الدرر في اختصار المغازي والسير

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya ابن عبد البر (w. 463 H).

Bagian 7 dari 10 343 halaman

— Bagian 7 · َالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن الشَّمْلَةَ ٦ الَّت… —

Bagian 7

َالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن الشَّمْلَةَ ٦ الَّتِي أَصَابَهَا يَوْم خَيْبَر من الْمَغَانِم لم تصبها المقاسم وَإِنَّهَا لتشتعل عَلَيْهِ الْآن نَارا".

عمْرَة ١ الْقَضَاء فَلَمَّا رَجَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَة من خَيْبَر أَقَامَ [بهَا] شَهْري ربيع وشهري جُمَادَى ورجبا وَشَعْبَان ورمضان وشوالا، وَبعث فِي خلال ذَلِك السَّرَايَا. ثمَّ خرج ﵇ فِي ذِي الْقعدَة من السّنة السَّابِعَة من الْهِجْرَة قَاصِدا إِلَى مَكَّة للْعُمْرَة على مَا عَاقد عَلَيْهِ قُريْشًا فِي الْحُدَيْبِيَة. فَلَمَّا اتَّصل بِقُرَيْش خرج أكابرهم عَن مَكَّة عَدَاوَة لله وَلِرَسُولِهِ ﷺ، وَلم يقدروا على الصَّبْر فِي رُؤْيَته يطوف بِالْبَيْتِ هُوَ وَأَصْحَابه. فَدخل رَسُول اللَّه ﷺ مَكَّة، وَأتم اللَّه عمرته، وَقعد بعض الْمُشْركين بِقُعَيْقِعَانَ٢ ينظرُونَ إِلَى الْمُسلمين وهم يطوفون بِالْبَيْتِ، فَأَمرهمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ بالرَّمَلِ٣، لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ أَن بهم قُوَّة، وَكَانَ الْمُشْركُونَ قَالُوا فِي الْمُهَاجِرين قد وهنتهم حمى يثرب. وَتزَوج رَسُول اللَّه ﷺ فِي غزوته مَيْمُونَة بنت الْحَارِث بْن حزن الخلالية، قيل تزَوجهَا قبل أَن يحرم بِعُمْرَة الْقَضَاء وَقيل: بل تزَوجهَا وَهُوَ محرم. وَقد أوضحنا ذَلِك فِي كتاب التَّمْهِيد وَفِي كتاب الصَّحَابَة أَيْضا عِنْد ذكرهَا٤، ﵂. فَلَمَّا تمت الثَّلَاثَة أَيَّام أوجبت عَلَيْهِ قُرَيْش أَن يخرج عَن مَكَّة، وَلم يمهلوه أَن يَبْنِي بهَا، وَبنى بهَا بسرف. [إِسْلَام عَمْرو بْن الْعَاصِ وخَالِد بْن الْوَلِيد وَعُثْمَان بْن طَلْحَة] وَقيل: أسلم قبل عمْرَة الْقَضَاء -وَقيل بعْدهَا- عَمْرو بْن الْعَاصِ وخَالِد بْن الْوَلِيد وَعُثْمَان بن طَلْحَة.

غَزْوَة ١ مُؤْتَة فَلَمَّا انْصَرف رَسُول اللَّهِ ﷺ من عمْرَة الْقَضَاء أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ ذَا الْحجَّة وَالْمحرم وصفرا وشهري ربيع، ثمَّ بعث ﵇ فِي جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الثَّامِنَة من الْهِجْرَة بَعْثَ الْأُمَرَاء٢ إِلَى الشَّام. وَأَمَّرَ على الْجَيْش زيد بْن حَارِثَة مَوْلَاهُ، وَقَالَ: "إِن قتل أَو أُصِيب فعلى النَّاس جَعْفَر بْن أبي طَالب، فَإِن قتل فعبد اللَّه بْن رَوَاحَة" وشيعهم رَسُول اللَّه ﷺ وودعهم ثمَّ انْصَرف، ونهضوا. فَلَمَّا بلغُوا معَان٣ من أَرض الشَّام أَتَاهُم الْخَبَر بِأَن هِرقل ملك الرّوم فِي نَاحيَة البلقاء وَهُوَ فِي مائَة ألف من الرّوم وَمِائَة ألف أُخْرَى من نَصَارَى الْعَرَب أهل البلقاء من لخم وجذام وقبائل قضاعة من بهراء وبلي وبلقين٤ وَعَلَيْهِم رجل من بني إراشة من بلي يُقَال لَهُ مَالك بْن رافلة٥ فَأَقَامَ الْمُسلمُونَ فِي معَان [لَيْلَتَيْنِ] ٦ وَقَالُوا: نكتب إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ونخبره بِعَدَد عدونا٧ فيأمرنا بأَمْره أَو يمدنا. فَقَالَ لَهُم٨ عَبْد اللَّهِ بْن رَوَاحَة: يَا قوم إِن الَّتِي تطلبون قد أدركتموها -يَعْنِي الشَّهَادَة- وَمَا نُقَاتِل النَّاس بِعَدَد وَلَا قُوَّة، وَمَا نقاتلهم إِلَّا بِهَذَا الدَّين الَّذِي أكرمنا اللَّه بِهِ، فانْطَلِقُوا، فَهِيَ إِحْدَى الحسنيين،: إِمَّا ظُهُور٩، وَإِمَّا شَهَادَة. فوافقه الْجَيْش كُله على هَذَا الرَّأْي. ونهضوا حَتَّى إِذا كَانُوا بتخوم١٠ البلقاء لقوا الجموع الَّتِي ذَكرنَاهَا كلهَا مَعَ هِرقل إِلَى

شَهَادَة. فوافقه الْجَيْش كُله على هَذَا الرَّأْي. ونهضوا حَتَّى إِذا كَانُوا بتخوم١٠ البلقاء لقوا الجموع الَّتِي ذَكرنَاهَا كلهَا مَعَ هِرقل إِلَى

جنب قَرْيَة يُقَال لَهَا: مشارف. وَصَارَ الْمُسلمُونَ فِي قَرْيَة يُقَال لَهَا مُؤْتَة. فَجعل الْمُسلمُونَ على ميمنتهم قُطْبَة بْن قَتَادَة العذري، وعَلى الميسرة عَبَايَة بْن مَالك الْأنْصَارِيّ، وَقيل عبَادَة بْن مَالك، واقتتلوا فَقتل الْأَمِير الأول: زيد بْن حَارِثَة ملاقيا بصدره الرماح مُقبلا غير مُدبر والراية فِي يَده. فَأَخذهَا جَعْفَر بْن أبي طَالب، وَنزل عَن فرس لَهُ يُقَال لَهَا شقراء، وَقيل: إِنَّه عرقبها وعقرها١ وَقَاتل حَتَّى قطعت يَمِينه، فَأخذ الرَّايَة بيساره فَقطعت، فاحتضن الرَّايَة، فَقتل كَذَلِك، ﵁، وَسِنُّهُ ثَلَاث وَثَلَاثُونَ أَو أَربع وَثَلَاثُونَ سنة. فَأخذ الرايةَ عَبْدُ اللَّهِ بْن رَوَاحَة، وَتردد عَن النُّزُول بعض التَّرَدُّد، ثمَّ صمم، فقاتل، حَتَّى قتل. فَأخذ الرَّايَة ثَابت بْن أقرم أَخُو بني العجلان، وَقَالَ: يَا معشر الْمُسلمين اصْطَلحُوا على رجل مِنْكُم، قَالُوا: أَنْت، قَالَ: لَا، فَدفع الرَّايَة إِلَى خَالِد بْن الْوَلِيد فَقَالَ: أَنْت أعلم بِالْقِتَالِ مني. فَأَخذهَا خَالِد بْن الْوَلِيد، وانحاز بِالْمُسْلِمين. وأنذر رَسُول اللَّه ﷺ [أَصْحَابه] ٢ بِالْمَدِينَةِ يُخْبِرهُمْ [بقتل٣ الْأُمَرَاء الْمَذْكُورين] فِي يَوْم قَتلهمْ قبل وُرُود الْخَبَر بأيام. تَسْمِيَة من ٤ اسْتشْهد بمؤتة

[أَصْحَابه] ٢ بِالْمَدِينَةِ يُخْبِرهُمْ [بقتل٣ الْأُمَرَاء الْمَذْكُورين] فِي يَوْم قَتلهمْ قبل وُرُود الْخَبَر بأيام. تَسْمِيَة من ٤ اسْتشْهد بمؤتة زيد بْن حَارِثَة، وجعفر بْن أبي طَالب، وَعبد اللَّه بْن رَوَاحَة، ومسعود بْن الْأسود بْن حَارِثَة من بني عدي بْن كَعْب٥ من الْأَنْصَار، ووهب بْن سعد بْن أبي سرح العامري، وَعباد بْن قيس من بني الْحَارِث بْن الْخَزْرَج بْن النُّعْمَان من بني مَالك بْن النجار، وسراقة بْن عَمْرو بْن عَطِيَّة من بني مَازِن بْن النجار، وَأَبُو كُلَيْب وَقيل أَبُو كلاب، وَأَخُوهُ جَابر ابْنا عَمْرو بْن زيد من بني مَازِن بْن النجار، وَعَمْرو، وعامر ابْنا سعد بْن الْحَارِث من بني النجار. هَؤُلَاءِ٦ من ذكر مِنْهُم. وَكَانَ عدَّة الْمُسلمين يَوْم مُؤْتَة ثَلَاثَة آلَاف.

غَزْوَة ١ فتح مَكَّة فَأَقَامَ ﷺ بِالْمَدِينَةِ بعد بعث مُؤْتَة جُمَادَى ورجبا، ثمَّ حدث الْأَمر الَّذِي أوجب نقض عقد قُرَيْش الْمَعْقُود يَوْم الْحُدَيْبِيَة، وَذَلِكَ أَن خُزَاعَة كَانَت فِي عقد رَسُول اللَّه ﷺ مؤمنها وكافرها، وَكَانَت بَنو بكر بْن عَبْد مَنَاة بْن كنَانَة فِي عقد قُرَيْش، فعدت بَنو بكر بْن عَبْد مَنَاة على قوم من خُزَاعَة على مَاء لَهُم بِأَسْفَل مَكَّة، وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَن رجلا يُقَال لَهُ مَالك بْن عباد الْحَضْرَمِيّ حليفا لآل الْأسود بْن رزن خرج تَاجِرًا، فَلَمَّا توَسط أَرض خُزَاعَة عدوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَأخذُوا مَاله، وَذَلِكَ قبل الْإِسْلَام بِمدَّة. فعدت بَنو بكر بْن عَبْد مَنَاة رَهْط الْأسود بْن رزن على رجل من خُزَاعَة فَقَتَلُوهُ بِمَالك بْن عباد. فعدت خُزَاعَة على سلمى وكلثوم وذؤيب بني الْأسود بْن رزن فَقَتَلُوهُمْ٢. وَهَؤُلَاء الْإِخْوَة أَشْرَاف بني كنَانَة كَانُوا يودون فِي الْجَاهِلِيَّة ديتين ديتين، ويودى فِي سَائِرهمْ٣ دِيَة دِيَة، وَذَلِكَ كُله قبل الْإِسْلَام فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام حجز مَا بَيْنَ مَنْ ذكرنَا لشغل النَّاس بِهِ٤.

يتين ديتين، ويودى فِي سَائِرهمْ٣ دِيَة دِيَة، وَذَلِكَ كُله قبل الْإِسْلَام فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام حجز مَا بَيْنَ مَنْ ذكرنَا لشغل النَّاس بِهِ٤. فَلَمَّا كَانَت الْهُدْنَة المنعقدة يَوْم الْحُدَيْبِيَة أَمن النَّاس بَعضهم بَعْضًا، فاغتنم بَنو الديل من بني بكر بْن عَبْد مَنَاة تِلْكَ الفرصة وغفلة خُزَاعَة وَأَرَادُوا إِدْرَاك ثأر بني الْأسود بْن رزن، فَخرج نَوْفَل بْن مُعَاوِيَة الديلِي بِمن أطاعه من بني بكر بْن عَبْد مَنَاة حَتَّى بَيت خُزَاعَة، ونال مِنْهُم٥ فَاقْتَتلُوا. وأعانت قُرَيْش بني بكر بِالسِّلَاحِ، وَقوم من قُرَيْش أَعَانُوهُم بِأَنْفسِهِم

مستخفين١. فانهزمت خُزَاعَة إِلَى الْحرم. فَقَالَ قوم نَوْفَل بْن مُعَاوِيَة لنوفل: يَا نَوْفَل اتَّقِ إلهك وَلَا تستحل الْحرم ودع خُزَاعَة، فَقَالَ: لَا إِلَه لي الْيَوْم، وَالله يَا بني كنَانَة إِنَّكُم لتسرقون فِي الْحرم، أَفلا تدركون فِيهِ ثأركم، فَقتلُوا رجلا من خُزَاعَة يُقَال لَهُ مُنَبّه٢ وَدخلت خُزَاعَة دور مَكَّة فِي دَار بديل بْن وَرْقَاء الْخُزَاعِيّ وَدَار مولى لَهُم يُسمى رَافعا. وَكَانَ ذَلِك نقضا للصلح الْوَاقِع يَوْم الْحُدَيْبِيَة. فَخرج عَمْرو بْن سَالم الْخُزَاعِيّ وَبُدَيْل بْن وَرْقَاء الْخُزَاعِيّ وَقوم من خُزَاعَة، فقدموا على رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مستغيثين بِهِ مِمَّا أَصَابَهُم بِهِ بَنو بكر بْن عَبْد مَنَاة وقريش وأنشده عَمْرو بْن سَالم الشّعْر الَّذِي ذكرته فِي بَابه من كتاب٣ الصَّحَابَة، فأجابهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى نَصرهم، وَقَالَ: "لَا ينصرني اللَّه إِن لم أنْصر بني كَعْب" ثمَّ نظر إِلَى سَحَابَة، فَقَالَ: "إِنَّهَا لتستهل بنصرتي كَعْبًا" يَعْنِي خُزَاعَة. وَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لبديل بْن وَرْقَاء وَمن مَعَه: "إِن أَبَا سُفْيَان سَيَأْتِي ليَشُد العقد وَيزِيد فِي مُدَّة الصُّلْح، وسينصرف بِغَيْر حَاجَة". وندمت قُرَيْش على مَا فعلت، فَخرج أَبُو سُفْيَان إِلَى الْمَدِينَة ليَشُد٤ العقد وَيزِيد فِي الْمدَّة، فلقي بديل بْن وَرْقَاء بعسفان٥ فكتمه بديل مَسِيرَهُ إِلَى النَّبِي ﷺ، وَأخْبرهُ أَنه إِنَّمَا سَار بخزاعة على السَّاحِل. فَنَهَضَ أَبُو سُفْيَان حَتَّى أَتَى الْمَدِينَة، فَدخل على ابْنَته: أم حَبِيبَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂، فَذهب ليقعد على فرَاش رَسُول اللَّهِ ﷺ [فطوته٦ عَنهُ فَقَالَ: يَا بنية مَا أَدْرِي أرغبت بِي عَن هَذَا الْفراش أم رغبت بِهِ عني؟] قَالَت: بل هُوَ

﵂، فَذهب ليقعد على فرَاش رَسُول اللَّهِ ﷺ [فطوته٦ عَنهُ فَقَالَ: يَا بنية مَا أَدْرِي أرغبت بِي عَن هَذَا الْفراش أم رغبت بِهِ عني؟] قَالَت: بل هُوَ

فرَاش رَسُول اللَّه ﷺ وَأَنت رجل مُشْرك [نجس١ فَلم أحب أَن] تجْلِس عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا: يَا بنية لقد أَصَابَك بعدِي شَرّ. ثمَّ أَتَى النبيَّ ﵇ فِي الْمَسْجِد، فَكَلمهُ، فَلم يجبهُ بِكَلِمَة. ثمَّ ذهب أَبُو سُفْيَان إِلَى أبي بكر، فَكَلمهُ فِي أَن يكلم رَسُول اللَّه ﷺ فِيمَا أَتَى لَهُ فَأبى عَلَيْهِ أَبُو بكر من ذَلِك فلقي عمر فَكَلمهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ لَهُ عمر: أَنا أفعل هَذَا؟!! وَالله لَو لم أجد إِلَّا الذَّر لجاهدتكم بِهِ. فَدخل على عَليّ بْن أبي طَالب، ﵁، فَوَجَدَهُ وفاطمةَ بنتَ رَسُول اللَّه ﷺ وَالْحسن وَهُوَ صبي فَكَلمهُ فِيمَا أَتَى لَهُ، فَقَالَ لَهُ عَليّ: وَالله مَا أَسْتَطِيع أَن أكلم رَسُول اللَّه ﷺ فِي أَمر قد عزم عَلَيْهِ. فَالْتَفت أَبُو سُفْيَان إِلَى فَاطِمَة فَقَالَ: يَا بنت مُحَمَّد هَل لَك أَن تأمري بُنَيَّكِ هَذَا فيجير على النَّاس، فَقَالَ لَهُ: مَا بلغ بنيي ذَلِك، وَمَا يجير أحد على رَسُول اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ عَليّ: يَا أَبَا سُفْيَان أَنْت سيد بني كنَانَة، فَقُمْ، فأجر على النَّاس وَالْحق بأرضك، وهزيء بِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْحسن أَتَرَى ذَلِك نافعي ومغنيا عني [شَيْئا] ؟ قَالَ: مَا أَظن ذَلِك، وَلَكِن لَا أجد لَك سواهُ. فَقَامَ أَبُو سُفْيَان فِي الْمَسْجِد فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس إِنِّي قد أجرت على النَّاس. ثمَّ ركب وَانْطَلق رَاجعا إِلَى مَكَّة. فَلَمَّا قدمهَا أخبر قُريْشًا بِمَا لَقِي وَبِمَا فعل، فَقَالُوا لَهُ: مَا جِئْت بِشَيْء، وَمَا زَاد عَليّ بْن أبي طَالب على أَن لعب بك.

ِلَى مَكَّة. فَلَمَّا قدمهَا أخبر قُريْشًا بِمَا لَقِي وَبِمَا فعل، فَقَالُوا لَهُ: مَا جِئْت بِشَيْء، وَمَا زَاد عَليّ بْن أبي طَالب على أَن لعب بك. ثمَّ أعلن رَسُول اللَّه ﷺ الْمسير إِلَى مَكَّة، وَأمر النَّاس بالجهاز لذَلِك، ودعا اللَّه تَعَالَى فِي أَن يَأْخُذ عَن قُرَيْش الْأَخْبَار٢ وَيسْتر عَنْهُم خُرُوجه، فَكتب حَاطِب بْن أبي بلتعة إِلَى قُرَيْش كتابا يُخْبِرهُمْ بِقصد رَسُول اللَّه ﷺ إِلَيْهِم. فَنزل جِبْرِيل من عِنْد اللَّه تَعَالَى على رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِمَا صنع حَاطِب بْن أبي بلتعة. فَدَعَا رَسُول اللَّه ﷺ على بْن أبي طَالب وَالزُّبَيْر بْن الْعَوام والمقداد بْن عَمْرو، فَقَالَ لَهُم: $"انْطَلقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَة خَاخ، فَإِن بهَا ظَعِينَة٣ مَعهَا كتاب إِلَى قُرَيْش". فَانْطَلقُوا فَلَمَّا أَتَوا رَوْضَة خَاخ وجدوا الْمَرْأَة، فأناخوا بهَا وفتشوا رَحلهَا كُله، فَلم يَجدوا شَيْئا، فَقَالُوا: وَالله مَا كذب رَسُول اللَّه ﷺ، فَقَالَ لَهَا عَليّ: وَالله لَتُخْرِجِنَّ الْكتاب أَو لنلقين٤ الثِّيَاب،

فَحلت قُرُون رَأسهَا، فأخرجت الْكتاب مِنْهَا. فَأتوا بِهِ النَّبِي ﷺ، فَإِذا هُوَ كتاب من حَاطِب بْن أبي بلتعة إِلَى أهل مَكَّة. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا هَذَا يَا حَاطِب؟ " فَقَالَ حَاطِب: وَالله يَا رَسُول اللَّه مَا شَككت فِي الْإِسْلَام وَلَا رجعت عَن ديني، وَلَكِنِّي كنت مُلْصقًا فِي قُرَيْش فَأَرَدْت أَن أَتَّخِذ عِنْدهم بذلك يدا يحفظونني بهَا فِي شأفتي١ بِمَكَّة لِأَن أَهلِي وَوَلَدي بهَا. فَقَالَ عمر بْن الْخطاب: يَا رَسُول اللَّه دَعْنِي أضْرب عنق هَذَا الْمُنَافِق، فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ: "وَمَا يدْريك يَا عمر لَعَلَّ اللَّه قد اطلع على أهل بدر، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم" ٢. وَخرج رَسُول اللَّه ﷺ فِي عشرَة آلَاف واستخلف على الْمَدِينَة أَبَا رهم كُلْثُوم٣ بْن حُصَيْن الْغِفَارِيّ، وَكَانَ خُرُوجه لعشر خلت من رَمَضَان، فصَام ﵇ حَتَّى بلغ الكديد٤ بَين عسفان وأمج، ثمَّ أفطر ﷺ بعد صَلَاة الْعَصْر، وَشرب على رَاحِلَته عَلَانيَة ليراه النَّاس، وَقَالَ: "تَقَوَّوْا لعدوكم" وَأمر النَّاس بِالْفطرِ، فَأفْطر بَعضهم وَصَامَ بَعضهم، فَلم يعب على الصَّائِم٥ وَلَا على الْمُفطر. فَلَمَّا نزل رَسُول اللَّهِ ﷺ مر٦ الظهْرَان وَمَعَهُ من بني سليم ألف رجل وَمن بني مزينة ألف رجل وَثَلَاثَة رجال، وَقيل من بني سليم سَبْعمِائة، وَمن بني غفار أَرْبَعمِائَة، وَمن أسلم أَرْبَعمِائَة، وَطَوَائِف من قيس وَأسد وَتَمِيم وَغَيرهم من سَائِر الْعَرَب، وَقد أخْفى اللَّه ﷿ خَبره عَن قُرَيْش إِلَّا أَنهم عَلَى وَجَلٍ وارتقاب. خرج٧ أَبُو سُفْيَان وَبُدَيْل بن

َأسد وَتَمِيم وَغَيرهم من سَائِر الْعَرَب، وَقد أخْفى اللَّه ﷿ خَبره عَن قُرَيْش إِلَّا أَنهم عَلَى وَجَلٍ وارتقاب. خرج٧ أَبُو سُفْيَان وَبُدَيْل بن

وَرْقَاء وَحَكِيم بْن حزَام يتجسسون الْأَخْبَار. وَقد كَانَ الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمطلب هَاجر مُسلما [فِي] تِلْكَ الْأَيَّام، فلقي رسولَ اللَّه ﷺ بِذِي الحليفة١، فَبعث ثقله٢ إِلَى الْمَدِينَة، وَانْصَرف مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ غازيا، فالعباس من الْمُهَاجِرين قبل الْفَتْح وَقيل: بل لقِيه بِالْجُحْفَةِ٣ مُهَاجرا. وَذكر أَيْضا أَن أَبَا سُفْيَان بْن الْحَارِث بْن عَبْد الْمطلب وَعبد الله بن أبي أُميَّة بني الْمُغيرَة أَخا أم سَلمَة خرجا أَيْضا مُهَاجِرين، ولقيا رَسُول اللَّه ﷺ فِي بعض الطَّرِيق قرب مَكَّة، فَأَعْرض عَنْهُمَا. فَلَمَّا نزل استأذنا عَلَيْهِ، فَلم يَأْذَن لَهما، فكلمته أم سَلمَة فيهمَا وَقَالَت: لَا يكون ابْن عمك وَأخي٤ أَشْقَى النَّاس بك، فقد جَاءَا مُسلمين، فَأذن لَهما رَسُول اللَّه ﷺ وأسلما وَحسن إسلامهما. فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بالجيوش مر الظهْرَان رَقَتْ نفس الْعَبَّاس لقريش وَأَسِفَ على ذهابها٥ وَخَافَ أَن تغشاهم الجيوش قبل أَن يستأمنوا. فَركب بغلة النَّبِي ﷺ ونهض، فَلَمَّا أَتَى الْأَرَاك٦ وَهُوَ يطْمع أَن يلقى حطابا أَو صَاحب [لبن] ٧ يَأْتِي مَكَّة فينذرهم. فَبَيْنَمَا هُوَ يمشي إِذْ سمع صَوت أبي سُفْيَان صَخْر بْن حَرْب وَبُدَيْل بْن وَرْقَاء وهما يتساءلان وَقد رَأيا نيران عَسْكَر النَّبِي ﵇. وَبُدَيْل يُرِيد أَن يستر ذَلِك فَيَقُول: إِنَّمَا هِيَ نيران خُزَاعَة، وَيَقُول لَهُ أَبُو سُفْيَان: خُزَاعَة أقل وأذل [من] ٨ أَن تكون لَهَا هَذِه النيرَان. فَلَمَّا سمع الْعَبَّاس كَلَامه ناداه٩: يَا [أَبَا] ١٠ حَنْظَلَة فميز أَبَا سُفْيَان كَلَامه١١، فناداه: يَا أَبَا الْفضل، فَقَالَ: نعم، فَقَالَ لَهُ: فدَاك أبي وَأمي، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس:

[أَبَا] ١٠ حَنْظَلَة فميز أَبَا سُفْيَان كَلَامه١١، فناداه: يَا أَبَا الْفضل، فَقَالَ: نعم، فَقَالَ لَهُ: فدَاك أبي وَأمي، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس:

وَيحك يَا أَبَا سُفْيَان هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاس، وأصباح قُرَيْش، فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: فَمَا الْحِيلَة؟ فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس: هَذَا وَالله لَئِن ظفر بك ليقتلنك، فَارْتَدِفْ خَلْفي وانهض معي إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فأردفه الْعَبَّاس وَلَقي بِهِ الْعَسْكَر، فَلَمَّا رأى النَّاس [الْعَبَّاس] ١ على بغلة رَسُول اللَّه ﷺ أَمْسكُوا. وَمر على نَار عمر [وَنظر٢ عمر إِلَى أبي سُفْيَان] فميزه، فَقَالَ: أَبُو سُفْيَان عَدو اللَّه، الْحَمد لله الَّذِي أمكن مِنْك بِغَيْر عقد وَلَا عهد. ثمَّ خرج يشْتَد٣ إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ، وسابقه [الْعَبَّاس] ٤ فسبقه الْعَبَّاس على البغلة وَكَانَ عمر بطيئا فِي الجري. فَدخل الْعَبَّاس وَدخل عمر على أَثَره. فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه هَذَا عَدو اللَّه أَبُو سُفْيَان قد أمكن اللَّه مِنْهُ بِلَا عقد وَلَا عهد، فَأذن لي أضْرب عُنُقه. فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس: مهلا يَا عمر، فوَاللَّه لَو كَانَ من بني عدي٥ بْن كَعْب مَا قلت هَذَا وَلكنه من بني عَبْد منَاف. فَقَالَ عمر: مهلا، فوَاللَّه لإسلامك يَوْم أسلمت كَانَ أحب إِلَيّ من إِسْلَام الْخطاب لَو أسلم، وَمَا بِي إِلَّا أَنِّي قد عرفت أَن إسلامك كَانَ أحب إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ [من٦ إِسْلَام الْخطاب لَو أسلم] . فَأمر [رَسُول اللَّه ﷺ] الْعَبَّاس أَن يحملهُ إِلَى رَحْله ويأتيه بِهِ صباحا.

لامك كَانَ أحب إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ [من٦ إِسْلَام الْخطاب لَو أسلم] . فَأمر [رَسُول اللَّه ﷺ] الْعَبَّاس أَن يحملهُ إِلَى رَحْله ويأتيه بِهِ صباحا. فَفعل الْعَبَّاس ذَلِك، فَلَمَّا أصبح أَتَى بِهِ النَّبِي ﵇، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ: "ألم يَأن ٧ لَك بِأَن تعلم أَن لَا إِلَه إِلَّا اللَّه؟ " فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: بِأبي أَنْت وَأمي مَا أحلمك وَمَا أكرمك وأوصلك، وَالله لقد ظَنَنْت أَنه لَو كَانَ مَعَ اللَّه إِلَه غَيره لقد أغناني٨، قَالَ: "وَيحك يَا أَبَا سُفْيَان ألم يَأن لَك أَن تعلم أَنِّي رَسُول اللَّه؟ " قَالَ: بِأبي أَنْت وَأمي مَا أحلمك وأكرمك وأوصلك أما هَذِه فَإِن فِي النَّفس مِنْهَا شَيْئا٩ حَتَّى الْآن. فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس: أسلم قبل أَن تضرب عُنُقك، فَأسلم، فَقَالَ الْعَبَّاس: يَا رَسُول اللَّه إِن أَبَا سُفْيَان يحب الْفَخر، فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئا، فَقَالَ رَسُول الله

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمِّهِ: "من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن [وَمن ١ أغلق بَابه فَهُوَ آمن، وَمن دخل الْمَسْجِد فَهُوَ آمن". فَكَانَ هَذَا مِنْهُ أَمَانًا لكل من لم يُقَاتل من أهل مَكَّة، وَلِهَذَا قَالَ جمَاعَة من أهل الْعلم مِنْهُم الشَّافِعِي ﵀ إِن مَكَّة مُؤَمَّنَةٌ وَلَيْسَت عنْوَة٢، والأمان كالصلح، وروى أَن أَهلهَا مالكون رباعهم، وَلذَلِك كَانَ يُجِيز كراها لأربابها وَبَيْعهَا وشراءها لِأَن من أَمن فقد حرم مَاله وَدَمه وَذريته وَعِيَاله. فمكة مُؤمنَة عِنْد من قَالَ بِهَذَا القَوْل إِلَّا الَّذين استثناهم رَسُول اللَّه ﷺ وَأمر بِقَتْلِهِم وَإِن وجدوا مُتَعَلقين بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة. وَأكْثر أهل الْعلم يرَوْنَ فتح مَكَّة عنْوَة لِأَنَّهَا أخذت غَلَبَة بِالْخَيْلِ والركاب إِلَّا أَنَّهَا مَخْصُوصَة بِأَن لم يجر فِيهَا قسم غنيمَة وَلَا سُبِيَ من أَهلهَا أحد. وخصت بذلك لما عظم اللَّه من حرمتهَا، أَلا ترى إِلَى قَوْله ﷺ: "مَكَّة حرَام مُحرمَة لم تحل لأحد قبلي وَلَا تحل لأحد بعدِي، وَإِنَّمَا أحلّت لي سَاعَة من نَهَار، ثمَّ هِيَ حرَام إِلَى يَوْم الْقِيَامَة". وَالأَصَح وَالله أعلم أَنَّهَا بَلْدَة مُؤمنَة، أَمن أَهلهَا على أنفسهم وَأمنت٣ أَمْوَالهم تبعا لَهُم. وَلَا خلاف [فِي] أَنه لم يكن فِيهَا غنيمَة.

". وَالأَصَح وَالله أعلم أَنَّهَا بَلْدَة مُؤمنَة، أَمن أَهلهَا على أنفسهم وَأمنت٣ أَمْوَالهم تبعا لَهُم. وَلَا خلاف [فِي] أَنه لم يكن فِيهَا غنيمَة. ثمَّ أَمر رَسُول اللَّه ﷺ الْعَبَّاس أَن يُوقف أَبَا سُفْيَان بخطم٤ الْوَادي ليرى جيوش اللَّه تَعَالَى، فَفعل ذَلِك الْعَبَّاس، وَعرض عَلَيْهِ قَبيلَة قَبيلَة، يَقُول: هَؤُلَاءِ سليم، هَؤُلَاءِ غفار، هَؤُلَاءِ تَمِيم، هَؤُلَاءِ مزينة، إِلَى أَن جَاءَ موكب النَّبِي ﷺ فِي الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار خَاصَّة، كلهم فِي الدروع وَالْبيض، فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: من هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ: هَذَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: وَالله مَا لأحد بهؤلاء قبل، وَالله يَا أَبَا الْفضل لقد أصبح ملك ابْن أَخِيك عَظِيما، فَقَالَ الْعَبَّاس: يَا أَبَا سُفْيَان إِنَّهَا النُّبُوَّة، قَالَ: فَنعم إِذن. ثمَّ قَالَ لَهُ الْعَبَّاس: يَا أَبَا سُفْيَان النَّجَاء٥ إِلَى قَوْمك. فأسرع أَبُو سُفْيَان، فَلَمَّا أَتَى مَكَّة عرفهم بِمَا أحَاط بهم، وَأخْبرهمْ بتأمين رَسُول اللَّه ﷺ كل من دخل دَاره أَو الْمَسْجِد أَو دَار أبي سُفْيَان.

أَبُو سُفْيَان، فَلَمَّا أَتَى مَكَّة عرفهم بِمَا أحَاط بهم، وَأخْبرهمْ بتأمين رَسُول اللَّه ﷺ كل من دخل دَاره أَو الْمَسْجِد أَو دَار أبي سُفْيَان.

وَتَأَبَّشَ١ قوم لِيُقَاتِلُوا، فَبلغ ذَلِك رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فرتب الجيوش، وَجعل الرَّايَة بيد سعد بْن عبَادَة، وَكَانَ من قَول سعد بْن عبَادَة: الْيَوْم يَوْم الملحمة٢، الْيَوْم تستحل الْحُرْمَة. فَقَالَ الْعَبَّاس٣: يَا رَسُول اللَّه هَلَكت قُرَيْش، لَا قُرَيْش بعد الْيَوْم، إِن سعد بْن عبَادَة قَالَ كَذَا وَكَذَا وَإنَّهُ حنق على قُرَيْش، وَلَا بُد أَن يَسْتَأْصِلهُمْ. فَأمر رَسُول اللَّه ﷺ إِنَّ تنْزع الرَّايَة من سعد بْن عبَادَة وتدفع إِلَى عَليّ، وَقيل: بل إِلَى الزبير، وَقيل: بل دفها إِلَى ابْنه قيس بْن سعد لِئَلَّا يجد سعد فِي نَفسه شَيْئا. وَكَانَ الزبير على الميمنة وخَالِد بْن الْوَلِيد على الميسرة، وَقد قيل إِن الزبير كَانَ على الميسرة وخَالِد بْن الْوَلِيد على الميمنة وفيهَا أَسْلَمُ وغفار وَمُزَيْنَة وجهينة. وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة بْن الْجراح على مُقَدّمَة٤ موكب النَّبِي ﷺ. وسرب٥ رَسُول اللَّه ﷺ الجيوش من ذِي طوى٦، وَأمر الزبير بِالدُّخُولِ من كداء٧ فِي أَعلَى مَكَّة، وَأمر خَالِد بْن الْوَلِيد ليدْخل من الليط أَسْفَل مَكَّة. وَأمرهمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِقِتَال من قَاتلهم. وَلِهَذَا كُله يَقُول أَكثر الْعلمَاء: إِنَّهَا افتتحت عنْوَة وَإِنَّهَا مَخْصُوصَة دون سَائِر الْبلدَانِ لما خصت بِهِ دون٨ غَيرهَا. وَكَانَ عِكْرِمَة بن أبي جهل بْن أُميَّة وَسُهيْل بْن عمر قد جمعا جمعا بالخندمة٩ لِيُقَاتِلُوا، فناوشهم أَصْحَاب خَالِد الْقِتَال، فأصيب من الْمُسلمين رجلَانِ وهما: كرز بْن جَابر من بني محَارب بْن فهر بْن مَالك، وخنيس١٠ بْن خَالِد بْن ربيعَة بْن أَصْرَم الْخُزَاعِيّ حَلِيف بني منقذ خرجا عَن جَيش خَالِد فقتلا، رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِمَا، وَقتل

فهر بْن مَالك، وخنيس١٠ بْن خَالِد بْن ربيعَة بْن أَصْرَم الْخُزَاعِيّ حَلِيف بني منقذ خرجا عَن جَيش خَالِد فقتلا، رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِمَا، وَقتل

أَيْضا من الْمُسلمين سَلمَة بْن الميلاء الْجُهَنِيّ. وَقتل من الْمُشْركين ثَلَاثَة عشر رجلا، ثمَّ انْهَزمُوا. وَهَذِه سَبِيل العنوة فِي غير مَكَّة. وَكَانَ شعار الْمُهَاجِرين يَوْم الْفَتْح وحنين والطائف: يَا بني عَبْد الرَّحْمَن، وشعار الْخَزْرَج: يَا بني عَبْد اللَّهِ، وشعار الْأَوْس يَا بني عبيد اللَّه. وَكَانَ الَّذين استثناهم رَسُول اللَّه ﷺ حِين أَمن النَّاس عبد الْعُزَّى بْن خطل وَهُوَ من بني الأدرم بْن غَالب، وَعبد اللَّه بْن سعد بْن أبي سرح، وَعِكْرِمَة بْن أبي جهل، وَالْحُوَيْرِث بْن نقيذ بْن وهب بْن عَبْد بْن قصي، وَمقيس بْن صبَابَة، وَقَيْنَتَيِ بن خطل: فرتنى وصاحبتها١ كَانَتَا تُغنيَانِ ابْن خطل بهجو رَسُول اللَّه ﷺ، وَسَارة مولاة لبَعض بني عَبْد الْمطلب. أما ابْن خطل فَإِنَّهُ كَانَ أسلم وَبَعثه النَّبِي ﷺ مُصدقا٢، وَبعث مَعَه رجلا من الْمُسلمين فَعدا عَلَيْهِ، فَقتله وارتد وَلحق بالمشركين بِمَكَّة، فَوجدَ يَوْم الْفَتْح مُتَعَلقا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة، فَقتله سعيد ين حُرَيْث المَخْزُومِي وَأَبُو بَرزَة الْأَسْلَمِيّ. وَأما عَبْد اللَّهِ بْن سعد بْن أبي سرح فَكَانَ يكْتب لرَسُول اللَّه ﷺ، ثمَّ لحق بِمَكَّة مُرْتَدا، فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْفَتْح اختفى. ثمَّ أَتَى بِهِ عُثْمَان بْن عَفَّان النبيَّ ﷺ وَكَانَ أَخَاهُ من الرضَاعَة، فاستأمن لَهُ رسولَ اللَّه ﷺ. فَسكت عَنهُ ﷺ [سَاعَة] ٣ ثمَّ أَمنه وَبَايَعَهُ. فَلَمَّا خرج قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَصْحَابه: "هلا قَامَ بَعْضكُم فَضرب عُنُقه؟ " فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار: هلا أَوْمَأْتَ إِلَيَّ؟ فَقَالَ ﵇: "مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ خَائِنَة الْأَعْين". ثمَّ عَاشَ عَبْد اللَّهِ بْن سعد حَتَّى اسْتَعْملهُ عمر، ثمَّ ولاه عُثْمَان مصر. وَهُوَ الَّذِي غزا إفريقية وافتتحها أول مرّة. وَحسن إِسْلَامه، وَلم يظْهر مِنْهُ بعد فِي دينه شَيْء يكره.

ّى اسْتَعْملهُ عمر، ثمَّ ولاه عُثْمَان مصر. وَهُوَ الَّذِي غزا إفريقية وافتتحها أول مرّة. وَحسن إِسْلَامه، وَلم يظْهر مِنْهُ بعد فِي دينه شَيْء يكره. وَأما عِكْرِمَة بْن أبي جهل ففر إِلَى الْيمن، فاتبعته امْرَأَته أم حَكِيم بنت الْحَارِث بْن هِشَام فَردته٤، فَأسلم وَحسن إِسْلَامه، وَكَانَ من فضلاء الصَّحَابَة

وَأما الْحُوَيْرِث بْن نقيذ فَكَانَ يُؤْذِي رَسُول اللَّه ﷺ بِمَكَّة، فَقتله عَليّ بْن أبي طَالب يَوْم الْفَتْح. وَأما قيس بْن صبَابَة فَكَانَ قد أَتَى النَّبِي ﵇ قبل ذَلِك مُسلما ثمَّ عدا على رجل من الْأَنْصَار فَقتله بعد أَن أَخذ الدِّيَة مِنْهُ فِي قَتِيل لَهُ، ثمَّ لحق بِمَكَّة مُرْتَدا١. فَقتله يَوْم الْفَتْح نميلَة بْن عَبْد اللَّهِ اللَّيْثِيّ وَهُوَ ابْن عَمه. وَفِي سنَنه ﷺ أَنه قَالَ: "لَا أعفى أحدا قَتَلَ بعد أَخذ الدِّيَة". هَذَا من الْمُسلمين، وَأما مقيس بْن صبَابَة فَارْتَد وَقتل بعد أَخذ الدِّيَة. وَأما قَيْنَتَا ابْن خطل فقتلت إِحْدَاهمَا وَاسْتُؤْمِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْأُخْرَى، فَأَمَّنَهَا، فَعَاشَتْ مُدَّة ثمَّ مَاتَت فِي حَيَاة النَّبِي ﵇. وَأما سارة فَاسْتُؤْمِنَ لَهَا أَيْضا، وأمنها ﵇، وَعَاشَتْ إِلَى أَن أَوْطَأَهَا رَجُلٌ فَرَسًا بِالْأَبْطح فِي زمَان عمر فَمَاتَتْ. واستتر رجلَانِ من بني مَخْزُوم عِنْد أم هَانِيء بنت طَالب فأجارتهما وأمنتهما، فَأمْضى رَسُول اللَّهِ ﷺ أمانها، وَقَالَ: "قد أجرنا من أجرت يَا أم هَانِيء وَأمنا من أمنت" وَكَانَ عَليّ أَرَادَ قَتلهمَا، قيل: إنَّهُمَا الْحَارِث بْن هِشَام وَزُهَيْر بْن أبي أُميَّة أَخُو أم سَلمَة، وأسلما وَكَانَا من خِيَار الْمُسلمين، وَقيل: إِن أَحدهمَا جعدة٢ بْن هُبَيْرَة، وَالْأول أصح. وَطَاف رَسُول اللَّه ﷺ بِالْكَعْبَةِ، ودعا عُثْمَان بْن طَلْحَة فَأخذ مِنْهُ مِفْتَاح الْكَعْبَة بعد أَن مانعته أمه ذَلِك ثمَّ أسلمته. فَدخل النَّبِي الْكَعْبَة وَمَعَهُ أُسَامَة بْن زيد، وبلال بْن رَبَاح، وَعُثْمَان بْن طَلْحَة، وَلَا أحد مَعَه غَيرهم. فأغلق الْبَاب عَلَيْهِ. وَصلى داخلها رَكْعَتَيْنِ. ثمَّ خرج وَخَرجُوا، ورد الْمِفْتَاح إِلَى عُثْمَان بْن طَلْحَة، وَأبقى لَهُ حجابة٣ الْبَيْت وَقَالَ: $"خذوها خالدة تالدة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة" فَهِيَ إِلَى الْآن فِي ولد شيبَة بْن عُثْمَان بن طَلْحَة.

طَلْحَة، وَأبقى لَهُ حجابة٣ الْبَيْت وَقَالَ: $"خذوها خالدة تالدة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة" فَهِيَ إِلَى الْآن فِي ولد شيبَة بْن عُثْمَان بن طَلْحَة.

وَأمر ﵇ بِكَسْر الصُّور الَّتِي دَاخل الْكَعْبَة وحولها وَكسر الْأَصْنَام الَّتِي حول الْكَعْبَة وبمكة كلهَا، وَكَانَت الْأَصْنَام الَّتِي فِي الْكَعْبَة مشدودة بالرصاص وَكَانَ يُشِير إِلَيْهَا بقضيب فِي يَده، فَكلما أَشَارَ إِلَى وَاحِد مِنْهَا خر لوجهه، وَكَانَ يَقُول: "جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل إِن الْبَاطِل كَانَ زهوقا". وَأذن لَهُ بِلَال على ظهر الْكَعْبَة. وخطب رَسُول اللَّه ﷺ ثَانِي يَوْم الْفَتْح خطْبَة مَشْهُورَة عِنْد أهل الْأَثر وَالْعلم بالْخبر، فَوضع مآثر الْجَاهِلِيَّة حاشا سدانة الْبَيْت وسقاية٢ الْحَاج، وَأخْبر ﷺ أَن مَكَّة لم يحل فِيهَا الْقِتَال لأحد قبله، وَلَا يحل لأحد بعده، وَإِنَّمَا حل لَهُ الْقِتَال فِي سَاعَة من نَهَار، ثمَّ عَادَتْ كحرمتها بالْأَمْس، لَا يسفك فِيهَا دم. وَمِنْ أحسن مَا رُوِيَ من خطبَته مُخْتَصرا مَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ وَغَيْرُه، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ:

ْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ وَغَيْرُه، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ: أَمَرَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، فَوَقَفَ تَحْتَ صَدْرِ رَاحِلَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ رَجُلا صَيِّتًا٣، فَقَالَ: "يَا رَبِيعَةُ قُلْ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ يَقُولُ لَكُمْ: أَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ وَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ وَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ " فَنَادَى بِذَلِكَ، فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ هَذَا الْبَلَدُ الْحَرَامُ وَالشَّهْرُ الْحَرَامُ، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ كَحُرْمَةِ بَلَدِكُمْ هَذَا وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا وَكَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا" ثمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ. أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا النَّسِيءُ ٤ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله، أَلا وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: الثَّلَاثَة مُتَوَالِيَة، وَرَجَبٌ مُفْرَدٌ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَلا هَلْ بَلَّغْتُ؟ " فَيَقُولُ النَّاسُ: نَعَمْ. قَالَ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ".

وتوقعت الْأَنْصَار أَن يبْقى النَّبِي ﵇ بِمَكَّة، فَأخْبرهُم أَن الْمحيا محياهم وَأَن الْمَمَات مماتهم. وَمر ﵇ بفضالة بْن عُمَيْر بْن الملوح اللَّيْثِيّ، وَهُوَ عازم على الفتك برَسُول اللَّه ﷺ، فَقَالَ لَهُ: "مَا تحدث بِهِ نَفسك؟ " قَالَ: لَا شَيْء كنت أذكر اللَّه ﷿، فَضَحِك النَّبِي ﵇، وَقَالَ: "أسْتَغْفر اللَّه لَك" وَوضع يَده ﵇ على صدر فضَالة، فَكَانَ فضَالة يَقُول: وَالله مَا رفع يَده عَن صَدْرِي حَتَّى مَا أجد على ظهر الأَرْض أحب إِلَيّ مِنْهُ. وهرب صَفْوَان بْن أُميَّة إِلَى الْيمن، فَاتبعهُ عُمَيْر بْن وهب الجُمَحِي بتأمين رَسُول اللَّه ﷺ [إِيَّاه فَرجع] فَأكْرمه رَسُول اللَّه ﷺ، وَقَالَ لَهُ: "انْزِلْ١ يَا أَبَا وهب" فَقَالَ: إِن هَذَا يُخْبِرنِي عَنْك أَنَّك تمهلني شَهْرَيْن، قَالَ: "بل لَك أَرْبَعَة أشهر". وهرب ابْن الزبعري٢ الشَّاعِر إِلَى نَجْرَان ثمَّ رَجَعَ، فَأسلم. وهرب هُبَيْرَة بْن أبي وهب المَخْزُومِي زوج أم هَانِيء بنت أبي طَالب إِلَى الْيمن٣، فَمَاتَ هُنَاكَ كَافِرًا. ثمَّ بعث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّرَايَا حول مَكَّة يَدْعُو إِلَى الْإِسْلَام، وَلم يَأْمُرهُم٤ بِقِتَال. وَكَانَ أحد أُمَرَاء تِلْكَ السَّرَايَا: خَالِد بْن الْوَلِيد خرج إِلَى بني جذيمة بْن عَامر بْن عَبْد مَنَاة بْن كنَانَة، فَقتل مِنْهُم وسبا، وَقد كَانُوا أَسْلمُوا وَلم يقبل خَالِد قَوْلهم وإقرارهم بِالْإِسْلَامِ، فوداهم٥ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بَعَثَ عَليّ بْن أبي طَالب ﵁ بِمَال إِلَيْهِم، فودى لَهُم جَمِيع قتلاهم ورد إِلَيْهِم مَا أَخذ مِنْهُم وَقَالَ لَهُم عَليّ: انْظُرُوا إِن فقدتم عقَالًا٦ لأدينه، فَبِهَذَا أَمرنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَرفع رَسُول اللَّه ﷺ يَدَيْهِ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأ إِلَيْك من صنع خَالِد". ثمَّ بعث رَسُول اللَّهِ ﷺ خَالِد بْن الْوَلِيد إِلَى الْعُزَّى وَكَانَ بَيْتا٧ بنخلة تعظمه قُرَيْش وكنانة وَجَمِيع مُضر، وَكَانَ سدنته بَنو شَيبَان من بني سليم حلفاء بني هَاشم، فهدمه. وَكَانَ فتح مَكَّة لعشر بَقينَ من رَمَضَان سنة ثَمَان من الْهِجْرَة.

ة وَجَمِيع مُضر، وَكَانَ سدنته بَنو شَيبَان من بني سليم حلفاء بني هَاشم، فهدمه. وَكَانَ فتح مَكَّة لعشر بَقينَ من رَمَضَان سنة ثَمَان من الْهِجْرَة.

غَزْوَة ١ حنين فَلَمَّا بلغ هوازنَ فَتْحُ مَكَّة جَمَعَهُمْ مَالك بْن عَوْف النصري من بني نصر بْن مُعَاوِيَة، فَاجْتمع إِلَيْهِ قومه: بَنو نصر وَبَنُو جشم وَبَنُو سعد بْن بكر، وَثَقِيف، وَطَائِفَة من بني هِلَال بْن عَامر. وَلم يشهدها من قيس٢ غير هَؤُلَاءِ. وغابث عَن ذَلِك عقيل، وقشير ابْنا كَعْب بْن ربيعَة بْن عَامر. وَبَنُو كلاب بْن ربيعَة بْن عَامر وَسَائِر إِخْوَتهم، فَلم يحضرهم من كَعْب وقشير وكلاب أحد يذكر. وحملت بَنو جشم مَعَ أنفسهم شيخهم وَكَبِيرهمْ: دُرَيْد بْن الصمَّة، وَهُوَ يَوْمئِذٍ شيخ كَبِير لَا ينْتَفع بِهِ فِي غير رَأْيه، حملوه فِي هودج لضعف جِسْمه. وَكَانَ فِي ثَقِيف سيدان [لَهُم٣ فِي الأحلاف] أَحدهمَا قَارب بْن الْأسود بْن مَسْعُود بْن معتب٤، وَالْآخر ذُو الْخمار سبيع بْن الْحَارِث بْن مَالك. وَكَانَت الرياسة فِي جَمِيع الْعَسْكَر إِلَى مَالك بْن عَوْف النصري، فَحَشَدَ مَنْ ذَكَرْنَا، وسَاق مَعَ الْكفَّار أَمْوَالهم، وماشيتهم ونساءهم وَأَوْلَادهمْ، وَزعم أَن ذَلِك لتحمى بِهِ نُفُوسهم وتشتد فِي الْقِتَال عَن ذَلِك شوكتهم. ونزلوا بأوطاس٥، فَقَالَ لَهُم دُرَيْد بن الصمَّة: مَالِي أسمع رُغَاء الْبَعِير ونهاق الْحمير

حمى بِهِ نُفُوسهم وتشتد فِي الْقِتَال عَن ذَلِك شوكتهم. ونزلوا بأوطاس٥، فَقَالَ لَهُم دُرَيْد بن الصمَّة: مَالِي أسمع رُغَاء الْبَعِير ونهاق الْحمير

وبكاء الصَّغِير ويعار١ الشَّاء؟ قَالُوا: سَاق مَالك مَعَ النَّاس أَمْوَالهم وعيالهم [قَالَ٢] : أَيْن مَالك؟ قيل: هَذَا مَالك، فَسَأَلَهُ: لم فعلت ذَلِك؟ فَقَالَ مَالك: لِيُقَاتِلُوا عَن أَهْليهمْ وَأَمْوَالهمْ فَقَالَ دُرَيْد: راعي٣ ضَأْن وَالله، وَهل يرد المنهزم شَيْء؟ إِنَّهَا إِن كَانَت لَك لم ينفعك إِلَّا رجل بسلاحه، وَإِن كَانَت عَلَيْك فضحت فِي أهلك وَمَالك. ثمَّ قَالَ: مَا فعلت كَعْب وكلاب؟ قَالُوا: لم يشهدها مِنْهُم أحد، قَالَ دُرَيْد: غَابَ الْحَد٤ وَالْجد، لَو كَانَ يَوْم عَلَاء ورفعة لم تغب عَنهُ كَعْب وكلاب ولوددت أَنكُمْ فَعلْتُمْ مَا فعلت كلاب وَكَعب، فَمن شَهِدَهَا [من٥ بني عَامر؟] قَالُوا: عَمْرو بْن عَامر، وعَوْف بْن عَامر، قَالَ: ذَانك الجذعان٦ من عَامر لَا ينفعان وَلَا يضران، يَا مَالك إِنَّك لم تصنع بِتَقْدِيم بَيْضَة٧ هوَازن إِلَى نحور الْخَيل شَيْئا، ارفعهم إِلَى مُمْتَنع بِلَادهمْ وعليا قَومهمْ، ثمَّ الْقَ الصُّبَاةَ٨ على متون الْخَيل، فَإِن كَانَت لَك لحق بك من وَرَاءَك، وَإِن كَانَت عَلَيْك كنت قد أحرزت أهلك وَمَالك. فَأبى ذَلِك مَالك وخالفت هوَازن دريدا واتبعوه، فَقَالَ دُرَيْد: هَذَا يَوْم لم أشهده وَلم يغب عني: يَا لَيْتَني فِيهَا جَذَعْ ... أَخُبُّ فِيهَا وَأَضَعْ٩ وَبعث [إِلَيْهِم] ١٠ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْد اللَّهِ بْن أبي حَدْرَد الْأَسْلَمِيّ عشَاء، فَأتى بعد أَن عرف مذاهبهم، وَأخْبر رَسُول اللَّهِ ﷺ بِمَا شَاهده مِنْهُم. فعزم رَسُول اللَّهِ ﷺ على قصدهم، واستعار من صَفْوَان بن أُميَّة بن خلف

الجُمَحِي دروعا، قيل: مائَة درع، وَقيل: أَرْبَعمِائَة. وَخرج النَّبِي ﵇ فِي اثنى عشر ألفا من الْمُسلمين، مِنْهُم عشرَة آلَاف صحبوه من الْمَدِينَة، وَأَلْفَانِ من مسلمة الْفَتْح، إِلَى مَا انضاف إِلَيْهِ من الْأَعْرَاب: من سليم وَبني كلاب وَعَبس وذبيان١ وَاسْتعْمل على مَكَّة٢ عتاب بْن أسيد بْن أبي الْعيص بْن أُميَّة. ونهض ﷺ فِي مقدمته مزينة، وَفِي الميمنة بَنو أَسد، وَفِي الميسرة بَنو سليم وَعَبس وذبيان. وَفِي مخرجه هَذَا رأى جهال الْأَعْرَاب شَجَرَة خضراء، وَكَانَ لَهُم فِي الْجَاهِلِيَّة شَجَرَة مَعْرُوفَة تسمى ذَات٣ أنواط يخرج إِلَيْهَا الْكفَّار يَوْمًا مَعْلُوما فِي السّنة يعظمونها، فَقَالُوا يَا رَسُول اللَّه اجْعَل لنا ذَات أنواط/ كَمَا لَهُم ذَات أنواط، فَقَالَ: ﵇: اللَّه أكبر، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَ قوم مُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَة قَالَ إِنَّكُم قوم تجهلون﴾ لتركبن سنَن من [كَانَ] ٤ قبلكُمْ حَذْو القذة٥ بالقذة، حَتَّى إِنَّهُم لَو دخلُوا جُحر ضَب لدخلتموه. ثمَّ نَهَضَ رَسُول اللَّه ﷺ، حَتَّى أَتَى وَادي٦ حنين وَهُوَ وَاد من أَوديَة تهَامَة، وَكَانَ هوَازن قد كمنت فِي جَنْبي الْوَادي، وَذَلِكَ فِي غبش الصُّبْح، فَحملت على الْمُسلمين حَملَة رجل وَاحِد، فَانْهَزَمَ جُمْهُور الْمُسلمين، وَلم يلو أحد على أحد، وَثَبت مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ أَبُو بكر وَعمر، وَمن أهل بَيته عَليّ وَالْعَبَّاس وَأَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث ابْن عَبْد الْمطلب، وَابْنه جَعْفَر، وَأُسَامَة بْن زيد، وأيمن بْن عبيد وَهُوَ أَيمن بْن أم أَيمن قتل يَوْمئِذٍ بحنين، وَالْفضل بْن الْعَبَّاس. وَقيل فِي مَوضِع جَعْفَر بن أبي سُفْيَان قثم من الْعَبَّاس. وَلم ينهزم رَسُول اللَّه ﷺ وَلَا أحد من هَؤُلَاءِ. وَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ على بغلته الشَّهْبَاء وَاسْمهَا دندل٧ وَالْعَبَّاس آخذ بحكمتها٨، وَرَسُول اللَّه ﷺ

رَسُول اللَّه ﷺ وَلَا أحد من هَؤُلَاءِ. وَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ على بغلته الشَّهْبَاء وَاسْمهَا دندل٧ وَالْعَبَّاس آخذ بحكمتها٨، وَرَسُول اللَّه ﷺ

يَقُول: "أَيهَا النَّاس، إِلَى أَيْن أَيهَا النَّاس؟! أَنا رَسُول اللَّه، وَأَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ". وَأمر الْعَبَّاس وَكَانَ جهير الصَّوْت أَن يُنَادي: "يَا معشر الْأَنْصَار، يَا أَصْحَاب الشَّجَرَة"، وَبَعْضهمْ يرويهِ: "يَا أَصْحَاب السَّمُرَةِ". وَقد قيل إِنَّه نَادَى يَوْمئِذٍ: "يَا معشر الْمُهَاجِرين"، كَمَا نَادَى: "يَا معشر الْأَنْصَار". فَلَمَّا سمعُوا الصَّوْت أجابوا: لبيْك، لبيْك. وَكَانَت الدعْوَة أَولا يَا للْأَنْصَار، ثمَّ خصصت بِأَخَرَةٍ١ يَا للخزرج. قَالَ ابْن شهَاب: وَكَانُوا أَصْبِر عِنْد الحروب. فَلَمَّا ذَهَبُوا ليرجعوا كَانَ الرجل مِنْهُم لَا يَسْتَطِيع أَن ينفذ ببعيره لِكَثْرَة الْأَعْرَاب المنهزمين، فَكَانَ يَأْخُذ درعه فيلبسها، وَيَأْخُذ سَيْفه ومجنه، ويقتحم عَن بعيره [ويخلي٢ سَبيله] ويكر رَاجعا إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ، حَتَّى إِذا اجْتمع حواليه ﷺ مائَة رجل أَو نحوهم استقبلوا هوَازن بِالضَّرْبِ.

جنه، ويقتحم عَن بعيره [ويخلي٢ سَبيله] ويكر رَاجعا إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ، حَتَّى إِذا اجْتمع حواليه ﷺ مائَة رجل أَو نحوهم استقبلوا هوَازن بِالضَّرْبِ. واشتدت الْحَرْب وَكثر الطعْن والجلاد، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ركائبه، فَنظر إِلَى مجتلد٣ الْقَوْم، فَقَالَ: "الْآن حمي ٤ الْوَطِيس". وَضرب عليُّ بْن أبي طَالب عرقوب جمل صَاحب الرَّايَة أَو فرسه فصرعه، وَلحق بِهِ رجل من الْأَنْصَار، فاشتركا فِي قَتله. وَأخذ عَليّ الرَّايَة، وَقذف اللَّه ﷿ فِي قُلُوب هوَازن الرعب حِين وصلوا إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَذَلِكَ أَن رَسُول اللَّه ﷺ إِذْ واجههم وواجهوه صَاح بهم صَيْحَة وَرمى فِي وُجُوههم بالحصا، فَلم يملكُوا أنفسهم، وَفِي ذَلِك يَقُول اللَّه ﷿: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ . [و] ٥ روينَا من وُجُوه عَن بعض من أسلم من الْمُشْركين مِمَّن شهد حنينا قَالَ: وَقد سُئِلَ عَن يَوْم حنين: لَقينَا الْمُسلمين فَمَا لبثنا أَن هزمناهم وأتبعناهم حَتَّى وصلنا إِلَى رجل رَاكب على بغلة بَيْضَاء، فَلَمَّا رآنا زجرنا زَجْرَة وانتهرنا، وَأخذ بكفه حصا أَو تُرَابا، فرمانا بِهِ، وَقَالَ: شَاهَت الْوُجُوه شَاهَت [الْوُجُوه] فَلم تبْق عين إِلَّا دَخلهَا من ذَلِك. فَمَا ملكنا أَنْفُسنَا أَن رَجعْنَا على أعقابنا.

ا، فرمانا بِهِ، وَقَالَ: شَاهَت الْوُجُوه شَاهَت [الْوُجُوه] فَلم تبْق عين إِلَّا دَخلهَا من ذَلِك. فَمَا ملكنا أَنْفُسنَا أَن رَجعْنَا على أعقابنا.

وَمَا استوفى رُجُوع الْمُسلمين إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا وَأسرى هوَازن بَين يَدَيْهِ، وَثبتت أم١ سليم فِي جملَة من ثَبت أول الْأَمر محتزمة ممسكة بَعِيرًا لأبي طَلْحَة وَفِي يَدهَا خنجر. وانهزمت هوَازن. وَملك الْعِيَال وَالْأَمْوَال. واستحر الْقَتْل فِي بني مَالك من ثَقِيف فَقتل مِنْهُم خَاصَّة يَوْمئِذٍ سَبْعُونَ رجلا مِنْهُم رئيساهم: ذُو الْخمار وَأَخُوهُ٢ عُثْمَان ابْنا عَبْد اللَّهِ بْن ربيعَة، وَلم يقتل من الأحلاف إِلَّا رجلَانِ، لِأَن قَارب بْن الْأسود -وَكَانَ سيدهم يَوْمئِذٍ- فر بهم حِين اشْتَدَّ أول الْقِتَال. واستحر الْقَتْل فِي بني نصر بْن مُعَاوِيَة. وهرب مَالك بْن عَوْف النصري فِي جمَاعَة من قومه، وَدخل الطَّائِف مَعَ ثَقِيف. وانحازت طوائف من هوَازن إِلَى أَوْطَاس. وَأدْركَ ربيعةُ بْنُ رفيع بْن أهبان السّلمِيّ من بني سليم دُرَيْدَ بْن الصمَّة، فَقتله، وَقد قيل إِن قَاتل دُرَيْد هُوَ عَبْد اللَّهِ بْن قنيع بْن أهبان٣ من بني سليم، وَقد قيل إِن دريدا أسر يَوْمئِذٍ وَأمر رَسُول اللَّه ﷺ بقتْله لمشاهدته الْحَرْب وَمَوْضِع رَأْيه فِيهَا. وَلما انْقَضى الصدام نَادَى منادى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "من قتل قَتِيلا عَلَيْهِ بَيِّنَة فَلهُ سلبه" ٤. وَبعث رَسُول اللَّهِ ﷺ أَبَا عَامر الْأَشْعَرِيّ واسْمه عبيد وَهُوَ عَم أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي طَائِفَة من الْمُسلمين مِنْهُم أَبُو مُوسَى إِلَى من اجْتمع من هوَازن بأوطاس٥. فَشد على أبي عَامر أحد بني دُرَيْد بْن الصمَّة فَقتله، قيل: رَمَاه سَلمَة بْن دُرَيْد بْن الصمَّة بِسَهْم فَقتله. وَأخذ أَبُو مُوسَى الرَّايَة، وَشد على قَاتل عَمه فَقتله. وَقيل: بل رمى أَبَا عَامر رجلَانِ من بني جشم، وهما: الْعَلَاء وأوفى ابْنا الْحَارِث، أصَاب أَحدهمَا قلبه وَالْآخر ركبته، ثمَّ قَتلهمَا أَبُو مُوسَى، وَقيل: بل قتل أَبُو عَامر تِسْعَة إخْوَة من الْمُشْركين مبارزة،

يَدْعُو كل وَاحِد مِنْهُم إِلَى الْإِسْلَام ثمَّ يحمل عَلَيْهِ فيقتله، ثمَّ حمل عَلَيْهِ عاشرهم فَقتله. ثمَّ أسلم ذَلِك الْعَاشِر بعد ذَلِك. تَسْمِيَة من اسْتشْهد من الْمُسلمين يَوْم حنين وَاسْتشْهدَ من الْمُسلمين يَوْم حنين أَرْبَعَة رجال: أَيمن بْن عبيد، وَهُوَ أَيمن بْن أم أَيمن أَخُو أُسَامَة بْن زيد لأمه. وَيزِيد بْن زَمعَة بْن الْأسود بْن الْمطلب بْن أَسد، جَمَحَ بِهِ فرسه، فَقتل. وسراقة بْن الْحَارِث١ بْن عدي من بني العجلان من الْأَنْصَار. وَأَبُو عَامر الْأَشْعَرِيّ. وَكَانَت وقْعَة هوَازن "وَهِي" يَوْم حنين فِي أول شَوَّال من السّنة الثَّامِنَة من الْهِجْرَة وَترك رَسُول اللَّهِ ﷺ قسم الْغَنَائِم من الْأَمْوَال وَالنِّسَاء والذراري، فَلم يقسمها حَتَّى أَتَى الطَّائِف. غَزْوَة ٢ الطَّائِف وَكَانَ منصرف رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من حنين إِلَى الطَّائِف. لم يرجع إِلَى مَكَّة وَلَا عَرَّجَ على شَيْء إِلَّا غَزْو الطَّائِف قبل أَن يقسم غَنَائِم حنين وَقبل كل شَيْء. فسلك رَسُولُ اللَّهِ ﷺ على الْجِعِرَّانَة٣ فِي طَرِيقه إِلَى الطَّائِف ثمَّ أَخذ على قرن٤. وابتنى فِي طَرِيقه ذَلِك مَسْجِدا وَصلى فِيهِ، وأقاد فِي ذَلِك الْمَكَان [بِدَم٥ وَهُوَ أول دم أقيد بِهِ فِي الْإِسْلَام] من رجل من بني لَيْث قتل رجلا من هُذَيْل [فَقتله بِهِ] . وَوجد فِي طَرِيقه ذَلِك حصنا لمَالِك بن عَوْف النصري فهدمه، وَوجد هُنَالك أطما قد تَمَنَّعَ فِيهِ رجل من ثَقِيف فِي مَاله، فَأمر بهدمه. وَلم يشْهد غَزْوَة حنين وَلَا الطَّائِف عُرْوَة بْن مَسْعُود وَلَا غيلَان بن سَلمَة

لك أطما قد تَمَنَّعَ فِيهِ رجل من ثَقِيف فِي مَاله، فَأمر بهدمه. وَلم يشْهد غَزْوَة حنين وَلَا الطَّائِف عُرْوَة بْن مَسْعُود وَلَا غيلَان بن سَلمَة

الثقفيان، كَانَا قد خرجا يتعلمان صناعَة المنجنيق والدبابات١. ثمَّ نزل ﵇ بِقرب الطَّائِف بواد يُقَال لَهُ العقيق، فتحصنت ثَقِيف وحاربهم الْمُسلمُونَ. وحصن ثَقِيف لَا حصن مثله فِي حصون الْعَرَب. فأصيب من الْمُسلمين رجال بِالنَّبلِ. فَزَالَ النَّبِي ﵇ من ذَلِك الْمنزل إِلَى مَوضِع الْمَسْجِد الْمَعْرُوف الْيَوْم. فَحَاصَرَهُمْ ﵇ بضعا وَعشْرين لَيْلَة، بل بضع عشرَة لَيْلَة، وَقيل: عشْرين يَوْمًا. وَكَانَ مَعَه ﵇ امْرَأَتَانِ من نِسَائِهِ، أم سَلمَة إِحْدَاهمَا، فموضع الْمَسْجِد الْيَوْم بَين منزلهما يَوْمئِذٍ. وَتَوَلَّى بُنيان ذَلِك الْمَسْجِد عَمْرو بْن أُميَّة بْن وهب بْن معتب الثَّقَفِيّ. وَأمر رَسُول اللَّهِ ﷺ بِقطع أعناب الطَّائِف إِلَّا قِطْعَة عِنَب كَانَت للأسود بْن مَسْعُود أَو لِابْنِهِ فِي مَاله، وَكَانَت تبعد عَن الطَّائِف وَسَأَلَهُ الْكَفّ عَنْهَا فَكف عَنْهَا. وَكَانَ يجير بْن زُهَيْر بْن أبي سلمى الْمُزنِيّ الشَّاعِر بن الشَّاعِر شهد حنينا والطائف وَكَانَ حسن الْإِسْلَام. تَسْمِيَة من اسْتشْهد من الْمُسلمين فِي حِصَار الطَّائِف وَاسْتشْهدَ من الْمُسلمين فِي حِصَار الطَّائِف:

ر شهد حنينا والطائف وَكَانَ حسن الْإِسْلَام. تَسْمِيَة من اسْتشْهد من الْمُسلمين فِي حِصَار الطَّائِف وَاسْتشْهدَ من الْمُسلمين فِي حِصَار الطَّائِف: سعيد بْن سعيد بْن العَاصِي بْن أُميَّة، وَعرْفطَة بْن جناب٢ الْأَزْدِيّ حَلِيف لبني أُميَّة، وَعبد اللَّه بْن أبي بكر الصّديق أَصَابَهُ سهم فاستمر مِنْهُ مَرِيضا حَتَّى مَاتَ مِنْهُ فِي خلَافَة أَبِيه، وَعبد اللَّه [بْن] أبي٣ أُميَّة بني الْمُغيرَة المَخْزُومِي أَخُو أم سَلمَة، وَعبد اللَّه الْأَكْبَر بْن عَامر بْن ربيعَة حَلِيف بني عدي بْن كَعْب، والسائب بْن الْحَارِث بْن قيس السَّهْمِي، وَأَخُوهُ عَبْد اللَّهِ بْن الْحَارِث بْن قيس السَّهْمِي، وجليحة بْن عَبْد اللَّهِ اللَّيْثِيّ من بني سعد بْن لَيْث، وثابت بْن الْجذع الْأنْصَارِيّ من بني سَلمَة، والْحَارث بْن سهل بْن أبي صعصعة الْأنْصَارِيّ من بني مَازِن بْن النجار، وَالْمُنْذر بْن عَبْد اللَّهِ الْأنْصَارِيّ من بني سَاعِدَة. وَمن الْأَوْس٤ رقيم بْن ثَابت بْن ثَعْلَبَة.

بَاب فِي قسْمَة غَنَائِم ١ حنين وَمَا جرى فِيهَا

نْذر بْن عَبْد اللَّهِ الْأنْصَارِيّ من بني سَاعِدَة. وَمن الْأَوْس٤ رقيم بْن ثَابت بْن ثَعْلَبَة.

بَاب فِي قسْمَة غَنَائِم ١ حنين وَمَا جرى فِيهَا

ثمَّ انْصَرف رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْجِعِرَّانَة: مَوضِع قريب من حنين. وَكَانَ قد اسْتَأْنَى٢ بقسمة الْغَنَائِم رَجَاء أَن يسلمُوا ويرجعوا إِلَيْهِ، فَلَمَّا قسمت الْغَنَائِم هُنَالك أَتَاهُ وَفد هوَازن مُسلمين راغبين فِي الْعَطف عَلَيْهِم وَالْإِحْسَان إِلَيْهِم، فَقَالَ لَهُم: "قد كنت اسْتَأْنَيْت بكم وَقد وَقعت المقاسم، وَعِنْدِي مَا ترَوْنَ ٣ فَاخْتَارُوا: إِمَّا ذَرَارِيكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ وَإِمَّا أَمْوَالكُم" فَاخْتَارُوا الْعِيَال والذرية وَقَالُوا: لَا نعدل بالأنساب شَيْئا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذا صليت الظّهْر فتكلموا واطلبوا حَتَّى أكلم النَّاس فِي أَمركُم". فَلَمَّا صلى الظّهْر تكلمُوا، وَقَالُوا: نستشفع برَسُول اللَّهِ ﷺ على الْمُسلمين. فَقَالَ النَّبِي ﵇: "أما مَا كَانَ لي ولبني عَبْد الْمطلب وَبني هَاشم فَهُوَ لكم" وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار: أما مَا كَانَ لنا فَهُوَ لرَسُول اللَّه ﵇، وَامْتنع الْأَقْرَع بْن حَابِس وعيينة بْن حصن فِي قومهما٤ أَن يردوا عَلَيْهِمَا شَيْئا مِمَّا وَقع لَهُم فِي سِهَامهمْ. وَامْتنع الْعَبَّاس بْن مرداس السّلمِيّ وطمع أَن يساعده قومه كَمَا ساعد الْأَقْرَع بْن حَابِس وعيينة قومهما فَأَبت بَنو سليم وَقَالُوا: بلَى مَا كَانَ لنا فَهُوَ لرَسُول اللَّه ﷺ، فَقَالَ رَسُول اللَّه ﵇: "من ضن مِنْكُم بِمَا فِي يَدَيْهِ فَإنَّا نعوضه مِنْهُ". فَرد عَلَيْهِم رَسُول اللَّه ﷺ نِسَاءَهُمْ وأبناءهم وَعوض من لم تطب نَفسه بترك نصِيبه أعواضا رَضوا بهَا. وَكَانَ عدد سبي هوَازن سِتَّة آلَاف إِنْسَان فيهم الشيماء أُخْت

النَّبِي ﵇ من الرضَاعَة وَهِي بنت الْحَارِث بْن عبد الْعُزَّى من بني سعد بْن بكر [بْن هوَازن] ١ بنت حليمة السعدية، فأكرمها رَسُول اللَّه ﷺ وَأَعْطَاهَا، وَرجعت إِلَى بلادها مسرورة بدينها وَبِمَا أَفَاء اللَّه عَلَيْهَا. وَقسم رَسُول اللَّهِ ﷺ الْأَمْوَال٢ بَين الْمُسلمين. وَأعْطى الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم وَغَيرهم من الْخمس أَو من جملَة الْغَنِيمَة على مَذْهَب من رأى أَن ذَلِك إِلَى اجْتِهَاد الإِمَام، وَأَن لَهُ أَن ينفل٣ فِي البدأة وَالرَّجْعَة [حسب] مَا رَآهُ بِظَاهِر قَول اللَّه تَعَالَى: ﴿قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول﴾ يحكم فِيهَا بِمَا أرَاهُ اللَّه. وَلَيْسَ ذَلِك لغيره ﷺ بِظَاهِر قَوْله ﷿: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأن لله خمسه﴾ . وللقول فِي تَلْخِيص ذَلِك مواضعُ غير هَذَا. [أُعْطِيَاتُ الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم] وَلم يخْتَلف أهل السّير وَغَيرهم أَن رَسُول اللَّه ﷺ أعْطى الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم من قُرَيْش وَغَيرهم، وَلَا ذِكْرَ للمؤلفة قُلُوبهم فِي غير آيَة٤ قسم الصَّدقَات. قَالُوا: أعْطى قُريْشًا مائَة بعير، وَكَذَلِكَ أعْطى عُيَيْنَة بْن حصن والأقرع بْن حَابِس. قَالَ ابْن إِسْحَاق: أَعْطَاهُم يتألفهم ويتألف بهم قَومهمْ وَكَانُوا أشرافا، فَأعْطى أَبَا سُفْيَان بْن حَرْب مائَة بعير، وَأعْطى ابْنه مُعَاوِيَة مائَة بعير، وَأعْطى حَكِيم بْن حزَام مائَة بعير، وَأعْطى الْحَارِث بْن هِشَام مائَة بعير، وَأعْطى سُهَيْل بْن عَمْرو مائَة بعير، وَأعْطى حويطب بْن عبد الْعُزَّى مائَة بعير، وَأعْطى صَفْوَان بْن أُميَّة مائَة بعير، وَكَذَلِكَ أعْطى مَالك٥ بْن عَوْف والْعَلَاء بْن جَارِيَة [الثَّقَفِيّ٦ حَلِيف بني زهرَة] . قَالَ: فَهَؤُلَاءِ

عْطى صَفْوَان بْن أُميَّة مائَة بعير، وَكَذَلِكَ أعْطى مَالك٥ بْن عَوْف والْعَلَاء بْن جَارِيَة [الثَّقَفِيّ٦ حَلِيف بني زهرَة] . قَالَ: فَهَؤُلَاءِ

أَصْحَاب١ المئين. وَأعْطى رجَالًا من قُرَيْش دون الْمِائَة، مِنْهُم مخرمَة بْن نَوْفَل الزُّهْرِيّ، وَعُمَيْر بْن وهب الجُمَحِي، وَهِشَام بْن عَمْرو العامري، لَا أعرف مَا أَعْطَاهُم٢. وَأعْطى سعيد بْن يَرْبُوع خمسين بَعِيرًا، وَأعْطى عَبَّاس بْن مرداس السّلمِيّ أباعر قَليلَة، فتسخطها وَقَالَ فِي ذَلِك: وَكَانَت نهابا تلافيتها ... بكرى على الْمهْر فِي الأجرع٣ وإيقاظي الْقَوْم أَن يرقدوا ... إِذا هجع النَّاس لم أهجع فَأصْبح نَهْبي وَنهب العبيـ ... د بَين عُيَيْنَة والأقرع٤ وَقد كنت فِي الْحَرْب ذَا تدرإ ... فَلم أعْط شَيْئا وَلم أمنع٥ إِلَّا أفائل أعطيتهَا ... عديد قَوَائِمهَا الْأَرْبَع٦ وَمَا كَانَ حصن وَلَا حَابِس ... يَفُوقَانِ شَيْخي فِي الْمجمع٧ وَمَا كنت دون امريء مِنْهُمَا ... وَمن تضع الْيَوْم لَا يرفع فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اذْهَبُوا فَاقْطَعُوا عَنِّي لِسَانَهُ" فَأَعْطوهُ حَتَّى رَضِي، فَكَانَ ذَلِك قَطْعَ لِسَانه. وَقيل إِن عَبَّاس بْن مرداس أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بعد ذَلِك، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَنْت الْقَائِل: فَأصْبح نَهْبي وَنهب العبيد بَين الْأَقْرَع وعيينة" فَقَالَ أَبُو بكر الصّديق: بَين عُيَيْنَة والأقرع. فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ: "هما وَاحِد". وَقَالَ أَبُو بكر: أشهد أَنَّك كَمَا قَالَ اللَّه ﷿: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ . قَالَ أَبُو عمر: لَو كَانَ مَا أعْطى رَسُول اللَّه ﷺ الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم من غَنَائِم حنين من خمس

َا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ . قَالَ أَبُو عمر: لَو كَانَ مَا أعْطى رَسُول اللَّه ﷺ الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم من غَنَائِم حنين من خمس

الْخمس كَمَا زعم من زعم ذَلِك أَو من الْخمس الَّذِي قَالَ فِيهِ ﷺ: "مَالِي من غنائمكم إِلَّا الْخمس، وَالْخمس مَرْدُود عَلَيْكُم". مَا شقّ ذَلِك وَالله أعلم على الْأَنْصَار، حَتَّى قَالُوا مَا هُوَ مَحْفُوظ عَنْهُم. وَقد كتبت ذَلِك فِيمَا بعد. وَلكنه ﷺ علم من إِيمَانهم وكرمهم أَنهم سيرضون بِفِعْلِهِ، لِأَن حرصهم على ظُهُور الدَّين من حرصه، ﵃. تَسْمِيَة ١ الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم من بني أُميَّة: أَبُو سُفْيَان بْن حَرْب بْن أُميَّة، وَابْنه مُعَاوِيَة، وطليق بْن سُفْيَان بْن أُميَّة، وخَالِد بْن أسيد بْن [أبي] ٢ الْعيص بْن أُميَّة. وَمن بني عَبْد الدَّار بْن قصي: شيبَة بْن عُثْمَان بْن أبي طَلْحَة، وَأَبُو السنابل بْن بعكك، وَعِكْرِمَة بْن عَامر بْن هَاشم٣. وَمن بني مَخْزُوم: زُهَيْر بْن أبي أُميَّة، والْحَارث بْن هِشَام، وَأَخُوهُ خَالِد بْن هِشَام، وَهِشَام٤ بْن الْوَلِيد بْن الْمُغيرَة، وسُفْيَان بْن عَبْد الْأسد، والسائب بْن أبي السَّائِب. وَمن بني عدي بْن كَعْب: مُطِيع بْن الْأسود، وَأَبُو جهم بْن حُذَيْفَة. وَمن بني جمح: صَفْوَان بْن أُميَّة بْن خلف، وَأَخُوهُ أحيحة بْن أُميَّة، وَعُمَيْر بْن وهب بْن خلف. وَمن بني سهم: [عدي٥ بْن] قيس بْن حذافة. وَمن بني عَامر بْن لؤَي: حويطب بْن عَبْد الْعُزَّى، وَهِشَام بْن عَمْرو بْن ربيعَة. وَمن سَائِر قبائل الْعَرَب: من بني الديل٦ بْن بكر بْن عَبْد مَنَاة: نَوْفَل بْن مُعَاوِيَة. وَمن بني قيس ثمَّ من بني عَامر بْن صعصعة ثمَّ من بني كلاب بْن ربيعَة بن عَامر:

عَلْقَمَة بْن علاثة بْن عَوْف بْن الْأَحْوَص بْن جَعْفَر بْن كلاب، ولبيد بْن ربيعَة بْن مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلابٍ. وَمن بني عَامر بْن صعصعة: خَالِد بْن هَوْذَة بْن ربيعَة بْن عَمْرو بْن عَامر، وَأَخُوهُ حَرْمَلَة بْن هَوْذَة. وَمن بني نصر بْن مُعَاوِيَة: مَالك بْن عَوْف بْن سعيد بْن يَرْبُوع. وَمن بني سليم بْن مَنْصُور: عَبَّاس بْن مرداس. وَمن غطفان ثمَّ من فَزَارَة: عُيَيْنَة بْن حصن. وَمن بني تَمِيم ثمَّ من بني حَنْظَلَة: الْأَقْرَع بْن حَابِس. وَقد ذكر فِي الْمُؤَلّفَة حَكِيم بْن حزَام وَالنضير١ بْن الْحَارِث بْن عَلْقَمَة بْن كلدة أَخُو النَّضر بْن الْحَارِث الْمَقْتُول ببدر صبرا. وَذكر آخَرُونَ النَّضِير بْن الْحَارِث فِيمَن هَاجر إِلَى أَرض الْحَبَشَة فَإِن كَانَ مِنْهُم فمحال أَن يكون من الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم. وَمن هَاجر إِلَى أَرض الْحَبَشَة فَهُوَ من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين مِمَّن رسخ الْإِيمَان فِي قلبه، وَقَاتل دونه، لَيْسَ مِمَّن يؤلف عَلَيْهِ. وَعند إِعْطَاء رَسُول اللَّه ﷺ مَا أعْطى الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم وَلم يُعْط الْأَنْصَار وَلَا الْمُهَاجِرين قَالَ ذُو الْخوَيْصِرَة [التَّمِيمِي] ٢: قد رَأَيْت مَا صنعت فِي هَذَا الْيَوْم يَا مُحَمَّد! فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه ﷺ: "أجل، فَكيف رَأَيْت؟ " قَالَ: لم أرك عدلت. فَغَضب النَّبِي ﵇، وَقَالَ: "وَيحك إِن لم يكن الْعدْل مني ٣ فَعِنْدَ من يكون؟!! " فَقَالَ عمر ﵁: دَعْنِي أضْرب عُنُقه يَا رَسُول اللَّه، فَقَالَ: "لَا، دَعوه، سَيكون لَهُ شيعَة ٤ يتعمقون فِي الدَّين حَتَّى يخرجُوا مِنْهُ كَمَا يخرج السهْم من الرَّمية".

أضْرب عُنُقه يَا رَسُول اللَّه، فَقَالَ: "لَا، دَعوه، سَيكون لَهُ شيعَة ٤ يتعمقون فِي الدَّين حَتَّى يخرجُوا مِنْهُ كَمَا يخرج السهْم من الرَّمية".

موقف ١ بعض الْأَنْصَار قَالَ ابْن إِسْحَق: وحَدثني عَاصِم بْن عمر بْن قَتَادَة، قَالَ: لما أعْطى رَسُول اللَّهِ ﷺ تِلْكَ العطايا فِي قُرَيْش وقبائل الْعَرَب. وَلم يكن فِي الْأَنْصَار مِنْهَا شَيْء وجد هَذَا الْحَيّ من الْأَنْصَار فِي أنفسهم، حَتَّى كثرت مِنْهُم القالة٢، فَدخل عَلَيْهِ سعد بْن عبَادَة فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه إِن هَذَا الْحَيّ من الْأَنْصَار قد وجدوا عَلَيْك فِي أنفسهم بِمَا صنعت فِي هَذَا الْفَيْء الَّذِي أصبت: قَسَمْتَ فِي قَوْمك وَأعْطيت قوما من الْعَرَب عطايا عظاما، وَلم يكن فِي هَذَا الْحَيّ من الْأَنْصَار مِنْهَا شَيْء، قَالَ: "فَأَيْنَ أَنْت من ذَلِك يَا سعد؟ " قَالَ: يَا رَسُول اللَّه مَا أَنا إِلَّا من قومِي، قَالَ: "فاجمع لي قَوْمك فِي هَذِه الحظيرة". قَالَ: فَخرج سعد فَجمع من الْأَنْصَار فِي تِلْكَ الحظيرة، وَجَاء رجال من الْمُهَاجِرين فتركهم فَدَخَلُوا، وَجَاء آخَرُونَ فردهم. فَلَمَّا اجْتَمعُوا أَتَاهُ سعد، فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه قد اجْتمع لَك هَذَا الْحَيّ من الْأَنْصَار. فَأَتَاهُم رَسُول اللَّه ﷺ فَحَمدَ اللَّه وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: "يَا معشر الْأَنْصَار مَا قَالَةٌ بلغتني [عَنْكُم] ٣ ووجدة ٤ وجدتموها فِي أَنفسكُم، ألم آتكم ضلالا فَهدَاكُم اللَّه وَعَالَة ٥ فَأَغْنَاكُمْ اللَّه وأعداء فألف اللَّه بَين قُلُوبكُمْ؟ " قَالُوا: بلَى لله وَرَسُوله الْمَنّ٦ وَالْفضل. ثمَّ قَالَ: "أَلا تجيبونني يَا معشر الْأَنْصَار؟ " قَالُوا: بِمَاذَا نجيبك يَا رَسُول اللَّه؟ لله وَرَسُوله الْمَنّ وَالْفضل. فَقَالَ: "أما وَالله لَو شِئْتُم لقلتم [فَصَدَقْتُمْ] ٧ وَلَصُدِّقْتُمْ: أَتَيْتنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاك، ومخذولا فَنَصَرْنَاك، وطريدا فَآوَيْنَاك، وعائلا فواسينك ٨.

لَو شِئْتُم لقلتم [فَصَدَقْتُمْ] ٧ وَلَصُدِّقْتُمْ: أَتَيْتنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاك، ومخذولا فَنَصَرْنَاك، وطريدا فَآوَيْنَاك، وعائلا فواسينك ٨.

أوجدتم يَا معشر الْأَنْصَار فِي أَنفسكُم فِي لُعَاعَةٍ١ من الدُّنْيَا تألفت بهَا قوما ليسلموا ووكلتكم إِلَى إيمَانكُمْ، أَلا ترْضونَ يَا معشر الْأَنْصَار أَن يذهب النَّاس بِالشَّاة وَالْبَعِير وترجعوا برَسُول اللَّه إِلَى رحالكُمْ؟ وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَة لَكُنْت امْرَءًا من الْأَنْصَار، وَلَو سلك النَّاس شعبًا وسلكت الْأَنْصَار شعبًا٢ لَسَلَكْت شعب الْأَنْصَار. اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْأَنْصَار وَأَبْنَاء الْأَنْصَار وَأَبْنَاء أَبنَاء الْأَنْصَار". قَالَ: فَبكى الْقَوْم حَتَّى أخضلوا٣ لحاهم، وَقَالُوا: رَضِينَا برَسُول اللَّه ﷺ قسما وحظا، فَانْصَرف رَسُول اللَّه ﷺ وَتَفَرَّقُوا. وَرُوِيَ أَن قَائِلا قَالَ لرَسُول اللَّه ﷺ: يَا رَسُول اللَّه أَعْطَيْت عُيَيْنَة بْن حصن والأقرع بْن حَابِس، وَتركت جعيل بْن سراقَة الضمرِي؟ فَقَالَ رَسُول الله: "وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَجُعَيْلُ بْن سراقَة خير من طلاع ٤ الأَرْض مثل الْأَقْرَع وعيينة وَلَكِنِّي تألفتهما ليسلما ووكلت جعيلا إِلَى إِسْلَامه". وَكَانَ هَذَا الْقسم بالجعرانة. وروى أَبُو الزبير وَغَيره عَن جَابر، قَالَ: بصرت عَيْنَايَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بالجعرانة، وَفِي ثوب بِلَال فضَّة، وَرَسُول اللَّه ﷺ يقبض وَيُعْطِي النَّاس.

عمْرَة رَسُول الله من الْجِعِرَّانَة ثمَّ خرج رَسُول اللَّهِ ﷺ مُعْتَمِرًا من الْجِعِرَّانَة إِلَى مَكَّة٥، وَأمر ببقايا الْفَيْء فَخمس بِنَاحِيَة مر١ الظهْرَان. فَلَمَّا فرغ رَسُول اللَّهِ ﷺ من عمرته انْصَرف إِلَى الْمَدِينَة، واستخلف على مَكَّة عتاب بْن أسيد بْن أبي الْعيص، وَهُوَ ابْن نَيف وَعشْرين سنة. وَدخل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَة لست٢ بَقينَ من ذِي الْقعدَة. وَكَانَت وقْعَة الطَّائِف فِي ذِي الْقعدَة المؤرخ من السّنة الثَّامِنَة من الْهِجْرَة. وَكَانَت غيبَة رَسُول اللَّه ﷺ مُنْذُ خرج من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة فافتتحها وأوقع بهوازن وَحَارب الطَّائِف إِلَى أَن رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة شَهْرَيْن وَسِتَّة عشر يَوْمًا. وَاسْتعْمل رَسُول اللَّه ﷺ مَالك بْن عَوْف بْن سعيد بْن يَرْبُوع النصري على من أسلم من قومه من قبائل قيس. وَأمره بمغاورة٣ ثَقِيف، فَفعل، وضيق عَلَيْهِم. وَحسن إِسْلَامه وَإِسْلَام الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم حاشا عُيَيْنَة بْن حصن، فَلم يزل مغموزا عَلَيْهِ. وَسَائِر الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم مِنْهُم الْخَيْر الْفَاضِل الْمجمع على خَيره كالحارث بن هِشَام، وَحَكِيم بْن حزَام، وَعِكْرِمَة بْن أبي جهل، وَسُهيْل بْن عَمْرو، وَمِنْهُم دون هَؤُلَاءِ وَقد فضل اللَّه النَّبِيين وَسَائِر عباده الْمُؤمنِينَ بَعضهم على بعض، وَهُوَ أعلم بهم. ثمَّ انْصَرف رَسُول اللَّه ﷺ وَتَفَرَّقُوا وَأقَام الْحَج للنَّاس عتاب بْن أسيد فِي تِلْكَ السّنة٤، وَهُوَ أول أَمِير أَقَامَ الْحَج فِي الْإِسْلَام. وَحج الْمُشْركُونَ على مشاعرهم. وَكَانَ عتاب بْن أسيد خَيِّرًا فَاضلا ورعا.

سيد فِي تِلْكَ السّنة٤، وَهُوَ أول أَمِير أَقَامَ الْحَج فِي الْإِسْلَام. وَحج الْمُشْركُونَ على مشاعرهم. وَكَانَ عتاب بْن أسيد خَيِّرًا فَاضلا ورعا. وَقدم كَعْب بْن زُهَيْر بْن أبي سلمى على رَسُول اللَّهِ ﷺ مُسلما وامتدحه، وَقَامَ على رَأسه بقصيدته الَّتِي أَولهَا: بَانَتْ سعاد فقلبي الْيَوْم متبول٥. وأنشدها إِلَى آخرهَا، وَذكر فِيهَا الْمُهَاجِرين فَأثْنى عَلَيْهِم. وَكَانَ قبل ذَلِك حُفِظَ لَهُ هجاءٌ فِي النَّبِي ﵇، فعاب عَلَيْهِ الْأَنْصَار إِذْ لم يذكرهم، فغدا على النَّبِي ﵇ بقصيدة يمدح فِيهَا الْأَنْصَار٦ وَقبل النَّبِي ﵇ إِسْلَامه وَسمع شعره وأثابه٧.

غَزْوَة ١ تَبُوك ثمَّ أَقَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ بعد انْصِرَافه من حِصَار الطَّائِف ذَا الْحجَّة وَالْمحرم وصفرا وربيعا الأول وربيعا الآخر وجمادى الأول وجمادي الْآخِرَة. وَخرج فِي رَجَب من سنة تسع بِالْمُسْلِمين إِلَى غَزْوَة الرّوم، وَهِي آخر غزَاة غَزَاهَا ﷺ بِنَفسِهِ. وَكَانَ خُرُوجه إِلَى غزوته تِلْكَ فِي حر شَدِيد [وَحين٢ طَابَ] أول الثَّمر وَفِي عَام جَدب.

َى غَزْوَة الرّوم، وَهِي آخر غزَاة غَزَاهَا ﷺ بِنَفسِهِ. وَكَانَ خُرُوجه إِلَى غزوته تِلْكَ فِي حر شَدِيد [وَحين٢ طَابَ] أول الثَّمر وَفِي عَام جَدب. وَكَانَ رَسُول اللَّه ﷺ لَا يكَاد يخرج غازيا إِلَّا وَرَّى٣ بِغَيْرِهِ إِلَّا غَزْوَة تَبُوك ، فَإِنَّهُ بَينهَا للنَّاس لبعد الْمسَافَة وَنَفَقَة المَال والشُّقَّةِ وَقُوَّة الْعَدو الْمَقْصُود إِلَيْهِ. فَتَأَخر الْجد بْن قيس من بني سَلمَة، وَكَانَ مُتَّهمًا بالنفاق فَاسْتَأْذن رسولَ اللَّه ﷺ فِي الْبَقَاء وَهُوَ غَنِي قوي فَأذن لَهُ، وَأعْرض عَنهُ فَنزلت فِيهِ٤: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّم لمحيطة بالكافرين﴾ . وَكَانَ نفر من الْمُنَافِقين٥ يَجْتَمعُونَ فِي بَيت سويلم الْيَهُودِيّ عِنْد جاسوم٦ يثبطون النَّاس عَن الْغَزْو فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَلْحَة بْن عبيد اللَّه فِي نفر، وَأمرهمْ أَن يحرقوا عَلَيْهِم الْبَيْت، فَفعل ذَلِك طَلْحَة، فاقتحم الضَّحَّاك بْن خَليفَة، وَكَانَ مَعَهم فِي الْبَيْت، جِدَار الدَّار، فَوَقع، فَانْكَسَرت رجله. وفر ابْن أُبَيْرِق وَكَانَ مَعَهم. وَأنْفق نَاس من الْمُسلمين واحتسبوا٧، وَأنْفق عُثْمَان ﵁ نَفَقَة عَظِيمَة جهز بهَا جمَاعَة من المعسرين فِي تِلْكَ الْغَزْوَة. وَرُوِيَ أَنه حمل فِي تِلْكَ الْغُزَاة على تِسْعمائَة

Bagian 7 dari 10