— Bagian 20 · سبقه عليه سبعمائة سنة في مقام التقديم ولذا عبر ع… —
Bagian 20
سبقه عليه سبعمائة سنة في مقام التقديم ولذا عبر عنه ﵊ بالغلام فتأمل في هذا المقام لعله يتبين لك المرام ثم الأظهر أن وجه الغبطة في القربة أمور كثيرة من أنواع علو الرتبة (فَنُودِيَ مَا يُبْكِيكَ قَالَ رَبِّ هَذَا غُلَامٌ بعثته) وفي نسخة بعث (بَعْدِي يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِهِ الْجَنَّةَ أَكْثَرُ مِمَّا يدخل من أمّتي) ولعله سماه غلاما مع كونه حينئذ كهلا أو شيخا على اختلاف القولين في تعريفهما والغلام إنما يطلق فيمن بلغ سبعا أو ثماني وقد يطلق على الطفل تفاؤلا وقد يقال له ما دام شابا فكأنه نظر إلى قصر عمره وتأخر عصره مع جموم مناقبه وعموم مراتبه. (وفي حديث أبي هريرة) أي ومنها في حديثه الذي رواه البيهقي وغيره (وقد رأيتني) بضم التاء حكاية عن نفسه وفي أصل الدلجي ولقد رأيتني (في جماعة من الأنبياء) أي بأجسامهم أو بأرواحهم ممثلة بصورهم التي كانوا عليها (فحانت الصّلاة) أي دنت الصلاة الجامعة لعظمة تلك الواقعة وقد أبعد الدلجي في قوله ولعلها صلاة الصبح إذ الإسراء لا يكون إلا آخر الليل وهي مما فرض على الأنبياء انتهى وقد سبق أن ابتداء الإسراء كان بعد صلاة العشاء وهو لم يكن إلا زمنا قليلا من الليل على ما يفيده تنكير ليلا فلا يتصور حمله على صلاة الصبح أصلا (فأممتهم) بتخفيف الميم الثانية أي صليت بهم تلك الصلاة إماما وقال النووي في بعض فتاواه ويحتمل أن تكون صلاته بالأنبياء ليلة الإسراء ببيت المقدس قبل صعوده إلى السماء ويحتمل أن تكون بعد نزوله منها قلت وهذا يتوقف على صحة أن يكون رجوعه إليه منها ثم قال واختلف العلماء في هذه الصلاة فقيل إنها الصلاة اللغوية وهي الدعاء والذكر والثناء وقيل هي الصلاة المعهودة المعروفة وهذا أصح لأن اللفظ يحمل على الحقيقة الشرعية قبل اللغوية إلا إذا تعذر حمله على الشرعية ولم يتعذر هنا فوجب الحمل على الحقيقة الشرعية وكان قيام الليل وإحياؤه واجبا قبل ليلة الإسراء ثم نسخ ليلة الإسراء ووجبت فيها الصلوات الخمس (فقال قائل منهم يا محمّد هذا مالك خازن النّار) فيه إشعار بأن الصلاة كانت في السماء وفي رواية أنها كانت في المسجد الأقصى ولا منع من الجمع ولا لنزول مالك وإن كان مقرة في
محمّد هذا مالك خازن النّار) فيه إشعار بأن الصلاة كانت في السماء وفي رواية أنها كانت في المسجد الأقصى ولا منع من الجمع ولا لنزول مالك وإن كان مقرة في السماء (فسلّم عليه) بصيغة الأمر لأنه ﵇ كالقائم وهو كالقاعد والقائم يسلم على القاعد وإن كان مفضولا (فالتفتّ) أي نظرت إليه (فبدأني بالسّلام) لأنه كان بمنزلة الوافد أو عملا بالأفضل خصوصا مع التأدب بالنبي الأكمل وأما ما قيل إنما بدأه به ليزيل ما يستشعره من الخوف منه فليس في محله (وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) أي المحكي عنه ما تقدم من الزيادة (ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَنَزَلَ فربط فرسه) أي براقه (إلى صخرة) أي قريبة من صخرة بيت المقدس أو إلى صخرة عظيمة معروفة مشهورة في وسط المسجد الأقصى قال البرقي في غريب المواطن قيل إن مياه الأرض كلها تخرج من تحت صخرة بيت المقدس وهي من عجائب مخلوقات الله تعالى في أرضه ومن غرائبها فإنها صخرة صماء في وسط المسجد الأقصى مثل الجبل بين السماء والأرض قد انقطعت عن الأرض كلها من كل جهة
لا يمسكها إلا الله الذي أمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه وفي أعلاها من جهة الحرف موضع قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين ركب البراق ليلة الإسراء قد مالت من تلك الجهة من هببته ومن الجهة الأخرى إثر أصابع الملائكة التي أمسكتها إذا مالت به ذكره التلمساني أعلم أن التعبير بالفرس جاء في تذكرة القرطبي برواية البيهقي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي هريرة وكذا رواه الطبراني وجاء في التفسير في سورة الملك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومقاتل والكعبي في قوله تعالى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ إن الموت والحياة جسمان فجعل الموت في هيئة كبش لا يمر بشيء ولا يجد ريحه شيء إلا مات وخلق الحياة على صورة فرس انثى بلقاء وهي التي كان جبريل والأنبياء ﵈ يركبونها خطوها مدى البصر فوق الحمار ودون البغل لا تمر بشيء يجد ريحها إلا حي ولا تطأ شيئا إلا حي وهي التي أخذ السامري من أثرها والقاه في العجل حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والماوردي عن مقاتل انتهى فلا يحتاج إلى ما تكلف
ي وهي التي أخذ السامري من أثرها والقاه في العجل حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والماوردي عن مقاتل انتهى فلا يحتاج إلى ما تكلف بعضهم من القول بتعدد الإسراء والله تعالى أعلم (فصلّى مع الملائكة) أي الحاضرين من الزائرين (فلمّا قضيت الصّلاة) بصيغة المجهول (قالوا يا جبريل من هذا معك فقال) وفي نسخة قَالَ (هَذَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ قَالُوا وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قَالُوا حيّاه الله) جملة دعائية إما من الحياة بمعنى البقاء أي بقاه الله وأبقاه بمعنى عمره أو من التحية أي سلمه الله أو سلم عليه (من أخ) إذ المؤمنون إخوة عموما والأنبياء خصوصا لحديث الأنبياء إخوة بنو علات أبوهم واحد أي الإيمان وأمهاتهم شتى يعني الشرائع (وخليفة) أي لله في الأرض حيث يحكم بحكمه من أمره ونهيه (فنعم الأخ ونعم الخليفة) أي هو صلى الله تعالى عليه وسلم (ثمّ لقوا) أي النبي وجبريل ومن معه من الملائكة أو لأن الاثنين أقل الجمع أو جمع للتعظيم والمعنى ثم لقي (أرواح الأنبياء) أي ممثلة أو منضمة إلى اشباحهم ولعل الاقتصار على الأرواح لكمال صفائهم وضيائهم ثم هذه الملاقاة إما ببيت المقدس بعد انقضاء الصلاة أو بعد العروج في مراتبهم من السموات (فأثنوا على ربّهم) أي شكرا لما أنعم عليهم (وذكر) أي أبو هريرة (كلام كلّ واحد منهم) أي مما اثنوا على ربهم (وَهُمْ إِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَدَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ ثُمَّ ذكر كلام النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي فيما اثنى على ربه روي إن إبراهيم ﵇ قال الحمد لله الذي اتخذني خليلا وأعطاني ملكا عظيما وجعلني أمة قانتا يؤتم بي وانقذني من النار وجعلها بردا وسلاما وقال موسى ﵊ الحمد لله الذي كلمني تكليما واصطفاني وأنزل علي التوراة وجعل اهلاك فرعون ونجاة بني إسرائيل على يدي وجعل من أمتي قوما يهدون بالحق وبه يعدلون وقال داود ﵇ الحمد لله الذي جعل لي ملكا عظيما وعلمني الزبور وألان لي الحديد وسخر لي الجبال يسبحن معي والطير وآتاني الحكمة وفصل الخطاب وقال سليمان ﵊ الحمد لله الذي سخر لي الرياح
وسخر لي الشياطين يعملون لي ما شئت من محاريب وتماثيل وعلمني منطق الطير وآتاني ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي وجعل ملكي ملكا طيبا ليس فيه حساب وقال عيسى ﵊ الحمد لله الذي جعلني كلمته وجعلني مثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون وعلمني الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وجعلني أخلق من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله تعالى وجعلني ابرئ الأكمة والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله تعالى ورفعني وطهرني وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم فلم يكن للشيطان علينا سبيل (فقال) أي أبو هريرة رضي الله تعالى عنه (وأنّ محمّدا صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ ﷿ فَقَالَ كُلُّكُمْ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ وَأَنَا أَثْنَى عَلَيَّ رَبِّي الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرْسَلَنِي رَحْمَةً للعالمين) أي لعامة الخلق (وكافّة للنّاس) أي أجمعين كما في نسخة (بشيرا) أي بالثواب (ونذيرا) أي بالعقاب (وأنزل عليّ الفرقان) أي المبالغ في الفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام (فيه تبيان كلّ شيء) أي من مهمات أمور الدنيا والدين إما بالنص أو بالإحالة على السنة لقوله تعالى وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا أو بالحث على الإجماع لقوله تَعَالَى وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ أو بالقياس لقوله تعالى فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (وجعل أمّتي خير أمّة) أي أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ الآية (وجعل أمّتي أمّة وسطا) أي خيارا عدولا أو معتدلين في أعمارهم وأخلاقهم وأرزاقهم مقتصدين في أعمالهم (وجعل أمّتي هم الأوّلون) أي في دخول الجنة (وهم الآخرون) أي في حصول الخلقة وفي إتيان ضمير الفصل تبيان أنهم هم المختصون بهذا الفضل كذا ذكره الدلجي لكن فيه بحث إذ هم في هذا التركيب مبتدأ والأولون خبره والجملة في محل نصب على أنه مفعول ثان لجعل هذا وفي صحيح مسلم نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق نحن أول من يدخل الجنة (وشرح لي صدري) أي ليسع مناجاة الحق ودعوة الخلق (ووضع عنّي وزري) أي ثقل
ن أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق نحن أول من يدخل الجنة (وشرح لي صدري) أي ليسع مناجاة الحق ودعوة الخلق (ووضع عنّي وزري) أي ثقل حمل أعباء النبوة وما ترتب عليه من لأواء المشقة (ورفع لي ذكري) أي باقتران اسمه لاسمه واشتراك طاعته لرسمه (وجعلني فاتحا) أي لأبواب التحقيق وأسباب التوفيق وحاكما في خلقه أو بادئا في ظهور أمره ووجود نوره ويناسبه قوله (وخاتما) أي وجعلني خاتم النبيين والأظهر أن يقال معناهما أولا وآخرا لما روي أنه ﵊ قَالَ كُنْتُ أَوَّلَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْخَلْقِ وَآخِرَهُمْ في البعث (فقال إبراهيم بهذا) أي بمجموع ما ذكر فيما حمده وشكره (فضلكم محمّد) أيها الأنبياء وهو بتخفيف الضاد أي بهذا صار أفضلكم (ثمّ ذكر) أي أبو هريرة رضي الله تعالى عنه (أنّه) أي جبريل (عرج به) وفي نسخة بصيغة المجهول فضمير أنه للشأن (إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَمِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ نحو ما تقدّم) فيه إيماء إلى أن ملاقاته الأنبياء هذه كانت ببيت المقدس والله تعالى أعلم. (وفي حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه) أي مما رواه أبو نعيم في دلائله وابن عرفة في جزئه (وانتهى بي) يعني جبريل عليه السلام
المقدس والله تعالى أعلم. (وفي حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه) أي مما رواه أبو نعيم في دلائله وابن عرفة في جزئه (وانتهى بي) يعني جبريل عليه السلام
قاله الدلجي لكنه بصيغة المجهول في النسخ المصححة (إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ) كذا في مسلم قال النووي في جميع أصوله وعن المصنف هو الأصح وقول الأكثرين ومقتضى تسميتها بالمنتهى أنها في السماء السابعة ولذا صحح في بعض النسخ المعتمدة بلفظ السابعة وقد جمع بينهما النووي بأن أصلها في السادسة ومعظمها في السابعة انتهى وفي الروايات الأخر من حديث أنس رضي الله تعالى عنه أنها فوق السماء السابعة قال المصنف وخروج النهرين الظاهرين النيل والفرات من أصلها مؤذن بأنه في الأرض انتهى وفيه بحث لا يخفى ومع تسليم ظاهر ما ادعى يمكن الجمع بأن مبدأها في الأرض ومعظمها في السماء السادسة وانتهاءها ومحل اثمارها وغشيان أنوارها في السماء السابعة ويؤيده قوله (إليها) أي إلى السدرة (ينتهي من يعرج به من الأرض) بصيغة المجهول وكذا قوله (فيقبض منها) أي تقبضه الملائكة الموكلون فيها بأخذ ما صعد به من الأعمال والأرواح إليها (وإليها ينتهي ما يهبط) أي ينزل (من فوقها فيقبض منها) أي فيقبضه من أذن له بقبضه وإيصاله إلى من قضى له به وفي الحاشية قال ابن عباس والمفسرون سميت سدرة المنتهى لأن علم الملائكة ينتهي إليها ولم يجاوزها أحد إلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ﷾ أعلم (قال) أي الله ﷾ (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى [النجم: ١٦] ) أي يغطيها ما يغطي مما يصعد إليها من تحتها ويهبط عليها من فوقها وهذه عبارة لم أر من عبر بها وبهذا يجمع بين روايات مختلفة إذ روي أنه يغشاها جم غفير من الملائكة وفي رواية رفرف من طير خضر وتقدم عن الحسن أنه نور رب العزة (قال) أي ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (فراش من ذهب) الفراش بفتح الفاء الطائر الذي يلقى نفسه في ضوء السراج وقد يطلق على الحباب الذي يعلو النبيذ ونحوه وقد ذهب توجيهه (وفي رواية أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) أي ومنها في روايته (من طريق الرّبيع بن أنس رحمه الله تعالى) والربيع هذا بصري نزل خراسان
ونحوه وقد ذهب توجيهه (وفي رواية أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) أي ومنها في روايته (من طريق الرّبيع بن أنس رحمه الله تعالى) والربيع هذا بصري نزل خراسان روى عن جماعة من الصحابة وروى عن النووي وابن المبارك وطائفة (ر فقيل لي هذه) أي المشار إليها (سدرة المنتهى) وفي نسخة صحيحة السدرة بالألف واللام قال الأنطاكي هذا ما وقع في النسخ في هذه الرواية السدرة بالألف واللام وفي باقي الروايات سدرة المنتهى بدونهما وكذا وقع في صحيح مسلم السدرة بالألف واللام في قوله ﵊ ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى قال النووي في شرحه وفي غيره من الروايات سدرة المنتهى يعني بدون الألف واللام ولم يذكر لذلك علة (ينتهي إليها كلّ أحد) أي روحه أو عمله أو بكليته عند دخول جنته (من أمّتك خلا على سبيلك) أي مضى على طريقتك ومنه قوله تَعَالَى وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ أي مضى نبي منذر وأما ما ضبط في حاشية بضم الخاء وتشديد اللام على أنه مبني للمفعول فتصحيف وتحريف (وَهِيَ السِّدْرَةُ الْمُنْتَهَى يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا أَنْهَارٌ من ماء غير آسن) بهمزة ممدودة أو مقصورة كما قرىء بهما في السبعة غير متغير طعما ولونا وريحا، (وأنهار من لبن لم يتغيّر
طعمه) لعل الاقتصار على الطعم لأن مدار التنعم عليه أو للزوم تغييره بتغيير لونه وريحه (وأنهار من خمر لذّة) تأنيث لذ أي لذيذة أو ذات لذة (للشّاربين) وقد يقال وصفها بلذة للمبالغة كأنها نفسها وعينها، (وأنهار من عسل مصفّى) أي مخلص من خلط شمع وغيره من فضلات النحل وغيرها فإنه مخلوق لا من صنع نحل، (وهي) أي سدرة المنتهى (شجرة) أي عظيمة (يسير الرّاكب في ظلّها سبعين عاما) وفي رواية الترمذي مائة سنة (وأنّ ورقة منها) أي من أوراق تلك الشجرة بسبب كبرها وكثرة طولها وعرضها (مظلّة الخلق) بضم الميم وكسر الظاء المعجمة من الإظلال وفي نسخة بفتحهما أي محل ظلالهم والمعنى أن ظلها شامل لهم حافل عليهم والتشبيه السابق لورقها بآذان الفيلة من حيثية الهيئة لا ينافي كبرها باعتبار العظمة (فغشيتها نور) أي نور عظيم من الأنوار الالهية لقوله (وغشيتها الملائكة) أي بأنوارهم الملكية فبقي نور على نور قيل غشيها ملائكة كأمثال الطير يقعن على الشجر وهذا التقرير أولى من قول الدلجي في قوله غشيها نور لعله نور الملائكة حين أقبلت إذ قد خلقت من نور ثم رأيت في حاشية أنه في التفسير فغشاها نور رب العزة وقد سبق أنه قول الحسن فهو أحسن (قال) أي الراوي (فَهُوَ قَوْلُهُ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى [النجم: ١٦] ) أي فما سبق هو معنى قوله تعالى ما يَغْشى وإيضاح له بعد إبهامه تفخيما وتعظيما وتكثيرا لما يغشاها (فقال تبارك) أي تكاثر خيره وتزايد بره (وتعالى) أي تنزه شأنه وتبين برهانه (له) أي للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم (سل) أي تعط (فقال إنّك اتّخذت إبراهيم خليلا) أي والخلة أعظم خلة إذ هي كرامة جليلة ومقامة جميلة تشبه كرامة الخليل عند خليله مأخوذة من الخلال فإنها ود يتخلل النفس ويخالطها وقد روي أن إبراهيم ﵇ بعث إلى خليل له بمصر يمتار منه لأزمة أي شدة منه أصابت الناس فقال لو ان إبراهيم أراد لك لنفسه فعلت ولكن يريد لأضيافه وقد علم إبراهيم ما أصاب الناس فاجتاز غلمانه ببطحاء لينة فملأوا منها أوعيتهم فوجده أهل بيته دقيقا حواري فخبزوا منه فشم إبراهيم رائحة الخبز فقال من أين لكم هذا فقيل من خليلك المصري فقال بل من خيلي الله فسماه
فملأوا منها أوعيتهم فوجده أهل بيته دقيقا حواري فخبزوا منه فشم إبراهيم رائحة الخبز فقال من أين لكم هذا فقيل من خليلك المصري فقال بل من خيلي الله فسماه الله تعالى خليلا (وأعطيته ملكا عظيما) أي ملكا جسيما كما قال الله تعالى فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً أي آل إبراهيم معه ومنهم داود وسليمان (وكلّمت موسى تكليما) أي وعظمته بذلك تعظيما وتكريما (وأعطيت داود ملكا عظيما) قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان أشد ملوك الأرض سلطانا كان يحرس محرابه كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل ذكره البغوي في تفسيره (وألنت له الحديد) أي كالشمع لا يحتاج إلى إحماء وطرق (وسخّرت له الجبال) أي معه كما في أصل الدلجي وقد قال الله تعالى إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (وأعطيت سليمان ملكا عظيما) أجمله ثم فصله بالعطف التفسيري في قوله (وسخّرت له الجنّ والإنس والشّياطين) أي كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (والرّياح وأعطيته ملكا لا
التفسيري في قوله (وسخّرت له الجنّ والإنس والشّياطين) أي كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (والرّياح وأعطيته ملكا لا
ينبغي) أي لا يوجد (لأحد من بعده) وهذا تعميم بعد تخصيص وإعادة لما فيه زيادة وتلويح إلى ما حكاه الله عنه رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي وإنما قاله ليكون له معجزة خارقة للعادة لا أنه قصد به الحسد في الرياسة والمنافسة أو لئلا يقع أحد فيما وقع فيه من ابتلاء الحالة التي لا تخلو من نوع المحاسبة والمناقشة وصنف من المخاطرة من نقصان كمال المرتبة (وعلّمت عيسى التّوراة) أي تبعية (والإنجيل) أصلية يروى وعلمت موسى التوراة وعيسى الإنجيل (وجعلته يبرىء الأكمه) أي من ولد أعمى أو هو الممسوح العين (والأبرص) أي ممن ببدنه بياض أمهق كالجص روي أنه ربما اجتمع الألوف عليه ومن لم يطق اتيانه ذهب إليه وما يداوي إلا بالدعاء لديه والمعنى أن هذا في حال الكبر (وأعذته وأمّه من الشّيطان الرّجيم) أي في حال الصغر (فلم يكن له) أي الشيطان (عليهما سبيل) أي لقوله سبحانه إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ولاستعاذة جدته حنة امرأة عمران (فقال له ربّه تعالى) أي تسلية لنبينا عن مرتبة الغبطة بالعطية من أعلى الرتبة (قد اتّخذتك خليلا وحبيبا) والمحبة أخص من الخلة فإنها من حبة القلب ولأن الفعيل يحتمل معنى الفاعلية والمفعولية فله الجمع بين مرتبيي المحبية والمحبوبية ويؤيده أن في نسخة صحيحة خليلا وحبيبا وهي في إرادة هذا المعنى صريحة وأما قوله (فَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ مُحَمَّدٌ حَبِيبُ الرَّحْمَنِ) فلا ينافيه ما قدمناه من البيان إذا ذكر بما خص به من مقام الأعيان هذا وقد قال الدلجي هذا مدرج من كلام الراوي إقامة بينة لصحة زيادة رواية أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ولعل وجه تخصيص إضافته إلى الرحمن لكونه رحمة للعالمين من عند ارحم الراحمين (وأرسلتك إلى النّاس كافّة) أي رسالة عامة فإرساله إلى الناس تعميما يفيد تعظيما بالنسبة إلى من أوتي ملكا عظيما ثم زاد عليه بما ضم إليه من قوله (وجعلت أمّتك هم الأوّلون) أي في دخول الجنة
ة عامة فإرساله إلى الناس تعميما يفيد تعظيما بالنسبة إلى من أوتي ملكا عظيما ثم زاد عليه بما ضم إليه من قوله (وجعلت أمّتك هم الأوّلون) أي في دخول الجنة شهودا (وهم الآخرون) أي في الدنيا وجودا (وجعلت أمتك) أي أمة الإجابة (لَا تَجُوزُ لَهُمْ خُطْبَةٌ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّكَ عبدي ورسولي) أي ولو خارج الخطبة فلا يرد على أبي حنيفة في تجويز الخطبة على نحو تسبيحة وتحميدة أو المراد بالأمة أمة الإجابة والمراد بنفي الجواز أنه لا ينبغي ترك الشهادة لا سيما حال القدرة فالمعنى على نفي الكمال كحديث كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء أي ناقصة مقطوعة الفائدة كحديث كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بسم الله أو بالحمد لله فهو أجذم أو أبتر أو أقطع روايات (وجعلتك أوّل النّبيّين خلقا) أي لأنه ﷾ خلقه قبل آدم فلما خلق آدم قذفه في صلبه فلم يزل في صلب كريم إلى رحم طاهر من السفاح حتى خرج من بين أبويه فكان أولهم خلقا ووجودا (وآخرهم بعثا) وشهودا مع زيادة أنه أعظمهم خلقا (وأعطيتك) أي خاصة (سبعا من المثاني) وهي الفاتحة على الصحيح من قوله ﷾ وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ الآية (ولم أعطها نبيّا قبلك) تأكيد لما قبله وتأييد (وأعطيتك خواتيم سورة البقرة) الظاهر أنها من قوله آمَنَ الرَّسُولُ إلى آخر السورة (من
كَنْزٍ تَحْتَ عَرْشِي لَمْ أُعْطِهَا نَبِيًّا قَبْلَكَ) أي بإنزال مضمونها على أحد منهم ادخارا لك وقال التوربشتي بل المعنى أنه استجيب له ولمن سأل بحقه مضمون قوله تعالى غُفْرانَكَ رَبَّنا الخ قال الدلجي ويؤيده أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لما دعا بهن قيل له قد فعلت وأوثر الإعطاء مناسبة للتعبير بكنز تحت العرش انتهى ولا يخفى أنه لا منافاة بين الجمع فالحمل عليه أولى (وجعلتك فاتحا وخاتما) أي مبدأ للخيرات ومنتهى للمبرات أو أولا وآخرا باعتبار الأرواح والأشباح من بين الأنبياء (وفي الرّواية الأخرى) أي التي رواها مسلم (قال) أي ابن مسعود (فأعطي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثلاثا) أي مما لم يعطها غيره (أعطي الصّلوات الخمس) أي فريضة في كل يوم وليلة (وأعطي خواتيم سورة البقرة) أي قراءة وإجابة (وغفر لمن لا يشرك بالله شيئا) أي من الشرك (من أمّته المقحمات) أي السيئات المهلكات أهلها ولو من غير توبة وفيه إشارة إلى أنه من خصوصيات هذه الأمة المرحومة ببركة نبي الرحمة لكنه مع هذا تحت المشيئة ومختص بمن تعلقت به الإرادة لقوله تعالى وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ فاندفع ما أورده الدلجي من وجه الإشكال بقوله يفيد ظاهره العموم فيلزم أنه لا يعذب أحد مع الإجماع على تعذيب بعض عصاة المؤمنين أي من هذه الأمة وإلا فلا إشكال وأبعد من قال أراد بغفرانها أن لا يخلد أحد منهم في النار لا أن لا يعذب أصلا إذ فيه أنه لا خصوصية حينئذ قطعا ثم المقحمات بضم ميم وكسر حاء مهملة مخففة وقيل منتقلة الذنوب العظام التي من شأنها أن تقحم صاحبها في النار وتدخله الشدة في دار البوار وهو مرفوع على أنه نائب الفاعل لقوله غفر والمعنى أنه أعطي الشفاعة لأهل الكبائر من الأمة (وقال) أي ابن مسعود فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى [النجم: ١١] الآيتين) أي في هذه الآية وما بعدها من قوله تعالى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أخرى (رأى جبريل في صورته) أي التي خلق عليها في أصل جبلته (له ستمائة جناح) أي مختص بزيادة الأجنحة على سائر الملائكة كما قال ﷾ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ
أصل جبلته (له ستمائة جناح) أي مختص بزيادة الأجنحة على سائر الملائكة كما قال ﷾ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ وأشار إليه ﷾ بقوله عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى لأن القوة على قدر زيادة الأجنحة اللازمة لعظم الجثة ومنه حديث أبي داود وغيره أن الملائكة لتضع اجنحتها لطالب العلم إما حقيقة صيانة لأمره وحفظا لشأنه أو تواضعا تعظيما لحقه وأما ما ذكره السهيلي من أنه قد قال أهل العلم في أجنحة الملائكة أنها ليست كما يتوهم من أجنحة الطير ولكنها صفات ملكية لا تفهم إلا بالمعاينة فهو خلاف الظاهر المتبادر من معنى الحقيقة التي لا ينافيها عقل ولا نقل وقد أبعد بقوله واحتجوا بالآية فإنه لم ير طائر له ثلاثة أجنحة أو أربعة حيث غفلوا عن أنه لا يقاس الغائب على الحاضر وجهلوا معنى قوله ﷾ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وفي الآية قول آخر لبعض الأئمة وهو أنه رأى ربه تعالى والمعنى ما كذب بصره ما حكاه له قلبه. (وفي حديث شريك) أي ومنها في روايته (أنّه) أي النبي صلى الله تعالى عليه
ول آخر لبعض الأئمة وهو أنه رأى ربه تعالى والمعنى ما كذب بصره ما حكاه له قلبه. (وفي حديث شريك) أي ومنها في روايته (أنّه) أي النبي صلى الله تعالى عليه
وسلم (رأى موسى في السّابعة) أي السماء السابعة كما في أصل الدلجي وقد تقدم الجمع بينهما فلا يحتاج إلى حمله على تعدد الإسراء أو تكلفه بأن إحديهما موضع استقراره والأخرى غير موضع استيطانه أو باعتبار طلوعه ورجوعه وهذا أولى مما قاله الأنطاكي ولعله رآه في السادسة ثم ارتقى إلى السابعة وهذا وجه التوفيق بين ما روي في صحيح مسلم أنه ﵊ وجد إبراهيم في السادسة وبين ما روي أنه وجده في السماء السابعة انتهى والأظهر أنه من وهم بعض الرواة فإن النسيان يغلب الإنسان (قال) أي شريك أو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (بتفضيل كلام الله) أي له كما في أصل الدلجي والمعنى أن جعله في السابعة مسبب عن ذلك قال يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ أي ولا تطلب المعراج ولا الرؤية في ذلك المدراج (ثمّ علي به) بصيغة المفعول وفي أصل الدلجي ثم علا بي أي جبريل (فوق ذلك) أي فوق ما ذكر من السماء السابعة والسدرة (بما لا يعلمه إلّا الله) أي بمقدار لا يعلمه سواه فلا يحتاج إلى ما تكلف له الدلجي بقوله إن بدل من فوق ذلك والباء للاستعلاء كما في قوله تعالى وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ أي عليه أو بمعنى إلى كما في وقد أحسن بي أي علا بي على مكان أو إلى مكان لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ (فَقَالَ مُوسَى لَمْ أظنّ أن يرفع عليّ أحد وقد روي) بصيغة المجهول أي ومنها أنه قد روي (عن أنس: أنّه صلى الله تعالى عليه وسلم صلّى بالأنبياء ببيت المقدس) أي إماما وهو لا ينافي ما روي أنه صلى بهم في السماء أو صلى مع الملائكة في المسجد الأقصى.
نس: أنّه صلى الله تعالى عليه وسلم صلّى بالأنبياء ببيت المقدس) أي إماما وهو لا ينافي ما روي أنه صلى بهم في السماء أو صلى مع الملائكة في المسجد الأقصى. (وعن أنس رضي الله تعالى عنه) أي ومنها ما رواه البزار والبيهقي عَنْهُ (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم بينا أَنَا قَاعِدٌ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ دَخَلَ جِبْرِيلُ ﵇ فوكز) بالواو والزاي أي دفع بأطراف أصابعه أو ضرب بكفه مجموعة (بين كتفيّ) بتشديد التحتية وهذا ضرب تلطف ومحبة أو سبب قيام وخفة ويشير إليه قوله (فَقُمْتُ إِلَى شَجَرَةٍ فِيهَا مِثْلُ وَكْرَيِ الطَّائِرِ) أي مكانين مماثلين للوكرين وهو بفتح الواو عش الطائر سواء كان في حجر أو في شجر وقيل إن كان في شجر فهو عش وإن كان في حجر فهو وكر (فقعد) أي جبريل (في واحدة) ولعل تأنيث الوكر باعتبار البقعة أو القطعة من الشجرة (وقعدت في الأخرى) وما ذكرناه أولى وأحرى مما قاله الحلبي أن تأنيثه هنا حمل على الغالب إذ الغالب أن ما يلازم الوكر الانثى للبيض والجلوس عليه وغير ذلك فاكتسب التأنيث بحسب الإضافة انتهى ويرده ما في القاموس من أن الوكر عش الطائر وإن لم يكن فيه وأما قول الدلجي انثهما باعتبار أن كلا منهما بمعنى العش وأهل مكة يذكرونه ويؤنثونه والغالب الآن على ألسنتهم التأنيث فليس في محله لأنه غير مسموع بل في القاموس ما يدل على أنه من وجهين مدفوع حيث قال العش بالضم موضع الطائر يجمعه من دقاق الحطب في افنان الشجر وبفتح (فنمت) بفتح النون والميم من النمو أي زادت وفي نسخة صحيحة فسمت بالسين المهملة والميم المخففة من السمو أي ارتفعت والضمير إلى
الآخرى (حتّى سدّت الخافقين) بتشديد الدال المهملة أي طرفي السماء والأرض أو أفقي المشرق والمغرب (ولو شئت) أي من كمال رفعتي (لمسست السّماء) بكسر السين الأولى وتفتح وقد تحذف كما في نسخة (وأنا أقلّب طرفي) بتشديد اللام والطرف بسكون الراء بمعنى النظر والجملة حالية أي والحال أني أردد بصري تبعا لبصيرة قلبي في آيات ربي في الآفاق وفي الأنفس (ونظرت جبريل) أي رأيت كما في نسخة أي وأبصرته نازلا عني وبعيدا مني (كأنّه حلس) بكسر وسكون وفي نسخة بفتحهما أي كساء رقيق يلي ظهر البعير تحت قتبه شبه به لرؤيته له (لاطئا) بكسر مهملة فهمزة أي لاصقا بما لطئ به من هيبة الله تعالى وشدة الخشية من كمال عظمته كذا قرره الدلجي بناء على نصب لاطئا في أصله لكنه مخالف للأصول المصححة لأنه مرفوع على أنه نعت لقوله حلس ومنه حديث أبي بكر رضي الله تعالى عنه كن حلس بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية أمره بلزوم بيته هذا وقد روي عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال مررت ليلة أسري بي وجبريل بالملأ الأعلى ساقط كالحلس البالي من خشية الله تعالى (فعرفت فضل علمه بالله سبحانه عليّ) لأنه إنما يخشى الله من عباده العلماء ولأن من يكون أعلم يكون أخشى واتقى وهذا من باب تواضعه صلى الله تعالى عليه وسلم وتعليم لأمته واتباعه وتنبيه نبيه على أن أفضل الملائكة إذا كان يخشى هذه الخشية مع ظهور العصمة فغيره أولى بأن يكون على تلك الحالة مع احتمال وجود السيئة وتحقق الغفلة (وفتح لي باب السّماء) بصيغة المفعول (ورأيت) وفي نسخة ونظرت (النّور الأعظم) أي نور الحضرة الإلهية ذكره الدلجي والله تعالى أعلم (ولطّ) بضم لام وتشديد طاء مهملة أي أرخى وفي نسخة وإذا أدنى بإذا المفاجأة أي قرب ودنا (دوني الحجاب) أي ستر باب الجناب لأن رب الأرباب منزه عن أن يدخل تحت الحجاب أو يخرج من تحت النقاب (وفرجه) بالنصب وهو بضم الفاء وسكون الراء أي ومركوز في شقه (الدّرّ والياقوت) ويروى فوقه الدر والياقوت والظاهر أنه تصحيف وضبط في حاشية التلمساني وغيره بضم الفاء وفتح الراء جمع فرجة وهو الأظهر فتدبر (ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ مَا شَاءَ أَنْ يوحي) أي إلي كما في نسخة
ف وضبط في حاشية التلمساني وغيره بضم الفاء وفتح الراء جمع فرجة وهو الأظهر فتدبر (ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ مَا شَاءَ أَنْ يوحي) أي إلي كما في نسخة صحيحة. (وَذَكَرَ الْبَزَّارُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله تعالى عنه) وفي نسخة بخط مغلطاي البراء بفتح موحدة وخفة راء والصواب هو الأول وهو بموحدة فزاي مشدة فألف نسبة إلى عمل بزر الكتان زيتا بلغة البغداديين وهو الحافظ العلامة أبو بكر أحمد بن عمر بن عبد الخالق البصري صاحب المسند الكبير المعلل سمع عبد الأعلى بن حماد والحسن بن علي بن راشد وطائفة وعنه أبو الشيخ والطبراني وجماعة فإنه ارتحل في آخر عمره إلى أصبهان وإلى الشام وإلى النواحي ينشر علمه ذكره الدارقطني وأثنى عليه وقال ثقة يخطىء ويتكل على حفظه مات بالرملة سنة اثنتين وتسعين ومائتين (لمّا أراد الله تعالى أن يعلّم) بتشديد اللام أي يعلمه ويلهمه (رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم الأذان) أي ما يختار للإعلام بدخول أوقات الصلوات (جَاءَهُ جِبْرِيلُ بِدَابَّةٍ يُقَالُ لَهَا الْبُرَاقُ
فذهب يركبها) أي شرع وأراد أن يَرْكَبُهَا (فَاسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهَا جِبْرِيلُ اسْكُنِي فو الله مَا رَكِبَكِ عَبْدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم فركبها حتّى أتى بها) أي انتهى بها (إلى الحجاب الذي يلي الرّحمن تعالى) أي عرشه ﷾ (فبينا هو) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (كذلك) أي بالوصف الذي هنالك (إذ خرج ملك) أي فاجأه خروجه (مِنَ الْحِجَابِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم يا جبريل من هذا) أي من الملائكة (قال) أي جبريل (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَأَقْرَبُ الْخَلْقِ مَكَانًا) أي في السماء أو من الحجاب لا من رب الأرباب لأنه منزه عن المكان والزمان وسائر سمات الحدثان (وَإِنَّ هَذَا الْمَلَكَ مَا رَأَيْتُهُ مُنْذُ خُلِقْتُ قبل ساعتي هذه) يعني فهو داخل تحت قوله سبحانه وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ وقوله تعالى وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (فَقَالَ الْمَلَكُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقِيلَ له) أي جوابا عن مقوله (مِنْ
مَّا لا يَعْلَمُونَ وقوله تعالى وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (فَقَالَ الْمَلَكُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقِيلَ له) أي جوابا عن مقوله (مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ صَدَقَ عَبْدِي أَنَا أَكْبَرُ أنا أكبر) هذا يحتمل أنه أمر ملكا أن يقوله عن أمر ربه كعكسه حين حكى الله عن الملائكة في قوله وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ (ثُمَّ قَالَ الْمَلَكُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقِيلَ لَهُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ صَدَقَ عَبْدِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أنا) ووقع في أصل الدلجي أنه لا إله إلا أنا وهو مخالف للنسخ المعتمدة (وذكر) أي الراوي (مثل هذا) أي الذي ذكر قولا وجوابا (فِي بَقِيَّةِ الْأَذَانِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ) فقيل له من وراء الحجاب (جَوَابًا عَنْ قَوْلِهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ على الفلاح وقال) أي الراوي (ثمّ أخذ الملك) أي المؤذن (بيد محمّد فقدّمه) أي في المقام الأتم (فأمّ أهل السّماء) أي من الملائكة والأنبياء (فيهم آدم) أبو البشر الأكبر (ونوح) ابو البشر الأصغر ولعل هذا وجه تخصيصهما فتدبر وأما ما وقع في أصل الدلجي من قول آدم وإبراهيم ثم قوله وخصا بالذكر لأنهما أبا الأنبياء فهو مخالف للأصول المعتبرة.
ر الأصغر ولعل هذا وجه تخصيصهما فتدبر وأما ما وقع في أصل الدلجي من قول آدم وإبراهيم ثم قوله وخصا بالذكر لأنهما أبا الأنبياء فهو مخالف للأصول المعتبرة. (قال أبو جعفر) أي الصادق وهو الباقر (محمّد بن عليّ بن الحسين) أي ابن علي بن أبي طالب وهو زين العابدين رضي الله تعالى عنهم ويسمى سلسلة الذهب (راويه) أي راوي هذا الحديث الذي ذكره البزار في مسنده حيث قال حدثنا محمد بن عثمان بن مخلد حدثنا أبي عن زياد بن المنذر عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أبيه عن جده علي بن أبي طالب قال لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُعَلِّمَ رَسُولَهُ الأذان فذكره وفي سنده زياد بن المنذر وهو كذاب وقد أخرج له الترمذي وقد مال السهيلي في روضه إلى صحته لما يعضده ويشاكله من أحاديث الإسراء والله تعالى أعلم وقد تصحف في أصل الدلجي فوقع رواية بالمصدر بدل راويه (أكمل الله تعالى) أي أكمل وأتم (لمحمّد صلى الله تعالى عليه وسلم الشّرف) أي السيادة الأعم (على أهل السّموات وَالْأَرْضِ قَالَ الْقَاضِي وَفَّقَهُ اللَّهُ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ ذِكْرِ الْحِجَابِ فَهُوَ فِي حقّ المخلوق) أي مقصور من جميع الأبواب إذ الحجاب لغة المنع والستر وحقيقته للاجرام المحدودة إلا أنه قد يطلق مجازا ويقصد به التمثيل لما يفهم من مجرد المنع من رؤيته تعالى بالمشاهدة ليتصور السامع حتى يكون مستحضرا كأنه ينظر إليه متيقنا له متبصرا وأما المعنى الحقيقي فهو منحصر فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ
(لا في حقّ الخالق) لأنه منزه عن ذلك (فهم المحجوبون) أي حسا ومعنى (والبارئ) أي الخالق البريء عن مشابهة المخلوقين (جلّ اسمه) أي وعز مسماه (منزّه عمّا يحجبه) أي يستره عن خلقه ويجعله محجوبا في حقه (إذ الحجب) بضمتين جمع حجاب (إنّما تحيط بمقدّر) أي محدود (محسوس) أي داخل تحت نطاق حاسة البصر (ولكن حجبه) بضمتين جمع حجاب وبفتح فسكون مصدر أي قد يكون حجابه (على أبصار خلقه) بفتح الهمزة أي أعينهم الظاهرة (وبصائرهم) أي أعينهم الباطنة (وإدراكاتهم) عطف تفسير (بما شاء) أي من أنواع الحجاب وفي الحديث حجابه النور أي لكماله في الظهور (وكيف شاء) أي في هذا الباب (ومتى شاء) أي من أوقات تعلق الحجاب (كقوله) أي في الكتاب (كَلَّا إِنَّهُمْ) أي الكفار (عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] ) أي لممنوعون عن رؤيتنا وشهود قدرتنا بخلاف المؤمنين فإنهم في عين عنايتنا وزين رعايتنا وحمايتنا عن عين الأغيار ورين الأوزار (فقوله في هذا الحديث الحجاب) يجوز جره على الحكاية ورفعه على الإعراب في قوله ﵊ (وَإِذْ خَرَجَ مَلَكٌ مِنَ الْحِجَابِ يَجِبُ أَنْ يقال إنّه حجاب حجب به من ورائه) أي بحسب ظاهره (من ملائكته عن الاطّلاع) بتشديد الطاء (على ما دونه) أي بحسب باطنه (من سلطانه وعظمته وعجائب ملكوته وجبروته) وقد سبق أن الملكوت هو الملك العظيم والجبروت كمال العظمة بناء على أن بناء الفعلوت للمبالغة وما أحسن قول ابن عطاء في كشف هذا الغطاء مما يدلك على وجود قهره ﷾ أن حجبك عنه بما ليس بموجود معه وقد انشدوا في هذا المعنى واطنبوا في هذا المبنى: من أبصر الخلق كالسراب ... فقد ترقى عن الحجاب إلى وجود يراه رتقا ... بلا ابتعاد ولا اقتراب ولم يشاهد به سواه ... هناك يهدي إلى الصواب فلا خطاب به إليه ... ولا مشير إلى الخطاب
. فقد ترقى عن الحجاب إلى وجود يراه رتقا ... بلا ابتعاد ولا اقتراب ولم يشاهد به سواه ... هناك يهدي إلى الصواب فلا خطاب به إليه ... ولا مشير إلى الخطاب (ويدلّ عليه) ما ذكرناه (من الحديث) أي من بعض ما في نفس الْحَدِيثِ (قَوْلُ جِبْرِيلَ عَنِ الْمَلَكِ الَّذِي خَرَجَ مِنْ وَرَائِهِ إِنَّ هَذَا الْمَلَكَ مَا رَأَيْتُهُ مُنْذُ خُلِقْتُ قَبْلَ سَاعَتِي هَذِهِ فَدَلَّ عَلَى أنّ هذا الحجاب) أي تعلقه (لم يختصّ بالذّات) بل اختص بالمخلوقات نعم الذات محتجبة بالصفات والصفات محتجبة بالموجودات لا بمعنى أن ذلك الجناب يحجب بالحجاب بل بمعنى إن أكثر الكائنات احتجبوا بوجود الخلق عن شهود صفات الحق وبشهودها عن الموجود المطلق ثم منهم من حجب عن الله تعالى بالشهوات الدنيوية والدرجات الأخروية أو المقامات العلية ومنه قولهم العلم حجاب في هذا الباب وكل ذلك من الأغيار العدمية والوجودات الوهمية ولو ارتفع الحجاب عنهم لفنوا عن أنفسهم وإرادتهم وبقوا بربهم فإن الفناء على ثلاثة أوجه فناء في الأفعال ومنه قولهم لا فاعل إلا الله تعالى وفناء في الصفات
و ارتفع الحجاب عنهم لفنوا عن أنفسهم وإرادتهم وبقوا بربهم فإن الفناء على ثلاثة أوجه فناء في الأفعال ومنه قولهم لا فاعل إلا الله تعالى وفناء في الصفات
ومنه لا حي ولا عالم ولا قادر ولا مريد ولا سميع ولا بصير ولا متكلم على الحقيقة إلا الله تعالى وفناء في الذات أي لا موجود على الإطلاق إلا الله وأنشدوا في هذا المبنى لتصحيح المعنى: فيفنى ثم يفنى ثم يفنى ... فكان فناؤه عين البقاء (ويدلّ عليه) أي على ما ذكرنا من تعلق الحجاب بالكائنات دون الذات (قول كعب) أي كعب الأحبار (في تفسير سدرة المنتهى) أي في بيان سبب تسميتها بها (قال إليها ينتهي علم الملائكة و) يعني وسببه (أنهم عندها يجدون أمر الله تعالى) أي لا عند غيره (لا يجاوزها علمهم) أي فهم محجوبون عما وراءها (وَأَمَّا قَوْلُهُ الَّذِي يَلِي الرَّحْمَنَ فَيُحْمَلُ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ يَلِي عَرْشَ الرَّحْمَنِ أَوْ أمرا مّا) كذا بالنصب في النسخ والظاهر كونه مجرورا أو مرفوعا ولعله أراد أن أي بمعنى يعني أو أعني أمرا من الأمور اللائقة بمرام هذا المقام وذهب الدلجي إلى أن التقدير يلي أمرا ما (من عظيم آياته أو مبادىء حقائق معارفه) أي المتعلقة بذاته وصفاته (ممّا هو أعلم به) أي من أسرار مكنوناته (كما قال تعالى) أي في استعمال حذف المضاف (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] أي أهلها) يعني أنه من قبيل مجاز الحذف وهو أشهر مما قيل إنه من باب ذكر المحل وإرادة الحال والله تعالى أعلم بالحال (وَقَوْلُهُ فَقِيلَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ صَدَقَ عَبْدِي أنا أكبر) كما تقدم (فظاهره أنّه سمع) بصيغة المجهول وقال الدلجي أي سمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (في هذا الموطن كلام الله تعالى ولكن مِنْ وَراءِ حِجابٍ قلت فيأول الإشكال في هذا الباب مع ما فيه من سماع كلامه من جهة محصورة بوهم الحجاب ولهذا دفعه بقوله (كما قال تَعَالَى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الشُّورَى: ٥١] ) فإن المراد بالوحي على طريق المكاشفة لأن الوحي إعلام في خفاء إما بالإلهام وهو القذف في القلب كما أوحي إلى أم موسى ﵇ أو في المنام
ابٍ [الشُّورَى: ٥١] ) فإن المراد بالوحي على طريق المكاشفة لأن الوحي إعلام في خفاء إما بالإلهام وهو القذف في القلب كما أوحي إلى أم موسى ﵇ أو في المنام كما أوحي إلى إبراهيم ﵇ في ذبح ولده وبقوله مِنْ وَراءِ حِجابٍ أن يكون البشر من وراء حجاب البشرية المانعة من شهود وجود الذات الصمدية بأن يسمعه ولا يراه كما كلم موسى ﵊ وليس المراد أن هناك حجابا يفصل موضعا عن موضع أو يدل على تحديد المحجوب وإنما هو بمنزلة ما يسمع من وراء الحجاب حيث لم ير المتكلم في هذا الباب والله تعالى أعلم بالصواب ولذا قال المصنف (أي وهو) أي البشر (لا يراه) أي الحق ﷾ (حجب بصره) أي منعه (عن رؤيته) أي لا ذاته عن بصره، (فَإِنْ صَحَّ الْقَوْلُ بِأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم رأى ربّه) أي بعين البصر (فيحتمل أنّه) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رآه (في غير هذا الموطن بعد هذا) أي هذا الوقت (أو قبله) أي من الزمان بمعنى أنه (رفع الحجاب عن بصره حتّى رآه) وفي أصل الدلجي فرآه (والله أعلم) أقول ولا مانع من أنه رآه في ذلك الحين بعينه إذ لا يختص برفع
الحجاب وكشف النقاب مكان دون مكان ولا زمان دون زمان لإرادة العيان كما لا يخفى على الأعيان ولابن عطاء حكم توجب في الجملة كشف غطاء فأحببت أن أذكرها وهي قوله. كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء أم كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أظهر من كل شيء بل وهو الظاهر قبل وجود كل شيء وهو الواحد الذي ليس معه شيء فالحق ليس بمحجوب وإنما المحجوب أنت عن النظر إليه إذ لو حجبه شيء لستره ما يحجبه ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر وكل حاصر لشيء فهو له قاهر وهو القاهر فوق عباده انتهى وإذا قال الله تعالى لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً كيف يحيطون به جرما وإني للعدم حتى يغلب القدم نعم أن لله ﷾ سبعين ألف حجاب من النور في عالم الظهور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليها نور بصره وقد قال الله تعالى كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ أي باطل ومضمحل وفان في نظر أرباب العرفان في كل آن وزمان ولذا قال بعض أرباب الشهود سوى الله والله ما في الوجود وقال بعض الشطار ليس في الدار غيره ديار فهو من غاية ظهوره باطن ومن نهاية بطونه ظاهر وفي عين أبديته أول وفي عين أزليته آخر وغيره كالهباء في الهواء والسراب في نظر مشتاق الشراب وإلا فما للتراب ورب الأرباب والله تعالى أعلم بالصواب.
ظاهر وفي عين أبديته أول وفي عين أزليته آخر وغيره كالهباء في الهواء والسراب في نظر مشتاق الشراب وإلا فما للتراب ورب الأرباب والله تعالى أعلم بالصواب.
فصل [ثم اختلف السلف والعلماء هل كان إسراء بروحه أو جسده] أي من متعلقات هذا الباب (ثمّ اختلف السّلف) أي الصحابة والتابعون (والعلماء) أي الخلف المجتهدون (هل كان) أي وقع (الإسراء بروحه) أي فقط (أو جسده) أي مع روحه في جميع اسرائه أو في بعضه كما سيأتي في كلامه ويندرج فيه أيضا قول آخر لبعضهم أنه أسري به مرتين مرة مناما ومرة يقظة جمعا بين الروايتين وكذا قول التوقف بأن يقال اسري به ولا يقال يقظة ولا مناما وهو قول غريب حكاه الإمام الجوزية في أوائل كتابه الهدى ولعل وجهه أنه ورد في بعض طرق الخبر أنه كان بين النائم واليقظان فلم يعرف حقيقة أمره ولذا عبر بعضهم عنه بالنوم وبعضهم باليقظة اعتبارا بالغلبة وكأن المصنف لم يلتفت إلى هذه المقالة فينتظم قوله (على ثلاث مقالات) أي لطوائف ثلاث كما فصلها بقوله (فذهبت طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ إِسْرَاءٌ بِالرُّوحِ وَأَنَّهُ رُؤْيَا منام) بدل مما قبله أو عطف تفسير له إذ هو في هذا المقام إنما يكون في حال المنام (مع اتّفاقهم أنّ رؤيا الأنبياء حقّ) أي ثابت غير كذب (ووحي) أي يعمل به بخلاف رؤيا غيرهم ويدل عليه قوله تعالى حكاية يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ وحديث تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم (وإلى هذا ذهب معاوية رضي الله تعالى عنه) أي من الصحابة كما رواه ابن إسحاق وابن جرير عنه وهو ابن أبي سفيان كلاهما من مسلمة الفتح وهو أحد كتبة الوحي وقيل إنما كتب له كتبه إلى الاطراف وتولى الشام في زمن عمر رضي الله تعالى عنه ولم يزل بها حاكما إلى أن مات وذلك أربعون سنة روى عنه ابن عباس وأبو
الوحي وقيل إنما كتب له كتبه إلى الاطراف وتولى الشام في زمن عمر رضي الله تعالى عنه ولم يزل بها حاكما إلى أن مات وذلك أربعون سنة روى عنه ابن عباس وأبو
سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما وكان عنده إزار رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ورداؤه وقميصه وشيء من شعره وأظفاره فقال كفنوني في قميصه وأدرجوني وفي رواية وآزروني بإزاره وأحشوا منخري وشدوا مواضع السجود مني بشعره وأظفاره وخلوا بيني وبين أرحم الراحمين (وحكي) أي مثل ذلك (عن الحسن) أي البصري. (والمشهور عنه خلافه) وهو أنه كان في اليقظة (وإليه) أي وإلى هذا القول (أشار محمّد بن إسحاق) أي ابن يسار إمام المغازي (وحجّتهم) أي لقولهم إنه رؤيا منام (قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ) أي ظاهرة إذ في آخر الآية دلالة على أنه كان باليقظة حيث قال (إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء: ٦٠] ) أي ابتلاء وامتحانا في تصديق القضية إذ انكرته قريش وارتد كثير من أهل التقليد وصدقه الصديق وأهل التوفيق والتأييد إذ من المعلوم أنه لا فتنة إلا إذا كان في حال اليقظة فالرؤيا بمعنى الرؤية ولعل تسميتها بها لأنها من غرابتها في معنى الرؤيا وقد سبق جواز تقدير مضاف أي تحقيق الرؤيا وتصديقها وبه يجمع بين الروايات فإنه رأى أولا رؤيا وثانيا رؤية فقد قال السهيلي وذهبت طائفة منهم شيخنا أبو بكر إلى أن الإسراء كان مرتين أحديهما في نومه توطئة له وتيسيرا عليه كما كان بدء نبوته الرؤيا الصادقة ليسهل عليه أمر النبوة فإنه عظيم تضعف عنه القوى البشرية وكذا الإسراء سهل عليه بالرؤيا لأن هوله عظيم ورأيت المهلب في شرح البخاري قد حكي هذا القول عن طائفة من العلماء وأنهم قالوا كان الإسراء مرتين مرة في نومه ومرة في يقظته ببدنه صلى الله تعالى عليه وسلم انتهى ولا يبعد أن يقال اسراؤه الروحي كان مرات باعتبار المكاشفات في اليقظات والمنامات وأما اسراؤه الجسدي فمرة واحدة تحقيقا لتلك المقامات والحالات مع الزيادة الحاصلة بالكلام والرؤية وسائر الدرجات هذا مع أن آية وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا قد قيل المراد بها ما رآه عام الحديبية أنه وأصحابه دخلوا مكة بدليل قوله
الحاصلة بالكلام والرؤية وسائر الدرجات هذا مع أن آية وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا قد قيل المراد بها ما رآه عام الحديبية أنه وأصحابه دخلوا مكة بدليل قوله تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ الآية فلما صدوا فيه عنه فتنوا فقيل لم يقل في هذا العام فدخلها بعد أو ما رآه في وقعة بدر بدليل قوله تعالى إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا ووقع في أصل الدلجي وقيل رآها عام الحديبية وهو يوهم أنه من أصل الكتاب وهو ليس في الأصول الصحيحة على الصواب (وما حكوا) أي وحجتهم أيضا ما حكوه من رواية ابن إسحاق وابن جرير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مَا فَقَدْتُ جسد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) ويبطله أنه لم يدخل بها إلا بعد الهجرة والإسراء إنما كان بمكة بعد البعثة كما قال ابن إسحاق بعد ان فشا الإسلام بمكة والأشبه أنه كان بعدها بخمس سنين كما نقله النووي عن المصنف وروي عنها ما فقد جسد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بصيغة المفعول وهو أظهر في الاحتجاج المنقول (وقوله) أي وحجتهم أيضا قوله (بينا أنا نائم) أي في الحطيم وربما قال في الحجر. (وقول أنس رضي الله تعالى عنه) أي وحجتهم أيضا قوله في حديثه (وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَذَكَرَ الْقِصَّةَ) أي قصة الإسراء وفيه أن كونه نائما في
أول الوهلة لا ينافي وقوع القصة في اليقظة آخر الدفعة (ثمّ قال) أي أنس رضي الله تعالى عنه (في آخرها) أي القصة (فاستيقظت وأنا بالمسجد الحرام) وفيه أن المراد بالاستيقاظ هو الاستحضار والاستشعار عما كان له من الاستغراق في مقام الابرار مع احتمال أن نومه في حال رجوعه واستيقاظه وقت وقوعه (وذهب معظم السّلف والمسلمين) أي من الخلق (إلى أنّه إسراء بالجسد) أي مع الروح لا بالروح دون الجسد (وفي اليقظة) بفتح القاف ولا يجوز تسكينها وهي ضد المنام (وهذا هو الحقّ) أي الثابت عند أهله (وهو قول ابن عبّاس وجابر) أي ابن عبد الله (وأنس رضي الله تعالى عنه) أي ابن مالك (وحذيفة) أي ابن اليمان (وعمر رضي الله تعالى عنه) أي ابن الخطاب وكان حقه أن يقدم على ما سبق من الأصحاب (وأبي هريرة ومالك بن صعصعة رضي الله تعالى عنهما) مدني سكن البصرة وروى عنه أنس وغيره (وأبي حبّة) بفتح حاء مهملة وتشديد موحدة قيل بالنون وقيل بالتحتية (البدريّ) قيل هو الأنصاري وقيل هو غيره (وابن مسعود) رضي الله تعالى عنه وكان حقه أن يذكر بعد عمر لأنه أفضل الصحابة بعد الخلفاء الأربعة وبه تم ذكر الصحابة رضي الله تعالى عنهم (والضّحّاك) أي ابن مزاحم الهلالي البلخي المفسر تابعي جليل يروي عن أبي هريرة وأنس وابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم وثقه أحمد وابن معين وذكره الشيرازي في فقهاء خراسان من أصحاب عطاء الخراساني وغيره (وسعيد بن جبير) يروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره قتل في شعبان شهيدا أخرج له الأئمة الستة (وقتادة) أي ابن دعامة (وابن المسيّب) بفتح التحتية المشددة وتكسر (وابن شهاب) أي الزهري (وابن زيد) أي ابن أسلم وهو متكلم فيه (والحسن) أي البصري (وإبراهيم) أي النخعي (ومسروق) أي ابن الأجدع الهمداني يروي عن أبي بكر ومعاذ رضي الله تعالى عنهما وكان أعلم بالفتيا من شريح أخرج له الأئمة الستة وهو من الزهاد الثمانية يقال إنه سرق صغيرا ثم وجد فسمي مسروقا وقد كانت عائشة تبنته فسمي ابن عائشة وكني بها روى عنه الشعبي والنخعي وغيرهما (ومجاهد) أي ابن جبير (وعكرمة) أي المفسر مولى ابن عباس لكنه أباضي وسيأتي في كلام المصنف بيانه (وابن جريج)
ائشة وكني بها روى عنه الشعبي والنخعي وغيرهما (ومجاهد) أي ابن جبير (وعكرمة) أي المفسر مولى ابن عباس لكنه أباضي وسيأتي في كلام المصنف بيانه (وابن جريج) بالجيمين مصغرا فهؤلاء كلهم من أجلاء التابعين رحمهم الله تعالى (وهو دليل قول عائشة) أي مذهبها المختار لها وهو لا ينافي ما سبق مما نسب إليها وحكي عنها وهذا الاستعمال شائع فيما بين العلماء والفقهاء حيث يقال هذا قول أبي حنيفة ومالك رحمهما الله ويحكى عنهما خلاف ذلك وبهذا بطل اعتراض الدلجي على المصنف بقوله كيف يكون الإسراء يقظة بدليل قولها ما فقدت جسده المحتج به آنفا أنه كان مناما وقد سمعت إبطاله وتعجب من حكاية المصنف له في المذهبين مع امتناع كونه حجة للأول وكون الثاني دليلا له فإنه سهو لا ريب من ذي فهم ثاقب انتهى ومما يدل على ما قدمنا عنها أنها نفت الرؤية البصرية وقالت بالرؤيا البصيرية ومثل هذه المسألة الخلافية لا تتصور إلا إذا كانت القضية في اليقظة بخلاف الحالة المنامية (وهو قول الطبري) أي محمد
ابن جرير (وابن حنبل) أي الإمام أحمد صاحب المذهب (وجماعة عظيمة) أي رتبه وكثرة (من المسلمين وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ والمتكلّمين والمفسّرين وقالت طائفة) أي من الجامعين بين الروايات المختلفة (كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس) يروى يقظة في المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى (وإلى السّماء بالرّوح) أي مناما وهذا يشبه قول المعتزلة (وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [الإسراء: ١] ) ووجه الاحتجاج ما بينه المصنف بقوله (فَجَعَلَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى غَايَةَ الْإِسْرَاءِ الَّذِي وقع التّعجّب فيه بعظيم القدرة) أي المؤثرة وفق الإرادة حيث كان في سيره ساعة طي مسافة كثيرة والتعجب من لوازم المعجزة وإن صدر من أعدائه على طريق الاستحالة (والتّمدّح) أي ووقع التمدح (بتشريف النّبيّ محمّد) صلى الله تعالى عليه وسلم (به) أي بالإسراء نفسه (وإظهار الكرامة له) أي ووقع إظهار الكرامة له صلى الله تعالى عليه
أي ووقع التمدح (بتشريف النّبيّ محمّد) صلى الله تعالى عليه وسلم (به) أي بالإسراء نفسه (وإظهار الكرامة له) أي ووقع إظهار الكرامة له صلى الله تعالى عليه وسلم (بالإسراء إليه) أي إلى المسجد الأقصى بخصوصه (قال هؤلاء) أي الذاهبون إلى المذهب الثالث في الإسراء (وَلَوْ كَانَ الْإِسْرَاءُ بِجَسَدِهِ إِلَى زَائِدٍ عَلَى المسجد الأقصى لذكره) أي سبحانه في كتابه (فيكون) أي ذكره فيه (أبلغ في المدح) أي في مقام مدحه من عدم ذكره ولعل الحكمة في ذلك أن يكون الإيمان في هذه القصة ثابتا بمجموع الكتاب والسنة؛ (ثمّ اختلفت هذه الفرقتان) أي الثانية والثالثة في أنه صلى الله تعالى عليه وسلم (هل صلّى ببيت المقدس أم لا) فقيل نعم (فَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صلاته فيه) أي بالأنبياء وسبق أنه صلى الله تعالى عليه وسلم مع الملائكة ولا منع من الجمع (وأنكر ذلك) أي كون صلى الله تعالى عليه وسلم صلى فيه (حذيفة بن اليمان وقال) أي حذيفة كما رواه أحمد عنه (والله ما زالا) أي النبي وجبريل ﵉ (عن ظهر البراق حتّى رجعا) وهو بعيد جدا لما سبق صريحا فيما ورد صحيحا من ربط البراق بباب المسجد وصلاته فيه على ما هو اللائق بأدب المسجد من التحية التي هي السنة فيه ثم من القواعد المقررة أن المثبت مقدم على النافي ومن حفظ حجة على من لم يحفظ (قال القاضي رحمة الله تعالى عليه والحقّ من هذا) أي ما ذكر (والصّحيح إن شاء الله تعالى) استثناء للتبرك بمنزلة والله تعالى أعلم (إِنَّهُ إِسْرَاءٌ بِالْجَسَدِ وَالرُّوحِ فِي الْقِصَّةِ كُلِّهَا وعليه) أي وعلى هذا (تدلّ الآية وصحيح الأخبار) أي مجموعهما على جميعها غايته أن دلالة الآية على الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى نص قاطع يكون جاحده كافرا أو منافقا ودلالة الاحاديث على اسرائه إلى السماء وسدرة المنتهى ومقام قاب قوسين أو أدنى ظنية منكر يكون مبتدعا فاسقا (والاعتبار) بالرفع معطوف على ما قبله على ما اقتصر عليه الحلبي ولا يبعد أن يكون مجرورا بالعطف على الإخبار والمراد به المقايسة يعني إذا ثبت اسراؤه من الحرام إلى الحرام معجزة بدلالة الآية فيجوز اسراؤه إلى السماء
بي ولا يبعد أن يكون مجرورا بالعطف على الإخبار والمراد به المقايسة يعني إذا ثبت اسراؤه من الحرام إلى الحرام معجزة بدلالة الآية فيجوز اسراؤه إلى السماء بالمقايسة المقرونة بالأحاديث الثابتة إذ لا فرق بينهما في تعلق الإرادة والقدرة (ولا يعدل عن الظّاهر)
بصيغة المجهول أي ولا يصرف عن ظاهر دلالة الآية والأخبار الواردة (والحقيقة) أي ولا عن إرادة الحقيقة اللغوية المنضمة مع الإرادة العرفية (إلى التّأويل) أي فيهما أو في أحدهما (إلّا عند الاستحالة) أي العقلية والشرعية (وليس في الإسراء بجسده) أي الشامل لبدنه وروحه (وحال يقظته استحالة) أي لا شرعا ولا عقلا حتى يحتاج إلى تأويل في مآله بل يتعين أن يكون بكمال جماله ويقظة حاله (إِذْ لَوْ كَانَ مَنَامًا لَقَالَ بِرُوحِ عَبْدِهِ ولم يقل بعبده) أي لأنه بحسب إطلاقه محمول على كمال إفراده من عباده (وقوله) أي ويدل على كونه يقظة لا مناما قوله (ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [النجم: ١٧] ) إذ ليس للروح بصر بل بصيرة وأيضا لا يمدح عدم زيغ بصر النائم إذ لا حقيقة لحاله فلا يعد عدم الطغيان من كماله ومعنى الآية ما مال بصره يمينا ولا شمالا في مقام أدبه مع ربه وما جاوز ما أمره (ولو كان) أي الإسراء (مناما لمّا كانت فيه آية) وقد قال الله تَعَالَى لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (ولا معجزة) أي أمر خارق للعادة وإن كانت رؤيا الأنبياء حقا وأخبارهم عنها صدقا (ولمّا استبعده الكفّار ولا كذّبوه فيه) أي في أخباره (وَلَا ارْتَدَّ بِهِ ضُعَفَاءُ مَنْ أَسْلَمَ وَافْتُتِنُوا به) أي ولا وقعوا به في الفتنة في انباء اسرائه (إذ مثل هذا) أي الحال (من المنامات لا ينكر) أي لا يعد من المحال لأن أحد الناس يرى في نومه أنه يسير في الشرق مرة وفي الغرب أخرى وهو لم يتحول عن مكانه ولم تتبدل حاله الأولى (بل لم يكن ذلك) أي الإنكار والاستبعاد وعده من الاستحالة ووقوع الارتداد (منهم إلّا وقد علموا أنّ خبره) أي عن اسرائه (إنّما كان عن جسمه) أي مع روحه (وحال يقظته) أي أخذا من خبره منضما (إلى ما ذكر) أي النبي ﵊ وقال الحلبي إنه بصيغة المجهول (في الحديث) أي الحديث المشهور في الإسراء (من ذكر صلاته بالأنبياء ببيت المقدس) أي قبل اسرائه إلى السماء (فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ أَوْ فِي السَّمَاءِ عَلَى ما روى غيره) أي غير أنس كما تقدم من المنافاة بينهما إذ لا يخفى وجه جمعهما (وذكر مجيء جبريل ﵇ له) عطف على قوله ذكر صلاته المجرور بمن البيانية أي
عَلَى ما روى غيره) أي غير أنس كما تقدم من المنافاة بينهما إذ لا يخفى وجه جمعهما (وذكر مجيء جبريل ﵇ له) عطف على قوله ذكر صلاته المجرور بمن البيانية أي ومن ذكر مجيء جبريل له ﵇ (بالبراق وخبر المعراج) أي ومن ذكر خبر حال عروجه إلى السماء بالإسراء والمراد بالمعراج آلة العروج كالسلم للصعود (واستفتاح السّماء فيقال ومن معك) أي بعد ما يقال من أنت فيقول جبريل فيقال ومن معك (فيقول محمّد) أي وأمثال هذا من الدلالات في الروايات (ولقائه) أي ومن ملاقاته ﵊ (الأنبياء فيها) أي في السماء بأصنافها (وخبرهم معه) أي خبر الأنبياء معه بتفصيل مقاماتهم وتبيين حالاتهم (وترحيبهم به) أي وتحيتهم له كما في نسخة وأصل الترحيب قول مرحبا، (وشأنه) أي وقصته (في فرض الصّلاة) أي خمسين اولا (ومراجعته) أي ومكالمته (مع موسى في ذلك) أي في تخفيفها أو مراجعته إلى الله تعالى مع مساعدة موسى عليهما الصلاة والسلام في ذلك (وفي بعض هذه الأخبار) أي أدلة صريحة على هذا المدعي وروايات صحيحة المبنى من طريق الشيخين عن أنس رضي الله تعالى عنه (فأخذ يعني جبريل بيدي) تفسير من بعض
وفي بعض هذه الأخبار) أي أدلة صريحة على هذا المدعي وروايات صحيحة المبنى من طريق الشيخين عن أنس رضي الله تعالى عنه (فأخذ يعني جبريل بيدي) تفسير من بعض
الرواة (فعرج بي إلى السّماء) أي فلما جئت السماء الدنيا قال جبريل لخازنها افتح فلما فتح علونا السماء الدنيا إذا رجل قاعد على يمينه أسودة وعلى يساره أسودة الحديث بطوله (إِلَى قَوْلِهِ ثُمَّ عَرَجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام) أي صريرها كما في رواية وقد فرض الله هناك عليه خمسين صلاة فرجع فمر بموسى فلم يزل بينه وبينه حتى قيل له هي خمس وهن خمسون (وَأَنَّهُ وَصَلَ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَأَنَّهُ دَخَلَ الجنّة) أي جنة المأوى (ورأى فيها ما ذكره) أي من جنابذ اللؤلؤ وأن ترابها المسك قال الدلجي وظاهر هذا كله شاهد صدق بأنهما نزلا عن البراق وإن أنكره حذيفة انتهى ولا يخفى أن الظاهر عدم النزول عن البراق إلا أن يدل دليل صحيح وصارف صريح فيها هنالك لذلك (قال ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما) أي كما رواه البخاري (هي رؤيا عين رآها صلى الله تعالى عليه وسلم) أي في حال اليقظة (لا رؤيا منام) أي وإن كان رؤيا الأنبياء حقا في ثبوت المرام وقد قيل بتعدد المعراج إلى سبع مرات فيمكن الجمع بذلك بين الروايات (وعن الحسن) أي البصري (فيه) أي في حديث معراجه كما رواه ابن إسحاق وابن جرير عنه مرسلا (بينا أنا نائم في الحجر) بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم وقال النووي إنه رأى لبعض المصنفين على المهذب أنه يقال أيضا بفتح الحاء كحجر الإنسان فقيل كله من البيت وقيل ستة أذرع وقيل سبعة هذا وقد سبق أنه رأى بين النائم واليقظان ولا يبعد أن يراد بالنائم المضطجع فإنه على هيئة النائم وقد يعبر به عنه على أنه لا تنافي بين كونه نائما في أول القضية ومستيقظا في آخر القصة مع أنه روي بينا أنا جالس في الحجر (جاءني جبريل فهمزني) أي غمزني (بِعَقِبِهِ فَقُمْتُ فَجَلَسَتْ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا فَعُدْتُ لمضجعي، ذكر) أي الحسن أو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (ذَلِكَ ثَلَاثًا،
مزني) أي غمزني (بِعَقِبِهِ فَقُمْتُ فَجَلَسَتْ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا فَعُدْتُ لمضجعي، ذكر) أي الحسن أو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (ذَلِكَ ثَلَاثًا، فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ فَأَخَذَ بِعَضُدَيَّ) بصيغة الإفراد وفيه أربع لغات فتح العين مع ضم الضاد وكسرها وسكونها وضم العين مع السكون أي أمسك ما فوق مرفقي (فجرّني إلى باب المسجد) قال الدلجي الله أعلم بصحة هذا الحديث لنزاهة جبريل عن أن يفعل به ذلك انتهى ولا يخفى أنه إذا ثبت من طريق أمامين جليلين هذا المبنى ينبغي أن يحمل على محمل لطيف في المعنى وهو مناسبة الرجل للرجل في قوله فهمزني بعقبه وقد نبه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعض أصحابه من المنام بهذه الكيفية فهذا ليس من باب قلة الأدب بل من طريق عدم التكلف الدال على كمال الخصوصية وقد قيل ان الهمز تنبيه الرجل بحركة لطيفة وأما الأخذ بالعضد فلا خفاء في المناسبة المساعدة للتقوية العضدية وأما قوله فجرني فكناية عن كمال الجذبة الملكية المتسببة عن الجذبة الالهية على ما تقتضيه القضية الإسرائية إلى المراتب الاصطفائية وقد روي فجبذني وهو مقلوب جذبني (فَإِذَا بِدَابَّةٍ وَذَكَرَ خَبَرَ الْبُرَاقِ وَعَنْ أُمِّ هانىء) بكسر النون فهمز وهي بنت أبي طالب أخت علي رضي الله تعالى عنهما اسلمت يوم الفتح وقد خطبها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقالت إني امرأة مصيبة واعتذرت إليه فعذرها روى عنها علي وابن عباس وعكرمة وعروة وعطاء وخلق كما روى ابن إسحاق
والطبراني وابن جرير عنها أنها قالت (ما أسري برسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا وَهُوَ فِي بَيْتِي تِلْكَ اللّيلة) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن الحرم كله مسجد أي لإحاطته بالمسجد والتباسه به فلا ينافي قوله تعالى من المسجد الحرام (صلّى العشاء الآخرة) أي بأن خرج منه ودخل الحجر فصلى فيه (ونام بيننا) أي فيما بيننا بأن رجع ونام مع أهل بيت أم هانىء وهو كناية عن أنه كان بعد صلاة العشاء الآخرة عندهم في مكة فبيننا بمعنى عندنا وقد تصحف على الدلجي بقوله شيئا أي نام شيئا من الليل أو بعضا من النوم (فلمّا كان قبيل الفجر أهبّنا) بتشديد الموحدة أي أيقظنا (رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) وظاهر هذا الحديث أن الإسراء إنما كان في الثلث الأخير من الليل وهو وقت السحر وزمان التهجد للعبادة على أنه لا يلزم من إيقاظه لهم حينئذ أن يكون عقب نزوله إذ يمكن أنه كان في المسجد مشتغلا بالطواف والعبادة فلما قارب الصحيح رجع إليهم وأيقظهم (فلمّا صلّى الصّبح) أي نقلا أو كانت صلاتان فريضة قبل الإسراء صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها والأظهر أنه صلى الصبح المفروض في ليلة الإسراء من جملة الخمس (وصلّينا) أي معه أو بدونه (قال يا أمّ هانىء لقد صلّيت معكم العشاء الآخرة) فيه نوع تغليب أن صلت معه صلى الله تعالى عليه وسلم حقيقة أو معنى (كما رأيت بهذا الوادي) أي وادي مكة لإحاطة الجبال بها (ثمّ جئت بيت المقدس) أي ذهبت إليه (فصلّيت فيه) أي صلاة التهجد مع الأنبياء والملائكة (ثمّ صلّيت الغداة) أي صلاة الغدوة وهي الصبح (معكم الآن كما ترون) أي كما رأيتم فالعدول عن الماضي إلى المضارع لاستحضار الحال الماضية.
لأنبياء والملائكة (ثمّ صلّيت الغداة) أي صلاة الغدوة وهي الصبح (معكم الآن كما ترون) أي كما رأيتم فالعدول عن الماضي إلى المضارع لاستحضار الحال الماضية. (وهذا بين) بتشديد التحتية المكسورة أي وهذا الحديث برهان ظاهر (في أنّه) أي الإسراء (بجسمه) أي لا بروحه فقط ولا ينافي قولها وصلينا أنها اسلمت عام الفتح وهو بعد الإسراء بكثير لأن المراد بضمير الجمع جماعة قد اسلموا قبل ذلك وصلوا هنالك وأما قول الدلجي إنه ليس من قولها بل أدرجه الراوي في كلامها فمحمل بعيد وتأويل غير سديد وكذا تأويل الشمني أن معنى صلينا هيأنا له ما يحتاج إليه في الصلاة ثم هذا كله مبني على أن المعراج من بيت المقدس وأنه مع الإسراء في ليلة واحدة وأما على أنه من مكة وأنه ليس مع الإسراء في ليلة واحدة فقولها صلى الصبح على حقيقية من غير تأويل لأن الصلوات الخمس فرضت ليلة المعراج وهو على هذا القول كان في رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا والإسراء كان في الربيع الأول قبل الهجرة بسنة. (وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ مِنْ رِوَايَةِ شَدَّادِ بْنِ أوس عنه) أي كما رواه البيهقي وابن مردويه (أنّه قال للنّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ طَلَبْتُكَ يَا رسول الله البارحة في مكانك) أي في محلك المعتاد أول الليلة أو آخرها (فَلَمْ أَجِدْكَ فَأَجَابَهُ إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أي بأنه (حملني) وهو الظاهر المتبادر فلا يحتاج إلى تكلف الدلجي من غير نص على كسر أن حيث قال التقدير فأجابه قوله له إن جبريل حملني أي على البراق (إلى المسجد الأقصى) ثم هذا الحديث أيضا دليل ساطع على أن الإسراء كان يقظة؛
نص على كسر أن حيث قال التقدير فأجابه قوله له إن جبريل حملني أي على البراق (إلى المسجد الأقصى) ثم هذا الحديث أيضا دليل ساطع على أن الإسراء كان يقظة؛
(وعن عمر ﵁ أي كما رواه ابن مردويه من طريق عَنْهُ (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فِي مقدّم المسجد) أي المسجد الأقصى (ثمّ دخلت الصّخرة) أي تحتها أو مكانها (فإذا بملك) وفي نسخة فإذا ملك (قائم) بالجر والرفع بناء على النسختين (معه آنية ثلاث) أي من اللبن والخمر والعسل، (الحديث) أي كما سبق. (وهذه التّصريحات) أي في الروايات الصحيحات ظاهرة في أن القصة كانت يقظة (غير مستحيلة) أي شرعا وعقلا وثبت نقلا (فتحمل على ظاهرها) أي ولا يجوز العدول عنه؛ (وعن أبي ذرّ رضي الله تعالى عنه) كما في الصحيحين مرفوعا (عنه صلى الله تعالى عليه وسلم فرج) بصيغة المفعول مخففا وجوز مشددا أي كشف وأزيل (سقف بيتي) أضيف إليه تارة لأنه كان ساكنا فيه وإليها أخرى من حيث إنه كان ملكها (وأنا بمكّة) جملة حالية (فنزل جبريل فشرح صدري) أي فعل بي ما يوجب شرح صدري وتصحف على الدلجي بقوله ففرج بالفاء والجيم وفسره بقوله شقه (ثمّ غسله بماء زمزم) لأنه أفضل مياه العالم وقد أبعد الدلجي حيث علله بقوله لأنه فد ألفه صغرا وكبرا (إلى آخر القصّة) أي كما سبقت (ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنه أتيت) بصيغة المفعول أي أتاني آت وهو جبريل ﵇ كما صرح به في رواية (فانطلق) بصيغة المجهول أي فذهب (بي) وفي نسخة فانطلقوا بي (إلى زمزم فشرح عن صدري) الجار نائب الفاعل (وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عنه صلى الله تعالى عليه وسلم) كما رواه مسلم (لقد رأيتني) بضم تاء المتكلم (في الحجر وقريش تسألني عن مسراي) بفتح ميم وسكون سين أي عن علامات سيرى أو مكانه (فسألتني عن أشياء) أي من بيت المقدس وطريقه (لم أثبتها) من باب الافعال أي لم احفظها ولم اضبطها وعدم اثباته تلك الأشياء لكمال ثباته في مقام الإسراء باشتغاله بالملائكة والأنبياء وعجائب ملكوت الأرض والسماء وأبعد من توهم أن قوله لم أثبتها قرينة على أن القضية
ه تلك الأشياء لكمال ثباته في مقام الإسراء باشتغاله بالملائكة والأنبياء وعجائب ملكوت الأرض والسماء وأبعد من توهم أن قوله لم أثبتها قرينة على أن القضية كانت مناما فإن النائم أقل ضبطا من المستيقظ حيث لم يعرف أنه لا فرق بين ضبطه مناما ويقظة إذ الأنبياء لا تنام قلوبهم ورؤياهم وحي وأما الإحاطة بجميع علامات الطرق والمسجد الأقصى فليس شرطا في حصول العلم به إذ يكفيه إخباره ببعض العلامات مما يوجب كونه من الآيات وخوارق العادات (فكربت كربا) بفتح فسكون أي غما يأخذ النفس والفعل مبني للمجهول كقوله (مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِي أنظر إليه) فما سألوني عن شيء إلا أنبأتهم (ونحوه عن جابر) أي روي عن جابر نحو ما روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مع اختلاف في المبنى دون المعنى (وَقَدْ رَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى خديجة) أي بسرعة (وما تحوّلت عنه جانبها) أي إلى جانب آخر منها وفيه إشعار بتقليل زمن الإسراء مع انه كان إلى السموات العلى وسدرة المنتهى ومقام قاب قوسين أو أدنى ولعله صلى الله تعالى عليه وسلم أول ما رجع دخل على خديجة ثم ذهبت إلى أم هانئ في بيتها.
فصل [إبطال حجج من قال أنها نوم] (فِي إِبْطَالِ حُجَجِ مَنْ قَالَ إِنَّهَا نَوْمٌ) ويروى أنها رؤيا نوم ثم الحجج بضم حاء وفتح جيم وجمع حجة وهو بمعنى دليل وبينة وأنث ضمير أنها مع أنه راجع إلى الإسراء باعتبار القول بأنه كان رؤيا منام (احتجّوا) بتشديد الجيم أي استدلوا (بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ [الإسراء: ٦٠] فسمّاها رؤيا) بالتنوين يعني والرؤيا مختصة بالنوم كما أن الرؤية باليقظة (قلنا قوله سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ [الإسراء: ١] يردّه) أي يدفع الاحتجاج به (لأنّه لا يقال في النّوم أسرى) لأن الإسراء هو السير في الليل وهو لا يكون حقيقة إلا في اليقظة واعتبار الحقيقة أولى من المجاز ما لم يصرف عنها صارف نعم الرؤيا أيضا في النوم حقيقة وفي اليقظة مجاز لكن لنا أجوبة صارفة لها عن المعنى الحقيقي إلى القصد المجازي كما بينه المصنف بقوله، (وَقَوْلُهُ فِتْنَةً لِلنَّاسِ يُؤَيِّدُ أَنَّهَا رُؤْيَا عَيْنٍ وإسراء بشخص) أي بجسده (إذ ليس في الحلم) بضمتين وتسكن اللام بمعنى الاحتلام ورؤية المنام (فتنة) أي امتحان وخبرة (وَلَا يُكَذِّبُ بِهِ أَحَدٌ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَرَى مِثْلَ ذَلِكَ فِي مَنَامِهِ مِنَ الْكَوْنِ) أي حدوث شيء لم يكن والألف واللام بدل من المضاف إليه أي من كونه (في ساعة واحدة في أقطار متباينة) أي في أطراف مختلفة وجوانب مفترقة ونواحي متباعدة؛ (عَلَى أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الآية) أي في تفسيرها وفي المراد بمورد الرؤيا وتعبيرها (فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَضِيَّةِ الحديبية) وهي بتخفيف التحتية قبل هاء التأنيث مصغرا ذكره الشافعي وأهل اللغة وبعض المحدثين وكثير من المحدثين على تشديدها وهي قرية صغيرة سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة على نحو مرحلة من مكة قريبة من حدة في طريق جدة وتسمى الآن تلك البئر بئر شميس والأصح أن الشجرة التي وقع تحتها بيعة الرضوان غير معروفة الآن وهي كانت عند آخر الحل وأول الحرم على ما قيل وقال مالك الحديبية من الحرم وقال ابن القصار بعضها من الحرم كذا قال الواقدي وهو الصحيح



