— Bagian 60 · المجتمع الخلق: أي القصير جدا، لم يكن يماشيه أحد … —
Bagian 60
المجتمع الخلق: أي القصير جدا، لم يكن يماشيه أحد من الناس ينسب إلى الطول إلا طاله رسول الله ﷺ، فإذا فارقه رسول الله ﷺ نسب للربعة: أي لا طويل ولا قصير، عظيم الهامة. أي وفي رواية: ضخم الرأس، رجل الشعر إذا انفرقت عقيصته، وفي لفظ عقيقته: وهي الشعر المعقوص فرق: أي إذا انفرقت من ذات نفسها فرقها: أي أبقاها مفروقة وإلا تركها معقوصة: أي تركها على حالها لم يفرقها، لم يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره. قال: أي جعله وفرة. وحاصل الأحاديث أن شعره ﷺ وصف بأنه جمة، ووصف بأنه وفرة، ووصف بأنه لمة. وفسرت اللمة: بالشعر الذي ينزل على شحمة الأذن. والجمة بالذي ينزل على المنكبين. قال بعضهم: كان شعره ﷺ يقصر ويطول بحسب الأوقات، فإذا غفل عن تقصيره وصل إلى منكبيه، وإذا قصره تارة ينزل عن شحمة أذنه وتارة لا ينزل عنها. وجاء في وصف شعره ﷺ: ليس بجعد قطط: أي بالغ في الجعودة، ولا رجل سبط: أي بالغ في السبوطة فلا ينافي ما جاء عن علي كرم الله وجهه: كان شعر رسول الله ﷺ سبطا. وعن أم هانىء ﵂: كان له ﷺ أربع غدائر: أي ضفائر، تخرج أذنه اليمنى من بين ضفيرتين، وأذنه اليسرى كذلك. قال ابن القيم ﵀: لم يحلق ﷺ رأسه الشريف إلا أربع مرات انتهى. أزهر اللون: أي أبيض مشرب بحمرة: أي وهي المراد بالسمرة، وفي رواية: كان أسمر، ومن ثم جاء في رواية: كان بياضه ﷺ إلى سمرة، لأن العرب قد تطلق على ومن كان كذلك أي بياضه إلى حمرة أسمر، ومن ثم جاء: ليس بالأبيض الأمهق: أي شديد البياض الذي لا يخالطه حمرة كلون الجص. وعن علي كرم الله وجهه: ليس أبيض شديد الوضح. وفي رواية: شديد البياض، ولا معارضة لأنه محمول على ما كان من جسده تحت الثياب، ومن ثم جاء: أنور المتجرد: وهو ما كشف عنه الثوب من البدن. وقيل المراد بالأمهق الأخضر، فقد قيل إن المهق خضرة الماء، ولا بالآدم: أي شديد الأدمة. واسع الجبين، أي وفي رواية مفاض الجبين: أي واسعه. وفي رواية كان جبين رسول الله ﷺ صلتا: أي أملس. وفي رواية: كان رسول الله ﷺ أجلى الجبين كأنه السراج المتوقد يتلألأ، أزج الحاجبين، سوابغ من غير قرن: أي بين حاجبيه فرجة، وهو البلج، أي والقرن بالتحريك: اتصال شعر الحاجبين. وورد:
أجلى الجبين كأنه السراج المتوقد يتلألأ، أزج الحاجبين، سوابغ من غير قرن: أي بين حاجبيه فرجة، وهو البلج، أي والقرن بالتحريك: اتصال شعر الحاجبين. وورد: مقرون الحاجبين: أي شعرهما متصل بالآخر، لا حاجز بينهما. ولا منافاة لأن ذلك لا يجوز أن يكون بحسب الرائي، لأن الفرجة التي كانت بين حاجبيه يسيرة لا تبين
إلا لمن دقق النظر. بينهما عرق يدره الغضب: أي إذا غضب امتلأ ذلك العرق دما فيظهر ويرتفع. أقنى العرنين: أي سائله مرتفع وسطه: أي وفي وسطه احديداب. وفي رواية: دقيق العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم: أي مرتفعا. أدعج العينين أي شديد سواد العينين. وفي كلام بعضهم: الدعج سواد العين، ويقابله الأشهل وهو من في سواد عينيه حمرة. وقد جاء: أشهل العينين، وأشكل العينين: أي في بياض عينيه ﷺ حمرة. وكانت في الكتب القديمة من علامات نبوته ﷺ كما تقدم، أي وفي رواية: أنجل العينين: أي واسعهما. أهدب الأشفار: أي طويل هدب شعر العينين. أي وعن أبي هريرة ﵁: أكحل العينين. والكحل: سواد هدب العين خلقة. وعن جابر ﵁: إذا نظرت إلى رسول الله ﷺ قلت أكحل: أي في عينيه كحل وليس بالكحل. سهل الخدّين أي وفي رواية أسيل الخدّين: أي ليس في خديه نتوء وارتفاع، ضليع الفم: أي واسعه. أشنب: أي في ريقه برد وعذوبة. مفلج الأسنان: أي مفرّق ما بين الثنايا كما في رواية: أفلج الثنيتين، لأن الفلج تباعد ما بين الثنايا والرباعيات. وفي رواية: برّاق الثنايا. كان إذا تكلم رئي كالنور يخرج من بين ثناياه، يفتر عن مثل حب الغمام: أي إذا ضحك بانت أسنانه كالبرد. وعن أبي هريرة ﵁: حسن الثغر. وعن أنس ﵁: شممت العطر كله فلم أشم نكهة أطيت من نكهته ﷺ. كث اللحية: أي كثير شعرها. وفي رواية: كان رسول الله ﷺ كثيف اللحية، وكان يسرحها بالماء، وكان له ﷺ مشط من العاج وهو الدبل. وقيل شيء يتخذ من ظهر السلحفاة البحرية، ويقال لعظم الفيل عاج أيضا: أي وليس مرادا هنا أي وكان له مقراض: أي مقص يقص به أطراف شاربه. وفي المشكاة عن زيد بن أرقم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من لم يأخذ من شاربه فليس منا» . أي وكان ﷺ يأخذ بالمقراض من عرض لحيته وطولها.
قص يقص به أطراف شاربه. وفي المشكاة عن زيد بن أرقم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من لم يأخذ من شاربه فليس منا» . أي وكان ﷺ يأخذ بالمقراض من عرض لحيته وطولها. وقد لا ينافي ذلك ما جاء: «أمرني ربي بإعفاء لحيتي وقص شاربي» وقال: «من الفطرة قص الأظفار والشارب، وحلق العانة» . وكان ﷺ يكثر دهن رأسه حتى كأن ثيابه ثياب زيات أو دهان. أي وفي لفظ: كان رسول الله ﷺ يكثر التقنع حتى يرى حاشية ثوبه كأنه ثوب زيات أو دهان وليس في شعر رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء.
وعن أنس ﵁ أن شيب لحيته ﷺ كان في عنفقته وصدغيه متفرقا. قال الحافظ ابن حجر ﵀: عرف من مجموع الروايات أن الذي شاب في عنفقته ﷺ أكثر مما شاب في غيرها. وقال ﷺ: «شيبتني هود وأخواتها، فقال له أبو بكر ﵁: ما أخواتها يا رسول الله؟ قال: الواقعة، والقارعة، وسأل سائل، وإذا الشمس كورت، واقتربت الساعة» . وفي رواية: «شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعمّ يتساءلون، وإذا الشمس كوّرت، واقتربت الساعة» وقال ﷺ: «من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة» ولعل شيبه ﷺ لم يخضب. وقيل كان يخضب بالحناء والكتم. وقال: ﷺ «أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم» ونهى ﷺ عن الخضاب بالسواد وقد تقدم. ضليع الفم: أي واسعه وهو مما تمدح به العرب، وتذم بصغر الفم، غاض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جلّ نظره الملاحظة، دقيق المسربة بفتح الميم وإسكان السين ثم راء مضمومة: وهو الخيط الشعر الذي بين الصدر والسرة، كأن عنقه جيد دمية: هي صورة تتخذ من العاج في صفاء الفضة. أي وعن علي كرم الله وجهه: كأن عنقه إبريق فضة، معتدل الخلق بادنا متماسكا: أي ذو لحم متماسك يمسك بعضه بعضا، ليس مسترخي اللحم سواء البطن والصدر: أي مستويهما عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس: وهي رؤوس العظام: أي ملتقى كل عظمين كالمرفقين والمنكبين والركبتين. موصول ما بين اللبة بفتح اللام وتشديد الموحدة المفتوحة: هو المنحر والسرة بشعر يجري كالخيط، وهو المعبر عنه فيما سبق بدقيق المسربة عاري الثديين والبطن وما سوى ذلك. أشعر الذراعين والمناكب. وأعالي الصدر، طويل الزندين: أي عظيم الذراعين، رحب الراحة: أي واسعها. قال أنس رضي الله تعالى عنه: ما مسست حريرا ولا ديباجا ألين من كف رسول الله ﷺ، سائل الأصابع أي طويلها شثن الكفين والقدمين: أي يميلان إلى الغلظ، وذلك ممدوح في الرجال مذموم في النساء. أي وكانت سبابة يديه ﷺ أطول من الوسطى. قال ابن دحية ﵀: وهذا باطل بيقين، ولم يقله أحد من ثقات المسلمين: أي وإنما كان ذلك في أصابع قدميه ﷺ، وهو في ذلك كغيره من الناس. وفي رواية منهوس بالمهملة والمعجمة العقب: أي قليل لحم القدمين. سبط العظام:
قات المسلمين: أي وإنما كان ذلك في أصابع قدميه ﷺ، وهو في ذلك كغيره من الناس. وفي رواية منهوس بالمهملة والمعجمة العقب: أي قليل لحم القدمين. سبط العظام: أي ممتدها لا نتوء فيها.
وفي رواية سبط العصب وهو كل عظم فيه مخ خمصان الأخصمين، ينبو عنهما الماء: أي يتجافى أخمص القدم وهو وسطه: أي شديد التجافي عن الأرض. مسيح القدمين: أي أملسهما، وهذا يوافق ما جاء في رواية: إذا وطىء بقدمه وطىء بكلها ليس له أخمص، إذا زال زال: تقلعا: أي يرفع رجله بقوة ويخطو تكفيا: أي يتمايل إلى قدامه. وقيل يمينا وشمالا كالمختال، ولا يذم إلا من تكلفه لا من كان ذلك جبلة له. ويمشي هونا: أي برفق ووقار دون عجلة. ذريع المشية: أي واسعها إذا امشى كأنما ينحط من صبب. أي وذكر في «سفر السعادة» أن هذه المشية مشية أصحاب الهمم العلية ومن قبله حي، وإن هذا النوع من المشي يسمى مشي الهوينا المذكور في قوله تعالى: وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً [الفرقان: الآية ٦٣] وهو أعدل أنواع المشي، لأن الماشي إما متهاون بالمشي كالخشبة، أو طائش ينزعج وهذان النوعان في غاية القبح، لأن الأول يدل على الخمول وموت القلب. والثاني يدل على خفة الدماغ وقلة العقل ثم قال: وأنواع المشي عشرة هذه الثلاثة منها، وذكر باقيها. وكان ﷺ إذا التفت التفت جميعا أي بسائر جسده، ولا يلوي عنقه كما يفعله أهل الخفة والطيش، يفتح الكلام ويختمه بأشداقه. لا يقال: قد ذم ﷺ المتشدقين. لأنا نقول: المراد بهم من يكثر الكلام من غير احتياط ولا احتراز ومن يلوي أشداقه استهزاء بالناس. وكان ﷺ يتكلم بجوامع الكلم: أي بالكلام القليل الألفاظ الكثير المعاني. فصلا لا فضول فيه ولا تقصير، قال ﷺ: «أعطيت جوامع الكلم» ، واختصر لي الكلام اختصارا. قال: ومن تلك الكلمات «لا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له.
. فصلا لا فضول فيه ولا تقصير، قال ﷺ: «أعطيت جوامع الكلم» ، واختصر لي الكلام اختصارا. قال: ومن تلك الكلمات «لا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له. ما هلك امرؤ عرف قدر نفسه. رحم الله عبدا قال خيرا فغنم أو سكت فسلم. ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها. خير الأمور أوساطها. السعيد من وعظ بغيره» انتهى. إذا أشار بكفه كلها اه وإذا تعجب قلبها وإذا تحدث قارب يده اليمنى من اليسرى فضرب بإبهام اليمنى راحة اليسرى، أي وربما يسبح عند التعجب وربما حرك رأسه وعض شفته، وربما ضرب بيده على فخذه، وربما نكت الأرض بعود. وإذا غضب أعرض بوجهه. أي وكان ﷺ إذا غضب احمر وجهه الشريف، وكان إذا اشتد وجده أكثر من مس لحيته. وفي رواية: إذا اشتد غمه مسح بيده على رأسه ولحيته وتنفس الصعداء أي تنفس طويلا وقال: حسبي الله ونعم الوكيل، جلّ: أي معظم ضحكة التبسم، وكون معظم ضحكة ذلك لا ينافي أنه ﷺ ضحك غير ما مرة حتى بدت نواجذه. وكان ﷺ إذا جرى به الضحك وضع يده على فيه، قال: وكان أكثر أحواله صلى الله عليه وسلم
يمشي منتعلا، وربما مشى ﷺ حافيا. وكان ﷺ لا يأكل من هدية أهديت إليه حتى يأكل منها صاحبها: أي بعد أن أهديت إليه ﷺ الشاة المسمومة. وكان ﷺ يأكل بثلاث أصابع ويلعقهن إذا فرغ يلعق الوسطى، ثم التي يليها ثم الإبهام، وقال: «إن لعق الأصابع بركة» . وكان ﷺ يأمر أصحابه بلعق الصحفة ويقول: «إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة» اه. ونحن نوضح بعض هذه الصفات الظاهرة بعبارة واضحة قريبة للأفهام فنقول: كان ﷺ عظيما معظما في الصدور والعيون كبير الرأس، لأن كبر الرأس يدل على كثرة العقل غالبا، ووجهه كالقمر ليلة البدر، لون جسده الذي ليس تحت الثياب أبيض مشرب بحمرة، طويل الحاجبين مع دقة ما بينهما خال ما الشعر وهو البلج، وضده القرن، وهو أن يتصل شعر أحدهما بالآخر. بين حاجبيه عرق إذا غضب انتفخ، طويل الأنف مع حدب في وسطه ودقة في طرفه ليس في حدبة ارتفاع لأن العرب تذم به. في عينيه شكلة: وهي بياض وحمرة، شديد سواد العين مع اتساعها، واسع الفم، لأن سعة الفم تدل على الفصاحة. بين ثناياه والرباعيات فرجة، ويقال له الفلج. كثير شعر اللحية، شيبه قليل، عنقه كالإبريق الفضة. إذا مشى مال إلى أمامه.
باب يذكر فيه صفته ﷺ الباطنة وإن شاركه فيها غيره كان ﷺ سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب، ولا فحاش، ولا عياب ولا مزاح: أي كثير المزاح، فلا ينافي ما روي: كان ﷺ يمازح أصحابه قال: وقد جاء «إني لأمزح ولا أقول إلا حقا» لكن جاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله ﷺ مزاحا. وكان يقول: إن الله تعالى لا يؤاخذ المزّاح الصادق في مزاحه. وجاء عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم: ما رأيت أحدا أكثر مزاحا من رسول الله ﷺ. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كانت في النبي ﷺ دعابة. وعن بعض السلف: كان للنبي ﷺ مهابة، فكان يبسط الناس بالدعابة. قال ﷺ لعمته صفية لا تدخل الجنة عجوز فبكت، فقال لها وهو يضحك: الله تعالى يقول: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (٣٦) عُرُباً أَتْراباً (٣٧) [الواقعة: الآيات ٣٥- ٣٧] وهن العجائز الرمص:
ه تعالى يقول: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (٣٦) عُرُباً أَتْراباً (٣٧) [الواقعة: الآيات ٣٥- ٣٧] وهن العجائز الرمص:
أي والعرب المتحببة لزوجها التي تقول وتفعل ما تهيج به شهوته إياها، وأترابا: كأنهن ولدن في يوم واحد لأنهن يكن بنات ثلاث وثلاثين سنة. وجاءه ﷺ رجل وطلب أن يحمله على بعير فقال له: إني حاملك على ولد الناقة، فقال: يا رسول الله ما أصنع بولد الناقة؟ قال رسول الله ﷺ: وهل تلد الإبل إلا النوق؟. وقد أتى أزيهر، وفي لفظ زاهر وكان يهدي للنبي ﷺ الهدية من البادية، فكان كلما قدم من البادية يأتي معه بطرف وهدية لرسول الله ﷺ، فيجهزه رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج. وكان ﷺ يقول: زاهر باديتنا ونحن حاضروه. وفي لفظ: لكل حاضر بادية، وبادية آل محمد زاهر، وكان ﷺ يحبه. جاءه يوما وهو يبيع متاعه في السوق وكان رجلا دميما، فاحتضنه من خلفه، فقال أرسلني، من هذا؟ فلما عرف أنه رسول الله ﷺ صار يمكن ظهره من صدره الشريف ﵊، وجعل رسول الله ﷺ يقول: من يشتري العبد؟ فقال: يا رسول الله تجدني كاسدا، فقال رسول الله ﷺ: ولكن عند الله لست بكاسد أو قال: أنت عند الله غال. ويجوز أن يكون ﷺ جمع بين هذين اللفظين، وكل روى ما سمع منهما. وعن عائشة ﵂ قالت: «خرجت مع النبي ﷺ في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم، فقال ﷺ للناس: تقدموا فتقدموا، ثم قال لي تعالي حتى أسابقك، فسابقته فسبقته، فسكت حتى إذا حملت اللحم، وكنا في سفرة أخرى، قال ﷺ للناس تقدموا فتقدموا ثم قال لي: تعالي حتى أسابقك فسابقته فسبقني، فجعل ﷺ يضحك ويقول: هذه بتلك. وعن أنس ﵁ قال: دخل ﷺ على أمي فوجد أخي أبا عمير حزينا، فقال: يا أم سليم، ما بال أبي عمير حزينا؟ فقالت: يا رسول الله مات نغيره: تعني طيرا كان يلعب به، فقال ﷺ: أبا عمير ما فعل النغير: وكان كلما رآه قال له ذلك.
ل: يا أم سليم، ما بال أبي عمير حزينا؟ فقالت: يا رسول الله مات نغيره: تعني طيرا كان يلعب به، فقال ﷺ: أبا عمير ما فعل النغير: وكان كلما رآه قال له ذلك. وعن عائشة ﵂ قالت: أتيت النبي ﷺ بحريرة طبختها فقلت لسودة والنبي ﷺ بيني وبينها كلي فأبت، فقلت لها: كلي كلي، أو لأطلخن وجهك فأبت، فوضعت يدي فيها فطليت وجهها، فضحك ﷺ وأرخى فخذه لسودة، وقال: الطخي وجهها فلطخت وجهي، فضحك النبي ﷺ أي وقال ﷺ يوما لعائشة: ما أكثر بياض عينك انتهى. وكان ﷺ يتغافل عما لا يشتهي، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء، والأكبار، وما لا يعنيه. وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا، ولا يعيره، ولا يطلب
عورته، وكان ﷺ يقابل السيئة بالحسنة، ولا يذم ذواقا ولا يمدحه. والذواق الشيء، يقال ما ذقت ذواقا: أي شيئا من طعام أو شراب. وعن عبد الله بن أبي بكر ﵄ عن رجل من العرب. قال: زحمت رسول الله ﷺ يوم حنين وفي رجلي نعل كثيفة، فوطئت بها على رجل رسول الله ﷺ، فبعجني بعجة بسوط في يده، وقال: بسم الله أوجعتني، قال: فبت لنفسي لائما، أقول أوجعت رسول الله ﷺ، فلما أصبحنا إذا رجل يقول أين فلان، فانطلقت وأنا متخوف، فقال لي رسول الله ﷺ: إنك وطئت بنعلك على رجلي بالأمس فأوجعتني فبعجتك بالسوط فهذه ثمانون نعجة فخذها بها، ولما نزل قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) [الأعراف: الآية ١٩٩] قال له جبريل ﵇، أي بعد أن سأله ﷺ في ذلك: إن ربك ﷿ يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك. وفي الحديث: «لا ينال عبد صريح الإيمان حتى يكون كذلك» وفي الحديث إن ذلك أفضل أهل الدنيا والآخرة.
يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك. وفي الحديث: «لا ينال عبد صريح الإيمان حتى يكون كذلك» وفي الحديث إن ذلك أفضل أهل الدنيا والآخرة. وكان ﷺ لا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق والمسألة، لا يقطع على أحد حديثه، ولا يتكلم في غير حاجة، يعظم النعمة وإن دقت، لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها. وإنما يغضب إذا تعرض للحق بشيء وعند غضبه لذلك لا يثنيه شيء عن الانتصار له، ويكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويتفقد أصحابه ويسأل عنهم، فإن كان غائبا دعا له، وإن كان شاهدا زاره، وإن كان مريضا عاده، ويسأل الناس عما الناس فيه، أفضل الناس عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة، أحسنهم مواساة، لا يجلس، ولا يقوم إلا عن ذكر، وإذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك ويعطي كل واحد من جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه أحدا أكرم عليه منه. من جالسه أو نادمه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه. من سأله حاجة لم يردّه إلّا بها أو بميسور من القول. عنده الناس في الحق سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء: لا ترفع فيه الأصوات، ولا يتنازعون عنده الحديث. إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير: أي على غاية من السكون والوقار لأن الطير لا تكاد تقع إلا على ساكن، وإذا تكلم عنده أحد أنصتوا له حتى يفرغ من حديثه: أي لا يقطع بعضهم على بعض حديثه، يضحك مما يضحكون، ويعجب مما يعجبون.
فقد ذكر أن أبا بكر ﵁ خرج تاجرا إلى بصرى ومعه نعيمان بن عمرو الأنصاري وسويط بن حرملة وكلاهما بدري. وكان سويط على زاد أبي بكر فجاءه نعيمان وقال له أطعمني، فقال: لا حتى يأتي أبو بكر وكان نعيمان رجلا مضحاكا مزاحا فيه دعابة وله أخبار ظريفة في دعابته، فقال لسويط: لأغيظنك، فذهب إلى ناس، وفي رواية: فمروا بقوم، فقال لهم نعيمان: تشترون من عبدا لي؟ قالوا نعم. قال: إنه عبد له كلام وهو قائل لكم لست بعبده، أنا رجل حر، فإن كان إذا قال لكم هذه تركتموه فلا تشتروه ولا تفسدوا عليّ عبدي، قالوا لا بل نشتريه، ولا ننظر في قوله، فاشتروه منه بعشرة قلائص، فأقبل بها يسوقها، وأقبل بالقوم حتى عقلها، ثم قال: دونكم هو هذا، فجاء القوم له وقالوا له: قد اشتريناك، فقال: هو كاذب أنا رجل حر، وفي رواية أنهم وضعوا عمامته في عنقه، فقال لهم: إنه يتهزأ ولست بعبده، فقالوا له قد أخبرنا بخبرك، فطرحوا الحبل في عنقه وذهبوا به، ولم يسمعوا كلامه، فجاء أبو بكر ﵁، فأخبره خبره، فذهب هو وأصحابه وأتبعوا القوم، وأخبروهم أنه يمزح، وردوا عليهم القلائص، وردوا سليطا منهم، فلما قدموا على رسول الله ﷺ أخبروه الخبر، فضحك من ذلك رسول الله ﷺ حولا كاملا، لأن سفر أبي بكر ﵁ كان قبل وفاته ﷺ بعام. ووقع لنعيمان هذا أنه مر بمخرمة بن نوفل ﵁ وقد كف بصره وهو يقول ألا رجل يقودني حتى أبول، فأخذ بيده نعيمان، فلما بلغ مؤخر المسجد قال له: ههنا فبال فصاح الناس به، فقال: من قادني؟ قيل نعيمان، فقال ﷺ عليّ أن أضربه بعصاي هذه، فبلغ نعيمان فأتاه، فقال له: هل لك في نعيمان؟ قال نعم، قال: فقم فقام معه، فأتى به عثمان بن عفان ﵁ وهو إذ ذاك أمير المؤمنين وهو يصلي، فقال: دونك الرجل، فجمع يديه في العصا ثم ضربه، فقال الناس: أمير المؤمنين، فقال: من قادني؟ فقيل نعيمان، قال: لا أعود إلى نعيمان أبدا.
لمؤمنين وهو يصلي، فقال: دونك الرجل، فجمع يديه في العصا ثم ضربه، فقال الناس: أمير المؤمنين، فقال: من قادني؟ فقيل نعيمان، قال: لا أعود إلى نعيمان أبدا. وجاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فدخل المسجد وأناخ راحلته بفنائه فقال بعض الصحابة لنعيمان: لو نحرتها فأكلناها؟ فإنا قد قرمنا إلى اللحم، ويغرم رسول الله ﷺ حقها، فنحرها نعيمان، فخرج الأعرابي فرأى راحلته، فصاح: واعقراه يا محمد، فخرج النبي ﷺ، فقال: من فعل هذا؟ قالوا نعيمان، فأتبعه النبي ﷺ يسأل عنه، فوجده في دار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب قد اختفى في خندق وجعل عليه الجريد، فأشار إليه رجل ورفع صوته: ما رأيته يا رسول الله وأشار بأصبعه حيث هو، فأخرجه رسول الله ﷺ وقد تعفر وجهه بالتراب، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: الذين دلوك عليّ يا رسول الله هم الذين أمروني، فجعل رسول الله ﷺ يمسح عن وجهه التراب ويضحك، ثم غرم ﷺ ثمنها.
وكان ﵁ إذا دخل المدينة طرفة اشتراها في ذمته، ثم جاء بها إلى النبي ﷺ ويقول: يا رسول الله هذه هدية، فإذا جاء صاحبها يطلب ثمنها جاء به إلى النبي ﷺ وقال له: أعط هذا ثمن ما جئت به إليك، فيقول له رسول الله ﷺ: أو لم تهد ذلك لي؟ فيقول: يا رسول الله لم يكن عندي ثمنه، وأحببت أن يكون لك، فيضحك رسول الله ﷺ ويأمر لصاحبه بثمنه. وكان ﷺ دائم البشر ضحوك السن: أي أكثر أحواله ذلك حسما رآه هذا المخبر، فلا ينافي أنه ﷺ كان متواصل الأحزان، دائم الفكرة ليست له راحة، فإنه بحسب ما كان عند ذلك المخبر. وفي كلام ابن القيم ﵀: قد صانه الله عن الحزن في الدنيا وأسبابها، ونهاه عن الحزن على الكفار، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فمن أين يأتيه الحزن، بل كان دائم البشر ضحوك السن، كذا قال. وفي كلام الإمام أبي العباس بن تيمية ﵀: ليس المراد الحزن الذي هو الألم على فوات مطلوب أو حصول مكروه، فإن ذلك منهي عنه، وإنما المراد به الاهتمام واليقظة لما يستقبله من الأمور، وهذا مشترك بين القلب والعين. وسئلت عائشة ﵂ عن خلقه ﷺ فقالت: خلقه القرآن: أي ما ذكره القرآن: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) [القلم: الآية ٤] وإنه تأدب بآدابه وتخلق بمحاسنه.
. وسئلت عائشة ﵂ عن خلقه ﷺ فقالت: خلقه القرآن: أي ما ذكره القرآن: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) [القلم: الآية ٤] وإنه تأدب بآدابه وتخلق بمحاسنه. وقد قال ﷺ: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال» . قال: وذكر في عوارف المعارف أن في قول عائشة ﵂ خلقه القرآن سرا غامضا، حيث عدلت إلى ذلك عن قولها كان متخلقا بأخلاق الله سترا للحال بلطف المقال استحياء من سبحات ذي الجلال اه، أي فكان ﷺ متصفا بما فيه من الاجتهاد في طاعة الله والخضوع له، والانقياد لأمره والشدة على أعدائه، والتواضع لأوليائه، ومواساة عباده وإرادة الخير لهم، والحرص على كمالهم، والاحتمال لأذاهم، والقيام بمصالحهم وإرشادهم إلى ما يجمع لهم خيري الدنيا والآخرة مع التعفف عن أموالهم إلى غير ذلك من الأخلاق الفاضلة والصفات الكاملة التي اتصف بها ﷺ وشرف وكرم. وكان ﷺ أشد الناس خشية وخوفا من الله، أي ومن ثم كان ﷺ يقول: «أنا أتقاكم ﷺ، وأخوفكم منه» . وعن عائشة ﵂ قالت: «أتاني رسول الله ﷺ ليلة فدخل معي في لحافي، ثم قال: ذريني أتعبد لربي، فقام ﷺ فتوضأ ثم قام فصلى فبكى حتى سال
دمعه على صدره، ثم ركع فبكى، ثم سجد فبكى ثم رفع رأسه فبكى، فلم يزل كذلك حتى جاءه بلال ﵁ فآذنه بالصلاة، فقلت: يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا، ولم لا أفعل وقد أنزل الله تعالى عليّ في هذه الليلة: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠) [آل عمران: ١٩٠] إلى قوله: سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٩١) [آل عمران: الآية ١٩١] . وكان ﷺ يقول: «أواه من عذاب الله قبل أن لا ينفع أواه» أي وعن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «أول من صنعت له النورة ودخل الحمام سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، فلما دخله وجد حره وغمه قال: أواه من عذاب الله، أواه أواه قبل أن لا يكون أواه» . أي وفي «سفر السعادة» : لم يدخل ﷺ الحمام أبدا، والحمام الموجودة الآن بمكة شرفها الله تعالى المشهورة بحمام النبي ﷺ لعلها بنيت في موضع اغتسل فيه ﷺ مرة، هذا كلامه. وأرسل ﷺ وصيفة فأبطأت عليه، فقال لها: لولا خوف القصاص لأوجعتك بهذا السواك. وما ضرب ﷺ بيده الشريفة امرأة ولا خادما من أهله. قال: وعن خادمه أنس ﵁: ما أمرني رسول الله ﷺ بأمر فتوانيت عنه، أو ما صنعته فلامني، ولا لامني أحد من أهله ﷺ إلا قال دعوه. وفي لفظ: خدمته في السفر والحضر عشر سنين والله ما قال لي في شيء صنعته لم صنعت هذا هكذا ولا لشيء لم أصنعه هذا هكذا؟ وهذا يدل على أنه ﵁ خدمه أنس له ﷺ عند قدومه المدينة، وتقدم أن في بعض الروايات ما يدل على أن ابتداء خدمة أنس له ﷺ في فتح خيبر، وتقدم ما فيه. ووصف ﷺ في الكتب القديمة بأن حلمه ﷺ يسبق غضبه، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما. وقد تقدمت قصته ﷺ مع اليهودي الذي طلب منه وفاء ما اقترض منه ﷺ قبل حلول الأجل ونظيرها. وعن عائشة ﵂ أنه ﷺ لم يكن فحاشا. استأذن على النبي ﷺ رجل، فلما رآه ﷺ قال: بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة، فلما جلس تطلق النبي في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة ﵂: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه.
فلما جلس تطلق النبي في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة ﵂: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه. فقال ﷺ: يا عائشة متى عهدتني فحاشا؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من
تركه الناس اتقاء شره. قال ابن بطال ﵀: إن هذا الرجل هو عيينة بن حصن، لأنه كان يقال له الأحمق المطاع، وهو ﷺ إنما تطلق في وجهه تألفا له ليسلم قومه، لأنه كان المطاع فيهم. وأما ذمه ﷺ له فلأنه يعلم ما يقع منه بعد، فإنه ارتد في زمن الصديق ﵁ وحارب ثم رجع وأسلم. أي وقد قيل إن سبب نزول قوله تعالى: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا [الكهف: الآية ٢٨] الآية أن عيينة هذا قال للنبي ﷺ، وقد قال له أسلم قال: على أن تبني لي مقصورة في مسجدك هذا أكون أنا وقومي فيها وتكون أنت معي. ومن تأمل سيرته ﷺ مع أهله وأصحابه وغيرهم من الفقراء والأيتام والأرامل والضعفاء والمساكين علم أنه ﷺ بلغ الغاية في التواضع ورقة القلب ولين الجانب. وعن أنس ﵁: أرسلني رسول الله ﷺ في حاجة يوما. فقلت: والله لا أذهب وفي نفسي أني أذهب، فخرجت على صبيان يلعبون في السوق، وإذا رسول الله ﷺ قد قبض ثيابي من ورائي، فنظرت إليه ﷺ وهو يضحك فقال: يا أنيس اذهب حيث أمرتك. فقلت نعم أنا أذهب يا رسول الله اه. وكان ﷺ أحسن الناس خلقا، وأرجح الناس حلما، وأعظم الناس عفوا، وأسخى الناس كفا. وكان ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة، وقال ﷺ يوما لأصحابه وقد اضطروه إلى شجرة فخطفت رداؤه الشريف فوقف، ثم قال: أعطوني ردائي، لو كان لي عدد هذه العضاة نعما لقسمته بينكم. وفي رواية: «لو أن لي مثل جبال تهامة ذهبا لقسمته بينكم ثم لا تجدوني كذوبا، ولا بخيلا، ولا جبانا» كما تقدم. وكان ﷺ أشجع الناس قلبا، وأشد الناس بأسا وأشد الناس حياء. وكان أشد حياء من البنت البكر في خدرها أي بيتها وسترها، وكان إذا فرح، غض طرفه، وإذا أخذه العطاس وضع يده أو ثوبه على فيه وخفض صوته، وربما غطى وجهه بيده أو ثوبه.
حياء من البنت البكر في خدرها أي بيتها وسترها، وكان إذا فرح، غض طرفه، وإذا أخذه العطاس وضع يده أو ثوبه على فيه وخفض صوته، وربما غطى وجهه بيده أو ثوبه. وكان يحب الفأل الحسن، ويغير الاسم القبيح بالحسن كما تقدم، وربما غير الحسن بالقبيح كما تقدم. وكان يقول لأصحابه: إذا أرسلتم لي رسولا فليكن حسن الاسم، حسن الوجه. من ذلك أن شخصا كان سادنا: أي خادما الصنم، وكان يسمى غاوي بن ظالم. فبينما هو عند صنمه إذ أقبل ثعلبان إلى الصنم ورفع كل واحد منهما رجله
وبال على رأس ذلك الصنم، فلما رأى ذلك كسر ذلك الصنم وأنشد: أربّ يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب وأتى رسول الله ﷺ، فقال له كيف اسمك؟ فقال: غاوي بن ظالم. فقال ﷺ له: بل أنت راشد بن عبد ربه. ومن هذا السياق يعلم أن الثعلبان بفتح الثاء المثلثة مثنى ثعلب لا بضمها ذكر الثعالب كما قيل. ومن تغيير الاسم القبيح بالحسن ما وقع له ﷺ في غزوة ذي قرد أنه مر على ماء فسأل عنه، فقيل له: هذا اسمه بئسان وهو مالح. فقال: لا، بل اسمه نعمان وهو طيب، فانقلب عذبا. واشتراه طلحة بن عبيد الله ﵁ ثم تصدق به، فلما جاء إليه ﷺ وأخبره بذلك قال له رسول الله ﷺ: ما أنت يا طلحة إلا فياض فسمي طلحة الفياض. وكان ﷺ يشاور أصحابه في الأمر. قالت عائشة ﵂: ما رأيت رجلا أكثر مشاورة للرجال من رسول الله ﷺ. وكان ﷺ إذا حلف قال: لا ومقلب القلوب، وربما قال في يمينه وأستغفر الله، وإذا اجتهد في اليمين قال: لا، والذي نفس أبي القاسم بيده، وربما قال: والذي نفس محمد بيده، وربما قال في يمينه: لا، وأستغفر الله والذي نفسي بيده. وكان ﷺ أكثر الناس إغضاء عن العورات. وكان إذا كره شيئا عرف في وجهه، ولم يشافه أحدا بمكروه حتى إذا بلغه عن أحد ما يكرهه لم يقل ما بال فلان يقول أو يفعل كذا. بل يقول: ما بال أقوام يقولون أو يفعلون كذا. لا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح، أوسع الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشيرة. ما دعاه أحد من أصحابه أو أهل بيته إلا قال لبيك، يخالط أصحابه، ويحادثهم، ويداعب، أي يمازح صبيانهم، ويجلسهم في حجره الشريف.
لينهم عريكة، وأكرمهم عشيرة. ما دعاه أحد من أصحابه أو أهل بيته إلا قال لبيك، يخالط أصحابه، ويحادثهم، ويداعب، أي يمازح صبيانهم، ويجلسهم في حجره الشريف. أي فقد كان ﷺ يصفّ أولاد عمه العباس عبد الله وعبيد الله وغيرهما ﵃ ويقول: من سبق إليّ فله كذا، فيستبقون إليه فيقاعدون على صدره الشريف فيقبلهم ويلتزمهم. ويجيب دعوة الحر والعبد والأمة والمسكين، ويعود المرضى في أقصى المدينة، ويشهد الجنائز، ويقبل عذر المعتذر. ما وضع أحد فمه في أذنه إلا استمر صاغيا له حتى يفرغ من حديثه ويذهب، وما أخذ أحد بيده فيرسل يده ﷺ منه حتى يكون الآخذ هو الذي يرسلها. وكان ﷺ يبدأ من لقيه بالسلام، ويبدأ أصحابه بالمصافحة، ولم ير قط مادا
رجليه بين أصحابه. يكرم من يدخل عليه، وربما بسط له رداءه وآثره بالوسادة التي تحته، ويعزم عليه بالجلوس عليها إن أبي، ويدعو أصحابه بأحب أسمائهم ويكنيهم، ولا يجلس إليه أحد وهو يصلي إلا خفف صلاته، وسأله عن حاجته، فإذا فرغ عاد إلى صلاته، وطعن في الحديث الذي ورد بذلك، وإذا سمع بكاء الصغير وهو يصلي تجوّز فيها: أي خففها. أكثر الناس شفقة على خلق الله تعالى وأرأفهم بهم وأرحمهم بهم، قال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) [الأنبياء: الآية ١٠٧] ومن ثم رغب ﷺ إلى الله تعالى أن يجعل سبه ولعنه لأحد من المسلمين رحمة له: أي إذا كان لا يستحق ذلك السب في باطن الأمر ويستحقه في ظاهر الأمر. أي وقال ﷺ: «من لا يرحم لا يرحم» أوصل الناس للرحم، وأقومهم بالوفاء وحسن العهد. وكان ﷺ يقول: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» . وكان يركب الحمار: أي وربما ركبه عريانا ويردف خلفه. فعن أنس ﵁: رأيته ﷺ يوما على حمار خطامه ليف، أي وقد جاء أن ركوب الحمار براءة من الكبر، وكان يجلس على الأرض، وكان يشرب قائما وقاعدا وينتعل قائما وقاعدا، ويصلي منتعلا وحافيا. وفي لفظ: كان أكثر صلاته ﷺ في نعليه وكان يحب التيامن في شأنه كله في طهوره وترجله وتنعله، وكان يحب السواك حتى لقد أحفى لثته. وكان يكتحل بالإثمد عند النوم ثلاثا في كل عين. وفي لفظ: ثلاثا في اليمنى ومرتين في اليسرى. وقال ﷺ: «عليكم بالإثمد، فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر، وإنه من خير أكحالكم» وكان يعود المساكين ويجلس بين أصحابه. «وحج ﷺ على رحل رث عليه قطيفة ما تساوي أربعة دراهم، وقال: اللهم اجعله حجا مبرورا لا رياء فيه ولا سمعة» كما تقدم، وأهدى في حجة ذلك مائة بدنة كما تقدم. وكان يفلي ثوبه، أي وإن كان من خصائصه ﷺ أن القمّل لا يؤذيه، ويحلب شاته، ويخصف نعله، ويرقع ثوبه ويخدم نفسه، ويعلف ناضحه وهو الجمل الذي يسقي عليه الماء، ويقمّ البيت.
ه، أي وإن كان من خصائصه ﷺ أن القمّل لا يؤذيه، ويحلب شاته، ويخصف نعله، ويرقع ثوبه ويخدم نفسه، ويعلف ناضحه وهو الجمل الذي يسقي عليه الماء، ويقمّ البيت. قال وعن عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يعمل عمل البيت، وأكثر ما يعمل الخياطة، ما يرى فارغا قط في بيته، إما يخصف نعلا لرجل مسكين، أو يخيط ثوبا لأرملة انتهى، ويأكل مع الخادم، ويحمل بضاعته من السوق، ويحب الطيب، ويأمر به.
وكان يتطيب بالمسك والغالية، ويتبخر بالعود والعنبر والكافور، ويأمر أصحابه بالمشي أمامه. ويقول: «خلو ظهري للملائكة» زاهدا في الدنيا. ما ترك درهما ولا دينارا. توفي ودرعه مرهونة، وتقدم أنها ذات الفضول عند يهودي وتقدم أنه أبو الشحم على نفقة عياله، وتقدم أن ذلك كان ثلاثين صاعا من شعير، وكان الأجل سنة. وكان ﷺ يقول: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا» . ما شبع ثلاثة أيام تباعا من خبز البر حتى فارق الدنيا. وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: لقد رأيت نبيكم ﷺ وما يجد من الدقل ما يملأ بطنه. وفي رواية: ما شبع يومين من خبز الشعير. أي ومعلوم أن ذلك إنما هو لتتأسى به أمته في الإعراض عن الدنيا. قالت عائشة ﵂: قال لي رسول الله ﷺ: «إني عرض عليّ أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا، فقلت: لا يا رب، أجوع يوما، وأشبع يوما، فأما اليوم الذي أجوع فيه فأضرع إليك وأدعوك، وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك وأثني عليك» . قال ﷺ: «ما لي وللدنيا، إنما أنا في الدنيا كرجل سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة حتى مال الفيء فتركها ولم يرجع إليها» . وقال ﷺ: «ما أبالي بما رددت به عني الجوع» ولم ينخل له ﷺ دقيق الشعير. قال: وعن عائشة ﵂ أنها قالت: والذي بعث محمدا بالحق ما رأى منخلا، ولا أكل خبزا منخولا منذ بعثه الله تعالى إلى أن قبض. فقيل لها: كيف كنتم تصنعون بالشعير؟ قالت: كنا نقول أف أف انتهى، أي فيطير ما طار، وما بقي عجناه: ولا خبز له ﷺ مرقق. ولا أكل النقي من الخبز.
إلى أن قبض. فقيل لها: كيف كنتم تصنعون بالشعير؟ قالت: كنا نقول أف أف انتهى، أي فيطير ما طار، وما بقي عجناه: ولا خبز له ﷺ مرقق. ولا أكل النقي من الخبز. وعن أنس ﵁ قال: جاءت فاطمة ﵂ بكسرة خبز إلى النبي ﷺ، فقال: «ما هذه الكسرة يا فاطمة؟ قالت: قرص خبزته فلم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه الكسرة، فقال ﷺ: أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام» أي فإنه ﷺ كان يبيت الليالي المتابعة طاويا. ولا أكل على خوان قط، إنما كان يأكل على السفرة، وربما وضع ﷺ طعامه على الأرض. أي وخطب ﷺ يوما فقال: والله ما أمسى في بيت محمد صاع من طعام وإنها لتسعة أبيات. قال الحسن: والله ما قالها استقلالا لرزق الله، ولكن أراد ﷺ أن تتأسى به أمته. وعن أبي هريرة ﵁: كان يمر هلال ثم هلال لا يوقد في بيت من
بيوت رسول الله ﷺ نار لا لخبز ولا لطبخ، فقيل له: بأي شيء كانوا يعيشون يا أبا هريرة؟ فقال: بالأسودين الماء والتمر. وعن ابن عباس ﵄ قال: والله لقد كان يأتي على آل محمد ﷺ الليالي ما يجدون فيها عشاء. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أهدى لنا أبو بكر شاة قالت إني لأقطعها مع رسول الله ﷺ في ظلمة البيت، فقال لها قائل: أما كان لكم سراج؟ فقالت: لو كان لنا ما نسرج به أكلناه. وكان ﷺ لا يجمع في بطنه بين طعامين، إن أكل لحما لم يزد عليه، وإن أكل تمرا لم يزد عليه، وإن أكل خبزا لم يزد عليه، ولم يكن له ﷺ إلا ثوب واحد من قطن، قصير الكمين، كمه إلى الرسغ، وطوقه مطلق من غير أزرار. أي وفي لفظ: كان قميص رسول الله ﷺ قطنا، قصير الطول، قصير الكمين، كمه إلى الرسغ. وكان له ﷺ جبة ضيقة الكمين، وكان له رداء طوله أربعة أذرع وعرضه ذراعان وشبر من نسج عمان. وكان له ﷺ بردة يمانية طولها ستة أذرع في عرض ثلاثة أذرع وشبر، كان يلبسهما في يوم الجمعة والعيدين ثم يطويان. وكان له ﷺ رداء أخضر طوله أربعة أذرع وعرضه ذراعان وشبر تداولته الخلفاء. وكان له ﷺ عمامة تسمى السحاب، كساها علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فكان ربما طلع عليه علي كرم الله وجهه فيقول ﷺ: أتاكم عليّ في السحاب، يعني عمامته التي وهبها له ﷺ.
مة تسمى السحاب، كساها علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فكان ربما طلع عليه علي كرم الله وجهه فيقول ﷺ: أتاكم عليّ في السحاب، يعني عمامته التي وهبها له ﷺ. وكان إذا اعتم يرخي عمامته بين كتفيه، وكان يلبس القلنسوة اللاطئة: أي اللاصقة بالرأس، وذات الآذان كان يلبسها في الحروب، والقلانس الطول إنما حدثت في أيام الخليفة المنصور. وكان ﷺ يقول: «فرق بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس» أي فإنه ﷺ كان يلبس القلانس تحت العمائم، ويلبس القلانس بغير عمائم ويلبس العمائم بغير قلانس. وكان له ﷺ عمامة سوداء دخل يوم فتح مكة لابسها. وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: «كان للنبي ﷺ عمامة سوداء يلبسها في العيدين ويرخيها خلفه» . وجاء أن جبريل ﵇ كانت عمامته يوم غرق فرعون سوداء. ومقدار
عمامته الشريفة ﷺ لم يثبت في حديث. قال بعض الحافظ أنها كانت نحو العشرة أذرع أو فوقها بيسير، وكانت له ﷺ خرقة إذا توضأ تمسح بها، هذا. وفي «سفر السعادة» : لم يكن ﷺ ينشف أعضاءه بعد الوضوء بمنديل ولا منشفة، وإن أحضروا له شيئا من ذلك أبعده. والحديث المروي عن عائشة ﵁: كانت له ﷺ نشافة يتنشف بها بعد الوضوء. وحديث معاذ ﵁ في معناه كلاهما ضعيف وقال: تنشيف الأعضاء من الوضوء لم يصح فيه حديث. وكانت له ﷺ ملحفة مورسة إذا أراد أن يدور على نسائه رشها بالماء أي لتظهر رائحتها. وكان يصبغ قميصه ورداءه وعمامته بالزعفران. أي وفي لفظ: كان يصبغ ثيابه كلها بالزعفران حتى العمامة. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وعليه قميص أصفر ورداء أصفر وعمامة صفراء. وعن ابن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه: كان أحب الصبغ إلى رسول الله ﷺ الصفرة. وقال الحافظ الدمياطي ﵀: ويعارض هذه الأحاديث ما روي في الصحيح أن رسول الله ﷺ نهى عن المزعفر، وفي لفظ: نهى عن أن يتزعفر الرجل. أي وقد يقال: على تقدير صحة تلك الأحاديث فهي منسوخة، أو كان ذلك من خصوصياته ﷺ. وقد صح أنه ﷺ اشترى السراويل. واختلف هل لبسها؟ فقيل نعم، ففي الأوسط للطبراني ومسند أبي يعلى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: دخلت يوما السوق مع رسول الله ﷺ فجلس إلى بزازين، فاشترى سراويل بأربعة دراهم، وكان لأهل السوق وزّان، فقال له رسول الله ﷺ أوزن وأرجح. وأخذ رسول الله ﷺ السراويل فذهبت لأحمله عنه، فقال: «صاحب الشيء أحق بشيئه أن يحمله إلا أن يكون ضعيفا يعجز عنه فيعينه أخوه المسلم. قلت يا رسول الله إنك لتلبس السراويل. قال: أجل في السفر والحضر، وبالليل وبالنهار، فإني أمرت بالستر، فلم أجد شيئا أستر منه» ومخرجه هو وشيخه ضعيفان. وكان ﷺ يقول: «اللهم توفني فقيرا ولا توفني غنيا، واحشرني في زمرة المساكين، وفي لفظ آخر «اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين، فإن أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة، أتتني الدنيا خضرة حلوة، ورفعت إليّ رأسها وتزينت لي، فقلت: إني لا أريدك، لا حاجة لي فيك.
كين، فإن أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة، أتتني الدنيا خضرة حلوة، ورفعت إليّ رأسها وتزينت لي، فقلت: إني لا أريدك، لا حاجة لي فيك. ولو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقي الكافر منها شربة ماء» انتهى. وعن ابن عباس ﵄: كان النبي ﷺ يبيت هو وأهله الليالي المتتابعة طاويا لا يجدون عشاء.
قال: وكان ﷺ يقول: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، الفاقة أحب إليّ من اليسار» وعن عائشة ﵂ قالت: «كنت أرثي له ﷺ من الجوع، وأقول نفسي لك الفداء، لو تبلغت من الدنيا بقدر ما يقويك ويمنع عنك الجوع، فيقول: يا عائشة إن إخواني من أولي العزم من الرسل قد صبروا على ما هو أشد من هذا، فمضوا على حالهم، فتقدموا على ربهم، فأكرمهم وأجزل ثوابهم أخشى إن ترفعت في معيشتي أن يقصر بي دونهم، فأصبر أياما يسيرة أحب إليّ من أن ينقص حظي غدا في الأخرى، وما من شيء أحب إليّ من اللحوق بإخواني» . قال: وقال ﷺ: «يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولالآل محمد. يا عائشة إن الله لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر، وقال: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف: الآية ٣٥] والله أصبرن جهدي ولا قوة إلا بالله» انتهى. وكان ﷺ يقول: «لا تطروني كما أطرت النصاري عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» وكان ﷺ على غاية من الإعراض عن الدنيا، وكان يصلي على الحصير وعلى الفروة المدبوغة، وربما نام على الحصير فأثرت في جسده الشريف. وكان ينام على شيء أدم محشو ليفا، فقيل له في ذلك؟ فقال: «ما لي وللدنيا؟» . وعن عائشة ﵂: «دخلت امرأة من الأنصار فرأت ذلك الأدم» . وفي لفظ رأت فراش رسول الله ﷺ عباءة مثنية فانطلقت فبعثت إليه بفراش حشوة صوف، فدخل عليّ رسول الله ﷺ فقال: ما هذا؟ فقلت: يا رسول الله فلانة الأنصارية دخلت عليّ فرأت فراشك فذهبت فبعثت هذا، فقال: رديه، فلم أرده وأعجبني أن يكون في بيتي حتى قال ذلك ثلاث مرات، فقال: والله يا عائشة لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة» .
فذهبت فبعثت هذا، فقال: رديه، فلم أرده وأعجبني أن يكون في بيتي حتى قال ذلك ثلاث مرات، فقال: والله يا عائشة لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة» . وعنها ﵂ أنها كانت تفرش تلك العباءة مثنية طاقين، ففي بعض الليالي ربعتها، فنام ﷺ عليها ثم قال: «يا عائشة ما لفراشي الليلة ليس كما يكون؟ قلت: يا رسول الله ربعتها، قال: فأعيديه كما كان» . وكان ﷺ إذا استجدّ ثوبا قال: «اللهم لك الحمد، أنت كسوتنيه، أسألك من خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له» . وكان يقول لأصحابه كلهم ﵃: «إذا لبس أحدكم ثوبا فليقل الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي» قال: وكان أرجح الناس عقلا: والعقل مائة جزء: تسعة وتسعون في النبي ﷺ، وجزء في سائر الناس.
وعن وهب بن منبه: قرأت في أحد وسبعين كتابا أنه ﷺ أرجح الناس وأفضلهم رأيا. وفي رواية: وجدت في جميعها أن الله تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انتهائها من العقل في جنب عقله ﷺ إلا كحبة بين رمال الدنيا. ومما يتفرغ على العقل اقتناء الفضائل، واجتناب الرذائل، وإصابة الرأي، وجودة الفطنة وحسن السياسة والتدبير، وقد بلغ من ذلك ﷺ الغاية التي لم يبلغها بشر سواه. ومما يكاد يقضي منه العجب حسن تدبيره ﷺ للعرب الذين هم كالوحوش الشاردة، كيف ساسهم، واحتمل جفاهم، صبر على أذاهم إلى أن انقادوا إليه ﷺ، واجتمعوا عليه، واختاروه على أنفسهم، وقاتلوا دونه أهلهم وآباءهم وأبناءهم وهاجروا في رضاه أوطانهم انتهى، والله أعلم.
باب يذكر فيه مدة مرضه، وما وقع فيه، ووفاته ﷺ التي هي مصيبة الأولين والآخرين من المسلمين ذكر أنه ﷺ خرج إلى البقيع من جوف الليل فاستغفر لهم. فعن أبي مويهية مولى رسول الله ﷺ: «أن رسول الله ﷺ، قال له في جوف الليل، إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي، قال: فانطلقت معه فلما وقف بين أظهرهم، قال: السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، لو تعلمون ما نجاكم الله منه أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها والأخيرة شر من الأولى، قال: ثم أقبل عليّ، وقال: يا أبا مويهية هل علمت أني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، وخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي، فاخترت لقاء ربي والجنة» أي وفي رواية: «أن أبا مويهية قال له: بأبي أنت وأمي، فخذ مفاتيح خزائن الأرض والخلد فيها، ثم الجنة. قال لا، والله يا أبا مويهية لقد اخترت لقاء ربي والجنة، ثم رجع ﷺ إلى أهله، فلما أصبح ابتدىء بوجعه من يومه ذلك ابتدأه الصداع» أي وفي رواية «ذهب بعد ذلك إلى قتلى أحد فصلى عليهم، فرجع معصوب الرأس، فكان ذلك بدء الوجع الذي مات فيه» وفي رواية: «رجع من جنازة بالبقيع» .
دأه الصداع» أي وفي رواية «ذهب بعد ذلك إلى قتلى أحد فصلى عليهم، فرجع معصوب الرأس، فكان ذلك بدء الوجع الذي مات فيه» وفي رواية: «رجع من جنازة بالبقيع» . قالت عائشة ﵂: «لما رجع من البقيع وجدني وأنا أجد صداعا في رأسي وأنا أقول وارأساه، فقال ﷺ: بل أنا وارأساه قال: لو كان ذلك وأنا حيّ فأستغفر لك وأدعو لك وأكفنك وأدفنك» وفي لفظ: «وما يضرك لو مت قبلي فقمت عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك، فقلت: واثكلاه. والله: إنك لتحب موتي، فلو كان ذلك لظللت يومك معرسا ببعض أزواجك، قالت: فتبسم رسول الله ﷺ،
فقال النبي ﷺ: بل أنا وارأساه، لقد هممت أن أرسل إلى أبيك وأخيك فأقص أمري وأعهد عهدي فلا يطمع في الدنيا طامع» . وفي لفظ: «ثم قلت يأبي الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبي المؤمنون» وفي رواية: «أنها قالت: قال لي رسول الله ﷺ في مرضه: ادعي لي أباك أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن أو يقول قائل أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» وفي رواية: «لما ثقل رسول الله ﷺ قال لعبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ ائتني بكتف أو لوح حتى أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه، فلما ذهب عبد الرحمن ليقوم، قال: أبي الله والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر» . قال ابن كثير ﵀: وقد خطب رسول الله ﷺ خطبة بين فيها فضل الصديق ﵁ من بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ولعل خطبته ﷺ هذه كانت عوضا عما أراد ﷺ أن يكتبه في الكتاب. وفي رواية أنه اجتمع عنده ﷺ رجال، فقال ﷺ: هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، فقال بعضهم: أي وهو سيدنا عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قد اشتد عليه الوجع وعندكم القرآن، أي وإنما قال ذلك ﵁ تخفيفا على رسول الله ﷺ، فارتفعت أصواتهم، فأمرهم بالخروج من عنده. وجاء أن العباس ﵁ قال لعلي كرم الله وجهه: لا أرى رسول الله ﷺ يصح من مرضه هذا فإني أعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، أي وفي رواية:
م بالخروج من عنده. وجاء أن العباس ﵁ قال لعلي كرم الله وجهه: لا أرى رسول الله ﷺ يصح من مرضه هذا فإني أعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، أي وفي رواية: خرج علي بن أبي طالب كرم الله وجهه من عند رسول الله ﷺ وهو في مرضه الذي مات فيه، فقال الناس: يا أبا الحسن كيف أصبح رسول الله ﷺ؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئا، فأخذ بيده عمه العباس ﵄. وقال له: والله أنت بعد ثلاث عبد العصي، وإني لا أرى رسول الله ﷺ من وجعه هذا بعد ثلاث إلا ميتا، فإني رأيت في وجهه ما كنت أعرفه في وجوه بني عبد المطلب عند الموت، فاذهب بنا إلى رسول الله ﷺ فنسأله فيمن هذا الأمر؟ فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا كلمناه فأوصى بنا، فقال عليّ كرم الله وجهه: والله لا أسألها رسول الله ﷺ. قالت عائشة ﵂: وصار ﷺ يدور على نسائه فاشتدّ به المرض عند ميمونة ﵂، وقيل في بيت زينب ﵂، وقيل في بيت ريحانة ﵂، قالت عائشة ﵂: فدعا ﷺ نساءه فاستأذنهن أن يمرض في بيتي فأذنّ له، وفي رواية: صار يقول وهو في بيت ميمونة أين أنا غدا أين أنا غدا؟ يريد يوم عائشة ﵂. وفي البخاري يقول: أين أنا اليوم أين أنا غدا؟ استبطأ ليوم عائشة ﵂، فأذن له أزواجه أن يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة.
وفي رواية عنها أن رسول الله ﷺ بعث إلى النساء في مرضه فاجتمعن، فقال: إني لا أستطيع أن أدور بينكن، فإن رأيتن أن تأذنّ لي فأكون في بيت عائشة فعلتن: فأذنّ له قالت: فخرج رسول الله ﷺ يمشي بين رجلين من أهله معتمدا عليهما الفضل بن العباس ورجل آخر، وفي رواية بين عباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر، وفي رواية بين أسامة ورجل آخر عاصبا رأسه الشريف تخط قدماه الأرض حتى دخل بيتي، قال ابن عباس ﵄: الرجل الذي لم تمسه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، أي فإنه كان بينها وبين عليّ ما يقع بين الأحماء، وقد صرحت بذلك لما أرادت أن تتوجه من البصرة بعد انقضاء وقعة الجمل وخرج الناس ومن جملتهم علي كرم الله وجهه لتوديعها، حيث قالت: والله ما كان بيني وبين عليّ في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها فقال عليّ: أيها الناس صدقت والله وبرت، ما كان بيننا وبينها إلا ذلك، وإنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، وقد تقدم ذلك. ثم غمر رسول الله ﷺ واشتد به وجعه، فقال: هريقوا عليّ من سبع قرب من آبار شتى حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم، فأقعدناه ﷺ في مخضب إناء من حجر ثم صببنا عليه الماء حتى طفق يقول: حسبكم حسبكم، وفي لفظ: حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن: أي وصب المياه المذكورة له دخل في دفع السم. أي فإنه ﷺ صار يقول لعائشة: يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أسممته بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم. فخرج رسول الله ﷺ عاصبا رأسه الشريف حتى جلس على المنبر، ثم كان أول ما تكلم به أن صلى على أصحاب أحد، أي دعا لهم فأكثر الصلاة عليهم واستغفر لهم. ثم قال: إن عبدا من عباد الله خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده؟ فاختار ذلك العبد ما عند الله، ففهمها أبو بكر رضي الله تعالى عنه وعرف أن نفسه يريد. أي فبكى أبو بكر فقال: نفديك بأنفسنا وأبنائنا. فقال: «على رسلك يا أبا بكر» . أي وفي رواية قال: «يا أبا بكر لا تبك، أيها الناس إن أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر» وهذا حديث صحيح جاء عن بضعة عشر صحابيا، ولكثرة طرقه عدّ من المتواتر.
ية قال: «يا أبا بكر لا تبك، أيها الناس إن أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر» وهذا حديث صحيح جاء عن بضعة عشر صحابيا، ولكثرة طرقه عدّ من المتواتر. وفي أخرى: «إن أعظم الناس عليّ منا في صحبته وذات يده أبو بكر» وفي أخرى: «فإني لا أعلم امرأ أفضل عندي يدا في الصحابة من أبي بكر» . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها. قالت: قال رسول الله ﷺ: «ما من نبي يموت حتى يخير بين الدنيا والآخرة» أي وفي الحديث «حياتي خير لكم، ومماتي خير لكم تعرض عليّ أعمالكم، فإن رأيت شرا استغفرت لكم» أي وهذا بيان للثاني لاستغناء الأول عن البيان، ومعلوم أن خيرا وشرا هنا ليسا أفعل تفضيل الذي يوصل بمن حتى يلزم التناقض، بل المراد أن ذلك فضيلة، ثم قال ﷺ: انظروا هذه الأبواب
اللاصقة في المسجد، أي وفي لفظ: هذه الأبواب الشوارع في المسجد فسدوها إلا باب أبي بكر. أي وفي لفظ: إلا ما كان من باب أبي بكر، فإني وجدت عليه نورا. وفي لفظ: «سدوا عني كل خوخة في هذا المسجد إلا خوخة أبي بكر» فإن المراد بالأبواب الخوخ؟ «فإني لا أعلم أن أحدا كان أفضل في الصحبة عندي يدا منه» أي وفي لفظ: «أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار، سدوا كل خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر» وفي لفظ: «لا تؤذوني في صاحبي ولولا أن الله سماه صاحبا لا تخذته خليلا، ألا فسدوا كل خوخة إلا خوخة بن أبي قحافة» أي وجاء في الحديث: «لكل نبي خليل من أمته، وإن خليلي أبو بكر، وإن الله اتخذ صاحبكم خليلا» وفي رواية «وإن خليلي عثمان بن عفان» وجاء «لكل نبي خليل، وخليلي سعد بن معاذ» .
: «لكل نبي خليل من أمته، وإن خليلي أبو بكر، وإن الله اتخذ صاحبكم خليلا» وفي رواية «وإن خليلي عثمان بن عفان» وجاء «لكل نبي خليل، وخليلي سعد بن معاذ» . وفي أسباب النزول للثعالبي عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، وإنه لم يكن نبي إلا وله خليل. ألا وإن خليلي أبو بكر» وفي رواية الجامع الصغير: «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، وإن خليلي أبو بكر» وفي رواية الجامع الصغير «خليلي من هذه الأمة أويس القرني» ولعل هذا كان قبل أن يقول ﷺ في مرض موته قبل موته بخمسة أيام «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي لاتخذت أبا بكر خليلا، لكن خلة الإسلام أفضل» . وفي رواية: «ولكن أخوة الإسلام ومودته» وفي رواية: «لكن أخي وصاحبي» . وجمع بأن الأول: أي إثبات الخلة لغير الله محمول على نوع منها ونفيها عن غير الله محمول على كمالها. ثم لا يخفى أن قوله ﷺ: «ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا» يدلّ على أن مقام الخلة أرقى من مقام المحبة، وأن المحبة والخلة ليسا سواء خلافا لمن زعم ذلك. أي ولا مانع أن يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل، فلا حاجة إلى ما تكلفه بعضهم مما يدل على أن مقام المحبة من مقام الخلة: أي الذي يدلّ عليه ما جاء: «ألا قائل قولا غير هجر؟ إبراهيم خليل الله، وموسى صفي الله، وأنا حبيب الله، وأنا سيد ولد آدم يوم القيامة» وعند ذلك: أي إغلاق الأبواب، قال الناس: أغلق أبوابنا وترك باب خليله، فقال النبي ﷺ: قد بلغني الذي قلتم في باب أبي بكر، وأني أرى على باب أبي بكر نورا، وأرى على أبوابكم ظلمة، لقد قلتم كذبت، وقال أبو بكر صدقت، وأمسكتم الأموال وجاد لي بماله، وخذلتموني
وواساني. أي ولعل قولهم وترك باب خليله لا ينافي ما تقدم من عدم اتخاذه خليلا. وروي أنه ﷺ لما أمر بسد الأبواب إلا باب أبي بكر، قال عمر: يا رسول الله دعني أفتح كوة أنظر إليك حيث تخرج إلى الصلاة، فقال رسول الله ﷺ: لا، وقال العباس بن عبد المطلب: يا رسول الله ما بالك فتحت أبواب رجال في المسجد يعني أبا بكر وما بالك سددت أبوب رجال في المسجد؟ فقال: يا عباس ما فتحت عن أمري ولا سددت عن أمي. وفي لفظ: ما أنا سددتها، ولكن الله سدها. وجاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ أمر بسد الأبواب إلا باب علي. قال الترمذي حديث غريب. وقال ابن الجوزي: هو موضوع وضعه الرافضة ليقابلوا به الحديث الصحيح في باب أبي بكر. وجمع بعضهم بأن قصة علي متقدمة على هذا الوقت، وأن الناس كان لكل بيت بابان باب يفتح وباب يفتح خارجه إلا بيت علي كرم الله وجهه، فإنه لم يكن له إلا باب من المسجد، وليس له باب من خارج، فأمر ﷺ بسد الأبواب: أي التي تفتح للمسجد. أي بتضييقها وصيرورتها خوخا إلا باب علي كرم الله وجهه، فإن عليا لم يكن له إلا باب واحد ليس له طريق غيره كما تقدم، فلم يأمر ﷺ بجعله خوخة، ثم بعد ذلك أمر ﷺ بسد الخوخ إلا خوخة أبي بكر رضي الله تعالى عنه. وقول بعضهم حتى خوخة علي كرم الله وجهه، فيه نظر لما علمت أن عليا كرم الله وجهه لم يكن له إلا باب واحد، فالباب في قصة أبي بكر رضي الله تعالى عنه ليس المراد به حقيقته بل الخوخة. وفي قصة علي كرم الله وجهه المراد به حقيقته. أقول: ومما يدل على ما تقدم قصة علي كرم الله وجهه ما روي عنه قال: «أرسل رسول الله ﷺ إلى أبي بكر أن سد بابك، قال: سمعا وطاعة فسد بابه، ثم أرسل إلى عمر، ثم أرسل إلى العباس بمثل ذلك ففعلا، وأمرت الناس ففعلوا، وامتنع حمزة، فقلت: يا رسول الله قد فعلوا إلا حمزة، فقال ﷺ: قل لحمزة فليحول بابه، فقلت: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تحول بابك فحوله، وعند ذلك قالوا: يا رسول الله سددت أبوابنا كلها إلا باب علي، فقال: ما أنا سددت أبوابكم ولكن الله سدها» وفي رواية: «ما أنا سددت أبوابكم وفتحت باب عليّ ولكن الله فتح باب عليّ وسد أبوابكم» .
ابنا كلها إلا باب علي، فقال: ما أنا سددت أبوابكم ولكن الله سدها» وفي رواية: «ما أنا سددت أبوابكم وفتحت باب عليّ ولكن الله فتح باب عليّ وسد أبوابكم» . وجاء أنه ﷺ خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد، فإني أمرت بسد هذه الأبواب غير باب علي، فقال فيكم قائلكم، وإني والله ما سددت شيئا ولا فتحته، ولكني أمرت بشيء فاتبعته، إنما أنا عبد مأمور ما أمرت به فعلت إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ [يونس: الآية ١٥] ومعلوم أن حمزة رضي الله تعالى عنه قتل يوم أحد، فقصة علي كرم الله وجهه متقدمة جدا على قصة أبي بكر رضي الله تعالى عنه.
وعلى كون المراد بسد الأبواب تضييقها وجعلها خوخا يشكل ما جاء: «أمر رسول الله ﷺ بسد الأبواب كلها غير باب علي، فقال العباس: يا رسول الله قدر ما أدخل أنا وحدي وأخرج، قال: ما أمرت بشيء من ذلك، فسدها كلها غير باب علي» فعلى تقدير صحة ذلك يحتاج إلى الجواب عنه، وعلى هذا الجمع يلزم أن يكون باب علي كرم الله وجهه استمر مفتوحا في المسجد مع خوخة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، لما علم أنه لم يكن لعلي باب آخر من غير المسجد. وحينئذ قد توقف في قول بعضهم في سد الخوخ إلا خوخة أبي بكر إشارة إلى استحلاف أبي بكر لأنه يحتاج إلى المسجد كثيرا دون غيره، لكن في تاريخ ابن كثير ﵀: وهذا: أي سد جميع الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا باب عليّ لا ينافي ما ثبت في صحيح البخاري من أمره ﷺ في مرض الموت بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا باب أبي بكر، لأن في حال حياته ﷺ كانت فاطمة رضي الله تعالى عنها تحتاج إلى المرور من بيتها إلى بيت أبيها ﷺ فأبقى ﷺ باب عليّ كرم الله وجهه لذلك رفقا بها، وأما بعد وفاته ﷺ فزالت هذه العلة فاحتيج إلى فتح باب الصديق رضي الله تعالى عنه لأجل خروجه إلى المسجد ليصلي بالمسلمين، لأنه الخليفة بعده ﵊ هذا كلامه. وهو يفيد أن باب علي كرم الله وجهه سد مع سد الخوخ ولم يبق إلا خوخة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وجعل لبيت علي كرم الله وجهه باب من الخارج. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: «يا علي لا يحل لأحد جنب مكث في المسجد غيري وغيرك» .
لي كرم الله وجهه باب من الخارج. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: «يا علي لا يحل لأحد جنب مكث في المسجد غيري وغيرك» . وعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها: «أنها قالت: خرج رسول الله ﷺ في مرضه حتى انتهى إلى صرحة المسجد، فنادى بأعلى صوته إنه لا يحلّ المسجد لجنب ولا لحائض إلا لمحمد وأزواجه وعليّ وفاطمة بنت محمد، ألا هل بينت لكم أن لا تضلوا» قال الحافظ ابن كثير: وهذا أي الثاني إسناده غريب وفيه ضعف هذا كلامه، والمراد المكث في المسجد لا المرور به والاستطراق منه فإن ذلك لكل أحد. ثم رأيت الحافظ السيوطي ﵀ أشار إلى ذلك، وذكر أن مثل علي كرم الله وجهه فيما ذكر ولداه الحسن والحسين حيث قال: وكذا علي بن أبي طالب والحسن والحسين اختصوا بجواز المكث في المسجد مع الجنابة والله أعلم، ثم قال ﷺ: «يا معشر المهاجرين استوصوا بالأنصار خيرا إنهم كانوا عيبتي التي أويت إليهم، فأحسنوا إلى محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم، ثم نزل رسول الله ﷺ» . وروي أنه ﷺ قال في خطبته هذه: «أيها الناس من أحس من نفسه شيئا فليقم
أدع الله له، فقام إليه رجل، فقال: يا رسول الله إني لمنافق، وإني لكذوب، وإني لنؤوم، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ويحك أيها الرجل، لقد سترك الله لو سترت على نفسك، فقال رسول الله ﷺ: يا بن الخطاب فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة، اللهم ارزقه صدقا وإيمانا، وأذهب عنه النوم إذا شاء» . قال ابن كثير: في إسناده ومتنه غرابة شديدة. وأمر ﷺ في مرضه أبا بكر أن يصلي بالناس، قال: وكانت تلك الصلاة صلاة العشاء، وقد أذن بلال، وقال ضعوا لي ماء في المخضب: أي وهو شبه الإجانة من نحاس، فاغتسل فيه، أي وهذا مع ما سبق يدل على أنه ﷺ كان له مخضب من حجر ومخضب من نحاس. ثم أراد ﷺ أن يذهب فأغمي عليه ثم أفاق، فقال: أصلى الناس؟ فقلنا: لا هم ينتظرونك، أي وعند ذلك قال ضعوا إلى ماء في المخضب، فاغتسل ثم أراد أن يذهب فأغمي عليه ثم أفاق، فقال أصلى الناس؟ قلنا: لا هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: ضعوا لي ماء في المخضب فاغتسل، ثم أراد أن يذهب فأغمي عليه ثم أفاق، فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا هم ينتظرونك يا رسول الله، والناس ملمومة في المسجد ينتظرون النبي ﷺ لصلاة العشاء الآخرة، فأرسل إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه بأن يصلي بالناس، فأتاه الرسول، فقال له: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس، فأتاه أبو بكر رضي الله تعالى عنه لعمر: يا عمر صل بالناس، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: أنت أحق بذلك. وفي رواية: «أن بلالا رضي الله تعالى عنه دخل عليه ﷺ فقال: الصلاة يا رسول الله، فقال ﷺ: لا أستطيع الصلاة خارجا، ومر عمر بن الخطاب فليصل، بالناس، فخرج بلال رضي الله تعالى عنه وهو يبكي، فقال له المسلمون: ما وراءك يا بلال؟ فقال: إن رسول الله ﷺ لا يستطيع الصلاة خارجا، فبكوا بكاء شديدا، وقال لعمر: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: ما كنت لأتقدم بين يدي أبي بكر أبدا، فأدخل على نبي الله ﷺ فأخبره أن أبا بكر على الباب، فدخل عليه ﷺ بلال ﵁ تعالى فأخبره بذلك، فقال: نعم ما رأى، مر أبا بكر فليصل بالناس، فخرج إلى أبي بكر فأمره أن يصلي فصلى بالناس.
ره أن أبا بكر على الباب، فدخل عليه ﷺ بلال ﵁ تعالى فأخبره بذلك، فقال: نعم ما رأى، مر أبا بكر فليصل بالناس، فخرج إلى أبي بكر فأمره أن يصلي فصلى بالناس. وفي رواية فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها فقلت: إن أبا بكر رجل أسيف: أي رقيق القلب إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فقال ﷺ: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فعاودته، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقلت لحفصة: قولي له إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء. فمر عمر فليصل بالناس ففعلت حفصة، فقال رسول الله ﷺ لحفصة: مه
إنكن صواحب يوسف ﵊» . وفي لفظ: «إنكن لأنتن صواحب يوسف ﵊» فقالت حفصة رضي الله تعالى عنها لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرا ومروا أبا بكر فليصل بالناس» : أي مثل صاحبة يوسف ﵊ وهي زليخا أظهرت خلاف ما تبطن، وظهرت للنساء اللاتي جمعتهن أنها تريد إكرامهن بالضيافة، وإنما قصدها أن ينظرن لحسن يوسف ﵊ فيعذرنها في حبه والنبي ﷺ فهم عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها تظهر كراهة ذلك مع محبتها له باطنا هكذا يقتضيه ظاهر اللفظ. والمنقول عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها إنما قصدت بذلك خوف أن يتشاءم الناس أبا بكر فيكرهونه حيث قام مقامه ﷺ، فقد جاء عنها رضي الله تعالى عنها أنها قالت: ما حملني على كثرة مراجعتي له ﷺ إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا، ولا كنت أرى أنه يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس منه.
الت: ما حملني على كثرة مراجعتي له ﷺ إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا، ولا كنت أرى أنه يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس منه. وفي رواية: «إن الأنصار رضي الله تعالى عنهم لما رأوا رسول الله ﷺ يزداد وجعا طافوا بالمسجد وأشفقوا من موته ﷺ، فدخل عليه الفضل رضي الله تعالى عنه فأخبره بذلك، ثم دخل عليه علي كرم الله وجهه فأخبره بذلك، ثم دخل عليه العباس رضي الله تعالى عنه فأخبره بذلك، فخرج النبي ﷺ متوكئا على علي والفضل والعباس أمامه، والنبي ﷺ معصوب الرأس يخط برجليه حتى جلس على أسفل مرقاة من المنبر وثار الناس إليه، فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس بلغني أنكم تخافون من موت نبيكم، هل خلد نبي قبلي فيمن بعث إليه فأخلد فيكم؟ ألا وإني لاحق بربي وإنكم لا حقون به، فأوصيكم بالمهاجرين الأولين خيرا، وأوصى المهاجرين فيما بينهم بخير، فإن الله يقول: وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) [العصر: الآية ١، ٢] السورة وإن الأمور تجري بإذن الله، ولا يحملكم استبطاء أمر على استعجاله، فإن الله ﷿ لا يعجل لعجلة أحد، ومن غالب الله غلبه، ومن خادع الله خدعه فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) [محمد: الآية ٢٢] وأوصيكم بالأنصار خيرا، فإنهم الذين تبؤوا الدار والإيمان من قبلكم أن تحسنوا إليهم، ألم يشاطروكم في الثمار؟ ألم يوسعوا لكم في الديار، ألم يؤثروكم على أنفسكم وبهم الخصاصة؟ ألا فمن ولي أن يحكم بين رجلين فليقبل من محسنهم، وليتجاوز عن مسيئهم، ألا ولا تستأثروا عليهم، ألا فإني فرطكم وأنتم لا حقوني بي، ألا وإن موعدكم الحوض، ألا فمن أحب أن يرده عليّ غدا فليكفف يده ولسانه إلا فيما ينبغي: أيها الناس إن الذنوب تغير النعم، فإذا بر الناس برتهم أئمتهم، وإذا فجر الناس عقوا أئمتهم» وفي الحديث: «حياتي خير لكم، ومماتي خير لكم» .
وقد أشار ﷺ إلى خيرية الموت بأنه فرط، فخير صفة لا أفعل تفضيل حتى يشكل بأنه يقتضي أن حياتي خير لكم من مماتي ومماتي خير لكم من حياتي كما مر، ثم لا زال أبو بكر رضي الله تعالى عنه يصلي بالناس سبع عشرة صلاة، وصلى النبي ﷺ مؤتما به ركعة ثانية من صلاة الصبح، ثم قضى الركعة الثانية: أي أتى بها منفردا. وقال ﷺ: «لم يقبض نبي حتى يؤمه رجل من قومه» أي وقد قال ذلك ﷺ لما صلى خلف عبد الرحمن بن عوف كما تقدم في تبوك. قال: وفي رواية عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ وجد خفة. أي وأبو بكر في الصلاة. فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر، فلما رآه أبو بكر رضي الله تعالى عنه ذهب ليتأخر فأومأ إليه أن لا يتأخر، وأمرهما فأجلساه إلى جنب أبي بكر عن يساره. وفي رواية عن يمينه، وأنه ﷺ دفع في ظهر أبي بكر وقال: صل بالناس أي ومنعه من التأخر، فجعل أبو بكر رضي الله تعالى عنه يصلي قائما كبقية الصحابة ورسول الله ﷺ يصلي قاعدا انتهى. وهذا صريح في أنه ﷺ مقتديا بأبي بكر رضي الله تعالى عنه. وحينئذ لا يحسن التفريع على ذلك بما جاء في لفظ: فكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يصلي وهو قائم بصلاة النبي ﷺ. وفي لفظ: يأتم بصلاة النبي ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر. وفي لفظ: يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ والناس يقتدون بصلاة أبي بكر، وهذا يدل على أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم صلوا خلف أبي بكر وأبو بكر يصلي خلف النبي ﷺ، وصار يسمع الصحابة التكبير، وقد بوب البخاري على ذلك: «باب من أسمع الناس تكبير الإمام» ، وقال بعد ذلك «باب الرجل يأتم بالإمام ويأتم بالناس بالمأموم» فإن منعه ﷺ أبا بكر رضي الله تعالى عنه من التأخر مع صلاته على يسار أبي بكر أو على يمينه يدل على أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لم يقتد بالنبي ﷺ بل استمر إماما، إذ لا يجوز عندنا أن يقتدي أبو بكر بالنبي ﷺ مع تقدم أبي بكر عليه ﷺ في الموقف.
ه يدل على أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لم يقتد بالنبي ﷺ بل استمر إماما، إذ لا يجوز عندنا أن يقتدي أبو بكر بالنبي ﷺ مع تقدم أبي بكر عليه ﷺ في الموقف. وحينئذ يخالف ذلك قول فقهائنا إن الصحابة رضي الله تعالى عنهم اقتدوا برسول الله ﷺ بعد اقتدائهم بأبي بكر، وجعلوه دليلا على جواز الصلاة بإمامين على التعاقب إذ لا يحسن ذلك إلا أن يكون أبو بكر رضي الله تعالى عنه تأخر ونوى الاقتداء به ﷺ. إلا أن يقال يجوز أن تكون صلاته ﷺ خلف أبي بكر تكررت، ففي مرة منعه ﷺ من التأخر واقتدى به، وفي مرة تأخر أبو بكر رضي الله تعالى عنه عن موقفه، واقتدى بالنبي ﷺ، واقتدى الناس بالنبي بعد اقتدائهم بأبي بكر، وصار أبو بكر يسمع الناس التكبير، ولا ينافي ذلك قول البخاري الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم، لجواز أن يكون المراد يقتدون ويتبعون
تكبير المأموم، ثم رأيت الترمذي رحمه الله تعالى صرح بتعدد صلاته ﷺ خلف أبي بكر رضي الله تعالى عنه حيث قال: ثبت أنه ﷺ صلى خلف أبي بكر مقتديا به في مرضه الذي مات فيه ثلاث مرات، ولا ينكر هذا إلا جاهل لا علم له بالرواية هذا كلامه. وبه يردّ قول البيهقي ﵀: والذي دلت عليه الروايات أن النبي ﷺ صلى خلفه في تلك الأيام التي كان يصلي بالناس فيها مرة، وصلى أبو بكر رضي الله تعالى عنه خلفه ﷺ مرة، وقال ﷺ في مرضه ذلك يوما لعبد الله بن زمعة بن الأسود: مر الناس فليصلوا: أي صلاة الصبح. وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه غائبا، فقدّم عبد الله عمر رضي الله تعالى عنه يصلي بالناس، فلما سمع رسول الله صوته أخرج رأسه الشريف حتى أطلعه للناس، ثم قال ﷺ: لا، لا، لا، ثلاث مرات، ليصلّ بهم ابن أبي قحافة، فانتفضت الصفوف، وانصرف عمر رضي الله تعالى عنه: أي من الصلاة، فما برح القوم حتى طلع ابن أبي قحافة فتقدم وصلى بالناس الصبح. وفي رواية أنه ﷺ لما سمع صوت عمر رضي الله تعالى عنه قال: أليس هذا صوت عمر؟
أي من الصلاة، فما برح القوم حتى طلع ابن أبي قحافة فتقدم وصلى بالناس الصبح. وفي رواية أنه ﷺ لما سمع صوت عمر رضي الله تعالى عنه قال: أليس هذا صوت عمر؟ فقالوا: بلى يا رسول الله، فقال: يأبى الله ذلك والمؤمنون. وفي لفظ: يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر، قال ذلك ثلاثا. قال في السيرة الهشامية: فبعث ﷺ إلى أبي بكر فجاء بعد أن صلى عمر رضي الله تعالى عنه تلك الصلاة فصلى بالناس. وقد يقال: المراد عمر تلك الصلاة نوى تلك الصلاة ودخل فيها، فلا يخالف ما تقدم من انتقاض الصفوف، وانصراف عمر رضي الله تعالى عنه من الصلاة. وقال عمر رضي الله تعالى عنه لعبد الله بن زمعة: ويحك ماذا صنعت يا بن زمعة؟ والله ما ظننت حين أمرتني إلا أن رسول الله ﷺ أمرك بهذا، فقال عبد الله بن زمعة رضي الله تعالى عنه: ما أمرني رسول الله ﷺ بذلك، ولكن حيث لم أر أبا بكر ورأيتك أحق من حضر بالصلاة، وفي آخر يوم أخرج رسول الله ﷺ رأسه من الستارة والناس خلف أبي بكر، فأراد الناس أن ينحرفوا فأشار إليهم ﷺ أن امكثوا، وتبسم رسول الله ﷺ لما رأى من هيئة المسلمين في صلاتهم سرورا منه ﷺ بذلك، وذلك يوم الاثنين يوم موته ﷺ ثم ألقى الستارة. وفي السيرة الهشامية: لما كان يوم الاثنين قبض الله ﵎ فيه رسول الله ﷺ، وخرج إلى الناس وهم يصلون الصبح، فرفع الستر وفتح الباب، فخرج رسول الله ﷺ، فقام على باب عائشة رضي الله تعالى عنها، فكاد المسلمون يقتتلون في صلاتهم برسول الله ﷺ حين رأوه فرحا به، فأشار إليهم: أن اثبتوا على صلاتكم، ثم رجع وانصرف الناس وهم يرون أنّ رسول الله ﷺ قد أفاق من وجعه، فرجع أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى أهله بالسنح، وفيها في رواية أنه لما كان يوم الاثنين
خرج رسول الله ﷺ عاصبا رأسه إلى صلاة الصبح أبو بكر يصلي بالناس، فلما خرج رسول الله ﷺ فرح الناس، فعرف أبو بكر رضي الله تعالى عنه أن الناس لم يصيبوا ذلك إلا لرسول الله ﷺ، فنكص عن مصلاه، فدفع رسول الله ﷺ في ظهره، وقال: صل بالناس وجلس رسول الله ﷺ إلى جنبه على يمين أبي بكر رضي الله تعالى عنه فصلى قاعدا، فلما فرغ ﷺ من الصلاة أقبل على الناس رافعا صوته حتى خرج من باب المسجد يقول: «أيها الناس سعرت النار، وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، إني والله ما تمسكون عليّ بشيء، إني لم أحل إلا ما حل القرآن ولم أحل إلا ما حرم القرآن» . ولما فرغ رسول الله ﷺ من كلامه، قال له أبو بكر رضي الله تعالى عنه يا رسول الله قد أراك أصبحت بنعمة من الله وفضل كما تحب، واليوم يوم بنت خارجة أفآتيها؟ قال نعم، ثم دخل ﷺ، وخرج أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى أهله بالسنح، فتوفي رسول الله ﷺ حين اشتد الضحى من ذلك اليوم، فليتأمل الجمع بين هذه الروايات. وقد أمر ﷺ أبا بكر رضي الله تعالى عنه أن يصلي بالناس قبل مرضه، فإنه ﷺ خرج إلى قباء بعد أن صلى الظهر وقد وقع بين طائفتين من بني عمرو بن عوف تشاجر حتى تراموا بالحجارة ليصلح بينهم، فقال ﷺ لبلال رضي الله تعالى عنه: إن حضرت صلاة العصر ولم آتك فمر أبا بكر فليصلّ بالناس، فلما حضرت صلاة العصر أذن بلال، ثم أقام ثم أمر أبا بكر رضي الله تعالى عنه فتقدم وصلى بالناس، فجاء رسول الله ﷺ يشق الناس حتى قام خلف أبي بكر فصفح الناس: أي صفقوا، فلما كثر ذلك التفت أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فرأى رسول الله ﷺ خلفه فأراد التأخر، فأومأ إليه ﷺ أن يكون على حاله، وتقدم رسول الله ﷺ فصلى بالناس، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته؟ قال: يا أبا بكر ما يمنعك إذ أو مأت إليك أن لا تكون ثبتّ، فقال أبو بكر: يا رسول الله لم يكن لابن أبي قحافة أن يؤم رسول الله ﷺ، فقال للناس: إذا نابكم في صلاتكم شيء فلتسبح الرجال ولتصفق النساء. وهذا استدل به القاضي عياض ﵀ على أنه لا يجوز لأحد أن يؤمه ﷺ، لأنه لا يصلح للتقدم بين يديه ﷺ في الصلاة ولا في غيرها لا لعذر ولا لغيره.



