— Bagian 6 · َا، وَأَقْبَلت الفرسان نحوهم. وَكَانَ عَمْرو بْن… —
Bagian 6
َا، وَأَقْبَلت الفرسان نحوهم. وَكَانَ عَمْرو بْن [عَبْد] ود قد أثبتته الْجراح يَوْم بدر، فَلم يشْهد أحدا وَأَرَادَ يَوْم الخَنْدَق أَن يرى مَكَانَهُ. فَلَمَّا وقف هُوَ وخيله نَادَى: [هَل] من مبارز؟ فبرز لَهُ عَليّ بْن أبي طَالب ﵁، وَقَالَ لَهُ: يَا عَمْرو إِنَّك عَاهَدت الله فِيمَا بلغنَا عَنْك أَنَّك لَا تدعى إِلَى إِحْدَى خلتين إِلَّا أخذت إِحْدَاهمَا، قَالَ: نعم، وَقَالَ: إِنِّي أَدْعُوك لله ﷿ وَالْإِسْلَام، قَالَ: لَا حَاجَة لي بذلك. قَالَ: وأدعوك إِلَى البرَاز، قَالَ: يَا بْن أخي وَالله مَا أحب أَن أَقْتلك لما
كَانَ بيني وَبَين أَبِيك، فَقَالَ لَهُ عَليّ: أَنا وَالله أحب أَن أَقْتلك. فحمي١ عَمْرو بْن [عَبْد] ود العامري وَنزل عَن فرسه، وَسَار نَحْو عَليّ، فتنازلا وتجاولا، وثار النَّقْع٢ بَينهمَا حَتَّى حَال دونهمَا، فَمَا انجلى النَّقْع حَتَّى رُؤِيَ عَليّ على صدر عَمْرو يقطع رَأسه. فَلَمَّا رأى أَصْحَابه أَنه قد قَتله عَليّ اقتحموا بخيلهم الثغرة منهزمين هاربين، وَقَالَ عَليّ ﵁ فِي ذَلِك: نَصَرَ الْحِجَارَة من سفاهة رَأْيه ... ونصرت دين مُحَمَّد بضراب٣ لَا تَحْسَبُنَّ اللَّه خاذِلَ دينه ... وَنبيه يَا معشر الْأَحْزَاب نازلته وَتركته متجدلا ... كالجذع بَين دكادك وروابي٤ وَرمي يَوْمئِذٍ سعد بْن [معَاذ] بِسَهْم فَقطع مِنْهُ الأكحل٥، رَمَاه حبَان بْن قيس بْن العرقة أحد بني عَامر بْن لؤَي. فَلَمَّا أَصَابَهُ قَالَ لَهُ: خُذْهَا إِلَيْك وَأَنا ابْن العرقة، فَقَالَ لَهُ سعد: عرق اللَّه وَجهك فِي النَّار، وَقيل: بل الَّذِي رَمَاه أَبُو أُسَامَة الْجُشَمِي حَلِيف بني مَخْزُوم.
ا إِلَيْك وَأَنا ابْن العرقة، فَقَالَ لَهُ سعد: عرق اللَّه وَجهك فِي النَّار، وَقيل: بل الَّذِي رَمَاه أَبُو أُسَامَة الْجُشَمِي حَلِيف بني مَخْزُوم. ولحسان بْن ثَابت مَعَ صَفِيَّة بنت عَبْد الْمطلب خبر طريف٦ يَوْمئِذٍ وَكَانَ حسان قد تخلف عَن الْخُرُوج مَعَ الْخَوَالِف بِالْمَدِينَةِ ذكره ابْن إِسْحَاق وَطَائِفَة من أهل السّير، وَقد أنكرهُ مِنْهُم آخَرُونَ، فَقَالُوا لَو كَانَ فِي حسان من الْجُبْن مَا وصفتم لهجاه بذلك من كَانَ يهاجيه فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام، ولهجي بذلك ابْنه عَبْد الرَّحْمَن، فَإِنَّهُ كَانَ كثيرا مَا يهاجي النَّاس من شعراء الْعَرَب مثل النَّجَاشِيّ وَغَيره. وأتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نعيم بْن مَسْعُود بْن عَامر الْأَشْجَعِيّ، فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه إِنِّي قد أسلمت، وَلم يعلم قومِي بِإِسْلَامِي، فمرني بِمَا شِئْت، فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه ﷺ: "إِنَّمَا أَنْت
رجل وَاحِد ١ من غطفان، فَلَو خرجت فخذلت عَنَّا كَانَ أحب إِلَيْنَا من بقائك فَاخْرُج ٢ فَإِن الْحَرْب خدعة". فَخرج نعيم بْن مَسْعُود حَتَّى أَتَى بني قُرَيْظَة وَكَانَ ينادمهم فِي الْجَاهِلِيَّة فَقَالَ: يَا بني قُرَيْظَة قد عَرَفْتُمْ ودي إيَّاكُمْ وخاصة مَا بيني وَبَيْنكُم، قَالُوا: قل، لست عندنَا بمتهم، فَقَالَ لَهُم: إِن قُريْشًا وغَطَفَان لَيْسُوا كأنتم، الْبَلَد بلدكم، وَفِيه٣ أَمْوَالكُم وأبناؤكم وَنِسَاؤُكُمْ، وَإِن قُريْشًا وغَطَفَان قد جَاءُوا لِحَرْب مُحَمَّد وَأَصْحَابه وَقد ظاهرتموهم٤ عَلَيْهِ، فَإِن رَأَوْا نهزة٥ أَصَابُوا وَإِن كَانَ غير ذَلِك لَحِقُوا ببلادهم وخلوا بَيْنكُم وَبَين الرجل، وَلَا طَاقَة لكم بِهِ، فَلَا تقاتلوا مَعَ الْقَوْم حَتَّى تَأْخُذُوا مِنْهُم رهنا. ثمَّ خرج حَتَّى أَتَى قُريْشًا، فَقَالَ لَهُم: قد عَرَفْتُمْ ودي لكم معشر قُرَيْش وفراقي مُحَمَّدًا وَقد بَلغنِي أَمر أرى من الْحق أَن أبلغكموه نصحا لكم، فاكتموا عَليّ، قَالُوا: نَفْعل. قَالَ: أتعلمون أَن معشر يهود قد ندموا على مَا كَانَ من خلافهم مُحَمَّدًا وَأَرْسلُوا إِلَيْهِ إِنَّا قد ندمنا على مَا فعلنَا، فَهَل يرضيك أَن نَأْخُذ من قُرَيْش وغَطَفَان رهنا رجَالًا ونسلمهم إِلَيْكُم لتضربوا أَعْنَاقهم، ثمَّ نَكُون مَعكُمْ على من بَقِي مِنْهُم حَتَّى تستأصلهم. ثمَّ أَتَى غطفان، فَقَالَ مثل ذَلِك. فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة السبت وَكَانَ ذَلِك من صنع اللَّه ﷿ لرَسُوله وَلِلْمُؤْمنِينَ أرسل أَبُو سُفْيَان إِلَى بني قُرَيْظَة عكرمةَ بْنَ أبي جهل فِي نفر من قُرَيْش وغَطَفَان يَقُول لَهُم: إِنَّا لسنا بدار مقَام، قد هلك الْخُف والحافر٦ فاغدوا صَبِيحَة غَد لِلْقِتَالِ حَتَّى نفاجيء مُحَمَّدًا. فأرسلوا إِلَيْهِم إِن الْيَوْم يَوْم السبت٧، وَقد علمْتُم مَا نَالَ مَنْ تعدى فِي السبت، وَمَعَ ذَلِك فَلَا نُقَاتِل مَعكُمْ أحدا تعطونا رهنا. فَلَمَّا رَجَعَ الرَّسُول بِذَاكَ قَالُوا: صدقنا وَالله نعيم بْن مَسْعُود.
مَنْ تعدى فِي السبت، وَمَعَ ذَلِك فَلَا نُقَاتِل مَعكُمْ أحدا تعطونا رهنا. فَلَمَّا رَجَعَ الرَّسُول بِذَاكَ قَالُوا: صدقنا وَالله نعيم بْن مَسْعُود. فَردُّوا إِلَيْهِم الرُّسُل، وَقَالُوا: وَالله لَا نعطيكم رهنا أبدا، فاخرجوا مَعنا إِن شِئْتُم، وَإِلَّا فَلَا عهد بَيْننَا وَبَيْنكُم، فَقَالَ بَنو قُرَيْظَة: صدق وَالله نعيم بْن مَسْعُود. وَخَذَّلَ بَينهم وَاخْتلفت كلمتهم وَبعث اللَّه عَلَيْهِم ريحًا عاصفا فِي لَيَال
شَدِيدَة الْبرد، فَجعلت الرّيح تقلب أبنيتهم١، وتكفأ٢ قدورهم. فَلَمَّا اتَّصل برَسُول اللَّه ﷺ اخْتِلَاف أَمرهم بعث حُذَيْفَة بْن الْيَمَان ليَأْتِيه بخبرهم، فَأَتَاهُم واستتر فِي غمارهم، وَسمع أَبَا سُفْيَان يَقُول: يَا معشر قُرَيْش ليتعرف كل امريء مِنْكُم جليسه. قَالَ حُذَيْفَة: فَأخذت بيد جليسي وَقلت: من أَنْت؟ فَقَالَ: أَنا فلَان. ثمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَان: يَا معشر قُرَيْش إِنَّكُم وَالله مَا أَصْبَحْتُم بدار مقَام، وَلَقَد هلك الكراع٣ والخف وأخلفتنا بَنو قُرَيْظَة ولقينا من هَذِه الرّيح مَا ترَوْنَ، مَا يسْتَمْسك لنا بِنَاء وَلَا تثبت لنا قدر وَلَا تقوم [لنا] ٤ نَار، فارتحلوا، فَإِنِّي مرتحل. ووثب على جمله، فَمَا حل عقال يَده٥ إِلَّا وَهُوَ قَائِم*. قَالَ حُذَيْفَة: وَلَوْلَا عهد رَسُول اللَّه ﷺ إِلَى إِذْ بَعَثَنِي، وَقَالَ لي: "مر إِلَى الْقَوْم فَاعْلَم مَا هم عَلَيْهِ وَلَا تُحْدِثْ شَيْئا" -لقتلته بِسَهْم. ثمَّ أتيت رَسُول اللَّه ﷺ عِنْد رحيلهم فَوَجَدته قَائِما يُصَلِّي، فَأَخْبَرته، فَحَمدَ اللَّه. وَلما أصبح رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقد ذهب الْأَحْزَاب رَجَعَ٦ إِلَى الْمَدِينَة وَوضع الْمُسلمُونَ سِلَاحهمْ، فَأَتَاهُ جِبْرِيل ﷺ فِي صُورَة دحْيَة بن خَليفَة الْكَلْبِيّ على بغلة عَلَيْهِ قطيفة ديباج فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّد إِن كُنْتُم قد وضعتم سلاحكم فَمَا وضعت الْمَلَائِكَة سلاحها، إِن اللَّه يَأْمُرك أَن تخرج إِلَى بني قُرَيْظَة وَإِنِّي مُتَقَدم إِلَيْهِم فَمُزَلْزِل بهم.
ُنْتُم قد وضعتم سلاحكم فَمَا وضعت الْمَلَائِكَة سلاحها، إِن اللَّه يَأْمُرك أَن تخرج إِلَى بني قُرَيْظَة وَإِنِّي مُتَقَدم إِلَيْهِم فَمُزَلْزِل بهم. فَأمر رَسُول اللَّهِ ﷺ مناديا يُنَادي فِي النَّاس: "لَا يصلين أحدكُم الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة". وَكَانَ سعد بْن معَاذ إِذْ أَصَابَهُ السهْم دَعَا ربه، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِن كنت أبقيت من حَرْب قُرَيْش شَيْئا فأبقني لَهَا، فَإِنَّهُ لَا قوم أحب إِلَيّ أَن أجاهدهم من قوم كذبُوا رَسُولك وأخرجوه، اللَّهُمَّ إِن كنت وضعت الْحَرْب بَيْننَا وَبينهمْ فاجعلها لي شَهَادَة وَلَا تمتني حَتَّى تقر عَيْني من بني قُرَيْظَة.
غَزْوَة ١ بني قُرَيْظَة فَخرج الْمُسلمُونَ مبادرين إِلَى بني قُرَيْظَة، فطائفة خَافُوا فَوَات الْوَقْت فصلوا وَطَائِفَة قَالُوا: وَالله لَا صلينَا الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة، فبذلك أمرنَا رَسُول اللَّه ﷺ. ثمَّ علم ﷺ باجتهادهم، فَلم يعنف وَاحِدًا مِنْهُم*. وَأعْطى رَسُول اللَّهِ ﷺ الرَّايَة عَليّ بْن أبي طَالب، واستخلف على الْمَدِينَة ابْن أم مَكْتُوم. ونهض عَليّ وَطَائِفَة مَعَه حَتَّى أَتَوا بني قُرَيْظَة ونازلوهم وسمعوا سبّ رَسُول الله فَانْصَرف عَليّ إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُول اللَّه لَا تبلغ إِلَيْهِم وَعَرَّضَ لَهُ. فَقَالَ لَهُ: "أَظُنُّكَ سَمِعْتَ مِنْهُمْ شَتْمِي، لَوْ رَأَوْنِي لَكَفُّوا عَنْ ذَلِكَ". ونهض إِلَيْهِم، فَلَمَّا رَأَوْهُ أَمْسكُوا، فَقَالَ لَهُم: "نقضتم الْعَهْد يَا إخْوَة القرود، أخزاكم اللَّه وَأنزل بكم نقمته"، فَقَالُوا: مَا كنت جَاهِلا يَا مُحَمَّد فَلَا تجْهَل٢ علينا. وَنزل رَسُول اللَّه ﷺ فَحَاصَرَهُمْ بضعا٣ وَعشْرين لَيْلَة، وَعرض عَلَيْهِم سيدهم كَعْب بْن أَسد ثَلَاث خِصَال ليختاروا أَيهَا شَاءُوا: إِمَّا أَن يسلمُوا ويتبعوا مُحَمَّدًا على مَا جَاءَ بِهِ فيسلموا، قَالَ: وتحرزوا أَمْوَالكُم ونساءكم وأبناءكم فوَاللَّه إِنَّكُم لتعلمون أَنه الَّذِي تجدونه فِي كتابكُمْ. وَإِمَّا أَن يقتلُوا أَبْنَاءَهُم ونساءهم ثمَّ يتقدموا فيقاتلوا حَتَّى يموتوا عَن آخِرهم. وَإِمَّا أَن يبيتوا٤ الْمُسلمين لَيْلَة السبت فِي حِين طمأنينتهم فيقتلوهم قتلا، فَقَالُوا لَهُ: أما الْإِسْلَام فَلَا نسلم وَلَا نخالف حكم التَّوْرَاة، وَأما قتل أَبْنَائِنَا ونسائنا فَمَا جزاؤهم الْمَسَاكِين منا أَن نقتلهم، وَنحن لَا نتعدى [فِي] السبت.
سْلَام فَلَا نسلم وَلَا نخالف حكم التَّوْرَاة، وَأما قتل أَبْنَائِنَا ونسائنا فَمَا جزاؤهم الْمَسَاكِين منا أَن نقتلهم، وَنحن لَا نتعدى [فِي] السبت.
ثمَّ بعثوا إِلَى أبي لبَابَة، وَكَانُوا حلفاء بني عَمْرو بْن عَوْف وَسَائِر الْأَوْس، فَأَتَاهُم، فَجمعُوا إِلَيْهِ أَبْنَاءَهُم ورجالهم ونساءهم وَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا لبَابَة أَتَرَى أَن ننزل على حكم مُحَمَّد؟ فَقَالَ: نعم، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حلقه، إِنَّه الذّبْح إِن فَعلْتُمْ. ثمَّ نَدم أَبُو لبَابَة فِي الْحِين، وَعلم أَنه خَان اللَّه وَرَسُوله، وَأَنه أَمر لَا يستره اللَّه عَن نبيه ﷺ. فَانْطَلق إِلَى الْمَدِينَة وَلم يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ فَربط نَفسه فِي سَارِيَة١، وَأقسم لَا يبرح مَكَانَهُ حَتَّى يَتُوب اللَّه عَلَيْهِ. فَكَانَت امْرَأَته تحله لوقت كل صَلَاة. قَالَ ابْن عُيَيْنَة وَغَيره: فِيهِ نزلت: ﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُول وتخونوا أماناتكم﴾ . وَأقسم أَن لَا يدْخل أَرض بني قُرَيْظَة أبدا، مَكَانا أصَاب فِيهِ الذَّم٢. فَلَمَّا بلغ ذَلِك النبيَّ من فعل أبي لبَابَة قَالَ: "أما إِنَّه لَو أَتَانِي لاستغفرت لَهُ، وَأما إِذا فعل فلست أُطْلِقُهُ حَتَّى يُطلقهُ اللَّه" فَأنْزل اللَّه تَعَالَى فِي أَمر أبي لبَابَة: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ... ﴾ الْآيَة فَلَمَّا نزل فِيهِ الْقُرْآن أَمر رَسُول اللَّه ﷺ بِإِطْلَاقِهِ*. وَنزل -فِي تِلْكَ اللَّيْلَة الَّتِي فِي صبيحتها نزلت بَنو قُرَيْظَة على حكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَعْلَبَة، وَأسيد٣ ابْنا سعية، وَأسد بْن عبيد، وهم نفر من هدل بني عَم قُرَيْظَة وَالنضير وَلَيْسوا من قُرَيْظَة وَالنضير، نزلُوا مُسلمين، فأحرزوا أَمْوَالهم وأنفسهم. وَخرج فِي تِلْكَ اللَّيْلَة عَمْرو بْن سعدي [الْقرظِيّ] ٤ وَمر بحرس رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلِيهِ مُحَمَّد بْن مسلمة
لمين، فأحرزوا أَمْوَالهم وأنفسهم. وَخرج فِي تِلْكَ اللَّيْلَة عَمْرو بْن سعدي [الْقرظِيّ] ٤ وَمر بحرس رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلِيهِ مُحَمَّد بْن مسلمة
وَكَانَ قد أَبى أَن يدْخل فِيمَا دخل فِيهِ بَنو قُرَيْظَة وَقَالَ: لَا أغدر بِمُحَمد أبدا، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بْن مسلمة إِذْ عرفه: اللَّهُمَّ لَا تحرمني إِقَالَة عثرات الْكِرَام. فَخرج على وَجهه حَتَّى بَات فِي مَسْجِد النَّبِي ﷺ ثمَّ ذهب فَلم يُرَ بعد وَلم يعلم حَيْثُ سقط. وَذُكِرَ -لرَسُول اللَّه ﷺ أمره، فَقَالَ: "ذَلِك رجل نجاه اللَّه بوفائه". فَلَمَّا أصبح بَنو قُرَيْظَة نزلُوا على حكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فتواثب الْأَوْس إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقَالُوا: يَا رَسُول اللَّه قد علمت أَنهم حلفاؤنا، وَقد شَفَّعْتَ عَبْد اللَّهِ بْن أبي بْن سلول فِي بني قينقاع١ حلفاء الْخَزْرَج، فَلَا يكن حظنا أوكس وأنقص عنْدك من حَظّ غَيرنَا، فهم موالينا. فَقَالَ لَهُم رَسُول اللَّهِ ﷺ: "يَا معشر الْأَوْس أَلا ترْضونَ أَن يحكم فيهم رجل مِنْكُم؟ " قَالُوا: بلَى، قَالَ: "فَذَلِك إِلَى سعد بْن معَاذ". وَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ قد ضرب لَهُ خيمة فِي الْمَسْجِد، ليعوده من قريب فِي مَرضه من جرحه الَّذِي أَصَابَهُ فِي الخَنْدَق. فَلَمَّا حَكَّمَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي بني قُرَيْظَة أَتَاهُ قومه فاحتملوه على حمَار، وَقد وطئوا لَهُ بوسادة من أَدَم وَكَانَ رجلا جسيما. ثمَّ أَقبلُوا مَعَه إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ وَأَحَاطُوا بِهِ فِي طريقهم يَقُولُونَ: يَا أَبَا عَمْرو أحسن فِي [مواليك] فَإِنَّمَا ولاك رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِك لتحسن إِلَيْهِم، فَقَالَ لَهُم: قد آن لسعد أَن لَا تَأْخُذهُ فِي اللَّه لومة لائم. فَرجع بعض من مَعَه إِلَى ديار بني عَبْد الْأَشْهَل فنعى إِلَيْهِم رجال بني قُرَيْظَة.
قَالَ لَهُم: قد آن لسعد أَن لَا تَأْخُذهُ فِي اللَّه لومة لائم. فَرجع بعض من مَعَه إِلَى ديار بني عَبْد الْأَشْهَل فنعى إِلَيْهِم رجال بني قُرَيْظَة. فَلَمَّا أطل سعد على النَّبِي ﷺ قَالَ للْأَنْصَار: "قومُوا إِلَى سيدكم" * فَقَامَ الْمُسلمُونَ، فَقَالُوا: يَا أَبَا عَمْرو أَن رَسُول اللَّه ﷺ قد ولاك أَمر مواليك لتَحكم فيهم، فَقَالَ سعد: عَلَيْكُم بذلك عهد اللَّه وميثاقه: أَن الحكم فيهم مَا حكمت٢؟ قَالُوا: نعم، قَالَ: وعَلى من هُنَا؟ من٣ النَّاحِيَة الَّتِي فِيهَا
رَسُول اللَّه ﷺ، وَهُوَ معرض عَن رَسُول الله إجلالا لَهُ. فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ: "نعم" قَالَ سعد: فَإِنِّي أحكم فيهم أَن يقتل الرِّجَال وتسبى الذَّرَارِي١ وَالنِّسَاء، وتقسم الْأَمْوَال، فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه ﷺ: "لقد حكمت فيهم بِحكم اللَّه تَعَالَى من فَوق سَبْعَة أَرقعَة" ٢ وَأمر بهم رَسُول اللَّه فأخرجوا إِلَى مَوضِع [سوق٣ الْمَدِينَة] فَخَنْدَق بهَا خنادق، ثمَّ أَمر بهم النَّبِي ﵇ فَضربت أَعْنَاقهم فِي تِلْكَ الْخَنَادِق* وَقتل يَوْمئِذٍ حييّ بْن أَخطب وَكَعب بْن أَسد. وَكَانُوا من الستمائة إِلَى السبعمائة. وَقتل من نِسَائِهِم امْرَأَة، وَهِي بنانة امْرَأَة الحكم الْقرظِيّ الَّتِي طرحت الرَّحَى على خَلاد٤ بْن سُوَيْد، فَقتلته* *. وَأمر رَسُول اللَّه ﷺ بقتل كل من أنبت٥ مِنْهُم وَترك كل من لم ينْبت: وَكَانَ عَطِيَّة الْقرظِيّ من جملَة من لم ينْبت فاستحياه رَسُول اللَّه ﷺ وَهُوَ مَذْكُور فِي الصَّحَابَة. ووهب رَسُول اللَّهِ ﷺ لِثَابِت بْن قيس بْن الشماس ولد الزبير٦ بْن باطا، فاستحياهم، مِنْهُم عَبْد الرَّحْمَن بْن الزبير أسلم وَله صُحْبَة ووهب أَيْضا ﵇ رِفَاعَة ابْن سموأل٧ الْقرظِيّ لأم الْمُنْذر سلمى٨ بنت قيس أُخْت سليط بْن قيس من بني
هُم عَبْد الرَّحْمَن بْن الزبير أسلم وَله صُحْبَة ووهب أَيْضا ﵇ رِفَاعَة ابْن سموأل٧ الْقرظِيّ لأم الْمُنْذر سلمى٨ بنت قيس أُخْت سليط بْن قيس من بني
النجار، وَكَانَت قد صلت الْقبْلَتَيْنِ. فَأسلم رِفَاعَة، وَله صُحْبَة وَرِوَايَة. وَقسم ﵇ أَمْوَال بني قُرَيْظَة، فَأَسْهم للفارس ثَلَاثَة أسْهم وللراجل سَهْما، وَقد قيل للفارس سَهْمَان وللراجل سهم. وَكَانَت الْخَيل للْمُسلمين يَوْمئِذٍ سِتَّة وَثَلَاثُونَ فرسا، وَوَقع للنَّبِي من [سَبْيهمْ] رَيْحَانَة بنت عَمْرو بْن خناقة إِحْدَى بني عَمْرو بْن قُرَيْظَة، فَلم تزل عِنْده إِلَى أَن مَاتَ ﷺ. وَقيل: إِن غنيمَة قُرَيْظَة هِيَ أول غنيمَة قسم فِيهَا للفارس والراجل وَأول غنيمَة جعل فِيهَا الْخمس [لله وَرَسُوله] وَقد تقدم أَن أول ذَلِك كَانَ فِي بعث عَبْد اللَّهِ بْن جحش، وَالله أعلم. وتهذيب ذَلِك أَن تكون غنيمَة بني قُرَيْظَة أول غنيمَة فِيهَا الْخمس بعد نزُول قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأن لله خمسه ... ﴾ وَكَانَ عَبْد اللَّهِ قد خمس قبل ذَلِك فِي بَعثه١ ثمَّ نزل الْقُرْآن بِمثل فعله، وَذَلِكَ من فضائله رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِ، وَقد ذكرنَا خَبره فِي بَابه من كتاب الصَّحَابَة. وَكَانَ فتح بني قُرَيْظَة فِي آخر ذِي الْقعدَة وَأول ذِي الْحجَّة من السّنة الْخَامِسَة من الْهِجْرَة فَلَمَّا تمّ أَمر بني قُرَيْظَة أجيبت دَعْوَة الرجل الصَّالح سعد بْن معَاذ فانفجر جرحه، وَانْفَتح عرقه، فَجرى دَمه وَمَات، ﵁. وَهُوَ الَّذِي أَتَى الحَدِيث فِيهِ أَنه اهتز لمَوْته عرش الرَّحْمَن، يَعْنِي سكان الْعَرْش من الْمَلَائِكَة، فرحوا بقدوم روحه واهتزوا لَهُ. ذكر من اسْتشْهد من الْمُسلمين يَوْم الخَنْدَق سعد بْن معَاذ أَبُو عَمْرو من بني عبد الْأَشْهَل، وَأنس بْن عتِيك، وَعبد اللَّه بْن سهل وَكِلَاهُمَا أَيْضا من بني عَبْد الْأَشْهَل، والطفيل بْن النُّعْمَان، وثعلبة٢ بْن عنمة وَكِلَاهُمَا من بني سَلمَة، وَكَعب بْن زيد من بني دِينَار بْن النجار أَصَابَهُ سهم غرب٣ فَقتله٤.
ْأَشْهَل، والطفيل بْن النُّعْمَان، وثعلبة٢ بْن عنمة وَكِلَاهُمَا من بني سَلمَة، وَكَعب بْن زيد من بني دِينَار بْن النجار أَصَابَهُ سهم غرب٣ فَقتله٤.
ذكر من قتل من الْمُشْركين يَوْم الخَنْدَق وَأُصِيب من الْمُشْركين يَوْم الخَنْدَق: مُنَبّه بْن عُثْمَان بْن عبيد بْن السباق بْن عَبْد الدَّار أَصَابَهُ سهم مَاتَ مِنْهُ بِمَكَّة، وَقد قيل: إِنَّمَا هُوَ عُثْمَان بْن أُميَّة بْن مُنَبّه بْن عبيد بْن السباق، وَنَوْفَل بْن عَبْد اللَّهِ بْن الْمُغيرَة المَخْزُومِي اقتحم الخَنْدَق فَقتل فِيهِ، وَعَمْرو بْن عَبْد ود قَتله عَلِيٌّ مبارزة١. [شُهَدَاء يَوْم قُرَيْظَة] وَاسْتشْهدَ من الْمُسلمين يَوْم قُرَيْظَة: خَلاد بْن سُوَيْد بْن ثَعْلَبَة بْن عَمْرو من بني الْحَارِث بْن الْخَزْرَج طرحت عَلَيْهِ امْرَأَة من بني قُرَيْظَة رحى فَقتلته. وَمَات فِي الْحصار أَبُو سِنَان٢ بْن مُحصن، فدفنه رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي مَقْبرَة بني قُرَيْظَة الَّتِي يتدافن فِيهَا الْمُسلمُونَ السكان بهَا الْيَوْم. وَلم يصب غير هذَيْن. وَلم يغز كفار قُرَيْش الْمُسلمين بعد الخَنْدَق٣. بَعْثُ ٤ عَبْدِ اللَّهِ بْن عتِيك إِلَى قتل ٥ أبي رَافع سَلام بن أبي الْحقيق الْيَهُودِيّ و٦ انْقَضى شَأْن الخَنْدَق وَقُرَيْظَة. وَكَانَ أَبُو رَافع سَلام بْن أبي الْحقيق مِمَّن حزب الْأَحْزَاب وألب على رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَانَت الْأَوْس قبل أحد قد قتلت كَعْب بْن الْأَشْرَف
فِي عداوته رَسُول اللَّه ﷺ، وَكَانَت الْأَوْس والخزرج يتصاولان تصاول الفحول، لَا تصنع الْأَوْس شَيْئا فِيهِ -عَن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غناء إِلَّا قَالَت الْخَزْرَج: وَالله لَا يذهبون بذلك فضلا علينا [وَلَا ينتهون حَتَّى١ يوقعوا مثله] . وَإِذا فعلت الْخَزْرَج شَيْئا كفضل فِي الْإِسْلَام أَو بر عِنْد النَّبِي ﷺ قَالَت الْأَوْس مثل ذَلِك. فتذاكرت الْخَزْرَج من فِي الْعَدَاوَة لرَسُول اللَّه ﷺ -كَابْن الْأَشْرَف، فَذكرُوا ابْن أبي الْحقيق، وَاسْتَأْذَنُوا رَسُول اللَّه ﷺ فِي قَتله، فَأذن لهمْ. فَخرج إِلَيْهِ خَمْسَة نفر من الْخَزْرَج كلهم من بني سَلمَة، وهم: عَبْد اللَّهِ بْن عتِيك، وَعبد اللَّه بْن أنيس، وَأَبُو قَتَادَة بْن ربعي، ومسعود بْن سِنَان، وخزاعي بْن أسود حَلِيف لَهُم من أسلم. وَأَمَّرَ عَلَيْهِم رَسُول اللَّه ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْن عتِيك، ونهاهم عَن قتل النِّسَاء وَالصبيان. فنهضوا حَتَّى أَتَوا خَيْبَر لَيْلًا، وَكَانَ سَلام فِي حصنه سَاكِنا فِي دَار جمَاعَة وَهُوَ فِي علية٢ مِنْهَا، فَاسْتَأْذنُوا عَلَيْهِ، فَقَالَت امْرَأَته: من أَنْتُم؟ فَقَالُوا: أنَاس من الْعَرَب يطْلبُونَ الْميرَة٣ فَقَالَت لَهُم: هذاكم صَاحبكُم، فادخلوا. فَلَمَّا دخلُوا أغلقوا الْبَاب على أنفسهم، فأيقنت بِالشَّرِّ وصاحت، فَهموا بقتلها، ثمَّ ذكرُوا نهي النَّبِي ﷺ عَن قتل النِّسَاء والولدان، فأمسكوا عَنْهَا. ثمَّ تعاوروه بِأَسْيَافِهِمْ وَهُوَ رَاقِد على فرَاشه، أَبيض فِي سَواد اللَّيْل كَأَنَّهُ قبطية٤، وَوضع عَبْد اللَّهِ بْن عتِيك سَيْفه فِي بَطْنه حَتَّى أنفذه، وَهُوَ يَقُول: قطني٥ قطني. ثمَّ نزلُوا. وَكَانَ عَبْد اللَّهِ بْن عتِيك سيء٦ الْبَصَر، فَوَقع٧، فوثئت٨ رجلة وثئا شَدِيدًا، فَحَمله أَصْحَابه حَتَّى أَتَوا منهرا٩ من مناهرهم فَدَخَلُوا فِيهِ، واستتروا. وَخرج أهل
بْن عتِيك سيء٦ الْبَصَر، فَوَقع٧، فوثئت٨ رجلة وثئا شَدِيدًا، فَحَمله أَصْحَابه حَتَّى أَتَوا منهرا٩ من مناهرهم فَدَخَلُوا فِيهِ، واستتروا. وَخرج أهل
الْآطَام لصياح امْرَأَته وأوقدوا النيرَان فِي كل جِهَة، فَلَمَّا يئسوا رجعُوا١. فَقَالَ أَصْحَاب ابْن عتِيك: كَيفَ لنا أَن نعلم أَن عَدو اللَّه قد مَاتَ؟ فَرجع أحدهم، فَدخل بَين النَّاس، فَسمع امْرَأَة ابْن أبي الْحقيق تَقول: وَالله لقد سَمِعت صَوت ابْن عتِيك، ثمَّ [أكذبت٢ نَفسِي] وَقلت: أَنى ابْن عتِيك بِهَذِهِ الْبِلَاد! قَالَ: ثمَّ إِنَّهَا نظرت فِي وَجهه، فَقَالَت: فاظ٣ وإله يهود. قَالَ: فسررت، وانصرفت إِلَى أَصْحَابِي، فَأَخْبَرتهمْ بذلك. فَرَجَعُوا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ، فأخبروه، وتداعوا٤ فِي قَتله، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هاتوا أسيافكم" فأروه إِيَّاهَا، فَقَالَ ﵇ عَن سيف عَبْد اللَّهِ بْن أنيس: "هَذَا قَتله ٥، أرى فِيهِ أثر الطَّعَام". وَحَدِيث الْبَراء بْن عَازِب فِي قتل ابْن أبي الْحقيق بِخِلَاف هَذَا المساق، وَالْمعْنَى وَاحِد. غَزْوَة بني لحيان٦ وَأقَام رَسُول اللَّه ﷺ بِالْمَدِينَةِ بعد فتح بني قُرَيْظَة بَقِيَّة ذِي الْحجَّة وَالْمحرم وصفرا وربيعا الأول وربيعا الآخر، وَخرج ﵇، فِي جُمَادَى٧ الأول فِي الشَّهْر السَّادِس من فتح بني قُرَيْظَة وَهُوَ الشَّهْر الثَّالِث من السّنة السَّادِسَة من الْهِجْرَة، قَاصِدا إِلَى بني لحيان٨، مطالبا بثأر عَاصِم بْن ثَابت وخبيب بْن عدي وأصحابهما المقتولين بالرجيع.
هْر الثَّالِث من السّنة السَّادِسَة من الْهِجْرَة، قَاصِدا إِلَى بني لحيان٨، مطالبا بثأر عَاصِم بْن ثَابت وخبيب بْن عدي وأصحابهما المقتولين بالرجيع.
فسلك ﵇ على طَرِيق الشَّام١ من الْمَدِينَة على جبل يقل لَهُ غراب، ثمَّ أَخذ ذَات الشمَال، ثمَّ سلك المحجة من طَرِيق مَكَّة، فأغذ٢ السّير حَتَّى أَتَى وَادي غران بَين أمج وَعُسْفَان٣ وَهِي منَازِل٤ بني لحيان، فوجدوهم قد حذروا وتمنعوا فِي رُءُوس الْجبَال. فتمادى رَسُول اللَّه ﷺ فِي مِائَتي رَاكب حَتَّى نزل عسفان. وَبعث ﷺ رجلَيْنِ من أَصْحَابه فارسين حَتَّى بلغا كرَاع٥ الغميم، ثمَّ كرا ورجعا، وَرجع ﷺ قَافِلًا إِلَى الْمَدِينَة. وَفِي غَزْوَة بني لحيان قَالَت الْأَنْصَار: الْمَدِينَة خَالِيَة منا وَقد بَعدنَا عَنْهَا وَلَا نَأْمَن عدوا يخالفنا إِلَيْهَا، فَأخْبرهُم رَسُول اللَّه ﷺ أَن على أنقاب الْمَدِينَة مَلَائِكَة، على كل نقب مِنْهَا ملك يحميها بِأَمْر اللَّه ﷿. غَزْوَة ٦ ذِي قَرَدَ ٧ وَلما انْصَرف رَسُول اللَّه ﷺ عَنْ بني لحيان لم يبْق بِالْمَدِينَةِ [إِلَّا ليَالِي٨ قَلَائِل حَتَّى أغار] عُيَيْنَة بْن حصن فِي بني عَبْد اللَّهِ بْن غطفان، فاكتسحوا لقاحا٩ كَانَت لرَسُول اللَّه ﷺ بِالْغَابَةِ١٠، وَكَانَ فِيهَا رجل١١ من بني غفار وَامْرَأَة لَهُ، فَقتلُوا الْغِفَارِيّ، وحملوا الْمَرْأَة واللقاح.
وَكَانَ أول من أَنْذرهُمْ١ سَلمَة بْن عَمْرو بْن الْأَكْوَع الْأَسْلَمِيّ كَانَ ناهضا إِلَى الغابة، فَلَمَّا علا ثنية الْوَدَاع نظر إِلَى خيل الْكفَّار وأنذر الْمُسلمين، ثمَّ نَهَضَ فِي آثَارهم، فأبلى بلَاء عَظِيما حَتَّى استنقذ أَكثر مَا فِي أَيْديهم. وَوَقعت الصَّيْحَة بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَ أول من جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فِي حِين الصَّيْحَة الْمِقْدَاد بْن الْأسود، ثمَّ عباد بْن بشر، وَسعد بْن زيد الأشهليان، وَأسيد بْن ظهير الْأنْصَارِيّ، وعكاشة بْن مُحصن الْأَسدي، ومحرز بْن نَضْلَة٢ الْأَسدي الأخرم، وَأَبُو قَتَادَة الْحَارِث بْن ربعي، وَأَبُو عَيَّاش الزريقي واسْمه عبيد بْن زيد بْن صَامت. فَلَمَّا اجْتَمعُوا أَمَّرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ [عَلَيْهِم] سعد٣ بْن زيد. وَقيل: أَن رَسُول اللَّه ﷺ أعْطى فرس أبي عَيَّاش الزريقي معَاذ بْن ماعص أَو عَائِذ بْن ماعص وَكَانَ أحكم للفروسية من أبي عَيَّاش. فَأول من لحق بهم مُحرز بْن نَضْلَة الأخرم فَقتل، ﵀، قَتله عَبْد الرَّحْمَن بْن [عُيَيْنَة٤ بْن] حصن وَكَانَ على فرس لمحمود بْن مسلمة أخي مُحَمَّد بْن مسلمة أَخذه وَكَانَ صَاحبه غَائِبا، فَلَمَّا قتل رَجَعَ الْفرس إِلَى آريه٥ فِي بني عَبْد الْأَشْهَل، وَقيل: بل أَخذ الْفرس عَبْد الرَّحْمَن بْن عُيَيْنَة إِذْ قَتَلَ مُحْرِزَ بْن نَضْلَة عَلَيْهِ، وَركبهُ. ثمَّ قتل سَلمَة بْن الْأَكْوَع عَبْد الرَّحْمَن بْن عُيَيْنَة بِالرَّمْي فِي خرجته تِلْكَ واسترجع الْفرس وَخرج رَسُول اللَّه ﷺ مَاء يُقَال لَهُ قَرَدَ، وَنحر نَاقَة من لقاحه المسترجعة، وَأقَام على ذَلِك المَاء يَوْمًا وَلَيْلَة. وَكَانَ الْفضل فِي هَذِه الْغَزْوَة وَالْفِعْل الْكَرِيم والظهور وَالْبَلَاء الْحسن لسَلمَة بْن الْأَكْوَع، وَكُلُّهُمْ مَا قَصَّرَ٦، ﵃. وَكَانَ الْمُشْركُونَ قد أخذُوا نَاقَة رَسُول اللَّهِ ﷺ العضباء٧ فِي غارتهم تِلْكَ على
ء الْحسن لسَلمَة بْن الْأَكْوَع، وَكُلُّهُمْ مَا قَصَّرَ٦، ﵃. وَكَانَ الْمُشْركُونَ قد أخذُوا نَاقَة رَسُول اللَّهِ ﷺ العضباء٧ فِي غارتهم تِلْكَ على
سرح١ الْمَدِينَة ونجوا بهَا وبتلك الْمَرْأَة الغفارية الْأَسِيرَة امْرَأَة الْغِفَارِيّ الْمَقْتُول وَقد قيل إِنَّهَا لم تكن امْرَأَة الْغِفَارِيّ الْمَقْتُول وَإِنَّمَا كَانَت امْرَأَة أبي ذَر، وَالْأول قَول ابْن إِسْحَاق وَأهل السّير. قَالَ: فَنَامَ الْقَوْم لَيْلَة وَقَامَت الْمَرْأَة فَجعلت لَا تضع شَيْئا على بعير إِلَّا رغا، حَتَّى أَتَت العضباء، فَإِذا نَاقَة ذَلُول، فركبتها ونذرت إِن نجاها اللَّه عَلَيْهَا لتنحرنها. فَلَمَّا قدمت الْمَدِينَة عُرِفَتْ نَاقَةُ النَّبِي ﷺ فَأُخْبِرَ بذلك، فَأرْسل إِلَيْهَا، فجيء بهَا وبالمرأة، فَقَالَت: يَا رَسُول اللَّه نذرتُ إِن نجاني اللَّه أَن أنحرها، فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ: "بئس مَا جَزَيْتِهَا، لَا وَفَاء لنذر فِي مَعْصِيّة اللَّه وَلَا فِيمَا لَا يملك ابْن آدم". وَأخذ نَاقَته ﷺ. غَزْوَة ٢ بني المصطلق من خُزَاعَة ثمَّ أَقَامَ رَسُول اللَّه ﷺ بِالْمَدِينَةِ بَاقِي جُمَادَى الأول ورجبا، ثمَّ غزا بني المصطلق فِي [شعْبَان٣ من] السّنة السَّادِسَة من الْهِجْرَة، وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة أَبَا ذَر الْغِفَارِيّ، وَقيل: بل نميلَة٤ بْن عَبْد اللَّهِ اللَّيْثِيّ. وأغار رَسُول اللَّه ﷺ على بني المصطلق وهم غَارونَ٥ وهم على مَاء يُقَال لَهُ: الْمُريْسِيع٦ من نَاحيَة قديد٧ مِمَّا يَلِي السَّاحِل، فَقتل من قتل [مِنْهُم] وَسبي النِّسَاء والذرية وَكَانَ شعارهم يَوْمئِذٍ: أَمِتْ، وَقد قيل إِن بني المصطلق جمعُوا لرَسُول اللَّه ﷺ، فَلَمَّا بلغه ذَلِك خرج إِلَيْهِم، فَلَقِيَهُمْ على مَاء يُقَال لَهُ الْمُريْسِيع، فَاقْتَتلُوا، فَهَزَمَهُمْ اللَّه. وَالْقَوْل الأول أصح: أَنه أغار عَلَيْهِم وهم غَارونَ. وَمن ذَلِك السَّبي جوَيْرِية بنت الْحَارِث بْن أبي ضرار سيد بني المصطلق وَقعت فِي سهم ثَابت بن قيس بن شماس، فكاتبها، فَأدى عَنْهَا رَسُول اللَّه ﷺ، فَأعْتقهَا
السَّبي جوَيْرِية بنت الْحَارِث بْن أبي ضرار سيد بني المصطلق وَقعت فِي سهم ثَابت بن قيس بن شماس، فكاتبها، فَأدى عَنْهَا رَسُول اللَّه ﷺ، فَأعْتقهَا
وَتَزَوجهَا. وَشهِدت عَائِشَة ﵂ تِلْكَ الْغُزَاة، قَالَت: مَا هُوَ إِلَّا أَن وقفت جوَيْرِية بِبَاب الخباء تستعين رَسُول اللَّه ﷺ فِي كتَابَتهَا، فَنَظَرْتُ إِلَيْهَا فرأيتُ على وَجههَا مرحة وحسنا، فأيقنت أَن رَسُول اللَّه ﷺ إِذا رَآهَا أَعْجَبته، فَمَا هُوَ إِلَّا أَن كَلمته، فَقَالَ لَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ: "أَو خير من ذَلِك أَن أؤدي كتابتك وأتزوجك". قَالَت: وَمَا رَأَيْت أعظم بركَة على قَومهَا مِنْهَا، فَمَا هُوَ إِلَّا أَن علم الْمُسلمُونَ بِأَن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تزَوجهَا، فأعتقوا كل مَا بِأَيْدِيهِم من سبي بني المصطلق، وَقَالُوا: أَصْهَار رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١، وَأسلم سَائِر بني المصطلق. وَقد اخْتلف فِي وَقت هَذِه الْغُزَاة، قيل: كَانَت قبل الخَنْدَق وَقُرَيْظَة٢، وَقيل: كَانَت بعد ذَلِك وَهُوَ الصَّوَاب إِن شَاءَ اللَّه. وَقتل فِي هَذِه الْغُزَاة هِشَام بْن صبَابَة اللَّيْثِيّ خطأ، أَصَابَهُ رجل من الْأَنْصَار من رَهْط عبَادَة لم يعرفهُ، وظنه من الْمُشْركين٣.
اللَّه. وَقتل فِي هَذِه الْغُزَاة هِشَام بْن صبَابَة اللَّيْثِيّ خطأ، أَصَابَهُ رجل من الْأَنْصَار من رَهْط عبَادَة لم يعرفهُ، وظنه من الْمُشْركين٣. وَفِي هَذِه الْغُزَاة قَالَ عَبْد اللَّهِ بْن أبي بْن سلول: لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل؛ وَذَلِكَ لشر وَقع بَين جَهْجَاه بْن مَسْعُود الْغِفَارِيّ -وَكَانَ أَجِيرا لعمر بْن الْخطاب ﵁ وَبَين سِنَان بْن وبر٤ الْجُهَنِيّ حَلِيف بني عَوْف بْن الْخَزْرَج، فَنَادَى جَهْجَاه الْغِفَارِيّ: يَا للمهاجرين، ونادى الْجُهَنِيّ: يَا للْأَنْصَار٥. وَبَلَّغَ زيدُ بْنُ أرقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَالَةَ عَبْد اللَّهِ بْن أبي بْن سلول، فأنكرها ابْن أبي، فَأنْزل اللَّه ﷿ [فِيهِ] سُورَة الْمُنَافِقين، فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ لزيد بْن أَرقم: "وَفَتْ أُذُنُكَ يَا غُلَام" ٦، وَأخذ بأذنه. وتبرأ عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد اللَّهِ بْن أُبَيِّ من فعل أَبِيه وأتى رسولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُول اللَّه أَنْت وَالله الْعَزِيز وَهُوَ الذَّلِيل، أَو قَالَ: أَنْت الْأَعَز وَهُوَ
الْأَذَل، وَإِن شِئْت -وَالله- لنخرجنه من الْمَدِينَة. وَقَالَ سعد١ بْن عبَادَة: يَا رَسُول اللَّه إِن هَذَا رجل يحملهُ حسده على النِّفَاق، فَدَعْهُ إِلَى عمله، وَقد كَانَ قومه على أَن يُتَوِّجُوهُ بالخرز قبل قدومك الْمَدِينَة ويقدموه على أنفسهم، فَهُوَ يرى أَنَّك نزعت ذَلِك مِنْهُ، وَقد خَابَ وخسر إِن كَانَ يضمر خلاف مَا يظْهر، وَقد أظهر الْإِيمَان فَكِلْهُ٢ إِلَى ربه. وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد اللَّهِ بْن أبي بْن سلول: يَا رَسُول اللَّه بَلغنِي أَنَّك تُرِيدُ قتل أبي فَإِن كنت تُرِيدُ ذَلِك فمرني بقتْله، فوَاللَّه إِن أَمرتنِي بقتْله لأقتلنه، وَإِنِّي أخْشَى يَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِن قَتله غَيْرِي أَن لَا أَصْبِر عَن طلب الثأر فأقتلَ بِهِ مُسلما فأدخلَ النَّار، وَقد علمت الْأَنْصَار أَنِّي من أبر أبنائها بِأَبِيهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه ﷺ خيرا، ودعا لَهُ، وَقَالَ لَهُ: "بر أَبَاك وَلَا يرى مِنْك إِلَّا خيرا" *. فَلَمَّا وصل رَسُول اللَّه ﷺ والمسلمون إِلَى الْمَدِينَة من تِلْكَ الْغُزَاة وقف عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد اللَّهِ بْن أبي لِأَبِيهِ بِالطَّرِيقِ، وَقَالَ: وَالله لَا تدخل الْمَدِينَة حَتَّى يَأْذَن لَك رَسُول اللَّه ﷺ بِالدُّخُولِ، فَأذن رَسُول اللَّه ﷺ بِدُخُولِهِ. وَفِي هَذِه الْغُزَاة قَالَ أهل الْإِفْك فِي عَائِشَة ﵂ مَا قَالُوا، فبرأها اللَّه مِمَّا قَالُوا، وَنزل الْقُرْآن ببراءتها٣. وَرِوَايَة من روى أَن سعد بْن معَاذ رَاجع فِي ذَلِك سعد بْن عبَادَة وهم وَخطأ٤، وَإِنَّمَا تراجع فِي ذَلِك سعد بْن عبَادَة مَعَ أسيد بْن حضير، كَذَلِك ذكر ابْن إِسْحَاق عَنِ الزُّهْرِيِّ عَن عبيد الله بْن عَبْد اللَّهِ وَغَيره، وَهُوَ الصَّحِيح، لِأَن سعد بْن معَاذ مَاتَ فِي منصرف
بْن حضير، كَذَلِك ذكر ابْن إِسْحَاق عَنِ الزُّهْرِيِّ عَن عبيد الله بْن عَبْد اللَّهِ وَغَيره، وَهُوَ الصَّحِيح، لِأَن سعد بْن معَاذ مَاتَ فِي منصرف
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من بني قُرَيْظَة لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِك، وَلم يدْرك غَزْوَة الْمُريْسِيع١ وَلَا حضرها. وَقدم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَة، فَقدم عَلَيْهِ مقيس بْن صبَابَة مظْهرا لِلْإِسْلَامِ وطالبا لدين أَخِيه هِشَام بْن صبَابَة، فَأمر لَهُ ﵇ بِالدِّيَةِ، فَأَخذهَا، ثمَّ عدا على قَاتل أَخِيه، فَقتله، وفر إِلَى مَكَّة كَافِرًا، وَهُوَ أحد الَّذين أَمر رَسُول اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِهِم فِي حِين دُخُول مَكَّة. ثمَّ بعث رَسُول اللَّه ﷺ -إِلَى بني المصطلق بعد إسْلَامهمْ بِأَكْثَرَ من عَاميْنِ الْوَلِيد بْن عقبَة بْن أبي معيط مُصدقا٢ لَهُم، فَخَرجُوا ليتلقوه، فَفَزعَ مِنْهُم، وَظن أَنهم يريدونه بِسوء، فَرجع عَنْهُم. وَأخْبر رَسُول اللَّه ﷺ أَنهم ارْتَدُّوا وَمنعُوا الزَّكَاة وهموا بقتْله. فَتكلم الْمُسلمُونَ فِي غزوهم، فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ قدم وافدهم مُنْكرا لرجوع مصدقهم عَنْهُم دون أَن يَأْخُذ صَدَقَاتهمْ [وَأَنَّهُمْ] إِنَّمَا خَرجُوا إِلَيْهِ مكرمين لَهُ، فأكذبه الْوَلِيد بْن عقبَة، فَأنْزل اللَّه ﷿: ﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ يَعْنِي الْوَلِيد بْن عقبَة ﴿فَتَبَيَّنُوا أَن تصيبوا قوما بِجَهَالَة ... ﴾ الْآيَة. عمْرَة ٣ الْحُدَيْبِيَة فَأَقَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ، بِالْمَدِينَةِ مُنْصَرفه من غَزْوَة بني المصطلق رَمَضَان٤ وشوالا، وَخرج فِي ذِي الْقعدَة٥ مُعْتَمِرًا، فاستنفر الْأَعْرَاب الَّذين حول الْمَدِينَة، فَأَبْطَأَ عَنهُ أَكْثَرهم. وَخرج رَسُول اللَّه ﷺ بِمن مَعَه من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَمن اتبعهُ من الْعَرَب،
عْرَاب الَّذين حول الْمَدِينَة، فَأَبْطَأَ عَنهُ أَكْثَرهم. وَخرج رَسُول اللَّه ﷺ بِمن مَعَه من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَمن اتبعهُ من الْعَرَب،
وجميعهم نَحْو ألف وَأَرْبَعمِائَة، وَقيل ألف وَخَمْسمِائة١. وسَاق مَعَه الْهَدْي٢، وَأحرم رَسُول اللَّهِ ﷺ، بِعُمْرَة٣ ليعلم النَّاس أَنه لم يخرج لِحَرْب٤ فَلَمَّا بلغ خُرُوجه قُريْشًا خرج جمعهم صَادِّينَ لرَسُول اللَّهِ ﷺ عَن الْمَسْجِد الْحَرَام وَدخُول مَكَّة وَأَنه إِن قَاتلهم قَاتلُوا دون ذَلِك، وَقدمُوا خَالِد٥ بْن الْوَلِيد فِي خيل إِلَى كرَاع٦ الغميم، فورد الْخَبَر بذلك إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بعسفان٧، فسلك طَرِيقا يخرج مِنْهُ فِي ظُهُورهمْ٨ وَخرج إِلَى الْحُدَيْبِيَة من أَسْفَل مَكَّة، وَكَانَ دَلِيله فِيهِ رجلا من أسلم فَلَمَّا بلغ ذَلِك خيل قُرَيْش الَّتِي مَعَ خَالِد جرت إِلَى قُرَيْش تعلمهمْ بذلك. وَلما وصل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحُدَيْبِيَة بَركت نَاقَته ﷺ، فَقَالَ النَّاس: خَلأَتْ٩ خَلأَتْ، فَقَالَ النَّبِي ﵇: "مَا خلأت، وَمَا هُوَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِن حَبسهَا حَابِس ١٠ الْفِيل عَن مَكَّة، لَا تَدعُونِي قُرَيْش الْيَوْم إِلَى خطة يسألونني فِيهَا صلَة رحم إِلَّا أَعطيتهم إِيَّاهَا"، ثمَّ نزل ﷺ هُنَالك، فَقيل: يَا رَسُول اللَّه لَيْسَ بِهَذَا الْوَادي مَاء، فَأخْرج ﵇ سَهْما من كِنَانَته، فَأعْطَاهُ رجلا من أَصْحَابه، فَنزل فِي قليب١١ من تِلْكَ الْقلب، فغرزه فِي جَوْفه، فَجَاشَ المَاء الرواء١٢ حَتَّى كفى جَمِيع أهل الْجَيْش. وَقيل إِن الَّذِي نزل بِالسَّهْمِ فِي القليب نَاجِية بْن جُنْدُب بْن عُمَيْر الْأَسْلَمِيّ وَهُوَ سائق بدن١٣ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمئِذٍ، وَقيل: نزل بِالسَّهْمِ فِي القليب الْبَراء بْن عَازِب.
ثمَّ جرت الرُّسُل والسفراء بَين رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبَين كفار قُرَيْش، وَطَالَ التراجع والتنازع إِلَى أَن جَاءَهُ سُهَيْل بْن عَمْرو العامري، فقاضاه١ على أَن ينْصَرف ﵇ عَامه ذَلِك، فَإِذا كَانَ من قَابل أَتَى مُعْتَمِرًا وَدخل هُوَ وَأَصْحَابه مَكَّة بِلَا سلَاح حاشا السيوف فِي قربهَا فيقيم بهَا ثَلَاثًا وَيخرج. وعَلى أَن يكون بَينه وَبينهمْ صلح عشرَة أَعْوَام يتداخل فِيهَا النَّاس ويأمن بَعضهم بَعْضًا، على أَن من جَاءَ من الْمُسلمين إِلَى الْكفَّار مُرْتَدا لم يردوه إِلَى الْمُسلمين. فَعظم ذَلِك على الْمُسلمين حَتَّى كَانَ لبَعْضهِم فِيهِ كَلَام. وَكَانَ رَسُول اللَّهِ، ﷺ، أعلم بِمَا علمه اللَّه من أَنه سَيجْعَلُ للْمُسلمين فرجا، فَقَالَ لأَصْحَابه: "اصْبِرُوا فَإِن اللَّه يَجْعَل هَذَا الصُّلْح سَببا إِلَى ظُهُور دينه" فأنس النَّاس إِلَى قَوْله بعد نفار مِنْهُم. وَأَبَى سُهَيْل بْن عَمْرو أَن يُكْتَبَ فِي صدر صحيفَة الصُّلْح من مُحَمَّد رَسُول الله. قَالَ لَهُ: لَو صدقناك بذلك مَا دفعناك عَمَّا تُرِيدُ، وَلَا بُد أَن يُكْتَبَ: بِاسْمِك اللَّهُمَّ٢ فَقَالَ لعَلي -وَكَانَ كَاتب صحيفَة الصُّلْح-: "امح يَا عَليّ، واكتب بِاسْمِك اللَّهُمَّ". وأبى عَليّ أَن يمحو بِيَدِهِ "رَسُول٣ اللَّه" فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اعرضه عَليّ" فَأَشَارَ إِلَيْهِ٤، فمحاه ﷺ بِيَدِهِ، وَأمره أَن يكْتب: من مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ. وأتى أَبُو جندل بْن سُهَيْل٥ يَوْمئِذٍ بأثر كتاب الصُّلْح، وَهُوَ يرسف فِي قيوده، فَرده ﷺ على أَبِيه، فَعظم ذَلِك على الْمُسلمين، فَأخْبرهُم ﷺ وَأخْبر أَبَا جندل أَن اللَّه سَيجْعَلُ لَهُ فرجا ومخرجا. وَكَانَ رَسُول اللَّه ﷺ قَدْ بعث عُثْمَان بْن عَفَّان إِلَى مَكَّة رَسُولا٦، فجَاء خبر إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَن أهل مَكَّة قَتَلُوهُ، فَدَعَا رَسُول اللَّه ﷺ
اللَّه ﷺ قَدْ بعث عُثْمَان بْن عَفَّان إِلَى مَكَّة رَسُولا٦، فجَاء خبر إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَن أهل مَكَّة قَتَلُوهُ، فَدَعَا رَسُول اللَّه ﷺ
حِينَئِذٍ الْمُسلمين للمبايعة على الْحَرْب والقتال لأهل مَكَّة. وَرُوِيَ أَنه بايعهم على أَن لَا يَفروا. وَهِي بيعَة الرضْوَان تَحت الشَّجَرَة١ الَّتِي أخبر اللَّه ﷿ أَنه رَضِي عَن الْمُبَايِعين لرَسُول اللَّهِ ﷺ تحتهَا٢، وَأخْبر رَسُول اللَّه ﷺ أَنهم لَا يدْخلُونَ النَّار. وَضرب رَسُول اللَّه ﷺ بِيَمِينِهِ على شِمَاله لعُثْمَان [وَقَالَ٣: "هَذِه عَن عُثْمَان"] فَهُوَ كمن شَهِدَهَا. ذكر وَكِيع، عَن إِسْمَاعِيل بْن أبي خَالِد، عَن الشّعبِيّ، قَالَ: أول من بَايع رَسُول اللَّه ﷺ يَوْم الْحُدَيْبِيَة أَبُو سِنَان الْأَسدي. وَذكر ابْن هِشَام عَن وَكِيع. كَانَت قُرَيْش قد جَاءَ مِنْهُم نَحْو سبعين أَو ثَمَانِينَ رجلا للإيقاع بِالْمُسْلِمين وانتهاز الفرصة فِي أَطْرَافهم، فَفطن الْمُسلمُونَ لَهُم فَخَرجُوا، فَأَخَذُوهُمْ أسرى. وَكَانَ ذَلِك والسفراء يَمْشُونَ بَينهم فِي الصُّلْح. فَأَطْلَقَهُمْ رَسُول اللَّه، فهم الَّذين يسمون العتقاء، وإليهم ينْسب العتقيون فيمَ يَزْعمُونَ، وَمِنْهُم مُعَاوِيَة وَأَبوهُ فِيمَا ذكرُوا. فَلَمَّا تمّ الصُّلْح بَين رَسُول اللَّهِ ﷺ وَبَين أهل مَكَّة الَّذِي تولى عقده لَهُم سُهَيْل بْن عَمْرو على مَا ذكرُوا، أَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ -الْمُسلمين أَن ينحروا ويحلوا. فَفَعَلُوا بعد توقف كَانَ بَينهم أغضب رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ ﵇: "لَو نحرت لنحروا". فَنحر رَسُول اللَّه ﷺ هَدْيه، فنحروا بنحره. وَحلق رَسُول اللَّه ﷺ رَأسه، ودعا للمحلقين ثَلَاثًا وللمقصرين وَاحِدَة٤. قيل إِن الَّذِي حلق رَأسه ﷺ يَوْمئِذٍ خرَاش بْن أُميَّة بْن الْفضل الْخُزَاعِيّ.
ق رَسُول اللَّه ﷺ رَأسه، ودعا للمحلقين ثَلَاثًا وللمقصرين وَاحِدَة٤. قيل إِن الَّذِي حلق رَأسه ﷺ يَوْمئِذٍ خرَاش بْن أُميَّة بْن الْفضل الْخُزَاعِيّ. ثمَّ رَجَعَ رَسُول اللَّه ﷺ إِلَى الْمَدِينَة، فَأَتَاهُ أَبُو بَصِير بْن أسيد بْن جَارِيَة الثَّقَفِيّ حَلِيف لبني زهرَة هَارِبا من مَكَّة مُسلما، وَكَانَ مِمَّن حبس بِمَكَّة مَعَ الْمُسلمين، فَبعث فِيهِ الْأَزْهَر بْن [عَبْد] ٥ عَوْف عَم عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف والأخنس بن شريق الثَّقَفِيّ رجلا
من بني عَامر بْن لؤَي وَمولى لَهُم. فَأتيَا النَّبِي ﵇، فأسلمه إِلَيْهِمَا على مَا عقد فِي الصُّلْح. فاحتملاه، فَلَمَّا صَارُوا بِذِي الحليفة١ قَالَ أَبُو بَصِير لأحد الرجلَيْن: أرى سَيْفك هَذَا سَيْفا جيدا فأرنيه، فَلَمَّا أرَاهُ إِيَّاه ضرب [بِهِ] العامري فَقتله وفر الْمولى فَأتى النبيَّ ﷺ وَهُوَ جَالس فِي الْمَسْجِد، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "هَذَا رجل مذعور وَلَقَد أصَاب هَذَا ذعر". فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ أخبرهُ بِمَا وَقع. وَقَالَ: غدر بِنَا وبينما هُوَ يكلمهُ إِذْ وصل أَبُو بَصِير، فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه قد وفت ذِمَّتك وأطلقني اللَّه ﷿، فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ: "وَيْلُمِّهِ مِسْعَرَ ٢ حَرْبٍ لَو كَانَ لَهُ رجال، أَو قَالَ أَصْحَاب". فَعلم أَبُو بَصِير أَنه سيرده فَخرج حَتَّى أَتَى سيف٣ الْبَحْر، موضعا يُقَال لَهُ الْعيص٤ من نَاحيَة ذِي الْمَرْوَة على طَرِيق قُرَيْش إِلَى الشَّام، فَجعل يقطع على رفاقهم٥.واستضاف إِلَيْهِ قوما من الْمُسلمين الفارين عَن قُرَيْش، مِنْهُم أَبُو جندل بْن سُهَيْل، فَجعلُوا لَا يتركون لقريش عيرًا وَلَا ميرة وَلَا مارا إِلَّا قطعُوا بهم. فَكتبت فِي ذَلِك قُرَيْش إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَالُوا نرى أَن تضمهم إِلَيْك إِلَى الْمَدِينَة، فقد آذونا.
َا ميرة وَلَا مارا إِلَّا قطعُوا بهم. فَكتبت فِي ذَلِك قُرَيْش إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَالُوا نرى أَن تضمهم إِلَيْك إِلَى الْمَدِينَة، فقد آذونا. وَأنزل اللَّه تَعَالَى بعد ذَلِك الْقُرْآن بِفَسْخ الشَّرْط الْمَذْكُور فِي رد النِّسَاء٦، فَمنع رَسُول اللَّه ﷺ مِنَ ردهن، ثمَّ نزلت سُورَة٧ بَرَاءَة، فنسخ ذَلِك كُله، ورد على كل ذِي عهد عَهده وَأَن يمهلوا أَرْبَعَة أشهر، وَمن لم يستقم على عَهده لَا يستقام لَهُ. وَهَاجَرت أم كُلْثُوم بنت عقبَة بْن أبي معيط، فَأتى أَخَوَاهَا: عمَارَة والوليد فِيهَا، ليردوها، فَمنع اللَّه ﷿ من رد النِّسَاء الْمُؤْمِنَات إِلَى الْكفَّار إِذا امتحن٨ فوجدن مؤمنات. وَأخْبر أَن ذَلِك لَا يحل. وَأمر الْمُؤمنِينَ أَيْضا أَن يمسكوا بعصم الكوافر٩، وَلَا ينكحوا المشركات، يَعْنِي الوثنيات، حَتَّى يُؤمن.
غَزْوَة ١ خَيْبَر وَأقَام رَسُول اللَّه ﷺ بعد رُجُوعه من الْحُدَيْبِيَة ذَا الْحجَّة وَبَعض الْمحرم وَخرج فِي بَقِيَّة مِنْهُ غازيا إِلَى خَيْبَر، وَلم يبْق من السّنة السَّادِسَة من الْهِجْرَة إِلَّا شهر وَأَيَّام، واستخلف على الْمَدِينَة نميلَة٢ بْن عَبْد اللَّهِ اللَّيْثِيّ. وَذكر مُوسَى بْن عقبَة، قَالَ: لما قدم رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَة مُنْصَرفه من الْحُدَيْبِيَة مكث عشْرين يَوْمًا أَو قَرِيبا٣ مِنْهَا ثمَّ خرج غازيا إِلَى خَيْبَر، وَكَانَ اللَّه ﷿ وعده إِيَّاهَا وَهُوَ بِالْحُدَيْبِية. قَالَ أَبُو عمر: قَالَ اللَّه ﷿ فِي أهل الْحُدَيْبِيَة: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا، وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ الله عَزِيزًا حكيما﴾ . فَلم يخْتَلف الْعلمَاء فِي أَنَّهَا الْبيعَة بِالْحُدَيْبِية. قَالَ ابْن قُتَيْبَة وَقَتَادَة وَعِكْرِمَة وَغَيرهم: كَانَت الشَّجَرَة سَمُرَة٤ كَانَت الْحُدَيْبِيَة. وَعلم مَا فِي قُلُوبهم من الرِّضَا بِأَمْر الْبيعَة على أَن لَا يَفروا واطمأنت بذلك نُفُوسهم. ﴿وأثابهم فتحا قَرِيبا﴾ : خَيْبَر، وَوَعدهمْ الْمَغَانِم فِيهَا ﴿ومغانم كَثِيرَة يأخذونها﴾ . وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد فِي قَوْله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِم كَثِيرَة﴾ أَنَّهَا الْمَغَانِم الَّتِي تكون إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَقَالُوا فِي قَوْله:
عَبَّاس وَمُجاهد فِي قَوْله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِم كَثِيرَة﴾ أَنَّهَا الْمَغَانِم الَّتِي تكون إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَقَالُوا فِي قَوْله:
﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أحَاط الله بهَا﴾ : فَارس وَالروم وَمَا افتتحوا إِلَى الْيَوْم، وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن أبي ليلى. قَالَ: وَقَوله: ﴿فَتْحًا قَرِيبا﴾ : خَيْبَر. رَجَعَ الْخَبَر إِلَى ابْن إِسْحَاق، قَالَ: فَلَمَّا خرج رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى خَيْبَر دفع رايته، وَكَانَت بَيْضَاء، إِلَى عَليّ بْن أبي طَالب ﵁، وَأخذ طَرِيق الصَّهْبَاء١ إِلَى وَادي الرجيع، فَنزل بَين خَيْبَر وغَطَفَان لِئَلَّا يمدوهم، لِأَنَّهُ بلغه أَن غطفان تُرِيدُ إمداد يهود خَيْبَر. وَلما خَرجُوا لإمدادهم اخْتلفت كلمتهم. وأسمعهم اللَّه ﷿ حسا من ورائهم وهدا راعهم وأفزعهم فانصرفوا إِلَى دِيَارهمْ، فأقاموا بهَا. وَأَقْبل رَسُول اللَّه ﷺ حَتَّى أشرف على خَيْبَر مَعَ الْفجْر، وعمالهم غادون بِمساحِيهِمْ وَمَكَاتِلهمْ٢. فَلَمَّا رَأَوْا رَسُول اللَّه ﷺ والجيش نادوا: مُحَمَّد وَالْخَمِيس٣ مَعَه. وأدبروا هرابا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اللَّه أكبر خربَتْ خَيْبَر إِنَّا إِذا نزلنَا بِسَاحَة قوم فسَاء صباح الْمُنْذرين". وتحصنت يهود فِي حصونهم وَكَانَت حصونا كَثِيرَة، فَكَانَ أول حصن افتتحوه حصنا يُسمى "نَاعِمًا" وَعِنْده قتل مَحْمُود بْن مسلمة أَخُو مُحَمَّد بْن مسلمة ألقيت عَلَيْهِ رحى فشدخته، ﵀، ثمَّ حصنا يدعى "القموص" وَهُوَ حصن بني أبي الْحقيق، وَمن سَبَايَا ذَلِك الْحصن كَانَت صَفِيَّة بنت حييّ بْن أَخطب -وَكَانَت تَحت كنَانَة بْن الرّبيع بْن أبي الْحقيق- أَصَابَهَا رَسُول اللَّه ﷺ وبِنْتَيْ عَم لَهَا، فوهب صَفِيَّة لدحية بْن خَليفَة الْكَلْبِيّ ثمَّ ابتاعها [مِنْهُ] ٤ بسبعة أرؤس، ثمَّ أردفها خَلفه، وَألقى عَلَيْهَا رِدَاءَهُ، فَعلم أَصْحَابه أَنه اصطفاها لنَفسِهِ، وَجعلهَا عِنْد أم٥ سليم حَتَّى اعْتدت وَأسْلمت، ثمَّ أعْتقهَا وَتَزَوجهَا، وَجعل عتقهَا صَدَاقهَا.
رِدَاءَهُ، فَعلم أَصْحَابه أَنه اصطفاها لنَفسِهِ، وَجعلهَا عِنْد أم٥ سليم حَتَّى اعْتدت وَأسْلمت، ثمَّ أعْتقهَا وَتَزَوجهَا، وَجعل عتقهَا صَدَاقهَا. وَهَذِه مَسْأَلَة اخْتلف الْفُقَهَاء فِيهَا فَمنهمْ من جعل ذَلِك خُصُوصا لَهُ كَمَا خص بالموهوبة، وَمِنْهُم من جعل ذَلِك سنة لمن شَاءَ من أمته. ثمَّ فتح حصن الصعب٦ بْن معَاذ وَلم يكن فِي حصون خَيْبَر أَكثر طَعَاما
وودكا مِنْهُ١. ووقف إِلَى بعض حصونهم فَامْتنعَ عَلَيْهِم فَتحه ولقوا فِيهِ شدَّة، فَأعْطى رايته أَبَا بكر الصّديق فَنَهَضَ بهَا وَقَاتل واجتهد وَلم يفتح عَلَيْهِ، ثمَّ أعْطى الرَّايَة عمر فقاتل ثمَّ رَجَعَ وَلم يفتح لَهُ وَقد جهد. فَحِينَئِذٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَأُعْطيَن الرَّايَة غَدا رجلا يحب اللَّه وَرَسُوله وَيُحِبهُ اللَّه وَرَسُوله، لَيْسَ بفرار، يفتح اللَّه ﷿ على يَدَيْهِ". فَلَمَّا أصبح دَعَا عليا، وَهُوَ أرمد، فتفل فِي عَيْنَيْهِ، ثمَّ قَالَ: "خُذ الرَّايَة فَامْضِ بهَا حَتَّى يفتح اللَّه بهَا عَلَيْك". ذكر هَذَا الْخَبَر ابْن إِسْحَاق٢. قَالَ: قَالَ: حَدَّثَنِي بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ فَرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ سُفْيَانَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، وَذَكَرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِي ﷺ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَلِيٍّ حِينَ بَعثه رَسُول اللَّه ﷺ بِرَايَتِهِ إِلَى حِصْنٍ مِنْ حُصُونِ خَيْبَرَ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْحِصْنِ خَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُهُ وَقَاتَلَهُمْ، فَضَرَبَهُ رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ، فَأَلْقَى٣ تُرْسَهُ مِنْ يَدِهِ، فَتَنَاوَلَ عَلِيٌّ بَابًا كَانَ عِنْدَ الْحِصْنِ فَتَرَّسَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَزَلْ فِي يَدِهِ، وَهُوَ يُقَاتِلُ، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي نفر معي سَيْفه وَأَنَا ثَامِنُهُمْ نَجْتَهِدُ عَلَى أَنْ يقلب ذَلِكَ الْبَابَ فَمَا نَقْلِبُهُ.
ثُمَّ أَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي نفر معي سَيْفه وَأَنَا ثَامِنُهُمْ نَجْتَهِدُ عَلَى أَنْ يقلب ذَلِكَ الْبَابَ فَمَا نَقْلِبُهُ. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بَكِيرٍ وَزِيَادٍ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ وَالأُمَوِيِّ٤ عَنْهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، قَالَ أَخُو بَنِي حَارِثَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ جَابِرٍ، وَلَمْ يَشْهَدْ جَابِرٌ خَيْبَرَ٥: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ هُوَ الَّذِي قَتَلَ مَرْحَبًا الْيَهُودِيَّ بِخَيْبَرَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ لِهَذَا؟ " يَعْنِي: مَرْحَبًا الْيَهُودِيَّ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَنَا لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَطْلُبُ الثَّأْرَ، قَتَلَ أَخِي بِالأَمْسِ. قَالَ: "فَقُمْ إِلَيْهِ" فَنَهَضَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَتَقَاتَلا، وَكَانَا يَسْتَتِرَانِ بِشَجَرَةٍ [فَجَعَلَ٦ أَحَدُهُمَا يَلُوذُ بِهَا مِنْ صَاحِبِهِ، كُلَّمَا لاذَ بِهَا مِنْهُ اقْتَطَعَ بِسَيْفِهِ مَا دُونَهُ مِنْهَا] حَتَّى ذَهَبَتْ أَغْصَانُهَا [وَبَرَزَ٧ كل وَاحِد مِنْهُمَا
لِصَاحِبِهِ، وَحَمَلَ مَرْحَبٌ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَضَرَبَهُ، فَاتَّقَاهُ بِالدَّرَقَةِ١ فَوَقَعَ سَيْفُهُ فِيهَا فَعَضَّتْ بِهِ وَأَمْسَكَتْهُ] وَضَرَبَهُ مُحَمَّدٌ، فَقَتَلَهُ. ثُمَّ انْصَرَفَ. ثُمَّ بَرَزَ أَخُو مَرْحَبٍ وَاسْمُهُ يَاسِرٌ، فَدَعَا إِلَى الْبِرَازِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الزُّبَيْرُ. هَذَا مَا ذكره ابْن إِسْحَاق فِي قتل مرحب الْيَهُودِيّ بِخَيْبَر. وَخَالفهُ غَيره، فَقَالَ: بل قَتله عَليّ بْن أبي طَالب، وَهُوَ الصَّحِيح عندنَا. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، [قَالَ] : حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مَيْمُونٍ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ [أَبِي] بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيِّ: أَنّ النَّبِي ﷺ قَالَ لَمَّا نَزَلَ بِحِصْنِ خَيْبَرَ: "لأُعْطِيَنَّ اللِّوَاءَ غَدًا رَجُلا يُحِبُّ اللَّه وَرَسُوله، وَيُحِبهُ اللَّه وَرَسُوله" فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ تَطَاوَلَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَدَعَا عليا، وَهُوَ أرمد، فتفل فِي عَيْنَيْهِ، وَأَعْطَاهُ اللِّوَاءَ، وَنَهَضَ مَعَهُ النَّاس، فلقا أَهْلَ خَيْبَرَ، فَإِذَا مَرْحَبٌ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يَرْتَجِزُ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شَاكِي السَّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ٢ إِذَا السُّيُوفُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ ... أَطْعَنُ أَحْيَانًا وَحِينًا أَضْرِبُ٣ فَاخْتَلَفَ هُوَ وَعَلِيٌّ ضَرْبَتَيْنِ، فَضَرَبَهُ عَلِيٌّ عَلَى رَأْسِهِ حَتَّى عَضَّ السَّيْفُ بِأَضْرَاسِهِ، وَسَمِعَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ صَوْتَ ضَرْبَتِهِ، قَالَ: فَمَا تَتَامَّ النَّاسُ حَتَّى فَتَحُوا لَهُمْ.
رَأْسِهِ حَتَّى عَضَّ السَّيْفُ بِأَضْرَاسِهِ، وَسَمِعَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ صَوْتَ ضَرْبَتِهِ، قَالَ: فَمَا تَتَامَّ النَّاسُ حَتَّى فَتَحُوا لَهُمْ. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ. قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ [قَالَ] : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ [قَالَ] : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ [قَالَ] : حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ [قَالَ] : حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدثنِي إِيَاس بن سَلمَة الأَكْوَعِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ٤: لَمَّا خَرَجَ عَمِّي عَامِرُ بْنُ سِنَانٍ إِلَى خَيْبَرَ بَارَزَ يَوْمًا مَرْحَبًا الْيَهُودِيَّ، فَقَالَ مَرْحَبٌ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شَاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ ... أَطْعَنُ أَحْيَانًا وَحِينًا أضْرب
وَقَالَ عَمِّي: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرُ ... شَاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُغَاوِرُ فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِي تُرْسِ عَامِرٍ، وَرَجَعَ سيف [عَامر] على مَسَافَة فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ، فَكَانَتْ١ فِيهَا نَفْسُهُ، قَالَ سَلَمَةُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَنِي إِلَى عَليّ بْن أبي طَالب، وَقَالَ: "لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلا يحب اللَّه وَرَسُوله، وَيُحِبهُ اللَّه وَرَسُولُهُ" قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ أَقُودُهُ أَرْمَدَ، فَبَصَقَ النَّبِيُّ ﷺ فِي عَيْنَيْهِ، ثُمَّ أَعْطَاهُ الرَّايَةَ، فَخَرَجَ مَرْحَبٌ يَخْطُرُ بِسَيْفِهِ، وَقَالَ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شَاكِي السَّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ وَقَالَ عَليّ ﵁: أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ ... كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ الْمَنْظَرَهْ٢ أُوفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ٣ فَفَلَقَ رَأْسَ مَرْحَبٍ بِالسَّيْفِ، وَكَانَ الْفَتْحُ عَلَى يَدِ عَلِيٍّ. قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَآخر مَا افْتتح رَسُول اللَّه ﷺ مِنَ حصونهم الوطيح والسلالم.
رَأْسَ مَرْحَبٍ بِالسَّيْفِ، وَكَانَ الْفَتْحُ عَلَى يَدِ عَلِيٍّ. قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَآخر مَا افْتتح رَسُول اللَّه ﷺ مِنَ حصونهم الوطيح والسلالم. وَقَالَ مُوسَى بْن عقبَة: حاصر رَسُول اللَّه ﷺ [حصون٤ خَيْبَر بضع عشرَة لَيْلَة، وَكَانَ بَعْضهَا صلحا وأكثرها عنْوَة، ذكر ذَلِك عَن ابْن شهَاب. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: قسم رَسُول اللَّه أَرض خَيْبَر كلهَا لِأَنَّهُ غلب على جَمِيعهَا عنْوَة. وحاصر رَسُول اللَّهِ ﷺ] أهل خَيْبَر فِي حصنهمْ الوطيح حَتَّى إِذا أيقنوا بالهلكة سَأَلُوهُ أَن يسيرهم وَأَن يحقن لَهُم دِمَاءَهُمْ، فَفعل.
[مقاسم خَيْبَر وأموالها] وَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ قد حَاز الْأَمْوَال كلهَا: الشق١ ونطاة والكتيبة وَجَمِيع حصونهم إِلَّا مَا كَانَ من ذَيْنك [الحصنين] ٢ فَلَمَّا سمع بهم أهل فدك٣ قد صَنَعُوا مَا صَنَعُوا بعثوا إِلَى رَسُول اللَّه يسألونه أَن يسيرهم وَأَن يحقن لَهُم دِمَاءَهُمْ ويحلوا لَهُ الْأَمْوَال فَفعل. وَكَانَ فِيمَن مَشى بَين رَسُول اللَّه ﷺ وَبينهمْ فِي ذَلِك محيصة بْن مَسْعُود أَخُو بني حَارِثَة. قَالَ: فَلَمَّا نزل أهل خَيْبَر على ذَلِك سَأَلُوا رَسُول اللَّه أَن يعاملهم فِي الْأَمْوَال على النّصْف، فعاملهم، وَقَالَ لَهُم: "على أَنَّا إِذا شِئْنَا أَن نخرجكم أخرجناكم". فَصَالحه أهل فدك على مثل ذَلِك. وَكَانَت خَيْبَر فَيْئا بَين الْمُسلمين، وَكَانَت فدك خَاصَّة لرَسُول اللَّه ﷺ، لأَنهم لم يوجوفوا٤ عَلَيْهَا بخيل وَلَا ركاب. قَالَ أَبُو عمر٥: هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي أَرض خَيْبَر أَنَّهَا كَانَت عنْوَة كلهَا مَغْلُوبًا عَلَيْهَا بِخِلَاف فدك وَأَن رَسُول اللَّه ﷺ قسم جَمِيع٦ أرْضهَا على الْغَانِمين لَهَا الموجفين بِالْخَيْلِ والركاب، وهم أهل الْحُدَيْبِيَة. وَلم يخْتَلف الْعلمَاء [فِي] أَن أَرض خَيْبَر مقسومة، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا هَل تقسم الأَرْض إِذا غنمت الْبِلَاد أَو توقف؟ فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ٧: الإِمَام مُخَيّر بَين قسمتهَا كَمَا فعل رَسُول اللَّه ﷺ بِأَرْض خَيْبَر وَبَين إيقافها كَمَا فعل عمر بسواد الْعرَاق، وَقَالَ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تقسم الأَرْض كلهَا كَمَا قسم رَسُول اللَّه ﷺ [خَيْبَر١] لِأَن الأَرْض غنيمَة كَسَائِر أَمْوَال الْكفَّار، وَذهب مَالك إِلَى إيقافها اتبَاعا لعمر، لِأَن الأَرْض مَخْصُوصَة من سَائِر الْغَنِيمَة بِمَا فعل عمر فِي جمَاعَة من الصَّحَابَة: فِي إيقافها لمن يَأْتِي بعده من الْمُسلمين. وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: لَوْلا أَنْ يُتْرَكَ آخِرُ النَّاسِ لَا شَيْءَ لَهُمْ مَا افْتَتَحَ الْمُسْلِمُونَ قَرْيَةً إِلَّا قسمته سُهْمَانًا كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَر سُهْمَانًا٢، وَهَذَا يدل على أَن أَرض خَيْبَر قسمت كلهَا سهمانا كَمَا قَالَ ابْن إِسْحَاق. وَأما قَول من قَالَ إِن خَيْبَر كَانَ بَعْضهَا صلحا وَبَعضهَا عنْوَة، فقد وهم وَغلط، وَإِنَّمَا دخلت عَلَيْهِ الشُّبْهَة بالحصنين اللَّذين أسلمهما أهلهما لحقن دِمَائِهِمْ. فَلَمَّا لم يكن أهل ذَيْنك الحصنين من الرِّجَال وَالنِّسَاء والذرية٣ لضرب من الصُّلْح، وَلَكنهُمْ لم يتْركُوا أَرضهم إِلَّا بالحصار والقتال، فَكَانَ حكم أَرض ذَيْنك الحصنين كَحكم سَائِر أَرض خَيْبَر كلهَا غنيمَة مَغْلُوبًا عَلَيْهَا عنْوَة مقسومة بَين أَهلهَا. وَرُبمَا شبه٤ على من قَالَ: إِن نصف خَيْبَر صلح وَنِصْفهَا عنْوَة بِحَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ أَنّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَسَمَ خَيْبَرَ [نِصْفَيْنِ٥: نِصْفًا لَهُ، وَنِصْفًا لِلْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا لَوْ صَحَّ لَكَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ] النِّصْفَ لَهُ مَعَ سَائِرِ مَنْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ النِّصْفِ مَعَهُ، لأَنَّهَا قُسِمَتْ عَلَى سِتَّةٍ وَثَلاثِينَ سَهْمًا، فَوَقَعَ سَهْمُ النَّبِيِّ ﷺ وَطَائِفَةٍ مَعَهُ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا مِنْهَا، وَوقع سَائِر النَّاس فِي بَاقِيهَا، وَكلهمْ مِمَّن شهد الْحُدَيْبِيَة ثمَّ شهد خَيْبَر٦. وَلَيْسَت الْحُصُون الَّتِي أسلمها أَهلهَا [بعد٧ الْحصار والقتال صلحا، وَلَو كَانَت صلحا لملكها أَهلهَا] كَمَا يملك أهل الصُّلْح أراضيهم وَسَائِر أَمْوَالهم. فَالْحق فِي
الَّتِي أسلمها أَهلهَا [بعد٧ الْحصار والقتال صلحا، وَلَو كَانَت صلحا لملكها أَهلهَا] كَمَا يملك أهل الصُّلْح أراضيهم وَسَائِر أَمْوَالهم. فَالْحق فِي
هَذَا وَالصَّوَاب مَا قَالَه ابْن إِسْحَاق١ دون مَا قَالَه مُوسَى وَغَيره عَن ابْن شهَاب. وَالله أعلم. قَالَ أَبُو عمر: قسم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، خَيْبَر، وَأخرج الْخمس٢ مِمَّا قسم، وَلم يقدر أَهلهَا٣ على عمارتها وعملها فَأقر الْيَهُود فِيهَا على الْعَمَل فِي النّخل وَالْأَرْض، وَقَالَ لَهُم: "أقركم مَا أقركم٤ اللَّه". ثمَّ أذن اللَّه لَهُ فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ بإخراجهم، فَقَالَ: "لَا يبْقين دينان بِأَرْض الْعَرَب". وَقَالَ ﵇: "أخرجُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى من أَرض الْحجاز". وَلم يكن بَقِي يَوْمئِذٍ بهَا مُشْرك وثنى -وَلَا بِأَرْض الْيمن أَيْضا- إِلَّا أسلم فِي سنة تسع وَسنة عشر. فَلَمَّا بلغ عمرَ بْنَ الْخطاب ﵁ فِي خِلَافَته قَوْله ﵇: "أخرجُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى من أَرض الْعَرَب" أجلاهم عَنْهَا، فَأخذ الْمُسلمُونَ سِهَامهمْ فِي خَيْبَر، فتصرفوا فِيهَا تصرف المالكين. قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَكَانَ الْمُتَوَلِي للْقِسْمَة بِخَيْبَر جَبَّار بْن صَخْر الْأنْصَارِيّ من بني سَلمَة، وَزيد بْن ثَابت من بني النجار، كَانَا حاسبين قاسمين. وَكَانَت قسْمَة خَيْبَر لأهل الْحُدَيْبِيَة: من حضر الوقيعة بِخَيْبَر وَمن لم يحضرها، لِأَن اللَّه أَعْطَاهُم ذَلِك فِي سفر الْحُدَيْبِيَة٥. وَلذَلِك قَالَ مُوسَى بْن عقبَة: لم يقسم من خَيْبَر شَيْء إِلَّا لمن شهد الْحُدَيْبِيَة، وروى ذَلِك عَن جمَاعَة من السّلف.
فِي سفر الْحُدَيْبِيَة٥. وَلذَلِك قَالَ مُوسَى بْن عقبَة: لم يقسم من خَيْبَر شَيْء إِلَّا لمن شهد الْحُدَيْبِيَة، وروى ذَلِك عَن جمَاعَة من السّلف.
قَالَ ابْن إِسْحَاق: فَوَقع سهم رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، وَعمر وَعلي وَطَلْحَة وَعبد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَعَاصِم بْن عدي وسهام بني سَلمَة وسهام بني حَارِثَة وَبني سَاعِدَة وَبني النجار وغفار وَأسلم وجهينة واللفيف، كلهَا وَقعت فِي الشق. وَوَقع سهم أبي بكر وَالزُّبَيْر وسهام بني بياضة وَبني الْحَارِث بْن الْخَزْرَج وَمُزَيْنَة بالنطاة، وَلِذِكْرِ سِهَامهمْ وأقسامهم مَوضِع غير هَذَا. وَكَانَ عبيد بْن أَوْس من بني حَارِثَة قد اشْترى يَوْمئِذٍ من سِهَام النَّاس سهاما كَثِيرَة، فَسمى يَوْمئِذٍ عبيد السِّهَام، وَاشْترى عمر بْن الْخطاب مائَة سهم من سِهَام الْمُسلمين، فَهِيَ صدقته الْبَاقِيَة إِلَى الْيَوْم. وَأما فدك فَلم يُوجَفْ عَلَيْهَا بخيل وَلَا ركاب فَكَانَت كبني النَّضِير خَالِصَة لرَسُول اللَّهِ ﷺ. وَمن الْعجب قَول من قَالَ إِن الكتيبة لم تفتح عنْوَة١ وَإِنَّهَا من صدقَات النَّبِي ﵇ إِلَّا أَن ينزل سهم النَّبِي ﵇ فِيهَا مَعَ الْمُؤمنِينَ وَإِلَّا فَلَا وَجه لقَوْله غير هَذَا. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق.
إِنَّهَا من صدقَات النَّبِي ﵇ إِلَّا أَن ينزل سهم النَّبِي ﵇ فِيهَا مَعَ الْمُؤمنِينَ وَإِلَّا فَلَا وَجه لقَوْله غير هَذَا. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق. وَفِي غَزْوَة خَيْبَر حرم رَسُول اللَّه ﷺ لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة، لم تخْتَلف الْآثَار فِي ذَلِك. وَاخْتلفت فِي حِين تَحْرِيم الْمُتْعَة٢ بعد إباحتها. وَقد ذكرنَا الْآثَار بذلك فِي التَّمْهِيد. وفيهَا أَهْدَت الْيَهُودِيَّة زَيْنَب بن [الْحَارِث٣ امْرَأَة] سَلام بْن مشْكم إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ [الشَّاة] ٤ المصلية٥ وسمت لَهُ مِنْهَا الذِّرَاع وَكَانَ أحبَّ اللَّحْم إِلَيْهِ ﷺ. فَلَمَّا تنَاول الذِّرَاع ولاكها لَفظهَا وَرمى بهَا، وَقَالَ: "إِنَّ هَذَا الْعَظْمَ يُخْبِرُنِي أَنَّهُ مَسْمُومٌ". وَدَعَا بِالْيَهُودِيَّةِ فَقَالَ: "مَا حَمَلَكِ عَلَى هَذَا؟ " فَقَالَت: أردْت أَن أعلم إِن كنت نَبيا، وَعلمت أَن اللَّه إِن أَرَادَ بَقَاءَك أعلمك. فَلم يَقْتُلهَا رَسُول اللَّه ﷺ. وَأكل من الشَّاة مَعَه بِشْرُ بْن الْبَراء بْن معْرور، فَمَاتَ من أَكلته تِلْكَ. وَكَانَ الْمُسلمُونَ يَوْم خَيْبَر ألفا وَأَرْبَعمِائَة راجل ومائتي فَارس.
تَسْمِيَة من اسْتشْهد من الْمُسلمين يَوْم خَيْبَر ربيعَة بن كثم بْن سَخْبَرَة الْأَسدي من بني غنم بْن دودان بْن أَسد بْن خُزَيْمَة، وثقف بْن عَمْرو، وَرِفَاعَة بْن مسروح. وَكلهمْ من بني أَسد، حلفاء لبني عَبْد شمس، ومسعود بْن ربيعَة الْقَارِي، من القارة، حَلِيف لني زهرَة. وَعبد اللَّه بْن الهبيب، وَيُقَال ابْن أهيب اللَّيْثِيّ حَلِيف لبني أَسد بْن عبد الْعُزَّى بْن قصي وَابْن أختهم. وَبشر بْن الْبَراء بْن معْرور من بني سَلمَة مَاتَ من أكله مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ الشَّاة المسمومة، وفضيل بْن النُّعْمَان من بني سَلمَة أَيْضا ومسعود بْن سعد بْن قيس الْأنْصَارِيّ الزرقي. ومحمود بْن مسلمة بْن خَالِد أَخُو مُحَمَّد بْن مسلمة من الْأَوْس حَلِيف لبني عَبْد الْأَشْهَل. وَأَبُو ضياح ثَابت بْن ثَابت بْن النُّعْمَان من بني عَمْرو بْن عَوْف من أهل قبَاء، ومبشر بْن عَبْد الْمُنْذر بْن دِينَار من بني مَالك بْن عَمْرو بْن عَوْف، والْحَارث بْن حَاطِب، وَأَوْس بْن قَتَادَة، وَعُرْوَة بْن مرّة١ بْن سراقَة، وَأَوْس بْن الْفَاكِه٢. وأنيف بْن حبيب، وثابت بْن وَاثِلَة٣ بْن طَلْحَة، وَالْأسود الرَّاعِي واسْمه أسلم وكل هَؤُلَاءِ من بني عَمْرو بني عَوْف. وَمن بني غفار: عمَارَة بْن عقبَة بْن حَارِثَة أَصَابَهُ سهم فَقتله. وَمِنْ أَسْلَمَ: عَامِرُ بن الْأَكْوَع٤.
وكل هَؤُلَاءِ من بني عَمْرو بني عَوْف. وَمن بني غفار: عمَارَة بْن عقبَة بْن حَارِثَة أَصَابَهُ سهم فَقتله. وَمِنْ أَسْلَمَ: عَامِرُ بن الْأَكْوَع٤.
[قدوم ١ بَقِيَّة الْمُهَاجِرين إِلَى الْحَبَشَة] وَقدم جَعْفَر بْن أبي طَالب فِي جمَاعَة من أَرض الْحَبَشَة بإثر فتح خَيْبَر، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: "وَالله مَا أَدْرِي أبقدوم جَعْفَر أَنا أُسَرُّ وأفرح أم بِفَتْح خَيْبَر؟ " وَقدم [مَعَ] جَعْفَر امْرَأَته أَسمَاء بنت عُمَيْس، وَابْنهَا عَبْد٢ اللَّهِ بْن جَعْفَر، وخَالِد بْن سعيد بْن العَاصِي بْن أُميَّة، مَعَه امْرَأَته أمينة٣ بنت خلف، وابناهما: سعيد وَأمة، وَعَمْرو بْن سعيد بْن العَاصِي بْن أُميَّة وَكَانَت امْرَأَته فَاطِمَة بنت صَفْوَان الكنانية قد مَاتَت بِأَرْض الْحَبَشَة، ومعيقيب٤ بْن أبي فَاطِمَة حَلِيف آل سعيد بْن العَاصِي، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قيل إِنَّه حَلِيف عتبَة بْن ربيعَة، وَالْأسود بْن نَوْفَل بْن خويلد بْن أَسد، وجهم بْن قيس [بْن] ٥ عَبْد شُرَحْبِيل الْعَبدَرِي، وابناه: عَمْرو بْن جهم، وَخُزَيْمَة بْن جهم، وَكَانَت امْرَأَة جهم بْن قيس: أم حَرْمَلَة بنت عَبْد الْأسود قد هَلَكت بِأَرْض الْحَبَشَة، والْحَارث بْن خَالِد بْن صَخْر التَّيْمِيّ وَكَانَت امْرَأَته ريطة بنت الْحَارِث بْن جبيلة قد هَلَكت بِأَرْض الْحَبَشَة، وَعُثْمَان بْن ربيعَة بْن أهبان الجُمَحِي، ومحمية بْن جُزْء الزبيدِيّ حَلِيف لبني سهم بْن هصيص ولاه رَسُول اللَّه ﷺ الْخمس، وَمعمر بْن عَبْد اللَّهِ بْن نَضْلَة العذري، وَأَبُو حَاطِب بْن عَمْرو بْن عَبْد شمس العامري، وَمَالك بْن رمعة٦ بْن قيس العامري، وَمَعَهُ امْرَأَته عمْرَة بنت السَّعْدِيّ بْن وقدان، وَطَائِفَة٧ مَعَهم. وَقد أَتَى من مهاجرة الْحَبَشَة قبل ذَلِك بِسنتَيْنِ سَائِرهمْ وَكَانَ هَؤُلَاءِ آخر من بَقِي بهَا مِنْهُم.
سَّعْدِيّ بْن وقدان، وَطَائِفَة٧ مَعَهم. وَقد أَتَى من مهاجرة الْحَبَشَة قبل ذَلِك بِسنتَيْنِ سَائِرهمْ وَكَانَ هَؤُلَاءِ آخر من بَقِي بهَا مِنْهُم.
فتح ١ فدك وَلما اتَّصل بِأَهْل فدك مَا فعل رَسُول اللَّه بِأَهْل خَيْبَر بعثوا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ ليأمنهم، فأجابهم رَسُول اللَّه ﷺ إِلَى ذَلِك. وَكَانَت فدك مِمَّا لم يوجف عَلَيْهِ بخيل وَلَا ركاب مِمَّا أَفَاء٢ اللَّه عَلَيْهِ بِمَا نَصره بِهِ عَن الرعب، فَلم يقسمها رَسُول اللَّه ﷺ ووضعها حَيْثُ أمره اللَّه ﷿. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، عَنْ عمر بْن الْخطاب ﵁: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَفَايَا٣ بَنِي النَّضِيرِ وَخَيْبَرَ وَفَدَكٍ. فتح ٤ وَادي الْقرى وَانْصَرف رَسُول اللَّه ﷺ من خَيْبَر إِلَى وَادي الْقرى، فافتتحها عنْوَة، وَقسمهَا، وَأُصِيب بهَا غُلَام لَهُ أسود يُسمى مدعما أَصَابَهُ سهم غُرْبٌ٥ فَقتله، فَقَالَ النَّاس: هَنِيئًا لَهُ الْجنَّة، فَقَالَ النَّبِي ﵇: "كلا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن الشَّمْلَةَ ٦ الَّتِي أَصَابَهَا يَوْم خَيْبَر من الْمَغَانِم لم تصبها المقاسم وَإِنَّهَا لتشتعل عَلَيْهِ الْآن نَارا".



