبرته، فقال: قل لهما إن رسول الله ﷺ يأمركما أن تجتمعا، فقلت لهما ذلك فاجتمعا، فاستتر بهما، ثم قام

فانطلقت كل واحدة إلى مكانها. وفي الإمتاع عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: سرنا مع رسول الله ﷺ حتى نزلنا واديا أفيح فذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجته فاتبعته بإداوة من ماء، فنظر رسول الله فلم ير شيئا يستتر به فإذا بشجرتين بشاطىء الوادي، فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: انقادي عليّ بإذن الله تعالى، فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده، حتى أتى الشجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها. فقال: انقادي عليّ بإذن الله تعالى، فانقادت معه كذلك، حتى كان ﷺ بالنصف مما بينهما ولأم بينهما، وقال التئما، عليّ بإذن الله تعالى فالتأمتا، قال جابر رضي الله تعالى عنه: فخلوت أحدّث نفسي، فحانت مني التفاتة، فإذا أنا برسول الله ﷺ مقبلا وإذا الشجرتان قد افترقتا وذهبت كل واحدة إلى محلها الحديث، ولا بعد في تعدد الواقعة.

: فخلوت أحدّث نفسي، فحانت مني التفاتة، فإذا أنا برسول الله ﷺ مقبلا وإذا الشجرتان قد افترقتا وذهبت كل واحدة إلى محلها الحديث، ولا بعد في تعدد الواقعة. ووقع له ﷺ مجيء بعض الشجر إليه قبل أن يهاجر ﷺ. فقد جاء أنه ﷺ خرج إلى بعض شعاب مكة وقد دخله من الغم ما شاء الله من تكذيب قومه، وقولهم له: تضلل آباءك وأجدادك يا محمد، ومن خضبهم له بالدماء، فقال: يا رب أرني اليوم آية اطمئن إليها ولا أبالي بمن آذاني بعدها، وكان ذلك الوادي به شجرة، فأمر أن يدعو شجرة من تلك الشجر. وفي لفظ: غصنا من أغصان شجرة فدعا ذلك فانتزع من مكانه وجاء إليه وسلم عليه، ثم أمره ﷺ بالعود فعاد إلى مكانه، فحمد الله وطابت نفسه، وعلم أنه على الحق وقال: لا أبالي بمن آذاني بعد هذا من قومي. أقول: ووقع له ﷺ إجابة الحجر. فعن تفسير الفخر الرازي أنه ﷺ كان مع عكرمة بن أبي جهل بشط ماء، فقال عكرمة للنبي ﷺ: إن كنت صادقا فادع ذلك الحجر، لحجر كان في الجانب الآخر يسبح في الماء ويجيء إليك ولا يغرق، فأشار إليه ﷺ، فانقلع ذلك الحجر من مكانه وسبح حتى صار بين يدي رسول الله ﷺ وشهد له بالرسالة، فقال النبي ﷺ لعكرمة: يكفيك هذا، فقال حتى يرجع إلى مكانه، فأشار إليه ﷺ فرجع إليه مكانه، ولم يسلم عكرمة في ذلك الوقت، وإنما أسلم يوم فتح مكة، والله أعلم. وعند خروجه ﷺ إلى هذه الغزوة أمر ﷺ مناديا ينادي من كان مضيعا أو ضعيفا أو مصعبا، أي راكبا دابة صعبة فليرجع، فرجع ناس، وارتحل مع القوم رجل على بكر صعب أو ناقة صعبة، فنفر مركوبة فصرعه، فاندقت فخده، فمات، فلما جيء به إلى النبي ﷺ قال: ما شأن صاحبكم؟ فأخبروه، قال: يا بلال ما كنت أذنت في الناس من كان مصعبا: أي راكبا دابة صعبة فليرجع، قال: بلى، فأبى ﷺ أن يصلي عليه، وأمر ﷺ بلالا فنادي في الناس: الجنة لا تحلّ لعاص ثلاثا، وفيها مات

شخص من الصحابة، فقال ﷺ: صلوا على صاحبكم، وامتنع من الصلاة عليه، فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: إن صاحبكم غلّ في سبيل الله، ففتشنا متاعه فوجدنا خرزا من خرز اليهود لا يساوي درهمين. وفيها أنه ﷺ قال لرجل من المسلمين: هذا من أهل النار، فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالا أشدّ القتال، فارتاب بعض الصحابة: أي كيف يكون من أهل النار مع هذه المقاتلة الشديدة، فلما كثرت الجراحات في ذلك الرجل ووجد ألمها أخرج سهما من كنانته ونحر نفسه، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال: قم يا بلال فأذن «لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة» الحديث. وفي رواية «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة» وتقدّم في غزوة أحد مثل ذلك. ولا بعد في التعدد إن لم يكن من الاشتباه على الراوي. أقول: في سيرة الحافظ الدمياطي: لما فتحت خيبر واطمأن الناس جعلت زينب ابنة الحارث أخي مرحب، وهي امرأة سلام بن مشكم تسأل: أي الشاة أحبّ إلى محمد ﷺ؟ فيقولون الذراع، قيل: وإنما أحبّ ﷺ الذراع لأنه هادي الشاة وأبعدها من الأذى، فعمدت إلى عنز لها فذبحتها وصلتها، ثم عمدت إلى سم لا يلبث أن يقتل من ساعته فسمت الشاة وأكثرت في الذراعين والكتف، فلما غابت الشمس وصلى ﷺ المغرب بالناس انصرف وهي جالسة عند رحله، فسأل عنها، فقالت: يا أبا القاسم هدية أهديتها لك، فأمر بها ﷺ فأخذت منها فوضعت بين يديه ﷺ وأصحابه حضور أو من حضر منهم، وفيهم بشر بن البراء بن معرور، فقال رسول الله ﷺ: ادنوا فقعدوا، وتناول رسول الله ﷺ الذراع فانتهش منه، فلما ازدرد رسول الله ﷺ لقمة ازدرد بشر ما في فيه وأكل القوم منها، فقال رسول الله ﷺ:

ل رسول الله ﷺ: ادنوا فقعدوا، وتناول رسول الله ﷺ الذراع فانتهش منه، فلما ازدرد رسول الله ﷺ لقمة ازدرد بشر ما في فيه وأكل القوم منها، فقال رسول الله ﷺ: ارفعوا أيديكم، فإن هذه الذراع أو الكتف تخبرني أنها مسمومة، فقال بشر: والذي أكرمك لقد وجدت ذلك في أكلتي، أي لقمتي التي أكلت، فما منعني أن ألفظها إلا أن أنغص عليك طعامك، فلما أكلت ما في فيك لم أرغب بنفسي عن نفسك، ورجوت أن لا تكون ازدردتها، فلم يقم بشر من مكانه حتى عاد لونه كالطيلسان أي أسود، وماطله وجعه سنة لا يتحول إلا ما حول ثم مات. وقال بعضهم: فلم يقم بشر من مكانه حتى توفي. أي والمتبادر من المكان مكان الأكل، وربما يدل له عدم ذكر بشر في الحجامة، وطرح منها لكلب فمات اهـ، أي فلم يأكل إلا بشر رضي الله تعالى عنه. وحينئذ يكون المراد بقوله: وأكل القوم منها: أي أرادوا الأكل، أي ووضعوا

أيديهم، بدليل قوله ﷺ «ارفعوا أيديكم» ويدل له ما يأتي عن الإمتاع. وفي الأصل أنها أهدتها لصفية رضي الله تعالى عنها، فدخل رسول الله ﷺ على صفية ومعه بشر بن البراء بن معرور فقدمت إليهما تلك الشاة، فتناول رسول الله ﷺ الكتف، وفي رواية الذراع، فانتهش منه قطعة فلاكها ثم ألقاها: أي ولم يبتلعها، أي وانتهش من الشاة بشر قطعة فابتلعها، ثم نهى رسول الله ﷺ عن تناول شيء منها وقال إن كتف هذه الشاة تخبرني أني نعيت فيها، فقال بشر: والذي أكرمك لقد وجدت ذلك فيما أكلته، فما منعني من لفظه إلا أني أعظمت أن أنغصك طعاما، فلم يقم بشر رضي الله تعالى عنه من مكانه حتى كان لا يتحول إلا إن حوّل، وإلى هذا أشار الإمام السبكي في تائيته بقوله ﵀: وأحييت عضو الشاة بعد مماتها ... فجاء بنطق موضح للنصيحة وقال رسول الله لا تك آكلي ... فزينب سامتني الهوان وسمّت وهذا يؤيد القول بأن كلام نحو الجماد يكون بعد أن يخلق الله فيه الحياة. ومذهب الأشعري ﵀ أن الله يخلق في نحو الجماد حروفا وصوتا يحدث ذلك فيه، أي وليس من لازم ذلك وجود الحياة.

ام نحو الجماد يكون بعد أن يخلق الله فيه الحياة. ومذهب الأشعري ﵀ أن الله يخلق في نحو الجماد حروفا وصوتا يحدث ذلك فيه، أي وليس من لازم ذلك وجود الحياة. واحتجم رسول الله ﷺ على كاهله، أي حجمه أبو طيبة مولى بني بياضة وقيل أبو هند وهو مولى بني بياضة أيضا، أي وأمر أصحابه فاحتجموا أوساط رؤوسهم أي وهم كما في الإمتاع ثلاثة نفر، وضعوا أيديهم في الطعام ولم يصيبوا منه شيئا. وفيه أنه لا معنى لاحتجام أصحابه إذا لم يأكلوا شيئا، ومن ثم قال في سفر السعادة: واحتجم ﷺ بين الكتفين في ثلاثة مواضع، وأمر من أكل أي من أراد أن يأكل معه بذلك، إلا أن يقال مجرد وضع اليد ربما سري بسببه السم إلى باقي الجسد، وقال ﷺ «الحجامة في الرأس هي المعينة، أمرني بها جبريل ﵇ حين أكلت طعام اليهودية» . وقد احتجم رسول الله ﷺ في غير هذه الواقعة مرارا في محالّ مختلفة، فقد جاء أنه ﷺ احتجم على الأخدعين مرتين، واحتجم وسط رأسه الشريف، وكان يسميها منقذة أي وذلك لما سحر. ففي «سفر السعادة» : لما سحره اليهودي ووصل المرض إلى الذات المقدسة النبوية أمر ﷺ بالحجامة على قبة رأسه المباركة. واستعمال الحجامة في كل متضرر بالسحر غاية الحكمة ونهاية حسن المعالجة، ومن لاحظ له في الدين والإيمان يستشكل هذا العلاج هذا كلامه. ودخل عليه ﷺ الأقرع بن حابس وهو يحتجم في القمحذوة، فقال: يا بن أبي

كبشة لم احتجمت وسط رأسك؟ فقال: يا ابن حابس إن فيها شفاء من وجع الرأس والأضراس والنعاس والجنون، أي وفي الحديث «الحجامة في الرأس شفاء من سبع: من الجنون والصداع والجذام والبرص والنعاس ووجع الضرس وظلمة يجدها في عينيه» وفي الحديث «اجتنبوا الحجامة يوم الجمعة والسبت والأحد» وفي بعض الروايات «يوم الأحد شفاء» ويحتاج للجمع. وجاء النهي عن الحجامة يوم الثلاثاء أشد النهي، وقال «فيه ساعة لا يرقأ فيها الدم» وفي حديث بعض رواته واهي الحديث «احتجم ﷺ ثلاثا في النقرة والكاهل وسط الرأس، وسمى واحدة الدافعة والأخرى المعينة والأخرى المنقذة» وقال ﷺ «خير ما تداويتم به الحجامة، وما مررت ليلة أسري بي بملأ من الملائكة إلا قالوا: يا محمد مر أمتك بالحجامة» . قال في الهدى: والحجامة في البلاد الحارة أنفع من الفصد. والأولى أن تكون في الربع الثالث من الشهر لأنه وقت هيجان الدم. وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعا «من احتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين كانت شفاء من كل داء، والحجامة على الريق دواء، وعلى الشبع داء» . وتكره في الأربعاء والسبت، قيل ويوم الجمعة. وفي الحديث «من احتجم يوم الأربعاء أو السبت وحصل له برص لا يلومنّ إلا نفسه» وجاء أمره ﷺ باجتناب الحجامة يوم الأربعاء فإنه اليوم الذي أصيب فيه أيوب ﵇ بالبلاء، وما يبدو جذام ولا برص إلا يوم الأربعاء وليلة الأربعاء. ثم أرسل رسول الله ﷺ إلى تلك اليهودية فقال: أسممت هذه الشاة؟ فقالت: من أخبرك؟ قال: أخبرتني هذه التي في يدي وهي الذراع، قالت: نعم، قال: ما حملك على ما صنعت؟ قالت: بلغت من قومي ما لا يخفى عليك. أي وفي لفظ: قتلت أبي وعمي وزوجي، ونلت من قومي ما نلت، فقلت: إن كان ملكا استرحنا منه، وإن كان نبيا فسيخبر، فعفا عنها رسول الله ﷺ، وإلى ذلك يشير صاحب الهمزية رحمه الله تعالى بقوله: ثم سمت له اليهودية الشا ... ة وكم سام الشقوة الأشقياء فأذاع الذراع ما فيه من سم ... بنطق إخفاؤه إبداء وبخلق من النبي كريم ... لم تقاصص بجرحها العجماء

ثم سمت له اليهودية الشا ... ة وكم سام الشقوة الأشقياء فأذاع الذراع ما فيه من سم ... بنطق إخفاؤه إبداء وبخلق من النبي كريم ... لم تقاصص بجرحها العجماء أي ثم جعلت اليهودية السم القاتل لوقته في الشاة، ومرات كثيرة يطلب الشقوة ويتحلى بها الأشقياء الذين لا خلاق لهم، فأخبر ذلك الذراع النبي ﷺ بالنطق بما فيه

من السم، إخفاء ذلك النطق عن الحاضرين إبداء وإظهار له ﷺ، وبسبب ما تحلى به ﷺ من كمال الحلم والعفو لم يقاصص تلك المرأة بجرحها، أي بجرح سمها، لأن السم يجرح الباطن كما يجرح الحديد الظاهر. فلما مات بشر رضي الله تعالى عنه أمر بها فقتلت، أي وقيل وصلبت كما في أبي داود وعبارة السهيلي ﵀: وقد روى أبو داود أنه قتلها، ووقع في كتاب «شرف المصطفى» أنه قتلها وصلبها هذا كلامه. وقيل إنما تركها لأنها أسلمت، فالعفو عنها: أي عدم مؤاخذتها كان قبل أن يموت بشر رضي الله تعالى عنه، فلما مات بشر دفعها ﷺ إلى أولياء بشر فقتلوها. وفي الإمتاع: واختلفت الآثار في قتلها، ففي صحيح مسلم أنه لم يقتلها، وقال ابن إسحاق أجمع أهل الحديث على أن رسول الله ﷺ قتلها، وقد علمت أنه لا مخالفة، لكن قتلها مشكل على ما عليه أئمتنا معاشر الشافعية من أن من ضيف بمسموم يقتل غالبا مميزا فمات كان شبه عمد لا قود فيه. وفي كلام بعضهم أنها قالت: قد استبان لي الآن أنك صادق، وأني أشهدك ومن حضر أني على دينك، وأن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فانصرف عنها حين أسلمت، كذا في جامع معمر عن الزهري أنها أسلمت، قال معمر: هكذا قال الزهري إنها أسلمت والناس يقولون قتلها وإنها لم تسلم، وأمر ﷺ بتلك الشاة فأحرقت. وفي رواية أنه بعد سؤال اليهودية واعترافها بسط ﷺ يده إلى الشاة، وقال لأصحابه: كلوا باسم الله، فأكلوا وقد سموا الله فلم يضر ذلك أحدا منهم، قال ابن كثير: وفيه نكارة وغرابة شديدة، هذا كلامه. ويذكر «أن أخت بشر بن البراء دخلت عليه ﷺ في مرضه الذي مات فيه، فقال لها: هذا أوان انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر» والأبهر: العرق المتعلق بالقلب.

أخت بشر بن البراء دخلت عليه ﷺ في مرضه الذي مات فيه، فقال لها: هذا أوان انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر» والأبهر: العرق المتعلق بالقلب. وقد قسم ﷺ غنائم خيبر؛ فأعطى الراجل سهما، والفارس ثلاثة أسهم بعد أن خمسها خمسة أجزاء؛ ومن جملة من أعطاه ﷺ أبو سبيعة بن المطلب بن عبد مناف واسمه علقمة، ولم يقسم ﷺ لمن غاب من أهل الحديبية إلا لجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما. ورضخ ﷺ للنساء، أي وكن عشرين امرأة، فيهن صفية عمته ﷺ وأم سليم وأم عطية الأنصارية. وعن بعضهم قالت «أتيت رسول الله ﷺ في نسوة، فقلت: يا رسول الله قد أردنا الخروج معك نعين المسلمين ما استطعنا، فقال: على بركة الله، قالت فخرجنا

معه، فلما افتتح خيبر رضخ لنا وأخذ هذه القلادة ووضعها في عنقي، فو الله لا تفارقني أبدا، وأوصت أنها تدفن معها» . زاد في السيرة الهشامية «أنها قالت: وكنت جارية حديثة السن، فأردفني رسول الله ﷺ على حقيبة رحله، قالت: فلما كان الصبح وأناخ راحلته ونزلت عن حقيبة رحله، وإذا بها دم مني وكانت أول حيضة حضتها. قالت: فتقبضت إلى الناقة واستحييت، فلما رأى رسول الله ﷺ حالي قال: ما لك؟ لعلك نفست، قالت: قلت نعم، قال: فأصلحي من نفسك، ثم خذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحا ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم، ثم عودي لمرتحلك» قالت: فكنت لا أطهر من حيضة إلا جعلت في طهري ملحا، وأوصت أن يجعل ذلك في غسلها حين ماتت. ثم دفع ﷺ لأهل خيبر الأرض لما قالوا له ﷺ: نحن أعلم بها منكم، وأعمرها بشرط ما يخرج منها من تمر أو زرع، وقال لهم: على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم. أي وهذا يخاف ما عليه أئمتنا من أنه لا يجوز في عقد الجزية أن يقول الإمام أو نائبه: أقركم ما شئنا، بخلاف ما شئتم، لأنه تصريح بمقتضى العقد، لأن لهم نبذ العقد شاؤوا. وذكر أئمتنا أنه يجوز منه ﷺ لا منا أن يقول: أقررتكم ما شاء الله لأنه يعلم مشيئة الله دوننا، والشطر في هذا ظاهر في النصف، ولم أقف على تعيينه في رواية. وكان ﷺ يرسل إلى أهل خيبر عبد الله بن رواحة ﵁ خارصا. قيل وإنما خرص عليهم عبد الله عاما واحدا؛ ثم مات، وهذا يخالفه قول بعضهم: كان عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه يأتيهم كل عام يخرصها يعني الثمار عليهم ثم يضمنهم الشطر، فشكوا إلى رسول الله ﷺ شدّة خرصه، وأرادوا أن يرشوه، فقال: يا أعداء الله تطعموني السحت، والله لقد جئتم من عند أحب الناس إليّ، ولأنتم أبغض إليّ من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن لا أعدل، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض، وكان يخرص عليهم بعده جبار بن صخر، وكان خارصا لأهل المدينة.

لخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن لا أعدل، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض، وكان يخرص عليهم بعده جبار بن صخر، وكان خارصا لأهل المدينة. أقول: أي ساقاهم على النخل، وزارعهم على الأرض، هكذا استدل بذلك أئمتنا على ما ذكر: أي على جواز المساقاة، وجواز المزارعة تبعا لها، ويكون ذلك مخصصا للنهي عن المزارعة: أي ما لم تكن تبعا للمساقاة، وهو لا يتم إلا إن كانت أرض خيبر جميعها بين النخل بحيث يعسر سقيها بدون النخل، وأنه ﷺ دفع لهم بذرا لأن في المزارعة يجب أن يكون البذر من المالك لا من العامل. ولم أقف في شيء من الطرق على أنه ﷺ دفع لهم بذرا، بل ظاهر الروايات يدل على أن البذر معهم، وصرحت به رواية مسلم.

ويبعد أن تكون أراضي خيبر كلها كانت بين النخل بحيث يغسر سقيها بدون النخل، وحينئذ يكون الواقع في خيبر إنما هي المخابرة، وهي المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها والبذر من العامل، وهي باطلة عندنا، بل قيل عند المذاهب الأربعة ولو تبعا للمساقاة، والله أعلم. ثم إن الصديق رضي الله تعالى عنه أقرهم بعده ﷺ، ثم أقرهم عمر رضي الله تعالى عنه إلى أن خرج ولده عبد الله رضي الله تعالى عنهما في خلافة أبيه إلى خيبر، فعدى عليه من الليل ففدعت يداه ورجلاه، فقام عمر رضي الله تعالى عنه خطيبا، فقال: إن رسول الله ﷺ كان عامل أهل خيبر على أموالهم: أي أرضهم ونخلهم، وقال لهم نقركم على ما أقركم الله، وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ما له هناك فعدي عليه من الليل ففدعت يداه ورجلاه، وليس لنا هناك عدوّ غيرهم. وقد رأيت إجلاءهم أي ووافقه الصحابة على ذلك، فإن عمر رضي الله تعالى عنه قام خطيبا في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إن يهود فعلوا بعبد الله بن عمر ما فعلوا، وفعلوا بمطهر بن رافع ما فعلوا مع عدوانهم على عبد الله بن سهيل في عهد رسول الله ﷺ ولا أشك أنهم أصحابه، وأنا أريد أن أجلوا يهود، فإن رسول الله ﷺ قال: أقركم ما أقركم الله، وقد أذن الله في إجلائهم، فقام طلحة بن عبيد الله، فقال:

الله ﷺ ولا أشك أنهم أصحابه، وأنا أريد أن أجلوا يهود، فإن رسول الله ﷺ قال: أقركم ما أقركم الله، وقد أذن الله في إجلائهم، فقام طلحة بن عبيد الله، فقال: قد والله أحسنت يا أمير المؤمنين ووفقت، فهم أهل سوء، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: من معك على مثل رأيك؟ قال المهاجرون جميعا والأنصار، فسرّ بذلك عمر رضي الله تعالى عنه. وقوله وفعلوا بمطهر ما فعلوا، أي لأن مطهر بن رافع قدم خيبر بأعلاج من الشام عشرة عبيد له ليعملوا له بأرضه، فأقام بخيبر ثلاثة أيام، فقال لهم رجل من يهود: أنتم نصارى ونحن يهود، وهذا سيدكم من قوم عرب قهرونا بالسيف، وأنتم عشرة رجال وهو رجل واحد يسوقكم إلى الجهد والبؤس وتكونون في رق شديد، فإذا خرجتم من قريتنا فاقتلوه، فقالوا له: ليس معنا سلاح، فدست اليهود لهم سكينتين أو ثلاثة، فلما خرجوا من خيبر أقبلوا على مطهر بسكاكينهم، فخرج مطهر يعدو إلى سيفه، وكان في قرابه على راحلته، فأدركوه قبل الوصول إليه وبعجوا بطنه، ثم انصرفوا سراعا حتى دخلوا خيبر على يهود فآووهم وزودوهم إلى الشام، وجاء عمر رضي الله تعالى عنه الخبر بقتل مطهر وما صنعت به يهود. وقوله مع عدوانهم على عبد الله بن سهيل، أي فإنه وجد قتيلا في خيبر لأهل حصن الشق، فسألهم أخوه محيصة، فقالوا له: لا والله ما لنا به من علم، قال: فجئت أنا وأخي عبد الرحمن وأخي حويصة وهو أكبرنا إلى رسول الله ﷺ فأراد أخي عبد الرحمن يتكلم وهو أصغرنا، فقال له رسول الله ﷺ: كبر كبر فسكت، فأردت

أن أتكلم، فقال: كبر كبر فسكت، فتكلم أخي حويصة، وذكر أن اليهود تهمتنا وظنتنا، فقال ﷺ: إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يأذنوا بحرب، وكتب ﷺ إليهم في ذلك، وكتبوا إليه: ما قتلناه، فقال ﷺ لي ولأخوي: تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم؟ فقلنا: يا رسول الله لم نحضر ولم نشهد، قال: فتحلف لكم يهود؟ قلنا: يا رسول الله ليسوا بمسلمين، فواده رسول الله ﷺ من عنده بمائة ناقة: خمس وعشرين جذعة وخمس وعشرين حقة، وخمس وعشرين ابنة لبون، وخمس وعشرين بنت مخاض. وعن ابن المسيب ﵀: كانت القسامة في الجاهلية، ثم أقرها ﷺ في الإسلام في الأنصاري الذي وجد قتيلا في جبّ من جباب يهود، فلما أجمع الصحابة على ذلك: أي على ما أراده سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه، جاءه أحد بني الحقيق، فقال: يا أمير المؤمنين أتخرجنا وقد أقرنا محمد ﷺ وعاملنا على أموالنا وشرط ذلك لنا؟ فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: أظننت أني نسيت قول رسول الله ﷺ لك «كيف بك إذا أخرجت من خيبر يعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة؟» فقال: هذه كانت هزيلة من أبي القاسم، فقال كذبت يا عدو الله، ثم بلغه رضي الله تعالى عنه أنه ﷺ قال: «لا يبقى دينان في جزيرة العرب» وقوله «لأخرجن اليهود والنصارى» وفي لفظ «المشركين من جزيرة العرب» وفي رواية «آخر ما تكلم به النبي ﷺ: أخرجوا اليهود من الحجاز» وفي لفظ «إن عشت أخرجت اليهود والنصارى من الحجاز» أي وهو مكة والمدينة واليمامة وطرقها وقراها كالطائف لمكة، وخيبر للمدينة، والمراد بجزيرة العرب الحجاز المشتملة عليه، أي فالمراد بجزيرة العرب بعضها وهو الحجاز خاصة، لأن عمر لما أجلاهم ذهب بعضهم إلى تيما، وبعضهم إلى أريحا، وتيما من جزيرة العرب لكنها ليست من الحجاز، وقيل له حجاز لأنه حجز بين نجد وتهامة. ففحص عمر رضي الله تعالى عنه عن ذلك حتى تيقنه وثلج صدره فأجلى يهود خيبر، أي وأعطاهم قيمة ما كان لهم من ثمر وغيره. وأجلى يهود فدك ونصارى نجران، فلا يجوز إقامتهم بذلك أكثر من ثلاثة أيام غير يومي الدخول والخروج، ولم يخرج يهود وادي القرى وتيما لأنهما من أرض الشام لا من الحجاز.

فدك ونصارى نجران، فلا يجوز إقامتهم بذلك أكثر من ثلاثة أيام غير يومي الدخول والخروج، ولم يخرج يهود وادي القرى وتيما لأنهما من أرض الشام لا من الحجاز. ثم ركب في المهاجرين والأنصار، وخرج معه جبار بن صخر ويزيد بن ثابت فقسما خيبر على أصحاب السهمان التي كانت عليها كما قسمت على عهد رسول الله ﷺ. وروي أنه ﷺ لما فتح خيبر أصاب حمارا أسود، فقال له رسول الله ﷺ: ما اسمك؟ قال: يزيد بن شهاب، أخرج الله من نسل جدّي ستين حمارا كلهم لا

يركبهم إلا نبي، وقد كنت أتوقعك لتركبني لم يبق من نسل جدي غيري، ولم يبق من الأنبياء غيرك، قد كنت لرجل يهودي فكنت أتعثر به عمدا، وكان يجيع بطني ويضر بظهري، فقال له النبي ﷺ: فأنت يعفور، وكان رسول الله ﷺ يبعثه إلى باب الرجل فيأتي الباب فيقرعه برأسه، فإذا خرج صاحب الدار أومأ إليه أن أجب رسول الله ﷺ، فلما مات رسول الله ﷺ ألقى نفسه في بئر جزعا على رسول الله ﷺ فمات: قال ابن حبان: هذا خبر لا أصل له وإسناده ليس بشيء. وقال ابن الجوزي: لعن الله واضعه فإنه لم يقصد إلا القدح في الإسلام والاستهزاء به. وقد قال شيخنا العماد بن كثير هذا شيء باطل لا أصل له من طريق صحيح ولا ضعيف، وسألت شيخنا المزي ﵀ فقال: ليس له أصل وهو ضحكة، وقد أودعه كتبهم جماعة منهم القاضي عياض في الشفاء والسهيلي في روضه، وكان الأولى ترك ذكره، ووافقه على ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى وغفر لنا وله وللمسلمين.

كتبهم جماعة منهم القاضي عياض في الشفاء والسهيلي في روضه، وكان الأولى ترك ذكره، ووافقه على ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى وغفر لنا وله وللمسلمين.

غزوة وادي القرى ثم عند منصرفه ﷺ من خيبر أتى وادي القرى وأهله يهود، فدعاهم ﷺ إلى الإسلام فامتنعوا من ذلك وقاتلوا: أي برز رجل منهم فقتله الزبير رضي الله تعالى عنه، فبرز آخر فقتله عليّ كرم الله وجهه، ثم برز آخر فقتله أبو دجانة رضي الله تعالى عنه، فقاتلهم المسلمون إلى المساء، وقتل منهم أحد عشر رجلا، ففتحها رسول الله ﷺ عنوة، وغنمه الله أموال أهلها، وأصاب المسلمون منهم أثاثا ومتاعا، فخمسه رسول الله ﷺ وترك الأرض والنخيل في أيدي أهلها. أي من بقي منهم، وعاملهم على نحو ما عامل عليه أهل خيبر. وفي لفظ: ومن رسول الله ﷺ على يهود وترك في أيديهم أراضي وادي القرى والبساتين والحدائق، يعلمون فيها ويأخذون الأجرة. وقيل حاصرهم ليالي، ثم انصرف راجعا إلى المدينة. فعلى الأوّل تضم للغزوات التي وقع فيها القتال. ولما بلغ أهل تيما ما فعل رسول الله ﷺ بأهل خيبر وفدك ووادي القرى صالحوه ﷺ على الجزية، فأقاموا ببلادهم وأرضهم في أيديهم: قال: وقتل عبده ﷺ الأسود الذي كان يرحل لرسول الله ﷺ، بينما هو يحط رحله ﷺ جاءه سهم فقتله، فقال الناس: هنيئا له الجنة، فقال رسول الله ﷺ: كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها من خيبر من الغنائم قبل أن تقسم تشتعل عليه نارا انتهى. ولما قرب من المدينة سار رسول الله ﷺ وأصحابه ليلة، فلما كان قبيل الصبح نزل وعرس وقال: ألا رجلا حافظا لعينه يحفظ علينا الفجر لعلنا ننام، فقال بلال رضي الله تعالى عنه: أنا يا رسول الله أحفظه عليك، وفي لفظ قال: يا بلال اكلأ لنا

الليل، فنام رسول الله ﷺ وأصحابه وقام بلال رضي الله تعالى عنه يصلي ما شاء الله، ثم استند إلى بعير واستقبل الفجر يرمقه، فغلبته عينه فنام، فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ولا أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم حتى ضربتهم الشمس، وكان أول من استيقظ رسول الله ﷺ فقال: ما صنعت يا بلال قال: يا رسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، قال: صدقت، أي وتبسم ﷺ. وفي رواية: أنه ﷺ التفت إلى أبي بكر الصديق وقال له: إن الشيطان أتى بلالا وهو قائم يصلي، فلم يزل يهدئه كما يهدأ الصبي حتى نام، ثم دعا رسول الله ﷺ بلالا، فأخبر بلال رسول الله ﷺ بمثل ما أخبر به ﷺ الصديق، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أشهد أنك رسول الله. ثم سار ﷺ بالناس يقود بعيره غير كثير، ثم أناخ، فتوضأ وتوضأ الناس وأمر بلالا فأقام الصلاة. وفي رواية: فاقتادوا رواحلهم. وفي رواية: فاستيقظ القوم وقد فزعوا، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي وقال: هذا واد به شيطان، فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادي، الحديث. فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: إذا نسيتم الصلاة فصلوها إذا ذكرتموها، فإن الله تعالى يقول وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه: الآية ١٤] . وفي رواية: إن الله قبض أرواحنا، ولو شاء ردها إلينا في حين غير هذا، فإذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها، ثم فزع إليها فليصلها في وقتها. أي وقيل إن ذلك كان في مرجعه ﷺ من الحديبية، وقيل في مرجعه من حنين، وقيل في مرجعه من تبوك. قال في الإمتاع: وهذا لا يصح لأن الآثار الصحاح على خلافه، أي دالة على أن ذلك كان في رجوعه ﷺ من وادي القرى. وقد يقال: لا مانع من التعدد، ويدل للقول بأن ذلك كان في مرجعه من الحديبية ما جاء عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه «أقبلنا مع رسول الله ﷺ زمن الحديبية» وفي رواية «لما انصرفنا من غزوة الحديبية قال النبي ﷺ: من يحرسنا الليلة؟ فقلت: أنا يا رسول الله، قال: إنك تنام، ثم أعاد: من يحرسنا الليلة؟ فقلت:

ديبية» وفي رواية «لما انصرفنا من غزوة الحديبية قال النبي ﷺ: من يحرسنا الليلة؟ فقلت: أنا يا رسول الله، قال: إنك تنام، ثم أعاد: من يحرسنا الليلة؟ فقلت: أنا حتى أعاد ذلك مرارا وأنا أقول أنا، فقال رسول الله ﷺ: فأنت، قال: فحرستهم حتى إذا كان وجه الصبح أدركني قول رسول الله ﷺ إنك تنام فنمت، فما أيقظنا إلا حر الشمس في ظهورنا» وسيأتي في تبوك عن الحافظ ابن حجر اختلاف العلماء في التعدد. وكان بين الحديبية وعمرة القضاء، إسلام خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة الحجبي رضي الله تعالى عنهم. وقيل كان بعد عمرة القضاء، ويشهد له ما جاء عن خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه أنه قال: لما أراد الله ﷿ ما أراد بي من الخير قذف في قلبي الإسلام وحضر لي رشدي، وقلت قد

شهدت هذه المواطن كلها على محمد ﷺ، فليس موطن أشهده إلا انصرف، وأنا أرى في نفسي أني موضع في غير شيء وأن محمدا ﷺ يظهر، فلما جاء ﷺ لعمرة القضاء تغيبت ولم أشهد دخوله، فكان أخي الوليد بن الوليد دخل معه ﷺ فطلبني فلم يجدني، فكتب إليّ كتابا، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد- فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام وقلة عقلك، ومثل الإسلام يجهله أحد، قد سألني عنك رسول الله ﷺ فقال أين خالد، فقلت: يأتي الله به، فقال: ما مثله يجهل الإسلام، ولو كان يجعل نكايته مع المسلمين على المشركين كان خيرا له، ولقد مناه على غيره، فاستدرك يا أخي ما فاتك، فقد فاتك مواطن صالحة، فلما جاءني كتابه نشطت للخروج، وزادني رغبة في الإسلام، وسرتني مقالة رسول الله ﷺ، ورأيت في المنام كأني في بلاد ضيقة جدبة فخرجت إلى بلاد خضراء واسعة، فلما اجتمعنا للخروج إلى المدينة لقيت صفوان، فقلت: يا أبا وهب، أما ترى أن محمدا ﷺ ظهر على العرب والعجم، فلو قدمنا عليه فاتبعناه فإن شرفه شرف لنا، قال: لو لم يبق غيري ما اتبعته أبدا، قلت: هذا رجل قتل أبوه وأخوه ببدر، فلقيت عكرمة بن أبي جهل فقلت له مثل ما قلت لصفوان، فقال مثل الذي قال صفوان، قلت: فاكتم ذكر ما قلت لك، قال: لا أذكره.

قلت: هذا رجل قتل أبوه وأخوه ببدر، فلقيت عكرمة بن أبي جهل فقلت له مثل ما قلت لصفوان، فقال مثل الذي قال صفوان، قلت: فاكتم ذكر ما قلت لك، قال: لا أذكره. ثم لقيت عثمان بن طلحة: أي الحجبي، قلت: هذا لي صديق، فأردت أن أذكر له ثم ذكرت من قتل من آبائه: أي قتل أبيه طلحة وعمه عثمان، أي وقتل إخوته الأربع مسافع والجلاس والحارث وكلاب كلهم قتلوا يوم أحد كما تقدم فكرهت أن أذكر له، ثم قلت: وما عليّ: فقلت له: إنما نحن بمنزلة ثعلب في جحر لو صب فيه ذنوب من ماء لخرج، ثم قلت له: ما قلته لصفوان وعكرمة، فأسرع الإجابة، فواعدني إن سبقني أقام في محل كذا، وإن سبقته إليه انتظرته، فلم يطلع الفجر حتى التقينا فغدونا حتى انتهينا إلى الهدة: اسم محل، فنجد عمرو بن العاص بها، فقال: مرحبا بالقوم، فقلنا وبك، أين مسيركم؟ قلنا: الدخول في الإسلام، قال: وذلك الذي أقدمني. وفي لفظ قال عمرو لخالد: يا أبا سليمان أين تريد؟ قال: والله لقد استقام الميسم: أي تبين الطريق وظهر الأمر، وإن هذا الرجل لنبي فأذهب فأسلم، فحتى متى؟ قال عمرو: وأنا ما جئت إلا لأسلم، فاصطحبنا جميعا حتى دخلنا المدينة الشريفة، فأنخنا بظهر الحرة ركابنا فأخبر بنا رسول الله ﷺ فسّر بنا، أي وقال رمتكم مكة بأفلاذ كبدها، فلبست من صالح ثيابي، ثم عمدت إلى رسول الله فلقيني أخي، فقال: أسرع فإن رسول الله ﷺ قد سرّ بقدومكم وهو ينتظركم فأسرعنا المشي، فاطلعت عليه فما زال ﷺ يتبسم إليّ حتى وقفت عليه، فسلمت عليه بالنبوة فرد على السلام بوجه طلق، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ﷺ، قال: الحمد لله الذي هداك، قد كنت أرى لك عقلا

Bagian 44 dari 62