— Bagian 54 · حملنا حالهما حينئذ على سلب ماهية الملكية عنهما و… —
Bagian 54
حملنا حالهما حينئذ على سلب ماهية الملكية عنهما وتركيب الشهوة البشرية فيهما والكلام في حق الملائكة الثابتة على جبلتهم الأصلية بخلاف الأحوال العارضية، (وَقَوْلُ خَالِدٍ لَمْ يُنْزَلْ يُرِيدُ أَنَّ مَا نافية) كما قدمناه (وهو قول ابن عباس) أي رواية عنه، (قال مكّيّ وتقدير الكلام) على قول خالد تبعا لابن عباس أن ما نافية عطفا على قوله تعالى (وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ يريد) أي الله ﷾ أن سليمان ما كفر (بالسّحر الّذي افتعلته عليه) أي افترته عليه (الشّياطين واتّبعهم في ذلك اليهود) فإن الشياطين كتبوا السحر ودفنوه تحت كرسيه ثم لما مات سليمان ﵇ أو نزع منه ملكه استخرجوه وقالوا تسلطه في الأرض بهذا السحر فتعملوه وبعضهم نفوا نبوته وقالوا ما هو إلا ساحر فبرأه الله مما قالوا فقال وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ (وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ، قَالَ مَكِّيٌّ هُمَا) يعني الملكين اللذين لم ينزل عليهما (جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ ادَّعَى الْيَهُودُ عَلَيْهِمَا الْمَجِيءَ بِهِ كَمَا ادَّعَوْا عَلَى سُلَيْمَانَ فَأَكْذَبَهُمُ اللَّهُ فِي ذلك) فإن سحرة اليهود زعموا أن السحر أنزل على لسانهما إلى سليمان فردهم الله تعالى وعلى هذا فقوله ببابل متعلق بيعلمون وهاروت وماروت اسمان لرجلين صالحين سيما ملكين باعتبار صلاحهما ويؤيده قراءة الملكين بالكسر ابتلاهما الله بالسحر وقعا بدل بعض من الشياطين هذا وعن مجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما أن سليمان أخذ ما في أيدي الشياطين من السحر ودفنه
تحت كرسيه ثم لما مات أخرجه الإنس بتعليم الجن وعملوا به وعن الحسن ثلث ما أخرجوا من تحت كرسيه شعر وثلثه سحر وثلثه كهانة (وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا) قرئ في السبعة بتشديد لكن وتخفيفها (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ [البقرة: ١٠٢] ببابل) قرية بالعراق ومنع صرفه للعلمية والتأنيث أو العجمة وعن ابن مسعود لأهل الكوفة أنتم بين الحرة وبابل وقيل بابل موضع بالمغرب وهو بعيد ولعله اسم مشترك وإنما الكلام في المراد والله تعالى اعلم (هاروت وماروت) سبق أنهما ملكان في أصلهما وقع منهما ما وقع ثم ابتليا بتعليم السحر للخلق ابتلاء من الحق (قيل هما رجلان تعلّماه) ويؤيده أنه، (قال الحسن) أي البصري رحمه الله تعالى (هاروت وماروت علجان) تثنية علج بكسر أوله وقد يفتح وهو الشديد القوي الغليظ الجافي والمعنى أنهما كافران من العجم (من أهل بابل، وقرأ) أي الحسن (وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ [الْبَقَرَةِ: ١٠٢] بِكَسْرِ اللَّامِ) بناء على أنهما كانا من بابل أنزل عليهما السحر ابتلاء من الله تعالى لهما ولغيرهما (وتكون ما) في الآية حينئذ (إيجابا) أي موصولة لا نافية (على هذا ومثله) أي ومثل قراءة الحسن، (قراءة عبد الرّحمن بن أبزى) بموحدة ساكنة وزاء مقصورا (بكسر الّلام) قال صليت خلف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وكان لا يتم التكبيرات انتهى ونقل الذهبي عن البخاري أن له صحبة عن ابن أبي حاتم أنه صلى خلف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقال الكلابادي له صحبة وحدث عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وكذا في الإكمال قال إنه صحابي وقال ابن أبي داود أنه تابعي وقال ابن قرقول في مطالعه إنه لم يدرك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وفي التجريد للذهبي عده في الصحابة وكذا النووي في التهذيب وقد روي عن أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، (ولكنّه) أي ابن أبزى (قال الملكان هنا) أي في آية وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ (داود وسليمان وتكون ما) على قراءته (نفيا على ما تقدّم) عن اليهود أنهم كانوا ينسبون إنزال السحر تارة إلى جبريل وميكائيل وأخرى إلى داود وسليمان؛ (وقيل كانا ملكين) أي آخرين (من بني إسرائيل) ساحرين (فمسخهما الله،
ليهود أنهم كانوا ينسبون إنزال السحر تارة إلى جبريل وميكائيل وأخرى إلى داود وسليمان؛ (وقيل كانا ملكين) أي آخرين (من بني إسرائيل) ساحرين (فمسخهما الله، حكاه السّمرقنديّ) وهو الفقيه أبو الليث (والقراءة بكسر اللام شاذّة) أي ليست متواترة (فمحمل الآية) وروي فحمل الآية أي آية وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ (على تقدير أبي محمد مكيّ) بجعل ما نافية عطفا على ما كَفَرَ سُلَيْمانُ (حسن) لو قيل إنهما لم يؤمرا بتعليم السحر للناس ابتلاء وامتحانا لهم إما على القول بأنهما مأموران بما ذكر فلا حاجة إلى ارتكاب القول بجعل ما نافية لمخالفته ظاهر الآية ولأن فعلهما ذلك حينئذ طاعة (ينزّه الملائكة) عن الخروج عن الطاعة بارتكاب المعصية (ويذهب الرّجس عنهم) أي جنس الذنب (ويطهّرهم تطهيرا) بالعصمة عن العيب (وقد وصفهم الله تعالى) أي الملائكة (بأنّهم مطهّرون) من الأدناس (وكِرامٍ بَرَرَةٍ [عبس: ١٦] ) عند الله تعالى وعند الناس (ولا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ [التحريم: ٦] ) في جميع الأنفاس ومجمل الكلام في هذا المقام أن الأصح عند العلماء الكرام في هذه القصة أن الملكين بفتح
ا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ [التحريم: ٦] ) في جميع الأنفاس ومجمل الكلام في هذا المقام أن الأصح عند العلماء الكرام في هذه القصة أن الملكين بفتح
اللام يراد بهما هاروت وماروت وما موصولة وبكسر اللام يراد بهما داود وسليمان عليهما اللام وما نافية وكذا إذا فسر الملكين بفتح اللام بجبريل وميكائيل يكون ما نافية فارتفع الخلاف في المرام واجتمع نظام الالتئام (وممّا يذكرونه) أي الطائفة القائلة بعدم عصمة جميعهم ويستدلون به (قصّة إبليس) ويروى من قصة إبليس (وإنه كان من الملائكة) على زعمهم (ورئيسا فيهم) وفيه أنه لا يلزم من كونه رئيسا فيهم أنه في أصله منهم (ومن خزّان الجنّة) بضم الخاء وتشديد الزاء أي خزنتها (إلى آخر ما حكوه) وليس فيه دلالة على ما ادعوه (وأنه) أي الله ﷾ (اسْتَثْنَاهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِقَوْلِهِ: فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ [البقرة: ٣٤] ) والأصل في الاستثناء أن يكون متصلا إلا أنه قيل بانقطاعه لقوله تعالى كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ وبأن الملائكة ليس لهم ذرية وقال تعالى أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ والملائكة ليس هم اعداء لنا (وهذا) وروي وهو أي القول بأنه من الملائكة (أيضا) قول طائفة قليلة (لم يتّفق عليه) بين العلماء (بل الأكثر منهم ينفون ذلك) القول بأنه منهم (وأنه أبو الجنّ) عندهم على الصحيح (كما آدم أو الإنس وهو) أي القول بأنه أبو الجن (قول الحسن وقتادة وابن زيد) وإنما استثنى منهم لأنه كان مغمورا بين الوف منهم فأمر بالسجود لآدم معهم ثم استثنى استثناء واحد منهم بقوله فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ والحاصل أنه استثناء متصل مجازا أو منقطع حقيقة ولا يبعد أن يقال جمعا بين الأقوال أنه كهاروت وماروت كان من جنس الملائكة لكن الله ﷾ خلق في جبلته المعصية فتغير عن حالته الأصلية فخالف أمر الالهي في السجدة الصورية فانتقل إلى الخلقة الجنية وحصلت منه الذرية،
من جنس الملائكة لكن الله ﷾ خلق في جبلته المعصية فتغير عن حالته الأصلية فخالف أمر الالهي في السجدة الصورية فانتقل إلى الخلقة الجنية وحصلت منه الذرية، (وقال شهر بن حوشب) بفتح الحاء المهملة فواو ساكنة فشين معجمة مفتوحة فموحدة يروي عن مولاته اسماء بنت يزيد وعن ابن عباس وأبي هريرة وعنه مطر الوراق وثابت وثقه ابن معين وأحمد وضعفه شعبة وقال النسائي ليس بالقوي توفي سنة مائة أخرج له الأربعة (كان) أي إبليس (مِنَ الْجِنِّ الَّذِينَ طَرَدَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ فِي الْأَرْضِ حين أفسدوا) يعني، (والاستثناء) بقوله إِلَّا إِبْلِيسَ منقطع لأنه من غير الجنس المستثنى هو منه وهو أي الاستثناء (مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ شَائِعٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ) نظما ونثرا (سائغ) بسين مهملة وغين معجمة أي جائز من ساغ الشراب في الحلق إذا جاوزه بسهولة وفي نسخة زيادة وشائع بشين معجمة وعين مهملة أي فاش ذائع من شاع الخبر إذا ذاع ومنه كل سر جاوز الاثنين شاع (وقد قال الله تعالى) تكذيبا لمن زعم قتل عيسى (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ [النساء: ١٥٧] ) لأن اتباعه ليس من جنس العلم فهو استثناء منقطع أي ولكنهم اتبعوا فيه ظنهم (وممّا رووه) أي الطائفة القائلة بعدم عصمة جنس الملائكة (في الأخبار) كابن جرير عن ابن عباس وابن أبي حاتم عن يحيى بن كثير (أن خلقا من الملائكة عصوا الله تعالى فحرّقوا) أي أحرقوا (وَأُمِرُوا أَنْ يَسْجُدُوا لِآدَمَ فَأَبَوْا فَحُرِّقُوا ثُمَّ آخرون كذلك حتّى سجد له) أي لآدم (من ذكر الله) أي جميع الملائكة (إِلَّا إِبْلِيسَ فِي أَخْبَارٍ لَا أَصْلَ لَهَا)
مما يعتمد عليها (تردّها صحاح الأخبار فلا يشتغل) أي فينبغي أن لا يشتغل (بها) ويروى بهذا وفي نسخة بصيغة المتكلم ثم على تقدير صحتها يحمل على أن الله تعالى غير ماهيتهم عن أصل جبلتهم وعصمتهم فوقع فيهم ما أراد الله من معصيتهم وهذا كقضية بلعم بن باعوراء حيث تغير عن جبلته إلى صورة كلب وماهيته وعكسه كلب أصحاب الكهف وقد ورد أن بلعم يدخل النار بصورة ذلك الكلب وذلك الكلب يدخل الجنة بصورة بلعم ثم رأيت في حاشية الأنطاكي روي أن الله تعالى لما خلق الأرض خلق لها سكانها من بني الجن من نار فركبت فيهم الشهوة وأمرهم ونهاهم فلما سكنوا فيها أفسدوا وعصوا أمر ربهم وسفكوا الدماء فأنزل الله تعالى نارا من السماء فأحرقتهم إلا إبليس سأله من الله ملك من الملائكة فوهب له ثم خلق الله ثانيا وثالثا مثلهم ففعلوا ذلك فأهلكهم الله ﷿ (والله أعلم) وفي نسخة والله ﷾ الموفق وزيد في نسخة للصواب.
الْبَابُ الثَّانِي [فِيمَا يَخُصُّهُمْ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ] (فيما يخصّهم) أي الأنبياء (في الأمور الدّنيويّة وما يطرأ عليهم من العوارض البشريّة) أي ما يعرض للإنسان ويحدث له من الأمور الكونية (قد قدّمنا أنه ﵊ وسائر الأنبياء والرّسل) الكرام (من البشر وأنّ جسمه) أي جسده (وظاهره) أي بدنه (خالص للبشر) أي لعوارضه كغيره (يجوز عليه من الآفات) أي العاهات (والتّغييرات) من قبض وبسط وفرح وغم وسائر الحالات (والآلام والأسقام وتجرّع كأس الحمام) بكسر الحاء الموت وكل منها لا يخلو عن كلفة والتجرع شرب بمهلة وقيل ابتلاعه بعجلة أو القضاء والقدر والكأس مهموز وقد تبدل (ما يجوز) أي كل ما يجوز وقوعه من الآفات والحالات (على البشر) أي جنس بني آدم (وهذا كلّه) ويروى وذلك كله (ليس بنقيصة فيه) ولا في غيره من الأنبياء (لِأَنَّ الشَّيْءَ إِنَّمَا يُسَمَّى نَاقِصًا بِالْإِضَافَةِ إِلَى ما هو أتمّ منه) أي من جنسه ويروى إلى غير مما هو أتم (وأكمل من نوعه) كإفراد الإنسان في تفاوت مراتب الإحسان (وقد كتب الله تعالى) أي قدر وقضى (على أهل هذه الدّار) أي دار الهموم والاكدار أو أثبت في كتابه (فيها يحيون) أي تعيشون (وفيها تموتون) أي وتقبرون (ومنها
(وقد كتب الله تعالى) أي قدر وقضى (على أهل هذه الدّار) أي دار الهموم والاكدار أو أثبت في كتابه (فيها يحيون) أي تعيشون (وفيها تموتون) أي وتقبرون (ومنها يخرجون) بصيغة المجهول في قراءة وبصيغة الفاعل في أخرى (وخلق جميع البشر بمدرجة الغير) بكسر الغين المعجمة وفتح التحتية الاسم من قولك غيرت الشيء فتغير والمدرجة بفتح الميم وسكون الدال وبالراء والجيم أي في مسلك التغير من حوادث الدهر (فقد مرض صلى الله تعالى عليه وسلم واشتكى) الضر تكثيرا للأجر وقد ورد أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل وفي حديث قالوا له إنك توعك وعكا شديدا قال أجل كما يوعك رجلان منكم (وأصابه الحرّ والقرّ) بضم أوله ويفتح البرد مطلقا وقيل برد الشتاء وحر الصيف إذا لم يخص بهما أحد دون أحد وقد يطلقان مجازا على المحنة والنعمة قال عمر لابن مسعود بلغني أنك تفتي ول حارها من تولى قارها كني بالحر عن الشدة وبالبرد عن الهينة أي ول شرها من تولى خيرها (وأدركه الجوع والعطش) كغيره من البشر حتى ربط ببطنه الحجر (ولحقه الغضب) لله إذا رأى خلاف ما يرضاه (والضّجر) بفتحتين أي القلق والملل (وناله الإعياء) أي العجز والكلل (والتّعب) أي المشقة والنصب (ومسّه الضّعف) أي ضعف البدن (والكبر) أي أثره بأنواع الغير (وسقط) أي عن دابة وفي رواية عن فرس كما رواه الشيخان (فجحش) بضم الجيم وكسر الحاء المهملة فشين معجمة أي خدش (شقّه) وقشر جلد بعض اعضائه وفي رواية جانبه الايمن وفي رواية شقه
رواية عن فرس كما رواه الشيخان (فجحش) بضم الجيم وكسر الحاء المهملة فشين معجمة أي خدش (شقّه) وقشر جلد بعض اعضائه وفي رواية جانبه الايمن وفي رواية شقه
الأيسر وفي رواية ساقه أو كتفه فلم يخرج أياما (وشجّه الكفّار) في وجهه فأدموه والشج في الأصل ضرب الرأس وكسره وشقه ثم استعمل في غيره من الأعضاء والمعنى جرح وجهه الكريم ابن قمئة اللئيم يوم أحد (وكسروا رباعيته) بتخفيف التحتية على زنة الثمانية وهي التي بين الثنية والناب وكانت السفلى اليمنى على ما ذكره الحلبي وأما قول الدلجي أي إحدى ثنايا أسنانه فغير صحيح (وسقي) بصيغة المجهول (السّمّ) بتثليث السين والفتح أفصح ثم الضم وقد تقدم أن زينب بنت الحارث اليهودية سمته في عضده الشاة بخيبر وسبق ما فعل بها وأخبرته العضد بأنها مسمومة (وسحر) وقد تقدم أن لبيد بن الأعصم سحره أو بناته (وتداوى) لبعض أوجاعه تشريعا لاتباعه (واحتجم) كما رواه الشيخان وغيرهما من طرق (وتنشّر) بتشديد الشين المعجمة وهو من النشر مثل التعويذ والرقية وفي الصحيح من حديث عائشة هلا تنشرت قال أما الله فقد عافاني قال الحلبي والظاهر أن مرادها بالنشرة المعروفة عندهم وهي أغسال مخصوصة وليس المراد الرقية بالقرآن أو بغيره من الأذكار وذكر الدلجي أن النشرة هي الرقية من سحر ونحوه وقد ورد أنه صلى الله تعالى عليه وسلم اشتكى فرقاه جبريل بسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك الله يشفيك وقالت له عائشة ألا تنشر فقال أما الله فقد شفاني (وتعوّذ) كما رواه الترمذي والنسائي عن أبي سعيد بلفظ كان يتعوذ من أعين الجان وأعين الإنس فلما نزل المعوذتان أخذ بهما وترك ما سواهما وروى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه ﵊ كان إذا اشتكى يقرؤ على نفسه بالمعوذات وذكر التلمساني أن النشرة هي علاج ورقية من مرض أو جنون واختلف في النشرة فقيل يجوز وقيل لا وقال الخطابي ما يؤخذ على كتبها جائز حلال إذا كان باسم الله تعالى وبما يفهم من الكلام وأما بغير ذلك فحرام (ثمّ قضى نحبه) أي نذره أو سيره أو أجله والتحقيق أنه كناية عن الموت إذا أصله النذر وكل حي لا بد أن يموت فكأنه نذر لازم له فإذا مات فقد قضاه (فتوفّي صلى الله تعالى عليه
نذره أو سيره أو أجله والتحقيق أنه كناية عن الموت إذا أصله النذر وكل حي لا بد أن يموت فكأنه نذر لازم له فإذا مات فقد قضاه (فتوفّي صلى الله تعالى عليه وسلم) بصيغة المفعول أي توفاه الله تعالى (ولحق بالرّفيق الأعلى) كما تمناه من المولى على ما رواه البخاري وغيره عن عائشة اللهم الرفيق الأعلى وفي رواية الحقني بالرفيق الأعلى أي من النبيين والملائكة وقيل هو مرتفق الجنة وقيل الرفيق اسم لكل سماء وأراد الأعلى لأن الجنة فوق ذلك وقيل المراد أعلى الجنة وقيل هو الله تعالى وقيل لا يصح أنه اسم الله ويرد بأنه يقال الله رفيق بعباده وقيل معناه رفق الرفيق وقبل لا يعرف أهل اللغة الرفيق ولعله تصحيف الرفيع وما قدمناه هو الصحيح لقوله تَعَالَى وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً وهو يقع على الواحد والجمع وقيل الرفيق الأعلى جماعة الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين (وتخلّص من دار الامتحان والبلوى) أي المحنة والبلية (وهذه سمات البشر) بكسر السين المهملة جمع سمة أي علامات كون البشر يبتلى بها (الّتي لا محيص عنها) بكسر الحاء المهملة أي لا معدل ولا محيد ولا مخلص (وَأَصَابَ غَيْرَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَا
هو أعظم منها) أي بحسب الصورة فيها (فقتّلوا) بالتشديد للتكثير (تقتيلا) وفي نسخة فقتلوا قتلا بغير حق كيحيى بن زكريا يجز عنقه وفي حاشية التلمساني وإنما أكد بالمصدر تحقيقا للوقوع وقال ابن سيدي الحسن وجدت بخط شيخنا الإمام أبي عبد الله بن مرزوق وقال وجدت في بعض كتب أهل التاريخ عن أبي هريرة قال اشتريت غلاما بربريا فرآه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال من هذا فقلت غلام بربري اشتريته فقال بعه ولا تمسكه عندك فإن قومه قتلوا أربعين نبيا فأكلوا لحومهم ورموا عظامهم على المذابل فسلط الله عليهم ريحا بددتهم وألقتهم بالمغرب قال الشيخ ولا يخفى ما في أحاديث المؤرخين من الضعف (ورموا في النّار) كإبراهيم ﵊ فكانت عليه بردا وسلاما وقد أحرق جرجيس وطبخ ثم قام سالما (ونشروا بالمناشير) وفي نسخة وأشروا بالمآشير جمع مئشار بهمز لغة في المنشار بنون وفيه لغة أخرى وهي المواشير بالواو وقيل المياشير بالياء من وشر والمعنى واحد أي شقق وقطع بالمنشار ونحت به كزكريا ﵊ نشر بالمنشار جزلتين أي قطعتين (ومنهم من وقاه الله ذلك) أي حفظه هنالك من الآفات والبليات (في بعض الأوقات ومنهم من عصمه) أي الله كما في نسخة أي حفظه ووقاه من القتل كعيسى ﵇ إذ تمالأت اليهود على قتله فأخبره الله بأنه يرفعه إليه ويطهره من صحبتهم ويقربه لديه فقال لبعض أصحابه أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة فقال رجل منهم أنا فألقى عليه شبهه فقتل وصلى وعصم عيسى برفع الله إياه (كما عصم بعد نبيّنا من النّاس) أي من شرهم جميعا وفي أصل الدلجي كما عصم بعد مبنيا على الضم أي بعد عيسى نبينا من الناس لقوله تعالى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ أي من قتلهم إياك وقيل نزلت هذه الآية بعد ما وقعت له الجراحة ففي الجملة حصلت له الرعاية والكفاية والصيانة والحماية (فلئن لم يكف نبيّنا) أي محمدا كما في نسخة (ربّه) بالرفع على أنه فاعل أي فلئن لم يمنع عنه (يد ابن قمئة) فعلة بكسر القاف وسكون الميم فهمزة وقيل بفتح أوله وكسر ثانيه وزيادة ياء فيه على وزن سفينة وهو الأكثر وهو من قمأ صغر وذل وهو عبد الله بن قمئة الذي جرح وجنة رسول الله صلى الله تعالى
همزة وقيل بفتح أوله وكسر ثانيه وزيادة ياء فيه على وزن سفينة وهو الأكثر وهو من قمأ صغر وذل وهو عبد الله بن قمئة الذي جرح وجنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته (يوم أحد) وكسر رباعيته وهو الذي قتله مصعب بن عمير كما حكاه الطبري وقد نطحه تيس فتردى من شاهق جبل كافرا وضبطه الدلجي بكسر أوله وثانيه مشددا بعده همزة (ولا حجبه) أي ولئن لم يحجبه ولم يستره (عن عيون عداه) بكسر أوله ويضم اسم جنس للعدو أي عن أعين أعدائه (عند دعوته أهل الطّائف) ويروى عن عيون عداه أهل الطائف عند دعوته ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم هلى أتى عليك يوم أشد من يوم أحد قال لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت وأنا مهموم على وجهي فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب الحديث وكان عبد ياليل من أكابر أهل الطائف
وروي أنه ﵊ لما انتهى إلى الطائف حيث التمس من ثقيف النصرة فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به ويرمون رجليه بالحجارة فدميتا وطفق يقيهما بثيابه حتى اجتمع عليه الناس والجأه إلى حائط لابني ربيعة وهما فيه ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه فعمد إلى ظل حبلة من عنب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف فتحركت له رحمهما فبعثا له قطف عنب الحديث وروى الطبراني في كتاب الدعاء عن عبد الله بن جعفر قال لما توفي أبو طالب خرج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الطائف فدعاهم إلى الإسلام فلم يجيبوه فأتى ظل شجرة فصلى ركعتين ثم قال اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين إلى من تكلني إلى عدو بعيد يتجهمني أي يلقاني بوجه كريه أم إلى صديق قريب كلفته أمري إن لم تكن غضبان علي فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك أو يحل بي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك (فلقد أخذ) أي الله ﷾
وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك أو يحل بي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك (فلقد أخذ) أي الله ﷾ (على عيون قريش) بإخفائه عنها حين أرادوا قتله فخرج عليهم وقرأ وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ونثر على رأس كل واحد منهم ترابا وذلك (عند خروجه) ويروى في يوم خروجه (إلى ثور) أي إلى غار في جبل ثور عن يمين مكة وهو المراد بقوله تعالى ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا ووقع في أصل التلمساني جبل أبي ثور ثم قال وروي إلى أبي ثور وصوابه إلى جبل ثور أو إلى يوم ثور ولفظ أبي وهم إذ لا يعرف جبل أبي ثور (وأمسك) أي الله تعالى (عنه) أي عن نبيه (سيف) ابن (غورث) بالغين المعجمة وهو ابن الحارث الغطفاني وقد تقدم أنه اسلم وصحبه صلى الله تعالى عليه وسلم والذي في البخاري أنه ﵊ نزل بمكان كثير العضاة فعلق سيفه بشجرة ونام في ظلها فجاء غورث فاخترطه وقال للنبي ﵊ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي فَقَالَ اللَّهُ فَسَقَطَ السَّيْفُ من يده الحديث (وحجر أبي جهل) فرعون هذه الأمة أي أمسكه عنه حين أراد أن يرميه به وكان حمل صخرة والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ساجد ليطرحها عليه فلزقت بيده وتقدمت القصة (وفرس سراقة) بضم أوله بإساخة رجليها بالأرض فوقاه الله شره وقد اسلم كما أفاده حديث الهجرة (ولئن لم يقه) أي لم يحفظه ولم يمنعه (سحر ابن الأعصم) وفي نسخة من سحر ابن الاعصم وهو لبيد اليهودي هلك على كفره وقد سحره في مشط ومشاطة وجف طلعه ذكر كما في رواية البخاري (فلقد وقاه ما هو أعظم) خطر وأكثر ضررا من سحره (من سمّ اليهوديّة) بيان لما وقد سمته بشاة محنوذة بخيبر فأخبره كتفها به فأكل منها وبعض أصحابه فلم يضره فعفا عنها ومات به بشر بن البراء فقتلها به كذا روي وفيه خلاف تقدم والله تعالى اعلم والحاصل أنه ﷾ ربى نبيه الذي عظم شأنه تارة بصفة الجلال وأخرى
بنعت الجمال ليكون في مقام الكمال حيث مقتضيات اسماء الذات والصفات (وهكذا سائر أنبيائه) منهم (مبتلّى) كأيوب ﵊ (و) منهم (معافى) من كثرة الاسقام وشدة الآلام وهم قليل من الأنام (وذلك) أي ابتلاؤهم (من تمام حكمته ليظهر) من الإظهار أو الظهور (شرفهم) بصبرهم على البليات (في هذه المقامات) المتفاوتة فيها الحالات (ويبيّن) وفي نسخة ويتبين (أمرهم) أي رفعة قدرهم لغيرهم (ويتمّ) من الإتمام أو التمام (كلمته فيهم) بإظهار محنته عليهم وآثار بليته لديهم (وليحقّق) أي ليثبت لهم ولغيرهم (بامتحانهم) بأنواع ابتلائهم (بشريّتهم) أي عجز عنصريتهم (ويرفع الالتباس) وفي نسخة ويرتفع الالتباس بعد معرفة أنها من عوارض أجسام البشر أي الاشتباه (عن أهل الضّعف) بالضم والفتح في مقام اليقين من الناس إزالة لما يتوهمونه (فيهم) من أنهم لا يصيبهم محنة وبلاء ولا يغشاهم شدة وعناء استعظاما لمرتبتهم واستبعادا لمحنتهم (لئلّا يضلّوا بما يظهر من العجائب) أي الخوارق للعادات من الغرائب (على أيديهم) كبرد النار لإبراهيم الخليل وقلب العصاحية لموسى الكليم وخلق الطير من الطين وإحياء الموتى لعيسى وانشقاق القمر لنبينا الأكبر (ضلال النّصارى) كضلالتهم (بعيسى) أي ابن مريم كما في نسخة إذا بالغوا في تعظيمه حتى قالوا إن فيه لاهوتية وناسوتية (وليكون في محنتهم) وفي نسخة ومحنهم أن محن الله إياهم (تسلية لأممهم) لمشاركتهم بهم إذا أصابهم شيء من الآفات والبلايا ونالهم بعض المعصيبات والرزايا (ووفور) أي وسبب كثرة (لأجورهم) ويروى في أجورهم (عند ربّهم تماما) للكرامة الحاصلة لديهم (عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ؛ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ وهذه الطّوارىء) بالهمز وقد لا يهمز أي العوارض من الآفات (والتّغييرات المذكورة) من الحالات المسطورة (إنّما تختصّ بأجسامهم البشريّة المقصود بها) أي التي قصد بأجسامهم (مقاومة البشر) أي مداخلتهم (ومعاناة بني آدم) أي مقاساتهم في مخالطتهم (لمشاكلة الجنس) أي لمشابهتهم (وأمّا بواطنهم فمنزّهة غالبا عن ذلك) أي عما ذكر (معصومة منه) أي مبرأة ومبعدة عنه مما لا يجوز طروه عليهم كالجنون ولو متقطعا وقيد الغالبية مشعر بجواز
م (وأمّا بواطنهم فمنزّهة غالبا عن ذلك) أي عما ذكر (معصومة منه) أي مبرأة ومبعدة عنه مما لا يجوز طروه عليهم كالجنون ولو متقطعا وقيد الغالبية مشعر بجواز وقوع ما لا يشين عليهم كالإغماء لحظة أو لحظتين كما في حديث البخاري أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال في مرضه الذي توفي فيه هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن فوضع في مخضب وصب عليه منها ثم ذهب ليتوضأ فأغمي عليه وبهذا اندفع ما قال الحلبي من أن المصنف لو حذف لفظة غالبا لكان أحسن إذ حذفها واجب (متعلّقة بالملأ الأعلى) من أرواح الأنبياء والملائكة المقربين وقيل نوع من الملائكة أعظمهم عند الله مرتبة وأعلاهم درجة (والملائكة) أجمعين (لأخذها) أي لاستفاضة بواطنهم أخبار السماء وغيرها (عنهم وتلقّيها الوحي منهم قال) أي بعض المحققين (وقد قال صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قلبي) أي غالبا لما سبق في نوم الوادي (وقال إنّي لست كهيئتكم) أي كصفتكم من جميع الوجوه (إنّي أبيت يطعمني ربّي ويسقيني) بفتح أوله وضمه يقال سقاه واسقاه قال تعالى وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً
ال إنّي لست كهيئتكم) أي كصفتكم من جميع الوجوه (إنّي أبيت يطعمني ربّي ويسقيني) بفتح أوله وضمه يقال سقاه واسقاه قال تعالى وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً
طَهُوراً وقال تعالى وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً ولما كان الطعام قوت الأبدان والأشباح والمعارف قوت الجنان والأرواح جعلت كأنها مطعومة لأنه يتقوى بها قلب الأنام كما تتقوى الأجسام بأنواع الطعام ولما كان الماء يشفي ظمأ الغليل والمعرفة تطفئ ظمأ العليل جعلت كأنها مشروبة لأنها تذهب ظمأ الجهل كما يذهب الماء ظمأ العطش وهذا بناء على أن معناه مجاز للمعارف في حق العارف وقيل هو حقيقة وأنه يأكل ويشرب من طعام الجنة وشرابها وقيل المراد منهما النشاط والقوة في الطاعة والعبادة (وقال) أي النبي ﵊ (لست أنسى) كسائر الأنام (ولكن أنسى ليستنّ بي) أي ليقتدى بفعلي في الأحكام (فأخبر) ﵊ (أَنَّ سِرَّهُ وَبَاطِنَهُ وَرُوحَهُ بِخِلَافِ جِسْمِهِ وَظَاهِرِهِ وأنّ الآفات الّتي تحلّ) بضم الحاء وكسرها أي تنزل (ظاهره) أي بظاهره ﵊ فقط (من ضعف) أي ضعف بدن (وجوع وسهر ونوم لا يحلّ منها) أي من هذه المذكورات (شيء باطنه) أي بباطنه ولا يؤثر في خاطره (بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ الْبَشَرِ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ) مع مشاركتهم له في حكم الظاهر (لِأَنَّ غَيْرَهُ إِذَا نَامَ اسْتَغْرَقَ النَّوْمُ جِسْمَهُ وقلبه) أي غمرهما وعطاهما (وهو صلى الله تعالى عليه وسلم في نومه) وإن استغرق جميع اعضائه فهو (حاضر القلب كما هو في يقظته) حاضر مع الرب (حَتَّى قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ أَنَّهُ كَانَ مَحْرُوسًا مِنَ الْحَدَثِ فِي نَوْمِهِ لِكَوْنِ قلبه يقظان) بربه (كما ذكرناه) من قبله من أن عينيه كانتا تنامان ولا ينام قلبه ولعل المراد ببعض الآثار في كلام المصنف ما رواه سعيد بن منصور عن عكرمة عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في حديث مبيته عند خالته ميمونة زوجته صلى الله تعالى عليه وسلم وصلاته بالليل معه ﵊ وفيه ثم وضع رأسه حتى اغفى وسمعت بخبخة وأصله في البخاري ثم جاء بلال فاستيقظ فقام فصلى بأصحابه زاد البخاري ولم يتوضأ أي بعد انتباهه من اغفائه أي نومه قال سعيد بن جبير فقلت لابن
وسمعت بخبخة وأصله في البخاري ثم جاء بلال فاستيقظ فقام فصلى بأصحابه زاد البخاري ولم يتوضأ أي بعد انتباهه من اغفائه أي نومه قال سعيد بن جبير فقلت لابن عباس ما أحسن هذه فقال إنها ليست لك ولأصحابك أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يحفظ من الحدث في نومه لكون قلبه الشريف يقظان (وكذلك) أي لا يشابهه (غيره) فإن غيره (إذا جاع ضعف لذلك) الجوع (جسمه) وانحل جسده (وخارت) بالخاء المعجمة أي فترت (قوّته) وذهبت همته (فبطلت بالكلّيّة جملته) أي جميع محاسن حالاته (وهو صلى الله تعالى عليه وسلم قد أخبر) عن نفسه (أنّه لا يعتريه ذلك) أي لا يغشاه ضعف هنالك (وأنّه بخلافهم) فإنه يلحقهم ويرهقهم (لقوله) أي في حديث البخاري في حال الوصال (إنّي لست كهيئتكم) أي من ضعف بنيتكم وفتور حالتكم (إنّي أبيت يطعمني ربّي ويسقيني) على ما تقدم (قال القاضي رحمه الله تعالى) يعني المصنف (وكذلك) أي مثل مقول بعض المحققين من أن الطوارئ والتغيرات إنما تختص بأجسام الأنبياء (أَقُولُ إِنَّهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا مِنْ وصب) بفتحتين أي الم وتعب (ومرض وسحر وغضب) للرب (لم يجر على باطنه ما يخلّ به) بفتح الياء وكسر الخاء المعجمة أي يضعف بباطنه مما كان يخل به ظاهره (ولا فاض) أي ولا سال ولا حدث وخرج (منه) أي
مما كان يخل ظاهر (عَلَى لِسَانِهِ وَجَوَارِحِهِ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ) من هذيانات المرضى وخرافاتهم واختلاف حالاتهم (كما يعتري غيره من البشر) ممن نزل به شيء منها من شدة الألم وقوة الضرر (ممّا نأخذ بعد) أي نشرع بعد هذا (في بيانه) أي في بيان شأنه وتبيين برهانه.
فصل [فَإِنْ قُلْتَ فَقَدْ جَاءَتِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ أَنَّهُ ﵊ سحر] (فإن قلت فقد) ويروى قد (جاءت الأخبار الصّحيحة) والآثار الصريحة (أنّه صلى الله تعالى عليه وسلم سحر) أي أثر عليه السحر (كما حدثنا الشّيخ أبو محمّد العتّابي) بفتح العين وتشديد المثناة فوق وبعد الألف موحدة فياء نسبة (بقراءتي عليه قال حدثنا حاتم بن محمد) وهو الطرابلسي (حدثنا أبو الحسن عليّ بن خلف) وهو الحافظ القابسي المعافري القروي (حدثنا محمّد بن أحمد) وهو أبو يزيد المروزي (حدثنا محمّد بن يوسف) وهو الفربري (حدثنا البخاريّ) وهو الإمام محمد بن إسماعيل صاحب الصحيح (حدثنا عبيد بن إسماعيل) أي الهباري يروي عن ابن عيينة وطبقته (قال حدثنا أبو أسامة) هو الحافظ حماد الكوفي يروي عن الأعمش وغيره وعنه أحمد وإسحاق وابن معين وكان حجة عالما أخباريا عنده ستمائة حديث عن هشام بن عروة عاش ثمانين سنة وتوفي سنة إحدى ومائتين أخرج له الأئمة الستة (عن هشام بن عروة عن أبيه) سبق الكلام عليهما (عن عائشة ﵁ قالت سحر رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ فعل الشّيء) وفي رواية الفعل أي من الجماع وغيره (وما فعله) جملة حالية وهذا الحديث ساقه القاضي كما ترى من عند البخاري وقد أخرجه مسلم أيضا فهو حديث متفق عليه كما سيأتي قريبا في كلام المصنف (وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أنّه كان يأتي النساء ولا يأتيهنّ) أي يظن أنه واقعهن والحال أنه لم يجامعهن (الحديث) قال الحكيم الترمذي ولما سحر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى عجز عن نسائه وأخذ بقلبه لبث في ذلك ستة أشهر فيما روي في الخبر ثم نزلت المعوذتان انتهى كذا في تفسير البغوي وسيأتي عن عائشة أنه لبث سنة قال عبد الرزاق حبس عنها خاصة حتى أنكر بصره قال ابن
ستة أشهر فيما روي في الخبر ثم نزلت المعوذتان انتهى كذا في تفسير البغوي وسيأتي عن عائشة أنه لبث سنة قال عبد الرزاق حبس عنها خاصة حتى أنكر بصره قال ابن الملقن في شرح البخاري في تفسير قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ورواية ثلاثة أيام أو أربعة أيام هو أصوب وسنة بعيد أقول ولعله ﵊ كان سحره شديدا عليه في تلك الأيام ثم خف عنه إلى نصف سنة ولم يتعارف منه إلا بعد كمال سنة (وَإِذَا كَانَ هَذَا مِنَ الْتِبَاسِ الْأَمْرِ عَلَى المسحور فكيف حال النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في ذلك) الوقت المذكور (وكيف جاز عليه) أي السحر وأن يكون في مقام موهوم (وَهُوَ مَعْصُومٌ فَاعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ هذا الحديث) الذي أسندناه إلى عائشة (صحيح متّفق عليه) لا شبهة لديه (وقد طعنت فيه الملحدة) أي الطائفة الملاحدة الزائغة بالعقيدة الفاسدة (وتذرّعت) بذال معجمة من الذريعة توسلت (به) إلى التشكيكات الكاسدة وفي نسخة بدال مهملة أي تسلحت به لإظهار الحجج الداحضة الشاردة (لسخف عقولها) بضم السين
المهملة وسكون الخاء أي رقتها وضعفها (وتلبيسها) أي تخليطها (على أمثالها) أي اشباهها من ضعفاء اليقين في أمر الدين (إلى التّشكيك) أي إيقاع الشك ويروى التشكك أي قبول الشك (في الشّرع) أي في أمور الشرع المبين (وقد نزّه الله الشّرع) أي الشريف المكرم (والنبيّ) المعظم صلى الله تعالى عليه وسلم (عمّا يدخل) أي عن شيء يدخل (في أمره لبسا) بفتح أوله أي خلطا واشتباها (وَإِنَّمَا السِّحْرُ مَرَضٌ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَعَارِضٌ مِنَ العلل) أي من جملة الأعراض (يجوز) وقوعه (عليه كأنواع الأمراض ممّا لا ينكر) بالإجماع (ولا يقدح في نبوّته) من غير النزاع.
نَ الْأَمْرَاضِ وَعَارِضٌ مِنَ العلل) أي من جملة الأعراض (يجوز) وقوعه (عليه كأنواع الأمراض ممّا لا ينكر) بالإجماع (ولا يقدح في نبوّته) من غير النزاع. (وَأَمَّا مَا وَرَدَ أَنَّهُ كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ) أي يقع في خيال باله (أنه فعل الشّيء) من أفعاله (ولا يفعله) في حاله ويروى وما فعله (فليس في هذا) التخيل (ما يدخل عليه داخلة) أي ريبة وتهمة (في شيء من تبليغه) أي لأمته (أو شريعته) أي بيان أحكام ملته (أو يقدح في صدقه) وفي نسخة في شيء من صدقه (لقيام الدّليل) من أنواع المعجزة (والإجماع) من علماء الأمة (على عصمته من هذا) أي من إدخال فساد في الحال (وإنّما هذا) ويروى وإنما هو أي التخيل (فيما يجوز طروّه عليه في) وفي نسخة من (أَمْرِ دُنْيَاهُ الَّتِي لَمْ يُبْعَثْ بِسَبَبِهَا وَلَا فضّل) على غيره (من أجلها) ما يشير إليه قوله أنتم اعلم بأمر دنياكم وإنما فضل بالوحي الإلهي وما يتعلق بالأمر الديني والأخروي كما يومي إليه قوله تَعَالَى قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ (وهو) صلى الله تعالى عليه وسلم (فيها) أي في أمور دنياه (عرضة للآفات) أي هدف للعاهات (كسائر البشر) في جميع الحالات وإذا كان الأمر كذلك (فَغَيْرُ بَعِيدٍ أَنْ يُخَيَّلَ إِلَيْهِ مِنْ أُمُورِهَا ما لا حقيقة له) في صدورها (ثمّ ينجلي عنه) أي ينكشف الأمر (كما كان) على وجه ظهورها كسحابة عارضة مانعة عن شعاع الشمس ونورها (وأيضا فقد فسّر هذا الفصل) أي الكلام المجمل (الحديث الآخر) المفصل (مِنْ قَوْلِهِ حَتَّى يُخَيَّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَأْتِي أهله) من النساء (ولا يأتيهنّ) فإن اتيانهن من جملة أمور دنياه ولا ضرر من هذه الأحوال في دينه وأخراه (وقد قال سفيان) أي الثوري وقال الدلجي الظاهر أنه ابن عيينة إذ هو المراد بالإطلاق عند أئمة الحديث وجزم الحلبي وقال هو ابن عيينة لأنه المذكور في السند في الصحيح (وهذا) النوع (أشدّ ما يكون من السّحر) وإلا لم يعرض له هذا التخيل ويشير إلى كلامه قوله تعالى فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (ولم يأت في خبر منها) أي من أحاديث سحره ﵊ أو
ر إلى كلامه قوله تعالى فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (ولم يأت في خبر منها) أي من أحاديث سحره ﵊ أو من الأخبار الصحيحة (أَنَّهُ نُقِلَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ قَوْلٌ بِخِلَافِ مَا كَانَ أَخْبَرَ أَنَّهُ فَعَلَهُ وَلَمْ يَفْعَلْهُ) والمعنى أنه لم ينقل عنه أنه قال حال سحره فعلت كذا والحال أنه لم يفعله لعصمته من الخلف في الأخبار لأمته (وإنّما كانت) هذه السوانح واللوائح (خواطر) أي خطرات (وتخييلات) في صورة تسويلات ويروى بموحدة وتحتية. (وقد قيل إنّ المراد بالحديث) أي حديث حتى يخيل إليه (أنه كان يتخيّل الشّيء) ويروى يتخيل إليه الشَّيْءَ (أَنَّهُ فَعَلَهُ وَمَا فَعَلَهُ لَكِنَّهُ تَخْيِيلٌ لا يعتقد) هو بنفسه (صحّته) وفي نسخة بصيغة المجهول أي كل أحد يدرك عدم حقيقته كما يستفاد من نفس التخيل
وصيغته واشتقاق بنيته (فتكون اعتقاداته كلّها) أي سواء تعلقت بأمور دنياه أو بأحوال أخراه (على السّداد) أي الصواب ومنهج الرشاد (وأقواله على الصّحّة) التي تصلح للاعتماد، (هذا ما وقفت عليه لأئمّتنا) أي الأشعرية أو المالكية أو أئمة أهل السنة والجماعة (من الأجوبة على) وفي نسخة عن (هذا الحديث) أي حديث سحره ﵊ (مع ما أوضحنا من معنى كلامهم) وبيناه على مبنى مرامهم (وزدناه بيانا من تلويحاتهم) أي من إشاراتهم من غير تصريح عباراتهم (وكلّ وجه منها) أي من الوجوه المذكورة (مقنع) بضم الميم وكسر النون ويجوز فتحهما على أنه مصدر للمبالغة أو اسم مكان وهو من قنع بالكسر قناعة إذا رضي ويقال فلان مقنع في العلم وغيره على وزن جعفر أي مرضي فيه وليس المراد به أنه دليل اقناعي وإن كان يشير إليه قوله (لكنّه قد ظهر لي في الحديث) هذا (تأويل أجلى) بالجيم أي أظهر وأوضح من التأويلات السالفة (وأبعد من) وفي نسخة عن (مطاعن ذوي الأضاليل) جمع ضليل مبالغة في الضلال ومنه قول علي رضي الله تعالى عنه وقد سئل عن أشعر الشعراء فقال الملك الضليل يعني امرأ القيس وكان يلقب به وقيل هو جمع أضلولة وهو ما يضل من ركبه (يستفاد) أي ذلك التأويل الأجلى (من نفس الحديث) ويروى من تفسير الحديث (وهو أنّ عبد الرّزّاق) وهو الحافظ الصغاني (قد روى هذا الحديث) في مصنفه عن معمر عن الزهري (عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ وَقَالَ) أي عبد الرزاق (فيه) أي في حديثه (عنهما) أي ابن المسيب وعروة (سحر يهود بني زريق) بضم الزاء وفتح الراء (رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فجعلوه) أي ما سحروه به (في بئر) وهي بئر ذروان (حتّى كاد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي قارب (أن ينكر بصره) لضعف حدته أو لأمر تخيله (ثمّ دلّه الله على ما صنعوا) أي اليهود (فاستخرجه) بنفسه أو بمأموره (من البئر،
لى الله تعالى عليه وسلم) أي قارب (أن ينكر بصره) لضعف حدته أو لأمر تخيله (ثمّ دلّه الله على ما صنعوا) أي اليهود (فاستخرجه) بنفسه أو بمأموره (من البئر، وروي نحوه) بصيغة المجهول (عن الواقديّ) قاضي العراق وقد سبق ذكره (وعن عبد الرّحمن بن كعب) أي ابن مالك السلمي يروي عن أبيه وعائشة وعنه الزهري وهشام بن عروة ثقة مكثر أخرج له أصحاب الكتب الستة (وعمر بن الحكم) بفتحتين تابعي جليل (وذكر) بصيغة المجهول (عن عطاء الخراسانيّ) من أكابر التابعين روى عنه الأوزاعي ومالك وشعبة قال ابن جابر كنا نغزو معه وكان يحيي الليل صلاة إلى نومة السحر أخرج له الأئمة الستة (عن يحيى بن يعمر) بفتح الياء والميم وقد يضم وحكي عن البخاري وهو غير مصروف للعلمية ووزن الفعل قاضي مرو يروي عن عائشة وابن عباس مقرئ ثقة أخرج له الأئمة الستة قال هارون بن موسى أول من نقط المصاحف يحيى بن يعمر قال الذهبي يقال توفي سنة تسعين وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر عن عطاء (حبس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن عائشة) بصيغة المجهول أي منع من قربانها (سنة فبيننا هو نائم أتاه ملكان) وهما جبريل وميكائيل كما في سيرة الدمياطي (فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِهِ وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ الحديث) أي فقال أحدهما ما له فقال الآخر مطبوب قال من طبه قال لبيد بن الأعصم في جف طلعة ذكر نخل في بئر ذروان وروى عن
ِهِ وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ الحديث) أي فقال أحدهما ما له فقال الآخر مطبوب قال من طبه قال لبيد بن الأعصم في جف طلعة ذكر نخل في بئر ذروان وروى عن
ابن عباس وعائشة أن غلاما من اليهود كان يخدم النبي ﵊ فدنت إليه اليهود فلم يزالوا حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وعدة أسنان من مشطه فأعطاها اليهود فسحروه فيها فنزلت السورتان فيه وعن عائشة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم طب أي سحر حتى أنه ليخيل إليه أنه قد صنع شيئا وما صنعه وأنه دعا ربه ثم قال اشعرت أن الله قد افتاني فيما استفتيته فيه قالت عائشة وما أدراك يا رسول الله قال جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال أحدهما لصاحبه ما وجع الرجل قال الآخر مطبوب قال من طبه قال لبيد بن الاعصم قال فيماذا قال في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر قال وأين هو قال في ذروان وذروان بئر في بني زريق قالت عائشة فأتاها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثم رجع إلى عائشة فقال والله لكأن ماءها نقاعة الحناء ولكأن نخلها رؤوس الشياطين قالت فقلت له هلا أخرجته قال أما أنا فقد شفاني وكرهت أن أثير على الناس من شرا وروي أنه كان تحت صخرة في البئر فرفعوا الصخرة وأخرجوا جف الطلعة وإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان مشطه وعن زيد بن أرقم قال سحر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رجل من اليهود قال فاشتكى لذلك أياما قال فأتاه جبريل ﵇ فقال رجل من اليهود سحرك وعقد لك عقدا فأرسل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عليا فاستخرجها فجاء بها فجعل كلما حل عقدة وجد لذلك خفة فقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كأنما انشط من عقال فما ذكر ذلك لليهودي ولا رآه في وجهه قط قال مقاتل والكلبي كان في وتر عقد إحدى عشرة عقدة وقيل وكانت مغروزة بالإبر فأنزل الله ﷿ هاتين السورتين وهي إحدى عشرة آية سورة الفلق خمس آيات وسورة الناس ست آيات كلما قرأ آية انحلت عقدة حتى انحلت العقد كلها فقام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كأنما انشط من عقال قال البغوي وروي أنه لبث فيه ستة أشهر واشتد عليه ثلاث ليال فنزلت المعوذتان؛ (قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله
انشط من عقال قال البغوي وروي أنه لبث فيه ستة أشهر واشتد عليه ثلاث ليال فنزلت المعوذتان؛ (قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) بعد أن سحر (عن عائشة خاصّة) دون غيرها من نسائه (سنة) وطالعت المدة (حتّى أنكر بصره) أي من ضعف بصره أو من تخيل بعض أمره؛ (وروى محمد بن سعد) بفتح وسكون وهو كاتب الواقدي وصاحب الطبقات وكذا رواه البيهقي بسند ضعيف (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم فحبس عن النّساء) أي منع عنهن وحيل بينه وبينهن (والطّعام والشّراب) أي وعن تكثيره منهما كما هو عادته فيهما (فهبط) بفتح الموحدة أي نزل (عليه ملكان) أي بصورة رجلين فعقد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه (وذكر القصّة) أي إلى آخرها على ما قدمناه ويروي القضية؛ (فَقَدِ اسْتَبَانَ لَكَ مِنْ مَضْمُونِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ السِّحْرَ إِنَّمَا تَسَلَّطَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَجَوَارِحِهِ) أي من جهة منع جماعة ونقصان أكله وشربه (لا على قلبه واعتقاده وعقله) وكذا سلم منه آلة لسانه الذي هو عمدة بيانه وزبدة برهانه (وأنّه إنّما أثّر) أي السحر بعض اثره (في بصره) من ضعف نظره أو تخيل أثره (وحبسه) أي منعه (عن وطء نسائه وطعامه) أي
بعض المنع (وَأَضْعَفَ جِسْمَهُ وَأَمْرَضَهُ وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ يُخَيَّلُ إليه أنّه يأتي أهله) أي بعض نسائه (ولا يأتيهنّ) في نفس الأمر، (أي يظهر له من نشاطه) أي كمال رغبته (ومتقدّم عادته) أي سابقتها في حالته (القدرة على النّساء) بالمجامعة (فإذا دنا منهنّ) أي على قصد مواقعتهن (أصابته) أدركته (أخذة السّحر) بضم الهمزة وخاء ساكنة فذال معجمة فتاء تأنيث وهي رقية كالسحر أو خرزة تؤخذ أي تحبس بها النساء أزواجهن عن النساء دونهن (فلم يقدر على إتيانهنّ كما يعتري) أي يصيب ويغشى (من أخذ) بضم همز وتشديد خاء أي حبس عن وطء امرأة لا يصل لجماعها يقال أخذت المرأة زوجها تأخيذا إذا فعلت به ما تقدم من السحر وفي نسخة وأخذ وهو في مبناه ومعناه ونظيرهما قوله تعالى وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ووقتت كما قرىء بهما في السبعة واختير التفعيل في التأخيذ للمبالغة في أخذه وحبسه (واعترض) بصيغة المجهول أيضا من العرض بالتحريك وهو ما يعرض للإنسان من حوادث الدوران، (ولعلّ) أي الشأن ويروى ولعله (لمثل هذا) السحر (أشار سفيان) أي ابن عيينة أو الثوري (بقوله وهذا) النوع (أشدّ ما يكون من السّحر) لأنه غالبا يكون سببا للتفريق بين المرء وزوجه (ويكون قول عائشة رضي الله تعالى عنها في الرّوايات الأخرى إنّه ليخيّل) وفي نسخة يخيل أي يشبه (إِلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ مِنْ باب ما اختلّ من بصره) أي لأنه كناية عن جماعه مع أهله كما تقدم (فَيَظُنُّ أَنَّهُ رَأَى شَخْصًا مِنْ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ أو شاهد) أي أو يظن أنه رأى (فعلا من غيره ولم يكن) ما ذكر من الشخص والفعل (على ما يخيّل إليه) أي موافقا لتخيله (لما أصابه) أي من ضعف (في بصره) وفي نسخة أي لما أصابه وهن من جهة بصره (وضعف نظره لا لشيء طرأ) بالهمز أي عرض وحدث (عليه في ميزه) بفتح الميم وسكون التحتية وبالزاء أي تمييزه وتفرقته بين الأشياء قال التلمساني وروي في غيره اقول الظاهر إنه تصحيف (وإذا كان) أي أمره ﵊ (هذا) الذي ذكرناه في هذا المقام (لم يكن في إصابة السّحر) وفي نسخة لم يكن ما ذكر في إصابة السحر (له وتأثيره فيه) أي في ظاهر أمره (ما يدخل عليه لبسا)
﵊ (هذا) الذي ذكرناه في هذا المقام (لم يكن في إصابة السّحر) وفي نسخة لم يكن ما ذكر في إصابة السحر (له وتأثيره فيه) أي في ظاهر أمره (ما يدخل عليه لبسا) أي خلطا في باطنه (ولا يجد به الملحد) المائل عن الحق في مقاله (المعترض) بعقله التابع لباطله (أنسا) بضم فسكون أي تبصرا فيما لا يجدي بطائله.
فصل [هذا حاله ﵊ في جسمه] (هذا) الذي ذكرنا في الفصل الذي قدمنا على ما حررنا (حاله) من جهة أمراض وأعراض نازلة أو حاصلة له (في جسمه) من ظاهر جسده وباطنه، (فأمّا أحواله) أي الواردة (في أمور الدّنيا) أي الخارجة عن جسمه (فنحن نسبرها) بنون مفتوحة وسين ساكنة وبموحدة مضمومة فراء من سبرها أو بضم نون فكسر موحدة من أسبرها أي نقيد أحواله ونوزن أفعاله ونوردها (على أسلوبها) ويروى على أسلوبنا (المتقدّم) أي طريقها السابق (بالعقد) بمعنى الاعتقاد (وَالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ؛ أَمَّا الْعَقْدُ مِنْهَا فَقَدْ يَعْتَقِدُ) أي يظن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم
(في أمور الدّنيا الشّيء على وجه) من جواز فعله وتركه في بادئ رأيه (وَيَظْهَرُ خِلَافُهُ أَوْ يَكُونُ مِنْهُ عَلَى شَكٍّ) أي تردد لا يترجح أحد طرفيه (أو ظنّ) يترجح عنده أحد شقيه ويتبين بعده وهذا كله في أمر الدنيا وما يتعلق به من الفرع (بخلاف أمور الشّرع كما) يدل عليه ما (حدّثنا أبو بحر) بفتح موحدة وسكون مهملة (سفيان بن العاص) بغير الياء في آخره (وغير واحد) من المشايخ (سماعا) من بعض (وقراءة) على بعض وهما منصوبان على التمييز أو حالان (قالوا) كلهم (حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ؛ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الرَّازِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ بن عمرويه) بفتح وسكون فضم وفتح فسكون هاء وفي نسخة ففتح تاء وفي نسخة الراء والواو وسكون الياء وكسر الهاء (حدّثنا ابن سفيان) هذا أبو إسحاق محمد بن سفيان راوي الصحيح عن مسلم (حدّثنا مسلم) أي ابن الحجاج الحافظ صاحب الصحيح (حدّثنا عبد الله) ويقال عبيد الله (ابن الرّوميّ) يروي عن ابن عيينة انفرد مسلم بالإخراج له (وعبّاس العنبريّ) منسوب إلى بني العنبر ابن عمرو بن تميم من حفاظ البصرة روى عن القطان وعبد
لله (ابن الرّوميّ) يروي عن ابن عيينة انفرد مسلم بالإخراج له (وعبّاس العنبريّ) منسوب إلى بني العنبر ابن عمرو بن تميم من حفاظ البصرة روى عن القطان وعبد الرزاق وعنه مسلم والأربعة والبخاري تعليقا قال النسائي ثقة مأمون توفي سنة ست وأربعين ومائتين (وأحمد المعقريّ) بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف وفي نسخة بكسر الميم وفتح القاف وفي أخرى بضم الميم وفتح العين وكسر القاف المشددة نسبة إلى ناحية من اليمن توفي بعد خمس وخمسين ومائتين كان بزازا بمكة روى عنه مسلم (قالوا) أي كلهم (حدّثنا النّضر بن محمّد) هو الجرشي اليماني يروي عن شبعة وغيره وعنه أحمد العجلي أخرج له الستة إلا النسائي (قال حدثني عكرمة) أي ابن عمار (حدّثنا أبو النّجاشيّ) هو عطاء ابن صهيب روى عنه عكرمة والأوزاعي وجماعة أخرج له الشيخان والنسائي وابن ماجه (قال حدّثنا رافع بن خديج) انصاري أوسي حارثي شهد أحدا عاش ستا وثمانين سنة توفي بالمدينة سنة ثلاث وسبعين أخرج له الأئمة الستة (قال قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة وهم يأبرون) بضم الموحدة وفي نسخة يؤبرون بضم أوله وكسر بائه مشددة وهو رواية الطبراني يلقحون (النّخل) بوضع طلع ذكورها فيها (فقال ما تصنعون قالوا: كنّا نصنعه) أي شيئا على عادتنا ليكثر فيما يثمر؛ (قال لعلّكم لو لم تفعلوا) أي لو تركتم تأبيرها (كان خيرا) من تأبيرها بناء على هدم المعالجة في تدبير تأثيرها (فتركوه فنفضت) بفتح النون والفاء والضاد المعجمة أي أسقطت حملها من ثمرها وروي فنقصت بالقاف والصاد المهملة وقيل هو تصحيف وعلى تقدير صحته أما بمعنى اسقطت وإما قالت في الحمل وإما قلت في نفسها مع كثرتها أي صارت حشفا وروي نصبت بصاد مهملة بعدها موحدة وبغين معجمة وصاد مهملة قال القاضي ولا معنى لهما وقيل في معناهما أن نصبت من النصب وهو التعب ومعناه أن ثمرها لم يخرج إلا بنكد فصار كأنه تعب وإن نغصت من قولهم نغص لم يتم مراده قال ابن قرقول وفي هذه اللفظة روايات كلها تصحيف إلا الأول، (فذكروا ذلك له) أي من نقصان الثمر (فَقَالَ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ من دينكم) أي ولو برأيي (فخذوا به) لأنه
عليه الصلاة والسلام مبين لأحكام الإسلام (وإذا أمرتكم بشيء من رأيي) وفي رواية من رأي أي في أمر دنياكم مما ليس له تعلق بأمر دينكم وآخرتكم (فإنّما أنا بشر) مثلكم فقد أصيب وقد اخطئ فالأمر فيه مخير لكم (وفي رواية أنس) وفي نسخة رواية أنس أي لمسلم عنه (أنتم أعلم بأمر دنياكم) إن اردتم تبعتموني وإن أردتم اخترتم رأيكم (وفي حديث آخر) رواه مسلم عن طلحة (إنّما ظننت ظنّا فلا تؤاخذوني بالظّنّ) إن لم يكن مطابقا لظنكم وموافقا لرأيكم هذا وعندي أنه ﵊ أصاب في ذلك الظن ولو ثبتوا على كلامه لفاقوا في الفن ولارتفع عنهم كلفة المعالجة فإنما وقع التغير بحسب جريان العادة ألا ترى أن من تعود بأكل شيء أو شربه يتفقده في وقته وإذا لم يجده يتغير عن حالته فلو صبروا على نقصان سنة أو سنتين لرجع النخيل إلى حاله الأول وربما أنه كان يزيد على قدره المعول وفي القضية إشارة إلى التوكل وعدم المبالغة في الأسباب وقد غفل عنها أرباب المعالجة من الأصحاب والله تعالى اعلم بالصواب (وفي حديث ابن عبّاس) رضي الله تعالى عنهما كما رواه البزار بسند حسن (في قصّة الخرص) بفتح الخاء المعجمة فراء ساكنة فصاد مهملة هو الحرز والتقدير لما على الشجر من الرطب تمرا ومن العنب زبيبا أي تخمينه ظنا والقصة ما روي عن أبي حميد قال خرجنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في غزوة تبوك فأتينا وادي القرى على حديقة لامرأة فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أخرصوها فخرصناها وخرص رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عشرة أوسق وقال لها احصيها حتى نرجع إليك إن شاء الله تعالى إلى قوله ثم اقبلنا حتى قدمنا وادي القرى فسأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المرأة عن حديقتها كم بلغ تمرها قالت عشرة أوسق (فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إنّما أنا بشر) وفي كلام جنسهم خطر (فما حدّثتكم عن الله تعالى) أي وحيه جليا أو خفيا (فهو حقّ) أي صوابه دائما (وما قلت فيه) أي من أمور الدنيا (من قبل نفسي) أي مما خطر لي (فإنّما أنا بشر أخطىء وأصيب وهذا) وارد (على ما قرّرناه) آنفا من أنه ﵊ قد يعتقد الشيء من أمور الدنيا على وجه ويظهر خلافه كذا قرره الدلجي على طبق ما
لي (فإنّما أنا بشر أخطىء وأصيب وهذا) وارد (على ما قرّرناه) آنفا من أنه ﵊ قد يعتقد الشيء من أمور الدنيا على وجه ويظهر خلافه كذا قرره الدلجي على طبق ما حرره القاضي ولكن فيه أنه لم يعتقده بل ظنه كما يدل عليه قوله (فِيمَا قَالَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ فِي أُمُورِ الدّنيا وظنّه من أحوالها) الجارية على منوال أفعال أهلها في منالها (لا ما قاله من قبل نفسه) جزما مع أنه جاء مطابقا لما قاله حزما (واجتهاده في شرع شرعه) أي أظهره وبينه عزما (وسنّة) وفي نسخة أو سنة (سنّها) أي طريقة اخترعها لحديث أبي داود عن المقدام بن معدي كرب قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ألا أني أوتيت القرآن ومثله معه يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم مثل ما حرم الله تعالى إلا لا يحل الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه (وكما حكى
الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه (وكما حكى
ابن إسحاق) وقد رواه البيهقي عن عروة والزهري أيضا (أنّه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَزَلَ بِأَدْنَى مِيَاهِ بَدْرٍ) أي في أبعدها منه (قال له الحباب بن المنذر) بضم الحاء المهملة وبموحدتين الخزرجي وكان يقال له ذو الرأي توفي في خلافة عمر كهلا ولم يرو نقلا (أَهَذَا مَنْزِلٌ أَنْزَلَكَهُ اللَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نتقدّمه) لا بأن نتأخر عنه ولا أن نتقدم عليه (أم هو الرّأي والحرب والمكيدة) وهي مفعلة من الكيد بمعنى المكر يعني فلنا المخالفة فإن الحرب خدعة والمكيدة بمعنى الخديعة واقعة (قَالَ: «لَا بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ) أي لم ينزلني الله تعالى فيه ولم يأمرني به وإنما وقع نزولي فيه اتفاقا من غير تأمل في أمره وقد أمرني الله تعالى بقوله قولكم في مصلحة أمركم حيث قال وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (قال فإنّه ليس بمنزل) مرضي بحسب العقل، (انهض) بفتح الهاء والضاد المعجمة وهو القيام إلى الشيء بالسرعة والعجلة أي قم لنا وانتقل بنا (حتّى نأتي أدنى ماء) أي أقربه (من القوم) يعني قريشا (فننزله ثمّ نعوّر ما وراءه من القلب) بضمتين جمع قليب وهو البئر ونعور بتشديد الواو المكسورة بعد عين مهملة وقيل معجمة فعلى الأول أي نفسدها عليهم وعلى الثاني نذهبها في الأرض وندفنها لئلا يقروا على الانتفاع بها وفي رواية السهيلي بضم العين المهملة وسكون الواو وهي لغة فيها (فنشرب ولا يشربون) أي منها، (فقال أشرت بالرّأي) أي الصحيح (وفعل ما قاله) أي الحباب في هذا الباب وقد روى ابن سعد أنه نزل جبريل ﵇ على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال الرأي اشار به الحباب،
الرّأي) أي الصحيح (وفعل ما قاله) أي الحباب في هذا الباب وقد روى ابن سعد أنه نزل جبريل ﵇ على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال الرأي اشار به الحباب، (وقد قال الله تعالى) أي وأمره ﵊ بقوله (وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: ١٥٩] ) ومدحهم في مواضع أخر فقال وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وعنه صلى الله تعالى عليه وسلم ما تشاور قوم إلا هدوا لا رشد أمرهم وقد ورد ما خاب من استخار ولا ندم من استشار (وأراد) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في غزوة الأحزاب (مصالحة بعض عدوّه على ثلث تمر المدينة) من التمر وغيره وفي نسخة بالتاء الفوقية (فاستشار الأنصار) كما رواه البزار عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بلفظ جاء الحارث الغطفاني إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال يا محمد ناصفنا ثمر المدينة وإلا ملأناها عليك خيلا ورجلا فقال حتى استأمر السعود يعني سعد بن عبادة وسعد بن معاذ فشاورهما فقالا لا والله ما اعطينا الدنيئة من أنفسنا بالجاهلية وقد جاء الله تعالى بالإسلام وفي رواية ابن إسحاق أنه ﵊ أراد في غزوة الخندق أن يقاضي أي يصالح بذلك عيينة بن حصين الفزاري والحارث بن عوف المري وهما قائدا غطفان واستشار صلى الله تعالى عليه وسلم في ذلك سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فقال سعد بن معاذ يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله تعالى وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قري أو بيعا فحين أكرمنا الله تعالى بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ما لنا بهذا من حاجة والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله تعالى بيننا وبينهم فقال ﵊ فأنت وذاك القصة
وهذا معنى قوله (فلمّا أخبروه برأيهم رجع عنه) أي عن رأيه، (فمثل هذا) أي ما ذكر عن الحباب ببدر وعن الأنصار في الأحزاب (وأشباهه من أمور الدّنيا) ما لم يكن به الاعتناء (وهي الَّتِي لَا مَدْخَلَ فِيهَا لِعِلْمِ دِيَانَةٍ وَلَا اعتقادها ولا تعليمها) أي مما لم يؤمر به بيانا وتعليما وتبيانا (يجوز عليه فيها ما ذكرناه) وفي نسخة ما ذكروا أي من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قد يظن شيئا على وجه ويظهر خلافه، (إذ ليس في هذا كلّه نقيصة) أي منقصة (ولا محطّة) له عن رفعة مرتبة وعلو منزلة (وإنّما هي أمور اعتياديّة) اعتادها الناس وألفوها (يعرفها من جرّبها) مرة بعد أخرى (وجعلها همّه) أي غاية همه فيها (وشغل نفسه بها) وعالجها وعاناها (والنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) يقول في دعائه ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا وهو (مشحون القلب) أي مملوءة (بمعرفة الرّبوبيّة) وما يتعلق بها من آداب العبودية (ملآن الجوانح) أي الاضلاع وفي نسخة الجوارح (بعلوم الشّريعة مقيّد البال) أي مربوط القلب في جميع الحال (بمصالح الأمّة الدّينيّة والدّنيويّة) أي التي لها تعلق بالأمور الأخروية (ولكن هذا) أي ما يظنه على وجه ويظهر خلافه (إنّما يكون في بعض الأمور) الدنيوية أي التي ليس لها تعلق أصلا بالأحوال الدينية (ويجوز) أي وقوع مثله عنه (في النادر وفيما سبيله التّدقيق) أي تدقيق النظر وتحرير الفكر (في حراسة الدّنيا) بكسر أوله أي محافظتها ومراعاتها (واستثمارها) أي تحصيل ثمرتها ونتيجتها المترتبة عليها (لا في الكثير) من أمورها (المؤذن بالبله) بفتحتين أي المشير إلى البلاهة (والغفلة) المؤذنة بقلة شعورها والحاصل أنه ﵊ واتباعه الكرام كانوا على ضد حال الكفار وأرباب الكفر اللئام كما قال الله تعالى يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (وقد تواتر بالنّقل) من جمع يمتنع من تكذيبهم العقل (عنه صلى الله تعالى عليه وسلم من المعرفة بأمور الدّنيا) وأحوالها (وَدَقَائِقِ مَصَالِحِهَا وَسِيَاسَةِ فِرَقِ أَهْلِهَا مَا هُوَ معجز في البشر) حيث لم يقدر أحد أن يأتي بنظام أمور هذا الباب (مِمَّا قَدْ
يا) وأحوالها (وَدَقَائِقِ مَصَالِحِهَا وَسِيَاسَةِ فِرَقِ أَهْلِهَا مَا هُوَ معجز في البشر) حيث لم يقدر أحد أن يأتي بنظام أمور هذا الباب (مِمَّا قَدْ نَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِي بَابِ مُعْجِزَاتِهِ من هذا الكتاب) .
فصل [وَأَمَّا مَا يَعْتَقِدُهُ فِي أُمُورِ أَحْكَامِ الْبَشَرِ إلى آخره] (وأما ما يعتقده) وفي حاشية الحجازي ويروى بضم أوله وفتح ثالثه والقاف (فِي أُمُورِ أَحْكَامِ الْبَشَرِ الْجَارِيَةِ عَلَى يَدَيْهِ) صلى الله تعالى عليه وسلم (وقضاياهم) المرفوعة منهم إليه (ومعرفة المحق من المبطل) وأغرب التلمساني في ضبطهما بصيغة المفعول وتفسيرهما بالحق والباطل وغرابته من جهة المبنى والمعنى في هذا المقام مما لا يخفى (وعلم المصلح من المفسد) من يداخل بإصلاح أو إفساد من العباد في أمور البلاد (فبهذا السّبيل) أي ما ذكر هنا من معتقده ومعرفته على الوجه الجميل (لقوله ﵊ فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أم سلمة (إنّما أنا بشر) وإنما يوحى إلي أحيانا (وإنّكم تختصمون) بينكم
وترفعون الأمر (إليّ ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن) أي أعرف وأفطن (بحجّته) أي خصومته وتبيين بينته وطريق تمشيته ومنه قول عمر بن عبد العزيز عجبت لمن لاحن الناس كيف لا يعرف جوامع الكلم أي فاطنهم (من بعض) لبلاهته أو لصفاء حالته (فأقضي له) أي فاحكم (على نحو) بالتنوين (ممّا أسمع) أي منه كما في نسخة يعني من كلامه حيث لم أعرف حقيقة مرامه وفي نسخة على نحو ما اسمع بالإضافة،
حالته (فأقضي له) أي فاحكم (على نحو) بالتنوين (ممّا أسمع) أي منه كما في نسخة يعني من كلامه حيث لم أعرف حقيقة مرامه وفي نسخة على نحو ما اسمع بالإضافة، (فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بِشَيْءٍ) فيما ظهر لي على وجه يكون الأمر في الواقع بخلافه (فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قطعة من النّار) لبناء أحكام شريعته على الظاهر وغلبة الظن في قضيته وقد ورد نحن نحكم بالظواهر والله اعلم بالسرائر وإنما صدر الحديث بقوله إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ إيذانا بأن السهو والنسيان غير مستبعد من الإنسان وأن الوضع البشري يقتضي أن لا يدرك من الأمور الشرعية إلا ظواهرها تمهيدا للمعذرة فيما عسى يصدر عنه ﵊ من أمثال تلك الأحكام ولو كان نادرا في الأيام وليس هذا من قبيل الخطأ في الحكم فإن الحاكم مأمور مكلف بأن يحكم بما يسمع من كلام الخصمين وبما تقتضيه البينة لا بما في نفس الأمر في القضية حتى لو حكم المبطل في دعواه بشاهدي زور وفق مدعاه وظن القاضي عدالتهما فهو محق في الحكم وإن لم يكن المحكوم به ثابتا في نفس الأمر.
في نفس الأمر في القضية حتى لو حكم المبطل في دعواه بشاهدي زور وفق مدعاه وظن القاضي عدالتهما فهو محق في الحكم وإن لم يكن المحكوم به ثابتا في نفس الأمر. (حدّثنا الفقيه أبو الوليد رحمه الله تعالى) أي الباجي وهو هشام بن أحمد وهو ابن العواد (حدّثنا الحسين بن محمد الحافظ) هو أبو علي الغساني (حدّثنا أبو عمر) أي ابن عبد البر حافظ الغرب (حدّثنا أبو محمد) هو عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن القرطبي من قدماء شيوخ ابن عبد البر كان تاجرا صدوقا (حدّثنا أبو بكر) وهو ابن داسة راوي السنن عن أبي داود (حدّثنا أبو داود) وهو حافظ العصر صاحب السنن (حدّثنا محمد بن كثير) بفتح الكاف وكسر المثلثة العبدي البصري يروي عن شعبة والثوري عاش تسعين سنة أخرج له الأئمة الستة (أخبرنا سفيان) قال الحلبي الظاهر أنه الثوري ومستندي في هذا أن الحافظ عبد الغني ذكر الثوري فيمن روى عنه محمد بن كثير ولم يذكر ابن عيينة وفي التذهيب قال روي عن سفيان وأطلق فحملت المطلق على المقيد قلت وكلاهما إمامان جليلان في مقامهما فلا إشكال في ابهامهما (عن هشام بن عروة عن أبيه) سبق الكلام عليهما (عن زينب بنت أمّ سلمة) ربيبة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صحابية أخرج لها الأئمة الستة لها الرواية عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أيضا وكان اسمها برة بفتح الموحدة فقال صلى الله تعالى عليه وسلم وسلم فلا تزكوا أنفسكم الله اعلم بأهل البر منكم فسماها زينب (عن أمّ سلمة) إحدى أمهات المؤمنين (قالت قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الحديث) كما تقدم وسبق أنه رواه الشيخان وغيرهما (وفي رواية الزّهريّ) وهو الإمام العالم (عن عروة) وقد تقدم، (فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ) أي أفصح أو أكثر بلاغا يقال بالغ يبالغ مبالغة وبلاغا إذا اجتهد في الأمر أي أجهد نفسه في إيصال كلامه إلى ذهن سامعه واقتصر الدلجي عليه وفيه أنه لا يبنى أفعل من غير الثلاثي المجرد إلا بتقوية
أشد ونحوه فلو أريد هذا المعنى لقيل أكثر تبليغا أو أشد بلاغا ونحوهما (فأحسب أنّه صادق) أي أظن أنه في قوله لما في نفس الأمر موافق (فأقضي له) بما أظنه أنه يستحقه، (ويجري) من الإجراء أي ويمضي (أحكامه ﵊ وفي نسخة يجري من الجريان أي وتقع أحكامه ﵊ ويروى أحكامهم (على الظّاهر) من الأمور وأحوال الأنام (وموجب) بفتح الجيم أي ومقتضى (غلبات الظّنّ) جمع باعتبار جمع القضايا (بشهادة الشّاهد) أي جنسه تارة (ويمين الحالف) أخرى عند انكاره وعدم البينة على خلافه (ومراعاة الأشبه) مما يظنه حقا وقال التلمساني يعني في الحكم بالقائف أقول وهذه مسألة مختلف فيها (ومعرفة العفاص) بكسر العين والصاد المهملتين بينهما فاء بعدها ألف الوعاء الذي يكون فيه الشيء (والوكاء) بكسر أوله ممدودا خيط الوعاء والمراد كل ما يربط من صرة وغيرها والمعنى أنه ﵊ بنى أمره في الأحكام على الأمور الظاهرة من الشهادة واليمين والشبه ومعرفة الوعاء والوكاء في اللقطة من الأشياء وقد أغرب الدلجي حيث قال كني بالعفاص والوعاء عما يظهر له من فحوى كلام الخصمين مما يظن به حقيقة ما ادعى به (مع مقتضى حكمة الله تعالى فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ تَعَالَى لَوْ شَاءَ لَأَطْلَعَهُ) أي نبيه (على سرائر عباده) من أهل ملته (ومخبّآت) أي مخفيات (ضَمَائِرِ أُمَّتِهِ فَتَوَلَّى الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ بِمُجَرَّدِ يَقِينِهِ وعلمه) حينئذ (دون حاجة) أي من غير افتقار له (إلى اعتراف) من أحد المتخاصمين بالحق (أو بينة أو يمين أو شبهة) أي مشابهة ومناسبة ترجح الحكم لأحد وكل ذلك على تقدير مشيئة الله تعالى إطلاعه ﵊ في القضايا (ولكن لمّا أمر الله أمّته باتّباعه) في قواعد شريعته (وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي أَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ وَقَضَايَاهُ وَسَيَرِهِ) أي طريقته (وكان هذا) أي ما أمر الله تعالى أمته باتباعه في جميع سيرته (لو كان ممّا يختصّ) أي النبي ﵊ (بعلمه ويؤثره الله به) أي بانفراده واختصاصه (لَمْ يَكُنْ لِلْأُمَّةِ سَبِيلٌ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ في شيء من ذلك) لعدم إطلاعهم على حقيقة وقوع ما هنالك (ولا قامت) بعده (حجّة) على من خالف أمرا من أمور دينه (بقضيّة من قضاياه لأحد) من
لِاقْتِدَاءِ بِهِ في شيء من ذلك) لعدم إطلاعهم على حقيقة وقوع ما هنالك (ولا قامت) بعده (حجّة) على من خالف أمرا من أمور دينه (بقضيّة من قضاياه لأحد) من حكام ملته (في شريعته) على أحد من أمته (لأنّا لا نعلم ما أطلع عليه) من الإطلاع أو الإطلاع أي مما أوثر به (هو في تلك القضيّة) المرفوعة إليه (بحكمه هو إذن) أي حينئذ (في ذلك) أي في وقت ورودها هنالك (بالمكنون) أي المستور (مِنْ إِعْلَامِ اللَّهِ لَهُ بِمَا أَطْلَعَهُ عَلَيْهِ من سرائرهم) أي ضمائرهم (وهذا) الأمر المكنون والسر المصون (ممّا لا تعلمه الأمّة) إذ لا يطلع عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رسول وأما الأولياء وإن كان قد ينكشف لهم بعض الأشياء لكن علمهم لا يكون لهم يقينا وإلهامهم لا يفيد إلا أمرا ظنيا وبهذا المقال يندفع ما يرد على الحصر في الآية من نوع الإشكال والله تعالى اعلم بالأحوال ثم الأولياء من أرباب الكشوف لا يوجدون في كل زمان ومكان أيضا وربما يدعي كل أحد أنه في مرتبة الولاية العلية (فأجرى الله تعالى أحكامه على ظواهرهم) في القضية (الّتي يستوي في ذلك هو) أي النبي ﵊ (وغيره من البشر) في زمنه
يدعي كل أحد أنه في مرتبة الولاية العلية (فأجرى الله تعالى أحكامه على ظواهرهم) في القضية (الّتي يستوي في ذلك هو) أي النبي ﵊ (وغيره من البشر) في زمنه
وبعده من الأيام (ليتّم) من الإتمام أو التمام أي ليعم (اقتداء أمّته به في تعيين قضاياه) أي أحكام ملته (وتنزيل أحكامه) على أمته وفق قواعد شريعته (ويأتون ما أتوا من ذلك) أي يفعلون ما فعلوا من الحكم بطريقته (عَلَى عِلْمٍ وَيَقِينٍ مِنْ سُنَّتِهِ، إِذِ الْبَيَانُ بالفعل أوقع منه بالقول) أي وحده على خلاف فيه (وأرفع) أي أدفع كما روي (لاحتمال اللّفظ وتأويل المتأوّل) وفيه أن الأحكام منه ﵊ كانت جامعة بين الفعل والقول وإلا ففي قضية الحال كلام لأهل المقال (وكان حكمه على الظّاهر أجلى) أي أظهر لكل أحد (في البيان) أي في ميدان العيان (وأوضح) أي أبين (في وجوه الأحكام) لظهور المرام (وأكثر فائدة لموجبات التّشاجر) أي التخالف والتنازع (والخصام) أي التخاصم في الأحكام (وليقتدي بذلك كلّه) أي بقضاياه وفق شريعته (حكام أمّته) وعلماء أمته (ويستوثق) عطف على ليقتدى أي يستمسك وليس بتصحيف كما ظنه الأنطاكي وفي نسخة يستوسق بالسين بدل المثلثة أي يجتمع وينتظم (بما يؤثر عنه) أي يروى من بيان قواعد طريقته (وينضبط قانون شريعته) المشتملة على كليات أصولية تبنى عليها جزئيات فرعية (وطيّ ذلك) أي عدم الأطلاع ما هنالك (عنه) ﵊ فيما تتعلق به القضايا والأحكام (من علم الغيب الّذي استأثر) أي انفرد (به عالم الغيب) أي ما غاب عن غيره (فلا يظهر على غيبه أحدا) من خلقه (إلّا من ارتضى من رسول) أي من ملك أو بشر (فيعلمه منه) أي بعضه لا كله (بما شاء) أي بشيء يشاء أو بقدر يشاء (ويستأثر) أي وينفرد (بما يشاء) وفي نسخة في الموضعين بما شاء (ولا يقدح هذا) أي عدم إطلاعه ببعض قضية (في نبوّته) من رفعة مرتبته (ولا يفصم) بفتح الياء فسكون الفاء وكسر الصاد أي لا يكسر أو لا يحل (عروة) أي عقدة (من عصمته) أي نزاهته من طهارته.
بعض قضية (في نبوّته) من رفعة مرتبته (ولا يفصم) بفتح الياء فسكون الفاء وكسر الصاد أي لا يكسر أو لا يحل (عروة) أي عقدة (من عصمته) أي نزاهته من طهارته.
فصل [وَأَمَّا أَقْوَالُهُ الدُّنْيَوِيَّةُ مِنْ أَخْبَارِهِ عَنْ أَحْوَالِهِ] (وأمّا أقواله الدّنيويّة) أي الصادرة منه في غير الأمور الأخروية (من أخباره) بكسر أوله أي أعلامه (عَنْ أَحْوَالِهِ وَأَحْوَالِ غَيْرِهِ وَمَا يَفْعَلُهُ أَوْ فعله) مستقبلا أو ماضيا (فقد قدّمنا أنّ الخلف) أي التخلف أو صدور الخلاف أو الاختلاف وفسر بالكذب (فيها) أي في تلك الأقوال وفي نسخة في هذا أي هذا النوع (ممتنع عليه) ولا يجوز أن ينسب شيء منه إليه لعصمته في أخباره (في كلّ حال) يكون علينا (وعلى أيّ وجه) يتصور فيها (مِنْ عَمْدٍ أَوْ سَهْوٍ أَوْ صِحَّةٍ أَوْ مرض أو رضى أو غضب) أي فرح أو حزن (وأنّه) وفي نسخة فإنه ﵊ معصوم منه) أي من الحلف في إخباره في جميع أحواله وأسراره (هذا) أي ما ذكر (فيما طريقه الخبر المحض) الذي ليس فيه تورية لمصلحة (ممّا يدخله الصّدق والكذب) أي بالنسبة إلى غيره (فأما المعاريض الموهم ظاهرها خلاف باطنها) صفة كاشفة (فجائز ورودها منه) أي من النبي ﵊ (في الأمور الدّنيويّة لا سيّما) أي
خصوصا (لقصد المصلحة) المعلقة بالأحوال الأخروية (كتوريته عن وجه مغازيه) حيث كان إذا أراد غزاة ورى بغيرها أي سترها وأوهم أنه يريد غيرها وأصله من الوراء أي ألقى البيان وراء ظهره (لئلّا يأخذ العدوّ حذره) أي احترازه واحتراسه بعد بلوغ خبره وفي الحديث أن في المعاريض لمندوحة عن الكذب (وكما) عطف على كتوريته وقال الدلجي أي ومثل توريته ما (روي من ممازحته ودعابته) بضم داله المهملة أي ملاعبته ومنه قوله لجابر هلا بكرا تداعبها وفيه إشارة إلى ملاعبة صغارهم فعن أنس أنه ﵊ دخل على أم سليم فرأى أبا عمير حزينا فقال يا أم سليم ما بال أبي عمير حزينا قالت يا رسول الله مات بغيره الذي كان يلعب به فقال ﵊ أبا عمير ما فعل النغير رواه الترمذي أو المراد بها ممازحته ومطايبته ومنه قول عمر وقد ذكر عنده علي للخلافة ولا دعابة فيه فتحصل أن الدعابة أعم من الممازحة (لبسط أمّته معه) أي لانبساطهم معه أو لانبساطه معهم وانشراح صدر وطيب خاطر فيما بينهم تأنيسا لهم ببشاشة ملاقاة وطلاقة وجه وحلاوة مكالمة (وتطييب قلوب المؤمنين من صحابته) قال الدلجي من بيانية لا تبعيضية وأقول الأظهر الثاني لأن مزاحه ﵊ لم يكن مع جميع أصحابه الكرام (وتأكيدا في تجيبهم) ويروى في تحببهم أي في محبتهم فيه وميلهم إليه (ومسرّة نفوسهم) أي فرحها حال حضورهم لديه صلى الله تعالى عليه وسلم (كقوله) لبعض أصحابه على ما رواه أبو داود والترمذي وصححه عن أنس ﵁ (لأحملنّك على ابن النّاقة) ولفظ الترمذي أن رجلا استحمل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال إني حاملك على ولد الناقة وروى ابن سعيد بإسناده أن أم أيمن جاءت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقالت احملني فقال احملك على ولد الناقة فقالت إنه لا يطيقني فقال لا احملك إلا على ولد الناقة والإبل كلها ولد النوق فدل على تعدد الواقعة فقال يا رسول الله ما أصنع بولد الناقة فقال ﵊ وهل تلد الإبل إلا النوق (وقوله) فيما رواه ابن أبي حاتم وغيره من حديث عبد الله بن سهم الفهري (لِلْمَرْأَةِ الَّتِي سَأَلَتْهُ عَنْ زَوْجِهَا أَهُوَ الَّذِي بعينه بياض وهذا) أي ما قاله ﵊ مداعبة (كلّه صدق لأنّ كلّ جمل) صغيرا كان أو



