— Bagian 28 · وا لأصحابهم وأحبابهم لا تسمعوا (لهذا القرآن والغ… —
Bagian 28
وا لأصحابهم وأحبابهم لا تسمعوا (لهذا القرآن والغوا فيه) أي بخرافات الكلام وساقطات المرام (لعلّكم تغلبون) أي قارئه بتشويش خاطره الباعث على ترك قراءته. (والادّعاء مع العجز) أي وبمجرد دعواهم مع ظهور عجزهم عن مدعاهم (بِقَوْلِهِمْ لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذَا [الْأَنْفَالِ: ٣١] ) ولعمري أي مانع كان لهم لو ساعدتهم الاستطاعة أن يشاؤوا ذلك حيث تحداهم وقرعهم بالعجز مع فرط أنفتهم واستنكافهم أي يغلبوا لا سيما في ميدان الفصاحة والبيان والتجأوا إلى معالجة السلاح من السيف والسنان والعاقل لا يترك الأسهل ويتبع الأثقل (وَقَدْ قَالَ لَهُمُ اللَّهُ وَلَنْ تَفْعَلُوا فَمَا فعلوا ولا قدروا) فإخباره صدق وكلامه حق (ومن تعاطى ذلك) أي ومن تجرأ على قصد المعارضة في ميدان الفصاحة والبلاغة (من سخفائهم) أي سفهائهم (كمسيلمة) أي الكذاب بهذيانات مخترعات منها قوله يا ضفدع الا تتقين أعلاك في الماء وأسفلك في الطين لا الماء تكدرين ولا الشراب تمنعين ومنها وقوله حين سمع أول سورة النازعات والزارعات زرعا والحاصدات حصدا والذاريات قمحا والطاحنات طحنا والحافرات حفرا والباردات بردا واللاقمات لقما لقد فضلتم على أهل الوبر وما سبقكم أهل المدر ومنها قول آخر الم تر كيف فعل ربك بالحبلى أخرج من بطنها نسمة تسعى وقال آخر الفيل ما الفيل وما أدراك ما الفيل له ذنب وثيل ومشفر طويل وإن ذلك من خلق ربنا لقليل (كشف عواره) بفتح العين المهملة وتضم وقيل الضم أفصح أي أظهر عيب نفسه (لجميعهم) أي من عقلائهم إذ لم يكن ما عارضه به من بديع كلامهم وبليغ نظامهم بل كان مما ينفر عنه الطبع السليم وينبو عنه السمع القويم من قلة سلاسته
نفسه (لجميعهم) أي من عقلائهم إذ لم يكن ما عارضه به من بديع كلامهم وبليغ نظامهم بل كان مما ينفر عنه الطبع السليم وينبو عنه السمع القويم من قلة سلاسته
وكثرة ركاكته وأغرب من هذا أنه لما قتل مسيلمة على يد المسلمين من الصحابة قال رجل من بني حنيفة يرثيه لهفي عليك أبا ثمامه ... لهفي على ركن اليمامه كم آية لك فيهم ... كالشمس تطلع من غمامه حكاه السهيلي وقال كذب بل كانت آياته معكوسة وراياته منكوسة فإنه كما يقال تفل في بئر قوم سألوه ذلك تبركا فملح ماؤها ومسح رأس صبي فقرع قرعا فاحشا ودعا لرجل في ابنين له بالبركة فرجع إلى منزله فوجد أحدهما قد سقط في البئر والآخر قد أكله الذئب ومسح على عيني رجل استشفى بمسحه فابيضت عيناه (وسلبهم الله ما ألفوه) أي استعملوه (من فصيح كلامهم) أي في صحيح مرامهم وهذا يومي ترجيح القول بالصرفة كما فهم الدلجي وصرح بقوله ولا أقول به بل الصارف عن معارضته كمال بلاغته وأنا أقول وإنما صرفوا عن ما ألفوا لما أراد الله بهم من فضاحتهم وإلا لو عارضوا بطبق كلمات محاورتهم لربما أوهموا الضعفاء أنهم قاموا بمعارضتهم كما يشير إليه قوله (وإلّا فلم يخف على أهل المنبر) أي أصحاب التمييز (منهم أنّه) أي كلامهم هذا في مقام معارضتهم (ليس من نمط فصاحتهم) بضم النون والميم أي من نوعها (ولا جنس بلاغتهم) أي في فنها (بل ولّوا) أي أهل الميز من عقلائهم ولو كانوا من فصحائهم وبلغائهم (عنه مدبرين) أي أعرضوا عن الإتيان بمثله مولين بأدبارهم عن نحوه (وأتوا مذعنين) أي منقادين مقرين بكونهم عاجزين غايته أنهم صاروا مفترقين (من بين مهتد) أي مصدق به وبمن أنزل عليه من جهة رسالته (وبين مفتون) أي متحير في بديع بلاغته ومنيع فصاحته متعجب من عجزهم عن معارضته (ولهذا) أي ولكونه ليس من نمط فصاحتهم وجنس بلاغتهم (لَمَّا سَمِعَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) مِنَ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [النحل: ٩٠] الآية) يعني وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (قال) أي الوليد (والله
٠] الآية) يعني وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (قال) أي الوليد (والله إنّ له لحلاوة) وفي نسخة حلاوة أي لذة عظيمة يدركها من له سجية سليمة (وإنّ عليه لطلاوة) بفتح الطاء وقد تضم أي رونقا وحسنا فائقا (وإنّ أسفله لمغدق) بغين معجمة اسم فاعل من الغدق بفتحتين وهو كثرة الماء تلويحا بغرارة معانيه في قوالب مبانيه وفي نسخة لغدق من غير ميم وضبط بفتح عين مهملة فسكون ذال معجمة استعارة من النخلة التي ثبت أصلها وهي العذق وهو رواية ابن إسحاق وبفتح معجمة فكسر مهملة من الغدق وهو الماء الكثير وهو رواية ابن هشام قال السهيلي ورواية ابن إسحاق أفصح لأنها استعارة تامة يشبه آخر الكلام أوله قال الحلبي فيوجه اللفظ الذي قاله القاضي في الكلام على رواية ابن إسحاق وابن هشام (وإنّ أعلاه لمثمر) إشارة إلى غزارة نفعه وزيادة رفعه بكريم فوائده وعميم عوائده (ما يقول هذا) أي مثل هذا (بشر) أي مخلوق وفي أصل
الدلجي ما هذا بقول بشر وفي حاشية الحلبي قال الغزالي في كتاب الإحياء عند آداب تلاوة القرآن حديث أن خالد بن عقبة جاء إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال اقرأ علي فقرأ عليه إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ الآية فقال أعد فاعاد فقال إن له لحلاوة الخ كما هو في الإحياء ذكره أبو عمرو بن عبد البر في استيعابه بغير إسناد ورواه البيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن عباس بسند جيد إلا أنه قال الوليد بن المغيرة بدل خالد بن عقبة كما قال القاضي وكذا ذكره ابن إسحاق في السيرة فإن صح ما قاله الغزالي تبعا لما في الاستيعاب فإنهما قضيتان والله تعالى أعلم بالصواب؛ (وذكر أبو عبيد) بالتصغير وفي نسخة أبو عبيدة بزيادة تاء وهو الإمام الحافظ القاسم بن سلام بتشديد اللام البغدادي معدود فيمن أخذ عن الشافعي الفقيه وكان إماما بارعا في علوم كثيرة منها التفسير والقراآت والحديث والفقه واللغة والنحو والتاريخ قال الخطيب كان أبوه سلام عبدا روميا لرجل من أهل هرات سمع أبو عبيد إسماعيل بن جعفر وشريكا وإسماعيل بن عياش وابن علية وغيرهم وروى عنه محمد بن إسحاق الصاغاني وابن أبي الدنيا والحارث بن أبي أسامة وآخرون توفي سنة أربع وعشرين ومائتين (أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: ٩٤] ) ما مصدرية أو موصولة وعائدها محذوف أي أجهر بأمرك أو بالذي تؤمر به من صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارا أو افرق بين الحق والباطل على أن أصل الصدع بالحجة هو التمييز والإبانة وتتمة الآية وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ أي ولا تبال بإنكار من أنكر وبإشراكه كفر (فسجد) أي الأعرابي وانقاد لما أبداه (وقال سجدت لفصاحته) أي لوصوله نهاية فصاحته وبلوغه غاية بلاغته؛ (وسمع آخر) أي أعرابي آخر أو رجل آخر من المشركين (رجلا) أي من المسلمين (يقرأ فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ) أي حين يئسوا من يوسف إذ لم يجبهم وزيادة السين التاء للمبالغة (خَلَصُوا نَجِيًّا [يوسف: ٨٠] ) أي انفردوا واعتزلوا متناجين في تدبير أمرهم ووحده لكونه مصدرا أو فعيلا (فقال أشهد أنّ مخلوقا) أي أحدا من الأنام (لا يقدر على مثل هذا
يًّا [يوسف: ٨٠] ) أي انفردوا واعتزلوا متناجين في تدبير أمرهم ووحده لكونه مصدرا أو فعيلا (فقال أشهد أنّ مخلوقا) أي أحدا من الأنام (لا يقدر على مثل هذا الكلام) أي في غاية النظام ونهاية المرام (وَحُكِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كان يوما) أي من الأيام (نائما في المسجد) ولعله كان معتكفا في مسجد سيد الأنام (فإذا هو) أي عمر (بقائم) أي رجل واقف (على رأسه) ووقع في أصل الدلجي وعلى رأسه قائم فقال جملة حالية (يتشهّد شهادة الحقّ) أي يأتي بكلمتي الشهادة على وجه الإخلاص وطريق الصدق (فاستخبره) أي عمر عن سبب ذلك الخبر والمعنى أنه طلب منه خبره وما أوجب أثره (فأعلمه) أي ذلك القائم (أنّه) أي باعتبار أصله (من بطارقة الرّوم) بفتح الباء الموحدة جمع بطريق بكسرها وهو كالأمير أو الوزير في لغتهم (ممّن) أي وأنه من جملة من (يحسن كلام العرب) أي فهمه (وغيرها) أي وغير لغة العرب أو كلماتهم من كلام الترك والعجم والهند ونحوها (وأنّه سمع رجلا من أسرى المسلمين) أي من أسرائهم في أيدي أعدائهم (يقرأ آية من كتابكم فتأمّلتها فإذا) أي هي كما في نسخة (قد جمع) بصيغة المجهول أي
حوها (وأنّه سمع رجلا من أسرى المسلمين) أي من أسرائهم في أيدي أعدائهم (يقرأ آية من كتابكم فتأمّلتها فإذا) أي هي كما في نسخة (قد جمع) بصيغة المجهول أي
اجتمع (فيها ما أنزل الله عَلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ أَحْوَالِ الدُّنْيَا) أي من علائق المعاش (والآخرة) أي من لواحق المعاد (وهي) أي تلك الآية الجامعة (قوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ) في فرائضه (وَرَسُولَهُ) أي في سننه أو في جميع ما يأمرانه وينهيانه (وَيَخْشَ اللَّهَ) أي ويخف خلافه وعقابه وحسابه (وَيَتَّقْهِ [النور: ٥٢] ) فيه قراآت مشهورة في محلها مسطورة أي ويتق الله فيما بقي من عمره في جميع أمره (الآية) تمامها فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ أي الظافرون بالمراد في المبدأ والمعاد؛ (وحكى الأصمعيّ) وهو عبد الملك بن أصمع البصري صاحب اللغة والغريب والأخبار والملح ولد سنة ثلاث وعشرين ومائة (أنّه سمع جارية) أي بنتا أو مملوكة خادمة تتكلم بعبارة فصيحة وإشارة بليغة وهي خماسية أو سداسية وهي تقول: استغفر الله من ذنوبي كلها فقال لها مم تستغفرين ولم يجر عليك قلم فقالت: استغفر الله لذنبي كله ... قتلت انسانا لغير حله مثل غزال ناعم في دله ... انتصف الليل ولم أصله
ذنوبي كلها فقال لها مم تستغفرين ولم يجر عليك قلم فقالت: استغفر الله لذنبي كله ... قتلت انسانا لغير حله مثل غزال ناعم في دله ... انتصف الليل ولم أصله (فقال لها: قاتلك الله ما أفصحك) أي هي حقيقة بأن يقال لها ذلك تعجبا من فصاحة قولها كما يقال قاتله الله ما أعجب فعله أي بلغ في الكمال غاية لم يصل غيره إليها فاستحق أن يحسد فيه فيدعي عليه (فقالت أو) بفتح الواو (يعدّ هذا) بصيغة المجهول والمفهوم من الدلجي أن أصله بصيغة الخطاب المعلومة حيث قال عطف على مقدار أي ايعجبك وتعده (فَصَاحَةً بَعْدَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى) أي أشرنا إليها إلهاما أو مناما (أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص: ٧] ) أي أخفيه ما أمكنك فيه (الآية) وهي قوله تعالى فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ أي من لحوق الهم فألقيه في اليم ولا تخافي عليه ضياعه ولا تحزني فراقه أنا رادوه إليه لتقري عينا وجاعلوه من المرسلين عنا بمرأى منا (فجمع) أي الله ﷾ (في آية واحدة بين أمرين) هما أرضعيه والقيه (ونهيين) أي لا تخافي ولا تحزني (وخبرين) يعني وأوحينا فإذا خفت عليه (وبشارتين) أي رادوه وجاعلوه (فهذا) أي الجمع بين المذكور في الآية ذكره الدلجي والأظهر أن هذا الذي ذكر من غاية الفصاحة ونهاية البلاغة في هذه الآية وغيرها مما سبق ذكره (نوع من إعجازه) أي إعجاز القرآن (منفرد) وفي نسخة مستقل (بذاته غير مضاف إلى غيره) أي من أنواعه المتعلقة بصفاته من حيث إخباره عن مغيباته وإنبائه عن أحكام عباداته ومعاملاته ومأموراته ومنهياته (على التّحقيق) أي عند أهل التوفيق (وعلى الصّحيح من القولين) أي اللذين سبق ذكرهما بالتصريح فإن الأول وهو الأولى هو القول بأنه خارج عن قدرة البشر وثانيهما أنه صرفهم عن معارضته خالق القوى والقدر فتأمل وتدبر (وكون القرآن) أي نزوله باعتبار ظهوره ووصوله (من قبل النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) بكسر القاف وبفتح الموحدة أي من جانبه وطرف حصوله (وأنّه أتى به معلوم ضرورة) أي
بديهة لا يفتقر إلى إقامة بينة ولا قيام حجة (وكونه صلى الله تعالى عليه وسلم متحدّيا به) أي طالبا لمعارضته ولو بأقصر سورة (مَعْلُومٌ ضَرُورَةً وَعَجْزُ الْعَرَبِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِهِ) أي المتحدين به الموجودين في زمنه (معلوم ضرورة وكونه) أي القرآن (في فصاحته) أي وبلاغته (خارقا للعادة معلوم ضرورة للعالم) بكسر اللام وفي نسخة صحيحة للعالمين أي للعلماء (بالفصاحة ووجوه البلاغة) أي لمقاماتها المقتضية (وسبيل من ليس من أهلها) أي من أهل المعرفة بفنون الفصاحة ووجوه البلاغة (علم ذلك) بكسر العين وفي نسخة بصيغة الماضي معلوما وقيل مجهولا والأول هو المعول أي هو أن يعلم كون القرآن في الفصاحة والبلاغة معجزة خارقا للعادة (بعجز المنكرين) أي لكونه كلام الله تعالى (من أهلها عن معارضته واعتراف المقرّين) أي بكونه كلامه (و) اعتراف (المفترين) أي القائلين بافترائه (بإعجاز بلاغته) أي لهم عن مناقضته (وأنت) أي أيها المخاطب (إذا تأمّلت) أي من جهة الإيجاز الباهر في الإعجاز الظاهر (قوله تعالى: وَلَكُمْ) أي ولغيركم (فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [البقرة: ١٧٩] ) أي المودع فيه من بدائع التركيب وروائع الترتيب مع ما فيه من المطابقة بين معنيين متقابلين وهما القصاص والحيات ومن الغرابة بجعل القتل الذي هو مفوت الحياة ظرفا لها ومن البلاغة حيث أتى بلفظ يسير متضمن لمعنى كثير فإن الإنسان إذا علم أنه إذا قتل اقتص منه دعاه إلى ردعه عن قتل صاحبه فكأنه أحيى نفسه وغيره فيرتفع بالقصاص كثير من قتل الناس بعضهم بعضا فيكون القصاص حياة لهم مع ما في القصاص من زيادة الحياة الطيبة في الآخرة وهو أولى من كلام موجز عندهم وهو أن القتل أنفى للقتل في قلة المباني وكثرة المعاني وعدم تكرار اللفظ المنفر للحظ وفي الإيماء إلى أن القصاص الذي بمعنى المماثلة سبب للحياة دون مطلق القتل بالمقابلة إذ ربما يكون سببا لفتنة فيها قتل فئة وفساد جماعة (وقوله) بالنصب (وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا) أي عند موتهم أو بعثهم أو وقت هلاكهم (فَلا فَوْتَ) أي لهم من الله بهرب وسبب غريب (وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ [سبأ: ٥١] ) أي من ظهر الارض إلى بطنها أو من الموقف إلى
عثهم أو وقت هلاكهم (فَلا فَوْتَ) أي لهم من الله بهرب وسبب غريب (وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ [سبأ: ٥١] ) أي من ظهر الارض إلى بطنها أو من الموقف إلى النار قعرها أو من نحو صحراء بدر إلى قليبها (وقوله تعالى ادْفَعْ) أي سيئة من أساء إليك من الكائنات (بِالَّتِي) أي بالحسنة التي (هِيَ أَحْسَنُ) الحسنات أو بالخصلة التي هي أحسن الأخلاق في المعارضات من الحلم والصبر والعفو وما يمكن دفعها به من المستحسنات (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) أي صديق قريب رفيق (وقوله وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ) أي انشفي (وَيا سَماءُ أَقْلِعِي [هود: ٤٤] ) أي أمسكي (الآية) يعني وغيض الماء أي نقص وقضي الأمر أي أمر هلاك الأعداء وانجاء الأحباء واستوت استقرت السفينة على الجودي جبل بالموصل أو الشام روي أنه ركبها عاشر رجب وهبط منها بعد استقرارها عليه عاشر شهر المحرم وصامه فصار سنة وقيل بعدا للقوم الظالمين أي هلاكا لهم حين وضعوا العبادة في غير موضعها وفي نداء الأرض والسماء مع أنهما ليستا من العقلاء إيماء إلى باهر عظمته وقاهر قدرته حيث انقادتا
الظالمين أي هلاكا لهم حين وضعوا العبادة في غير موضعها وفي نداء الأرض والسماء مع أنهما ليستا من العقلاء إيماء إلى باهر عظمته وقاهر قدرته حيث انقادتا
لما يريد منهما إيجادا وإعداما كما حكى الله ﷾ عنهما بقوله فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ امتثالا لأمره وانقيادا لحكمه مهابة من عظمته ومخافة من سطوته وين أردت تفصيل ما يتعلق بهذه الآية في الجملة فعليك بشرح الدلجي حيث ذكر بعض ما يتعلق بها من حسن مبانيها ولطافة معانيها وبدائع الحكم التي أودعت فيها. (وقوله تعالى فَكُلًّا) أي عقيب ارسالنا الأنبياء إلى أممهم وتكذيبهم كلا منهم (أَخَذْنا بِذَنْبِهِ) عاقبناه بإصراره على كفره وعدم رجوعه إلى توحيد ربه (فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً [العنكبوت: ٤٠] ) أي ريحا عاصفا فيه حصباء وهم قوم لوط (الآية) تمامها وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وهم ثمود ومدين وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وهو قارون وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وهم قوم نوح وفرعون مع قومه (وأشباهها) بالنصب أي أمثال هذه الآية ووقع في أصل الدلجي وأشباهه فقال أي أشباه ما ذكر (من الآي) أي من سائر آيات القرآن (بل أكثر القرآن) أي وبل إذا تأملت أكثر القرآن أي مما هو بمحل من إيجاز لا يرام وإعجاز لا يسام (حقّقت) جواب إذا تأملت أي عرفت (ما بيّنته من إيجاز ألفاظها) أي مبانيها (وكثرة معانيها وديباجة عبارتها) أي مما يكسوها زينة إشارتها (وحسن تأليف حروفها) أي من غير تنافر فيما بينها (وتلاؤم كلمها) بفتح فكسر أي توافق كلماتها وتناسبها في مقاماتها قال الدلجي وقد تخفف همزة تلاؤم فتصير ياء من الملائمة أي الموافقة لا واوا وما روي في الحديث بها فتحريف لا أصل له لأن الملاومة مفاعلة من اللوم انتهى ولا يخفى أن تخفيف الهمز المضموم بعد الألف لا يعرف إلا بالواو كالتناوش وأما عروض المشابهة بعد التخفيف فلا عبرة به أصلا كما حقق في تخفيف رئاء وأمثالها.
ولا يخفى أن تخفيف الهمز المضموم بعد الألف لا يعرف إلا بالواو كالتناوش وأما عروض المشابهة بعد التخفيف فلا عبرة به أصلا كما حقق في تخفيف رئاء وأمثالها. (وأنّ تحت كلّ لفظة منها) أي من مبانيها (جملا) أي من جمل الكلام المجملة (كثيرة) أي من معانيها (وفصولا جمّة) أي غزيرة من الفصول المهمة والأمور المتمة (وعلوما زواخر) لها في مقام الكثرة فواخر كما قال ابن عباس: جميع العلم في القرآن لكن ... تقاصر عنه أفهام الرجال وقد سأل بعض الحكماء من بعض العلماء ما في كتاب الله تعالى من علم الطب فقال كله في نصف آية هي قوله تعالى كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا فقال صدقت وبالحق نطقت (ملئت الدّواوين) أي الدفاتر (من بعض ما استفيد منها) أي مما يعسر احصاؤه (وكثرت المقالات في المستنبطات عنها) أي مما لا يمكن استقصاؤه (ثمّ هو) مبتدأ أي القرآن الكريم (في سرد القصص الطّوال) أي في إيرادها متتابعة (وأخبار القرون السّوالف) أي أهلها السوابق متوالية (التي يضعف) أي يعجز (في عادة الفصحاء عندها الكلام) أي لطولها (ويذهب ماء البيان) أي عند إرادة تقرير فصولها (آية) خبر المبتدأ أي علامة ظاهرة (لمتأمّله) أي لمتذكره وحجة باهرة لمتدبره (من ربط الكلام) أي من جهة ارتباط اجزاء كلامه (بعضه ببعض) في
ترتيب مقامه وتحصيل مرامه (والتئام سرده) أي وتناسب ما قبله لما بعده (وتناصف وجوهه) أي توافق ضروبه وتعانق فنونه كأن كلا منها أنصف الآخر في أخذ حظه من قولهم تناصفوا إذا انصف بعضهم بعضا من نفسه (كقصّة يوسف على طولها) أي المشتملة على دررها وغررها من بيان أبوابها وفصولها (ثمّ إذا تردّدت) أي تكررت (قصصه) بكسر القاف جمع قصة بخلاف فتحها فإنه مصدر قص كما يستفاد من قوله تعالى نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ وليس كما يتوهم جمع بأنه جمع (اختلفت العبارات) أي إيجازا وإطنابا وتفننا في بيانها غيبة وخطابا (عنها) أي عن تلك القصة (على كثرة تردّدها) أي مع كثرة تردادها وتكرارها (حتّى تكاد كلّ واحدة) أي من القصص (تنسّي) بضم التاء وكسر السين مخففا أو مثقلا أي تذهب على خاطر المستمع المصغي المتأمل (في البيان) أي في مراتب بيانه ومناقب شأنه من القصص (صاحبتها) أي نظيرتها (وتناصف) بضم التاء وكسر الصاد أي وتحاكي (في الحسن) أي في حسن مطالعتها حال مقابلتها مرآة (وجه مقابلتها) بكسر الباء (ولا نفور للنّفوس من ترديدها) أي ولا تنفر للنفوس النفيسة من سمع تكريرها وتعداد تقريرها (ولا معاداة) أي من أحد (لمعادها) بضم الميم أي لمكررها والضمير للقصص على منوال ما قبلها ووقع في أصل الدلجي لمعاده بإفراد الضمير المذكر فقال أي القرآن والحاصل أنه كما قال الشاطبي: وخير جليس لا يمل حديثه ... وترداده يزداد فيه تجملا وكما قال غيره: أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره ... هو المسك ما كررته يتضوع ولكن هذا بالنسبة إلى صاحب قلب سليم لا إلى من له طبع سقيم.
رداده يزداد فيه تجملا وكما قال غيره: أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره ... هو المسك ما كررته يتضوع ولكن هذا بالنسبة إلى صاحب قلب سليم لا إلى من له طبع سقيم.
فصل [الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ إِعْجَازِهِ صُورَةُ نَظْمِهِ الْعَجِيبِ والأسلوب الغريب] (الوجه الثّاني من إعجازه) أي من وجوه ضبط أنواع إعجاز القرآن (صورة نظمه العجيب) لما فيه من بدائع التركيب وروائع الترتيب، (والأسلوب) بضم الهمزة واللام الفن (الغريب) وكان المناسب أن يقول وأسلوبه الغريب (المخالف) أي بغرابته مع نهاية فصاحته وغاية بلاغته (لأساليب كلام العرب) أي لما أودع فيه من دقائق البيان وحقائق العرفان وحسن العبارة ولطف الإشارة وسلاسة التركيب وسلاسة الترتيب (ومناهج نظمها) أي طريق مبانيها الواضح البين عند أهلها (ونثرها) أي خطبا ورسائل وغيرها (الذي جاء عليه) أي نزل على وفقه القرآن إيماء بأن ما عجزوا عنه إنما هو كلام منظوم من عين ما ينظم كلامهم منه ليعلموا أنه ليس من كلام النبي الكريم بل هو منزل عليه من عند الله العظيم (ووقفت مقاطع آية) أي أواخر وقوف فواصلها من التام والكافي والحسن وباختلاف محالها وزيد في أصل الدلجي هنا لفظ عليه فقال أي على الأسلوب الغريب الذي قصرت عن وصف كنه إعجازه العبارة إذ
وف فواصلها من التام والكافي والحسن وباختلاف محالها وزيد في أصل الدلجي هنا لفظ عليه فقال أي على الأسلوب الغريب الذي قصرت عن وصف كنه إعجازه العبارة إذ
الإعجاز كالملاحة يدرك ولا يوصف بالإشارة (وَانْتَهَتْ فَوَاصِلُ كَلِمَاتِهِ إِلَيْهِ وَلَمْ يُوجَدْ قَبْلَهُ) أي من الكتب المتقدمة (ولا بعده) أي ولا يتصور أن يوجد بعده (نظير له) أي شبيهه ومثله في حسن المباني وروانق المعاني (ولا استطاع أحد مماثلة شيء منه) أي لجزالة فصاحته وفخامة بلاغته (بل حارث فيه عقولهم) أي تحيرت (وتدلّهت) بالدال المهملة وفي نسخة تولهت بالواو أي أندهشت (دونه) أي عنده (أحلامهم) أي فهومهم في تصوره وتدبره (ولم يهتدوا إلى مثله) أي إلى إتيان شبهه (فِي جِنْسِ كَلَامِهِمْ مِنْ نَثْرٍ أَوْ نَظْمٍ أو سجع) أي في أحدها (أو رجز) بفتح الراء والجيم وفي آخره زاء وهو من بحور الشعر وأنواعه وقيل لا يسمى شعرا ولذا عطف عليه بقوله (أو شعر) وعلى الأول يكون تعميما بعد تخصيص وضبط في بعض النسخ بفتح الزاء وسكون الجيم في آخره راء والظاهر أنه تصحيف لعدم المناسبة بين السابقة واللاحقة (ولمّا سمع كلامه صلى الله تعالى عليه وسلم الوليد بن المغيرة) وهو والد خالد رضي الله تعالى عنه لكن هلك على دينه لقلة يقينه (وقرأ عليه القرآن رقّ) بتشديد القاف أي تأثر بسماعه لما القي عليه (فجاءه أبو جهل) وهو ابن أخيه (منكرا عليه) أي رقته لديه (قال) وفي نسخة فقال أي الوليد (والله ما منكم أحد أعلم بالأشعار) أي بأنواع الشعر (مِنِّي وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا من هذا) أي من جنس الشعر (وفي خبره الآخر) أي عن الوليد كما رواه البيهقي عن ابن عباس (حين جمع قريشا عند حضور الموسم) أي قرب ورود أهله وهو بفتح ميم وكسر سين قال اليمني موسم الحاج مجمعهم سمي بذلك لأنه معلم يجتمع إليه وهو يصلح أن يكون اسما للزمان والمكان انتهى والظاهر الأول فتأمل (وقال) وفي نسخة فقال (إنّ وفود العرب) جمع وفد وهو القوم يجتمعون ويردون البلدة والقرية لمآرب تحوجهم إلى النقلة (ترد) أي يجيئون إليكم وينزلون عليكم (فأجمعوا فيه رأيا) بفتح الهمزة وكسر الميم من أجمع الأمر وأزمعه إذا
ويردون البلدة والقرية لمآرب تحوجهم إلى النقلة (ترد) أي يجيئون إليكم وينزلون عليكم (فأجمعوا فيه رأيا) بفتح الهمزة وكسر الميم من أجمع الأمر وأزمعه إذا نواه وعزم عليه أي اجتمعوا بالعزم على رأي فيه صلى الله تعالى عليه وسلم ومنه قوله تعالى فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ وقرأ أبو عمرو بهمزة الوصل وفتح الميم ووجهه ظاهر ولا يبعد أن يضبط هنا كذلك أيضا أي أجمعوا رأيا فيه لا يوجد ما ينافيه كما أشار إليه بقوله (لا يكذّب بعضكم بعضا) وهو بتشديد الذال وتخفف كما قرئ بهما في قوله تعالى فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ والمعنى لا ينسب بعضكم بعضا إلى الكذب (قالوا) وفي نسخة فقالوا (نقول كاهن) وهو من يزعم أنه يخبر عن الكائنات في الأزمنة الآتية ويدعي معرفة أسرار المغيبات الماضية وكان في العرب كهنة كشق وسطيح وهما اللذان أخبرا بمبعث النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فمنهم من زعم أن له رئيا من الجن يلقى إليه أخبارا يسترقها من السماء ويلقطها مما يراه في أطراف الأرض ومنهم من زعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب من كلام من يسأله أو فعله أو حاله ويخصونه باسم العراف كمن يزعم معرفة المسروق ومكان الضال وحلوان الكاهن والعراف حرام (قال) أي الوليد (والله ما هو بكاهن) إذ لم يعهد منه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه سلك طريقهم في تزوير أقاويل باطلة روجها بسجع في كلمات
متقابلة إذ كانوا يروجون أخبارهم المزورة وأقوالهم المصورة بأسجاع مزخرفة تروق السامعين يستميلون بها قلوبهم وأوهامهم ويستصغون إليها اسماعهم وأفهامهم ولا يتكلمون إلا بالسجع المتكلف في تأدية مرامهم ومن ثمة عاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قول من قال في حديث قتل الجنين كيف ندى من لا أكل ولا شرب ولا استهل ومثل ذلك يطل أي يهدر وفي رواية بطل إنما هذا من إخوان الكهان لما تضمنه سجعه من الباطل وما ليس تحته طائل وإلا فقد ورد السجع في كلامه صلى الله تعالى عليه وسلم كثيرا (ما هو) أي ليس كلامه صلى الله تعالى عليه وسلم المعنى به القرآن أو مطلق ما يظهره في عالم البيان (بزمزمته) أي بزمزمة الكاهن (ولا سجعه) وهو صوت خفي لا يكاد يفهم فكأنه والله تعالى أعلم إذا أراد حضور قرينه من الجن زمزم له فحضر عنده وأخبره والنفي الثاني بمنزلة الدليل للنفي الأول فتأمل أو معطوف عليه بحذف الباء كما سيأتي في قرائنه هذا وقيل زمزمة الكهان صوت يديرونه في خياشيمهم وأفواههم من غير صريح نطق وربما افهموا به من الفهم (قالوا مجنون) أي مصاب اختلط عقله من مس الجن على ما يعتقدون فيما يزعمون ولقد رأى رجل قوما مجتمعين على إنسان فقال ما هذا قالوا مجنون قال هذا مصاب إنما المجنون الذي يضرب بمنكبيه وينظر في عطفيه ويتمطى في مشيته وما أحسن مقابلته بالمصاب فإنه المخطئ في فعله عن صوب الصواب لكونه أصيب بآفة في عقله الخارج عن دائرة أولي الألباب، (قال) أي الوليد (ما هو بمجنون ولا بخنقه) بفتح الحاء المعجمة وكسر النون وتسكن وتفتح وبالقاف مصدر لدخول حرف الجر بعد لا المزيدة لتأكيد النافية السابقة والمقصود انه ليس بفعل نفي كما توهم قال الحلبي الخنق بكسر النون كذا في غير مؤلف في اللغة ولكن في مطالع ابن قرقول قال بضبط المصدر بفتح النون والإسكان ولم يتعرض للكسر فحصل من ذلك ثلاث لغات في المصدر قلت وفي القاموس اقتصر على الأول حيث قال خنقه خنقا ككتف فهو خنق أيضا وخنيق ومخنوق انتهى والمصدر هنا بمعنى المفعول أي ليس هو ممن أصابه الجن وخنقه ولا وسوس في صدره لعدم ظهور أثره في أمره كما أفاده بقوله (ولا وسوسته، قالوا: فنقول شاعر،
نتهى والمصدر هنا بمعنى المفعول أي ليس هو ممن أصابه الجن وخنقه ولا وسوس في صدره لعدم ظهور أثره في أمره كما أفاده بقوله (ولا وسوسته، قالوا: فنقول شاعر، قال) أي الوليد (مَا هُوَ بِشَاعِرٍ قَدْ عَرَفْنَا الشِّعْرَ كُلَّهُ) أي أصنافه جميعه مأخوذ من الشعور وقال اليمني هو مصدر شعرت بالشيء بالفتح أشعر به أي فطنت له ومنه قولهم ليت شعري أي ليتني علمت وفي الاصطلاح هو الكلام المقفى المقصود به الشعر ليخرج ما لم يقصد مما وافق في الوزن والتقفية كما جاء في القرآن والسنة وعبارات الأئمة من غير قصد ويقال في كلامه ﷾ إنه غير مقصود بالذات وإلا فلا يتصور بدون إرادته وقوع شيء من الكائنات (رجزه وهزجه) بفتحتين فيهما (وقريضه ومبسوطه ومقبوضه) بيان لبعض أنواعه وأصول أصنافه هذا وقوله قريظه في النسخ بالظاء المشالة وفي أصل الدلجي بالضاد المعجمة فقال فعيل بمعنى مفعول من القرض وهو لغة القطع وسمي الشعر قريضا لأن قارضه أي الشاعر يورده قطعا انتهى وهو الموافق لما في القاموس في حرف الضاد من قوله قرضه
قطعه وجاراه كقارضه والشعر قاله وقال اليمني وسمي قريضا لكونه يقرض ويقال قرظته إذا مدحته ويجوز أن تكتب هذه اللفظة بالضاد والظاء، (ما هو بشاعر) تأكيد للأول وفي نسخة وما هو بشاعر انطقه الله تعالى بالصدق وما وفقه للحق فما أقربه في الظواهر وما أبعده في السرائر فهو ممن أضله الله على علم بقدرته القاهرة وإرادته الباهرة (قَالُوا فَنَقُولُ سَاحِرٌ،
ى بالصدق وما وفقه للحق فما أقربه في الظواهر وما أبعده في السرائر فهو ممن أضله الله على علم بقدرته القاهرة وإرادته الباهرة (قَالُوا فَنَقُولُ سَاحِرٌ، قَالَ مَا هُوَ بِسَاحِرٍ ولا نفثه ولا عقده) بالجر فيهما على أنهما معطوفان على مدخول الباء أي ولا هو بنفث الساحر أي نفخه ولا بعقده في خيط عند نفثه ومنه قوله تعالى وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (قالوا فما تقول قال ما أنتم بقائلين شيئا من هذا) أي مما رميتموه به من الأباطيل (إلّا وأنا أعرف أنّه باطل) أي وليس تحته طائل (وإنّ أقرب القول إنّه ساحر) بفتح الهمزة على أنه مع اسمه وخبره خبر أن الأولى فتأمل ولا تتبع طريق الدلجي في ضبط الهمزة بالكسر على أنه مقول لقول مقدر حيث قال وأقرب القول فيه أن يقال بأنه ساحر ثم قال الوليد (فإنّه سحر) أي كلامه مشابهه حال كونه (يفرّق) أي به كما في نسخة أي بكلامه المماثل للسحر (بين المرء وابنه) أي أعز أولاده وأقاربه وفي نسخة وأبيه أي والده الذي هو أقرب أسلافه وأجداده (والمرء وأخيه) أي شقيقه وأقوى قرينه ورفيقه (والمرء وزوجه) أي امرأته أو الشخص الشامل للمرأة وزوجها بأحد معنييه (والمرء وعشيرته) أي عموم قرابته بواسطة المخالفة في دينه وملته (فتفرّقوا) أي راضين على هذا القول من ذلك المجلس (وجلسوا على السّبل) أي سبل الوافدين وطرق الواردين (يحذّرون النّاس) أي عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ومتابعته واقتفاء سنته وطريقته، (فأنزل الله تعالى في الوليد) أي ما يشير إلى الوعيد الأكيد تهديدا شديدا (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً [المدثر: ١١] ) حال من الياء في ذرني أي اتركني معه وحدي فأنا أكفيكه أو من العائد المحذوف أي ومن خلقته وحيدا لا مال له ولا ولد بل فريدا أو تهكم به صرفا له عن كونه لقب مدح له بأنه وحيد قومه في الدنيا تقدما ورياسة ويشار إلى ذمه وعيبه وبما يقتضي أن يكون وحيدا في شره (الآيات) أي من قوله تعالى وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً إلى قوله ﷾ فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ،
من قوله تعالى وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً إلى قوله ﷾ فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ، (وقال عتبة بن ربيعة) أي ابن عبد شمس بن عبد مناف قتل في بدر كافرا وقد قيل قتله حمزة حين كرهوه وعلي عليه (حِينَ سَمِعَ الْقُرْآنَ: يَا قَوْمُ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي لَمْ أَتْرُكْ شَيْئًا إِلَّا وَقَدْ عَلِمْتُهُ وقرأته وقلته، والله لقد سمعت) أي من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (قَوْلًا، وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ مِثْلَهُ قَطُّ مَا هو) أي ليس قوله (بِالشِّعْرِ وَلَا بِالسِّحْرِ وَلَا بِالْكِهَانَةِ؛ وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ نَحْوَهُ وَفِي حَدِيثِ إِسْلَامِ أَبِي ذرّ) أي الغفاري بكسر الغين وقد رواه مسلم (ووصف) أي والحال أنه قد وصف أبو ذر (أخاه أنيسا) بضم الهمزة وفتح النون وسكون التحتية فسين مهملة وكان أبو ذر أرسله قبل اسلامه إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بمكة والقصة مشهورة وهو صحابي معروف (فقال) أي أبو ذر: (والله ما سمعت بأشعر) أي بأكثر شعرا وأحسن نظما (من أخي أنيس لقد ناقض) أي عارض (اثني عشر
شاعرا) أي معروفا (في الجاهليّة أنا أحدهم وأنّه) أي أنيسا (انْطَلَقَ إِلَى مَكَّةَ وَجَاءَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ) نقل بالمعنى أو التفات في المبنى وفي نسخة وجاءني (بخبر النّبيّ) أي بأخبار بعثته وإظهار نبوته (صلى الله تعالى عليه وسلم قلت فما يقول النّاس) أي في وصفه ونعته (قال يقولون شاعر كاهن ساحر) أي هم مختلفون بين قول شاعر وساحر أو هم قائلون بأنه لا يخلو عن واحد من هؤلاء الطوائف المذكورة أو مدعون بأنه جامع بين هذه الأوصاف الثلاثة المسطورة ثم قال أخو أبي ذر (لقد سمعت قول الكهنة) أي كثيرا (فما هو) أي قوله (بقولهم) أي لعدم المناسبة (ولقد وضعته) أي كلامه (على أقراء الشّعر) بفتح الهمزة وسكون القاف فراء ممدودة أي طرقه وأنواعه أي أنواع بحوره (فلم يلتئم) أي لم يلائم على شيء عن أوزانه (وما يلتئم) أي وما يتفق (على لسان أحد بعدي) أي غيري أيضا (أنّه شعر) إذ الشعراء اتفقوا على ذلك لما استوزنوا كلامه على اقراء شعرهم هنالك (وإنّه) أي النبي ﵊ (لصادق) أي في دعوى الرسالة وفي قوله نقلا عن ربه وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ (وإنّهم لكاذبون) في كونه شاعرا أو كاهنا أو ساحرا؛ (والأخبار في هذا) أي المعنى المذكور والمدعي المسطور (صحيحة) أي إسنادا (كثيرة) متنا صريحة دلالة (والإعجاز) أي عن الإتيان بمثل هذا القرآن (بكلّ واحد من النّوعين) أي اللذين أحدهما (الإيجاز والبلاغة بذاتها) أي بانفرادها فهما مرفوعان كما في بعض النسخ على أنهما خبران لمبتدأ مقدر وفي بعضها بكسرهما على كونهما بدلين من النوعين وفي نسخة والإيجاز والبلاغة بذاتهما على أنهما عطف بيان لما قبلهما والحاصل أن الإيجاز والبلاغة كلاهما نوع كما سبق ذكره حيث عبر عنهما بصورة نظمه العجيب والنوع الآخر وهو الذي بينه بقوله (والأسلوب الغريب بذاته) أي مع قطع النظر عن بقية صفاته وفي نسخة أن بدل أو ووجهه لا يظهر فتأمل وتدبر ثم صرح بمقصوده في ضمن وروده تحت قوله،
ي بينه بقوله (والأسلوب الغريب بذاته) أي مع قطع النظر عن بقية صفاته وفي نسخة أن بدل أو ووجهه لا يظهر فتأمل وتدبر ثم صرح بمقصوده في ضمن وروده تحت قوله، (كلّ واحد منهما) أي من النوعين وهو النظم العجيب والأسلوب الغريب (نوع إعجاز على التّحقيق) أي عند أرباب التوفيق واصحاب التدقيق وفي نسخة نوع إيجاز والظاهر أنه تصحيف إذ في المعنى تحريف (لَمْ تَقْدِرِ الْعَرَبُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا) أي لا بالنظم العجيب ولا بالأسلوب الغريب (إذ كلّ واحد) أي من النوعين (خارج عن قدرتها) أي عن قدرة العرب العرباء (مباين لفصاحتها وكلامها) أي مغاير لفصاحتهم وبلاغتهم من الشعراء والخطباء؛ (وإلى هذا) أي القول بأن كل واحد منهما نوع إعجاز بذاته (ذهب غير واحد) أي كثيرون (من أئمّة المحقّقين) بسلامة فطنتهم وصحة فطرتهم (وذهب بعض المقتدى بهم) بفتح الدال أي بعض من يقتدي الناس بهم ويميلون في الجملة إلى تقليدهم وقبول قولهم (إلى أنّ الإعجاز في مجموع البلاغة) أي المتضمنة للفصاحة، (والأسلوب) أي من جهة الغرابة والحاصل أن تحقق الإعجاز بهما مجتمعا لا بكل واحد منهما منفردا (وأتى على ذلك) أي واستدل على ما ذهب إليه أي من أن الإعجاز في مجموعهما (بقول تمجّه الأسماع) بضم الميم وتشديد
جاز بهما مجتمعا لا بكل واحد منهما منفردا (وأتى على ذلك) أي واستدل على ما ذهب إليه أي من أن الإعجاز في مجموعهما (بقول تمجّه الأسماع) بضم الميم وتشديد
الجيم أي تدفعه الطباع السليمة وتقذفه الفهوم المستقيمة (وتنفر منه القلوب) أي من أول الوهلة ومبدأ المقدمة. (والصّحيح ما قدّمناه) أي من كون الإعجاز لكل واحد منهما بذاته منفردا، (والعلم بهذا كلّه ضرورة وقطعا) عند أصحاب الذوق من أن وجه الاعجاز أمر من جنس البلاغة يدرك كالملاحة ولا يوصف ولا طريق إليه من جهة الصنيع إلا معرفة علوم المعاني والبيان والبديع مع معونة فيض الهي يورث العلم بكون ذلك ضرورة قطعا (ومن تفنّن) وفي نسخة ومن تكلم (في علوم البلاغة) وفي نسخة في فنون البلاغة أي ومن علم فنون البلاغة وصنوف الفصاحة (وأرهف خاطره) بالنصب أي رقق وحدد ذهنه بتوجه جنانه (ولسانه) أي بتحصيل بيانه (أدب هذه الصّناعة) فاعل ارهف والمعنى أن من أكثر ممارستها وأطال خدمتها حتى صارت له بديهة معرفتها (لم يخف عليه ما قلناه) أي ما قدمناه كما في أصل الدلجي من أن كلا منهما نوع إعجاز بذاته منفردا عند أهل التحقيق بصفاته (وقد اختلف أئمّة أهل السّنة) وفي نسخة ائمة المسلمين (في وجه عجزهم عنه) أي عن الإتيان بمثله (فأكثرهم يقول) أي قالوا مستمرين على قولهم (إنّه) أي وجه عجزهم (ممّا جمع) بصيغة المجهول وفي نسخة بصيغة الفاعل أي جمع الله (في قوّة جزالته) أي لطائف معانيه (ونصاعة ألفاظه) أي شرائف مبانيه بخلوصها من شوائب الركاكة وتنافر الكلمات والغرابة (وحسن نظمه وإيجازه) أي واستحسان نظم المعاني الكثيرة في ضمن المباني اليسيرة من غير خلل في مبناه ولا قصور في معناه (وبديع تأليفه وأسلوبه) أي على صنيع منيع ليس على أسلوب نظم الشعراء ولا نثر الخطباء (لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِي مَقْدُورِ الْبَشَرِ) لاشتماله على لطائف وشرائف في باب البلاغة والفصاحة إلى أن خرج عن طاقة الخلق فتعين أنه من كلام الحق (وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَوَارِقِ الْمُمْتَنِعَةِ عَنْ أَقْدَارِ الخلق) بفتح الهمزة أي مقدوراتهم (عَلَيْهَا كَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَقَلْبِ الْعَصَا وَتَسْبِيحِ الْحَصَى) أي مما لا
قِ الْمُمْتَنِعَةِ عَنْ أَقْدَارِ الخلق) بفتح الهمزة أي مقدوراتهم (عَلَيْهَا كَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَقَلْبِ الْعَصَا وَتَسْبِيحِ الْحَصَى) أي مما لا يقدر عليه غيره تعالى (وذهب الشّيخ أبو الحسن) أي علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن عبد الله ابن أمير العراقين بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري إمام أهل السنة (إلى أنّه) أي القرآن (مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَدْخُلَ مِثْلُهُ تَحْتَ مَقْدُورِ البشر) أي في الجملة ممن هو ماهر في وجوه البلاغة وباهر في فنون الفصاحة، (ويقدرهم الله عليه) بضم الياء وكسر الدال أي وأن يعطيهم الله القدرة والقوة على اتيان مثله لأنه من جنس نتائج أفكارهم وكرائم اسرارهم (ولكنّه) الضمير للشأن (لم يكن هذا ولا يكون) أي هذا وفي نسخة زيد هذا هو الشأن أي الشأن عدم قدرتهم عليه (فمنعهم الله هذا وعجّزهم عنه) بتشديد الجيم أي وجعلهم عاجزين عن أمر المعارضة في ميدان المقاومة، (وقال به جماعة من أصحابه) أي من علماء الأمة لكن هذا هو القول بالصرفة وقد مر أنه مرجوح عند أكابر الأئمة (وعلى الطّريقين) أي من أن كونه معجزا بذاته عن مقاومته أو بتعجيزه ﷾ إياهم عن معارضته (فعجز العرب عنه ثابت) أي بلا شبهة (وإقامة الحجّة عليهم) أي واقع (بما يصحّ أن يكون في مقدورهم) وفي نسخة مقدور
البشر أي على ما ذهب إليه الأشعري وبعض اتباعه، (وتحدّيه) أي وطلب معارضته صلى الله تعالى عليه وسلم لهم (بأن يأتوا بمثله قاطع) أي بلا ريبة (وهو) أي تحديه أن يأتوا بمثله مع كونه مما يصح أن يكون في مقدورهم (أبلغ في التّعجيز وأحرى) أي اليق وأولى (بالتّقريع) أي بالتوبيخ (والاحتجاج) مبتدأ أي والاستدلال على عجزهم (بمجيء بشر مثلهم) وفي نسخة منهم أي من جملتهم (بشيء ليس من قدرة البشر لازم) أي على القول بأنه معجز بنظمه العجيب وأسلوبه الغريب (وهو) أي كونه ليس من قدرة البشر (أبهر آية) أي أظهر علامة (وأقمع) أي أقهر (دلالة) أي في ثبوت الحجة (وعلى كلّ حال) أي كل تقدير من قول الإعجاز بالصرفة أو البلاغة (فما أتوا) بفتح الهمزة أي فما جاؤوا (في ذلك) أي في معارضته (بمقال) أي في مقام جدال (بل صبروا على الجلاء) بفتح الجيم أي الخروج من أوطانهم (والقتل) أي وعلى قتل أنفسهم وإخوانهم (وتجرّعوا كاسات الصّغار) بفتح الصاد أي الحقارة (والذّلّ) أي المسكنة والمهانة (وكانوا) أي والحال أنهم كانوا (من شموخ الأنف) بضم الشين المعجمة أي من شماخته ورفعته كبرا وعتوا وهو بفتح الهمزة وسكون النون عضو معروف وجمعه أنوف وفي نسخة بضمتين على أنه جمع أنف وضبطه الحلبي بهمزة ممدودة يعني وضم نون على أنه جمع آخر (وإباءة الضّيم) بكسر همزة فموحدة فألف بعدها همزة أو ياء فتاء وفي نسخة بغير تاء وفي أخرى الضير براء بدل الميم وكلاهما بفتح الضاد أي وكانوا من منوع الضرر تحاميا عنه وتباعدا منه (بحيث لا يؤثرون ذلك) أي لا يختارون ما ذكر من الجلاء والقتل والصغار والذل (اختيارا) أي طوعا (ولا يرضونه إلّا اضطرارا) أي كرها (وإلّا) أي وإن لم يكن الأمر من عجزهم وصبرهم على ذلهم (فالمعارضة) أي للقرآن وسائر المعجزات (لو كانت من قدرهم) بضم وفتح أي مقدوراتهم (والشّغل بها أهون عليهم) والظاهر أن يقال فالشغل بالفاء أو لكان الشغل ولعل الجملة حالية وهو بضم فسكون وبضمتين وبفتح وبفتحتين أي الاشتغال بالمعارضة أسهل إليهم (وأسرع بالنّجح) بضم نون فسكون جيم أي بالظفر على المراد (وقطع العذر) أي المعذرة عند العباد في البلاد (وإفحام الخصم) أي الزامه (لديهم) أي
ضة أسهل إليهم (وأسرع بالنّجح) بضم نون فسكون جيم أي بالظفر على المراد (وقطع العذر) أي المعذرة عند العباد في البلاد (وإفحام الخصم) أي الزامه (لديهم) أي عندهم (وهم) أي والحال أنهم (ممّن لهم اقتدار) وفي نسخة قدرة (على الكلام) وفي نسخة وهم من هم بفتح الميم قدرة بفتح القاف والدال جمع قادر وفي أخرى وهم ممن هم قدرة بفتحتين وقدرة في الجميع مرفوعة وفي اصل الدلجي وهم منهم قدرة بالنصب فقال تمييز للضمير المنفصل قبله والجملة حالية من ضمير لديهم (وقدوة) عطف على قدرة وهو بضم القاف وكسرها وحكي فتحها أي اقتداء وأسوة (في المعرفة به) أي بالكلام (لجميع الأنام) متعلق بالقدوة (وما منهم) أي من أحد (إلّا من جهد جهده) بضم الجيم وفتحه أي بذل جده وبالغ اجتهاده (واستنفذ) بالفاء والدال المهملة أي استفرغ (ما عنده) أي من قوة طاقته (في إخفاء ظهوره) أي ظهور نور القرآن أو علو نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم من جهة رفعة الشأن (وإطفاء
نوره ويأبى الله إلا أن يتم نوره) ويعلو ظهوره وهو مقتبس من قوله تعالى يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ (فما جلوا في ذلك) أي فما أظهروا في مقام المعارضة مما اجتهدوا فيه غاية المجاهدة (خبيئة) بفتح الخاء المعجمة وكسر الموحدة فتحتية ساكنة فهمزة مفتوحة أو مبدلة مدغمة أي مخبوءة ومخفية (من بنات شفاههم) بفتح الموحدة قبل النون أي من كلمات صدرت من أفواههم والشفاه بكسر الشين المعجمة جمع الشفة بفتحها وتكسر وشفتا الإنسان طبقا فمه (ولا أتوا بنطفة) أي ولا جاؤوا بقطرة يسيرة (من معين مياههم) أي من ظواهر أنهار بلاغتهم وأسرار فصاحتهم بل صاروا بكما في معارضتهم (مع طول الأمد) أي الزمان (وكثرة العدد) أي الأعوان (وتظاهر الوالد وما ولد) الأولى أن يقال والولد أي ومعاونتهم ومعاضدتهم في مقام الرد وأما ما في نسخة من الأمل باللام يدل الأمد بالدال فتصحيف وتحريف (بل أبلسوا) بصيغة الفاعل أي أيسوا من المعارضة ويئسوا من المقاومة (فما نبسوا) بفتح النون والموحدة المخففة وقيل المشددة وبضم السين المهملة أي فما نطقوا (ومنعوا) بصيغة المفعول أي فما
سوا من المعارضة ويئسوا من المقاومة (فما نبسوا) بفتح النون والموحدة المخففة وقيل المشددة وبضم السين المهملة أي فما نطقوا (ومنعوا) بصيغة المفعول أي فما أعطوا القدرة على المقاومة (فانقطعوا) أي عن المعارضة (فهذان النّوعان) وفي نسخة صحيحة نوعان (من إعجازه) أي اجتماعا وانفرادا.
فصل [الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنَ الْإِعْجَازِ مَا انْطَوَى عَلَيْهِ من الأخبار] (الوجه الثّالث من الإعجاز) أي من وجوهه (ما انطوى) أي اشتمل واحتوى (عليه من الأخبار) بكسر الهمزة أي الإعلام (بالمغيّبات) أي الكائنات في الأزمنة السابقة (وما لم يكن ولم يقع) أي بعد (فوجد) أي في الأيام اللاحقة (كما ورد) أي مطابقا لما ورد (على الوجه الذي أخبر كقوله تعالى) خطابا للنبي ﵊ وأصحابه الكرام (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ) تعليق لعدته بالمشيئة تعليما لعباده وإيماء إلى عدم وجوب شيء على الله تعالى في تحقيق مراده وتلويحا بأن بعضهم لا يدخله لعلة من موت أو غيبة أو حكاية لما قاله ملك الرؤيا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لأصحابه حالة الرواية (آمِنِينَ [الفتح: ٢٧] ) حال من واو لتدخلن والجملة الشرطية معترضة (وقوله تعالى: وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ) أي الروم من بعد غلبة الفرس عليهم (سَيَغْلِبُونَ [الروم: ٣] ) الفرس وكانوا مجوسا والروم نصارى فورد خبر غلبة الفرس إياهم مكة ففرح المشركون وشتموا بالمسلمين وقالوا أنتم والنصارى أهل كتاب ونحن وفارس أميون لا كتاب لنا وقد ظهر إخواننا على إخوانكم ولنظهرن عليكم فنزلت الآية إلى قوله فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه لا يقرن الله أعينكم فو الله لتظهرن الروم على فارس في
بضع سنين فقال أبي بن خلف كذبت أجعل بيننا وبينك أجلا فراهنه على عشر قلائص من كل واحد منهما وجعلا الأجل ثلاث سنين فأخبر أبوبكر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده أي في الإبل وماده في الأجل فجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين ومات أبي بعد قفوله من أحد بجرح من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بسرف كافرا وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية فأخذ أبو بكر القلائص من ورثة أبي فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تصدق بها وبه أخذ ائمتنا الحنفية جواز العقود الفاسدة في دار الحرب وأجاب الشافعية بأنه كان قبل تحريم القمار والله تعالى اعلم (وقوله) أي وكقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ) أي ليغلب دين الحق ويعليه (عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [الفتح: ٣٣] ) أي على جنس الدين جميعه بتمام إفراده بتسليط المسلمين على أهله بالعزة والغلبة والقهر والقوة فضلا عن الحجة (وَقَوْلِهِ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ [النور: ٥٥] الآية) أي في الأرض كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي من الأنبياء السالفة وأممهم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً (وَقَوْلِهِ:
َّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً (وَقَوْلِهِ: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النَّصْرِ: ١] ) أي فتح مكة (إلى آخرها) أي إلى آخر السورة أو إلى آخر ما يتعلق به معنى الآية وهو قوله وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (فكان جميع هذا كما قال) أي وقع كله كما أخبر عنه أي فكان جميعه كما قال معجزة ومن أعلام النبوة (فغلبت الرّوم فارس في بضع سنين) أي يوم الحديبية قيل عند رأس سبع سنين وكان حقه أن يقول أيضا ودخل أهل الإسلام في المسجد الحرام آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين غير خائفين في عام عمرة القضاء وكان صلح الحديبية مقدمة فتح مكة وهذا وإن كان باعتبار الآية الواردة فيه مقدما لكن وقوعه عن قضية غلبة الروم صار مؤخرا؛ (ودخل النّاس في الإسلام) أي بعد فتح مكة (أفواجا) أي فوجا بعد فوج من أهل مكة والطائف واليمن وغيرها (فما مات صلى الله تعالى عليه وسلم وفي بلاد العرب كلّها لم يبق موضع لم يدخله الإسلام واستخلف) أي الله تعالى كما في نسخة (المؤمنين في الأرض) أي في عامة البلاد (ومكّن فيها دينهم) أي ثبته فيما بين العباد (وملّكهم إيّاها) أي الأرض وبلادها (من أقصى المشارق إلى أقصى المغارب) أي ليتم نظام مرادهم ويكمل أمور معاشهم ومعادهم (كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم) أي فيما رواه مسلم عن ثوبان مرفوعا (زويت لي الأرض) بضم الزاء وكسر الواو أي جمعت وطويت لأجلي (فأريت) بصيغة المجهول وفي أصل الدلجي فرأيت (مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لي منها) أي بأسرها (وَقَوْلِهِ: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩] ) أي من التحريف بالزيادة والنقصان مما تواتر عند علماء الأعيان من قراء الزمان (فكان كذلك) أي بمقتضى حفظه (لا يكاد يعدّ) بصيغة المجهول أي يحصر (من سعى في تغييره) أي من مبانيه (وتبديل محكمه) أي في
ند علماء الأعيان من قراء الزمان (فكان كذلك) أي بمقتضى حفظه (لا يكاد يعدّ) بصيغة المجهول أي يحصر (من سعى في تغييره) أي من مبانيه (وتبديل محكمه) أي في
معانيه (من الملحدة) أي المائلة عن الحق إلى الباطل كالحلولية والاتحادية وأمثالهما (والمعطّلة) أي القائلة بتعطيل الكون من المكون كالدهرية ونحوها (لا سيّما القرامطة) بالرفع على أن سي بمعنى وما موصولة صدر صلتها محذوف أي ولا مثل الذين هم القرامطة وبالجر على أن ما زائدة وبالنصب على أنها أداة استثناء وهم طائفة معروفة وقال بعضهم فرقة من الإباضية وهم اتباع حمدان القرمطي (فأجمعوا كيدهم وحولهم) أي جهدهم (وقوّتهم) أي جدهم (اليوم) أي إلى يومنا هذا (نيّفا) بفتح النون وسكون الياء مخففة وقيل مشددة مكسورة أي زيادة (على خمسمائة عام) أي بالنسبة إلى تاريخ زمن المصنف وأما الآن فهو نيف وألف (فما قدروا) أي القرامطة وغيرهم من الملاحدة ونحوهم (عَلَى إِطْفَاءِ شَيْءٍ مِنْ نُورِهِ وَلَا تَغْيِيرِ كلمة من كلامه) وفي نسخة صحيحة من كلمه بفتح فكسر ويجوز بكسر فسكون (وَلَا تَشْكِيكِ الْمُسْلِمِينَ فِي حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِهِ) أي لا من حروف مبانيه ولا من حروف معانيه ولا ترديدهم في يعراب بل ونقطة مما ينافيه في باب (والحمد لله) أي على تمام هذه المنة وإتمام هذه النعمة (ومنه) أي ومن اعجاز القرآن في أخبار الغيب من مستقبل الزمان (قوله تعالى سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ) أي جمع أهل الكفر (وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر: ١١] ) أي الإدبار كما قرئ به وأفرد لقصد الجنس أو لإرادة كل واحد ولمراعاة الفواصل وعن عمر رضي الله تعالى عنه لما نزلت لم أعلم ما هو حتى كان يوم بدر سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هو يلبس درعه ويقول سيهزم الجمع فعلمته (وقوله تعالى) أي ومنه قوله تعالى (قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ [التوبة: ١٤] ) أي قتلا (الآية) أي ويخزهم أسرا وينصركم عليهم نصرا ويشف صدور قوم مؤمنين أي مما امتلأت منهم ضجرا قيل هم خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بطون من اليمن وردوا مكة واسلموا فلقوا من أهلها أذى كثيرا فقال لهم رسول الله صلى الله تعالى
ضجرا قيل هم خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بطون من اليمن وردوا مكة واسلموا فلقوا من أهلها أذى كثيرا فقال لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اصبروا فإن الفرج قريب (وقوله تعالى) أي وكذا منه قوله تعالى (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى [التَّوْبَةِ: ٣٣] الْآيَةَ) وقد سبق وهذا من التكرير في التعبير (وقوله: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً) أي ضررا يسيرا كطعن في الدين وتهديد في التخمين (وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ [آل عمران: ١١١] الآية) أي يولوكم الأدبار أي منهزمين ثم لا ينصرون أي لا بنصر أحد لهم ولا بدفع البأس عنهم (فكان كلّ ذلك) أي فوقع هنالك كل ذلك كذلك من هزم جمعهم وتعذيبهم وشفاء صدور المؤمنين بنصرهم عليهم وانحصار الأذى في ضررهم وانهزامهم كبني قريظة والنضير وأمثالهم (وما فيه) أي ومما في القرآن (من كشف أسرار المنافقين واليهود ومقالهم) أي من إيضاح أقوالهم وإفضاح أحوالهم (وكذبهم في حلفهم وتقريعهم بذلك) أي ومن توبيخ الله إياهم بسوء أعمالهم وتقبيح آمالهم وتفظيع مآلهم (كقوله) أي كما في قوله ﷾: (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ) أي فيما بينهم أو في نفوسهم (لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ [المجادلة: ٨] ) أي هلا يعاقبنا بقولنا في محمد طعنا منا فيه وفي الإسلام ودفعا عنا بالسام بدل السلام قال
الله تعالى وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (وقوله) أي وكقوله تعالى في حق المنافقين (يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ [آل عمران: ١٥٤] الآية) أي لو كان لنا من الأمر شيء كما زعم محمد أن الأمر كله لله وأن حزبه هم الغالبون ما قتلنا ههنا أي في المعركة (وقوله) أي وكقوله تعالى في حق اليهود (وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا) أي بعض اليهود منهم قوم (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ [المائدة: ٤١] الآية) أي أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ الخ، (وَقَوْلِهِ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ) أي يميلونها عن مواضعها التي وضعها الله تعالى فيها بإزالتها من مكانها وإثبات غيرها في محلها أو يأولونها على ما يشتهون فيها (إلى قوله وَطَعْناً فِي الدِّينِ [النساء: ٤٦] وقد قال مبديا) بالهمزة أو الياء أي حال كونه تعالى مظهرا (ما قدّره الله) بتشديد الدال أي ما قضاه (واعتقده) ويروى وما اعتقده (المؤمنون) أي مقتضاه الواقع (يوم بدر) على وفق رضاه من الظفر بإحدى الطائفتين العير والنفير (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ) أي القافلة الراجعة من الشام أو الطائفة الآتية من بيت الله الحرام (أَنَّها لَكُمْ) حاصلة من أموال إحديها أو غنيمة أخريها (وَتَوَدُّونَ) أي تتمنون وتحبون (أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ) وهي السلاح يعني العير المقبلة مع أبي سفيان (تَكُونُ لَكُمْ [الأنفال: ٧] ) حيث لا حدة فيها ولا شدة بخلاف ذات الشوكة من النفير وهو الجمع الكثير ممن نفروا مع أبي جهل من مكة لاستنقاذ العير واستخلاصهم من أيدي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه متقوين بكثرة عددهم وعددهم (ومنه) أي ومن اعجازه ﷾ (قوله تعالى: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر: ٩٥] ) أي الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وعدي والحارث بن قيس والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب بن أسد قيل وكذا عمه أبو لهب وعقبة بن أبي معيط والحكم بن أبي العاص إلا أنه أسلم يوم الفتح والباقون أهلكوا بأنواع من العقوبة (ولما نزلت) أي هذه الآية فيهم على ما رواه الطبراني في
وعقبة بن أبي معيط والحكم بن أبي العاص إلا أنه أسلم يوم الفتح والباقون أهلكوا بأنواع من العقوبة (ولما نزلت) أي هذه الآية فيهم على ما رواه الطبراني في الأوسط (بشّر النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ أَصْحَابَهُ بِأَنَّ اللَّهَ كَفَاهُ إيّاهم) أي شرهم وأذاهم ورواه البيهقي وأبو نعيم بمعناه (وكان المستهزئون نفرا بمكّة) أي جماعة مترصدين للواردين بها والصادرين عنها (ينفّرون النّاس عنه) بتشديد الفاء أي يصدونهم عن الإيمان به (ويؤذونه) أي بهذا واضرابه (فهلكوا) أي بضروب البلاء وفنون العناء فتم نوره وكمل ظهوره؛ (وقوله: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧] ) عدة من الله تعالى بعصمة روحه من غوائل عدوه (فكان كذلك) أي كما أخبر به من لا خلف في خبره (على كثرة من رام ضرّه) أي مع كثرة من قصد ضره (وقصد قتله والأخبار بذلك معروفة) أي مشهورة في كتب المغازي في باب السير (صحيحة) أي مذكورة عند أرباب الأثر فعصمه الله تعالى وحفظه حتى انتقل من دار الدنيا إلى منازل الحسنى في العقبى.
فصل [الْوَجْهُ الرَّابِعُ مَا أَنْبَأَ بِهِ مِنْ أَخْبَارِ القرون السالفة]
عصمه الله تعالى وحفظه حتى انتقل من دار الدنيا إلى منازل الحسنى في العقبى.
فصل [الْوَجْهُ الرَّابِعُ مَا أَنْبَأَ بِهِ مِنْ أَخْبَارِ القرون السالفة] (الوجه الرّابع) أي من وجوه اعجاز القرآن (ما أنبأ به) أي أخبر به واعلمه (من أخبار القرون السّالفة) أي الماضية (والأمم البائدة) أي الهالكة الفانية (والشّرائع الدّاثرة) أي الدار الدارسة (مِمَّا كَانَ لَا يَعْلَمُ مِنْهُ الْقِصَّةَ الْوَاحِدَةَ إلّا الفذّ) بفتح الفاء وتشديد الذال المعجمة أي الفرد الواحد المنفرد عن أقرانه في علو شأنه (من أخبار أهل الكتاب) بالحاء المهملة أي من علمائهم (الذي قطع عمره) أي صرفه (في تعلّم ذلك) أي الخبر الواحد من ألسنة كبرائهم أو من كتب فضلائهم (فيورده النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم على وجهه) إذ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (ويأتي به على نصّه) أي كما قرأه عليه جبريل من غير تصرف في لفظه (فيعترف العالم) أي منهم كما في نسخة (بذلك) أي بسبب ما أورده (بصحّته وصدقه) متعلق بيعترف (وأنّ مثله لم ينله بتعليم) أي لم يصل إليه بواسطة تعليم وتعلم من الخلق وحينئذ قد يغترف من بحر تحقيقه ويتشرف بتوفيق تصديقه لعلمه أنه أخبر الخلق بوحي من الحق (وقد علموا) أي جميعهم قبل ذلك (أنّه صلى الله تعالى عليه وسلم أمّيّ) أي في جميع أمره (لا يقرأ ولا يكتب) أي في جميع عمره (ولا اشتغل بمدارسة) أي مع العلماء (ولا مثافنة) بالمثلثة والفاء والنون أي ولا مجالسة مع الشعراء والفضلاء وفي نسخة بالقاف والموحدة ولعلها مصحفة أو يراد بها المزاحمة في المعرفة من ثقوب الذهن وهو وصوله إلى الصواب ثم هذا فيما بينهم (ولم يغب عنهم) أي غيبة يمكنه التعلم فيها من غيرهم (ولا جهل حاله أحد منهم) أي منذ كان صغيرا إلى أن بعث كبيرا لأنه كان من أعيانهم والحاصل أنه كما قال صاحب البردة ذائقا من هذه الزبدة كفاك بالعلم في الأمي معجزة (وقد كان أهل الكتاب) أي من اليهود والنصارى (كثيرا ما) أي في كثير من الأوقات (يسألونه صلى الله تعالى عليه وسلم عن هذا) أي عن أخبار القرون الماضية (فينزل) بصيغة الفاعل أو المفعول مخففا أو مشددا (عَلَيْهِ مِنَ
في كثير من الأوقات (يسألونه صلى الله تعالى عليه وسلم عن هذا) أي عن أخبار القرون الماضية (فينزل) بصيغة الفاعل أو المفعول مخففا أو مشددا (عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ مَا يَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنْهُ ذكرا) أي بيانا لأعمالهم وأحوالهم وما جرى لهم في مآلهم (كقصص الأنبياء مع قومهم) أي أقوامهم من أممهم إجمالا تارة ومفصلا أخرى وعموما مرة وخصوصا كرة كما أشار إليه بقوله (وخبر موسى والخضر) بفتح فكسر وروي بكسر فسكون قيل لأنه إذا جلس أو صلى اخضر ما حوله وفي البخاري أنه جلس على فروة فإذا هي تهتز خلفه خضراء والفروة الأرض اليابسة أو الحشيش اليابس وفي اسمه اختلاف وكذا في كونه نبيا مرسلا أو غيره أوليا وبه جزم جماعة وأغرب ما قيل فيه إنه من الملائكة وقيل إنه ابن آدم وقيل ابن فرعون وقال الثعلبي نبي على جميع الأقوال معمر محجوب عن الأبصار واختلف في حياته وقد أنكرها جماعة منهم البخاري وقال ابن الصلاح هو حي عند جماهير العلماء والصالحين والعامة معهم على ذلك وإنما شذ بإنكارها بعض المحدثين قال الحلبي ونقل النووي عن الأكثرين حياته وقيل إنه لا يموت إلا في آخر الزمان وفي صحيح
مسلم في أحاديث الدجال أنه يقتل رجلا ثم يحييه قال إبراهيم بن سفيان راوي مسلم يقال إنه الخضر وكذا قال معمر في مسنده وأما ما استدل به البخاري ومن تبعه كالقاضي أبي بكر بن العربي على أنه مات قبل انقضاء المائة لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه على رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد فالجواب أن هذا الحديث عام فيمن يشاهده الناس ويخالطونه لا في من ليس كذلك كالخضر بدليل أن الدجال خارج عن هذا الحديث لما روى مسلم من حديث الجساسة الدال على وجود الدجال في زمن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى بقائه إلى زمن ظهوره مع أن مسلما روى عن ابن عمر أن المراد بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم على رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد انخرام ذلك القرن، (ويوسف وإخوته) كما هو مبين في سورته بأحسن صورته (وأصحاب الكهف) قال الحلبي واختلف في بقائهم إلى الآن فروي عن ابن عباس أنه أنكر أن يكون بقي منهم شيء بل صاروا ترابا قبل المبعث وقال بعض أصحاب الأخبار غير هذا وأن الأرض لم تأكلهم ولم تغيرهم وأنهم على مقربة من القسطنطينية وفي مكانهم أقوال وروي أنهم سيحجون البيت إذا نزل ابن مريم قال الإمام السهيلي الفيت هذا الخبر في كتاب البدء لابن أبي خيثمة هذا وقد اختلف في عدتهم ومدة إقامتهم (وذي القرنين) روى الحاكم في المستدرك أنه صلى الله تعالى عليه وسلم سئل عن ذي القرنين فقال لا أدري أنبي هو أم لا وجاء فيه عنه ﵇ أنه كان ملكا سيح في الأرض بالأسباب وقيل في قوله تعالى وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً أي علما يتبعه وفي قوله تعالى فَأَتْبَعَ سَبَباً أي طريقا يوصله وقال ابن هشام في غير السيرة السبب جبل من نور كان ملك يمشي به بين يديه فيتبعه واختلف في تسميته بذي القرنين كما اختلف في اسمه واسم أبيه فأصح ما قيل في ذلك ما روي عن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال سأل ابن الكوا علي بن أبي طالب فقال أرأيت ذا القرنين أنبيا كان أم ملكا فقال لا نبيا كان ولا ملكا ولكن كان عبدا صالحا دعا قومه إلى عبادة الله فضربوا على قرني رأسه ضربتين وفيكم مثله يعني نفسه وقيل ذو القرنين ملك الخافقين وأذل الثقلين
ا كان ولا ملكا ولكن كان عبدا صالحا دعا قومه إلى عبادة الله فضربوا على قرني رأسه ضربتين وفيكم مثله يعني نفسه وقيل ذو القرنين ملك الخافقين وأذل الثقلين وعمر الفين ثم كان في ذلك كلحظة عين (ولقمان وابنه) تقدم ذكرهما وفي سورته بعض حكمته (وأشباه ذلك من الأنباء) كخبر نوح وابنه وابني آدم (وبدء الخلق) أي ابتدائهم وانتهائهم (وَمَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وموسى ممّا صدّقه فيه العلماء) أي من أهل الكتاب (بها) أي حين تلاها عليهم (ولم يقدروا) أي وما قدر أحد منهم (على تكذيب ما ذكر منها) بصيغة الفاعل أو المفعول أي تكذيبه في شيء ذكر من الكتب المذكورة (بل أذعنوا) أي انقادوا له (لذلك) أي لعلمهم بصدقه (فمن موفّق) بتشديد الفاء المفتوحة أي موافق (آمن) أي بالقرآن وما أنزل عليه (بما سبق له) أي في الأزل (من خير) أي من سابقة إرادة السعادة له (ومن شقيّ) أي مخذول (معاند حاسد) وزيد في نسخة خاسر جاهل وقال الحجازي يروى خاسر ويروى جاهل أي لم يصدقه بما سبق له في الأزل من
سابقة إرادة الشقاوة له (ومع هذا لم يحك عن واحد) وفي أصل الدلجي وغيره عَنْ وَاحِدٍ (مِنَ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ عَلَى شِدَّةِ عداوتهم له) أي مع مبالغتهم في مناقضتهم لحقه (وَحِرْصِهِمْ عَلَى تَكْذِيبِهِ وَطُولِ احْتِجَاجِهِ عَلَيْهِمْ بِمَا في كتبهم) أي مما أوجب العلم بأنه رسول الله إلى كافة الناس (وتقريعهم) أي توبيخهم ردعا لهم (بما انطوت عليه مصاحفهم) أي بما اشتملت عليه كتبهم وكان الأظهر أن يقول صحفهم أو صحائفهم (وكثرة سؤالهم له ﵊ أي إخبارا أو امتحانا (وتعنيتهم إيّاه) أي تكليفهم له بما شق عليه بكثرة سؤالهم (عَنْ أَخْبَارِ أَنْبِيَائِهِمْ) وَأَسْرَارِ عُلُومِهِمْ (وَمُسْتَوْدَعَاتِ سِيَرِهِمْ) أي كل ذلك تعنتا وعنادا لا تفهما وإرشادا (وإعلامه لهم بمكنون شرائعهم) أي مخفيها ومستورها (ومصنّفات كتبهم مثل سؤالهم) أي على لسان قريش إذ قالوا لهم سلوه (عن الرّوح) كما رواه الشيخان (وذي القرنين وأصحاب الكهف) فيما رواه ابن إسحاق والبيهقي فإن أجاب عنها أو سكتت فليس بنبي وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي
الرّوح) كما رواه الشيخان (وذي القرنين وأصحاب الكهف) فيما رواه ابن إسحاق والبيهقي فإن أجاب عنها أو سكتت فليس بنبي وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي فبين لهم كما رواه الشيخان قصتي أصحاب الكهف وذي القرنين وأبهم أمر الروح كما هو مبهم في التوراة (وعيسى ﵊ أي وسؤالهم عن عيسى فبينه لأهل الكتابين (وحكم الرّجم) فبينه لليهود (وما حرّم إسرائيل على نفسه) أي وسؤالهم عنه كما روى الترمذي أي حرم باجتهاده أو بإذن من ربه لحوم الإبل والبانها فبينه لهم بقوله تعالى كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ (وما حرّم عليهم) بصيغة المجهول (من الأنعام) أي وسؤالهم عنه فبينه بقوله ﷾ وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ الآية (ومن طيّبات كانت أحلّت لهم فحرّمت عليهم ببغيهم) أي وسؤالهم عنها فبينه بقوله تعالى فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ الآية، (وقوله) أي مثل قوله تعالى (ذلِكَ) أي سيماهم في وجوهم من أثر السجود (مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ [الْفَتْحِ: ٢٩] ) أي كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ الآية والمراد وصفهما العجيب الشأن فيهما (وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِمُ الَّتِي نَزَلَ فِيهَا القرآن) أي لكشف مستورهم (فأجابهم) أي عن ذلك كله (وعرّفهم بما أوحي إليه من ذلك) أي من بيانه (أنّه) بفتح الهمزة متعلق بما سبق وما بينهما معترضة أي فلم يحك عن أحد منهم أَنَّهُ (أَنْكَرَ ذَلِكَ أَوْ كَذَّبَهُ بَلْ أَكْثَرُهُمْ صرّح بصحّة نبوّته وصدق مقالته) وفي نسخة صحيحة مقاله وفي أخرى بفتح الصاد وتشديد الدال على أنه فعل ماض ومقاله مفعوله (واعترف بعناده) أي بعناد نفسه (وحسده إيّاه) وفي نسخة صحيحة وحسدهم (كأهل نجران) بفتح النون وسكون الجيم طائفة من النصارى حين حاجوه في عيسى فدعاهم إلى المباهلة كما في آيتها وسيأتي تفصيل حكايتها (وابن صوريا) بضم الصاد وكسر الراء مقصورا وفي نسخة ممدودا ويقال له ابن صوري وقد ذكر السهيلي عن النقاش أنه اسلم
باهلة كما في آيتها وسيأتي تفصيل حكايتها (وابن صوريا) بضم الصاد وكسر الراء مقصورا وفي نسخة ممدودا ويقال له ابن صوري وقد ذكر السهيلي عن النقاش أنه اسلم نقل ذلك الذهبي في تجريد الصحابة (وابني أخطب) بالخاء المعجمة يهوديان معروفان هلكا على كفرهما (وغيرهم ومن باهت في ذلك) أي فيما لم ينكر منه ولم يكذب فيه (بعض المباهتة) أي نوع
من المباحثة (وَادَّعَى أَنَّ فِيمَا عِنْدَهُمْ مِنْ ذَلِكَ لِمَا حكاه) أي النبي ﵊ (مخالفة دعي) بصيغة المجهول أي فقد دعي من جانب ربنا ﷾ (إلى إقامة حجّته وكشف دعوته) أي من أن عنده فيما حكاه مخالفة كموافقته لإبراهيم ﵇ في تحليل لحوم الإبل وألبانها ويروى وكشف عورته (فقيل له) أي للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) روي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لما قال لهم ذلك بهتوا ولم يجترئوا أن يأتوا بها وهذا برهان عظيم على نبوته وصدق دعوته (إلى قوله: الظَّالِمُونَ [آل عمران: ٩٣- ٩٤] ) يعني فمن افترى على الله الكذب أي بزعمه أن ذلك حرم على بني إسرائيل وعلى من قبلهم قبل نزول التوراة من بعد ذلك أي بعد ظهور الحق له وثبوت الحجة عنده فأولئك هم الظالمون بعدم انصافهم من أنفسهم ومكابرتهم وعنادهم بعد ما تبين الحق لهم (فقرّع) بتشديد الراء (ووبّخ) بتشديد الموحدة أي فأظهر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم التقريع والتوبيخ لهم (ودعا) أي دعاهم (إلى إحضار ممكن غير ممتنع) وهو الاتيان بالتوراة فلم يقدروا على ذلك وتفرقوا باختلافهم هنالك (فمن معترف بما جحده) أي أنكره إما بإسلامه أو بإنصافه (ومتواقح) بالقاف والحاء أي ومن قليل حياء (يلقى) بضم الياء وكسر القاف أي يضع (على فضيحته) أي الكاشفة لعيبه التي هي ظاهرة (من كتابه يده) بالنصب على أنه مفعول يلقى وفي أصل الدلجي من كتابة يده بالإضافة والظاهر أنه تصحيف بل تحريف وهي آية الرجم سماها بالفضيحة لأنها سبب لهتك حالته قال الحلبي وقد جاء في صحيح البخاري أن عبد الله بن سلام قال له ارفع يدك يا أعور وسماه بعض الحفاظ عبد الله بن صوريا الأعور الحبر الذي تقدم ذكره وأنه اسلم بعده (ولم يؤثر) بصيغة المفعول أي ولم يرو أحد (أنّ واحدا منهم) أي من أهل الكتاب (أظهر خلاف قوله) صلى الله تعالى عليه وسلم (من كتابه) وفي نسخة من كتبه (ولا أبدى) أي ولا أظهر (صحيحا ولا سقيما من صحفه) جمع صحيفة والظاهر من تغاير المتعاطفين أن الصحيفة تطلق على الكتاب الصغير والكتاب إذا أطلق فالمراد به الكبير وإن كان معناه الأعم لا سيما حال الجمع
حفه) جمع صحيفة والظاهر من تغاير المتعاطفين أن الصحيفة تطلق على الكتاب الصغير والكتاب إذا أطلق فالمراد به الكبير وإن كان معناه الأعم لا سيما حال الجمع بينهما وهذا أولى مما قاله الدلجي من أنه جمع بينهما تفننا وتزينا ومما يؤيد ما قدمناه حديث عيينة بن حصين أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كتب له كتابا فلما أخذه قال يا محمد أترى أني حامل إلى قومي كتابا كصحيفة المتلمس وهو شاعر معروف قدم هو وطرفة الشاعر على عمرو بن هند فنقم عليهما أمرا فكتب لهما كتابين إلى عامله بالبحرين يأمره بقتلهما وأعطى كلا صحيفة وقال إني كتبت لكما بجائزة فاجتازا بالحيرة فقرأ المتلمس صحيفته فإذا فيها الأمر بقتله فألقاها في الماء ومضى إلى الشام وقال لطرفة أقرأ صحيفتك وألقها فإنها كصحيفتي فأبى ومضى إلى العامل فقتله فضار مثلا (قال الله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ) اللام لام الجنس والمراد بهم اليهود والنصارى جميعهم (قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا) يعني محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم (يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ
تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ) كنعته صلى الله تعالى عليه وسلم وآية الرجم مما في التوراة وبشارة عيسى به ﵉ مما في الإنجيل (وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [المائدة: ١٥] ) أي مما يخفونه مما لا ضرورة إلى تبيينه أو عن كثير منكم لحلمه حيث لا يؤاخذه بجرمه (الآيتين) يعني قوله تَعَالَى قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.



