— Bagian 8 · سبوا٧، وَأنْفق عُثْمَان ﵁ نَفَقَة عَظِيمَة جهز ب… —
Bagian 8
سبوا٧، وَأنْفق عُثْمَان ﵁ نَفَقَة عَظِيمَة جهز بهَا جمَاعَة من المعسرين فِي تِلْكَ الْغَزْوَة. وَرُوِيَ أَنه حمل فِي تِلْكَ الْغُزَاة على تِسْعمائَة
بعير وَمِائَة فرس وجهزهم حَتَّى لم يفقدوا عقَالًا وَلَا شكالا١، وَرُوِيَ أَنه أنْفق فِيهَا ألف دِينَار. وَفِي هَذِه الْغَزْوَة أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ البكاؤن وهم سَبْعَة: سَالم بْن عُمَيْر [من بني٢ عَمْرو] بْن عَوْف، وعلبة بْن زيد أَخُو بني حَارِثَة، وَأَبُو ليلى عَبْد الرَّحْمَن بْن كَعْب من بني مَازِن بْن النجار، وَعَمْرو بْن الْحمام من بني سَلمَة، وَعبد اللَّه بْن الْمُغَفَّل الْمُزنِيّ وَقيل: بل هُوَ عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرو الْمُزنِيّ، وهرمي بْن عَبْد اللَّهِ أَخُو بني وَاقِف وعرباض بْن سَارِيَة الْفَزارِيّ. فاستحملوا٣ رَسُول اللَّه ﷺ، فَلَمْ يَجدوا عِنْده مَا يحملهم عَلَيْهِ، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أَن لَا يَجدوا مَا يُنْفقُونَ. فسموا البكائين. وَذكروا أَن ابْن يَامِين بْن عُمَيْر٤ النضري حمل أَبَا ليلى وَعبد اللَّه بْن مُغفل على نَاضِح٥ لَهُ يعتقبانه٦، وزودهما تَمرا كثيرا. وَاعْتذر الْمُخَلفُونَ من الْأَعْرَاب، فعذرهم رَسُول اللَّه ﵇. وَخرج رَسُول اللَّهِ ﷺ، وَضرب عسكره على بَاب الْمَدِينَة، وَاسْتعْمل عَلَيْهَا مُحَمَّد بْن مسلمة، وَقيل: بل سِبَاع بْن عرفطة، وَقيل: بل خلف عَلَيْهَا عَليّ بْن أبي طَالب ﵁ وَهُوَ الأثبت: أَن رَسُول الله خلف عليا فِي غَزْوَة تَبُوك، فَقَالَ المُنَافِقُونَ: استثقله، فَذكر ذَلِك عَليّ رضوَان اللَّه عَلَيْهِ لرَسُول اللَّهِ ﷺ فِي خبر سعد، فَقَالَ: "كذبُوا، إِنَّمَا خلفتك لما تركت ورائي، فَارْجِع فَاخْلُفْنِي فِي أَهلِي وَأهْلك، فَأَنت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى، إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي". والْآثَار بذلك متواترة صِحَاح قد ذكرت كثيرا مِنْهَا فِي غير هَذَا الْموضع. وَخرج عَبْد الله بن أبي سلول بعسكره، فَضَربهُ على بَاب الْمَدِينَة أَيْضا، فَكَانَ عسكره فِيمَا زَعَمُوا لَيْسَ بِأَقَلّ العسكريين، وَهُوَ يظْهر الْغُزَاة مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ،
فَلَمَّا نَهَضَ رَسُول اللَّه ﷺ تخلف عَبْد الله بْن سلول فِيمَن تخلف من الْمُنَافِقين وَأهل الريب، وَكَانُوا نيفا وَثَمَانِينَ رجلا، خَلَّفَهُمْ سُوءُ نياتهم ونفاقهم. وتخلف فِي هَذِه الْغُزَاة من صالحي الْمُسلمين ثَلَاثَة١ رجال، وهم: كَعْب بْن مَالك الشَّاعِر من بني سَلمَة، ومرارة بْن ربيعَة وَيُقَال ابْن الرّبيع عَمْرو بْن عَوْف، وهلال بْن أُميَّة الوَاقِفِي. فافتقدهم رَسُول اللَّه ﷺ بعد يَوْم أَو يَوْمَيْنِ، فَقيل لَهُ: تخلفوا. فَعجب من ذَلِك، وَعز عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ يعرف إِيمَانهم وفضلهم. ونهض ﷺ، فخطر٢ على حجر ثَمُود٣، فَأمر أَصْحَابه أَن لَا يتوضئوا من بِئْر ثَمُود، وَلَا يعجنوا خبْزًا بِمَائِهَا، وَلَا يستعملوا شَيْئا مِنْهُ، فَقيل لَهُ: بِأَن قوما عجنوا مِنْهُ، فَأمر بالعجين، فَطرح لِلْإِبِلِ علفا. وَأمرهمْ أَن لَا يستعملوا مَاء بِئْر النَّاقة فِي كل مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ. وَأمر أَصْحَابه ﵇ بِأَن لَا يدخلُوا بيُوت ثَمُود، وَقَالَ: "لَا تدْخلُوا [بيُوت] ٤ هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبين إِلَّا أَن تَكُونُوا بَاكِينَ [خشيَة] أَن يُصِيبكُم مثل مَا أَصَابَهُم". ونهاهم أَن يخرج أحدهم مُنْفَردا، فَخرج رجلَانِ من بني سَاعِدَة، كل وَاحِد مِنْهُمَا مُنْفَرد عَن صَاحبه، أَحدهمَا يُرِيد الْغَائِط، فَخُنِقَ فَأُخْبِرَ النَّبِي ﵇، فَدَعَا لَهُ، فشفي وَالْآخر خرج فِي طلب بعير لَهُ فَأَخَذته الرّيح ورمته فِي جبل طَيء، فَردته بعد ذَلِك إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ. وعطش النَّاس فِي تِلْكَ الْغُزَاة عطشا شَدِيدا، فَدَعَا رَسُول اللَّه ﷺ ربه فَأرْسل٥ عَلَيْهِم سَحَابَة ارتووا مِنْهَا وَدَوَابُّهُمْ وَإِبِلُهُمْ٦، وَأخذُوا حَاجتهم [من المَاء] . وأضل ﷺ نَاقَته، وَقَالَ من فِي قلبه نفاق: مُحَمَّد يَدعِي أَن٧ خبر السَّمَاء يَأْتِيهِ
وَدَوَابُّهُمْ وَإِبِلُهُمْ٦، وَأخذُوا حَاجتهم [من المَاء] . وأضل ﷺ نَاقَته، وَقَالَ من فِي قلبه نفاق: مُحَمَّد يَدعِي أَن٧ خبر السَّمَاء يَأْتِيهِ
[و] لَا يدْرِي أَيْن نَاقَته١ فَنزل الْوَحْي بِمَا قَالَ هَذَا الْقَائِل على رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَدَعَا أَصْحَابه، فَأخْبرهُم بقول الْقَائِل، وَأخْبرهمْ أَن اللَّه ﷿ قد عرفه بِموضع نَاقَته وَأَنَّهَا فِي مَوضِع كَذَا قد تعلق خطامها بشجرة، فابتدروا الْمَكَان الَّذِي وصف ﵇، فوجدوها هُنَالك. وَقيل إِن قَائِل ذَلِك القَوْل زيد بْن اللصيت القينقاعي وَكَانَ منافقا، وَقيل إِنَّه تَابَ بعد ذَلِك، وَقيل لم يتب، وَالله أعلم. وَفِي هَذِه الْغُزَاة ذكرُوا أَن رَسُول اللَّه ﷺ، رأى أَبَا ذَر يمشي فِي نَاحيَة الْعَسْكَر وَحده، فَقَالَ: "يرحم اللَّه أَبَا ذَر يمشي وَحده، وَيَمُوت وَحده، وَيبْعَث وَحده". فَكَانَ، كَمَا قَالَ ﷺ: مَاتَ بالربذة٢ وَحده، وَأخرج بعد أَن كفن إِلَى الطَّرِيق يلْتَمس من يُصَلِّي عَلَيْهِ، فصادف إقبال ابْن مَسْعُود من الْكُوفَة فصلى عَلَيْهِ، وَكَانَ مِمَّن سمع هَذَا الحَدِيث، فَحدث بِهِ يَوْمئِذٍ أَيْضا. وَنزل الْقُرْآن من سُورَة بَرَاءَة وَسورَة الْأَحْزَاب بفضيحة الْمُنَافِقين الَّذين كَانُوا يخذلون الْمُسلمين، وَتَابَ من أُولَئِكَ مخشن٣ بْن حمير، ودعا اللَّه أَن يكفر عَنهُ بِشَهَادَة يخفي بهَا مَكَانَهُ، فَقتل يَوْم٤ الْيَمَامَة وَلم يُوجد لَهُ أثر. [بعث٥ خَالِد بْن الْوَلِيد إِلَى أكيدر دومة٦] وَبعث رَسُول اللَّه ﷺ خَالِد بْن الْوَلِيد إِلَى أكيدر بْن عَبْد الْملك صَاحب دومة، وَقَالَ لَهُ: "يَا خَالِد إِنَّك ستجده يصيد الْبَقر". فَأَتَاهُ خَالِد لَيْلًا٧ وَقرب من حصنه وَأرْسل اللَّه تَعَالَى بقر الْوَحْش فَأَتَت تحك حَائِط الْقصر بقرونها، فنشط أكيدر ليصيدها. وَخرج فِي اللَّيْل، فَأَخذه خَالِد، وَبعث بِهِ إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ، فَعَفَا عَنهُ النَّبِي
فَأَتَت تحك حَائِط الْقصر بقرونها، فنشط أكيدر ليصيدها. وَخرج فِي اللَّيْل، فَأَخذه خَالِد، وَبعث بِهِ إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ، فَعَفَا عَنهُ النَّبِي
عَلَيْهِ السَّلَام، ورده إِلَى حصنه بعد أَن صَالحه على الْجِزْيَة. وَصَالح يحنة بْن رؤبة صَاحب أَيْلَة١ على الْجِزْيَة. [العودة من تَبُوك] وَأقَام رَسُول اللَّه ﷺ بتبوك بضع عشرَة لَيْلَة، وَلم يتجاوزها٢، ثمَّ انْصَرف وَكَانَ فِي طَرِيقه مَاء قَلِيل، فَنهى أَن يسْبق أحد إِلَى المَاء، فَسبق إِلَيْهِ رجلَانِ، فاستنفدا مَا فِيهِ، فسبهما رَسُول اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّه أَن يَقُول. ثمَّ وضع يَده فِي المَاء ودعا الله فِيهِ الْبركَة، فَجَاشَتْ الْعين بِمَاء عَظِيم كفى الْجَيْش كُله. وَأخْبر ﵇ أَن ذَلِك الْموضع سَيُمْلأُ جِنَانًا. فَكَانَ كَذَلِك. وَبنى رَسُول اللَّه ﷺ بَين تَبُوك وَالْمَدينَة مَسَاجِد كَثِيرَة نَحْو سِتَّة عشر مَسْجِدا، أَولهَا مَسْجِد بناه بتبوك وَآخِرهَا بِذِي خشب٣. مَسْجِد الضرار وَكَانَ أهل مَسْجِد الضرار قد أَتَوْهُ وَهُوَ متجهز إِلَى تَبُوك، فَقَالُوا: يَا رَسُول اللَّه إِنَّا قد بنينَا مَسْجِدا لذِي الْعَيْلَةِ٤ وَالْحَاجة والليلةِ الْمَطِيرَة، وَإِنَّا نحب أَن تَأْتِينَا فَتُصَلِّي فِيهِ، فَقَالَ لَهُم: "أَنا فِي شغل السّفر، وَإِذا انصرفت فسيكون" ٥ فَلَمَّا انْصَرف رَسُول اللَّه ﷺ أَمر فِي مُنْصَرفه بهدم مَسْجِد الضرار: أَمر بذلك مَالك بْن الدخشم ومعن بْن عدي وَعَاصِم بْن عدي أَخَاهُ وَأمر بإحراقه، وَقَالَ لَهُم: "اخْرُجُوا إِلَى هَذَا الْمَسْجِد الظَّالِم أَهله، فَاهْدِمُوهُ وأحرقوه" فَخَرجُوا مُسْرِعين. وَأخرج مَالك بْن الدخشم من منزله شعلة من نَار. ونهضوا فأحرقوا الْمَسْجِد وهدموه وَكَانَ الَّذين بنوه: خذام بْن خَالِد من بني عبيد بْن زيد أحد بني
عَمْرو بْن عَمْرو بْن عَوْف وَمن دَاره أخرج مَسْجِد الضرار، ومعتب بْن قُشَيْر من بني ضبيعة بْن زيد، وَأَبُو حَبِيبَة بْن الأزعر من بني ضبيعة١ بْن زيد، وَعباد بْن حنيف أَخُو سهل بْن حنيف من بني عَمْرو بْن عَوْف، وَجَارِيَة بْن عَامر وابناه: مجمع وَزيد ابْنا جَارِيَة، ونبتل بْن الْحَارِث من بني ضبيعة، وبحزج وَهُوَ من بني ضبيعة، وبجاد بْن عُثْمَان من بني ضبيعة [ووديعة٢ بْن ثَابت] من بني أُميَّة بْن زيد. وثعلبة بْن حَاطِب مَذْكُور فيهم، وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ قد شهد بَدْرًا. وَمَات عَبْد الله ذُو البجاد [ين] الْمُزنِيّ فِي غَزْوَة تَبُوك، فَتَوَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بكر وَعمر غسله وَدَفنه، وَنزل رَسُول اللَّه ﷺ فِي قَبره، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي رَاض عَنهُ، فارض عَنهُ". [حَدِيث ٣ كَعْب بْن مَالك وَأَصْحَابه المتخلفين] وَأما اخْتِصَار حَدِيث كَعْب بْن مَالك وَأَصْحَابه الَّذين تخلفوا عَن رَسُول اللَّه ﷺ فِي غَزْوَة تَبُوك لغير رِيبَة فِي الدَّين وَلَا تُهْمَة نفاق إِلَّا مَا كَانَ من علم اللَّه فِي إِظْهَار حَالهم وَالزِّيَادَة فِي فَضلهمْ، روينَاهُ من طرق صَحِيحَة لَا أحصيها كَثْرَة عَن ابْن شهَاب، وخرجه المصنفون وَأَصْحَاب المساند. ذكره ابْن شهَاب عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدثهُ، قَالَ: سَمِعت أبي كَعْب بن مَالك، قَالَ، فَذكر الحَدِيث، وَفِيه قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلا مِنْ تَبُوكَ ثَابَ إِلَيَّ لُبِّي وَعَلِمْتُ أَنِّي قَدْ فَعَلْتُ مَا لَمْ يُرْضِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِي تَخَلُّفِي عَنْهُ. فَقُلْتُ أَكْذِبُهُ، وتذكرت مَا يكون الْكَذِبِ الَّذِي أَخْرُجُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَتَّجِهْ لِي. فَلَمَّا قِيلَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَطَلَّ٤
أَكْذِبُهُ، وتذكرت مَا يكون الْكَذِبِ الَّذِي أَخْرُجُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَتَّجِهْ لِي. فَلَمَّا قِيلَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَطَلَّ٤
قَادِمًا زَاحَ١ عَنِّي الْبَاطِلُ، وَعَلِمْتُ أَنِّي لَا أَنْجُو مِنْهُ إِلا بِالصِّدْقِ. فَلَمَّا صَبَّحَ٢ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَة نَزَلَ بِالْمَسْجِدِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ جَلَسَ فَجَاءَ الْمُتَخَلِّفُونَ، فَجَعَلُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ. وَجِئْتُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَتَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، وَقَالَ لِي: "مَا خَلَّفَكَ؟ ألم أكن ابتعت ظهر ك؟ " ٣ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْ غَيْرِكَ لَرَجَوْتُ أَنْ أُقِيمَ عِنْدَهُ عُذْرِي لأَنِّي أُعْطِيتُ جَدَلا٤ وَلَكِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنِّي إِنْ كَذَبْتُكَ الْيَوْمَ أَطْلَعَكَ اللَّهُ عَلَيْهِ٥ غَدًا، فَفَضَحْتُ نَفْسِي. فَوَاللَّهِ مَا كَانَ لِيَ عُذْرٌ فِي التَّخَلُّفِ عَنْكَ، وَمَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا هَذَا فَقَدْ صَدَقَكُمْ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ" فَقُمْتُ وَمَعِي رِجَالٌ مِنْ قَوْمِي: بَنِي سَلَمَةَ يَقُولُونَ: مَا عَلِمْنَاكَ أَتَيْتَ قَطُّ غَيْرَ هَذَا الذَّنْبِ، أَفَلا اعْتَذَرْتَ إِلَيْهِ فَيَسَعَكَ مَا وَسِعَ الْمُتَخَلِّفِينَ؟ وَكَانَ يَكْفِيكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى هَمَمْتُ أَنْ أَنْصَرِفَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَأَكْذِبَ نَفْسِي ثُمَّ قُلْتُ: هَلْ لَقِيَ مِثْلَ هَذَا أَحَدٌ غَيْرِي؟ قَالُوا: [نَعَمْ] ٦ رَجُلانِ قَالا مِثْلَ مَقَالِكَ، وَقِيلَ لَهُمَا مِثْلَ مَا قِيلَ لَكَ، قُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ رَبِيعَةَ الْعَمْرِيُّ وَهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ. فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ فِيهِمَا أُسْوَةٌ، فَصَمَتُّ حِينُ ذَكَرُوهُمَا لِي.
ِيعَةَ الْعَمْرِيُّ وَهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ. فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ فِيهِمَا أُسْوَةٌ، فَصَمَتُّ حِينُ ذَكَرُوهُمَا لِي. وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَلامِنَا أَيُّهَا الثَّلاثَةُ خَاصَّةً٧ فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ وَتَغَيَّرُوا لَنَا، حَتَّى تَنَكَّرَتْ لِي نَفْسِي وَالأَرْضُ الَّتِي أَنَا فِيهَا. فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا، وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَأَطُوفُ بِالأَسْوَاقِ لَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَلا أَسْمَعُهُ يَرُدُّ عَلَيَّ، فَأَقُولُ: لَيْتَ شِعْرِي هَلَّ رَدَّ فِي نَفْسِهِ. وَكُنْتُ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ، وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلاتِي نَظَرَ إِلَيَّ، فَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي حَتَّى إِذَا طَالَ ذَلِكَ عَلَيَّ مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمِينَ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ٨ جِدَار "حَائِط" أبي
قَتَادَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا زَادَ١ عَلَى السَّلامِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ نَشَدْتُكَ اللَّهَ هَلْ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ فَسَكَتَ فَنَاشَدْتُهُ ثَانِيَةً، فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَفَاضَتْ عَيْنَايَ فَعُدْتُ فَوَثَبْتُ [فَتَسَوَّرْتُ] ٢ الْجِدَارَ، وَخَرَجْتُ. ثُمَّ غَدَوْتُ إِلَى السُّوقِ فَإِذَا رَجُلٌ يَسْأَلُ عَنِّي مِنْ نِبْطِ٣ الشَّامِ الْقَادِمِينَ بِالطَّعَامِ إِلَى الْمَدِينَةِ، يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَيَّ فَجَاءَنِي، فَدَفَعَ إِلَيَّ كتاب مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ، فَالْحَقْ بِنَا نواسك. فَعَمَدْتُ إِلَى تَنُّورٍ٤، فَسَجَرْتُ٥ فِيهِ الْكِتَابَ. وَأَقَمْتُ حَالِي حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ أَتَانِي، فَقَالَ لِي: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ، فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا؟ قَالَ: لَا بَلِ اعْتَزِلْهَا وَلا تَقْرَبْهَا. وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لامْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَكُونِي فِيهِمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الأَمْرِ مَا هُوَ قَاضٍ، وَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ كَبِيرٌ ضَائِعٌ لَا خَادِمَ لَهُ أَفَتَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: "لَا وَلَكِنْ لَا يَقْرَبَنَّكِ" قَالَتْ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بِهِ مِنْ حَرَكَةٍ إِلَيَّ، وَمَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِي هَذَا حَتَّى تَخَوَّفْتُ عَلَى بَصَرِهِ.
لَّهِ مَا بِهِ مِنْ حَرَكَةٍ إِلَيَّ، وَمَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِي هَذَا حَتَّى تَخَوَّفْتُ عَلَى بَصَرِهِ. وَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي خِدْمَةِ امْرَأَتِكَ فَقَدْ أَذِنَ لِهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ؟ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ، إِنِّي لَا أَدْرِي مَا يَقُولُ لِي وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ. قَالَ: فَلَبِثْنَا فِي ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ فَكَمُلَ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْكَلامِ مَعَنَا. فَلَمَّا صَلَّيْتُ [الصُّبْحَ] ٧ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَة وَأَنا قد ضَاقَتْ
عَلَيَّ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ١ وَضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، فَأَنَا كَذَلِكَ إِذْ سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ قَدْ وَافَى عَلَى ظَهْرِ سَلْعٍ٢ [يُنَادِي٣ بِأَعْلَى صَوْتِهِ] : يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ، فَخَرَرْتُ لِلَّهِ سَاجِدًا وَعَلِمْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ الْفَرَجُ، وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى الْفَجْرَ فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا. وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَيَّ فَرَسًا وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ حَتَّى وَافَى عَلَى الْجَبَلِ، وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ.
ُبَشِّرُونَنَا. وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَيَّ فَرَسًا وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ حَتَّى وَافَى عَلَى الْجَبَلِ، وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ. فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ، وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ يَوْمَئِذٍ غَيْرَهُمَا، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا ثُمَّ انْطَلَقْتُ أَتَيَمَّمُ٤ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَتَلَقَّانِيَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنِي بِالتَّوْبَةِ، وَيَقُولُونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ، حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَحَيَّانِي وَهَنَّأَنِي، وَوَاللَّهِ مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ قَالَ: فَكَانَ كَعْبٌ لَا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ. قَالَ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ على رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ [لِي] ٥ وَوَجْهُهُ يَبْرُقُ مِنَ السُّرُورِ: "أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ" قُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: "لَا بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ" قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا اسْتَبْشَرَ كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ. فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي إِلَى اللَّهِ أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ" قُلْتُ: إِنِّي مُمْسِكٌ سَهْمِيَ الَّذِي بِخَيْبَرَ. وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْجَانِي بِالصِّدْقِ وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحَدِّثَ إِلا صِدْقًا مَا بَقِيتُ.
خَيْبَرَ. وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْجَانِي بِالصِّدْقِ وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحَدِّثَ إِلا صِدْقًا مَا بَقِيتُ. وَكَانَ مَا نَزَلَ فِي شَأْنِي مِنَ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ٦ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين﴾ .
إِسْلَام ١ ثَقِيف وَلما كَانَ فِي رَمَضَان سنة تسع من الْهِجْرَة منصرف رَسُول اللَّه ﷺ من تَبُوك أَتَاهُ وَفد ثفيف. وَقد كَانَ عُرْوَة بْن مَسْعُود الثَّقَفِيّ لحق برَسُول اللَّه ﷺ فِي حِين انْصِرَافه من حِصَار الطَّائِف، فأدركه قبل أَن يدْخل الْمَدِينَة، فَأسلم. وَسَأَلَهُ أَن يرجع إِلَى قومه بِالْإِسْلَامِ، وَكَانَ سيد قومه ثَقِيف، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ: "إِنَّهُمْ قَاتِلُوكَ". وَعرف رَسُول اللَّه ﷺ امتناعهم٢ ونخوتهم، فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه إِنِّي أَحَبُّ إِلَيْهِم من أبكارهم٣ ووثق بمكانه مِنْهُم، فَانْصَرف إِلَيْهِم ودعاهم إِلَى الْإِسْلَام وَأخْبرهمْ أَنه قد أسلم. فَرَمَوْهُ بِالنَّبلِ، فَأَصَابَهُ سهم، فَقتله. فَزَعَمت بَنو مَالك أَنه قَتله رجل مِنْهُم، فَقيل لَهُ: مَا ترى فِي دمك؟ فَقَالَ: كَرَامَة أكرمني اللَّه بهَا، وَشَهَادَة سَاقهَا إِلَيّ، فَلَيْسَ فِي إِلَّا مَا فِي الشُّهَدَاء الَّذين قتلوا مَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قبل أَن يدْخل٤ إِلَيْكُم. وَأوصى أَن يدْفن مَعَهم. فَهُوَ مدفون خَارج الطَّائِف مَعَ الشُّهَدَاء وَذكروا أَن رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ: $"مَثَلُهُ فِي قومه مَثَلُ صَاحب ياسين٥ فِي قومه". ثمَّ إِن ثقيفا رَأَوْا أَن لَا طَاقَة لَهُم بِمَا هم فِيهِ من خلاف جَمِيع الْعَرَب ومغاورتهم لَهُم والتضييق عَلَيْهِم، فَاجْتمعُوا على أَن يرسلوا من أنفسهم رَسُولا، كَمَا أرْسلُوا عُرْوَة، فَكَلَّمُوا عبد يَا ليل بْن عَمْرو بْن عُمَيْر، وَكَانَ فِي سنّ عُرْوَة بْن مَسْعُود، فِي ذَلِك، فَأبى أَن يفعل، وخشي أَن يُصْنَعَ بِهِ مَا صنع بِعُرْوَة بْن مَسْعُود، وَقَالَ: لست فَاعِلا إِلَّا أَن تُرْسِلُوا معي رجَالًا، فَأَجْمعُوا على أَن يبعثوا مَعَه رجلَيْنِ من الأحلاف وَثَلَاثَة من بني مَالك فَيَكُونُوا سِتَّة. فبعثوا مَعَ عبد يَا ليل: الحكم بْن عَمْرو بْن وهب بن معتب، وشرحبيل بن
ن يبعثوا مَعَه رجلَيْنِ من الأحلاف وَثَلَاثَة من بني مَالك فَيَكُونُوا سِتَّة. فبعثوا مَعَ عبد يَا ليل: الحكم بْن عَمْرو بْن وهب بن معتب، وشرحبيل بن
غيلَان بْن سَلمَة من بني معتب١، وَمن بني مَالك: عُثْمَان بْن أبي العَاصِي بْن بشر بْن عَبْد دهمان. وَأَوْس بْن عَوْف أَخا بني سَالم وَقد قيل إِنَّه قَاتل عُرْوَة، ونمير بْن خَرشَة بْن ربيعَة. فَخَرجُوا حَتَّى قدمُوا الْمَدِينَة، فَأول من رَآهُمْ بقناةَ٢ المغيرةُ٣ بْن شُعْبَة، وَكَانَ يرْعَى ركاب٤ أَصْحَاب رَسُول اللَّهِ ﷺ [فِي] ٥ نوبَته، وَكَانَت رعيتها نوبا عَلَيْهِم، فَترك عِنْدهم الركاب، ونهض مسرعا، ليبشر رَسُول اللَّه ﷺ بقدومهم، فلقي أَبَا بكر الصّديق، فاستخبره عَن شَأْنه فَأخْبرهُ بقدوم وَفد قومه: ثَقِيف، لِلْإِسْلَامِ. فأقسم عَلَيْهِ أَبُو بكر أَن يؤثره بتبشير رَسُول اللَّهِ ﷺ بذلك، فَأَجَابَهُ الْمُغيرَة إِلَى ذَلِك. فَكَانَ أَبُو بكر هُوَ الَّذِي بشر النَّبِي ﷺ بذلك. ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِم الْمُغيرَة. وَرجع مَعَهم، وَأخْبرهمْ كَيفَ يحيون رَسُول اللَّه ﷺ، فَلم يَفْعَلُوا وحيوه بِتَحِيَّة الْجَاهِلِيَّة. فَضرب لَهُم رَسُول اللَّهِ ﷺ قبَّة فِي نَاحيَة الْمَسْجِد وَكَانَ خَالِد بْن سعيد بْن الْعَاصِ هُوَ الَّذِي يخْتَلف بَينهم وَبَين رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَهُوَ الَّذِي كتب الْكتاب لَهُم، وَكَانَ الطَّعَام يَأْتِيهم من عِنْد رَسُول اللَّه ﷺ فَلَا يَأْكُلُون حَتَّى يَأْكُل مِنْهُ خَالِد بْن سعيد. وسألوا رَسُول اللَّه ﷺ قبل أَن يكْتب كِتَابهمْ أَن يتْرك لَهُم الطاغية٦ وَهِي اللات لَا يَهْدِمهَا ثَلَاث سِنِين. فَأبى رَسُول اللَّه إِلَّا هدمها. وسألوه أَن لَا يهدموا٧ أوثانهم وَألا يكسروها بِأَيْدِيهِم، فأعفاهم رَسُول اللَّه ﷺ مِنَ كسرهَا بِأَيْدِيهِم، وَأبي أَن يدع لَهُم وثنا. وَقَالُوا: إِنَّمَا أردنَا أَن نسلم بِتَرْكِهَا من سفهائنا ونسائنا، وخفنا أَن نروع قَومنَا بهدمها حَتَّى ندخلهم الْإِسْلَام وَقد كَانُوا سَأَلُوهُ مَعَ ترك الطاغية أَن يعفيهم من الصَّلَاة، فَقَالَ لَهُم: "لَا خير فِي دين لَا صَلَاة فِيهِ".
بهدمها حَتَّى ندخلهم الْإِسْلَام وَقد كَانُوا سَأَلُوهُ مَعَ ترك الطاغية أَن يعفيهم من الصَّلَاة، فَقَالَ لَهُم: "لَا خير فِي دين لَا صَلَاة فِيهِ".
فَلَمَّا كتب لَهُم رَسُول اللَّه ﷺ كِتَابهمْ أَمر عَلَيْهِم عُثْمَان بْن أبي العَاصِي، وَكَانَ أحدثهم سنا، وَرَآهُ أحرصهم على تعلم الْقُرْآن وَشَرَائِع الْإِسْلَام. وَأمره أَن يُصَلِّي بهم وَأَن يقدرهم بأضعفهم وَلَا يطول عَلَيْهِم١. وَأمره أَن يتَّخذ مُؤذنًا لَا يَأْخُذ على أَذَانه أجرا وَبعث مَعَهم أَبَا سُفْيَان بْن حَرْب والمغيرة بْن شُعْبَة لهدم الْأَوْثَان والطاغية وَغَيرهَا، فَأَقَامَ أَبُو سُفْيَان فِي مَاله٢ بِذِي الهزم٣، وَقَالَ للْمُغِيرَة: ادخل أَنْت على قَوْمك. فَدخل الْمُغيرَة. وَشرع٤ فِي هذم الطاغية وَهِي اللات. وَقَامَ٥ دونه قومه بَنو معتب خشيَة أَن يُرْمَى كَمَا رُمِيَ عُرْوَة بْن مَسْعُود، وَخرج نسَاء ثَقِيف يبْكين اللات حسرا٦ ويَنُحْنَ عَلَيْهَا. فَهَدمهَا الْمُغيرَة وَأخذ مَالهَا وحليها. وَقد كَانَ أَبُو مليح بْن عُرْوَة [بْن٧ مَسْعُود] وقارب بْن الْأسود قدما على رَسُول اللَّه ﷺ قبل وَفد ثَقِيف حِين٨ قتل عُرْوَة بْن مَسْعُود يُريدَان فِرَاق ثَقِيف وَأَن لَا يجامعاهم على شَيْء أبدا، فَأَسْلمَا. وَقَالَ لَهما: "توليا من شئتما" فَقَالَا: نتولى اللَّه وَرَسُوله. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وخالكما أَبَا سُفْيَان بْن حَرْب" [فَقَالَا٩: وخالنا أَبَا سُفْيَان بْن حَرْب] . فَلَمَّا أسلم أهل الطَّائِف وَوجه رَسُول اللَّه ﷺ أَبَا سُفْيَان والمغيرة إِلَى هدم الطاغية سَأَلَ أَبُو مليح بْن عُرْوَة بْن مَسْعُود [رَسُولُ اللَّهِ ﷺ] أَن يقْضِي دين [أَبِيه] عُرْوَة من مَال الطاغية. وَسَأَلَ قَارب بن الْأسود مثل ذَلِك. وَالْأسود وَعُرْوَة أَخَوان لأَب وَأم. فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ للْمُغِيرَة وَأبي سُفْيَان: "اقْضِيَا دَيْنَ عُرْوَةَ مِنْ مَالِ الطَّاغِيَةِ".
ذَلِك. وَالْأسود وَعُرْوَة أَخَوان لأَب وَأم. فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ للْمُغِيرَة وَأبي سُفْيَان: "اقْضِيَا دَيْنَ عُرْوَةَ مِنْ مَالِ الطَّاغِيَةِ". فَقَالَ قَارب: يَا رَسُول الله [و] دين الْأسود. فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ: "إِن الْأسود مَاتَ مُشْركًا". فَقَالَ قَارب: يَا رَسُول اللَّه لَكِن تَصِلُ مُسلما ذَا قرَابَة يَعْنِي نَفسه إِنَّمَا الدَّيْنُ عَلَيَّ وَأَنا الَّذِي أطلب بِهِ. فَأمر رَسُول اللَّه ﷺ بِقَضَاء دين الْأسود بْن مَسْعُود من مَال الطاغية. فَقضى أَبُو سُفْيَان والمغيرة دين الْأسود وَعُرْوَة ابْني مَسْعُود من مَال الطاغية.
حجَّة ١ أبي بكر الصّديق ﵁ سنة تسع وَأمر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بكر بِالْخرُوجِ إِلَى الْحَج وإقامته للنَّاس، فَخرج أَبُو بكر لذَلِك، وَنزل صدر٣ سُورَة بَرَاءَة بعده. فَقيل لَهُ: يَا رَسُول اللَّه لَو بعثت بهَا إِلَى أبي بكر يقْرؤهَا على النَّاس فِي الْمَوْسِم؟ فَقَالَ: "إِنَّه لَا يُؤَدِّيهَا عني إِلَّا رجل من أهل بَيْتِي". ثمَّ دَعَا عليا، فَقَالَ لَهُ: "اخْرُج بِهَذِهِ الْقُصَّةِ من صدر بَرَاءَة، وَأَذِّنْ بهَا فِي النَّاس يَوْم النَّحْر إِذا اجْتَمعُوا بمنى". وَأمره بِمَا يُنَادي٤ بِهِ فِي الْمَوْسِم فَخرج على نَاقَة رَسُول اللَّه ﷺ العضباء، حَتَّى أدْرك أَبَا بكر بِالطَّرِيقِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر بِمَا رَآهُ: أَمِيرا٥ أَو مَأْمُورا؟ قَالَ: بل مَأْمُورا. ثمَّ نهضا، فَأَقَامَ أَبُو بكر للنَّاس الْحَج سنة تسع على مَنَازِلهمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّة. وَقد قيل: إِن حجَّة أبي بكر وَقعت حِينَئِذٍ فِي ذِي الْقعدَة على مَا كَانُوا عَلَيْهِ من
النسيء فِي الْجَاهِلِيَّة. وروى معمر، عَن [ابْن] أبي نجيح، عَن مُجَاهِد فِي قَوْله [تَعَالَى] : ﴿إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر﴾ قَالَ: كَانُوا يحجون [فِي كل] ١ شهر عَاميْنِ، حجُّوا فِي ذِي الْحجَّة عَاميْنِ، ثمَّ حجُّوا فِي الْمحرم عَاميْنِ، ثمَّ حجُّوا فِي صفر عَاميْنِ، حَتَّى وافت حجَّة أبي بكر [فِي٢ الآخر من العامين] فِي ذِي الْقعدَة قبل حجَّة النَّبِي ﷺ ثمَّ حج النَّبِي ﷺ من قَابل [فِي] ذِي الْحجَّة، فَذَلِك قَوْله ﷺ حَيْثُ يَقُول: "إِنَّ الزَّمَنَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ". قَالَ معمر، قَالَ الزُّهْرِيّ، عَن سعيد بْن الْمسيب: لما قفل رَسُول اللَّه ﷺ من حنين اعْتَمر من الْجِعِرَّانَة وَأَمَّرَ أَبَا بكر على تِلْكَ الْحجَّة.
الَ معمر، قَالَ الزُّهْرِيّ، عَن سعيد بْن الْمسيب: لما قفل رَسُول اللَّه ﷺ من حنين اعْتَمر من الْجِعِرَّانَة وَأَمَّرَ أَبَا بكر على تِلْكَ الْحجَّة. وَذكر ابْن جريج عَن مُجَاهِد، قَالَ: لما انْصَرف رَسُول اللَّه ﷺ من تَبُوك أَرَادَ الْحَج ثمَّ قَالَ: "إِنَّهُ يَحْضُرُ الْبَيْتَ عُرَاةٌ مُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ وَلا أُحِبُّ أَنْ أَحُجَّ حَتَّى لَا يَكُونَ ذَلِكَ". فَأَرْسَلَ أَبَا بَكْرٍ ثُمَّ أَرْدَفَهُ عَلِيًّا. قَالَ أَبُو عمر: بعث عليا ينْبذ إِلَى كل ذِي عهد عَهده، ويعهد إِلَيْهِم أَن لَا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان مَعَ سَائِر مَا أمره أَن يُنَادي بِهِ فِي كل موطن من مَوَاطِن الْحَج. فَأَقَامَ الْحَج ذَلِك الْعَام سنة تسع أَبُو بكر. ثمَّ حج رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من قَابل حجَّته الَّتِي لم يحجّ من الْمَدِينَة غَيرهَا. فَوَقَعت حجَّة رَسُول اللَّه ﷺ فِي الْعَام الْمقبل فِي ذِي الْحجَّة، فَقَالَ: "إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ ... " الحَدِيث وَثَبت الْحَج فِي ذِي الْحجَّة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. فَلَمَّا كَانَ يَوْم النَّحْر فِي حجَّة أبي بكر قَامَ عَليّ فَأذن فِي النَّاس بِالَّذِي أمره بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَيهَا النَّاس إِنَّه لَا يدْخل الْجنَّة كَافِر". رُوِيَ فِي حَدِيثه هَذَا: لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا نفس مُؤمنَة وَلَا يحجّ بعد هَذَا الْعَام مُشْرك وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان وَمن كَانَ لَهُ عِنْد رَسُول الله
ه هَذَا: لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا نفس مُؤمنَة وَلَا يحجّ بعد هَذَا الْعَام مُشْرك وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان وَمن كَانَ لَهُ عِنْد رَسُول الله
عهد فَهُوَ إِلَى مدَّته. وَأَجَّلَ الناسَ أربعةَ أشهر من يَوْم أَذَّنَ فيهم ليرْجع كل قوم إِلَى مأمنهم وبلادهم ثمَّ لَا عهد لِمُشْرِكٍ وَلَا ذمَّة لأحد كَانَت لَهُ عِنْد رَسُول اللَّه ﷺ. فَلَمْ يحجّ بعد ذَلِك الْعَام مُشْرك وَلم يطف بِالْبَيْتِ عُرْيَان. حَدَّثَنَا عَبْد الْوَارِث بْن سُفْيَان، قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَجَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ. قَالَ١: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ٢، قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ حُصَيْنٍ٣ "قَالَ" وَأَخْبَرَنِي إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَجَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حج رَسُول اللَّه ﷺ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَخَطَبَ النَّاسَ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
بَكْرٍ حَجَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حج رَسُول اللَّه ﷺ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَخَطَبَ النَّاسَ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بن علبة، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ فِي حَجَّتِهِ، فَقَالَ: "إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السَّمَوَات وَالْأَرْض، السّنة اثْنَا عشر شهر، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ مُفْرَدٌ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَان".
بَاب وُفُود ١ الْعَرَب على رَسُول اللَّهِ ﷺ من بلادها للدخول فِي الْإِسْلَام
وَذَلِكَ فِي سنة تسع وَسنة عشر. وحجته ﷺ فِي سنة عشر: لما فتح اللَّه ﷿ على رَسُوله ﵇ مَكَّة، وأظهره٢ يَوْم حنين وَانْصَرف من تَبُوك، وَأسْلمت ثَقِيف، أَقبلت إِلَيْهِ وُفُود من الْعَرَب من كل وَجه يدْخلُونَ فِي دين اللَّه أَفْوَاجًا. وَأَكْثَرهم كَانَ ينْتَظر مَا يكون من قُرَيْش لأَنهم كَانُوا أَئِمَّة النَّاس من أجل الْبَيْت وَالْحرم وَأَنَّهُمْ صَرِيح ولد إِسْمَاعِيل ﷺ فَلَمَّا فتح اللَّه مَكَّة عَلَيْهِ أَهَلَّ النَّاس إِلَيْهِ، وكل من "قدم" عَلَيْهِ قدم رَاغِبًا فِي الْإِسْلَام إِلَّا عامرَ بْنَ الطُّفَيْل وأربدَ بْنَ قيس فِي وَفد بني عَامر، وَإِلَّا مسيلمةَ فِي وَفد بني حنيفَة. فَأَما عَامر بْن الطُّفَيْل بْن مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلابٍ وأربد بْن قيس بْن جُزْء بْن خَالِد بْن جَعْفَر بْن كلاب فَإِنَّهُمَا قدما عَلَيْهِ فِي وَفد بني عَامر بْن صعصعة وَقد أضمر [عَامر٣ بْن الطُّفَيْل] الفتك برَسُول اللَّه ﷺ والغدر بِهِ، وأربد بْن قيس هُوَ أَخُو لبيد لأمه، [و] كَانَ عَامر بْن الطُّفَيْل قد قَالَ لَهُ: إِنِّي شاغله عَنْك بالْكلَام، فَإِذا فعلت ذَلِك فَاعْلُهُ بِالسَّيْفِ٤. ثمَّ جعل يسْأَله سُؤال الأحمق وَرَسُول اللَّه ﷺ يَقُول: "لَا أجيبك فِي شَيْء مِمَّا سَأَلت عَنهُ حَتَّى تؤمن بِاللَّه وَرَسُوله". وَأنزل اللَّه على أَرْبَد البهت والرعب فَلم يرفع يدا. فَلَمَّا يئس مِنْهُ عَامر قَالَ: يَا مُحَمَّد وَإِلَّا لأَمْلَأَنهَا عَلَيْك خيلا ورجالا. فَلَمَّا وليا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اللَّهُمَّ اكْفِنِي عامرَ بْنَ الطُّفَيْل وأربدَ بْنَ قيس". وَقَالَ عَامر لأربد: مَا مَنعك أَن تفعل مَا تعاقدنا
َمَّا وليا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اللَّهُمَّ اكْفِنِي عامرَ بْنَ الطُّفَيْل وأربدَ بْنَ قيس". وَقَالَ عَامر لأربد: مَا مَنعك أَن تفعل مَا تعاقدنا
عَلَيْهِ، وَالله لَا أخافك بعْدهَا، وَمَا كنت أَخَاف غَيْرك. وخرجا جَمِيعًا فِي وفدهم رَاجِعين إِلَى بِلَادهمْ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْض الطَّرِيق بعث اللَّه على عَامر بْن الطُّفَيْل الطَّاعُون فِي عُنُقه فَقتله اللَّه فِي بَيت امْرَأَة من بني سلول، فَجعل يَقُول: أَغُدَّةً١ كَغُدَّةِ الْبَكْرِ٢ أَوْ غُدَّةِ الْبَعِيرِ، وموتا فِي بَيت سَلُولِيَّة٣. وَوصل أَرْبَد إِلَى بَلَده فَقَالَ لَهُ قومه: مَا وَرَاءَك؟ قَالَ: وَالله لقد دَعَاني إِلَى عبَادَة شَيْء لَو أَنه عِنْدِي الْيَوْم لرميته بِالنَّبلِ حَتَّى أَقتلهُ. فَلم يلبث بعد قَوْله هَذَا إِلَّا يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ، وَأنزل اللَّه عَلَيْهِ صَاعِقَة، وَكَانَ على جمل قد رَكبه فِي حَاجَة، فأحرقه اللَّه ﷿ هُوَ وجمله بالصاعقة. وَقدم عَلَيْهِ ﷺ وَفد بني حنيفَة، فيهم مُسَيْلمَة بْن حبيب يكنى أَبَا هَارُون، وَقيل بل هُوَ مُسَيْلمَة بْن ثُمَامَة يكنى أَبَا ثُمَامَة. وَاخْتلف فِي دُخُوله على رَسُول اللَّه ﷺ، فَروِيَ أَنه دخل مَعَ قومه على رَسُول اللَّه ﷺ وهم يسترونه بالثياب فَكَلمهُ [وَسَأَلَهُ] ٤ فَأَجَابَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّك لَو سَأَلتنِي هَذَا العسيب ٥ -لِعَسِيبٍ كَانَ مَعَه من سعف النّخل- مَا أعطيتكه". وَقد رُوِيَ أَن بني حنيفَة لما نزلُوا بِالْمَدِينَةِ خلفوا مُسَيْلمَة فِي رحالهم وَأَنَّهُمْ أَسْلمُوا وَذكروا مَكَان مُسَيْلمَة، وَقَالُوا: إِنَّا قد خَلَّفْنَا صاحبا لنا فِي رحالنا يحفظها لنا. فَأمر لَهُم رَسُول اللَّه ﷺ بِمَا سَأَلُوهُ، وَأمر لَهُ بِمثل مَا أَمر لِقَوْمِهِ، وَقَالَ: "أما إِنَّه لَيْسَ بشركم مَكَانا" أَيْ لِحِفْظِهِ ضَيْعَةَ أَصْحَابه، ثمَّ انصرفوا عَن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا انْتَهوا إِلَى الْيَمَامَة ارْتَدَّ عَدو اللَّه مُسَيْلمَة وَادّعى النُّبُوَّة، وَقَالَ: قد أشركني اللَّه فِي أمره.
ا عَن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا انْتَهوا إِلَى الْيَمَامَة ارْتَدَّ عَدو اللَّه مُسَيْلمَة وَادّعى النُّبُوَّة، وَقَالَ: قد أشركني اللَّه فِي أمره. وَاتبعهُ أَكثر قومه، وَجعل لَهُم أسجاعا يضاهى٦ بهَا الْقُرْآن، وَأحل لَهُم الْخمر [وَالزِّنَا] ٧، وَأسْقط عَنْهُم الصَّلَاة فَمن سجعه قَوْله: "لقد أنعم على الحبلى أخرج مِنْهَا نسمَة تسْعَى من بَين صفاق٨ وحشى" وَمثل هَذَا من سجعه، لَعنه الله.
واتبعته بَنو حنيفَة إِلَّا ثمامةَ بْنَ أَثَال الْحَنَفِيّ بَقِي على الْإِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله وَلم يرْتَد مَعَ قومه. وَقدم "عَلَيْهِ" ﷺ وَفد بني تَمِيم، مِنْهُم عُطَارِد بْن حَاجِب بْن زُرَارَة بْن عدس الدَّارمِيّ، وَقيس بْن عَاصِم الْمنْقري، وَعَمْرو بْن الْأَهْتَم من بني منقر بْن عبيد أَيْضا، والزبرقان بْن بدر من بني بَهْدَلَة، ونعيم١ بْن يزِيد، وَقيس بْن الْحَارِث، والحتات بْن يزِيد٢ الْمُجَاشِعِي وَهُوَ الَّذِي آخى رَسُول اللَّه ﷺ بَينه وَبَين مُعَاوِيَة، وَقد ذكرنَا خَبره فِي بَابه من كتاب الصَّحَابَة٣. وَهَؤُلَاء وُجُوه وَفد تَمِيم، وَقدم مَعَهم الْأَقْرَع بْن حَابِس الدَّارمِيّ وعيينة بْن حصن الْفَزارِيّ، وَقد كَانَا قدما على رَسُول اللَّه ﷺ، وأسلما، وشهدا مَعَه فتح مَكَّة وحنينا وحصار الطَّائِف، ثمَّ جَاءَا مَعَ وَفد تَمِيم. ونادوه من وَرَاء الحجرات، وخبرهم فِي السّير وَالتَّفْسِير٤. وَأَسْلمُوا وَلم يُظْهِرْ مِنْهُم بعد الْإِسْلَام إِلَّا الْخَيْر وَالصَّلَاح إِلَّا أَن عُيَيْنَة كَانَ أَعْرَابِيًا جَافيا جلفا مَجْنُونا أَحمَق مُطَاعًا فِي قومه. وَقدم عَلَيْهِ ﷺ ضمام بْن ثَعْلَبَة وَافد قومه بني سعد بْن بكر، وَأسلم وَحسن إِسْلَامه، وَرجع إِلَى قومه، فأسلموا.
َجْنُونا أَحمَق مُطَاعًا فِي قومه. وَقدم عَلَيْهِ ﷺ ضمام بْن ثَعْلَبَة وَافد قومه بني سعد بْن بكر، وَأسلم وَحسن إِسْلَامه، وَرجع إِلَى قومه، فأسلموا. وَقدم عَلَيْهِ ﷺ الْجَارُود بْن عَمْرو، وَقيل: ابْن بشر، الْعَبْدي فِي طَائِفَة من قومه عَبْد الْقَيْس، وَكَانَ الْجَارُود نَصْرَانِيّا فَأسلم وَمن مَعَه، وسألوا رَسُول اللَّه ﷺ إِنَّ يحملهم٥، فَقَالَ: "وَالله مَا عِنْدِي مَا أحملكم عَلَيْهِ". فَقَالُوا: إِنَّا نمر فنجد من ضوال الْإِبِل فِي طريقنا فنأخذها؟ فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ضَالَّة الْمُؤمن حَرْقُ النَّار". وَحسن إِسْلَام عَبْد الْقَيْس. وَكَانَ الْجَارُود فَاضلا صليبا٦ فِي ذَات اللَّه. وَلما ارْتَدَّت الْعَرَب وارتد من ارْتَدَّ من عَبْد قيس قَامَ فِي رهطه، فأعلن بِالْإِسْلَامِ ودعا إِلَيْهِ، وتبرأ مِمَّن ارْتَدَّ من قومه، وَثَبت هُوَ ورهطه على الْإِسْلَام، وَقد كَانَ قدم الْأَشَج٧ العصري من عَبْد الْقَيْس فِي وَفد مِنْهُم قبل فتح مَكَّة فأسلموا. وَقد كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بعث
الْعَلَاء بْن الْحَضْرَمِيّ قبل فتح مَكَّة إِلَى الْمُنْذر بْن١ سَاوَى الْعَبْدي، فَأسلم وَحسن إِسْلَامه، ثمَّ هلك بعد رَسُول اللَّه ﷺ قبل ردة أهل الْبَحْرين، والْعَلَاء عِنْده أَمِير لرَسُول اللَّه ﷺ على الْبَحْرين. وَقدم على رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفد طييء، فيهم زيد الْخَيل وَهُوَ سيدهم، فَعرض رَسُول اللَّه ﷺ عَلَيْهِم الْإِسْلَام، فأسلموا. وَرُوِيَ أَن رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ: "مَا وصف لي رجل من الْعَرَب إِلَّا وجدته دون مَا وصف إِلَّا زيد الْخَيل فَإِن وَصفه لم يبلغ [مَا] ٢ وصف بِهِ". وَسَماهُ رَسُول اللَّه ﷺ زيد الْخَبَر. وَقدم على رَسُول اللَّه ﷺ عدي بْن حَاتِم الطَّائِي فِي قومه من طييء، وَكَانَ نَصْرَانِيّا، فَمضى بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ، وَأدْخلهُ [إِلَى بَيته] ٣ وَتَنَاول وسَادَة من أَدَم٤ حشوها لِيف، فطرحها، وَقَالَ لَهُ: "اجْلِسْ عَلَيْهَا" فَقَالَ: بل أَنْت فاجلس عَلَيْهَا يَا رَسُول اللَّه، فَجَلَسَ رَسُول اللَّه فِي الأَرْض وَأَجْلسهُ على الوسادة، ثمَّ لم يزل يكلمهُ ويعرض عَلَيْهِ مَا فِي دِينِهِ النَّصْرَانِيَّةِ مِمَّا أحدثوه فِيهِ من الشّرك، ويعرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام ويخبره أَنه دين سيبلغ مَا بلغ اللَّيْل وَالنَّهَار وَأَنه لَا يبْقى عَرَبِيّ إِلَّا دخل فِيهِ طَوْعًا أَو كرها، فَقبل عدي الْإِسْلَام، وَأسلم وَحسن إِسْلَامه، وَتَبعهُ قومه فأسلموا وَحسن إسْلَامهمْ. وَقدم عَلَيْهِ فَرْوَة بْن مسيك الغطيفي، وعداده فِي مُرَاد، مفارقا لملوك كِنْدَة ومباعدا لَهُم إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأسلم وَحسن إِسْلَامه، وَأَمَّرَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ على قومه٥. وَلم يرْتَد فَرْوَة حِين ارْتَدَّت الْعَرَب. [وَقدم٦ عَلَيْهِ ﷺ عَمْرَو بْن معد يكربَ، وَكَانَ قد قَالَ لقيس بْن المكشوح: إِنَّك سيد قَوْمك وَإِن مُحَمَّدًا قد خرج بالحجاز نَبيا، فاقدم بِنَا عَلَيْهِ، فَإنَّا إِن قدمنَا عَلَيْهِ لم يخف علينا أمره، فَأبى قيس بْن المكشوح، فَقدم عَمْرو هُوَ وناس مَعَه من
ًا قد خرج بالحجاز نَبيا، فاقدم بِنَا عَلَيْهِ، فَإنَّا إِن قدمنَا عَلَيْهِ لم يخف علينا أمره، فَأبى قيس بْن المكشوح، فَقدم عَمْرو هُوَ وناس مَعَه من
زبيد. وهجره قيس بْن المكشوح وهدد كل وَاحِد مِنْهُمَا صَاحبه. ثمَّ أسلم قيس بْن المكشوح سنة عشر، وَكتب إِلَيْهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَإِلَى فَيْرُوز الديلمي فِي قتال الْأسود الْعَنسِي المتنبيء] . وَقدم على رَسُول اللَّه ﷺ الْأَشْعَث بْن قيس فِي وَفد كِنْدَة، قَالَ ابْن شهَاب: فِي ثَمَانِينَ رجلا من كِنْدَة، فَأسلم وَأَسْلمُوا، وَقَالُوا: يَا رَسُول اللَّه نَحن بَنو آكل١ المرار وَأَنت من بني٢ آكل المرار، فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ: "لَا، نَحن من بني النَّضر بْن كنَانَة لَا نقفو ٣ أمنا وَلَا ننتفي من أَبينَا". وَتَبَسم رَسُول اللَّهِ ﷺ من قَوْلهم، وَقَالَ لَهُم: "ائْتُوا الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمطلب وَرَبِيعَة بْن الْحَارِث فناسبوهما بِهَذَا النّسَب" وَذَلِكَ أَن الْعَبَّاس وَرَبِيعَة كَانَا تاجرين يضربان فِي الْبِلَاد، فَكَانَا إِذا نزلا بِقوم قَالَا: نَحن بَنو آكل الْمُرَارِ يتعززان بذلك. فَكَانَ الْأَشْعَث يَقُول: وَالله لَا أسمع أحدا يَقُول: إِن قُريْشًا بَنو آكل الْمُرَارِ إِلَّا ضَربته ثَمَانِينَ. وآكل المرار هُوَ الْحَارِث بْن عَمْرو بْن حجر بْن عَمْرو بْن مُعَاوِيَة بْن الْحَارِث بْن مُعَاوِيَة بْن كندي، وَيُقَال كِنْدَة. قَالَ ابْن هِشَام: والأشعث بْن قيس من ولد آكل الْمُرَارِ من قبل النِّسَاء. وَقدم على رَسُول اللَّه ﷺ صرد بْن عَبْد اللَّهِ الْأَزْدِيّ فَأسلم وَحسن إِسْلَامه فِي وَفد من الأزد، وَأَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ على من أسلم من قومه، وَأمره أَن يُجَاهد -بِمن٤ أسلم- من يَلِيهِ من أهل الشّرك من قبائل الْيمن.
لَامه فِي وَفد من الأزد، وَأَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ على من أسلم من قومه، وَأمره أَن يُجَاهد -بِمن٤ أسلم- من يَلِيهِ من أهل الشّرك من قبائل الْيمن. وَقدم على رَسُول اللَّه ﷺ كتاب مُلُوك حمير، مُقَدّمَة من تَبُوك، بدخولهم فِي الْإِسْلَام، وَإِسْلَام هَمدَان ومعافر وَذي رعين، فَكتب لَهُم رَسُول اللَّهِ ﷺ كتابا مَحْفُوظًا عِنْد الروَاة٥. وَبعث إِلَيْهِ زرْعَة ذُو يزن بْن مَالك بْن مرّة الرهاوي بِإِسْلَامِهِ وَإِسْلَام قومه ومفارقتهم الشّرك، فَكتب لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْضا٦. وَبعث فَرْوَة بْن عَمْرو بْن النافرة الجذامي ثمَّ النفاثي إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ رَسُولا
بِإِسْلَامِهِ وَأهْدى لَهُ بغلة. وَكَانَ فَرْوَة عَاملا للروم على من يليهم من الْعَرَب بِأَرْض الشَّام، فَلَمَّا بلغ الرومَ إسلامُهُ طلبوه حَتَّى أَخَذُوهُ فحبسوه فَمَاتَ فِي حَبسهم. وَقد كَانَ قدم على رَسُول اللَّه ﷺ فِي هدنة الْحُدَيْبِيَة قبل خَيْبَر رِفَاعَة بْن زيد الجذامي ثمَّ الضبيبي من بني الضبيب فأهدى لَهُ غُلَاما وَأسلم وَحسن إِسْلَامه. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق السبيعِي وَغَيره: كَانَت هَمدَان قد قدم وفدهم على رَسُول اللَّه ﷺ مُنْصَرَفَهُ من تَبُوك، فآمنوا وَأَسْلمُوا، وَكتب١ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَذكر ابْن هِشَام خبرهم٢ ورجزهم وشعرهم وَمَا كتب رَسُول اللَّهِ ﷺ لَهُم، وَذكر أَنهم قدمُوا فِي الحبرات٣ والعمائم العدنية. وَفَرح رَسُول اللَّه ﷺ بقدومهم وإسلامهم.
َام خبرهم٢ ورجزهم وشعرهم وَمَا كتب رَسُول اللَّهِ ﷺ لَهُم، وَذكر أَنهم قدمُوا فِي الحبرات٣ والعمائم العدنية. وَفَرح رَسُول اللَّه ﷺ بقدومهم وإسلامهم. وَبعث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَالِد بْن الْوَلِيد فِي ربيع الآخر أَو جُمَادَى الأولى سنة عشر إِلَى بني الْحَارِث بْن كَعْب بِنَجْرَان يَدعُوهُم إِلَى الْإِسْلَام، فأسلموا ودخلوا فِيمَا دعاهم خَالِد إِلَيْهِ من الْإِسْلَام. فَأَقَامَ عِنْدهم خَالِد يعلمهُمْ كتاب اللَّه وَشَرِيعَة الْإِسْلَام. وَكتب إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ بِمَا فتح اللَّه عَلَيْهِ من أهل نَجْرَان وَمن إنصاف إِلَيْهِم، فَأَجَابَهُ رَسُول اللَّه ﷺ عَن كِتَابه، وَأمره بالقدوم عَلَيْهِ، فَقدم وَمَعَهُ وَفد بني الْحَارِث بْن كَعْب. فَكتب لَهُم رَسُول اللَّه ﷺ وَبعث مَعَهم عَمْرو بْن حزم يفقههم فِي الدَّين وَيُعلمهُم السّنة، ومعالم الْإِسْلَام، وَيَأْخُذ مِنْهُم صَدَقَاتهمْ. وَكتب لَهُ بذلك كتابا فِيهِ٤ الصَّدقَات والديات وَكثير من سنَن الْإِسْلَام. وَرجع وَفد بني الْحَارِث بْن كَعْب إِلَى قَومهمْ فِي بَقِيَّة شَوَّال أَو صدر ذِي الْقعدَة، فَلم يمكثوا بعد أَن رجعُوا إِلَى قَومهمْ إِلَّا أَرْبَعَة أشهر، حَتَّى توفّي رَسُول اللَّه ﷺ.
[حجَّة ١ الْوَدَاع] قَالَ ابْن إِسْحَاق: فَلَمَّا دخل على رَسُول اللَّه ﷺ ذُو الْقعدَة من سنة عشر تجهز لِلْحَجِّ، وَأمر النَّاس بالجهاز [لَهُ] ٢ وَخرج لخمس لَيَال بَقينَ من ذِي الْقعدَة فِيمَا حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم عَن أَبِيه [الْقَاسِم٣ بْن مُحَمَّد] عَن عَائِشَة. قَالَ ابْن هِشَام: وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة أَبَا دُجَانَة السَّاعِدِيّ، وَقيل سِبَاع بْن عرفطة الْغِفَارِيّ. قَالَ أَبُو عمر٤: مَا كَانَ فِي كتَابنَا هَذَا عَن ابْن إِسْحَاق فروايتنا فِيهِ عَن عَبْد الْوَارِث بْن سُفْيَان، عَن قَاسم بْن أصبغ، عَن مُحَمَّد بْن عَبْد السَّلَام الْخُشَنِي، عَن مُحَمَّد بْن البرقي، عَن ابْن هِشَام، عَن زِيَاد البكائي، عَن مُحَمَّد بْن إِسْحَاق، وَقِرَاءَة مني أَيْضا على عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن يُوسُف، عَن ابْن مفرج، عَن ابْن الْأَعرَابِي، عَن العطاردي، عَن يُونُس بْن بكير، عَن ابْن إِسْحَاق: وَقِرَاءَة مني أَيْضا على عَبْد الْوَارِث بْن سُفْيَان، عَن قَاسم [بْن] أصبغ، عَن عبيد بْن عَبْد الْوَاحِد الْبَزَّار، عَن [أَحْمد بْن] ٥ مُحَمَّد بْن أَيُّوب، عَن إِبْرَاهِيم بْن سعد، عَن ابْن إِسْحَاق. وَمَا كَانَ فِيهِ عَن مُوسَى بْن عقبَة فَقَرَأته على عَبْد الْوَارِث بْن سُفْيَان وَأحمد بْن مُحَمَّد بْن أَحْمد، عَن قَاسم، عَن مطرف بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن قيس، عَن يَعْقُوب [عَن] ابْن فليح، عَن مُوسَى بْن عقبَة. ولي فِي ذَلِك رِوَايَات وأسانيدُ مَذْكُورَة فِي صدر كتاب٦ الصَّحَابَة. وَفِي الفهرسة٧ روايتنا لكتاب الْوَاقِدِيّ وَغَيره تركنَا ذَلِك هَا هُنَا خشيَة الإطالة بِذكرِهِ. وَفِي كتاب أبي بكر بْن أبي خَيْثَمَة -روايتي لَهُ عَن عَبْد الْوَارِث عَن قَاسم عَنهُ- من ذَلِك أَطْرَاف، وَالله الْمَحْمُود على عونه وفضله كثيرا كَمَا هُوَ أَهله. قَالَ الْفَقِيه أَبُو عمر ﵁: قَالَ جمَاعَة من أهل الْعلم بالسير والأثر إِن رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، لم يحجّ فِي الْإِسْلَام إِلَّا ثَلَاث حجات: اثْنَتَيْنِ٨ بِمَكَّة. وَوَاحِدَة بعد فرض الْحَج عَلَيْهِ من الْمَدِينَة.
والأثر إِن رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، لم يحجّ فِي الْإِسْلَام إِلَّا ثَلَاث حجات: اثْنَتَيْنِ٨ بِمَكَّة. وَوَاحِدَة بعد فرض الْحَج عَلَيْهِ من الْمَدِينَة.
[حَدِيث ١ جَابر فِي حجَّة الْوَدَاع] وَأحسن حَدِيث فِي الْحَج وأتمه حَدِيث جَابر، حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بِشْرِ وَأَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي دُلَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن وَضاع، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ فِي بَنِي سَلَمَةَ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ حَجَّةِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَحَدَّثَنَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، مَكَثَ بِالْمَدِينَةِ تِسْعَ سِنِينَ، ثُمَّ أَذَّنَ٢ فِي النَّاسِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ حَاجٌّ الْعَامَ، فَنَزَلَ بِالْمَدِينَةِ بَشَرٌ كَثِيرٌ، كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ وَيَفْعَلَ مَا يَفْعَلُ. فَخرج رَسُول اللَّه، ﷺ، لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ وَخَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى أَتَى ذَا
ْتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ وَيَفْعَلَ مَا يَفْعَلُ. فَخرج رَسُول اللَّه، ﷺ، لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ وَخَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى أَتَى ذَا
الحليقة١. وَنَفِسَتْ٢ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: "اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي ٣ بِثَوْبٍ، ثُمَّ أَهِلِّي" ٤. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ. لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ، وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ. قَالَ: وَلَبَّى النَّاسُ وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ: ذَا الْمَعَارِجِ وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلامِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْمَعُ وَلا يَقُولُ لَهُمْ شَيْئًا. فَنَظَرْتُ مَدَّ٥ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ، مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَنْ شِمَالِهِ مِثْلَ ذَلِكَ. قَالَ جَابِرٌ: وَرَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، بَيْنَ أَظْهُرِنَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَهُوَ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ، وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا. فَخَرَجْنَا لَا نَنْوِي إِلا الْحَجَّ حَتَّى أَتَيْنَا الْكَعْبَةَ٦، فَاسْتَلَمَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، الْحَجَرَ الأَسْوَدَ، ثُمَّ رَمَلَ٧ ثَلاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا. حَتَّى إِذَا فَرَغَ عَمَدَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَصَلَّى خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ وَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيم مصلى﴾ . قَالَ جَعْفَرٌ: قَالَ أَبِي: فَقَرَأَ فِيهِمَا٨ بِالتَّوْحِيدِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد﴾ و ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾ ثُمَّ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ [الأَسْوَدَ] ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا فَقَالَ: "نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ" وَقَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِر الله﴾ .
[الأَسْوَدَ] ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا فَقَالَ: "نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ" وَقَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِر الله﴾ . وَرَقَى عَلَى الصَّفَا حَتَّى إِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ كَبَّرَ ثُمَّ قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ [وَحْدَهُ] أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَصَدَقَ عَبْدَهُ وَغَلَبَ أَوْ قَالَ: هَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، [ثُمَّ دَعَا] ٩ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى هَذَا الْكَلامِ، ثمَّ
دَعَا١ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى هَذَا الْكَلامِ. ثُمَّ نَزَلَ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي الْوَادِي سَعَى٢ حَتَّى صَعِدَ مَشْيًا حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَرَقَى عَلَيْهَا. حَتَّى إِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ قَالَ عَلَيْهَا كَمَا قَالَ عَلَى الصَّفَا. فَلَمَّا كَانَ السَّابِع٣ بالمروة قَالَ: "أَيهَا النَّاسُ إِنِّي لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ ٤ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً" فَحَلَّ٥ النَّاسُ كُلُّهُمْ. وَقَالَ سراقَة بن خعثم، وَهُوَ فِي أَسْفَلِ الْمَرْوَةِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلأَبَدِ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ قَالَ: "لِلأَبَدِ بَلْ لأَبَدِ [الأَبَدِ] " ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَقَالَ: "دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". وَقَدِمَ عَلِيٌّ ﵁ مِنَ الْيَمَنِ وَقَدِمَ مَعَهُ بِهَدْيٍ، وَسَاقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ هَدْيًا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَإِذَا فَاطِمَةُ قَدْ حَلَّتْ وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَابِغَةً وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، قَالَتْ: أَمَرَنِي أَبِي. قَالَ عَلِيٌّ بِالْكُوفَةِ٦، لَمْ يَذْكُرْهُ جَابِرٌ: فَانْطَلَقْتُ مُحَرِّشًا٧ أَسْتَفْتِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الَّذِي ذَكَرَتْ فَاطِمَةُ. قَالَ: قُلْتُ إِنَّ فَاطِمَةَ لَبِسَتْ ثِيَابًا صَابِغَةً وَاكْتَحَلَتْ، وَقَالَتْ: أَمَرَنِي أبي، قَالَ: "صدقت، صَدَقَتْ، أَنَا أَمَرْتُهَا". قَالَ جَابِرٌ: فَقَالَ لِعَلِيٍّ: "بِمَ أَهْلَلْتَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ، قَالَ ﵇: "فَإِنَّ مَعِيَ ٨ الْهَدْيَ فَلا تَحِلَّ بِحَالٍ". وَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي أَتَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ وَالَّذِي أَتَى بِهِ عَلِيٌّ مِائَةً. فَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ ثَلاثًا وَسِتِّينَ، وَأَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ٩ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ.
َتَى بِهِ عَلِيٌّ مِائَةً. فَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ ثَلاثًا وَسِتِّينَ، وَأَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ٩ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ. ثُمَّ أَمر رَسُول اللَّه ﷺ من كل
بَدَنَةٍ١ بِبِضْعَةٍ٢ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ، فَأَكَلا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ نَحَرْتُ هَا هُنَا، وَمِنًي كُلُّهَا مَنْحَرٌ" وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ وَقَالَ: "وقفت هَا هُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ". ثُمَّ أَتَى الْمزْدَلِفَة فَقَالَ: "وقفت هَا هُنَا، وَمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ". أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الأَشْعَثِ أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَرُبَّمَا زَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ الْكَلِمَةَ، قَالُوا: حَدثنَا حَاتِم بن إِسْمَاعِيل: [و] ٣ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الأَصْفَهَانِيُّ وَهَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالا٤: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ. وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ عَلَى بَعْضٍ الْكَلِمَةَ وَالْكَلِمَتَيْنِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ عَلَى بَعْضٍ الْكَلِمَةَ وَالْكَلِمَتَيْنِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، فَسَأَلَ عَنِ الْقَوْمِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلامٌ شَابٌّ، فَرَحَّبَ وَسَهَّلَ٥، وَدَعَا لِي. فَقَالُوا: جِئْنَا نَسْأَلُكَ فَقَالَ لِي: سل عَمَّا شِئْت يَا بن أَخِي، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَقَدَ تِسْعًا ثُمَّ قَالَ: أَن رَسُول اللَّه ﷺ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَاجٌّ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ٦ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَعْمَلَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ. فَخَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيفَ أصنع؟ قَالَ: "اغْتَسِلِي
وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي". وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ١ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ٢ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ٣ وَيَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَرَسُول اللَّه ﷺ، بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ وَهُوَ يَعْلَمُ٤ تَأْوِيلَهُ، فَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ٥. فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ٦. لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ. وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا يُهِلُّونَ [بِهِ٧] فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، [عَلَيْهِمْ٨] شَيْئًا مِنْهُ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، تَلْبِيَتَهُ، قَالَ جَابِرٌ: لَسْنَا نَنْوِي إِلا الْحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ، حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ٩ مَعَهُ اسْتَلَمَ١٠ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ تَقَدَّمَ١١ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيم مصلى﴾ فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ. قَالَ جَعْفَرٌ: فَكَانَ أَبِي يَقُولُ -وَلا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلا عَنِ النَّبِي ﷺ إِنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ١٢: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ.
إِنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ١٢: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ. ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ من شَعَائِر الله﴾ "نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ" فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: "لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ". ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَقَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلاثَ مَرَّات
ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ رَمَلَ فِي بَطْنِ الْوَادِي، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ. فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ طَوَافٍ عَلَى الْمَرْوَةِ قَالَ: "لَوْ أَنِّي ١ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ [مِنْكُمْ ٢] لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُحِلَّ ٣ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً" فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ إِلا النَّبِيَّ ﵇ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ. فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْثُمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلأَبَدِ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بَيْنَ أَصَابِعِهِ٤ ثُمَّ قَالَ: "دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ -مَرَّتَيْنِ- لَا، بَلْ لأَبَدِ الأَبَدِ" ٥. قَالَ: وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنٍ إِلَى النَّبِي ﷺ، فَوَجَدَ فَاطِمَةَ مِمَّنْ حَلَّ، وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا، وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا.
ِي ﷺ، فَوَجَدَ فَاطِمَةَ مِمَّنْ حَلَّ، وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا، وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا. فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ بِالْعِرَاقِ: فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُول اللَّه، ﷺ، مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ، لِلَّذِي صَنَعَتْ، مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ، وَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: "صَدَقَتْ صَدَقَتْ" ثُمَّ قَالَ: "مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ ٦ الْحَجَّ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ، قَالَ: "فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلا تَحِلَّ". قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ وَالَّذِي أَتَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، مِنَ الْمَدِينَةِ مِائَةً. قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إِلا النَّبِيَّ ﵇ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ٧ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ. وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِهَا٨ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ٩. ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلا، حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ. وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ١٠. فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
وَلا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ١ الْحَرَامِ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَجَازَ٢ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ٣ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ٤ لَهُ. فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ٥ فَقَالَ: "إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا [فِي بَلَدِكُمْ ٦ هَذَا] أَلا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ ٧ تَحْتَ قَدَمَيَّ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُهُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ رَبِيعَةَ ٨ بْنِ الْحَارِثِ -كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ- وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ [رِبَانَا] ٩: رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ ١٠، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ [ذَلِكَ] ١١ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ ١٢، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ اللَّهِ. وَأَنْتُمْ مَسْئُولُونَ ١٣ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ " قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ. فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيُشِيرُ١٤ إِلَى النَّاسِ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ". ثُمَّ أَذَّنَ١٥، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ
ْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ". ثُمَّ أَذَّنَ١٥، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ
الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا. ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ إِلَى الصَّخَرَاتِ١، وَجَعَلَ حَبْلَ٢ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ٣، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلا حِينَ٤ غَابَ الْقُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ وَقَدْ شَنَقَ الْقَصْوَاءَ٥، حَتَّى إِنَّ رَأسهَا ليصيب مورك٦ رَحْله، [و] ٧يَقُول بِيَدِهِ الْيُمْنَى: "أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ" كُلَّمَا أَتَى حَبْلا مِنَ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلا حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ٨، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا. ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ٩. بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَا اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ. وَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا١٠، حَتَّى أَسْفَرَ١١ جِدًّا فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ، وَكَانَ رَجُلا أَبْيَضَ حَسَنَ الشَّعْرِ وَسِيمًا، فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مَرَّتْ [بِهِ] ١٢ الظُّعُنُ يَجْرِينَ، فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ١٣ [فَحَوَّلَ١٤ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، يَدَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ] يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ. حَتَّى أَتَى مُحَسِّرًا١٥، فَحَرَّكَ١٦ قَلِيلا ثمَّ سلك الطَّرِيق
الشِّقِّ الآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ] يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ. حَتَّى أَتَى مُحَسِّرًا١٥، فَحَرَّكَ١٦ قَلِيلا ثمَّ سلك الطَّرِيق
الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ إِلَى مَا يَلِي١ الْجَمْرَةَ الْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ٢ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا -حَصًا مِثْلُ حَصَا الْحَذْفِ٣- رَمَاهَا٤ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي. ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا، فَنَحَرَ مَا غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ. ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبِضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ، فَأَكَلا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا. ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْبَيْتِ فَأَفَاضَ٥، وَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ وَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُمْ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ، فَقَالَ: "انْزِعُوا ٦ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ على سِقَايَتكُمْ ٧ لنزعت مَعكُمْ" وناوله دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ ﷺ.



