شرح الشفا

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya الملا على القاري (w. 1014 H).

Bagian 53 dari 65 1326 halaman

— Bagian 53 · ء لأجل ترك الاستثناء على ما هو ظاهر الحديث، (وقي… —

Bagian 53

ء لأجل ترك الاستثناء على ما هو ظاهر الحديث، (وقيل ذنبه حرصه على ذلك) أي جنس الولد (وتمنّيه) أي كثرتهم في البلد ولا ينبغي للكامل أن يطلب من الله سواه، (وقيل لأنّه لم يستثن) أي لم يقل إن شاء الله تعالى (لِمَا اسْتَغْرَقَهُ مِنَ الْحِرْصِ وَغَلَبَ عَلَيْهِ مِنَ التّمنّي) أي فكان سبب نسيان الاستثناء في ذلك المتمني (وقيل عقوبته) المعبر عنها بفتنته (أن سلب ملكه) أي حكمه في رعيته وفي هذا امتحان من الله تعالى لأرباب الجاه (وذنبه) أي الذي كان سبب سلب ملكه (أَنْ أَحَبَّ بِقَلْبِهِ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ لِأَخْتَانِهِ) بفتح الهمزة جمع الختن أي اصهاره أو كل من كان من قبل المرأة كالأب والأخ (على خصمهم) ولعل هذا كان على خطرة من لوازم البشرية فلا يعد من المعصية إلا للكمل في القضية وقال الأنطاكي فقد ورد عن السدي أنه قال كان سبب فتنة سليمان هو أنه كانت في نسائه امرأة يقال لها جرادة وهي آثر نسائه عنده فقالت له يوما إن أخي بينه وبين فلان خصومة وأنا أحب أن يقضى له إذا جاء فقال نعم ولم يفعل فابتلي بقوله (وقيل ووخذ) مجهول وأخذ كووري مجهول وارى وفي نسخة أو خذ أي عوقب (بذنب قارفه بعض نسائه) أي كسبته من غير إطلاعه وفيه أنه تعالى لا يؤاخذ أحدا بفعل غيره ولعله عوقب لتقصيره في أمره ومقارفتهن إنما تكون من تأخير صلاة أو صوم أو زكاة أو لبس حلية محرمة أو نياحة مكروهة وأمثالها ولا يجوز أن يتوهم فعل فاحشة منهن فقد قال المفسرون في قوله ﷾ فَخانَتاهُما أي في الطاعة لهما والإيمان بهما إذ ما بغت امرأة نبي قط أي ما زنت ويشير إليه قوله تعالى الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ الآيات وأما ما نقله التلمساني عن السهيلي في قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الآية أن من قذف أزواج النبي ﵊ فقد سبه فمن اعظم الأذية أن يقول عن الرجل قرنان وإذا سب نبي بمثل هذا فهو كفر صريح انتهى فهو معلول إذ لا يلزم هذا إلا إذا كان عالما بالفاحشة وراضيا بها عليه تقدير وجودها نعم الآن قذف عائشة كفر بلا شبهة بناء على أنه إنكار للقرآن بخلاف من سبق له قذفها قبل نزول آيات البراءة فإن كان

ا بالفاحشة وراضيا بها عليه تقدير وجودها نعم الآن قذف عائشة كفر بلا شبهة بناء على أنه إنكار للقرآن بخلاف من سبق له قذفها قبل نزول آيات البراءة فإن كان مرتكب كبير ولذا حدهم النبي

صلى الله تعالى عليه وسلم حد القذف ولم يقتلهم لارتدادهم ولا أمرهم تحديد الإسلام وسائر ما يترتب عليه من الأحكام وقال الأنطاكي حكي أن سليمان ﵊ بلغه أن في بعض الجزائر مدينة عظيمة وبها ملك عظيم الشأن فخرج إليها يحمله الريح حتى أناخ بها بجنوده من الجن والإنس فقتل ملكها وأصاب بنتا له من أحسن النساء وجها فاصطفاها لنفسه وأسلمت فأحبها وكان لا يرقأ بدمعها حزنا على أبيها فأمر الشياطين فمثلوا لها صورة أبيها فكستها مثل كسوته وكانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها يسجدون لتلك الصورة فأخبر آصف سليمان بذلك فكسر الصورة وعاقب المرأة ثم خرج وحده إلى فلاة وفرش الرماد فجلس عليه تائبا إلى الله تعالى متضرعا إلى مولاه (وَلَا يَصِحُّ مَا نَقَلَهُ الْأَخْبَارِيُّونَ مِنْ تَشَبُّهِ الشّيطان به) أي بصورته وفي نسخة ما قاله الاخباريون من خرافاتهم عما فعله ومن تشبه الشيطان به (وتسلّطه على ملكه) أي سرير دولته (وتصرّفه في أمّته) وسائر رعيته (بِالْجَوْرِ فِي حُكْمِهِ لِأَنَّ الشَّيَاطِينَ لَا يُسَلَّطُونَ عَلَى مِثْلِ هَذَا؛ وَقَدْ عُصِمَ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ مثله) قلت ومما يؤيد هذا قوله ﵊ إن الشيطان لا يتمثل بي ولا يتصور بصورتي فهذا إذا كان ممنوعا عنه في حال المنام فبالأولى أن لا يقدر على التمثل في حال اليقظة بشكله ﵊ والظاهر أن سائر الأنبياء ﵈ يكون أمرهم على هذا النظام فإن الأنام مأمورون باتباع أوامرهم ونواهيهم والاقتداء بأقواله وأفعالهم فلو صور الشيطان بصور الأنبياء لوقع التشكيك في حقيقة أحوالهم ومن جملة ما نقله الأخباريون في تشبه الشيطان به وتسلطه على ملكه أن سليمان ﵇ كانت له أم ولد يقال لها أمينة وكان إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمه عندها وكان ملكه في خاتمه فوضعه عندها يوما فأتاها الشيطان صاحب البحر واسمه الصخر على صورة سليمان فقال يا أمينة خاتمي فناولته إياه فتختم به وجلس على كرسي سليمان فعكفت عليه الطير والجن والإنس

ما فأتاها الشيطان صاحب البحر واسمه الصخر على صورة سليمان فقال يا أمينة خاتمي فناولته إياه فتختم به وجلس على كرسي سليمان فعكفت عليه الطير والجن والإنس وغير سليمان من هيئته فأتى أمينة لطلب الخاتم فأنكرته وطردته فكان ﵇ يدور على البيوت يتكفف وإذا قال أنا سليمان حثوا عليه التراب وسبوه ثم عمد إلى السماكين ينقل لهم السمك ويعطونه كل يوم سمكتين فمكث على ذلك أربعين صباحا عدد ما عبد الوثن في بيته فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان وسأل آصف نساء سليمان فقلن ما يدع امرأة منا في دمها ولا يغتسل من جنابة ثم طار الشيطان وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكة ووقعت السمكة في يد سليمان فبقر بطنها فإذا هو بالخاتم فتختم به فوقع ساجدا لله تعالى ورجع إليه ملكه هذه فرية عظيمة بلا مرية ولقد أبى العلماء المحققون قبول هذا النقل تنزيها لنساء الأنبياء عما نسب إليهن من الانباء، (وإن سلم لِمَ لَمْ يَقُلْ سُلَيْمَانُ فِي الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ إن شاء الله فعنه أجوبة) متعددة (أحدها) وفي نسخة فعنه جوابان أي مرضيان أحدهما (مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ نَسِيَ أن يقولها وذلك) أي وقوع النسيان (لينفذ مراد الله تعالى) وفق ما قدره وقضاه فهذا كقوله تعالى وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ

يَشاءَ اللَّهُ (والثّاني أنّه لم يسمع صاحبه) أي كلامه (وشغل عنه) بشيء خالف مرامه (وَقَوْلُهُ وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص: ٣٥] لَمْ يَفْعَلْ هَذَا سُلَيْمَانُ) أي لم يصدر عنه هذا القول (غيرة) بفتح الغين ويكسر أي حرصا ونهمة (على الدّنيا) من مالها وجاهها (ولا نفاسة بها) بفتح النون أي لا رغبة فيها إذ جل رغبتهم في حضرة المولى ونعمة الأخرى قال تعالى وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ لأن النفاسة رغبة في الشيء النفيس دون الخسيس وقد ورد لو كانت الدنيا تعدل جناح بعوضة لما سقي كافرا منها شربة ماء وإنما ابتلي سليمان ﵇ بهذا الملك الوسيع والجاه الرفيع ليكون حجة على الملوك في القيام بحق العبودية والعمل بأحكام الربوبية ومع هذا فقد ورد أنه يدخل الجنة بعد سائر الأنبياء بخمسمائة عام لتعرف أن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر ولهذا ورد أن عبد الرحمن ابن عوف يدخل الجنة بعد فقراء المهاجرين بخمسمائة عام فكل هذا تزهيد في الدنيا وترغيب في العقبى والحكم فيهما للمولى رزقنا الله العمل بالأولى وبلغنا المقام الأعلى والمرام الأعلى (ولكن مقصده) بكسر الصاد أي مراده بهذا الدعاء (في ذلك) النداء (على ما ذكره المفسّرون) أي بعضهم (أَنْ لَا يُسَلَّطَ عَلَيْهِ أَحَدٌ كَمَا سُلِّطَ عليه الشّيطان الّذي سلمه إِيَّاهُ مُدَّةَ امْتِحَانِهِ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ) ويروى على من قال (ذلك) وقد عرفت ضعف ما هنالك.

هِ أَحَدٌ كَمَا سُلِّطَ عليه الشّيطان الّذي سلمه إِيَّاهُ مُدَّةَ امْتِحَانِهِ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ) ويروى على من قال (ذلك) وقد عرفت ضعف ما هنالك. (وَقِيلَ بَلْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنَ الله فضيلة) زائدة (وخاصّة) أي مزية خالصة (يَخْتَصُّ بِهَا كَاخْتِصَاصِ غَيْرِهِ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ ورسله بخواصّ منه) كالخلة لإبراهيم وكالتكليم لموسى ونحوهما فإن قيامه على وجه العدالة والاستقامة مع كثرة الرعية من الجن والإنس والطير والذرة وتفقدهم بالرعاية والحماية لعله من خواصه لم يكن لغيره أن يقوم مقامه فسبحان من أقام العباد فيما أراد وقد قال تعالى إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً فمن عباده من يصلح للفقر والعناء ومنهم من يصلح للجاه والغنى وليس أحد يطلع على حقيقة القدر والقضاء، (وقيل ليكون ذلك) أي بقاء ملكه حقيقة وحكما (دَلِيلًا وَحُجَّةً عَلَى نُبُوَّتِهِ كَإِلَانَةِ الْحَدِيدِ لِأَبِيهِ) أي دواد كما في نسخة (وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى لِعِيسَى وَاخْتِصَاصِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم بالشّفاعة) أي الكبرى وهي المقام المحمود (ونحو هذا) من اختصاص موسى بنعت الكليم ووصف إبراهيم بالخلة. (وأمّا قصّة نوح ﵇ وهو منصرف وجوز منع صرفه قيل اسمه عبد الغفار وسمي نوحا لكثرة بكائه وتضرعه في دعائه (فظاهرة العذر) فيما وقع له من الأمر (وأنّه أخذ فيها بالتّأويل) وفي نسخة بالتأويل (وظاهر اللّفظ لقوله تعالى وأهلك) أي عمومه في الخلاص من هلاكه وكأنه صرف الاستثناء إلى غير أهله، (فطلب مقتضى هذا اللّفظ) من عمومه (وأراد علم ما طوي عنه) بصيغة المجهول أي ستر وخفي (من ذلك) خصوصه بإخراجه من جملة أهله (لا أنّه) أي نوحا (شكّ في وعد الله تعالى) بنجاة أهله (فبيّن الله عليه) أي أظهر لديه وفي نسخة علته أي سببه (أنّه ليس من أهله الّذين وعدهم) وفي نسخة وَعَدَهُ (بِنَجَاتِهِمْ لِكُفْرِهِ وَعَمَلِهِ الَّذِي هُوَ

ّن الله عليه) أي أظهر لديه وفي نسخة علته أي سببه (أنّه ليس من أهله الّذين وعدهم) وفي نسخة وَعَدَهُ (بِنَجَاتِهِمْ لِكُفْرِهِ وَعَمَلِهِ الَّذِي هُوَ

غير صالح وقد أعلمه) أي الله تعالى (أنّه مغرق الّذين ظلموا) بالإضافة ودونها (ونهاه عن مخاطبته) إياه (فيهم فأوخذ) بصيغة المجهول من المؤاخذة بالهمزة والواو لغتان وقراءتان وفي نسخة فووخذ بواوين بناء على اللغة الأخيرة فهو كقوله تعالى ما وُورِيَ والمعنى فعوقب (بهذا التّأويل) حيث خالف حقيقة التنزيل (وعتب عليه) عطف تفسير وكان الأظهر وعوتب عليه وفي نسخة وعيب بكسر فسكون تحتية والظاهر أنه تصحيف (وأشفق) أي خاف (هو) أي نوح (من إقدامه على ربّه) أي جراءته (لسؤاله) أي لأجله وفي نسخة بسؤاله أي بسببه (ما لم يؤذن له) وفي نسخة ما لم يأذن (في السّؤال فيه) أي في حقه (وَكَانَ نُوحٌ فِيمَا حَكَاهُ النَّقَّاشُ لَا يَعْلَمُ بكفر ابنه) لأنه كان منافقا في أمره وتابعا لأمه في كفره (وقيل في الآية غير هذا) لبعض العلماء في تفسيره (وكلّ هذا لا يقضي) أي لا يحكم (على نوح بمعصية) أي كبيرة (سوى ما ذكرناه من تأويله) للمقال (وإقدامه بالسّؤال فيمن لم) وفي نسخة فِيمَا لَمْ (يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ وَلَا نُهِيَ عنه؛ وما روي في الصّحيح) أي صحيح الأحاديث مما رواه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة (من أنّ نبيّا قرصته نملة) أي عضته (فحرّق) بتشديد الراء أي فأحرق (قرية النّمل) أي بيتها وجحرها (فأوحى الله تعالى إليه أن) بفتح الهمزة وسكون النون أي لأن (قرصتك نملة) أي واحدة كما في نسخة (أحرقت أمّة من الأمم تسبّح) وذلك لقوله تعالى وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ وقوله وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وقال الزكي المنذري إن هذا النبي جاء من غير وجه أنه عزير انتهى ولا شك أن المبهمين في الأحاديث لا يعرفون إلا من حديث آخر مصرح بتسمية الشخص منهم ويشكل هذا بما في أبي داود مرفوعا لا أدري أعزير نبي أم لا وصححه الحاكم في مستدركه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه والجواب لعل الله أطلعه على أنه

ويشكل هذا بما في أبي داود مرفوعا لا أدري أعزير نبي أم لا وصححه الحاكم في مستدركه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه والجواب لعل الله أطلعه على أنه نبي بعد ذلك فأخبره وفي كلام الطبري أن هذا النبي هو موسى ﵊ ونقله عن الحكيم الترمذي وعن ابن عباس قال نهى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصرد رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والصرد بضم الصاد المهملة وفتح الراء طائر معروف ضخم الرأس والمنقار له ريش عظيم نصفه أسود ونصفه أبيض قال الخطابي أما نهيه عن قتل النحلة فلما فيها من المنفعة وأما الهدهد والصرد فإنما نهى عن قتلهما لتحريم لحمهما وذلك أن الحيوان إذا نهي عن قتله ولم يكن ذلك لحرمة ولا لمضرة كان ذلك لتحريم لحمه انتهى ولعل النهي عن قتل النمل محمول على حال عدم الأذية أو المضرة فالمعاتبة على النبي من حيث قتله سائر النمل من غير حصول العلة والله تعالى اعلم بالحقيقة ثم النمل جنس منفرده النملة ويستوي مذكرها ومؤنثها كالحمامة ونحوها وإنما استدل إمامنا الأعظم على أن نملة سليمان ﵊ كانت أنثى بدليل قوله تعالى قالت لأنها لو كانت ذكرا لقيل قال لا سيما والفعل مقدم والتأنيث غير حقيقي وقد وهم التلمساني ولم يتحقق كلام الإمام

الرباني وإذا عرفت حقيقة القضية (فليس في هذا الحديث) أي السابق ما يقتضي (أنّ هذا الّذي أتى معصية) ووقع في أصل التلمساني أن هذا الذي أتى معصية فتكلف له بأن الذي موصول وأتى صلته وعائده محذوف لأنه منصوب أي أتاه معصية برفعها على خبر أن أو خبر محذوف (بل فعل ما رآه مصلحة وصوابا) أي صورة (بقتل من) وفي نسخة صحيحة ما (يؤذي جنسه) ولعل وجه من أن جنس المؤذي مختلط بين من يعقل وما لا يعقل و (يمنع المنفعة بما أباح الله تعالى) أي من الراحة بالنوم ونحوه، (أَلَا تَرَى أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ كَانَ نَازِلًا تحت الشّجرة) وفي نسخة تحت شجرة ولعلها كانت بعيدة عن العمارة (فلمّا آذته النّملة) أي الواحدة بأن عضته (تحوّل برحله) أي متاعه (عنها مخافة تكرار الأذى عليه) منها (وليس فيما أوحى الله تعالى إليه) من الملامة (ما يوجب عليه معصية بل ندبه) أي دعاه (إلى احتمال الصّبر) على الأذية (وترك التّشفيّ) أي الانتقام في القضية (كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل: ١٢٦] ) وفيه أن الصبر على أذى الحيوان ليس كالصبر على مضرة أفراد الإنسان كما بينه العلماء الأعيان (إذ ظاهر فعله) من الإحراق (إِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ أَنَّهَا آذَتْهُ هُوَ فِي خاصّته) أي خاصة نفسه (فكان انتقاما لنفسه) أي انتصارا لروحه (وقطع مضرّة يتوقّعها) أي يخشاها أي يمكن حصولها (من بقيّة النّمل هناك) ولنا توقف في ذلك (ولم يأت) أي لم يفعل النبي (في كلّ هذا أمرا نهي عنه فيعصّى به) بضم الياء وفتح الصاد المشددة أي حتى ينسب إلى المعصية (وَلَا نَصَّ فِيمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ بِذَلِكَ ولا بالتّوبة والاستغفار منه) أي تصريحا وإلا فيستفاد منه تلويحا فإنه وإن كان لم يوح إليه نهي أولا فكأنه نسب إلى خطأ في اجتهاده ثانيا وهو يستدعي في الجملة رجوعه إلى الاستغفار والتوبة كما هو طريق أرباب النبوة وأصحاب الفتوة هذا وفي حديث رواه الطبراني عن ابن عمر مرفوعا وما من دابة ولا طائر ولا غير تقتل بغير حق إلا تخاصم يوم القيامة (فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ ما من أحد إلّا ألّم بذنب) أي نزل به وتنزل بارتكابه (أو كاد)

لا طائر ولا غير تقتل بغير حق إلا تخاصم يوم القيامة (فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ ما من أحد إلّا ألّم بذنب) أي نزل به وتنزل بارتكابه (أو كاد) أي قارب أن يلم به (إِلَّا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا أَوْ كَمَا قَالَ ﵊ ما هذا معناه وإنما الشك في مبناه وإنما قال هذا لأن الحديث روي بألفاظ مختلفة منها ما رواه القاضي ومنها ما من نبي إلا وقد هم أو الم ليس يحيى بن زكريا ومنها غير ذلك (فَالْجَوَابُ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ ذُنُوبِ الْأَنْبِيَاءِ الَّتِي وَقَعَتْ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَعَنْ سَهْوٍ وغفلة) ويدل عليه أن اللمم إنما يطلق على الصغيرة من الزلة كما قال تعالى الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ واللمم هو أن يلم الرجل بالذنب مرة ثم يتوب ولا يعود إليه كما قال ابن عباس والمشهور أنه الصغير من الذنوب وقد قال ﵊ إن تغفر اللهم فاغفر جما ... وأي عبد لك لا الما فهذا الاستثناء الدال على العموم ينافي الحديث المذكور من استثناء يحيى إلا أن يحمل

على الأغلب ثم الأنسب أن يقال هذا النعت من خصائص يحيى ﵇ وأنه من صغره إلى كبره ما هم بمعصية قط ولا خطر بباله سيئة قبل البعثة فضلا عما بعد النبوة ولذا قيل في قوله تعالى وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا أي نبئ في أوله أمره ونشأة عمره ولذا امتنع من اللعب مع أقرانه في حال صغره وقد اعطي عيسى ﵊ أيضا النبوة من أول الوهلة ما يشير إليه قوله تعالى حكاية عنه إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وهو يوم القيامة لم يذكر له ذنبا كسائر أولي العزم من الرسل إلا أنه يتعلل بأنه عبد من دون الله وهو بلا شبهة ما كان يريده ويرضاه لكنه يحتمل أنه هم ببعض الذنوب وتركه خشية من الله فحصر الحكم في يحيى يستقيم بهذا التأويل القويم والله تعالى اعلم ثم إن الحديث الذي أورده المصنف ضعيف فلا يجوز الاحتجاج به على ما أجاب عنه النووي والمصنف إنما أجاب عنه على تقدير صحته ثم اعلم أن هذا الحديث رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده عن زهير عن عفان عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس رضي الله تعالى

اعلم أن هذا الحديث رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده عن زهير عن عفان عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال ما من أحد من ولد آدم إلا وقد اخطأ أو همّ بخطيئة ليس يحيى بن زكريا أي إلا يحيى ولعل هذا لدعاء زكريا وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا أي مرضيا وهذا إسناد ضعيف لأجل علي بن زيد بن جدعان وإن كان حافظا لكنه ليس بالثبت وقد أخرج له مسلم والأربعة ويوسف بن مهران انفرد عنه علي بن زيد بن جدعان وقد وثقه أبو زرعة وقال أبو حاتم يكتب حديثه ويذاكر به أخرج له البخاري في تاريخه وظاهر هذا الإسناد أنه حسن لا ضعيف ولا صحيح والله ﷾ اعلم.

فصل (فَإِنْ قُلْتَ فَإِذَا نَفَيْتَ عَنْهُمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ عليهم الذّنوب) أي الكبائر (والمعاصي) أي الصغائر (بِمَا ذَكَرْتَهُ مِنَ اخْتِلَافِ الْمُفَسِّرِينَ وَتَأْوِيلِ الْمُحَقِّقِينَ) في الفصل السابق وحاصله أن حسنات الأبرار سيئات المقربين (فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [طه: ١٢١] ) أي جهل حكمه (وَمَا تَكَرَّرَ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنَ اعتراف الأنبياء بذنوبهم) في الدنيا أو يوم القيامة (وتوبتهم) أي عن تقصيرهم في طاعتهم (واستغفارهم) أي طلب مغفرتهم عن سهوهم وغفلتهم (وبكائهم على ما سلف منهم) في حالتهم كداود إذ قد ورد أنه بكى حتى بلت دموعه الأرض (وإشفاقهم) أي من عقوبتهم في عاقبتهم (وهل يشفق) بصيغة المجهول أي يخاف (ويتاب ويستغفر من لا شيء) أي من غير شيء هو باعث وفي نسخة من لا يسيء أي لا يذنب على أن الأفعال الثلاثة فيما قبله مبنية للفاعل (فَاعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ دَرَجَةَ الْأَنْبِيَاءِ في الرّفعة والعلوّ) أي علو الرتبة (والمعرفة بالله) واتصافه بنعوت جلاله وعظمته وكبريائه (وسنّته) أي عادته الجارية (في عباده وعظم سلطانه) وكريم برهانه وعلو شأنه وفي نسخة وعظم سلطانه (وقوّة بطشه) أي أخذه بالقهر والغلبة (مِمَّا يَحْمِلُهُمْ عَلَى

الخوف منه ﷻ وعظم كماله (والإشفاق) أي وعلى الحذر (مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ بِمَا لَا يُؤَاخَذُ بِهِ غَيْرُهُمْ) كما يشير إليه قوله تعالى إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ وحديث أنا اعلمكم بالله وأخشاكم له (وأنّهم في تصرّفهم بأمور) أي مباحة (لَمْ يُنْهَوْا عَنْهَا وَلَا أُمِرُوا بِهَا ثُمَّ أوخذوا) وفي نسخة وخذوا أي عوقبوا (عليها وعوتبوا بسببها وحذّروا) أي احترسوا وفي نسخة حذروا بتشديد الذال على بناء المجهول أي خوفوا (من المؤاخذة بها وأتوها) أي فعلوها (على وجه التّأويل أو السّهو) أي الخطأ والغفلة (أو تزيّد) بفتح التاء والزاء وتشديد الياء أي على وجه طلب زيادة (من أمور الدّنيا المباحة خائفون) أي وهم مشفقون (وجلون) أي حذرون مضطربون (وهي ذنوب بالإضافة إلى عليّ منصبهم) بفتح العين وكسر اللام وتشديد الياء أي علوه (ومعاص بالنّسبة إلى كمال طاعتهم) وجمال عبادتهم (لا أنّها كذنوب غيرهم ومعاصيهم) أي معاصي غيرهم كما أن طاعات الأنبياء وإيمانهم ليست كطاعات الأمم وإيمانهم في مراتب ايقانهم واتقانهم فلا يقاس الملوك بالحداد والصعلوك (فإنّ الذّنب مأخوذ من الشّيء الدّني) أي الحقير الخسيس (الرّذل) بفتح الراء وسكون الذال المعجمة أي المذموم الردي (ومنه ذنب كلّ شيء) بفتحتين (أي آخره وأذناب النّاس رذّالهم) بضم أوله وتخفيف ثانيه جمع رذل أي خسيستهم وفي نسخة أراذلهم جمع ارذل (فكأن) بتشديد النون وفي نسخة فكان وفي أخرى فكانت (هذه) أي الأمور التي تصرفوا فيها (أدنى أفعالهم) أي أردأها (وأسوأ ما يجري من أحوالهم) بالإضافة إلى أعلى مراتب أفعالهم (لتطهيرهم وتنزيههم) عما لا يليق بهم (وعمارة بواطنهم وظواهرهم بالعمل الصّالح) مما أمروا به واجبا أو مندوبا (والكلم الطّيّب) من تهليل وتسبيح وتكبير واذكار ودعاء واستغفار وفيه إشارة إلى قوله تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وفي الحديث أن الكلم الطيب سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الملك فحيى بها وجه الرحمن فإذا لم يكن له عمل صالح لم تقبل (والذّكر الظّاهر) أي الجلي

ه والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الملك فحيى بها وجه الرحمن فإذا لم يكن له عمل صالح لم تقبل (والذّكر الظّاهر) أي الجلي (والخفيّ) أي الباطن وفي الحديث خير الذكر الخفي (والخشية لله) لما تقدم من الآية والحديث (وإعظامه في السّرّ والعلانية) بتحسين النية وتزيين الطوية (وغيرهم) من عوام الأمة (يتلوّث) أي يتلطخ بقاذورات الذنوب (من الكبائر والقبائح) أي الشاملة اللصغائر (والفواحش) أي اعظم الكبائر وهو ما يتعلق بحقوق العباد (ما) وكان حقه أن يقول كما في نسخة بما أي يتلوث غيرهم بأشياء (تكون هذه الهنات) بفتح الهاء والنون أي العثرات والزلات وفي نسخة الهيئات بفتح الهاء وسكون الياء وهمزة ممدودة أي الحالات وفي نسخة بالإضافة إلى هذه الهنات ويروى بالإضافة إليه هذه الهنات فالهنات بالرفع فاعل تكون والمعنى تكون الهنات التي صدرت عن أصحاب النبوات بالإضافة إليه على أن الضمير في إليه يعود إلى ما أي بالنسبة إلى ما يتلوث به ذلك الغير من السيئات (في حقّه) أي في حق غيرهم (كالحسنات) بل حسنات إذ ليست في الحقيقة سيئات بل طاعات (كما قيل حسنات الأبرار) أي من المؤمنين (سيّئات

ه ذلك الغير من السيئات (في حقّه) أي في حق غيرهم (كالحسنات) بل حسنات إذ ليست في الحقيقة سيئات بل طاعات (كما قيل حسنات الأبرار) أي من المؤمنين (سيّئات

المقرّبين) من الأنبياء والمرسلين (أي يرونها) أي يظنون تلك الحسنات (بالإضافة إلى عليّ أحوالهم كالسّيّئات) وهذا كما قيل كان المقربون أشد استعظاما للزلة الصغيرة من الإبرار للمعصية الكبيرة وكانوا فيما أحل لهم أزهد من الإبرار فيما حرم عليهم وكان الذي لا بأس به عند الإبرار كالموبقات عند أولئك الأخبار فبين المقامين بون بين (وكذلك العصيان) أي معناه (التّرك) أي ترك الموافقة (والمخالفة) في الطاعة إلا أنه إن كان عن عمد فذنب ومعصية وإلا فزلة وعثرة (فعلى مقتضى اللّفظة) أي إطلاقها (كيف ما كَانَتْ مِنْ سَهْوٍ أَوْ تَأْوِيلٍ فَهِيَ مُخَالَفَةٌ وترك) أي وترك طاعة إما حقيقة وإما صورة (وقوله غوى أي جهل) وكان الأحسن في العبارة أن يقول لم يعرف (أنّ تلك الشّجرة) المأكول منها (هي التي نهي عنها) أي بعينها أو غيرها من جنسها فأكل منها غير عالم أنها هي بخصوصها وهذا معنى قوله تعالى فَنَسِيَ (والغيّ الجهل) وأصل معنى غوى ضل وقد يأتي متعديا فيكون المعنى أنه أغوته حواء بأن تبعها في الهوى (وقيل) أي في معنى غوى (أَخْطَأَ مَا طَلَبَ مِنَ الْخُلُودِ إِذْ أَكَلَهَا) إذ تعليلية والمعنى لأنه أكلها (وخابت أمنيّته) بضم الهمزة وكسر النون وتشديد التحتية وهي ما يتمنى والجمع أماني مشددا ويخفف (وهذا يوسف ﵇ قد ووخذ) بواوين وفي نسخة أوخذ أي عوتب (بقوله لأحد صاحبي السّجن) أي ساكنه معه وهو الشرابي للملك (اذْكُرْنِي) أي حالي عِنْدَ رَبِّكَ) أي سيدك ليخلصني من سجني (فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) مصدر مضاف إلى مفعوله أي أنساه ذكر يوسف لسيده (فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ) أي مكث في الحبس (بِضْعَ سِنِينَ [يوسف: ٤٢] ) وأكثر ما قيل إنه ﵇ لبث فيه سبع سنين وقيل لبثها سبعا أي بعد قوله اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ (قيل أنسي يوسف) بصيغة المجهول أي أنساه السيطان (ذكر الله تعالى) حتى استعان بما سواه؛ (وَقِيلَ أُنْسِيَ صَاحِبُهُ أَنْ يَذْكُرَهُ لِسَيِّدِهِ الْمَلِكِ) كما قدمناه وفي

صيغة المجهول أي أنساه السيطان (ذكر الله تعالى) حتى استعان بما سواه؛ (وَقِيلَ أُنْسِيَ صَاحِبُهُ أَنْ يَذْكُرَهُ لِسَيِّدِهِ الْمَلِكِ) كما قدمناه وفي الجملة، (قال النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم لولا كلمة يوسف) أي هذه (ما لبث في السّجن ما لبث) أي مدة لبثه وفي رواية رحم الله أخي يوسف لم يقل اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ لما لبث في السجن سبعا بعد الخمس على ما بيناه والاستعانة في كشف شدائد البلاء وإن كانت محمودة في الجملة لكن لا تليق بمنصب الأنبياء والكمل من الأولياء والاصفياء ونظيره ما حكي عن الجنيد أنه كان في جنازة فرأى سائلا يسأل فخطر بباله لو اكتسب هذا لكان خيرا له من أن يسأل فرأه في منامه ميتا ويقال له كل منه فقال كيف آكل منه وهو آدمي فقيل له إنك اغتبته فقال معاذ الله وإنما خطر ببالي ذلك فقيل له إنا لا نرضى من مثلك بهذا (قال ابن دينار) من اجلاء التابعين واسمه مالك مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة وهو من أجل علماء البصرة وزهادهم يروي عن أنس وسعيد بن جبير وثقه النسائي وغيره وقد ذكره ابن حبان في الثقات أخرج له الأربعة وعلق له البخاري وقد رواه ابن أبي حاتم أيضاف عن أنس موقوفا (لمّا قال ذلك يوسف) أي اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ (قيل له) أي بالوحي الجلي أو الخفي وهو الإلهام الغيبي (أتّخذت من

دوني وكيلا) بهمزة الاستفهام الانكاري مقررا أو مقدرا (لأطيلنّ حبسك) أي عن غيري لتطمئن إلى أمري وتسلم لي في قضائي وقد روي وتعرف حقيقة قدري فحبسه كان تهذيبا لا تعذيبا كالأربعين للمريدين تأديبا وتدريبا، (فقال) أي يوسف اعتذارا (يا ربّي أنسى قلبي كثرة البلوى) النازلة على قلبي من حين ألقيت في جبي وفورق بيني وبين أبي وحبي؛ (وقال بعضهم يؤاخذ) بصيغة المفعول وفي نسخة بالفاعل وفي أخرى أخذ (الأنبياء بمثاقيل الذّرّ) أي من محقرات الأمر (لمكانتهم عنده) أي لرفعة مرتبتهم لديه في القدر (ويجاوز) بالوجهين وفي نسخة ويتجاوز وفي أخرى وتجاوزه (عن سائر الخلق لقلّة مبالاته بهم) أي لعدم عنايته ورعايته وحمايته فيهم وإلا لكانوا كلهم اصفياء من انبياء أو أولياء (في أضعاف ما أتوا به) بقصر الهمزة أي ما فعلوه (من سوء الأدب) أي كالجبال في مخالفة أمر الرب (وقد قال المحتجّ للفرقة الأولى) أي اعترض المستدلي الموافق للطائفة السابقة القائلة بإثبات المعصية للأنبياء بعد البعثة وأورد (على سياق ما قلناه) ولحاق ما أولناه بطريق السؤال لما ظهر له من الإشكال حيث قال (إذا كان الأنبياء يؤاخذون بهذا) الحال والمنوال (مِمَّا لَا يُؤَاخَذُ بِهِ غَيْرُهُمْ مِنَ السَّهْوِ والنّسيان) في الأقوال والأفعال (وما ذكرته) من حالهم بأنهم يؤاخذون بمثاقيل الذر مما لا يؤاخذ به غيرهم في مقادير الجبال (وحالهم أرفع) جملة حالية أي والحال أنهم أرفع درجة في نفس الأمر (فحالهم إذن) أي حينئذ (في هذا) أي في حق المؤاخذة (أسوأ حالا من غيرهم) حيث يعاملون بالمسامحة والمساهلة وهذا من خسافة العلم ورثاثة الفهم إذ لم يهتد إلى أن الأرفع درجة والأقرب منزلة من ربه لا يسامح بما يسامح البعيد عن مقام قربه كالوزراء والأمراء بالنسبة إلى الملوك إذا كانوا على بساط الانبساط يخالف عليهم أقوى من الرعايا في المفازات البعيدة المشتغلين بأنواع النشاط ومن هنا يعلم معنى قوله تعالى إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ وحديث أنا أخشاكم له واتقاكم إذا عرفت ذلك مجملا،

لمشتغلين بأنواع النشاط ومن هنا يعلم معنى قوله تعالى إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ وحديث أنا أخشاكم له واتقاكم إذا عرفت ذلك مجملا، (فاعلم) ما سنلقي إليك مفصلا (أكرمك الله أنّا لا نثبت) بالتشديد والتخفيف (لك) أي مخاطبا لك ومبينا لأجلك (المؤاخذة) أي مؤاخذتهم (في هذا) الباب (على حدّ مؤاخذة غيرهم) من حلول العقاب وحصول الحجاب الدنيوي أو الأخروي؛ (بل نقول إنّهم) أي الأنبياء ونحوهم من العلماء (يؤاخذون بذلك في الدّنيا ليكون ذلك) مع كونه كفارة لما صدر عنهم هنالك (زيادة) أي لهم كما في نسخة (في درجاتهم) في العقبى (ويبتلون) بضم الياء وفتح اللام على صيغة المجهول أي ويمتحنون (بذلك) أي بمؤاخذة ربهم (ليكون استغفارهم له) وفي أصل الأنطاكي ليكون استشعارهم له أي ليكون وقوع ذلك في قلوبهم (سببا لمنماة رتبهم) بفتح الميم الأولى أي لزيادة مراتبهم ومزية مناقبهم (كما قال) عز من قائل في حق آدم ﵊ (ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى [طَهَ: ١٢٢] ) وقال في حق يونس ﵊ فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ أي الكاملين في الصلاح القائمين بحقوق الله تعالى وحقوق العباد على وجه الفلاح (وقال تعالى لداود) أي في حقه ولأجله (فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ [ص: ٣٥] الآية) أي

لكاملين في الصلاح القائمين بحقوق الله تعالى وحقوق العباد على وجه الفلاح (وقال تعالى لداود) أي في حقه ولأجله (فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ [ص: ٣٥] الآية) أي

وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (وَقَالَ بَعْدَ قَوْلِ مُوسَى تُبْتُ إِلَيْكَ. إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ [الأعراف: ١٤٤] ) أي برسالاتي وبكلامي (وَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ فِتْنَةِ سُلَيْمَانَ وَإِنَابَتِهِ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ [ص: ٣٦] إِلَى وَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٢٥] ) أي إلى قوله وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ وأمثال ذلك مما ورد في هذا الباب (وقال بعض المتكلّمين) من أرباب الإشارات (زلّات الأنبياء في الظّاهر زلّات) أي عثرات تستوجب ملامات (وفي الحقيقة كرامات وزلف) بضم الزاء وفتح اللام أي قربات ومكرمات (وأشار إلى نحو ممّا قدّمناه) من مستحسنات عبارات (وأيضا فلينبّه) من التنبيه بصيغة المجهول أو من الانتباه بصيغة المعلوم (غيرهم من البشر) وهم خواص أمتهم وأولياء ملتهم وعلماء شريعتهم (منهم) أي من جهة أحوالهم (أو ممّن ليس في درجتهم) من أهل النبوة لتفاوت مرتبتهم (بمؤاخذتهم بذلك) أي بمعاتبتهم بما فعلوا هنالك (فيستشعروا الحذر ويعتقدوا المحاسبة) فيما قل وكثر (ليلتزموا الشّكر على النّعم) بأن سلموا من موجب النقم (ويعدّوا) بضم الياء وكسر العين وتشديد الدال أي ويهيئوا (الصّبر على المحن) عند ابتلائهم بالفتن (بملاحظة ما وقع) أي حل (بأهل هذا النّصاب) أي القدر الكامل من النصب ويروى هذا النمط أي الطريق (الرّفيع) في الرتبة (المعصوم) أي المحفوظ من الفتنة والمحنة (فكيف بمن سواهم) ممن يدعي المحبة والمتابعة في طريق المودة،

النصب ويروى هذا النمط أي الطريق (الرّفيع) في الرتبة (المعصوم) أي المحفوظ من الفتنة والمحنة (فكيف بمن سواهم) ممن يدعي المحبة والمتابعة في طريق المودة، (ولهذا قال صالح المرّيّ) بضم الميم وتشديد الراء نسبة إلى قبيلة بني مرة وهو الواعظ الزاهد يروي عن الحسن البصري وعنه يونس المؤدب ويحيى بن يحيى ضعفوه وقال أبو داود لا يكتب حديثه وقال الترمذي له غرائب ينفرد بها ولا يتابع عليها وهو رجل صالح وقد أخرج له الترمذي (ذكر داود) مبتدأ أي ذكر الله تعالى قصة داود خبره (بسطة للتّوّابين) أي تسلية ونشاط وسبب انبساط للمذنبين ليتهيأوا للتوبة ولا ييأسوا من الرحمة (قال ابن عطاء) وهو من العلماء الأجلاء (لم يكن ما نصّ الله تعالى من قصّة صاحب الحوت) وهو يونس ﵇ (نقصا له) في المرتبة (ولكن) كان نصه (استزادة من نبيّنا ﵊ في علو الدرجة (وأيضا فيقال لهم) أي للقائلين بجواز صدور المعصية عن ارباب النبوة بعد البعثة بطريق الالزام في القضية (فإنّكم ومن وافقكم) في هذه العقيدة (تقولون) أي اتقولون (بغفران الصّغائر باجتناب الكبائر) أي بمجرد اجتنابها فيلزم منه غفران الكبائر (ولا خلاف) أي بيننا وبينكم (فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْكَبَائِرِ فَمَا جَوَّزْتُمْ من وقوع الصّغائر عليهم) أي بالفرض والتقدير (هي مغفورة على هذا) التقرير (فما معنى المؤاخذة بها إذا) أي حينئذ (عندكم) مع قولكم إنهم منزهون عن الكبائر (وخوف الأنبياء) أي وما معنى خوف الأنبياء من الصغائر (وتوبتهم منها وهي مغفورة لهم) أي لاجتنابهم الكبائر (لو كانت) أي الصغائر موجودة (فما أجابوا به) لنا (فهو جوابنا عن المؤاخذة بأفعال السّهو والتّأويل) وفيه أن مذهب أهل السنة والجماعة أنه يجوز العقوبة على الصغائر لو اجتنب مرتكبها الكبائر لدخولها تحت قوله تعالى وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ نعم ذهب بعض المعتزلة إلى أنه إذا اجتنب الكبائر لم يجز تعذيبه

بالصغائر لا بمعنى أنه يمتنع عقلا بل بمعنى أنه لا يجوز أن يقع لقيام الأدلة السمعية على أنه لا يقع مستدلا بظاهر قوله تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وأجيب بأن الكبيرة المطلقة هي الكفر لأنه الكامل في المعصية وجمع الاسم بالنظر إلى أنواع الكفر الصادر من اليهود والنصارى والمشركين وإن كان الكل ملة واحدة في حكم الكفر أو إلى أفراده القائمة بأفراد المخاطبين فيكون من قبيل مقابلة الجمع بالجمع فيكون التقدير أن تجتنبوا أنواع الكفر نكفر عنكم سيئاتكم السابقة وأما اللاحقة فهي تحت المشيئة للآية المتقدمة فالخطاب على هذا للكفرة أو المعنى إن تجتنبوا الكبائر نكفر عنكم الصغائر بالحسنات من الطاعات كالصلاة والزكاة وسائر العبادات والله ﷾ أعلم بحقيقة الحالات، (وَقَدْ قِيلَ إِنَّ كَثْرَةَ اسْتِغْفَارِ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم وتوبته) أي بوصف كثرته (وغيره من الأنبياء) إنما كان (على وجه ملازمة الخضوع والعبوديّة) ولوازمها من المسكنة والخشوع (والاعتراف بالتّقصير) في القيام بحق العبودية كما يقتضيه كمال الربوبية وجمال الألوهية (شكرا لله على نعمه) أي من إحسانه وكرمه (كما قال ﵊ وقد أمن) بفتح فكسر وفي نسخة بضم فتشديد ميم مكسور مجهول من باب التفعيل وليس كما قال الأنطاكي الظاهر إنه غلط إذ البناء المجهول من هذا الباب أو من بالميم المخففة وأصله أو من قلبت الهمزة الثانية واوا لسكونها وانضمام ما قبلها هذا مقتضى القواعد التصريفية انتهى نعم هذا مقتضاها لو اريد مجهول أمن من باب الأفعال والله اعلم بالأحوال أي والحال أنه قد اعطى الأمن (من المؤاخذة بما تقدّم وما تأخّر) من ذنبه ومع هذا قام في التهجد لربه حتى تورمت قدماه من طول قيامه مع علو مقامه وقلة منامه مغاتبه بعض أصحابه اتفعل هذا وقد غفر الله لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ فقال في جوابه (أفلا أكون عبدا شكورا) أي كثير الشكر لربي على مغفرة ذنبي وشرح صدري وقلبي (وقال) في حديث آخر في جواب من قال يبيح الله لنبيه ما شاء من الأشياء (إنّي أخشاكم لله) وفي نسخة لأخشاكم الله أي أكثركم خشية

مغفرة ذنبي وشرح صدري وقلبي (وقال) في حديث آخر في جواب من قال يبيح الله لنبيه ما شاء من الأشياء (إنّي أخشاكم لله) وفي نسخة لأخشاكم الله أي أكثركم خشية (وأعلمكم بما أتّقى) أي احذره فأتركه من المعصية والمخالفة ورواه البخاري بلفظ إني لأتقاكم وأخشاكم له وفي رواية أن أخشاكم واتقاكم لله أنا (قال الحارث بن أسد) وفي نسخة سويد والأول هو المعول وهو المحاسبي العارف الزاهد المعروف البصري الأصل صاحب التأليف منها كتاب الرعاية ومنها النصائح ومن جملة كلامه أنه لا يعمل بما فيه خلاف الأولى والمحاسبي بضم الميم نسبة إلى محاسبة نفسه كما في النووي روى عن زيد بن هارون وغيره وعنه ابن مسروق ونحوه وهو ممن اجتمع له علم الظاهر والباطن والشريعة والطريقة والحقيقة ورث من أبيه سبعين ألف درهم فلم يأخذ منها شيئا لأقل ولأجل لأن أباه كان يقول بالقدر فرأى من الورع أن لا يأخذ من ميراثه ومات وهو محتاج إلى درهم واحد وكان إذا مد يده إلى طعام فيه شبهة تحرك على أصبعه عرق فكان يمنع منه وفي هذا من مناقبه توفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين (خَوْفُ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ خَوْفُ إِعْظَامٍ وَتَعَبُّدٍ لِلَّهِ) على وجه إجلال واكرام (لأنّهم آمنون) من

ه توفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين (خَوْفُ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ خَوْفُ إِعْظَامٍ وَتَعَبُّدٍ لِلَّهِ) على وجه إجلال واكرام (لأنّهم آمنون) من

وقوع إيلام. (وقيل فعلوا) أي الأنبياء (ذلك) أي إظهار التوبة والاستغفار هنالك (ليقتدى بهم) غيرهم (وتستنّ بهم) أي يتابعهم (أممهم كما قال ﵊ لو تعلمون ما أعلم) أي من الأهوال وشدائد الأحوال (لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا) رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أنس ورواه الحاكم في مستدركه عن أبي ذر وزاد ولما ساغ لكم الطعام والشراب ورواه الطبراني والحاكم والبيهقي عن أبي الدرداء وزاد ولخرجتم إلى الصعدات بضمتين أي الطرقات تجأرون إلى الله تعالى لا تدرون تنجون أو لا تنجون (وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ مَعْنًى آخَرَ لطيفا) ومبنى شريفا (أَشَارَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ اسْتِدْعَاءُ مَحَبَّةِ الله) باستقصاء الغيبة عما سواه (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) أي الذين يرجعون إلى الله بتوبتهم عن رؤية حولهم وقوتهم أي عن ملاحظة طاعاتهم وعباداتهم (وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: ٢٢٢] ) عن وجودهم وشهودهم وعن جودهم (فإحداث الرّسل والأنبياء) أي إيجادهم وإظهارهم (الاستغفار) وفي نسخة الاستغفار أي طلب المغفرة عل وجه الافتقار وطريق الانكسار (والتّوبّة) عن الغفلة (والإنابة) أي الرجوع من المباح إلى الطاعة (والأوبة) أي الانتقال من حال إلى حال لطلب الكمال (في كلّ حين) من زمان الاستقبال (استدعاء) أي استجلاب (لمحبّة الله) بالرجوع إلى ما يحبه ويرضاه (والاستغفار فيه معنى التّوبة) كما أن فيها معنى الاستغفار فهما متلازمان في مقام الاعتبار والحاصل أنه لا يلزم من الاستغفار والتوبة مباشرة الذنب والمعصية،

الاستغفار فيه معنى التّوبة) كما أن فيها معنى الاستغفار فهما متلازمان في مقام الاعتبار والحاصل أنه لا يلزم من الاستغفار والتوبة مباشرة الذنب والمعصية، (وقد قال الله لنبّيه) النبيه (بَعْدَ أَنْ غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذنبه وما تأخّر) إن كان هنالك ذنب حقيقي يتصور (لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ [التوبة: ١١٧] الآية) أي الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا الآية والمعنى أنه سبحانه وفقهم للتوبة أو قبل توبتهم أو ثبتهم على التوبة وذكر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تحسين للتوبة وتزيين للقضية وكذا ذكر المهاجرين والأنصار جبر لخواطر أرباب الانكسار من الثلاثة الذين خلفوا وأظهروا التوبة والاستغفار (وقال) أي لله ﷾ (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ) أي اجمع في دعائه بين التسبيح والحمد في ثنائه المشعر بنفي الصفات السلبية وبإثبات النعوت الثبوتية (وَاسْتَغْفِرْهُ) أي اطلب منه المغفرة في المجاوزة عما يصدر منك من الغفلة أو التقصير والفترة (إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [النصر: ٣] ) أي كثير الرجوع عليك بالرحمة صلى الله تعالى عليه وسلم كثيرا يقول سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم وبحمده استغفر الله وأتوب إليه وكان نزول هذه الآية الشريفة بعد فتح مكة المنيفة وفيه إيماء إلى الارتحال بعد تحصيل الكمال والانتقال إلى ما كان له من الحال فالعود أحمد والنهاية هي الرجوع إلى البداية فقد روت عائشة رضي الله تعالى عنها أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان قبل موته يكثر أن يقول سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك وأتوب إليك وكان آخر كلامه اللهم الرفيق الأعلى وقد بلغه الله تعالى المقام الأعلى والله تعالى أعلم.

فصل [قد استبان لك أيها الناظر بما قررناه ما هو الحق من عصمته ﵇] (قد استبان) أي ظهر وتبين (لك أيّها النّاظر) أي المتأمل (بما قرّرناه) من الكلام وحررناه من المرام (ما هو الحقّ من عصمته ﵊ وكذا عصمة سائر الأنبياء ﵈ وكان الأطهر أن يقول من عصمتهم ﵈ (عن الجهل بالله تعالى) أي بذاته (وصفاته) وأفعاله ومصنوعاته (وكونه) وفي نسخة أو كونه أي كون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بخصوصه أي بجنسه (عَلَى حَالَةِ تُنَافِي الْعِلْمَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) أي مما ذكر من الذات والصفات (كلّه) جميعه (جملة) أي إجمالا لا تفصيلا إذ يحيط به أحد علما وهذه العصمة ثابتة له (بعد النّبوة عقلا وإجماعا وقبلها سماعا ونقلا) كان الأولى بحسب السجع نقلا وسماعا ومؤداهما واحد والمراد بالسماع ما ثبت بالسنة وبالنقل ما نقل عن الأئمة وذلك كحديث الصحيحين ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جدعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة رضي الله تعالى عنه اقرؤوا إن شئتم فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وحديث كل عبادي خلقت حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم فأمروهم أن يشركوا بي غيري ومن المعلوم استثناء الأنبياء إذ لم يجعل للشيطان عليهم سبيلا في الاغواء قال تعالى إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وقوله (فاجتالتهم) بالجيم أي استخفتهم فجالوا معه في ميدان الضلالة يهيمون وروي بالحاء أي نقلتهم من حال إلى حال فهم في طغيانهم يعمهون (ولا بشيء) أي ولا على حالة تنافي العلم بشيء (ممّا قرّرناه) أي النبي (من أمور الشّرع وأدّاه عن ربّه ﷿ من الوحي) أي الجلي أو الخفي من الكتاب والسنة (قطعا) أي بلا شبهة (وعقلا وشرعا) أي من الجهتين (وعصمته) أي ومن عصمة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (عن الكذب) في القول مطلقا (وخلف القول) في الإخبار (منذ نبّأه الله تعالى) أي من ابتداء ما أظهر نبوته خصوصا (وأرسله) إلى أمته (قصدا أو غير قصد) أي لا عن عمد ولا عن خطأ (واستحالة ذلك) أي ومن استحالة ما ذكر من الكذب والخلف

لى) أي من ابتداء ما أظهر نبوته خصوصا (وأرسله) إلى أمته (قصدا أو غير قصد) أي لا عن عمد ولا عن خطأ (واستحالة ذلك) أي ومن استحالة ما ذكر من الكذب والخلف (عليه شرعا) أي سمعا (وإجماعا ونظرا) أي عقلا (وبرهانا) أي بيانا ظاهرا (وتنزيهه عنه) أي عن الكذب (قبل النّبوّة قطعا) لئلا تقع الأمة في الشبهة بعدها أصلا (وتنزيهه عنه الكبائر إجماعا) من غير التفات لمن خالف فيه سمعا أو عقلا (وعن الصّغائر تحقيقا) لحملها على خلاف الأولى تدقيقا (وعن استدامة السّهو والغفلة) توفيقا وقد قيل: يا سائلي عن رسول الله كيف سها ... والسهو من كل قلب غافل لاه قد غاب عن كل شيء سره فسها ... عما سوى الله في التعظيم لله (وَاسْتِمْرَارِ الْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ عَلَيْهِ فِيمَا شَرَعَهُ لِلْأُمَّةِ) من الأحكام واجبا ومندوبا وحراما ومكروها وخلاف الأولى ومباحا (وعصمته) أي ومن عصمته (فِي كُلِّ حَالَاتِهِ مِنْ رِضًى

وغضب وجدّ) بكسر الجيم ضد الهزل والمراد به هنا العزم والحزم (ومزح) فإنه كما قال أمزح ولا أقول إلا حقا فإذا كان مزحه حقا فكيف لا يكون جده صدقا (فيجب عليك) يروى مما يجب لك (أن تتلقّاه) أي تأخذ وتنول وتقبل ما صدر من مشكاة صدره في أي حالة كانت من أمره (باليمين) أي بالقوة أو بالبركة وقيل باليد اليمين لأن اليمين تمد إلى كل حسن مرغوب ويتناول بها كل عزيز مطلوب (وتشدّ عليه يد الضّنين) بالضاد المعجمة أي البخيل الممسك للشيء الثمين وهذا نظير ما يقال عضوا عليه بالنواجذ (وتقدر) بكسر الدال وضمها أي تعرف (هذه الفصول حقّ قدرها) أي حق معرفتها أو تعظمها حق عظمتها كما قيل بالمعنيين في قوله تعالى وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ (وتعلم عظيم فائدتها وخطرها) بفتحتين وحكي سكون ثانيهما أي منزلتها وقدرها وعائدتها (فَإِنَّ مَنْ يَجْهَلُ مَا يَجِبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم أو يجوز أو يستحيل عليه) أي يمتنع عقلا أو نقلا (ولا يعرف صور أحكامه) أي فرضا ونفلا (لا يأمن) ويروى لا يؤمن أي عليه من (أن يعتقد في بعضها) أي المذكورات (خلاف ما هي عليه) من الصواب في القضيات المشهورات (ولا ينزّهه) أي النبي (عمّا لا يجب) ويروى عما

وى لا يؤمن أي عليه من (أن يعتقد في بعضها) أي المذكورات (خلاف ما هي عليه) من الصواب في القضيات المشهورات (ولا ينزّهه) أي النبي (عمّا لا يجب) ويروى عما لا يجوز أي لا ينبغي (أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ فَيَهْلِكَ مِنْ حَيْثُ لَا يدري) ما يترتب عليه (ويسقط في هوّة الدّرك) بضم الهاء وتشديد الواو الوهدة العميقة والدرك بفتح الراء وسكونها ضد الدرج (الأسفل من النّار) أي منازلها وفيه إشعار إلى أن من لم يكن في زيادة فهو في نقصان ومن لم يكن في اعتلاء فهو في ارتداء إذ لا توقف للإنسان في مرتبة استواء ومنه قول أبي الفضل التورزي: ونزولهموا وطلوعهموا فإلى درك وعلى درج فالأبرار لهم درجات والفجار لهم دركات (إذ ظنّ الباطل به) أي بالنبي ﵊ (واعتقاد ما لا يجوز عليه يحلّ) بفتح الياء وضم الحاء ويكسر وبتشديد اللام أي ينزل (بصاحبه) فيدخل (دار البوار) أي الهلاك والخسار (ولهذا) المعنى (ما) أي الأمر الذي وقيل ما زائدة (احتاط النبي صلى الله تعالى عليه وسلم) أي اخذ بالحزم والثقة من جهة الشفقة (على الرّجلين) أي من الأنصار كما في البخاري وغيره قيل هما أسيد بن حضير وعباد بن بشر (اللَّذَيْنِ رَأَيَاهُ لَيْلًا وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ) جملة معترضة (مع صفيّة) متعلق برأياه (فقال لهما إنّها صفيّة) أي إحدى أمهات المؤمنين وقد جاءت تزوره في اعتكافه في العشر الأواخر من رمضان فتحدثت معه ساعة ثم قام معها لينقلها إلى بيتها حتى إذا بلغت باب المسجد فمرا به فأبصراه فسلما على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأسرعا في المشي إما لحيائهما من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وإما لئلا يستحيي النبي ﵊ منهما فقال لهما على رسلكما أي اثبتا على مشيكما ولا تسرعا في سيركما أنها صفية فقالا سبحان الله تعجبا من قوله ذلك لهما إذا لا يظن مسلم به ﵊ ما لا يليق به

من قبح المقام، (ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابن آدم مجرى الدّم) بنفوذه في المنافذ الضيقة للوساوس الخفية وفي النهاية المراد من قوله يجري مجرى الدم أنه يتسلط عليه وتسري وساوسه في العروق مجرى الدم لا أن يدخل جوفه (وإنّي خشيت أن يقذف) أي يلقي ويرمي (في قلوبكما شيئا) وفي رواية شرا (فتهلكا) قال الخطابي خشي صلى الله تعالى عليه وسلم عليهما الكفر لو ظنا تهمة برؤيته معه امرأة أجنبية فبادر إلى اعلامهما بمكانها نصيحة لهما في حق الدين قبل أن يقعا في امر يهلكان به انتهى وفي هذا إيماء إلى عصمة الأنبياء ﵈ من مقارفة السوء والفخشاء. (هذه) أي الفائدة الجلية وهي ما ذكر من احتياطه ﵊ للرجلين في هذه القضية (أكرمك الله) تعالى جملة معترضة بين المبتدأ والخبر وهو (إِحْدَى فَوَائِدِ مَا تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الفصول) السالفة من تعظيم ارباب النبوة وأصحاب الرسالة تحذيرا من أن يعتقد بهم ما لا يليق بكريم مناقبهم لأجل جهالته بعصمتهم وغفلته عما يجب لهم ويجوز ويمتنع من حالتهم (ولعلّ جاهلا) أي عن مراتب العلم غافلا (لا يعلم بجهله) أي يجهل كونه جاهلا ويسمى جهلا مركبا (إذا سمع شيئا منها) أي من تنزيهات الأنبياء ﵈ ويروى من هذا أي مما ذكر (يرى) أي يظن (أنّ الكلام فيها) ويروى فيه (جملة) أي بجملتها أو مجملة (من فضول العلم) أي زوائده وهو خبر أن (وأنّ) ويروى أو أن (السّكوت أولى) من التعرض لذكره (وقد استبان لك أنّه) أي الكلام في عصمتهم ﵈ (متعيّن) أي واجب معرفته على أهل الإسلام (للفائدة الّتي ذكرناها) مع فوائد أخر في هذا المقام كما بينه بقوله (وفائدة ثانية يضطرّ) بصيغة المجهول أي يحتاج (إِلَيْهَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَيُبْتَنَى عَلَيْهَا مَسَائِلُ) متفرعة عنها (لا تنعدّ) لكثرتها وهي لغة رديئة في لا تعد ذكرها الدلجي وفي حاشية التلمساني لا تبعد من البعد ومعناه قريبة تبنى عليها المسائل (من الفقه) وروى لا تتعدد تفعل من العدد ومعناه مسائل كثيرة لا يحصرها العد ومن الفقه على الاول معمول لا تنعد وهو الأظهر أو مسائل ولا تنعد صفة وعلى الثاني عامله هو المسائل فقط ولا يصح تتعدد لفساد المعنى

ل كثيرة لا يحصرها العد ومن الفقه على الاول معمول لا تنعد وهو الأظهر أو مسائل ولا تنعد صفة وعلى الثاني عامله هو المسائل فقط ولا يصح تتعدد لفساد المعنى (ويتخلّص) بصيغة المجهول أي ويحصل الخلاص (بها من تشغيب مختلفي الفقهاء) أي تهييجهم الشر والفتنة والخصوصة (في عدّة منها) أي من المسائل (وهي) أي الفائدة المضطر إليها في أصول الفقه وغيره (الحكم في أقوال النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي جنسه أو خصوصه (وَأَفْعَالِهِ وَهُوَ بَابٌ عَظِيمٌ وَأَصْلٌ كَبِيرٌ مِنْ أصول الفقه) لابتناء كثير من أحكام الشريعة عليها وتفرعها عنها (ولا بدّ من بنائه) أي الأصل الكبير (على صدق النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في أخباره) بكسر الهمزة أو فتحها (وبلاغه) أي تبليغه وهذا تخصيص بعد تعميم (وأنّه لا يجوز عليه السّهو فيه) أي في إبلاغ ما أمر تبليغه (وعصمته من المخالفة في أفعاله عمدا) احتراز من وقوعها سهوا (وبحسب اختلافهم) بفتح السين وأبعد الحلبي فقال هنا بإسكانها (في وقوع الصّغائر) من جواز صدورها وعدمه من الأنبياء (وقع خلاف) وفي نسخة اختلاف (في امتثال الفعل) أي بمجرد صدوره

السين وأبعد الحلبي فقال هنا بإسكانها (في وقوع الصّغائر) من جواز صدورها وعدمه من الأنبياء (وقع خلاف) وفي نسخة اختلاف (في امتثال الفعل) أي بمجرد صدوره

منهم والحق المصير إلى امتثال أفعالهم واتباع سيرهم وآثارهم مطلقا بلا قرينة على ما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك وأكثر أصحاب الشافعي (بسط بيانه) بصيغة المصدر وفي نسخة وبسط وهو يحتمل أن يكون مصدرا وأن يكون فعلا مجهولا أي وشرح بيان امتثال الفعل (في كتب ذلك العلم) أي علم الأصول في الدين المذكور فيه اختلافهم في وقوع الصغائر منهم أو علم أصول الفقه المذكور فيه اختلافهم في امتثال أفعالهم المقصودة دون أفعالهم بمقتضى العادة (فلا نطوّل) أي الكلام (فيه) وفي نسخة أي لا نطول الكتاب بذكره اكتفاء بما هنالك من استيفاء ذلك (وفائدة ثالثة يحتاج إليها الحاكم) قاضيا كان أو غيره (والمفتي) أي مجيب السائل عن مسألته الحادثة (فيمن أضاف) أي نسب (إلى النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ وَوَصَفَهُ بها) أي مما يجب له أو يجوز أو يمتنع مما سيأتي تفصيلها (فمن لم يعرف ما يجوز) أي له فعله (وما يمتنع عليه) أي وقوعه منه (وما وقع الإجماع فيه والخلاف) أي ولم يعرف موضع الاتفاق ومحل الاختلاف (كيف) أي على أي حال (يصمّم) أي يتمادى عليه ويجزم به ويعزم (في الفتيا) بضم الفاء وأما الفتوى فبفتحها وقد يضم وكلاهما اسم للافتاء (في ذلك) أي الذي يجب له أو يجوز أو يمتنع عليه إذا رفع السؤال إليه (ومن أين يدري هل ما قاله) أي الحاكم أو المفتي (فيه) أي في حقه ﵊ (نقص) أي طعن (أو مدح) حتى يقدم على حكمه ليعمل به وإذا لم يعلم وأقدم (فإمّا أنّ يجترىء) أي يهجم (على سفك دم مسلم حرام) أي اراقته من غير استحقاقه (أو يسقط حقّا) أي أمرا ثابتا (ويضيّع حرمة للنّبيّ) وفي نسخة حرمة النبي (صلى الله تعالى عليه وسلم) فيهلك من حيث لا يعلم والثاني أقبح من الأول لأنه موجب كفر له ولغيره فتأمل (ولسبيل هذا) أي ما ذكر من الكلام في عصمة الأنبياء ﵈ (ما) ظائدة أو موصولة (قد اختلف أرباب الأصول) أي أصول الدين (وأئمة العلماء) من المجتهدين (والمحقّقين) من المفسرين والمحدثين (في عصمة

ي عصمة الأنبياء ﵈ (ما) ظائدة أو موصولة (قد اختلف أرباب الأصول) أي أصول الدين (وأئمة العلماء) من المجتهدين (والمحقّقين) من المفسرين والمحدثين (في عصمة الملائكة) المقربين والمعتمد أنهم كالأنبياء والمرسلين في تنزيههم عن المخالفة في أمر الدين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

فصل (في القول في عصمة الملائكة) جمع ملك أصله ملأك حذفت همزته بعد نقل حركتها لكثرة الاستعمال وقيل أصله مألك من الألوكة وهي الرسالة فأخرت ثم جمع وقد تحذف الهاء فيقال ملائك (أجمع المسلمون على أنّ الملائكة مؤمنون) كاملون (فضلاء) بضم ففتح أي فاضلون في قدرهم عند ربهم (واتّفق أئمّة المسلمين) من علماء الأمة وعظماء الملة (على أن حكم المرسلين منهم) أي من الملائكة المقربين إلى الأنبياء والمرسلين (حكم النّبيّين سواء) أي مستوين (في العصمة) وتعظيم الحرمة (ممّا ذكرنا عصمتهم) أي النبيين (منه) أي من السهو في القول والتبليغ في الفعل (وأنّهم) أي رسل الملائكة (في حقوق الأنبياء والتّبليغ

إليهم) ما أمرهم الله تعالى به من الأنباء (كالأنبياء مع الأمم) في هذه الأشياء (واختلفوا) أي العلماء (في غير المرسلين منهم) أمعصومون هم كمرسليهم أم لا (فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى عِصْمَةِ جَمِيعِهِمْ عَنِ الْمَعَاصِي واحتجّوا) أي استدلوا وهم الأئمة وفي نسخة واحتجت أي الطائفة والفرقة في عصمتهم من جميع المعصية (بِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ) أي فيما أمرهم به فيما مضى (وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [التحريم: ٦] ) فيما يستقبل أو لا يمتنعون عن قبول الأوامر والتزامها ويؤدون ما يؤمرون ولا يتثاقلون عن القيام به (وبقوله وَما مِنَّا) أي معشر الملائكة أحد (إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) لعبادته لا يتجاوز إلى غير حالته (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ) أقدامنا في الصلاة أو الحافون حول العرش وافقون (وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ [الصافات: ١٦٤- ١٦٦] ) أي المنزهون لله عما يشركون وبقوله: وَمَنْ عِنْدَهُ) أي عندية مكانة ومنزلة وهو مبتدأ خبره (لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ) تعظما (وَلا يَسْتَحْسِرُونَ) أي لا يعيون ولا يتعبون ولا ينقطعون تفاقما (الآية) أي يسبحون الليل والنهار لا يفترون كما في نسخة أي لا ينقطعون ولا يملون (وبقوله: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ أي مقربون (لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ [الأعراف: ٢٠٦] ) بل يفتخرون بطاعته (الآية) أي ويسبحونه وله يسجدون حقيقة أو ينقادون لحكمه ويتذللون بالخضوع والخشوع لأمره، (وبقوله) ﵎ في وصفهم (كِرامٍ) أي مكرمين على الله (بَرَرَةٍ [عبس: ١٦] ) أي اتقياء مطيعين في مقام رضاه (لا يَمَسُّهُ) أي اللوح المحفوظ أو القرآن المحفوظ (إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٩] ) أي الملائكة المتطهرون من أدناس الذنوب وأجناس العيوب (ونحوه) أي وبأمثال ما ذكر (من السّمعيّات) من الكتاب والسنة، (وذهبت طائفة) من العلماء (إلى أنّ هذا) أي ما ذكر من قضية العصمة وعدم المخالفة (خصوص للمرسلين والمقرّبين منهم) أي من الملائكة،

يّات) من الكتاب والسنة، (وذهبت طائفة) من العلماء (إلى أنّ هذا) أي ما ذكر من قضية العصمة وعدم المخالفة (خصوص للمرسلين والمقرّبين منهم) أي من الملائكة، (واحتجّوا بأشياء ذكرها أهل الأخبار والتّفاسير) المعتمدة على ما نقله فيها عن الرهبان والأحبار (نحن نذكرها إن شاء الله بعد) أي بعد ذلك (ونبيّن الوجه) أي إلا وجه (فيها) هنالك (إن شاء الله تعالى) أي أراده وقضاه وما أحسن ما قاله الشافعي رحمه الله تعالى: فما شئت كان وإن لم أشأ ... وما لم تشأ أن اشأ لم يكن وهو مضمون كلام اتفق عليه السلف والخلف مما ثبت في الحديث ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن (والصّواب عصمة جميعهم) أي الملائكة من جنس المعصية (وتنزيه نصابهم) أي تبرئة ساحة منصبهم وقدرهم (الرّفيع) عند ربهم (عن جميع ما يحطّ من رتبتهم) ويروى من رتبهم (ومنزلتهم عن جليل مقدارهم) وجميل درجتهم (ورأيت بعض شيوخنا أشار بأن) وفي نسخة مال إلى أن أي أنه يعني الشأن (لا حاجة بالفقيه) أي له (إلى الكلام في عصمتهم) بل يجوز له السكوت عن تفصيل حالتهم ومرتبتهم، (وأنا أقول إنّ للكلام في ذلك) المرام من كثرة الفوائد (ما للكلام) وفي نسخة كالكلام (فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْفَوَائِدِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا) فيما

قول إنّ للكلام في ذلك) المرام من كثرة الفوائد (ما للكلام) وفي نسخة كالكلام (فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْفَوَائِدِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا) فيما

تقدم من الفصول المشتملة على أنواع من الفوائد (سوى فائدة الكلام في الأقوال والأفعال) لعدم اطلاعنا على ما يصدر عنهم من قول وقيل مفصلا وإنما نعرف أحوالهم مجملا مع أنا لسنا مكلفين باتباعهم فيها فلا داعي إلى إثبات عصمتهم فيها من طرق ما لا يليق بهم فيها حمدا أو سهوا (فهي) أي فائدة الكلام في أقوالهم وأفعالهم (ساقطة ههنا) أي غير مذكورة في بيان عصمتهم لعدم احتياجنا إليها فإذا عرفت هذا، (فَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ مَنْ لَمْ يُوجِبْ عِصْمَةَ جميعهم) أي جميع أفراد الملائكة بل يوجب عصمة جنسهم الصادق على بعضهم (قصّة هاروت وماروت) وهما ملكان نزلا ببابل قرية بالعراق اسمان اعجميان بدلالة منع صرفهما للعلمية والعجمة (وما ذكر) عطف على قصة أي وما ذكره (فيها) أي في قصتهما (أهل الأخبار ونقلة المفسّرين) عن الأحبار من أن الملائكة عيرت بني آدم بعصيانهم الله تعالى كما رواه البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر يا رب هؤلاء ما أقل معرفتهم بعظمتك فقال لو كنتم في مسلاخهم لعصيتموني قالوا كيف يكون هذا ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال فاختاروا منكم ملكين فاختاروهما فأهبطا إلى الأرض وركبت فيهما شهوات بني آدم ومثلت لهما امرأة فما عصما حتى واقعا المعصية فقال الله تعالى لهما اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا (وما روي) أي عن إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد وغيرهما (عن عليّ) كرم الله تعالى وجهه (وابن عبّاس) رضي الله تعالى عنهما (في خبرهما) أي هاروت وماروت فعن علي رضي الله تعالى أن هذه الزهرة يسميها العجم ناهيذ وكان الملكان يحكمان بين الناس فأتتهما امرأة فأرادها كل منهما مخفيا من الآخر فقال أحدهما يا أخي أريد أن أذكر لك ما في نفسي فقال اذكره لعله ما في نفسي فاتفقا فقالت لا أمكنكما أو تخبراني أي حتى تعلماني بما تصعدان به إلى السماء وتهبطان به فقالا باسم الله الاعظم قالت علمانية فعلماها إياه فتكلمت به فطارت إلى السماء فمسخها الله تعالى كوكبا وروى ابن أبي حاتم

تصعدان به إلى السماء وتهبطان به فقالا باسم الله الاعظم قالت علمانية فعلماها إياه فتكلمت به فطارت إلى السماء فمسخها الله تعالى كوكبا وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن ملائكة سماء الدنيا قالوا يا ربنا أهل الأرض يعصونك فقيل لهم اختاروا منكم ثلاثة يحكمون في الأرض وجعل فيهم شهوة بني آدم وأمروا أن لا يقترفوا ذنبا فاستقال منهم واحد فأقبل فهبط اثنان فأتتهما امرأة من أحسن النساء فهوياها فأتيا منزلها وأراداها فأبت حتى يشربا خمرها ويقتلا ابن جارها ويسجدا لوثنها فأبيا إلا أن يشربا فشربا ثم قتلا ثم سجدا وقالت أخبراني بالكلمة التي إذا قلتماها طرتما إلى السماء فأخبراها فطارت فمسخت حمرة وهي الزهرة فأرسل إليهما سليمان بن داود وقيل ادريس فخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا فهما مناطان بين السماء والأرض قيل معلقان بشعورهما وقيل جعل في جب ملئت نارا منكوسان يضربان بسياط الحديد (وابتلائهما) أي ما روي من اختبارهما بما ذكر وبالسحر فتنة للناس أي امتحانا لهم فمن تعلمه وعمل به معتقدا حله كفر ومن تجنبه أو تعلمه ليتوقي شره لم يكفر، (فَاعْلَمْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ أَنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ لَمْ يُرْوَ مِنْهَا شَيْءٌ لَا سَقِيمٌ وَلَا صَحِيحٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسلم) أي وإنما رويت عن

علماء اليهود والنصارى ممن لا يصدق ولا يكذب في اخبارهم ولا يعتمد على آثارهم لكن يشكل هذا بما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده فقال حدثنا يحيى بن أبي بكير وقال عبد ابن حميد في مسنده حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثني ابن أبي بكير حدثنا زهير بن محمد عن موسى بن جبير عن نافع مولى عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر أنه سمع نبي الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول إن آدم ﵇ لما أهبطه الله ﵎ إلى الأرض قالت الملائكة أي رب أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ قالوا ربنا نحن أطوع لك من بني آدم قال تعالى للملائكة هلموا ملكين من الملائكة حتى يهبط بهما إلى الأرض لينظره كيف يعملان قالوا ربنا هاروت وماروت فاهبطا إلى الأرض ومثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر فجاآها فسألاها نفسها فقالت لا والله حتى تكلما بهذه الكلمة من الاشراك فقالا لا والله لا نشرك به أبدا فذهبت عنهما ثم رجعت بصبي تحمله فسألاها نفسها فقالت لا والله حتى تقتلا هذا الصبي فقالا لا والله لا نقتله أبدا فذهبت ثم رجعت بقدح خمر تحمله فسألاها نفسها فقالت لا والله حتى تشربا هذه الخمر فشربا فسكرا فوقعا عليها وقتلا الصبي وتكلما بكلمة الإشراك فلما افاقا قالت المرأة والله ما تركتما شيئا مما ابيتماه علي إلا وقد فعلتماه حتى سكرتما فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا انتهى ويحيى بن أبي بكير شيخ أحمد ثقة أخرج له الأئمة الستة وزهير بن أحمد أخرج له أيضا أصحاب الكتب الستة ووثقه أحمد وروى الميموني عن أحمد مقارب الحديث وروى المروزي عن أحمد ما به بأس وروى البخاري عن أحمد قال كان زهير الذي روى عنه أهل الشام زهيرا آخر وروى الأشرم عن أحمد قال للشاميين عن زهير مناكير وقال الترمذي في العلل سألت البخاري عن حديث زهير هذا فقال أنا أتقي هذا الشيخ كان حديثه موضوع وليس هذا عندي بزهير بن محمد قال وكان أحمد بن حنبل يضعف هذا الشيخ ويقول هذا الشيخ ينبغي أن يكونوا قلبوا اسمه قال الحلبي وله ترجمة في الميزان وقد ذكر فيها مناكير ولم يذكر

بن محمد قال وكان أحمد بن حنبل يضعف هذا الشيخ ويقول هذا الشيخ ينبغي أن يكونوا قلبوا اسمه قال الحلبي وله ترجمة في الميزان وقد ذكر فيها مناكير ولم يذكر هذا منها وأما موسى بن جبير فقد أخرج له أبو داود وابن ماجه وذكره أبو حيان في الثقات وأما نافع فلا يسأل عنه فيحتاج هذا الحديث إلى جواب على وجه صواب قال الحلبي وقد رأيت الحديث في مستدرك الحاكم في تفسير سورة الشورى من طريق ابن عباس وقال في آخره صحيح ولم يتعقبه الذهبي في تلخيصه للمستدرك هذا وذكر في الميزان في ترجمة سنيد بن داود اسمه الحسين أنه حافظ له تفسير وله ما ينكر ثم ساق بسند إلى سنيد حدثنا فرج بن فضالة عن معاوية بن صالح عن نافع قال سرت مع ابن عمر فقال طلعت الحمراء قلت لاثم قال قد طلعت قلت لا قال لأمر حبابها ولا أهلا قلت سبحان الله نجم ساطع مطيع قال ما قلت إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن الملائكة قالت يا رب كيف صبرك على بني آدم قال اني قد ابتليتهم وعافيتهم قالوا لو كنا مكانهم ما عصيناك قال فاختاروا ملكين منكم فاختاروا

هاروت وماروت فنزلا فألقى عليهما الشهوة فجاءت امرأة يقال لها الزهرة الحديث بطوله ثم قال روى عنه أبو زرعة والأشرم وجماعة وضعفه أبو حاتم وقال أبو داود لم يكن بذلك وقال النسائي الحسين سنيد بن داود ليس بثقة ثم أخرج الذهبي وفاته انتهى ولا يخفى أن الحديث كما تراه مرفوعا وموقوفا له أصل ثابت في الجملة لتعدد طرقه واختلاف سنده في مسند أحمد وصحيح ابن حبان وتفسير ابن جرير وشعب البيهقي ومسند عبد بن حميد والعقوبات لابن أبي الدنيا وغيرهم مطولا ومن رواية أبي الدرداء في ذم الدنيا لابن أبي الدنيا وموقوفا عن علي وابن عباس كما مر وعن ابن عمر وابن مسعود بأسانيد صحيحة وقد قيل لهذه القصة طرق تفيد العلم لصحتها فالجواب الصواب إن الكلام في عصمة الملائكة الكرام وهذان قد خرجا عن صفة الملائكة بإلقاء نعت البشرية من الشهوة النفسية عليهما ابتلاء لهما في القضية والتحقيق والله ولي التوفيق أن الملائكة خلقوا للطاعة كما أن الشياطين خلقوا للمعصية وكل من الطائفتين جبلوا بما لهم من القابلية وأما الأفراد الإنسانية فمعجون مركب من

ه ولي التوفيق أن الملائكة خلقوا للطاعة كما أن الشياطين خلقوا للمعصية وكل من الطائفتين جبلوا بما لهم من القابلية وأما الأفراد الإنسانية فمعجون مركب من الصفات الملكية والنعوت الشيطانية مرتب بين المراتب العلوية والمناقب السفلية فمن مال إلى أطوار الملائكة ترقى عنهم ومن مال إلى انشاز الشياطين تنزل عنهم فالإنسان كالبرزخ بين البحرين شارب من النهرين جامع بين نعوت الجلال وصفات الجمال وقابل لقبول ما لله من صفات الكمال فقد ورد لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم إيماء إلى نعت الغفور والغفار والحليم والستار ومن هنا يتبين أن الأنبياء يتصور منهم المعصية في الجملة بخلاف الملائكة مع أن المعتمد في المعتقدان رسل البشر أفضل من رسل الملائكة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ولعل العلة أنهم مع كون الشهوة فيهم مركبة وقعت أحوالهم مرتبة في رفعة منزلة وعلو مرتبة (وليس هو) أي ما نقل من الأخبار (شيئا يؤخذ بقياس) أي من الآثار في مقام الاعتبار (والّذي منه) أي من خبر قصتهما (في القرآن) أي في سورة البقرة (اختلف المفسّرون في معناه) فكل ذهب إلى ما اطلع عليه نقلا من جهة مبناه، (وأنكر ما قال بعضهم فيه) أي في معناه (كثير من السّلف كما سنذكره) فيما سيأتي فلا نطول هنا بذكره،

في معناه) فكل ذهب إلى ما اطلع عليه نقلا من جهة مبناه، (وأنكر ما قال بعضهم فيه) أي في معناه (كثير من السّلف كما سنذكره) فيما سيأتي فلا نطول هنا بذكره، (وهذه الأخبار) التي أوردها المفسرون فيه (من كتب اليهود وافترائهم) على انبياء الله وملائكته من أرباب الشهود (كما نصّه الله تعالى) أي صرحه (أوّل الآيات) أي في أولها (من افترائهم) أي كذب اليهود (بذلك على سليمان وتكفيرهم إيّاه) في قوله واتبعوا أي اليهود ما تتلوا الشياطين أي كتب السحر والشعوذة التي كانت تقرؤها على ملك سليمان أي في زمن ملكه وعهده وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يخلطون بما سمعوا أكاذيب كثيرة ويلقونها إلى الكهنة وقد دونوها في الكتب يقرؤونها ويعلمونها الناس وفشا ذلك في زمنه حتى قالوا إن الجن تعلم الغيب وكانوا يقولون هذا علم سليمان وما تم له ملكه إلا به وما سخر له الجن والإنس والطير والريح إلا به وما كفر سليمان شهادة من الله وتكذيبا لليهود ودفعا لما بهتت به سليمان من اعتقاد السحر والعمل به ولكن الشياطين كفروا باستعمالهم

السحر وتدوينهم يعلمون الناس السحر يقصدون به إغواءهم وإضلالهم؛ (وقد انطوت القصّة) أي احتوت واشتملت قصة هاروت وماروت (على شنع) بضم المعجمة وفتح النون أي قبائح (عظيمة وها) للتنبيه (نحن نخبّر) بضم نون وفتح مهملة وكسر موحدة مشددة أي نحسن (في ذلك) القول من العبارات (ما يكشف غطاء هذه الإشكالات) أي ما يرفع حجابها ويزيل نقابها (إن شاء الله فاختلف) أي فاختلفوا (أوّلا في هاروت وماروت هل هما ملكا) بفتح اللام وهو الصحيح (أو إنسيّان) أي منسوبان إلى الإنس أي آدميان ويمكن الجمع بأنهما كانا ملكين وتشكلا بصورة رجلين، (وهل هما) أي هاروت وماروت (المراد بالملكين) في آية وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ وهو الصحيح (أم لا) وهذا مما لا يلتفت إليه أصلا، (وهل القراءة ملكين) بفتح لامها كما في القراءة المتواترة التي اتفق عليها القراء السبعة والعشرة (أو ملكين) بكسرها كما في قراءة شاذة وهما كانا ببابل أنزل عليهما السحر ولا معنى للاختلاف فيهما إذ الرواية الشاذة الغير المعتبرة لا تقاوم القراءة المتواترة على أنه يمكن الجمع بينهما بأنهما ملكان في أصلهما نزل على صورة ملكين حاكمين في عهدهما، (وهل ما في قوله تعالى وَما أُنْزِلَ [البقرة: ١٠٢] ) أي على الملكين (وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ [البقرة: ١٠٢] نافية) فيهما فيكون عطفا على ما كفر أي وما كفر سليمان ولا أنزل على الملكين أي جبريل وميكائيل فإن سحرة اليهود زعموا أن السحر أنزل على لسانهما إلى سليمان فردهم الله به (أو موجبة) أي ثابتة موصولة معطوفة على السحر على الصحيح والمراد بهما واحد والعطف لتغاير الاعتبار أو يراد به نوع أقوى منه أي ويعلمونهم ما الهما أو معطوفة على ما تتلوا قال البيضاوي وهما ملكان انزلا لتعليم السحر ابتلاء من الله تعالى للناس وتمييزا بينه وبين المعجزة وإذا عرفت هذا الاختلاف إجماعا فاعلم ما يبين لك المصنف تفصيلا (فَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى امْتَحَنَ النَّاسَ بالملكين) بفتح اللام (لتعليم السّحر وتبيينه) في مقام تعيينه (وأن علمه) أي تعلمه وفي نسخة عَمَلَهُ (كُفْرٌ، فَمَنْ تَعَلَّمَهُ كَفَرَ،

تَحَنَ النَّاسَ بالملكين) بفتح اللام (لتعليم السّحر وتبيينه) في مقام تعيينه (وأن علمه) أي تعلمه وفي نسخة عَمَلَهُ (كُفْرٌ، فَمَنْ تَعَلَّمَهُ كَفَرَ، وَمَنْ تَرَكَهُ آمن) بمد الهمزة أي دام على إيمانه ولم يكفر ولا يبعد أن يكون بفتح الهمزة وكسر الميم أي أمن من الوقوع في الكفر واعلم أن استعمال السحر كفر عند أبي حنيفة ومالك وأحمد وعند الشافعي استعماله من الكبائر إذا لم يعتقد جوازه ولم يكن في السحر ما يوجب الكفر وظاهر الآية يؤيد إطلاق قول الأئمة الثلاثة حيث؛ (قال الله تعالى خبرا عنهما وما يعلمان من أحد حتى يقولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ [الْبَقَرَةِ: ١٠٢] وَتَعْلِيمُهُمَا النّاس له) مبتدأ خبره (تعليم إنذار) أي تخويف وانكار (أي يقولان لمن جاء يطلب تعلّمه منهما لا تفعلوا) وفي نسخة لا تفعل (كذا) أي لا تتعلمه (فإنّه يفرّق بين المرء وزوجه) أي هو سبب للتفريق بينهما بإيجاد الله عنده البغض والنشوز في قلوبهما فالسحر له بنفسه أثر يحدثه الله عند تعاطيه وقد لا يحدثه بدليل قوله تعالى وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (ولا تتخيّلوا) بخاء معجمة من التخيل وفي نسخة لا تخيلوا من التخييل من باب التفعيل وهو ظن الشيء على خلاف ما هو

ِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (ولا تتخيّلوا) بخاء معجمة من التخيل وفي نسخة لا تخيلوا من التخييل من باب التفعيل وهو ظن الشيء على خلاف ما هو

عليه ومنه قوله تعالى يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى وفي نسخة لا تتحيلوا بالحاء المهملة (بكذا) أي وكذا (فإنّه سحر فلا تكفروا فعلى هذا) التفسير (فعل الملكين طاعة) بلا شبهة (وتصرّفهما فيما أمرا به) بما أنزل عليهما (ليس بمعصية) وفي نسخة معصية أي مخالفة (وهي) أي هذه الحالة (لغيرهما فتنة) أي ابتلاء ومحنة، (وروى ابن وهب) وهو عبد الله بن وهب المصري المعلم وقد تقدم (عن خالد بن أبي عمران) التجيبي التونسي قاضي إفريقية يروي عن عروة وجماعة وعنه الليث بن سعد وعدة صدوق فقيه عابد ثقة (أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ هَارُوتُ وَمَارُوتُ وَأَنَّهُمَا يُعَلِّمَانِ) أي الناس كما في نسخة (السّحر فقال نحن ننزّههما عن هذا) أي عن تعليم السحر لأنه كفر أو كبيرة ويروى عن هذه النقيصة (فَقَرَأَ بَعْضُهُمْ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ [الْبَقَرَةِ: ١٠٢] ) بناء على أن ما موصولة وهاروت وماروت بدل منهما فيكون حجة على إثباته لهما (فقال خالد) دفعا لما ورد عليه بقوله وَما أُنْزِلَ معناه أنه (لم ينزل عليهما) بناء على كون ما نافية (فهذا خالد على جلالته) أي عظيم رتبته (وعلمه) أي وكثرة معرفته (نَزَّهَهُمَا عَنْ تَعْلِيمِ السِّحْرِ الَّذِي قَدْ ذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهُمَا مَأْذُونٌ لَهُمَا فِي تَعْلِيمِهِ بِشَرِيطَةِ أن يبيّنا أنه كفر وأنّه) أي أمرهما (امتحان من الله تعالى وابتلاء) أي اختبار لخلقه وليس فيه محظور ولا يترتب عليه محذور ويمكن الجمع بأن المثبت يحمل أمرهما على أنهما مأموران والنافي على ضد ذلك فيرتفع الخلاف هنالك، (فكيف لا ينزّههما عن كبائر المعاصي) من قتل النفس والزنا وشرب الخمر (والكفر) من السجدة للصنم (المذكورة في تلك الأخبار) المسطورة المشهورة وقد قدمنا دفع الإشكال حيث حملنا حالهما حينئذ على سلب ماهية الملكية عنهما وتركيب الشهوة البشرية فيهما والكلام في حق الملائكة الثابتة على جبلتهم الأصلية بخلاف الأحوال العارضية،

Bagian 53 dari 65