الدرر في اختصار المغازي والسير

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya ابن عبد البر (w. 463 H).

Bagian 5 dari 10 343 halaman

— Bagian 5 · الْحجَّة، ثمَّ غزا نجدا يُرِيد غطفان، وَاسْتعْمل… —

Bagian 5

الْحجَّة، ثمَّ غزا نجدا يُرِيد غطفان، وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة عُثْمَان بْن عَفَّان، فَأَقَامَ ﷺ بِنَجْد صفرا كُله، ثمَّ انْصَرف، وَلم يلق حَربًا.

غَزْوَة بحران ١ فَأَقَامَ رَسُول اللَّه ﷺ بِالْمَدِينَةِ ربيعا الأول، ثمَّ غزا يُرِيد قُريْشًا، واستخلف على الْمَدِينَة ابْن أم مَكْتُوم، فَبلغ بحران، معدنا بالحجاز، وَلم يلق حَربًا. فَأَقَامَ هُنَالك ربيعا الآخر وجمادى الأولى من السّنة الثَّالِثَة. ثمَّ انْصَرف إِلَى الْمَدِينَة. غَزْوَة بني قينقاع ٢ وَنَقَضَ بَنو قينقاع من الْيَهُود عقد رَسُول اللَّه ﷺ، فَخرج إِلَيْهِم ﷺ وحاصرهم حَتَّى نزلُوا على حكمه. فشفع فيهم عَبْد اللَّهِ بْن أبي بْن سلول، وَرغب فِي حقن دِمَائِهِمْ، وألح على رَسُول اللَّه وَتعلق بِهِ حَتَّى أَدخل يَده فِي جيب درعه، فَقَالَ: "أَرْسلنِي"، فَقَالَ: وَالله لَا أرسلك حَتَّى تحسن إِلَيّ فِي موَالِي: أَرْبَعمِائَة حاسر٣ وثلاثمائة دارع تُرِيدُ أَن تحصدهم فِي غَدَاة وَاحِدَة. وَكَانَ حصاره ﷺ لَهُم خمس عشرَة لَيْلَة واستخلف على الْمَدِينَة فِي تِلْكَ الْمدَّة [أَبَا لبَابَة] بشير بْن عبد الْمُنْذر.

دهم فِي غَدَاة وَاحِدَة. وَكَانَ حصاره ﷺ لَهُم خمس عشرَة لَيْلَة واستخلف على الْمَدِينَة فِي تِلْكَ الْمدَّة [أَبَا لبَابَة] بشير بْن عبد الْمُنْذر.

وَذكر ابْن إِسْحَاق عَن عَاصِم بْن عمر وَعبد اللَّه بْن أبي بكر: أَن رَسُول اللَّه ﷺ لما قدم الْمَدِينَة وادعته الْيَهُود وَكتب عَنهُ وعنهم كتابا، وَألْحق كل قوم بحلفائهم١، وَشرط عَلَيْهِم فِيمَا شَرط أَن لَا يظاهروا عَلَيْهِ أحدا. فَلَمَّا قدم رَسُول اللَّه ﷺ مِنَ بدر أَتَاهُ بَنو قينقاع، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّد لَا يغرك من نَفسك أَن نِلْتَ من قَوْمك مَا نلْت، فَإِنَّهُ لَا علم لَهُم بِالْحَرْبِ، أَمَا وَالله لَو حاربتنا لعَلِمت أَن حربنا لَيْسَ كحربهم وَأَنا لنَحْنُ النَّاس*. قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَكَانَ أول من نقض الْعَهْد بَينه وَبَين رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وغدر من يهود بَنو قينقاع. فَسَار إِلَيْهِم رَسُول اللَّه وحاصرهم فِي حصونهم، وَقذف اللَّه فِي قُلُوبهم الرعب، فنزلوا على حكمه ﷺ. الْبَعْث ٢ إِلَى كَعْب بْن الْأَشْرَف وَلما اتَّصل بكعب بْن الْأَشْرَف -وَهُوَ رجل من نَبهَان من طيى وَأمه من بني النَّضِير- قَتْلُ صَنَادِيد قُرَيْش ببدر قَالَ: بطن الأَرْض خير من ظهرهَا. ونهض إِلَى مَكَّة، فَجعل يرثي قَتْلَى قُرَيْش، ويحرض على قتال٣ النَّبِي ﷺ، وَكَانَ شَاعِرًا. ثمَّ انْصَرف إِلَى مَوْضِعه٤ فَلم يزل يُؤْذِي رَسُول اللَّه ﷺ وَيَدْعُو إِلَى خِلَافه ويسب الْمُسلمين حَتَّى آذاهم. فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ: "من لي بِابْن الْأَشْرَف فَإِنَّهُ يُؤْذِي اللَّه وَرَسُوله وَالْمُؤمنِينَ؟ " فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بْن مسلمة: أَنا لَهُ يَا رَسُول اللَّه، أَنا أَقتلهُ إِن شَاءَ اللَّه، قَالَ: "فافعل إِن قدرت على

ذَلِك". فَمَكثَ مُحَمَّد بْن مسلمة أَيَّامًا مَشْغُول النَّفس بِمَا وعد رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من نَفسه فِي قتل ابْن الْأَشْرَف، وأتى أَبَا نائلة سلكان١ بْن سَلامَة بْن وقش وَكَانَ أَخا كَعْب بْن الْأَشْرَف من الرضَاعَة وَعباد بْن بشر بْن وقش والْحَارث بْن أَوْس بْن معَاذ وَأَبا عبس٢ بْن جبر، فأعلمهم بِمَا وعد بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من قتل ابْن الْأَشْرَف، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِك، وَقَالُوا: كلنا يَا رَسُول اللَّه نَقْتُلهُ. ثمَّ أَتَوا رَسُول اللَّه ﷺ، قَالُوا: يَا رَسُول اللَّه إِنَّه لَا بُد لنا أَن نقُول٣، فَقَالَ: "قُولُوا مَا بدا لكم فَأنْتم فِي حل" . ثمَّ قدمُوا إِلَى كَعْب بْن الْأَشْرَف أَبَا نائلة، فَجَاءَهُ وتحدث مَعَه سَاعَة، وتناشدا الشّعْر. وَكَانَ أَبُو نائلة يَقُول الشّعْر أَيْضا، فَقَالَ لَهُ أَبُو نائلة: يَا بْن الْأَشْرَف إِنِّي جِئْت فِي حَاجَة أذكرها لَك فاكتم عَليّ، قَالَ: أفعل. قَالَ: إِن قدوم هَذَا الرجل٤ علينا بلَاء من الْبلَاء، عادتنا الْعَرَب ورمتنا عَن قَوس وَاحِدَة، وَقطعت عَنَّا السبل حَتَّى ضَاعَ الْعِيَال وجهدت الْأَنْفس وأصبحنا قد جهدنا. فَقَالَ كَعْب: أَنا ابْن الْأَشْرَف أما وَالله لقد كنت أحَدثك يَا بن سَلامَة أَن أَمركُم سيصير إِلَى هَذَا *. فَقَالَ لَهُ سلكان: إِنِّي أُرِيد أَن تبيعنا طَعَاما ونرهنك ونوثق لَك ونحسن فِي ذَلِك، قَالَ: أترهنوني أبناءكم أَو نساءكم، قَالَ: لقد أردْت أَن تفضحنا، أَنْت أجمل٥ الْعَرَب فَكيف نرهنك نِسَاءَنَا؟! وَكَيف نرهنك أبناءنا فيعير أحدهم، فَيُقَال: رَهْنُ وَسَقٍ٦ وَرهن وسقين؟! إِن معي أصحابا على

َن تفضحنا، أَنْت أجمل٥ الْعَرَب فَكيف نرهنك نِسَاءَنَا؟! وَكَيف نرهنك أبناءنا فيعير أحدهم، فَيُقَال: رَهْنُ وَسَقٍ٦ وَرهن وسقين؟! إِن معي أصحابا على

مثل رَأْيِي، وَقد أردْت أَن آتِيك بهم، فتبيعهم وتحسن فِي ذَلِك ونرهنك من الْحلقَة١ مَا فِيهِ وَفَاء -وَأَرَادَ أَبُو نائلة أَن لَا يُنكر السِّلَاح عَلَيْهِم إِذا أَتَوْهُ- قَالَ: إِن فِي الْحلقَة لوفاءً. فَرجع أَبُو نائلة إِلَى أَصْحَابه فَأخْبرهُم الْخَبَر. وَأمرهمْ أَن يَأْخُذُوا السِّلَاح ويأتوا رَسُول الله، فَفَعَلُوا واجتمعوا عِنْد رَسُول اللَّه ﷺ. فَمشى بهم إِلَى بَقِيع٢ الْغَرْقَد. ثمَّ وجههم، وَقَالَ: "انْطَلقُوا على اسْم اللَّه، اللَّهُمَّ أعنهم". وَرجع عَنْهُم فنهضوا -وَكَانَت لَيْلَة مُقْمِرَة- حَتَّى انْتَهوا إِلَى حصنه. فَهَتَفَ أَبُو نائلة -وَكَانَ كَعْب حَدِيث عهد بعرس، فَوَثَبَ فِي ملحفة، فَأخذت امْرَأَته بناحيتها، وَقَالَت: إِنَّك امْرُؤ مُحَارِبٌ، وَإِن أهل الْحَرْب لَا ينزلون فِي مثل هَذِه السَّاعَة! فَقَالَ: إِنَّه أَبُو نائلة لَو وجدني نَائِما مَا أيقظني. فَقَالَت: وَالله إِنِّي لأعرف فِي صَوته الشَّرّ٣، فَقَالَ لَهَا كَعْب: لَو دُعِيَ الْفَتى إِلَى طعنة أجَاب٤ فَنزل فَتحدث مَعَهم سَاعَة، ثمَّ قَالُوا٥ لَهُ: يَا بن الْأَشْرَف لَو رَأَيْت أَن نتماشى إِلَى شعب الْعَجُوز٦ فنتحدث بِهِ بَقِيَّة ليلتنا قَالَ: إِن شِئْتُم، فَخَرجُوا يتماشون. ثمَّ إِن نائلة مس فَوْدَ رَأسه بِيَدِهِ ثمَّ شمها، وَقَالَ: مَا رَأَيْت كالليلة طيبا أعطر، ثمَّ مَشى سَاعَة وَعَاد لمثلهَا، حَتَّى اطْمَأَن، ثمَّ مَشى سَاعَة وَعَاد لمثلهَا وَأخذ بِفَوْدَيْ رَأسه، وَقَالَ: اضربوا عَدو اللَّه، فضربوه بِأَسْيَافِهِمْ، فصاح صَيْحَة مُنكرَة سَمعهَا أهل الْحُصُون، فأوقدوا النيرَان، وَاخْتلفت سيوفهم فَلم تعْمل شَيْئا. قَالَ مُحَمَّد بْن مسلمة: فَذكرت مغولا٧ فِي سَيفي حِين رَأَيْت أسيافهم لَا تغني، فَأَخَذته -وَقد صَاح عَدو اللَّه صَيْحَة أسمعت كل حصن حوله- فَوَضَعته فِي ثنته٨ ثمَّ تحاملت عَلَيْهِ حَتَّى بلغت عانته، فَوَقع عَدو اللَّه مَيتا.

ني، فَأَخَذته -وَقد صَاح عَدو اللَّه صَيْحَة أسمعت كل حصن حوله- فَوَضَعته فِي ثنته٨ ثمَّ تحاملت عَلَيْهِ حَتَّى بلغت عانته، فَوَقع عَدو اللَّه مَيتا. وَأصَاب الحارثَ بْنَ أَوْس يَوْمئِذٍ جرحٌ فِي رجله أَو فِي رَأسه بِبَعْض سيوف أَصْحَابه، فَتَأَخر، وَنَجَا أَصْحَابه وسلكوا على دور بني أُميَّة بْن زيد إِلَى بني قُرَيْظَة إِلَى بُعَاث إِلَى حرَّة العريض. وَانْتَظرُوا هُنَالك صَاحبهمْ حَتَّى وافاهم. فَأتوا رَسُول اللَّه ﷺ فِي آخر اللَّيْل وَهُوَ يُصَلِّي، فأخبروه، فتفل فِي جرح الْحَارِث بن أَوْس، فبرىء. وَأطلق رَسُول اللَّه ﷺ الْمُسلمين على قتل الْيَهُود. وَحِينَئِذٍ أسلم حويصة بْن مَسْعُود وَقد كَانَ أسلم أَخُوهُ محيصة قبله.

غَزْوَة أحد ١ فَأَقَامَ رَسُول اللَّه ﷺ بِالْمَدِينَةِ بعد قدومه من بحران جُمَادَى الْآخِرَة ورجبا وَشَعْبَان ورمضان، فغزته كفار قُرَيْش فِي شَوَّال٢ سنة ثَلَاث، وَقد استمدوا بحلفائهم والأحابيش٣ من بني كنَانَة. وَخَرجُوا بنسائهم لِئَلَّا يَفروا عَنْهُن. وقصدوا الْمَدِينَة، فنزلوا قرب أحد على جبل على شَفير الْوَادي بقناة مُقَابل الْمَدِينَة. فَرَأى رَسُول اللَّه ﷺ فِي مَنَامه أَن فِي سَيْفه ثلمة وَأَن بقرًا لَهُ تذبح وَأَنه أَدخل يَده فِي درع حَصِينَة٤. فتأولها أَن نَفرا من أَصْحَابه يقتلُون وَأَن رجلا من أهل بَيته يصاب وَأَن الدرْع الحصينة الْمَدِينَة. فَأَشَارَ رَسُول اللَّه ﷺ على أَصْحَابه أَن لَا يخرجُوا إِلَيْهِم وَأَن يتحصنوا بِالْمَدِينَةِ فَإِن قربوا مِنْهَا قاتلوهم على أَفْوَاه الْأَزِقَّة. وَوَافَقَ رسولَ اللَّهِ ﷺ على هَذَا الرَّأْي عَبْدُ اللَّهِ بْن أبي بْن سلول، وأبى أَكثر الْأَنْصَار إِلَّا الْخُرُوج إِلَيْهِم ليكرم اللَّه من شَاءَ مِنْهُم بِالشَّهَادَةِ. فَلَمَّا رأى رَسُول اللَّه ﷺ عزيمتهم دخل بَيته، فَلبس لأمته٥، وَخرج،

وَذَلِكَ يَوْم الْجُمُعَة، فصلى على رجل من بني النجار مَاتَ ذَلِك الْيَوْم يُقَال لَهُ مَالك بْن عَمْرو، وَقيل: بل اسْمه مُحرز بْن عَامر. وَنَدم قوم من الَّذين ألحوا فِي الْخُرُوج وَقَالُوا: يَا رَسُول اللَّه إِن شِئْت فَارْجِع، فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ: "مَا يَنْبَغِي لنَبِيّ إِذا لبس لأْمَتَهُ أَن يَضَعهَا حَتَّى يُقَاتل". فَخرج رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ألف من أَصْحَابه، وَاسْتعْمل ابنَ أم مَكْتُوم على الصَّلَاة لمن بَقِي بِالْمَدِينَةِ من الْمُسلمين، فَلَمَّا سَار رَسُول اللَّه ﷺ نَحْو أحد انْصَرف عَنهُ عَبْد اللَّهِ بْن أبي بْن سلول بِثلث النَّاس مغاضبا، إِذْ خُولِفَ رَأْيه، فاتبعهم عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرو بْن حرَام، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهَ والرجوعَ إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ، فَأَبَوا عَلَيْهِ، فسبهم، وَرجع عَنْهُم إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ. ونهض رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمُسْلِمين، وَذكر لَهُ قوم من الْأَنْصَار أَن يستعينوا بحلفائهم من يهود، فَأبى عَلَيْهِم. وسلك على حرَّة بن حَارِثَة، وشق أَمْوَالهم١ حَتَّى مَشى على مَال لمربع بْن قيظي وَكَانَ ضَرِير الْبَصَر فَقَامَ يحثو٢ التُّرَاب فِي وُجُوه الْمُسلمين وَيَقُول: إِن كنتَ رَسُول اللَّه فَلَا يحل لَك أَن تدخل حائطي٣ وَأكْثر من القَوْل. فَابْتَدَرَهُ أَصْحَاب رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ليقتلوه، فَقَالَ ﵇: "فَهَذَا الْأَعْمَى أعمى الْقلب أعمى الْبَصَر". وضربه سعد بْن زيد أَخُو بني عَبْد الْأَشْهَل بقوسه فَشَجَّهُ فِي رَأسه. وَنفذ رَسُول اللَّهِ ﷺ حَتَّى نزل الشّعب من أحد فِي عدوة الْوَادي إِلَى الْجَبَل، فَجعل ظَهره إِلَى أحد، وَنهى النَّاس عَن الْقِتَال حَتَّى يَأْمُرهُم. وسرحت قُرَيْش الظّهْر٤ والكراع فِي زروع الْمُسلمين بقناة. وتعبأ رَسُول اللَّهِ ﷺ لِلْقِتَالِ، وَهُوَ فِي سَبْعمِائة، وَقيل: إِن الْمُشْركين كَانُوا ثَلَاثَة آلَاف فيهم مِائَتَا فَارس، وَقيل: كَانَ فِي الْمُسلمين يَوْمئِذٍ خَمْسُونَ فَارِسًا٥. وَكَانَ رُمَاة الْمُسلمين خمسين رجلا.

مُشْركين كَانُوا ثَلَاثَة آلَاف فيهم مِائَتَا فَارس، وَقيل: كَانَ فِي الْمُسلمين يَوْمئِذٍ خَمْسُونَ فَارِسًا٥. وَكَانَ رُمَاة الْمُسلمين خمسين رجلا. وَأَمَّرَ رَسُول اللَّه ﷺ على الرُّمَاة عبد الله بن جبر أَخا بني عَمْرو بْن عَوْف وَهُوَ أَخُو خَوات بْن جُبَير، وَعبد الله يَوْمئِذٍ معلم

بِثِيَاب بيض، فرتبهم رَسُول اللَّه ﷺ خلف الْجَيْش، وَأمره بِأَن ينضح١ الْمُشْركين بِالنَّبلِ لِئَلَّا يَأْتُوا الْمُسلمين من ورائهم. وَظَاهر٢ رَسُول اللَّه ﷺ يَوْمئِذٍ بَين درعين، وَدفع اللِّوَاء٣ إِلَى مُصعب بْن عُمَيْر أحد بني عَبْد الدَّار وَأَجَازَ رَسُول اللَّه ﷺ يَوْمئِذٍ سَمُرَة بْن جُنْدُب الْفَزارِيّ وَرَافِع بْن خديج وَلكُل وَاحِد مِنْهُمَا خمس عشرَة سنة. وَكَانَ رَافع راميا. ورد رَسُول اللَّه ﷺ يَوْمئِذٍ عَبْد اللَّهِ بْن عمر وَزيد بْن ثَابت وَأُسَامَة بْن زيد والبراء بْن عَازِب وَأسيد بْن ظهير وعرابة بْن أَوْس وَزيد بْن أَرقم وَأَبا سعيد الْخُدْرِيّ٤، ثمَّ أجازهم كلهم ﵇ يَوْم الخَنْدَق٥. وَقد قيل إِن بعض هَؤُلَاءِ إِنَّمَا رده يَوْم بدر وَأَجَازَهُ يَوْم أحد. وَإِنَّمَا رد من لم يبلغ خمس عشرَة سنة وَأَجَازَ من بلغَهَا. وَجعلت قُرَيْش على ميمنتهم فِي الْخَيل خَالِد بْن الْوَلِيد وعَلى ميسرتهم فِي الْخَيل عِكْرِمَة بْن أبي جهل. وَدفع رَسُول اللَّه ﷺ سَيْفه إِلَى أبي دُجَانَة الْأنْصَارِيّ سماك بْن خَرشَة السَّاعِدِيّ وَكَانَ شجاعا يختال فِي الْحَرْب.

ل عِكْرِمَة بْن أبي جهل. وَدفع رَسُول اللَّه ﷺ سَيْفه إِلَى أبي دُجَانَة الْأنْصَارِيّ سماك بْن خَرشَة السَّاعِدِيّ وَكَانَ شجاعا يختال فِي الْحَرْب. وَكَانَ أَبُو عَامر الْمَعْرُوف بِالرَّاهِبِ وَسَماهُ رَسُول اللَّه ﷺ الْفَاسِق واسْمه عَبْد عَمْرو بْن صَيْفِي بْن مَالك بْن النُّعْمَان أحد بني ضبيعة وَهُوَ وَالِد حَنْظَلَة بْن أبي عَامر غسيل الْمَلَائِكَة -قد٦ ترهب وتنسك فِي الْجَاهِلِيَّة، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام غلب عَلَيْهِ الشَّقَاء، ففر عَن الْمَدِينَة إِذْ نزلها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مباعدا لرَسُول اللَّه ﷺ ومبغضا فِيهِ وَخرج إِلَى مَكَّة فِي جمَاعَة من فتيَان٧ الْأَوْس، وَشهد يَوْم أحد مَعَ الْكفَّار، ووعد قُريْشًا بانحراف٨ قومه إِلَيْهِ، فَكَانَ أول من خرج للقاء الْمُسلمين فِي عَبْدَانِ٩ أهل مَكَّة والأحابيش. فَلَمَّا

نَادَى قومه وعرفهم بِنَفسِهِ قَالُوا: لَا أنعم اللَّه بك عينا يَا فَاسق، فَقَالَ: لقد أصَاب قومِي بعدِي شَرّ، ثمَّ قَاتل الْمُسلمين قتالا شَدِيدا. وَكَانَ شعار أَصْحَاب رَسُول اللَّه ﷺ يَوْم أحد: أَمِتْ أَمِتْ. وأبلى يَوْمئِذٍ عَليّ وَحَمْزَة وَأَبُو دُجَانَة وَطَلْحَة١ بلَاء حسنا، وأبلى أنس٢ بن النضرة يَوْمئِذٍ بلَاء حسنا وَكَذَلِكَ جمَاعَة من الْأَنْصَار أبلوا وأصيبوا يَوْمئِذٍ مُقْبِلين غير مُدبرين. وَقَاتل النَّاس قتالا شَدِيدا ببصائر ثَابِتَة، فانهزمت قُرَيْش، واستمرت الْهَزِيمَة عَلَيْهِم، فَلَمَّا رأى ذَلِك الرُّمَاة قَالُوا: قد هُزِمَ أَعدَاء اللَّه فَمَا لقعودنا هَا هُنَا معنى. فَذَكَّرَهُمْ أَمِيرهمْ عَبْد اللَّهِ بْن جُبَير أَمْرَ رَسُول اللَّه ﷺ إيَّاهُم بِأَن لَا يزولوا٣ فَقَالُوا: قد انْهَزمُوا وَلم يلتفتوا إِلَى قَوْله، وَقَامُوا. ثمَّ كرّ الْمُشْركُونَ وَولى الْمُسلمُونَ وَثَبت من أكْرمه اللَّه مِنْهُم بِالشَّهَادَةِ. وَوصل إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ.

فتوا إِلَى قَوْله، وَقَامُوا. ثمَّ كرّ الْمُشْركُونَ وَولى الْمُسلمُونَ وَثَبت من أكْرمه اللَّه مِنْهُم بِالشَّهَادَةِ. وَوصل إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ. فقاتل دونه مُصعب بْن عُمَيْر حَتَّى قتل ﵁، وجرح رَسُول اللَّه ﷺ فِي وَجهه وَكسرت رباعيته٤ الْيُمْنَى السُّفْلى بِحجر وهشمت الْبَيْضَة٥ [على] رَأسه ﷺ وجزاه عَن أمته بِأَفْضَل مَا جزى بِهِ نَبيا من أنبيائه عَن صبره. وَكَانَ الَّذِي تولى ذَلِك من النَّبِي ﵇ عَمْرو بْن قمئة اللَّيْثِيّ وَعتبَة بْن أبي وَقاص. وَقد قيل إِن عَبْد اللَّهِ بْن شهَاب جدَّ٦ الْفَقِيه مُحَمَّد بْن مُسلم بْن شهَاب هُوَ الَّذِي شج رَسُول اللَّه ﷺ فِي جَبهته٧. وَأَكَبَّتْ الْحِجَارَة على رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٨ حَتَّى سقط فِي حُفْرَة كَانَ أَبُو عَامر الراهب قد حفرهَا مكيدة للْمُسلمين، فَخر ﵇ على جنبه، فَأخذ عَليّ بِيَدِهِ، واحتضنه طَلْحَة حَتَّى قَامَ. وَمَصَّ مَالك بْن سِنَان -وَالِد أبي سعيد الْخُدْرِيّ- من جرح

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّم. ونشبت حلقتان من حلق المعفر١ فِي وَجهه ﷺ، فانتزعهما أَبُو عُبَيْدَة بْن الْجراح وعض عَلَيْهِمَا بثنيتيه، فسقطتا، وَكَانَ الهتم يزينه. وَأعْطى رَسُول اللَّهِ ﷺ الرَّايَة -حِين قتل مصعبُ بْن عُمَيْر- عَلِيَّ بْنَ أبي طَالب. وَصَارَ رَسُول اللَّه ﷺ تَحت راية الْأَنْصَار. وَشد حَنْظَلَة الغسيل بْن أبي عَامر على أبي سُفْيَان بْن حَرْب، فَلَمَّا تمكن مِنْهُ حمل شَدَّاد بْن الْأسود اللَّيْثِيّ -وَهُوَ ابْن شعوب- على حَنْظَلَة، فَقتله وَكَانَ جنبا فغسلته الْمَلَائِكَة، أخبر بذلك جِبْرِيل رَسُول اللَّه ﷺ، وَأخْبر رسولُ اللَّه بذلك أصحابَهُ، وَقَالَ: "كَانَ حَنْظَلَة قد قَامَ من امْرَأَته جنبا فغسلته الْمَلَائِكَة". وَقتل صَاحب لِوَاء الْمُشْركين، فَسقط لواؤهم، فَرَفَعته عمْرَة بنت عَلْقَمَة الحارثية للْمُشْرِكين فَاجْتمعُوا إِلَيْهِ، وحملوا على رَسُول اللَّهِ ﷺ، فَكَرَّ دونه نفر من الْأَنْصَار، قيل سَبْعَة، وَقيل عشرَة، فَقُتِلُوا كلهم، وَكَانَ آخِرهم عمار بْن يزِيد بْن السكن أَو زِيَاد بْن السكن. وَقَاتل يَوْمئِذٍ طَلْحَة قتالا شَدِيدا، وقاتلت أم٢ عمَارَة الْأَنْصَارِيَّة، وَهِي نسيبة بنت كَعْب قتالا شَدِيدا، وَضربت عَمْرو بْن قمئة بِالسَّيْفِ ضربات فوقاه دِرْعَانِ كَانَتَا عَلَيْهِ وضربها عَمْرو بِالسَّيْفِ فجرحها جرحا عَظِيما على عاتقها. وترس٣ أَبُو دُجَانَة بظهره عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والنبل يَقع فِيهِ وَهُوَ لَا يَتَحَرَّك، وَحِينَئِذٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لسعد بْن أبي وَقاص: "ارْمِ فدَاك أبي وَأمي". وَأُصِيبَتْ يَوْمئِذٍ عين قَتَادَة بْن النُّعْمَان الظفري فَأتى رسولَ اللَّه ﷺ وعينه على وجنته، فَردهَا رَسُول اللَّه ﷺ بِيَدِهِ وغمزها٤ فَكَانَت أَجْمَلَ عَيْنَيْهِ وَأَصَحَّهُمَا.

َة بْن النُّعْمَان الظفري فَأتى رسولَ اللَّه ﷺ وعينه على وجنته، فَردهَا رَسُول اللَّه ﷺ بِيَدِهِ وغمزها٤ فَكَانَت أَجْمَلَ عَيْنَيْهِ وَأَصَحَّهُمَا. وانْتهى أنس بْن النَّضر، وَهُوَ عَم أنس بْن مَالك، يَوْمئِذٍ إِلَى جمَاعَة من الصَّحَابَة قد ألقوا٥ بِأَيْدِيهِم، فَقَالَ [لَهُم] : مَا يجلسكم؟ قَالُوا: قُتِلَ رَسُول اللَّه ﷺ، فَقَالَ لَهُم: مَا تَصْنَعُونَ بِالْحَيَاةِ بعده؟! قومُوا فموتوا على مَا مَاتَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. ثمَّ اسْتقْبل

النَّاسَ، وَلَقي سعدَ بْن معَاذ فَقَالَ لَهُ: يَا سعد وَالله إِنِّي لأجد ريح الْجنَّة من قِبَلِ أحد، فقاتل حَتَّى قتل، ﵁، وُجِدَ بِهِ أَزِيد من سبعين جرحا من بَين ضَرْبَة وطعنة ورمية فَمَا عَرفته إِلَّا أُخْته ببنانه، ميزته، وجرح يَوْمئِذٍ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف نَحْو عشْرين جِرَاحَة بَعْضهَا فِي رجله، فعرج مِنْهَا ﵀ إِلَى أَن مَاتَ. وَأول من ميز رَسُول اللَّه ﷺ بعد الجولة كَعْب بْن مَالك الشَّاعِر، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوته: يَا معشر الْمُسلمين أَبْشِرُوا، هَذَا رَسُول اللَّه ﷺ. فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن أنصت١. فَلَمَّا عرفه الْمُسلمُونَ مالوا إِلَيْهِ وصاروا حوله ونهضوا مَعَه نَحْو الشّعب، فيهم أَبُو بكر وَعمر وَعلي وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر والْحَارث بْن الصمَّة الْأنْصَارِيّ وَجَمَاعَة من الْأَنْصَار. فَلَمَّا أسْند رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الشّعب أدْركهُ أُبَيُّ بن حلف الجُمَحِي، فَتَنَاول ﷺ الحربة من الْحَارِث بْن الصمَّة، ثمَّ طعنه بهَا فِي عُنُقه، فَكَرَّ أُبَيٌّ مُنْهَزِمًا، فَقَالَ لَهُ الْمُشْركُونَ: وَالله مَا لَك من بَأْس، فَقَالَ: وَالله لَو بزق٢ عَليّ لَقَتَلَنِي، أَلَيْسَ قد قَالَ: "بل أَنا أَقتلهُ". وَكَانَ قد أَوْعَدَ رسولَ اللَّه ﷺ القتلَ بِمَكَّة، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ: "بل أَنا أَقْتلك". فَمَاتَ عَدو اللَّه من ضَرْبَة رَسُول اللَّه ﷺ فِي مرجعه إِلَى مَكَّة بِموضع يُقَال لَهُ: سرف٣.

ّة، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ: "بل أَنا أَقْتلك". فَمَاتَ عَدو اللَّه من ضَرْبَة رَسُول اللَّه ﷺ فِي مرجعه إِلَى مَكَّة بِموضع يُقَال لَهُ: سرف٣. وملأ عَليّ درقته٤ من مَاء المهراس٥ وأتى بِهِ رَسُول اللَّه ليشربه، فَوجدَ فِيهِ رَائِحَة، فعافه وَغسل بِهِ من الدَّم وَجهه، ونهض إِلَى صَخْرَة من الْجَبَل ليعلوها، وَكَانَ عَلَيْهِ دِرْعَانِ وَكَانَ قد بدن٦، فَلم يقدر [أَن] يعلوها، فَجَلَسَ لَهُ طَلْحَة، وَصعد رَسُولُ اللَّهِ ﷺ على ظَهره، ثمَّ اسْتَقل بِهِ طَلْحَة حَتَّى اسْتَوَى على الصَّخْرَة. وحانت الصَّلَاة، فصلى جَالِسا والمسلمون وَرَاءه قعُودا. رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَمَعْمَرُ بْنُ كِرَاعٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: رَأَيْتُ عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ شِمَالِهِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ يَوْمَ أُحُدٍ لَمْ أرهما قبل وَلَا بعد

وَانْهَزَمَ قوم من الْمُسلمين يَوْمئِذٍ، مِنْهُم عُثْمَان بْن عَفَّان، فَعَفَا اللَّه عَنْهُم وَنزل فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُم ... ﴾ الْآيَة وَكَانَ الحسيل بْن جَابر الْعَبْسِي -وَهُوَ الْيَمَان وَالِد حُذَيْفَة بْن الْيَمَان- وثابت بْن وقش شيخين كبيرين قد جُعِلا فِي الْآطَام١ مَعَ النِّسَاء وَالصبيان، فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه: مَا بَقِي من أعمارنا٢؟! فَلَو أَخذنَا سُيُوفنَا ولحقنا برَسُول اللَّه ﷺ لَعَلَّ اللَّه يرزقنا الشَّهَادَة. وَفَعَلا ذَلِك، فدخلا فِي جملَة الْمُسلمين. فَأَما ثَابت بْن وقش فَقتله الْمُشْركُونَ، وَأما الحسيل فَظَنهُ الْمُسلمُونَ من الْمُشْركين فَقَتَلُوهُ خطأ، وَقيل إِن الَّذِي قَتله عتبَة بْن مَسْعُود. وَكَانَ حُذَيْفَة يَصِيح والمسلمون قد علوا أَبَاهُ: أَبِي أَبِي! ثمَّ تصدق بديته على الْمُسلمين. وَكَانَ مخيريق أحد بني ثَعْلَبَة بْن الفطيون من الْيَهُود قد دَعَا الْيَهُود إِلَى نصر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ لَهُم: وَالله إِنَّكُم لتعلمون أَن نصر مُحَمَّد عَلَيْكُم حق، فَقَالُوا لَهُ: إِن الْيَوْم السبت، فَقَالَ: لَا سبت لكم. وَأخذ سلاحه، وَلحق برَسُول اللَّه ﷺ، فقاتل مَعَه حَتَّى قتل، وَأوصى أَن مَاله لرَسُول اللَّه ﷺ. فَيُقَال إِنَّ بعض صدقَات رَسُول اللَّه ﷺ بِالْمَدِينَةِ من مَال مخيريق.

برَسُول اللَّه ﷺ، فقاتل مَعَه حَتَّى قتل، وَأوصى أَن مَاله لرَسُول اللَّه ﷺ. فَيُقَال إِنَّ بعض صدقَات رَسُول اللَّه ﷺ بِالْمَدِينَةِ من مَال مخيريق. وَكَانَ الْحَارِث بْن سُوَيْد بْن الصَّامِت منافقا لم ينْصَرف مَعَ عَبْد اللَّهِ بْن أبي فِي حِين انْصِرَافه عَن رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي جماعته عَن غزَاة أحد، ونهض مَعَ الْمُسلمين، فَلَمَّا التقى الْمُسلمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ بِأحد عدا عَليّ المجذر بْن ذياد البلوي وعَلى قيس بْن زيد أحد بني ضبيعة، فَقَتَلَهُمَا وفر إِلَى الْكفَّار -وَكَانَ المجذر قد قتل فِي الْجَاهِلِيَّة سُوَيْد بْن الصَّامِت وَالِد الْحَارِث الْمَذْكُور فِي بعض حروب الْأَوْس والخزرج- ثمَّ لحق الْحَارِث بْن سُوَيْد مَعَ الْكفَّار بِمَكَّة، فَأَقَامَ هُنَاكَ مَا شَاءَ اللَّه، ثمَّ حِينه٣ اللَّه فَانْصَرف إِلَى الْمَدِينَة إِلَى قومه. وأتى رسولَ اللَّهِ ﷺ الْخَبَر من السَّمَاء، نزل جِبْرِيل ﵇، فَأخْبرهُ أَن الْحَارِث بْن سُوَيْد قد قدم فانهض إِلَيْهِ، واقتص مِنْهُ لمن قَتله من الْمُسلمين غدرا يَوْم أحد. فَنَهَضَ رَسُول الله

نزل جِبْرِيل ﵇، فَأخْبرهُ أَن الْحَارِث بْن سُوَيْد قد قدم فانهض إِلَيْهِ، واقتص مِنْهُ لمن قَتله من الْمُسلمين غدرا يَوْم أحد. فَنَهَضَ رَسُول الله

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قبَاء فِي وَقت لم يكن يَأْتِيهم فِيهِ، فَخرج إِلَيْهِ الْأَنْصَار أهل قبَاء فِي جَمَاعَتهمْ وَفِي جُمْلَتهمْ الْحَارِث بْن سُوَيْد وَعَلِيهِ ثوب مورس١ فَأمر رَسُول اللَّه ﷺ عويم بْن سَاعِدَة، فَضرب عُنُقه وَقَالَ الْحَارِث: لِمَ يَا رَسُول اللَّه؟ فَقَالَ: "بقتلك المجذر بن ذياد وَقيس بْن زيد". فَمَا رَاجعه بِكَلِمَة وَقدمه عُوَيْمِر، فَضرب عُنُقه. ثمَّ رَجَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلم ينزل عِنْدهم. وَكَانَ عَمْرو بْن ثَابت بْن وقش من بني عَبْد الْأَشْهَل يعرف بالأصيرم يَأْبَى الْإِسْلَام. فَلَمَّا كَانَ يَوْم أحد قذف اللَّه الْإِسْلَام فِي قلبه للَّذي أَرَادَ من السَّعَادَة بِهِ. فَأسلم وَأخذ سَيْفه وَلحق بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَقَاتل حَتَّى أثبت٢ بالجراح وَلم يعلم أحد بأَمْره. وَلما انجلت الْحَرْب طَاف بَنو عَبْد الْأَشْهَل فِي الْقَتْلَى يتلمسون قتلاهم، فوجدوا الأصيرم وَبِه رَمق لطيف، فَقَالُوا: وَالله إِن هَذَا الأصيرم مَا جَاءَ بِهِ؟ لقد تَرَكْنَاهُ وَإنَّهُ لمنكر لهَذَا الْأَمر. ثمَّ سَأَلُوهُ: يَا عَمْرو مَا الَّذِي جَاءَ بك إِلَى هَذَا المشهد؟ أحدب على قَوْمك أم رَغْبَة فِي الْإِسْلَام؟ فَقَالَ: بل رَغْبَة فِي الْإِسْلَام، آمَنت بِاللَّه وَرَسُوله، ثمَّ قَاتَلت مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ [حَتَّى٣ أصابني مَا ترَوْنَ. فَمَاتَ من وقته، فذكروه لرَسُول اللَّه ﷺ] فَقَالَ: "هُوَ من أهل الْجنَّة". وَلم يصل صَلَاة قطّ.

لت مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ [حَتَّى٣ أصابني مَا ترَوْنَ. فَمَاتَ من وقته، فذكروه لرَسُول اللَّه ﷺ] فَقَالَ: "هُوَ من أهل الْجنَّة". وَلم يصل صَلَاة قطّ. وَكَانَ فِي بني ظفر رجل لَا يدرى مِمَّن هُوَ يُقَال لَهُ قزمان٤ أبلى يَوْم أحد بلَاء شَدِيدا، وَقَتَلَ يَوْمئِذٍ سَبْعَة من وُجُوه الْمُشْركين، وَأثبت جراحا، فَأُخْبِرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بأَمْره، فَقَالَ: "هُوَ من أهل النَّار". وَقيل لقزمان: أبشر بِالْجنَّةِ، فَقَالَ: بِمَاذَا؟ وَمَا قَاتَلت إِلَّا عَن أَحْسَاب قومِي. ثمَّ لما اشْتَدَّ عَلَيْهِ ألم الْجراح أخرج سَهْما من كِنَانَته، فَقطع بِهِ بعض عروقه، فَجرى دَمه حَتَّى مَاتَ، وَمثل بقتلى الْمُسلمين. وَأخذ النَّاس ينقلون قتلاهم بعد انصراف قُرَيْش، فَأمر رَسُول اللَّه ﷺ أَن يدفنوا فِي مضاجعهم بدمائهم وثيابهم لَا يغسلون.

ذكر من اسْتشْهد١ من الْمُهَاجِرين يَوْم أحد حَمْزَة بْن عَبْد الْمطلب عَم رَسُول اللَّه ﷺ وَرَضي [اللَّه] عَن حَمْزَة، قَتله وَحشِي بْن حَرْب مولى طعيمة بْن عدي بْن نَوْفَل، وَقيل: مولى جُبَير بْن مطعم بْن عدي، وَأعْتقهُ مَوْلَاهُ لقَتله حَمْزَة. وَكَانَ وَحشِي حَبَشِيًّا يَرْمِي بالحربة رمي الْحَبَشَة ثمَّ أسلم، وَقَتَلَ بِتِلْكَ الحربة مُسَيْلمَة الْكذَّاب يَوْم الْيَمَامَة. وَعبد اللَّه بْن جحش بْن رِئَاب الْأَسدي حَلِيف بني عَبْد شمس وَهُوَ ابْن عمَّة رَسُول اللَّه ﷺ دفن مَعَ حَمْزَة فِي قبر وَاحِد. وَقد ذكرنَا خَبره عِنْد ذكره فِي [كتاب] الصَّحَابَة٢. وَيعرف بالمجدع فِي اللَّه لِأَنَّهُ تمنى ذَلِك قبل الدُّخُول فِي الْقِتَال يَوْم أحد فَقتل وجدع أَنفه وَأذنه وَجعلا فِي خيط. وَمصْعَب بْن عُمَيْر٣ قَتله ابْن قمئة اللَّيْثِيّ. وشماس٤ بْن عُثْمَان واسْمه عُثْمَان بْن عُثْمَان٥. وشماس لقب أَرْبَعَة من الْمُهَاجِرين. تَسْمِيَة من اسْتشْهد ٦ من الْأَنْصَار يَوْم أحد اسْتشْهد يَوْمئِذٍ من الْأَوْس ثمَّ من بني عَبْد الْأَشْهَل: عَمْرو بْن معَاذ أَخُو سعد بْن معَاذ، والْحَارث بْن أَوْس بْن معَاذ ابْن أخي سعد بْن معَاذ، والْحَارث بْن أنس بْن رَافع، وَعمارَة بْن زِيَاد بْن السكن٧. وَسَلَمَة وَعَمْرو ابْنا ثَابت بْن وقش، وأبوهما ثَابت بن

معَاذ ابْن أخي سعد بْن معَاذ، والْحَارث بْن أنس بْن رَافع، وَعمارَة بْن زِيَاد بْن السكن٧. وَسَلَمَة وَعَمْرو ابْنا ثَابت بْن وقش، وأبوهما ثَابت بن

وقش، وَأَخُوهُ رِفَاعَة بْن وقش، وَصَيْفِي بْن قيظي، وخباب١ بْن قيظي، وَعباد بْن سهل، واليمان بْن جَابر وَالِد حُذَيْفَة بْن الْيَمَان واسْمه حسيل حَلِيف لَهُم من عبس، وَعبيد بْن التيهَان، وحبِيب٢ بْن زيد، وَإيَاس بْن أَوْس بْن عتِيك بْن عَمْرو بْن عَبْد الأعلم بْن زعوراء بْن جشم بْن عَبْد الْأَشْهَل. وَمن بني ظفر: زيد٣ بْن حَاطِب بْن أُميَّة بْن رَافع. وَمن بني عَمْرو بْن عَوْف ثمَّ من بني ضبيعة بْن زيد: أَبُو سُفْيَان بْن الْحَارِث بْن قيس بْن يزِيد٤، وحَنْظَلَة٥ والغسيل بْن أبي عَامر الراهب بْن صَيْفِي بْن النُّعْمَان. وَمن بني عبيد بْن زيد: أنيس بْن قَتَادَة. وَمن بني ثَعْلَبَة [بْن] عَمْرو بْن عَوْف: أَبُو حَبَّة٦ بْن عَمْرو بْن ثَابت وَهُوَ أَخُو سعد بْن خَيْثَمَة لأمه، وَعبد اللَّه بْن جُبَير بْن النُّعْمَان أَمِير الرُّمَاة. وَمن بني السّلم بن امريء الْقَيْس بْن مَالك بْن الْأَوْس: خَيْثَمَة وَالِد سعد بْن خَيْثَمَة. وَمن حلفائهم من بني العجلان: عَبْد اللَّهِ بْن سَلمَة. وَمن بني مُعَاوِيَة بْن مَالك: سبيع٧ بْن حَاطِب بْن الْحَارِث، وَمَالك بن أَوْس٨ حَلِيف لَهُم.

َمن حلفائهم من بني العجلان: عَبْد اللَّهِ بْن سَلمَة. وَمن بني مُعَاوِيَة بْن مَالك: سبيع٧ بْن حَاطِب بْن الْحَارِث، وَمَالك بن أَوْس٨ حَلِيف لَهُم.

وَمن بني خطمة وَاسم خطمة عَبْد اللَّهِ بْن جشم بْن مَالك بْن الْأَوْس: عُمَيْر١ بْن عدي وَلم يكن يَوْمئِذٍ فِي بني خطمة مُسلم غَيره فِي قَول بَعضهم. وَقد قيل إِن الْحَارِث بْن عدي بْن خَرشَة بْن أُميَّة بْن عَامر بْن خطمة مِمَّن اسْتشْهد يَوْمئِذٍ. وَاسْتشْهدَ يَوْم أحد من الْخَزْرَج ثمَّ من بني النجار: عَمْرو بْن قيس بْن زيد بْن سَواد، وَابْنه قيس بْن عَمْرو، وثابت بْن عَمْرو بْن زيد، وعامر بن مخلد، وَأَبوهُ هُبَيْرَة بْن الْحَارِث بْن عَلْقَمَة، وَعَمْرو بْن مطرف، وَإيَاس بْن عدي، وَأَوْس٢ بْن ثَابت أَخُو حسان بْن ثَابت وَهُوَ وَالِد شَدَّاد بْن أَوْس، وَأنس بْن النَّضر بْن ضَمْضَم عَم أنس بْن مَالك، وَقيس بْن مخلد من بني مَازِن بْن النجار، وكيسان عَبْد لَهُم. وَمن بني الْحَارِث٣ بْن الْخَزْرَج: خَارِجَة بْن زيد أبي زُهَيْر، وَسعد بْن الرّبيع بْن عَمْرو بْن أبي زُهَيْر ودفنا فِي قبر وَاحِد، وَأَوْس بْن الأرقم بْن زيد بْن قيس أَخُو زيد بْن أَرقم. وَمن بني الأبجر وهم بَنو خدرة: مَالك بْن سِنَان وَالِد أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَسَعِيد٤ بْن سُوَيْد بْن قيس بْن عَامر، وَعتبَة بْن ربيع٥ بْن رَافع. وَمن بني سَاعِدَة بْن كَعْب بْن الْخَزْرَج: ثَعْلَبَة بْن سعد بْن مَالك، وثقف٦ بْن فَرْوَة بْن الْبدن، وَعبد اللَّه بْن عَمْرو بْن وهب بْن ثَعْلَبَة، وضمرة حَلِيف لَهُم من جُهَيْنَة. وَمن بني عَوْف بْن الْخَزْرَج ثمَّ من بني سَالم: عَمْرو٧ بْن إِيَاس، وَنَوْفَل٨ بْن عَبْد اللَّهِ، وَعبادَة بْن الخشخاش، وَالْعَبَّاس بْن عبَادَة بْن نَضْلَة، والنعمان بن مَالك بن

مَّ من بني سَالم: عَمْرو٧ بْن إِيَاس، وَنَوْفَل٨ بْن عَبْد اللَّهِ، وَعبادَة بْن الخشخاش، وَالْعَبَّاس بْن عبَادَة بْن نَضْلَة، والنعمان بن مَالك بن

ثَعْلَبَة، والمجذر بْن ذياد البلوي حَلِيف لَهُم. وَدفن النُّعْمَان والمجذر وَعبادَة فِي قبر وَاحِد. وَمن بني سَواد بْن مَالك: مَالك١ بْن إِيَاس. وَمن بني سَلمَة: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ حرَام اصطبح الْخمر ذَلِك الْيَوْم ثمَّ قتل آخر النَّهَار شَهِيدا ثمَّ نزل تَحْرِيم الْخمر بَعْدُ، وَعَمْرو بْن الجموح بْن زيد بْن حرَام دفنا فِي قبر وَاحِد كَانَ صهرين وصديقين متآخيين، وَابْنه خَلاد بْن عَمْرو بْن الجموح، وَأَبُو أسيرة٢ مولى عَمْرو بْن الجموح. وَمن بني سَواد بْن غنم: سليم بْن عَمْرو بْن حَدِيدَة، ومولاه عنترة٣، وَسَهل٤ بْن قيس بْن أبي كَعْب. وَمن بني زُرَيْق بْن عَامر: ذكْوَان بْن عَبْد قيس، وَعبيد بْن الْمُعَلَّى بْن لوذان. وجميعهم سَبْعُونَ٥ رجلا، وَاخْتلف فِي صَلَاة رَسُول اللَّه ﷺ على شُهَدَاء أحد وَلم يُخْتَلَفْ عَنهُ فِي أَنه أَمر أَن يدفنوا بثيابهم وَدِمَائِهِمْ وَلم يغسلوا. [تَسْمِيَة من قتل من كفار قُرَيْش يَوْم أحد] وَقتل من كفار قُرَيْش يَوْم أحد اثْنَان وَعِشْرُونَ رجلا، مِنْهُم من بني عَبْد الدَّار أحد عشر رجلا: طَلْحَة، وَأَبُو سعيد، وَعُثْمَان بَنو أبي طَلْحَة، وَاسم أبي طَلْحَة عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد الْعُزَّى بْن عُثْمَان بْن عَبْد الدَّار. قَتَلَ طَلْحَةَ بْن أبي طَلْحَة عليٌّ، وَقتل أَبَا سعيد بْن أبي طَلْحَة سعدُ بْن أبي وَقاص وَقَالَ ابْن هِشَام: بل قَتله عَليّ، وَعُثْمَان بْن أبي طَلْحَة قَتله حَمْزَة. ومسافع والْحَارث والجلاس وكلاب بَنو طَلْحَة الْمَذْكُور. قَتَلَ مسافعا والجلاس عَاصِم بْن ثَابت بْن أبي الأقلح، وَقتل كلابا والْحَارث قزمان وَقيل: بل قتل كلابا

عبد الرَّحْمَن بْن عَوْف. وأرطاة بْن [عَبْد١] شُرَحْبِيل بْن هَاشم بْن عَبْد منَاف بْن عَبْد الدَّار قَتله حَمْزَة، وَأَبُو يزِيد٢ بْن عُمَيْر بْن هَاشم بْن عَبْد منَاف بْن عَبْد الدَّار أَخُو مُصعب بْن عُمَيْر قزمان، والقاسط بْن شُرَيْح بْن هَاشم بْن عَبْد منَاف بْن عَبْد الدَّار قَتله قزمان، وصؤاب أبي طَلْحَة. وَاخْتلف فِي قَاتل صؤاب، فَقيل قزمان، وَقيل عَليّ، وَقيل سعد، وَقيل أَبُو دُجَانَة. وَمن بني أَسد بْن عَبْد الْعُزَّى رجلَانِ: عبد الله حميد بْن زُهَيْر بْن الْحَارِث بْن أَسد قَتله عَليّ، وسباع٣ بْن عَبْد الْعُزَّى الْخُزَاعِيّ حَلِيف بني أَسد. وَمن بني مَخْزُوم أَرْبَعَة: هِشَام٤ بْن أبي أُميَّة بْن الْمُغيرَة أَخُو أم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ، والوليد بْن الْعَاصِ بْن هِشَام بْن الْمُغيرَة، وَأُميَّة٥ بْن أبي حُذَيْفَة بْن الْمُغيرَة، وخَالِد٦ بْن الأعلم حَلِيف لَهُم. وَمن بني زهرَة: أَبُو الحكم بْن الْأَخْنَس بْن شريق حَلِيف لَهُم قَتله عَليّ. وَمن بني جمح رجلَانِ: أُبَيُّ بْن خلف قَتله رَسُول اللَّه ﷺ، وَأَبُو عزة واسْمه عَمْرو بْن عَبْد اللَّهِ بْن عُمَيْر بْن وهب بْن حذافة بْن جمح أَمر رَسُول اللَّه ﷺ بِضَرْب عُنُقه صبرا، وَذَلِكَ أَنه مَنَّ عَلَيْهِ يَوْم بدر وَأطْلقهُ من الْأسر بِلَا فدَاء، وَأخذ عَلَيْهِ أَن لَا يعين عَلَيْهِ فنقض الْعَهْد وغزاه مَعَ الْمُشْركين يَوْم أحد، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ: " [وَالله] ٧ لَا تمسح عَارِضَيْك بِمَكَّة تَقُولُ: خدعت مُحَمَّدًا مرَّتَيْنِ" وَأمر بِهِ فَضربت عُنُقه. وَمن بني عَامر بْن لؤَي رجلَانِ: عُبَيْدَة بْن جَابر قَتله ابْن مَسْعُود. وَشَيْبَة بْن مَالك.

خدعت مُحَمَّدًا مرَّتَيْنِ" وَأمر بِهِ فَضربت عُنُقه. وَمن بني عَامر بْن لؤَي رجلَانِ: عُبَيْدَة بْن جَابر قَتله ابْن مَسْعُود. وَشَيْبَة بْن مَالك.

غَزْوَة ١ حَمْرَاء الْأسد وَكَانَت وقْعَة أحد يَوْم السبت لِلنِّصْفِ٢ من شَوَّال من السّنة الثَّالِثَة من الْهِجْرَة. فَلَمَّا كَانَ من الْغَد يَوْم الْأَحَد أَمر رَسُول اللَّه ﷺ بِالْخرُوجِ فِي إِثْر الْعَدو، وعهد أَن لَا يخرج مَعَه إِلَّا من حضر المعركة، فاستأذنه جَابر بْن عَبْد اللَّهِ فِي أَن يفسح لَهُ فِي الْخُرُوج مَعَه، فَفعل وَكَانَ أَبوهُ عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرو بْن حرَام مِمَّن اسْتشْهد يَوْم أحد فِي المعركة. فَخرج الْمُسلمُونَ على مَا بهم من الْجهد والقرح٣، وَخرج رَسُول اللَّه ﷺ مُرْهِبًا٤ لِلْعَدو، حَتَّى بلغ موضعا يدعى حَمْرَاء الْأسد على رَأس ثَمَانِيَة٥ أَمْيَال من الْمَدِينَة فَأَقَامَ بِهِ يَوْم الْإِثْنَيْنِ٦، وَالثُّلَاثَاء، وَالْأَرْبِعَاء، ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة. قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَإِنَّمَا خرج بهم رَسُول اللَّهِ ﷺ مُرْهِبًا لِلْعَدو وليظنوا أَن بهم قُوَّة وَأَن الَّذِي أَصَابَهُم لم يُوهِنهُمْ عَن عدوهم٧. وَكَانَ معبد بْن أبي معبد الْخُزَاعِيّ قد رأى خُرُوج رَسُول اللَّه ﷺ وَالْمُسْلِمين إِلَى حَمْرَاء الْأسد، وَلَقي أَبَا سُفْيَان وكفارَ قُرَيْش بِالرَّوْحَاءِ، فَأخْبرهُم بِخُرُوج رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طَلَبهمْ، ففت ذَلِك فِي أعضاد قُرَيْش، وَقد كَانُوا أَرَادوا الرُّجُوع إِلَى الْمَدِينَة، فكسرهم خُرُوجه ﷺ، فتمادوا إِلَى مَكَّة. وظفر رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي خُرُوجه بِمُعَاوِيَة بْن الْمُغيرَة بْن الْعَاصِ بْن أُميَّة، فَأمر بِضَرْب عُنُقه صبرا، وَهُوَ وَالِد عَائِشَة أم عَبْد الْملك بْن مَرْوَان.

ﷺ فِي خُرُوجه بِمُعَاوِيَة بْن الْمُغيرَة بْن الْعَاصِ بْن أُميَّة، فَأمر بِضَرْب عُنُقه صبرا، وَهُوَ وَالِد عَائِشَة أم عَبْد الْملك بْن مَرْوَان.

بعث ١ الرجيع وَقدم على رَسُول اللَّه ﷺ فِي شهر صفر وَهُوَ آخر٢ السّنة الثَّالِثَة من الْهِجْرَة نفر من عضل والقارة وهم بَنو الْهون بْن خُزَيْمَة بْن مدركة، فَذكرُوا لَهُ أَنهم قد أَسْلمُوا وَرَغبُوا أَن يبْعَث مَعَهم نَفرا من الْمُسلمين يعلمونهم الْقُرْآن ويفقهونهم فِي الدَّين. فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهم سِتَّة٣ رجال: مرْثَد بْن أبي مرْثَد الغنوي، وخَالِد بْن البكير اللَّيْثِيّ، وَعَاصِم بن ثَابت بن أبي الْأَفْلَح، وخبيب بْن عدي وهما من بني عَمْرو بْن عَوْف، وَزيد بْن الدثنة، وَعبد اللَّه بْن طَارق حَلِيف بني ظفر، وَأَمَّرَ عَلَيْهِم مرْثَد٤ بْن أبي مرْثَد. فنهضوا مَعَ الْقَوْم حَتَّى إِذا صَارُوا بالرجيع وَهُوَ مَاء لهذيل بِنَاحِيَة٥ الْحجاز استصرخوا عَلَيْهِم هذيلا، وغدروا بهم. فَلم يَرُعِ الْقَوْم وهم فِي رحالهم إِلَّا الرِّجَال قد غشوهم وبأيديهم السيوف. فَأخذ الْمُسلمُونَ سيوفهم ليقاتلوهم، فأمنوهم، وأخبروهم أَنهم لَا أرب لَهُم فِي قَتلهمْ وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ٦ أَن يُصِيبُوا بهم فدَاء من أهل مَكَّة. فَأَما مرْثَد بْن أبي مرْثَد وَعَاصِم بْن ثَابت وخَالِد بْن البكير فَأَبَوا أَن يقبلُوا مِنْهُم قَوْلهم ذَلِك، وَقَالُوا: وَالله لَا قبلنَا لِمُشْرِكٍ عهدا أبدا، وقاتلوا حَتَّى قتلوا، رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِم. وَكَانَ عَاصِم بْن ثَابت قد قتل يَوْم أحد فتيين٧ من بني عَبْد الدَّار أَخَوَيْنِ أمهما سلافة بنت

سعد بْن شَهِيد، فنذرت إِنِ اللَّه أمكنها من رَأس عَاصِم لتشربن فِي قحفه١ الْخمر. فرامت بَنو هُذَيْل أَخذ رَأسه ليبيعوه من سلافة، فَأرْسل اللَّه ﷿ دونه الدَّبْرَ٢ فَحَمَتْهُ، فَقَالُوا إِن الدَّبْرَ سيذهب فِي اللَّيْل، فَإِذا جَاءَ اللَّيْل أخذناه. فَلَمَّا جَاءَ اللَّيْل أرسل اللَّه ﷿ سيلا لم ير مثله، فَحَمله، وَلم يصلوا إِلَى جثته وَلَا إِلَى رَأسه. وَكَانَ قد نذر أَن يمس مُشْركًا أبدا. فأبر اللَّه ﷿ قسمه، وَلم يروه، وَلَا وصلوا إِلَى شَيْء مِنْهُ، وَلَا عرفُوا لَهُ مسْقطًا. وَأما زيد بْن الدثنة وخبيب بْن عدي وَعبد اللَّه بْن طَارق فأعطوا بِأَيْدِيهِم٣، فأسروهم وَخَرجُوا بهم إِلَى مَكَّة. فَلَمَّا صَارُوا بمر٤ الظهْرَان انتزع عَبْد اللَّهِ بْن طَارق يَده من الْقرَان٥، ثمَّ أَخذ سَيْفه، واستأخر عَنهُ الْقَوْم، ورموه بِالْحِجَارَةِ حَتَّى قَتَلُوهُ، فقبره بمر الظهْرَان. وحملوا خبيب بْن عدي وَزيد بْن الدثنة فباعوهما بِمَكَّة. وَقد ذكرنَا خبر خبيب وَمَا لَقِي بِمَكَّة عِنْد ذكر اسْمه فِي كتاب الصَّحَابَة٦، وصلب خبيب ﵀ بِالتَّنْعِيمِ٧، وَهُوَ الْقَائِل حِين قدم ليصلب: وَلست أُبَالِي حِين أقتل مُسلما ... على أَي جنب كَانَ فِي اللَّه مصرعي٨ وَذَلِكَ فِي ذَات الْإِلَه وَإِن يَشَأْ ... يُبَارك على أوصال شلو ممزع٩ فِي أَبْيَات قد ذكرتها عِنْد ذكره فِي كتاب الصَّحَابَة. وَهُوَ أول من سنّ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْد الْقَتْل. وَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَان١٠ بْن حَرْب: أَيَسُرُّكَ يَا خبيب أَن مُحَمَّدًا عندنَا بِمَكَّة

ابَة. وَهُوَ أول من سنّ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْد الْقَتْل. وَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَان١٠ بْن حَرْب: أَيَسُرُّكَ يَا خبيب أَن مُحَمَّدًا عندنَا بِمَكَّة

تضرب عُنُقه وَأَنَّك سَالم فِي أهلك؟ فَقَالَ: وَالله مَا يسرني أَنِّي سَالم فِي أَهلِي وَأَن يُصِيب مُحَمَّدًا شَوْكَة تؤذيه. وابتاع زيد بْن الدثنة صَفْوَان بْن أُميَّة، فَقتله بِأَبِيهِ١. بَعْثُ ٢ بِئْر مَعُونَة أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ﵀ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بن إِسْمَاعِيل، قَالَ: حَدثنَا إِسْمَاعِيل عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بُجَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُنَيْدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ بن أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ شَبَابٌ مِنَ الْأَنْصَار يسمعُونَ الْقُرْآن نَاحِيَةً مِنَ الْمَدِينَةِ يَحْسَبُ أَهْلُوهُمْ أَنَّهُمْ فِي الْمَسْجِدِ وَيَحْسَبُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ أَنَّهُمْ فِي أَهْلِيهِمْ، فَيُصَلُّونَ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى إِذَا قَارَبَ الصُّبْحُ احْتَطَبُوا الْحَطَبَ وَاسْتَعْذَبُوا الْمَاءَ فَوَضَعُوهُ عَلَى أَبْوَابِ حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ: فَبَعَثَهُمْ جَمِيعًا إِلَى بِئْرِ مَعُونَةَ، فَاسْتُشْهِدُوا. فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ على قَتلتهمْ أَيَّامًا. قَالَ سُنَيْدٌ: وَحَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَن ابْن جريح، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ:

َعُونَةَ، فَاسْتُشْهِدُوا. فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ على قَتلتهمْ أَيَّامًا. قَالَ سُنَيْدٌ: وَحَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَن ابْن جريح، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو الأَنْصَارِيَّ أَحَدَ بَنِي النَّجَّارِ -وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ- فِي ثَلاثِينَ٣ رَاكِبًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَخَرَجُوا فَلَقَوْا عَامِرَ٤ بْنَ الطُّفَيْلِ بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلابٍ عَلَى بِئْرِ مَعُونَةَ وَهِيَ مِنْ مِيَاهِ٥ بَنِي عَامِرٍ، فَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو وَأَصْحَابُهُ إِلا ثَلاثَةَ من نَفَرٍ كَانُوا فِي طَلَبِ ضَالَّةٍ لَهُمْ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ إِلا الطَّيْرُ تَحُومُ فِي السَّمَاءِ يَسْقُطُ مِنْ خَرَاطِيمِهَا عَلَقُ٦ الدَّمِ، فَقَالَ أَحَدُ النَّفَرِ: قُتِلَ أَصْحَابُنَا، وَالرَّحْمَنِ. وَذَكَرَ سُنَيْدٌ تَمَامَ الْخَبَرِ فِي ذَلِكَ وَفِي بَنِي النَّضِيرِ٧، وَسِيَاق ابْنِ إِسْحَاق لخبرهم

أحسن وَأبين، قَالَ ابْن إِسْحَاق:

لرَّحْمَنِ. وَذَكَرَ سُنَيْدٌ تَمَامَ الْخَبَرِ فِي ذَلِكَ وَفِي بَنِي النَّضِيرِ٧، وَسِيَاق ابْنِ إِسْحَاق لخبرهم

أحسن وَأبين، قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَأقَام رَسُول اللَّه ﷺ بِالْمَدِينَةِ بَقِيَّة شَوَّال وَذَا الْقعدَة وَذَا الْحجَّة وَالْمحرم، ثمَّ بعث أَصْحَاب بِئْر مَعُونَة فِي صفر فِي آخر تَمام السّنة الثَّالِثَة من الْهِجْرَة، على رَأس أَرْبَعَة أشهر من أحد. وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَن أَبَا برَاء١ الْكلابِي من بني كلاب بْن ربيعَة بْن عَامر بْن صعصعة وَيعرف بملاعب الأسنة واسْمه عَامر بْن مَالك بْن جَعْفَر بْن كلاب وَفد على رَسُول اللَّهِ ﷺ، فَدَعَاهُ رَسُول اللَّه ﷺ إِلَى الْإِسْلَام، فَلم يسلم وَلم يبعد، وَقَالَ: يَا مُحَمَّد لَو بعثت رجَالًا من أَصْحَابك إِلَى أهل نجد فدعوهم إِلَى أَمرك لرجوت أَن يَسْتَجِيبُوا لَك. فَقَالَ ﵇: "إِنِّي أخْشَى عَلَيْهِم أهل نجد"، فَقَالَ أَبُو برَاء: أَنا لَهُم جَار. فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو السَّاعِدِيّ -وَهُوَ الَّذِي يعرف بالمعنق٢ ليَمُوت، لَقَبٌ غَلَبَ عَلَيْهِ، وَالْأَكْثَر يَقُولُونَ: أعنق ليَمُوت- فِي أَرْبَعِينَ رجلا من الْمُسلمين، وَقد قيل فِي سبعين رجلا من خِيَار الْمُسلمين، مِنْهُم الْحَارِث بْن الصمَّة، وَحرَام بْن ملْحَان -أَخُو أم سليم٣ وَأم حرَام٤- وَعُرْوَة بْن أَسمَاء بْن الصَّلْت السّلمِيّ، وَنَافِع بْن بديل بْن وَرْقَاء الْخُزَاعِيّ، وعامر بْن فهَيْرَة مولى أبي بكر الصّديق. وَأَمَّرَ على جَمِيعهم المنذرَ بْنَ عَمْرو.

الصَّلْت السّلمِيّ، وَنَافِع بْن بديل بْن وَرْقَاء الْخُزَاعِيّ، وعامر بْن فهَيْرَة مولى أبي بكر الصّديق. وَأَمَّرَ على جَمِيعهم المنذرَ بْنَ عَمْرو. فنهضوا حَتَّى نزلُوا بِئْر مَعُونَة بَين أَرض بني عَامر وحرة بني سليم وَهِي إِلَى حرَّة بني سليم أقرب ثمَّ بعثوا مِنْهَا حرَام بْن ملْحَان بِكِتَاب رَسُول اللَّه إِلَى عَدو اللَّه عَامر بْن الطُّفَيْل. فَلَمَّا أَتَاهُ لم ينظر فِي كِتَابه، حَتَّى عدا عَلَيْهِ فَقتله. ثمَّ استصرخ عَلَيْهِم بني عَامر، فَأَبَوا أَن يُجِيبُوهُ، وَقَالُوا: لن نخفر أَبَا برَاء وَقد عقد لَهُم عقدا وجوارا. فاستصرخ قبائل من بني سليم: عصية وَرِعْلًا وذكوان، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِك. فَخَرجُوا حَتَّى غشوا الْقَوْم فأحاطوا بهم فِي رحالهم. فَلَمَّا رَأَوْهُمْ أخذُوا سيوفهم ثمَّ قَاتلُوا، حَتَّى قتلوا، عَن آخِرهم٥ إِلَّا كَعْبَ بن زيد أَخا بني النجار، فَإِنَّهُم تَرَكُوهُ وَبِه رَمق. وَارْتثَّ٦

من بَين الْقَتْلَى وعاش حَتَّى قتل يَوْم الخَنْدَق شَهِيدا ﵀. وَكَانَ فِي سرح١ الْقَوْم عَمْرو بْن أُميَّة الضمرِي وَرجل من الْأَنْصَار من بني عَمْرو بْن عَوْف وَهُوَ الْمُنْذر بْن مُحَمَّد بْن عقبَة بْن أحيحة بن الجلاح، فَنظر الطير تحوم٢ على الْعَسْكَر، فَقَالَا: وَالله إِن لهَذِهِ الطير لشأنا، فَأَقْبَلَا لينظرا فَإِذا الْقَوْم فِي دِمَائِهِمْ، وَإِذا الْخَيل الَّتِي أَصَابَتْهُم واقفة. فَقَالَ: أرى أَن نلحق برَسُول اللَّهِ ﷺ فنخبره الْخَبَر. فَقَالَ الْأنْصَارِيّ: مَا كنتُ لأرغب عَن موطن قتل فِي الْمُنْذر بْن عَمْرو ثمَّ قَاتل حَتَّى قتل، وَأخذُوا عَمْرو بْن أُميَّة أَسِيرًا. فَلَمَّا أخْبرهُم أَنه من مُضر أطلقهُ عَامر بْن الطُّفَيْل وجز ناصيته، وَأعْتقهُ عَن رَقَبَة زعم أَنَّهَا كَانَت على أمه. وَخرج٣ عَمْرو بْن أُميَّة حَتَّى إِذا كَانَ بِالْقَرْقَرَةِ٤ من صدر قناة٥ أقبل رجلَانِ من بني عَامر -وَقيل من بني سليم- حَتَّى نزلا مَعَه فِي ظلّ هُوَ فِيهِ، وَكَانَ مَعَهُمَا عقد من رَسُول اللَّه ﷺ وَلم يعلم بِهِ عَمْرو بْن أُميَّة. وَكَانَ قد سَأَلَهُمَا حِين نزلا: مِمَّن أَنْتُمَا؟ قَالَا: من بني عَامر. فأمهلهما، حَتَّى إِذا نَامَا عدا عَلَيْهِمَا، فَقَتَلَهُمَا، وَهُوَ يرى أَنه قد أصَاب مِنْهُمَا ثَأْره من بني عَامر فِيمَا أَصَابُوا من أَصْحَاب رَسُول اللَّه ﷺ. فَلَمَّا قدم عَمْرو بْن أُميَّة على رَسُول اللَّه ﷺ وَأخْبرهُ الْخَبَر قَالَ: "لَقَدْ قَتَلْتَ قَتِيلَيْنِ كَانَ لَهُمَا مِنِّي جِوَارٌ، لأَدِيَنَّهُمَا" ٦ هَذَا عَمَلُ أَبِي بَرَاءٍ، قَدْ كُنْتُ لِهَذَا كَارِهًا مُتَخَوِّفًا. فَبلغ أَبَا برَاء مَا صنع عَامر بْن الطُّفَيْل فشق عَلَيْهِ إخفاره إِيَّاه. وَقَالَ حسان بْن ثَابت يحرض أَبَا برَاء على بْن الطُّفَيْل: بني أم الْبَنِينَ ألم يرعكم ... وَأَنْتُم من ذوائب أهل نجد٧ تَهَكُّمُ عَامر بِأبي برَاء ... ليخفره وَمَا خطأ كعمد أَلا أبلغ ربيعَة ذَا المساعي ... فَمَا أَحْدَثْتَ فِي الْحدثَان بعدِي٨ أَبوك أَبُو الحروب أَبُو برَاء ... وخالك ماجد حكم بْن سعد٩

خفره وَمَا خطأ كعمد أَلا أبلغ ربيعَة ذَا المساعي ... فَمَا أَحْدَثْتَ فِي الْحدثَان بعدِي٨ أَبوك أَبُو الحروب أَبُو برَاء ... وخالك ماجد حكم بْن سعد٩ أم الْبَنِينَ هِيَ أم أبي برَاء من بني عَامر بْن صعصعة. فَحمل ربيعَة بْن أبي برَاء على عَامر بْن الطُّفَيْل، فطعنه بِالرُّمْحِ، فَوَقع فِي فَخذه، فأشواه١٠، وَوَقع عَن فرسه. فَقَالَ: هَذَا عمل أبي برَاء، إِن مت فدمي لِعَمِّي فَلَا يتبعن بِهِ، وَإِن أعش فسأرى رَأْيِي.

غَزْوَة [بني] النَّضِير ١ وَكَانَ سَبَب غَزْوَة بني النَّضِير أَن رَسُول اللَّهِ ﷺ لما قَالَ لعَمْرو بْن أُميَّة: "لقد قتلت قَتِيلين لأَدِيَنَّهُمَا" خرج إِلَى بني النَّضِير مستعينا بهم فِي دِيَة ذَيْنك الْقَتِيلين. فَلَمَّا كَلمهمْ قَالُوا: نعم يَا أَبَا الْقَاسِم اجْلِسْ حَتَّى تطعم وَترجع بحاجتك فنقوم ونتشاور ونصلح أمرنَا فِيمَا جئتنا لَهُ. فَقعدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَعَ أبي بكر وَعمر وَعلي وَنَفر من الْأَنْصَار إِلَى جِدَار من جدرهم. فَاجْتمع بَنو النَّضِير، وَقَالُوا: مَنْ رَجُلٌ يَصْعَدُ عَلَى ظَهْرِ الْبَيْتِ فَيُلْقِي عَلَى مُحَمَّدٍ صَخْرَةً فيقتله، فَيُرِيحنَا مِنْهُ؟ فَإنَّا لن نجده أقرب مِنْهُ الْآن. فَانْتدبَ لذَلِك عَمْرو بْن جحاش بْن كَعْب فَأوحى اللَّه ﷿ إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ بِمَا ائْتَمرُوا بِهِ من ذَلِك، فَقَامَ وَلم يشْعر أحدا مِمَّن مَعَه٢.

نْتدبَ لذَلِك عَمْرو بْن جحاش بْن كَعْب فَأوحى اللَّه ﷿ إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ بِمَا ائْتَمرُوا بِهِ من ذَلِك، فَقَامَ وَلم يشْعر أحدا مِمَّن مَعَه٢.

ونهض إِلَى الْمَدِينَة، فَلَمَّا اسْتَبْطَأَهُ أَصْحَابه، وراث١ عَلَيْهِم خَبره أقبل رجل من الْمَدِينَة، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لَقيته وَقد دخل أَزِقَّة الْمَدِينَة. وَقَالَت الْيَهُود لأَصْحَابه: لقد عجل أَبُو الْقَاسِم قبل أَن نُقِيم لَهُ حَاجته. فَقَامَ أَصْحَابه ولحقوه بِالْمَدِينَةِ. فَأخْبرهُم بِمَا أوحى اللَّه ﷿ إِلَيْهِ مِمَّا أَرَادَت الْيَهُود فعله بِهِ. وَأمر ﷺ أَصْحَابه بالتهيؤ لقتالهم وحربهم٢. وَخرج إِلَيْهِم، وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة ابْن أم مَكْتُوم، وَذَلِكَ فِي ربيع الأول٣ أول السّنة الرَّابِعَة من الْهِجْرَة. فَتَحَصَّنُوا مِنْهُ فِي الْحُصُون، فَحَاصَرَهُمْ سِتّ لَيَال، وَأمر بِقطع النّخل وإحراقها، وَحِينَئِذٍ نزل تَحْرِيم الْخمر. ودس عَبْد اللَّهِ بْن أبي بْن سلول وَمن مَعَه من الْمُنَافِقين إِلَى بني النَّضِير: إِنَّا مَعكُمْ، وَإِن قوتلتم مَعكُمْ، وَإِن أخرجتم خرجنَا مَعكُمْ. فاغتروا بذلك. فَلَمَّا جَاءَت الْحَقِيقَة خذلوهم وأسلموهم، فَألْقوا بِأَيْدِيهِم٤. وسألوا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن يكف عَن دِمَائِهِمْ ويجليهم على أَن لَهُم مَا حملت الْإِبِل من أَمْوَالهم إِلَّا السِّلَاح٥. فاحتملوا٦ كَذَلِك إِلَى خَيْبَر، وَمِنْهُم من سَار إِلَى الشَّام. وَكَانَ مِمَّن سَار مِنْهُم إِلَى خَيْبَر أكابرهم حييّ بْن أَخطب، وَسَلام بْن أبي الْحقيق، وكنانة بْن الرّبيع بْن أبي الْحقيق. فدانت لَهُم خَيْبَر. وَقسم رَسُول اللَّهِ ﷺ أَمْوَال بني النَّضِير بَين الْمُهَاجِرين٧ خَاصَّة، إِلَّا أَنه أعْطى مِنْهَا أَبَا دُجَانَة سماك بْن خَرشَة، وَسَهل بْن حنيف وَكَانَا فقيرين. وَإِنَّمَا قسمهَا رَسُول اللَّه ﷺ

بَين الْمُهَاجِرين لأَنهم إِذْ قدمُوا الْمَدِينَة شاطرتهم الْأَنْصَار ثمارهم، وعَلى ذَلِك بَايعُوا لَيْلَة الْعقبَة على نصرته ومواساة أَصْحَابه. فَرد الْمُهَاجِرُونَ على الْأَنْصَار ثمارهم. وَلم يسلم من بني النَّضِير إِلَّا رجلَانِ: يَامِين بْن عُمَيْر بْن كَعْب بْن عَمْرو بْن جحاش، وَأَبُو سعيد بْن وهب، أسلما فأحرزا أموالهما. وَذُكِرَ أَن يَامِين بْن عُمَيْر جعل جعلا لمن قتل ابْن عَمه عَمْرو بْن جحاش لما هم بِهِ فِي رَسُول اللَّه ﷺ. وَنزلت سُورَة الْحَشْر فِي بني النَّضِير١، قَالَ ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٢ الْحَشْرِ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمين﴾ فَكَانَ إجلاء بني النَّضِير أول الْحَشْر فِي الدُّنْيَا إِلَى الشَّام، وَلذَلِك قيل الشَّام أَرض الْحَشْر٣. غَزْوَة ٤ ذَات الرّقاع ثمَّ أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بعد إجلاء بني النَّضِير بِالْمَدِينَةِ شهر ربيع الآخر وَبَعض جُمَادَى الأولى صدر٥ السّنة الرَّابِعَة بعد الْهِجْرَة. ثمَّ غزا نجدا يُرِيد بني محَارب وَبني ثَعْلَبَة بْن سعد بْن غطفان، وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة أَبَا ذَر الْغِفَارِيّ، وَقيل: بل اسْتعْمل يَوْمئِذٍ عَلَيْهَا عُثْمَان بْن عَفَّان، وَالْأول أَكثر. ونهض ﵇ حَتَّى نزل نخلا٦. وَإِنَّمَا سميت هَذِه الْغَزْوَة ذَات الرّقاع لِأَن

: بل اسْتعْمل يَوْمئِذٍ عَلَيْهَا عُثْمَان بْن عَفَّان، وَالْأول أَكثر. ونهض ﵇ حَتَّى نزل نخلا٦. وَإِنَّمَا سميت هَذِه الْغَزْوَة ذَات الرّقاع لِأَن

أَقْدَامهم نقبت١ فَكَانُوا يلفون عَلَيْهَا الْخرق. وَقيل: بل قيل لَهَا ذَات الرّقاع لأَنهم رقعوا راياتهم فِيهَا. وَيُقَال: ذَات الرّقاع شَجَرَة بذلك الْموضع تدعى ذَات الرّقاع. وَقيل: بل الْجَبَل الَّذِي نزلُوا عَلَيْهِ كَانَت أرضه ذَات ألوان من حمرَة وصفرة وَسَوَاد، فسموا غزوتهم تِلْكَ ذَات الرّقاع. وَالله أعلم. وَلَقي النَّبِي ﷺ جمعان من غطفان، فتوقفوا، إِلَّا أَنَّهُ لم يكن بَينهم قتال. وَصلى رَسُول اللَّه ﷺ يَوْمئِذٍ صَلَاة٢ الْخَوْف يَوْم ذَات الرّقاع. وَفِي انصرافهم من تِلْكَ الْغَزْوَة أَبْطَأَ جمل جَابر بْن عَبْد اللَّهِ، فنخسه النَّبِي ﷺ، فَانْطَلق مُتَقَدما بَين الركاب ثمَّ قَالَ لَهُ: "أَتَبِيعَنِيهِ؟ " فابتاعه مِنْهُ، وَقَالَ: "لَك ظَهره إِلَى الْمَدِينَة". فَلَمَّا وصل إِلَى الْمَدِينَة أعطَاهُ الثّمن، ووهب لَهُ الْجمل، لم يَأْخُذهُ مِنْهُ. وَفِي هَذِه الْغَزْوَة أَتَى رجل٣ من بني محَارب بْن خصفة ليفتك برَسُول اللَّه ﷺ وَشرط ذَلِك لِقَوْمِهِ، وَأخذ سيف رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَصْلَتَهُ٤ بعد أَن استأذنه فِي أَن ينظر إِلَى السَّيْف، فَلَمَّا أَصْلَتَهُ هَمَّ بِهِ، فَصَرفهُ اللَّه عَنهُ، ولحقه بُهْتٌ، فَقَالَ: من يمنعك مني يَا مُحَمَّد؟ قَالَ: "اللَّه" فَرُدَّ السَّيْف فِي غمده، فَقيل: فِيهِ نزلت: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اذْكروا نعْمَة اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يبسطوا إِلَيْكُم ... ﴾ الْآيَة. وَقيل نزلت هَذِه الْآيَة فِيمَا أَرَادَ بَنو النَّضِير أَن يَفْعَلُوا بِهِ من رمى الْحجر عَلَيْهِ وَهُوَ جَالس إِلَى حَائِط حصنهمْ.

م ... ﴾ الْآيَة. وَقيل نزلت هَذِه الْآيَة فِيمَا أَرَادَ بَنو النَّضِير أَن يَفْعَلُوا بِهِ من رمى الْحجر عَلَيْهِ وَهُوَ جَالس إِلَى حَائِط حصنهمْ.

غَزْوَة ١ بدر الثَّالِثَة وَكَانَ أَبُو سُفْيَان يَوْم أحد قد نَادَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: موعدنا مَعكُمْ بدر فِي الْعَام الْمقبل. فَأمر رَسُول اللَّه ﷺ بعض أَصْحَابه أَن يجِيبه بنعم. وَأقَام رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنْصَرَفَهُ من ذَات الرّقاع بِالْمَدِينَةِ بَقِيَّة جُمَادَى الأولى وجمادى الْآخِرَة ورجبا. ثمَّ خرج فِي شعْبَان من السّنة الرَّابِعَة لِلْمِيعَادِ الْمَذْكُور، وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة عَبْد اللَّهِ٢ بْن عَبْد اللَّهِ بْن أبي [بْن] سلول. ثمَّ نَهَضَ حَتَّى أَتَى بَدْرًا، فَأَقَامَ هُنَاكَ ثَمَان لَيَال. وَخرج أَبُو سُفْيَان بْن حَرْب فِي أهل مَكَّة حَتَّى بلغ عسفان٣، ثمَّ انْصَرف، وَاعْتذر هُوَ وَأَصْحَابه بِأَن الْعَام عَام جَدب. غَزْوَة ٤ دومة الجندل وَانْصَرف رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَة، فَأَقَامَ بهَا إِلَى أَن انْسَلَخَ ذُو الْحجَّة من السّنة الرَّابِعَة من الْهِجْرَة، ثمَّ غزا ﵇ دومة٥ الجندل فِي ربيع الأول، وَذَلِكَ أول السّنة الْخَامِسَة من احتلاله الْمَدِينَة. وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة سِبَاع بْن عرفطة. وَانْصَرف ﵇ من طَرِيقه٦ قبل أَن يبلغ دومة الجندل. وَلم يلق حَربًا.

غَزْوَة ١ الخَنْدَق ثمَّ كَانَت غَزْوَة الخَنْدَق فِي شَوَّال٢ من السّنة الْخَامِسَة، وَكَانَ سَببهَا أَن نَفرا من الْيَهُود، مِنْهُم كنَانَة بْن الرّبيع بْن أبي الْحقيق، وَسَلام بْن مشْكم، وحيي بْن أَخطب النضريون٣، وهوذة بْن قيس وَأَبُو عمار٤ من بني وَائِل -وهم كلهم يهود، وهم الَّذين حزبوا الْأَحْزَاب وألبوا وجمعوا- خَرجُوا٥ فِي نفر من بني النَّضِير وَنَفر من بني وَائِل، فَأتوا مَكَّة، فدعوا قُريْشًا إِلَى حَرْب رَسُول اللَّهِ ﷺ ووعدوهم من أنفسهم بعون من انتدب إِلَى ذَلِك، فأجابهم أهل مَكَّة إِلَى ذَلِك. ثمَّ خرج الْيَهُود المذكورون إِلَى غطفان فدعوهم إِلَى مثل ذَلِك فأجابوهم. فَخرجت قُرَيْش يقودهم أَبُو سُفْيَان بْن حَرْب، وَخرجت غطفان وَقَائِدهمْ عُيَيْنَة بْن حصن بْن حُذَيْفَة بْن بدر الْفَزارِيّ على فَزَارَة والْحَارث بْن عَوْف المري على بني مرّة ومسعود٦ بْن رخيلة على أَشْجَع٧. فَلَمَّا سمع رَسُول اللَّه ﷺ باجتماعهم وخروجهم إِلَيْهِ شاور أَصْحَابه، فَأَشَارَ عَلَيْهِ سلمَان بِحَفر الخَنْدَق، فَرضِي رَأْيه*. وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ يَوْمئِذٍ:

ل اللَّه ﷺ باجتماعهم وخروجهم إِلَيْهِ شاور أَصْحَابه، فَأَشَارَ عَلَيْهِ سلمَان بِحَفر الخَنْدَق، فَرضِي رَأْيه*. وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ يَوْمئِذٍ:

سلمَان منا، وَقَالَت الْأَنْصَار: سلمَان منا، فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ: "سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ" *. وَعمل الْمُسلمُونَ فِي الخَنْدَق مجتهدين، ونكص المُنَافِقُونَ، وَجعلُوا يَتَسَلَّلُونَ لِوَاذًا١. فَنزلت فيهم آيَات من الْقُرْآن ذكرهَا ابْن إِسْحَاق وَغَيره. وَكَانَ من فرغ من الْمُسلمين من حِصَّته عَاد إِلَى غَيره فأعانه حَتَّى كمل الخَنْدَق. وَكَانَ فِيهِ آيَات بَيِّنَات وعلامات للنبوات مذكورات عِنْد أهل السّير والْآثَار، وَمِنْهَا أَن كدية٢ اعتاصت على الْمُسلمين، فدعوا رَسُول اللَّه ﷺ إِلَيْهَا، فضربها بالفأس ضَرْبَة طَار مِنْهَا الشرار وَقطع مِنْهَا الثُّلُث، وَقَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ فُتِحَ قَيْصَرُ، وَاللَّهِ إِنِّي لأَرَى الْقُصُورَ الْحُمْرَ". ثمَّ ضرب الثَّانِيَة فَقطع مِنْهَا الثُّلُث الثَّانِي، وَقَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ فُتِحَ كِسْرَى، وَاللَّهِ إِنِّي لأَرَى الْقُصُورَ الْبِيضَ". ثمَّ ضرب الثَّالِثَة فَقطع الثُّلُث الْبَاقِي، وَقَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ فُتِحَ الْيَمَنُ، وَاللَّهِ إِنِّي لأَرَى بَابَ صَنْعَاءَ" ٣. وَقد نصر اللَّه عَبده وَصدق وعده، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين.

الَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ فُتِحَ الْيَمَنُ، وَاللَّهِ إِنِّي لأَرَى بَابَ صَنْعَاءَ" ٣. وَقد نصر اللَّه عَبده وَصدق وعده، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين.

فَلَمَّا فرغ١ رَسُول اللَّه ﷺ أَقبلت قُرَيْش فِي نَحْو عشرَة٢ آلَاف بِمن مَعَهم من كنَانَة وَأهل تهَامَة٣. وَأَقْبَلت غطفان بِمن مَعهَا من أهل نجد حَتَّى نزلُوا إِلَى جَانب أحد. وَخرج رَسُول اللَّه ﷺ والمسلمون حَتَّى نزلُوا -بِظهْر٤ سلع- فِي ثَلَاثَة٥ آلَاف، وضربوا عَسْكَرهمْ، وَالْخَنْدَق بَينهم وَبَين الْمُشْركين. وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة ابْن أم مَكْتُوم فِي قَول ابْن شهَاب. وَخرج عَدو اللَّه حييّ بْن أَخطب النضري٦ حَتَّى أَتَى كَعْب بْن أَسد الْقرظِيّ وَكَانَ صَاحب عقد بني قُرَيْظَة وَرَئِيسهمْ، وَكَانَ قد وادع رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعاقده وعاهده. فَلَمَّا سمع كَعْب بْن أَسد بحيي بْن أَخطب أغلق دونه بَاب حصنه، وأبى أَن يفتح لَهُ، فَقَالَ لَهُ: افْتَحْ لي يَا كَعْب بْن أَسد، فَقَالَ: لَا أفتح لَك فَإنَّك رجل مشئوم تَدعُونِي إِلَى خلاف مُحَمَّد وَأَنا عاقدته وعاهدته وَلم أر فِيهِ إِلَّا وَفَاء وصدقا، فلست بناقض مَا بيني وَبَينه. فَقَالَ حييّ: افْتَحْ لي حَتَّى أُكَلِّمك فأنصرف عَنْك، قَالَ: لَا أفعل، قَالَ: إِنَّمَا تخَاف أَن آكل مَعَك جشيشتك٧. فَغَضب كَعْب وَفتح لَهُ، فَقَالَ: هَل إِنَّمَا جئْتُك بعز الدَّهْر، جئْتُك بِقُرَيْش وسادتها وغَطَفَان وقادتها قد تعاقدوا على أَن يستأصلوا مُحَمَّدًا وَمن مَعَه. فَقَالَ لَهُ كَعْب: جئتني وَالله بذل الدَّهْر وبجهام٨ لَا غيث فِيهِ، وَيحك يَا حييّ! دَعْنِي فلست بفاعل مَا تَدعُونِي إِلَيْهِ. فَلم يزل حييّ بكعب يعده ويغره، حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ وعاهده على خذلان النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه وَأَن يصير مَعَهم، وَقَالَ لَهُ حييّ بن أَخطب: إِن

هِ. فَلم يزل حييّ بكعب يعده ويغره، حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ وعاهده على خذلان النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه وَأَن يصير مَعَهم، وَقَالَ لَهُ حييّ بن أَخطب: إِن

انصرفت قُرَيْش وغَطَفَان دخلت عنْدك بِمن معي من يهود*. فَلَمَّا انْتهى خبر كَعْب وحيي إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمين بعث سعدَ بْن عبَادَة وَهُوَ سيد الْخَزْرَج وَسيد الْأَوْس سعد بْن معَاذ وَبعث مَعَهُمَا عَبْدَ اللَّهِ بْن رَوَاحَة وخوات بْن جُبَير، وَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "انْطَلقُوا إِلَى بني قُرَيْظَة فَإِن كَانَ مَا قيل لنا حَقًا فالحنوا لنا لحنا نعرفه، وَلَا تفتوا فِي أعضاد الْمُسلمين، وَإِن كَانَ كذبا فاجهروا بِهِ للنَّاس" * *. فَانْطَلقُوا حَتَّى أتوهم، فوجدوهم على أَخبث مَا قيل لَهُم عَنْهُم، ونالوا من رَسُول اللَّه ﷺ. وَقَالُوا: لَا عهد لَهُ عندنَا. فشاتمهم سعد بْن معَاذ وشاتموه وَكَانَت فِيهِ حِدة، فَقَالَ لَهُ سعد بْن عبَادَة: دع عَنْك مشاتمتهم، فَالَّذِي بَيْننَا وَبينهمْ أكبر من المشاتمة. ثمَّ أقبل سعد وَسعد حَتَّى أَتَيَا رَسُول اللَّه ﷺ فِي جمَاعَة من الْمُسلمين، فَقَالَا: عضل والقارة. يعرضان بغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع: خبيبٍ وأصحابِهِ. فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ: "أَبْشِرُوا يَا معشر الْمُسلمين".

وَعظم عِنْد ذَلِك الْبلَاء وَاشْتَدَّ الْخَوْف، وأتى الْمُسلمين عدُوُّهُمْ من فَوْقهم١ وَمن أَسْفَل٢ مِنْهُم حَتَّى ظنُّوا بِاللَّه الظنون٣، وَأظْهر المُنَافِقُونَ كثيرا مِمَّا كَانُوا يسرون، فَمنهمْ من قَالَ: إِن بُيُوتنَا عَورَة فلننصرف إِلَيْهَا٤، فَإنَّا نَخَاف عَلَيْهَا، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِك أَوْس بْن قيظي إِلَّا أَنه مَعَ ذَلِك ولد ولدا سيدا فَاضلا وَهُوَ عرابة بْن أَوْس الَّذِي قَالَ فِيهِ الشَّاعِر٥: إِذا مَا راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة بِالْيَمِينِ وَقد قيل إِن لَهُ صُحْبَة بِالنَّبِيِّ ﷺ. وَمِنْهُم من قَالَ: يعدنا مُحَمَّد أَن نفتح كنوز كسْرَى وَقَيْصَر، وأحدنا الْيَوْم لَا يَأْمَن على نَفسه [أَن] يذهب إِلَى الْغَائِط، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِك معتب٦ بْن قُشَيْر أحد بني عَمْرو بْن عَوْف. وَأقَام رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأقَام الْمُشْركُونَ بضعا وَعشْرين لَيْلَة قَرِيبا من شهر لم يكن بَينهم حَرْب إِلَّا الرَّمْي بِالنَّبلِ والحصا. فَلَمَّا رأى رَسُول اللَّه ﷺ أَنه اشْتَدَّ على الْمُسلمين الْبلَاء بعث إِلَى عُيَيْنَة بْن حصن الْفَزارِيّ وَإِلَى الْحَارِث بْن عَوْف بْن أبي حَارِثَة٧ المري وهما قائدا غطفان، فَأَعْطَاهُمَا ثلث ثمار الْمَدِينَة لينصرفا بِمن مَعَهُمَا من غطفان و [أهل] نجد٨ وَيرجع بقومهما عَنْهُم٩. وَكَانَت هَذَا الْمقَالة مراوضة وَلم تكن عقدا. فَلَمَّا رأى رَسُول اللَّه ﷺ أَنَّهُمَا قد أنابا١٠ ورضيا أَتَى سعدَ بْن معَاذ وسعدَ بْن عبَادَة فَذكر لَهما واستشارهما، فَقَالَا: يَا رَسُول اللَّه هَذَا أَمر تحبه فنصنعه لَك، أَو شَيْء أَمرك اللَّه بِهِ فنسمع

ى سعدَ بْن معَاذ وسعدَ بْن عبَادَة فَذكر لَهما واستشارهما، فَقَالَا: يَا رَسُول اللَّه هَذَا أَمر تحبه فنصنعه لَك، أَو شَيْء أَمرك اللَّه بِهِ فنسمع

لَهُ ونطيع، أَو أَمر تَصنعهُ لنا؟ قَالَ: "بل أَمر أصنعه لكم، وَالله مَا أصنعه إِلَّا لأنني ١ قد رَأَيْت الْعَرَب قد رمتكم عَن قَوس وَاحِدَة". فَقَالَ لَهُ سعد بْن معَاذ: يَا رَسُول اللَّه، وَالله لقد كُنَّا نَحن وَهَؤُلَاء الْقَوْم على الشّرك بِاللَّه وَعبادَة الْأَوْثَان لَا نعْبد اللَّهَ وَلَا نعرفه وَمَا طمعوا قطّ بِأَن ينالوا منا ثَمَرَة إِلَّا بشرَاء أَو قرى٢، فحين أكرمنا اللَّه بِالْإِسْلَامِ وهدانا لَهُ وأعزنا بك نعطيهم أَمْوَالنَا، وَالله لَا نعطيهم إِلَّا السَّيْف حَتَّى يحكم اللَّه بَيْننَا وَبينهمْ. فسر رَسُول اللَّه ﷺ بذلك، وَقَالَ لَهُم: "أَنْتُم وَذَاكَ". وَقَالَ لعيينة والْحَارث: "انصرفا، فَلَيْسَ لكم عندنَا إِلَّا السَّيْف". وَتَنَاول الصَّحِيفَة٣ وَلَيْسَ فِيهَا شَهَادَة فمحاها. فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمسلمون على حَالهم وَالْمُشْرِكُونَ يحاصرونهم وَلَا قتال مِنْهُم إِلَّا أَن فوارس من قُرَيْش مِنْهُم عَمْرو بْن عَبْد ود العامري من بني عَامر بْن لؤَي، وَعِكْرِمَة بْن أبي جهل، وهبيرة بْن أبي وهب، وَضِرَار بْن الْخطاب الفِهري وَكَانُوا فرسَان قُرَيْش وشجعانهم أَقبلُوا حَتَّى وقفُوا على الخَنْدَق. فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: إِن هَذِه المكيدة مَا كَانَت الْعَرَب تكيدها٤، ثمَّ تيمموا٥ مَكَانا ضيقا من الخَنْدَق [فَضربُوا٦ خيلهم فَاقْتَحَمت مِنْهُ] وصاروا بَين الخَنْدَق وَبَين سلع. وَخرج عَليّ بْن أبي طَالب ﵁ فِي نفر من الْمُسلمين، حَتَّى أخذُوا عَلَيْهِم الثغرة٧ الَّتِي اقتحموا مِنْهَا، وَأَقْبَلت الفرسان نحوهم. وَكَانَ عَمْرو بْن [عَبْد] ود قد أثبتته الْجراح يَوْم بدر، فَلم يشْهد أحدا وَأَرَادَ يَوْم الخَنْدَق أَن يرى مَكَانَهُ.

Bagian 5 dari 10