بذل المجهود في إفحام اليهود

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya السموأل بن يحيى المغربي (w. 570 H). Tahqiq: طويلة.

Bagian 1 dari 2 214 halaman

— Bagian 1 · ﷽ —

Disusun dari indeks kitab digital SantriOnline.

Bagian 1

﷽ الافتتاح: ١ - ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠]. ٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا، فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟! قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين"، أخرجه البخاري ومسلم. ٣ - وعن أبي بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مثلي في النبيين كمثل رجل بنى دارا، فأحسنها وأكملها وأجملها، وترك موضع لبنة، فجعل الناس يطوفون بالبناء ويعجبون منه، ويقولون: لو تم موضع تلك اللبنة، وأنا في النبيين موضع تلك اللبنة" أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح. ٤ - وروى الشيخان عن جابر بن عبد الله ﵁ نحوه، وزاد مسلم في روايته: "فأنا موضع اللبنة، جئت فختمت الأنبياء". ٥ - وجاء في المزمور الثامن عشر بعد المائة من مزامير داود: ٢٢ - الحجر الذي رفضه البناءون، قد صار رأس الزاوية.

٢٣ - من قِبَل الرب كان هذا، وهو عجيب في أعيننا. وفي الترجمات القديمة: الحجر الذي أخَّره البناءون، صار حجر الزاوية. ٦ - وجاء في إنجيل متى ٢١/ ٤٢ ومرقس ١٢/ ١٠ - ١١ ولوقا ٢٠/ ١٧: قال لهم يسوع: أما قرأتم قط في الكتب: الحجر الذي رفضه البناءون، هو قد صار رأس الزاوية. من قبل الرب كان هذا. وهو عجيب في أعيننا. متى ٢١/ ٤٣: لذلك أقول لكم: إن ملكوت الله يُنزع منكم، ويُعطى لأمة تعمل أثماره. وفي ترجمة دار الكتاب المقدس سنة ١٩٨٠: لذلك أقول لكم: سيأخذ الله ملكوته منكم، ويسلمه إلى شعب يجعله يثمر. متى ٢١/ ٤٤ ولوقا ٢٠/ ١٨: من سقط على هذا الحجر ترضض -وفي ترجمة دار لكتاب: تهشم- ومن سقط هو عليه سحقه.

خذ الله ملكوته منكم، ويسلمه إلى شعب يجعله يثمر. متى ٢١/ ٤٤ ولوقا ٢٠/ ١٨: من سقط على هذا الحجر ترضض -وفي ترجمة دار لكتاب: تهشم- ومن سقط هو عليه سحقه.

﷽ المقدمة: الحمد لله الذي أكرمنا بالإيمان، وأعزنا بالإسلام، وأنعم علينا بنبيه محمد ﷺ فهدانا من الضلال، وجمعنا من الشتات، وأغنانا بشريعته التي تدعو إلى الحكمة والموعظة الحسنة، وتتضمن الأمر بالعدل والإحسان، والنهي عن الفحشاء والمنكر. نسأل الله سبحانه أن يهدينا إلى الحق، وأن يثبتنا عليه، وأن يرزقنا شكره على ذلك. أما بعد، فإن الانتقال من دين إلى دين ليس بالأمر العادي في صعوبته. والعاقل يحسب ألف حساب قبل أن يقدم على تبديل دينه، ولا سيما إذا كان قومه قد عودوه منذ الصغر على الاستعلاء والتعصب لعرقه واحتقار الآخرين ودياناتهم، بل عودوه على الحقد والكراهية لغير بني جنسه أو مذهبه كاليهود ومن لف لفهم. لكن إذا صدع الحق قلبه، وولج فيه، فإنه يقدم على ذلك غير مبالٍ ولا هياب؛ لأنه يريد أن ينقذ نفسه باتباع الحق، ليس في هذه الحياة فحسب، بل في الحياة الآخرة التي لا نهاية لها. وكلامي هذا لا يشمل الذين يغيرون دينهم لغرض دنيوي أو هوى أو حاجة استُغلوا من أجلها. فمن يُغرى بالمناصب ونحوها، أو تستغل فاقته ومرضه، كما يفعل دعاة النصرانية اليوم، لا يوصف بأنه بدل دينه؛ لأنه فريسة، ولأن عملهم ضرب من التلصص الروحي. بل إنما ينصب كلامي على العقلاء والمفكرين، وبخاصة علماء الدين، الذين يفكرون فيما اختاروه من دين وعقيدة سنوات، ثم يقدمون على ما رأوا من الحق غير عابئين بما

ما ينصب كلامي على العقلاء والمفكرين، وبخاصة علماء الدين، الذين يفكرون فيما اختاروه من دين وعقيدة سنوات، ثم يقدمون على ما رأوا من الحق غير عابئين بما

يخسرون من مادة ومكانة، ولا بما قد يصيبهم من تحامل وضرر. فيقدمون فرحين على اعتناق الحق الذي رأوه، ثم يبينون ويعلنون سبب دخولهم في دين الله، ويصبحون من الذابين عنه أكثر ممن وُلد من أبوين مسلمين. وكثير من مفكري أهل الكتاب دخلوا في دين الإسلام رغبة في اتباع الحق بعد دراسة عميقة وتدبر لهذا الدين، انقشعت فيها الشبهات والتشويهات، وتجلت فيها الحقائق الثابتة، فكان إيمانهم عن رغبة وعلم ومعرفة. وكانت البشارات بهذا النبي الكريم ﷺ في كتبهم المقدسة، وذكر أوصافه وأوصاف أمته من أكبر العوامل الداعية لهم للدخول في دين الإسلام. فمن النصارى الذين اعترفوا بنبوة محمد ﷺ ودخلوا في دينه القس الأسباني إنسلم تورميدا. فقد ترك التثليث وأقبل على التوحيد تاركا المكانة الدينية التي بلغها. سافر إلى تونس في القرن الثامن الهجري، وسمى نفسه عبد الله، وأضيف إليه لقب الترجمان لاشتغاله بالترجمة. ألف كتابا سماه "تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب" ذكر فيه سبب إسلامه والدوافع التي أدت به إلى ترك التثليث. وفي عصرنا الحاضر اعتنق الإسلام الطبيب والعالم الفرنسي موريس بوكاي الذي درس الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، واستطاع أن يثبت بالأدلة العلمية أن القرآن الكريم هو الكتاب المقدس الوحيد الذي خلا من التحريف والتبديل، وقد تضمن حقائق علمية أتى الزمان مترجما لها. ثم صنف في ذلك كتابا سماه "القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم" صدر باللغة الفرنسية، ثم ترجم بعد ذلك إلى العربية وغيرها. وكذلك العالم المفكر والفيلسوف الفرنسي روجيه جيرودي المعروف بكثرة مقالاته ودفاعه عن الإسلام. بل إن له نظرات ثاقبة في فهم بعض الآيات والأحاديث مما يدل على الإيمان العميق والعلم والمعرفة.

والشاهد في ذلك أن هؤلاء وأمثالهم من مفكري الغرب وعلمائه، إنما يعتنقون الإسلام رغبة في اتباع الحق، وهم مَن هم في بلادهم من العلم والفكر والثقة. أما اليهود الذين يصعب زحزحة أحدهم عن دينه لما أشرب منذ نعومة أظفاره من نظريات عرقية ودينية تجعله يتعالى على سائر بني البشر، فقد آمن منهم في القديم وصدَّق بنبوة محمد ﷺ عبد الله بن سلام ومخيريق وكعب الأحبار وغيرهم. وما زال علماء منهم يدخلون في دين الله على مرور الزمن. ففي عهد السلطان "بيازيدخان" اعتنق حبر من أحبار اليهود الإسلام، وتسمى بعبد السلام، وألف رسالة سماها "الهادية" ذكر فيها كثيرًا من بشارات التوراة بالنبي الأمي صلى الله عليه وسلم١. ومن اليهود السامريين الذين اعترفوا بنبوة محمد ﷺ ولم يدخلوا في دين الله الكاهن أبو الفتح بن أبي الحسن السامري الدنفي مؤلف كتاب "التاريخ مما تقدم عن الآباء"، فقد كتب فيه عن محمد ﷺ ما هو حق وعدل وإنصاف. ومن ذلك ما يلي: "ومحمد ما أساء إلى أحد من أصحاب الشرائع ... وأقام في المملكة عشر سنين، وكل العالم طائعون له. ومنه انتقلت مملكته إلى أقاربه بني أمية على ما أوصاهم، ولم يزيدوا، ولم ينقصوا، ولا أساءوا إلى أحد قط"٢. غير أن با الفتح أخطأ النجعة. فإن محمدًا ﷺ ليس بملَك، وإنما هو نبي مجاهد مطاع في أصحابه. ثم إن الحكم من بعده لم ينتقل إلى بني أمية. بل صار أولا إلى خلفائه الراشدين أبي بكر فعمر فعثمان فعلي ﵃ وهم كلهم من قريش، ليس فيهم أموي سوى عثمان ﵁ وبعد مقتل علي ﵁ بايع الناس ابنه الحسن -رضي الله

صار أولا إلى خلفائه الراشدين أبي بكر فعمر فعثمان فعلي ﵃ وهم كلهم من قريش، ليس فيهم أموي سوى عثمان ﵁ وبعد مقتل علي ﵁ بايع الناس ابنه الحسن -رضي الله

عنه- فتنازل لمعاوية بن أبي سفيان ﵄ وهو قرشي من بني أمية. وبذلك بدأ العصر الأموي. أما قبل ذلك فهو عصر الخلفاء الراشدين المهديين. ومن اليهود الذين اعتنقوا الإسلام مؤلف كتابنا هذا الحكيم المحقق السموءل بن يحيى بن عباس المغربي الأندلسي المتوفَّى عام ٥٧٠هـ-١١٧٤م. كنيته أبو نصر. كان من أعاظم اليهود قبل إسلامه. وهو طبيب رياضي مشارك في بعض العلوم. قدم مع أبيه إلى بلاد المشرق. كان أبوه ينشد المال شأن كل يهودي، أما هو فكان يحب العلم ويطلبه بشغف ومثابرة. سكن في بغداد مدة، ثم انتقل إلى أذربيجان في بلاد العجم، وأقام في مراغة، ولم يزل بها إلى آخر عمره. أتقن كثيرًا من العلوم والفنون وتبحر فيها، كالرياضيات والطب والحكمة والتاريخ وغير ذلك، وصنف في ذلك مصنفات منها ما يلي: المفيد الأوسط في الطب، إعجاز المهندسين، المنبر في مساحة أجسام الجواهر المختلفة لاستخراج مقدار مجهولها، رسالة إلى أبي خدود في مسائل حسابية، نزهة الأصحاب في معاشرة الأحباب، وغير ذلك. وكتابه هذا "بذل المجهود في إفحام اليهود" يدل على واسع علمه وكثرة خبرته؛ فقد أظهر في أثناء مناقشاته لعقائد اليهود وتحليله لنصوص التوراة أوهام الأحبار وضلالاتهم والأسرار التي تنطوي عليها نفوسهم، وكشف أخطاءهم ومغالطاتهم، وفضح طرقهم الملتوية وحيلهم الماكرة. ولا عجب في ذلك، فقد كان قبل إسلامه من أعاظم أحبار اليهود؛ ولذلك استطاع بما وصل إليه من علم بالتوراة وسعة اطلاع على الكتب -متونا وشروحا- أن يفحم علماء عصره من اليهود، ولا يزال هذا الإفحام يتحدى أحبارهم حتى يومنا هذا. وهو يتبع في ذلك طريقة "الفناقلة" فيورد السؤال، ويتصور جوابه وما يمكن أن يستدرك عليه، ثم يرد على ذلك كله ويجيب عنه سادًّا الأبواب كلها على خصمه، ومُحكِّمًا القارئ في ذلك: نقول لهم ... فإن قالوا ....

تصور جوابه وما يمكن أن يستدرك عليه، ثم يرد على ذلك كله ويجيب عنه سادًّا الأبواب كلها على خصمه، ومُحكِّمًا القارئ في ذلك: نقول لهم ... فإن قالوا ....

قلنا ... وهو يورد نصوص التوراة باللغة العبرية، ثم يفسرها بالعربية من غير أن يشير إلى مكانها في التوراة وسائر كتب الأنبياء غالبا، وإذا ذكر ذلك في بعض الأحيان، فإنما يذكر السِّفْر أو رقمه دون أن يحدد المكان. ولذلك قمت بتخريج هذه النصوص من خلال الكتب التالية: الكتاب المقدس الصادر عن دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط عام ١٩٨٤م، والكتاب المقدس الصادر عن جمعيات الكتاب المقدس المتحدة عام ١٩٦٦م، وكلاهما من ترجمة البروتستانت، والكتاب المقدس الصادر عن دار المشرق ببيروت عام ١٩٨٣م وهو من ترجمة الكاثوليك، وفي آخره حواشٍ وتعليقات على بعض فصوله، والتوراة السامرية التي قدم لها وعلق عليها الدكتور/ أحمد حجازي. وقد اعتمدت ترجمة البروتستانت؛ لأنهم إنما يعترفون بالتوراة العبرانية دون الترجمة اللاتينية وغيرها، ثم إنهم لم يغيروا نصوص ترجمتهم، فالطبعات القديمة والحديثة نصوصها واحدة؛ وبذلك كانت توراتهم أقرب إلى توراة اليهود الذين نحن بصددهم، بخلاف غيرهم، فإنك تجد الفوارق الشاسعة في أمور حساسة بين طبعة وأخرى. وقمت أيضا بالتعليق على النصوص والأفكار والبشارات التي يوردها موضحا لها وزائدا في أدلتها؛ لتقوم الحجة وتكتمل الفكرة. ومما دفعني إلى ذلك أن الكتاب قد أفاد منه واستشهد بنصوصه كثير من العلماء والباحثين الذين اشتغلوا بمناظرة أهل الكتاب أو مقارنة الأديان قديما وحديثا، وعلى رأسهم ابن القيم ﵀ في كتابه "هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى". وقد أضفت إليه بعض العناوين وجعلتها بين هاتين الإشارتين []. ولنستمع الآن إلى المؤلف ﵀ يحدثنا عن نفسه فيقول: إن أبي كان يقال له: الرآب يهوذا بن آبون من مدينة فاس بأقصى المغرب. والرآب لقب تفسيره: الحبر. وكان أعلم أهل زمانه بعلوم التوراة، وأقدرهم على التوسع في ارتجال منظوم العبراني ومنثوره. وكان اسمه المدعو به بين أهل العربية أبا البقاء بن يحيى بن عباس المغربي؛ وذلك أن كثيرًا من

متخصصيهم يكون له اسم عربي غير اسمه العبري أو مشتق منه. أما أمي فأصلها من البصرة، وهي إحدى الأخوات الثلاث المنجبات في علوم التوراة، وهن بنات إسحاق بن إبراهيم البصري الليوي -أعني: سبط ليوي- وهو مضبوط النسب؛ لأن منه كان موسى ﵇ وكان اسم أمي باسم أم شموائيل النبي ﵇ ومكثت أمي عند أبي مدة لا ترزق ولدا حتى استشعرت العقم، فنذرت أنها إن رزقت ولدا ذكرًا تسميه شموائيل، فحين رُزقتني دعتني شموائيل، وهو إذا عُرب: السموءل. وكناني أبي أبا نصر. وشغلني بالكتابة بالقلم العبري، ثم بعلوم التوراة وتفاسيرها. حتى إذا أحكمت علم ذلك عند كمال الثالثة عشر من مولدي شغلني حينئذ بتعلم الحساب الهندي وحل الزيجات عند الأستاذ العالم أبي الحسن الدسكري. وقرأت علم الطب على الفيلسوف أبي البركات هبة الله بن علي، والتأمل في علاج الأمراض ومشاهدة ما ينفق من الأعمال الصناعية في الطب والعلاجات التي يعالجها خالي أبو الفتح الطبيب. فأما الحساب الهندي والزيج، فإني حملت علمهما في أقل من سنة، حين كمل لي أربع عشرة سنة، ثم قرأت الحساب الديواني وعلم المساحة على العالم أبي المظفر الشهرزوري، وقرأت الجبر والمقابلة عليه وعلى الكاتب ابن أبي تراب، وترددت إلى الأستاذ أبي الحسن بن الدسكري وأبي الحسن بن النقاش لقراءة الهندسة، حتى حللت المقالات التي كانا يحلانها من كتب إقليدس، وأنا في خلال ذلك متشاغل بالطب. وبقي بعض كتاب الواسطي في الحساب والكتاب السابع في الجبر والمقابلة للكرخي لا أجد من يعرف منه شيئًا، وغير ذلك من العلوم الرياضية مثل كتاب شجاع بن أسلم في الجبر والمقابلة وغيره. وكان لي من الشغف بهذه العلوم والعشق لها ما يلهيني عن المطعم والمشرب إذا فكرت في بعضها. فخلوت بنفسي في بيت، وحللت جميع تلك الكتب وشرحتها، ورددت على من أخطأ فيها، وأظهرت أغلاط مُصنفيها. كل ذلك في السنة الثامنة عشرة من مولدي. واتصلت تصانيفي في هذه العلوم،

ت، وحللت جميع تلك الكتب وشرحتها، ورددت على من أخطأ فيها، وأظهرت أغلاط مُصنفيها. كل ذلك في السنة الثامنة عشرة من مولدي. واتصلت تصانيفي في هذه العلوم،

وفتح الله عليَّ كثيرًا مما أُرتج على من سبقني من الحكماء المتدربين، فدونت ذلك لينتفع به من يقع عليه. وفي خلال ذلك ليس لي مكسب إلا بضاعة الطب. وكان لي منها أوفر حظ؛ إذ أعطاني الله من التأييد فيها ما عرفت به كل مرض يقبل العلاج من الأمراض التي لا علاج لها. فالحمد لله على جزيل مننه وعظيم فضله ونعمه. وقد كنت قبل اشتغالي بهذه العلوم -وذلك في السنة الثانية عشرة والثالثة عشرة- معتنيًا بالأخبار والحكايات، شديد الحرص على الاطلاع على ما كان من الزمن القديم، فاطلعت على التصانيف المؤلفة في الحكايات والنوادر على اختلاف فنونها، وطلبت الأخبار الصحيحة، فمالت نفسي إلى التواريخ، فقرأت كتاب أبي علي بن مسكويه الذي سماه تجارب الأمم، وطالعت تاريخ الطبري وغيرهما من التواريخ. وكانت تمر بي في هذه التواريخ أخبار النبي ﷺ وغزواته وما أظهر الله تعالى له من المعجزات، وحباه به من النصر والتأييد في غزوة بدر وغزوة خيبر وغيرهما، وقصة منشئه في اليتم والضعف، ومعاداة أهله له، وإقامته فيما بين أعدائه يجاهدهم بإنكار دينهم عليهم، والدعوة إلى دينه مدة طويلة وسنين كثيرة إلى أن أَذِنَ الله له في الهجرة إلى دار غيرها، وما جرى لأعدائه من النكبات ومصرعهم بين يديه بسيوف أوليائه ببدر وغيرها، وظهور الآية العجيبة في هزيمة الفرس، ورستم الجبار معهم في ألوف كثيرة، في غاية من الحشد والقوة، بين يدي أصحاب سعد بن أبي وقاص ﵁ وهم يسير على حالة شديدة من الضعف، وانكسار الروم وهلاك عساكرهم على يدي أبي عبيدة عامر بن الجراح وخالد بن الوليد ﵄ ثم سياسة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄ وعَدْلهما وزهدهما. ومع ذلك، فإني لكثرة شغفي بأخبار الوزراء والكتاب قد اكتسبت بكثرة مطالعتي لحكاياتهم وأخبارهم وكلامهم قوة في البلاغة ومعرفة بالفصاحة. وكان لي في ذلك طبع يحمده الفصحاء، ويُعجب به البلغاء، فشاهدت

لكتاب قد اكتسبت بكثرة مطالعتي لحكاياتهم وأخبارهم وكلامهم قوة في البلاغة ومعرفة بالفصاحة. وكان لي في ذلك طبع يحمده الفصحاء، ويُعجب به البلغاء، فشاهدت

المعجزة التي لا تباريها الفصاحة الآدمية في القرآن العظيم، فعلمت صحة إعجازه. ثم إني لما هذبت خاطري بالعلوم الرياضية، ولا سيما الهندسة وبراهينها، راجعت نفسي في اختلاف الناس في الأديان والمذاهب، فعلمت أن العقل حاكم يجب تحكيمه على كليات أمور عالمنا هذا؛ إذ لولا أن العقل أرشدنا إلى اتباع الأنبياء والرسل، لما صدقناهم في سائر ما نقلنا عنهم. وعلمت أنه إذا كان أصل التمسك بالمذاهب الموروثة عن السلف، وأصل اتباع الأنبياء مما أدى إليه العقل، فإن تحكيم العقل على كليات جميع ذلك واجب١. وإذا نحن حكمنا العقل على ما نقلناه عن الآباء والأجداد علمنا أن النقل عن السلف ليس يوجب العقل قوله من غير امتحان لصحته، بل لمجرد كونه مأخوذًا عن السلف، لكن من أجل أن يكون أمرًا ذا حقيقة في ذاته، والحجة موجودة بصحته. فأما الأبوة السلفية وحدها فليست بحجة؛ إذ لو كانت حجة لكانت أيضا حجة لسائر الخصوم الكفار كالنصارى، فإنهم نقلوا عن أسلافهم أن عيسى ابن الله، وأنه الرازق المانع الضار. فإن كان تقليد الآباء والأسلاف يدل على صحة ما ينقل عنهم، فإن ذلك يلزم منه الإقرار بصحة مقالة المجوس٢، وإن كان هذا التقليد لأسلاف اليهود خاصة دون غيرهم من الأمم، فلا يقبل ذلك منهم، إلا أن يأتوا بدليل على أن

آباءهم وأسلافهم كانوا أعقل الأمم. فإذا ادعت اليهود ذلك في حق آبائهم وأسلافهم، فجميع أخبار أسلافهم ناطقة بتكذيبيهم في ذلك. وإذا تركنا التعصب لهم، فنحن نجعل لآبائهم أسوة بسائر آباء غيرهم من الأمم. فإذا كانت آباء النصارى وغيرهم قد نقلوا عن آبائهم الكفر والضلال الذي تهرب العقول منه، وتنفر الطباع السليمة عنه، فليس بممتنع أن يكون ما نقله اليهود عن آبائهم أيضًا بهذه الصفة. فلما علمت أن اليهود لهم أسوة بغيرهم فيما نقلوه عن الآباء والأسلاف، علمت أن ليس بأيديهم حجة صحيحة بنبوة موسى ﵇ إلا شهادة التواتر. وهذا التواتر موجود لعيسى ومحمد -عليهما الصلاة والسلام- كوجوده لموسى ﵇ فإن كان التواتر يفيد تصديقًا، فالثلاثة صادقون ونبوتهم معا صحيحة. وعلمت أيضا أني لم أرَ موسى بعيني ولم أشاهد معجزاته، ولا معجزات غيره من الأنبياء ﵈ ولولا النقل وتقليد الناقلين لما عرفنا شيئا من ذلك. فعلمت أنه لا يجوز للعاقل أن يصدق واحدا ويكذب واحدا من هؤلاء الأنبياء ﵈ لأنه لم يرَ أحدهم ولا شاهد أحواله إلا بالنقل. وشهادة التواتر موجودة لثلاثتهم. فليس من العقل ولا من الحكمة أن يصدق أحدهم ويكذب الباقين. بل الواجب عقلا أن يصدق الكل. فأما تكذيب الكل، فإن العقل لا يوجبه أيضا؛ لأنا إنما نجدهم أتوا بمكارم الأخلاق، وندبوا إلى الفضائل، ونَهَوا عن الرذائل، ولأنا نجدهم قد ساسوا العالم سياسة بها صلاح حاله. فصح عندي بالدليل القاطع نبوة المسيح والمصطفى -عليهما الصلاة والسلام- وآمنت بهما. فمكثت برهة أعتقد ذلك من غير أن ألتزم الفرائض الإسلامية؛ مراقبة لأبي. وذلك أنه كان شديد الحب لي، قليل الصبر عني،

-عليهما الصلاة والسلام- وآمنت بهما. فمكثت برهة أعتقد ذلك من غير أن ألتزم الفرائض الإسلامية؛ مراقبة لأبي. وذلك أنه كان شديد الحب لي، قليل الصبر عني،

كثير البر بي. وكان قد أحسن تربيتي؛ إذ شغلني منذ أول حداثتي بالعلوم البرهانية، وزيَّن ذهني وخاطري في الحساب والهندسة المعلمين. فمكثت مدة طويلة لا يُفتح عليَّ وجه الهداية، ولا تُحل عني هذه الشبهة، وهي مراقبة أبي، إلى أن حالت الأسفار بيني وبينه، ومدت داري عن داره، وأنا مقيم على مراقبته، والتذمم من أن أفجعه بنفسي. وحان وقت الهداية، وجاءتني الموعظة الإلهية برؤيتي للنبي ﷺ في المنام، في ليلة الجمعة تاسع ذي الحجة سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. وكان ذلك بالمراغة من أذربيجان. اهـ بتصرف. وهكذا كان رؤياه لرسول الله ﷺ سببًا في اطمئنان قلبه وإعلان إسلامه بعد أن آمن عقله من حيث الحجة والبرهان، وإنك لواجد في كتابه هذا ما يدل على أنه أسلم عن خبرة ويقين، فرحمه الله وجزاه خيرا١. المدينة المنورة ٢٩/ ١١/ ١٤٠٨ عبد الوهاب طويلة

مقدمة المؤلف: ﷽ لا إله إلا الله، عدة للقاء الله أما بعد، حمد الله على ما ألهم من الهداية، وعصم من الغواية، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطاهرين. فإن سبيل من فُضِّل بالفطانة والرشاد، أن يجد في البحث عن أحوال المعاد، والتأمل لما أخذه الآباء والأجداد، بعين الامتحان والانتقاد؛ فإن رآه فضيلة سما لإدراكها، وإن ألفاه رذيلة نجا من أشراكها١؛ لتضحى حقائبه بطانًا من الزاد٢؛ فإن هاتف الموت لبالمرصاد، ولن تُحمد العقبى لمضيِّع في تحصين شرعه، وموزع مواقيته على ما ينقاد إليه بطبعه. ولن يظفر بضالة الحق إلا ناشدوها٣. ولن يهدج٤ الأباطيل على أنفسهم إلا معتدوها. والغرض الأقصى من إنشاء هذه الكلمة: الرد على أهل اللجاج والعناد٥، وأن يظهر ما يعتور كلمتهم من الفساد. على أن الأئمة

الأباطيل على أنفسهم إلا معتدوها. والغرض الأقصى من إنشاء هذه الكلمة: الرد على أهل اللجاج والعناد٥، وأن يظهر ما يعتور كلمتهم من الفساد. على أن الأئمة

-ضوعف ثوبهم- قد انتُدبوا لذلك، وسلكوا في مناظرتهم اليهودَ أنواع المسالك. إلا أن أكثر ما نوظروا به لا يكادون يفهمونه، أو لا يلتزمونه. وقد جعل الله إلى إفحامهم طريقًا مما يتداولونه في أيديهم، من نص تنزيلهم، وإعمالهم كتاب الله عند تبديلهم؛ ليكون حجة عليهم موجودة في أيديهم، وهذا أول ما ابتدئ به من إلزامهم:

[النسخ]: النسخ من نص كتابهم وما تقتضيه أصولهم: أقوال لهم: هل كان قبل نزول التوراة شرع أو لا؟ ١

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فإن جحدوا كُذِّبوا بما نطق به الجزء الثاني من السِّفْر الأول من التوراة؛ إذ شرع الله على نوح ﵇ القصاص في القتل، ذلك في قوله تعالى١: "شوفَيخ دام هاأذم باذام دامو استافيخ كي يصيلم ألويهم عاسا إت هاذام". تفسيره: سافك دم الإنسان، فليحكم بسفك دمه؛ لأن الله خلق آدم بصورة شريفة٢. وما يشهد به الجزء الثالث من السفر الأول من التوراة؛ إذ شرع على إبراهيم ﵇ ختان المولود في اليوم الثامن من ميلاده٣.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وهذه وأمثالها شرائع؛ لأن التشريع لا يخرج عن كونه أمرًا أو نهيًا من الله لعباده، سواء نزل على لسان رسول أو كتب في أسفار وألواح أو غير ذلك. فإذا أقروا بأنه قد كان شرع لهم. قلنا لهم: ما تقولون في التوراة؟ هل أتت بزيادة على تلك الشرائع أو لا؟ فإذا قالوا: لا، فقد صارت عبثًا؛ إذ لا زيادة فيها على ما تقدم، ولم تغن شيئا. فلا يجوز أن تكون صادرة عن الله. فيلزمكم أن التوراة ليست من عند الله تعالى. وذلك كفر على مذهبكم. وإن كانت التوراة أتت بزيادة. فهل في تلك الزيادة تحريم ما كان مباحا أو لا؟ فإن أنكروا ذلك بطل قولهم من وجهين: أحدهما: أن التوراة حرمت الأعمال الصناعية في يوم السبت بعد أن كان مباحا. وهذا بعينه هو النسخ١.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الثاني: أنه لا معنى لزيادة في الشرع إلا تحريم ما تقدمت إباحته، أو إباحة ما تقدم تحريمه. فإن قالوا: إن الحكيم لا يحظر شيئا ثم يبيحه؛ لأن ذلك إن جاز مثله كان كمن أمر بشيء وضده. فالجواب أن من أمر بشيء وضده في زمانين مختلفين غير متناقض في أوامره. وإنما يكون كذلك لو كان الأمران في وقت واحد. فإن قالوا: إن التوراة حظرت أمورا كانت مباحة من قبل، ولم تأتِ بإباحة محظور. والنسخ المكروه هو إباحة المحظور؛ لأن من أبيح له شيء فامتنع عنه، وحظره على نفسه فليس بمخالف. وإنما المخالف من منع من شيء فأتاه لاستباحته المحظور. فالجواب: أن من أحل ما حظره الشرع في طبقة المحرِّم لما أحله الشرع؛ إذ كل منهما قد خالف المشروع، ولم يقر الكلمة على معاهدها. فإذا جاز أن يأتي شرع التوراة بتحريم ما كان إبراهيم -عليه

ع في طبقة المحرِّم لما أحله الشرع؛ إذ كل منهما قد خالف المشروع، ولم يقر الكلمة على معاهدها. فإذا جاز أن يأتي شرع التوراة بتحريم ما كان إبراهيم -عليه

السلام- ومن تقدمه على استباحته، فجائز أن تأتي شريعة أخرى بتحليل ما كان في التوراة محظورا. وأيضا فلا تخلو المحظورات من أن يكون تحريمها مفترضا في كل الأزمنة؛ لأن الله سبحانه يكره ذلك المحظور لعينه١. وإما ألا يكرهه لعينه، بل نهى عنه في بعض الأزمنة. فإن كان الله نهى عن عمل الصناعات في يوم السبت لعين السبت، فينبغي أن يكون هذا التحريم على إبراهيم ونوح أيضا؛ لأن عين السبت كانت أيضا موجودة في زمانهم، وهي علة التحريم. وإذا كان ذلك غير محرم على إبراهيم ومن تقدمه، فليس النهي عنه لعينه -أعني: في جميع أوقات وجود عينه- وإذا لزمكم أن تحريم الصناعة في يوم السبت ليس تحريما في جميع أوقات السبت، فليس يمتنع أن ينسخ هذا التحريم في زمن آخر. وإذا ظهر قائم بمعجزات الرسالة وأعلام النبوة في زمن آخر بعد فترة طويلة، فجائز أن يأتي بنسخ كثير من أحكام الشريعة، سواء حظر مباحاتها، أو أباح محظوراتها. وكيف يجوز أن تحاج البينة باعتراض فيما ورد به من أمر ونهي، سواء وافق العقول البشرية أو باينها؟ لا سيما أن الخصوم قد طالما تعبدوا بفرائض مباينة للعقول، كطهارة أنجاسهم برماد البقرة التي كان الإمام الهاروني يحرقها قبيل أوان الحج، ونجاسة طاهرهم بذلك الرماد بعينه٢.

على أن الذي يروم تنزيله منزلة هذا أقرب كثيرا إلى العقل. فإن الأفعال والأوامر الإلهية منزهة عن الوقوف عند مقتضى العقول البشرية١.

وإذا كانت التعبدات الشرعية غير عائدة بنفع لله ﷿، ولا دافعة عنه ضررا لتنزهه ﷾ عن الانتفاع والتأذي بشيء. فما الذي يحيل أو يمنع كونه تعالى يأمر أمة بشريعة، ثم ينهى أمة أخرى عنها؟ أو يحرم محظورا على قوم، ويحله لأولادهم، ثم يحظره ثانية على من يجيء بعدهم؟ وكيف يجوز للمتعبد أن يعارض الرسول في تحليله ما كان حراما على قوم، ويستدل بذلك على كذبه بعد أن جاء بالبينة، وأوجب العقلاء تصديقه وتحكيمه؟ أليس هذا تحكما وضلالا وعدولا عن الحق؟!

الرسول في تحليله ما كان حراما على قوم، ويستدل بذلك على كذبه بعد أن جاء بالبينة، وأوجب العقلاء تصديقه وتحكيمه؟ أليس هذا تحكما وضلالا وعدولا عن الحق؟!

[نسخ السبت بالصوم الأكبر]: نقول لهم: ما تقولون في السبت؟ أيهما أقدم: افتراضها عليكم أو افتراض الصوم الأكبر؟ فيقولون: السبت أقدم؛ لأنهم إن قالوا: الصوم أقدم، كذبناهم بأن السبت فرضت عليهم في أول إعطائهم المن، والصوم الأكبر فرض عليهم بعد نزول اللوحين ومخالفتهم وعبادتهم العجل. ولما رُفع عنهم عقاب ذنبهم ذلك في هذا اليوم، فُرض عليهم صومه وتعظيمه. فإذا أقروا بتقديم السبت قلنا لهم: ما تقولون في يوم السبت؟ هل فرضت فيه عليكم الراحة والدعة وتحريم المشقات أو لا؟ فيقولون: بلى. فنقول لهم: فلم فرضتم فيه الصوم إذ اتفق صومكم الأكبر يوم السبت، مع كون صومكم فرض بعد فريضة السبت؟ ولكم في هذا الصوم أنواع من المشقة، منها القيام جميع النهار، أليس هذا أيضا قد نسخ فريضة السبت؟! ١ ما يحكونه عن عيسى ﵇[وعمله يوم السبت]: هم يزعمون أنه كان من العلماء، وأنه كان يطبب المرضى

بالأدوية، ويوهمهم أن الانتفاع الْمُنال حصل لهم بدعائه. وأنه أبرأ جماعة من المرضى من أسقامهم يوم السبت، فأنكرت عليه اليهود ذلك. فقال لهم: أخبروني عن الشاة من الغنم: إن وقعت في البئر يوم السبت، أما تنزلون إليها، وتحلون السبت لتخليصها؟ قالوا: بلى. قال: فلماذا أحللتم السبت لتخليص الغنم، ولا تحلونه لتخليص الإنسان الذي هو أكبر حرمة من الغنم؟ فأفحمهم، ولم يؤمنوا. وأيضا، فإنهم يحكون عنه أنه كان مع جماعة من تلاميذه في جبل، ولم يحضرهم الطعام. فأذن لهم في تناول الحشيش يوم السبت، فقال لهم: أرأيتم لو أن أحدكم كان وحيدا مع قوم على غير ملته، وأمروه بقطع النبات في يوم السبت وإلقائه لدوابهم، ألستم تجيزون له قطع النبات؟ قالوا: بلى. قال: فإن هؤلاء القوم أمرتهم بقطع النبات ليأكلوه؛ لينقذوا أنفسهم، لا للطعن في أمر السبت. كل ذلك ملاطفة منه لعقولهم التي لا ينطبع فيها النسخ. ولئن كان ما يحكونه من ذلك صحيحا، فلعله كان في ابتداء أمر المسيح عليه السلام١.

وجه آخر في إثبات النسخ بأصولهم: نقول لهم: فهل أنتم اليوم على ملة موسى ﵇؟ فإن قالوا: نعم. قلنا لهم: أليس في التوارة "أن من مس عظما، أو طئ قبرا، أو حضر ميتا عند موته، فإنه يصير من النجاسة في حالة لا طهارة له منها إلا برماد البقرة التي كان الإمام الهاروني يحرقها"؟ فلا يمكنهم مخالفة ذلك؛ لأن نصُّ ما يتداولونه١.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فنقول لهم: فهل أنتم اليوم على ذلك؟ فيقولون: لا نقدر على ذلك. فنقول لهم: فكيف جعلتم أن من لمس العظم والقبر والميت فهو طاهر، يصلح للصلاة وحمل المصحف، والذي في كتابكم خلافه؟ فإن قالوا: لأنا عدمنا أسباب الطهارة، وهي رماد البقرة، والإمام المطهر المستغفر. قلنا: فهل ترون هذا الأمر مع عجزكم عنه مما تستغنون عنه في الطهارة أو لا؟

ن قالوا: لأنا عدمنا أسباب الطهارة، وهي رماد البقرة، والإمام المطهر المستغفر. قلنا: فهل ترون هذا الأمر مع عجزكم عنه مما تستغنون عنه في الطهارة أو لا؟

فإن قالوا: نعم، قد نستغني عنه، فقد أقروا بالنسخ لتلك الفريضة لحال اقتضاها هذا الزمان. وإن قالوا: لا نستغني في الطهارة عن ذلك الطهور، فقد أقروا بأنهم الأنجاس أبدا ما داموا لا يقدرون على سبب الطهارة. فنقول لهم: فإذا كنتم أنجاسا على رأيكم وأصولكم، فما بالكم تعتزلون الحائض بعد انقطاع الحيض وارتفاعه سبعة أيام اعتزالا تُفرطون فيه إلى حد أن أحدكم لو لمس ثوبه ثوب المرأة الحائض لاستنجستموه مع ثوبه؟ ١

فإن قالوا: لأن ذلك من أحكام التوراة. قلنا: أليس في التوراة أن ذلك يراد به الطهارة؟ فإذا كانت الطهارة قد فاتتكم، فإن النجاسة التي أنتم فيها على معتقدكم لا ترتفع بالغسل كنجاسة الحيض، فهي لذلك أشد من نجاسة الحيض، ثم إنكم ترون أن الحائض طاهرة إذا كانت من غير ملتكم، ولا تستنجسون لامسها ولا الثوب الذي تلمسه. وتخصيص الأمر -أعني نجاسة الحائض بطائفتكم- مما ليس في التوراة، فهذا كله منكم نسخ أو تبديل. فإن قالوا: إن هذا وإن كان النص غير ناطق به فقد جاء في الفقه. قلنا لهم: فما تقولون في فقهائكم؛ هل الذي اختلفوا فيه من مسائل الخلاف والمذهب -على كثرتها لديكم- كان ثمرة اجتهاد واستدلال منقولا بعينه؟ فهم يقولون: إن جميع ما في كتب فقهنا نقله الفقهاء عن الأحبار عن الثقات من السلف عن يوشع بن نون عن موسى الكليم ﵉ عن الله تعالى. فيلزمكم في هذا أن المسألة الواحدة التي اختلف فيها اثنان من فقهائكم أن يكون كل واحد منهما ينقل مذهبه فيها نقلا مستندا إلى الله ﷿. وفي ذلك من الشناعة اللازمة أن يجعلوا الله قد أمر في تلك المسألة بشيء وخلافه. وهو النسخ الذي يدفعونه بعينه. فإن قالوا: إن الخلاف غير مستعمل؛ لأن الأولين كانوا بعد

شناعة اللازمة أن يجعلوا الله قد أمر في تلك المسألة بشيء وخلافه. وهو النسخ الذي يدفعونه بعينه. فإن قالوا: إن الخلاف غير مستعمل؛ لأن الأولين كانوا بعد

اختلافهم في المذهب في المسألة يرجعون بها إلى أصل واحد هو المقطوع به. قلنا: إن رجوعهم بعد الاختلاف إلى الاتفاق على مذهب واحد، إما لأن أحدهم رجع عما نقل، أو طعن في نقله، فيلزمه السقوط عن العدالة. ولا يجوز لكم أن تعاودوا الالتفاف إلى نقله، وإما أن يكون الفقهاء اجتمعوا على نسخ أحد المذهبين، أو تكون رواية أحدهما ناسخة لرواية الآخر. وما من الفقهاء إلا قد ألغى مذهبه في مسائل كثيرة. وهذا جنون ممن لا يقر بالنسخ، ولا يرى كلام أصحاب الخلاف اجتهادا ونظرا. بل نقلا محضا١.

إلزامهم النسخ بوجه آخر: نقول لهم: ما تقولون في صلواتكم وصومكم؟ هل هي التي فارقكم عليها موسى ﵇؟ فإن قالوا: نعم. قلنا: فهل كان موسى وأمته يقولون في صلاتهم كما تقولون: "تقاع شوفار كاذول لحيروا ثلتووسانيس لقبو صينو وقصلنو باحد تياره باع كنفوث ها أرص نوى قد شيخا يا روح أتا أدوناي مقبيص ندحى عموا يا روح برائل"؟ تفسيره: اللهم اضرب ببوق عظيم لعتقنا، واقبضنا جميعا من أربعة أقطار الأرض إلى قدسك، سبحانك يا جامع تشتيت قوم بني إسرائيل. أم هل كانوا على عهد موسى ﵇ يقولون كما تقولون في كل يوم: "هاشيب شوفطينو كبار شيونا ويوعصينو كبتحلا وبن أشير برشالايم عير قد شخا يحيتوونا حمينو بلسنا ناياروخ أنا أدوناي بوي بروشالايم"؟ تفسيره: رد حكامنا كالأولين، ومسراتنا كالابتداء، وابن يروشلم قرية قدسك في أيامنا، وأعزنا ببنائها، سبحانك يا باني يروشليم. أَمَا هذه فصول شاهدة بأنكم لفقتموها بعد زوال الدولة؟ ١

وأما صوم إحراق بيت المقدس وصوم حصاره وصوم كداليا الذي جعلتموه فرضا. هل كان موسى ﵇ يصومها وأمر بها، هو أو خليفته يوشع؟ أو صوم صلب هامان؟ هل هذه الأمور مفترضة بالتوراة، أو زيدت لأسباب اقتضت زيادتها في هذه الأعصار؟ فإن قالوا: وكيف يلزمنا النسخ بهذه الآي؟ قلنا: لأن التوراة بهذه الآية نطقت، وهي: "لوثوا سيفوا عل هدا باراشيرا نوضي مصوي أتخيم ولوتغر عد ممينو". تفسيره: لا تزيدوا على الأمر الذي أنا موصيكم به شيئا، وإذا زدتم أشياء من الفرائض، فقد نسختم تلك الآية١.

إثبات النسخ على وجه آخر: نقول لهم: أليس عندكم أن الله اختار من بني إسرائيل الأبكار ليكونوا خواص في الخدمة للأقداس؟ ١ فيقولون: بلى. فنقول لهم: أليس عندكم أيضا أن موسى ﵇ لما نزل من الجبل، ومعه الألواح، ووجد القوم عاكفين على العجل، وقف بطرف المعسكر ونادى: من كان لله تعالى فليحضرني. فانضم إليه بنو لاوى، ولم ينضم إليه البكور؛ إذ هم خاصة الله يومئذ، دون أولاد لاوى. فلما خذله البكور ونصره أولاد لاوى، قال الله لموسى: "وأقاح اث هلويم ثاحث كل نحور بني إسرائيل"؟ تفسيره: وقد أخذت اللاويين عوضا عن كل بكر في بني إسرائيل٢.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وفي عقيب نزول هذه الآية، أليس أن الله عزل الأبكار عن ولاية الاختصاص، وأخذ أولاد لاوى عوضا عنهم؟ فهم لا يقدرون على إنكار ذلك. وهذا يلزمهم منه القول بالبداء أو النسخ.

ه الآية، أليس أن الله عزل الأبكار عن ولاية الاختصاص، وأخذ أولاد لاوى عوضا عنهم؟ فهم لا يقدرون على إنكار ذلك. وهذا يلزمهم منه القول بالبداء أو النسخ.

إفحام أهل الكتاب وإلزامهم بالإسلام: [طرق إثبات النبوة] ١: لا يسع عاقلا أن يكذب نبيا ذا دعوى شائعة وكلمة صادقة، ويصدق غيره؛ لأنه لم يرَ أحدهما، ولا شاهد معجزاته. فإذا خص أحدهما

بالتصديق والآخر بالتكذيب، فقد تعين عليه الملام والإزراء عقلا. ولنضرب لذلك مثلا: إذا سألنا يهوديا عن موسى ﵇ وهل رآه وعاين معجزاته؟ فهو بالضرورة يقر بأنه لم يشاهد شيئا من ذلك عِيَانا. فنقول له: بماذا عرفت نبوة موسى وصدقه؟ فإن قال: إن التواتر قد حقق ذلك، وشهادات الأمم بصحته دليل

ثابت في العقل، كما قد ثبت عقلا وجود بلاد وأنهار لم نشاهدها، وإنما تحققنا وجودها بتواتر الأنباء والأخبار. قلنا: إن هذا التواتر موجود لمحمد وعيسى -عليهما الصلاة والسلام- كما هو موجود لموسى ﵇ فيلزمك التصديق بهما. وإن قال اليهودي: إن شهادة أبي عندي بنبوة موسى ﵇ هي شبه تصديق بنبوته. قلنا له: ولِمَ كان أبوك عندك صادقا في ذلك معصوما عن الكذب؛ وأنت ترى الكفار أيضا يعلمهم آباؤهم ما هو كفر عندك؛ إما تعصبا من أحدهم لدينه، وكراهية لمباينة طائفته، ومفارقة قومه وعشيرته، وإما لأن أباه وأشياخه نقلوه إليه، فتلقنه منهم معتقدا فيه الهداية والنجاة؟ فإذا كنت يا هذا قد ترى جميع المذاهب التي تكفر بها قد أخذها أبناؤها عن آبائهم كأخذ مذهبك عن أبيك، وكنت عالما أن ما هم عليه ضلال وجهل، فيلزمك أن تبحث عما أخذته عن أبيك من أن تكون هذه حالتك. فإن قال: إن الذي أخذته عن أبي أصح مما أخذه الناس عن آبائهم، لزمه أن يقيم البرهان على نبوة موسى ﵇ من غير تقليد لأبيه؛ لأنه قد ادعى صحة ذلك بغير تقليد. وإن زعم أن العلة في صحة ما نقله عن أبيه أنه رجح أباه على آباء الناس بالصدق والمعرفة -كما يدعي اليهود في حق آبائهم- لزمه أن يأتي بالدليل على أن أباه أعقل من سائر آباء الناس وأفضل. فإن هو ادعى ذلك فقد كذب فيه؛ لأنه من ادعى مثل هذا يجب أن يستدل على فضائله بآثاره.

هم- لزمه أن يأتي بالدليل على أن أباه أعقل من سائر آباء الناس وأفضل. فإن هو ادعى ذلك فقد كذب فيه؛ لأنه من ادعى مثل هذا يجب أن يستدل على فضائله بآثاره. وقول اليهود باطل؛ فإنهم ليس لهم من الآثار في العالم ما ليس لغيرهم مثله. بل هم على الحقيقة لا ذكر لهم بين الأمم الذين استخرجوا العلوم الدقيقة ودونوها لمن يأتي بعدهم. وجميع ما نسب إليهم من العلوم مع استفادوه من علوم غيرهم لا يضاهي بعض الفنون

الحكمية التي استخرجها حكاء اليونان، والعلوم التي استنبطها النبط. وأما تصانيف المسلمين، فيستحيل لكثرتها أن يقف أحد من الناس على جميع ما صنفوه في أحد الفنون العلمية لسعته وكثرته. وإن كان هذا موقعهم من الأمم فقد بطل قولهم: إن آباءهم أعقل الناس وأفضلهم وأحكمهم. ولهم أسوة بسائر آباء الناس المماثلين لهم من ولد سام بن نوح ﵉ فإذا أقروا بتأسي آبائهم بآباء غيرهم، وقد علموا أن آباء غيرهم قد لقنوهم الكفر. لزمهم أن شهادة الآباء لا يجوز أن تكون حجة في صحة الدين. فلا يبقى لهم حجة في نبوة موسى إلا شهادة التواتر. وهذا التواتر موجود لعيسى ومحمد -عليهما الصلاة والسلام- كوجوده لموسى ﵇. وإذا كانوا قد آمنوا بموسى ﵇ لشهادة التوتر بنبوته، فقد لزمهم التصديق بنبوة المسيح والمصطفى ﵉.

إلزامهم بنبوة عيسى والمصطفى ﵉: نقول لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فيقولون: ولد يوسف النجار سفاحا. كان قد عرف اسم الله الأعظم، يسخر به كثيرا من الأشياء. فنقول لهم: أليس عندكم في أصح نقلكم: أن موسى ﵇ قد أطلعه الله تعالى على الاسم المركب من اثنين وأربعين حرفا، وبه شق البحر وعمل المعجزات؟ ١ فلا يقدرون على إنكار ذلك. فنقول لهم: فإذا كان موسى ﵇ قد عمل المعجزات

بأسماء الله تعالى، فلم صدقتم نبوته، وكذبتم نبوة عيسى ﵇؟ فيقولون: لأن الله تعالى علم موسى الأسماء، وعيسى لم يتعلمها من الوحي، ولكنه تعلمها من حيطان بيت المقدس١. فنقول لهم: فإذا كان الأمر الذي يتوصل به إلى عمل المعجزات قد يصل إلى من لا يختصه الله به، ولا يريد تعليمه إياه، فبأي شيء جاز تصديق موسى ﵇؟ فيقولون: لأنه أخذها عن ربه.

ان الأمر الذي يتوصل به إلى عمل المعجزات قد يصل إلى من لا يختصه الله به، ولا يريد تعليمه إياه، فبأي شيء جاز تصديق موسى ﵇؟ فيقولون: لأنه أخذها عن ربه.

فنقول: وبأي شيء عرفتم أنه أخذها عن ربه؟ فيقولون: بما تواتر من أخبار أسلافنا. وأيضا فإنا نلجئهم إلى نقل أسلافهم ونقول لهم: بماذا عرفتم نبوة موسى؟ فإن قالوا: بما عمله من المعجزات. قلنا لهم: وهل فيكم من رأى هذه المعجزات؟ ليس هذا لعمري طريقا إلى تصديق النبوة؛ لأن هذا كان يلزمكم منه أن تكون معجزات الأنبياء ﵈ باقية من بعدهم ليراها كل جيل بعد جيل، فيؤمنوا به، وليس ذلك بواجب. لأنه إذا اشتهر النبي في عصر، وصحت نبوته في ذلك العصر بالمعجزات التي ظهرت منه لأهل عصره، ووصل خبره لأهل عصر آخر، وجب عليهم تصديق نبوته واتباعه؛ لأن المتواترات والمشهورات مما يجب قبولها في العقل١. وموسى وعيسى ومحمد -عليهم الصلاة والسلام- في هذا الأمر متساوون. ونقول: تواتر الشهادات بنبوة موسى أضعف من تواتر الشهادات بنبوة عيسى ومحمد -عليهما الصلاة والسلام- لأن شهادة المسلمين والنصارى بنبوة موسى ليست إلا بسبب أن كتابيهما يشهدان له بذلك. فتصديقهم بنبوة موسى ﵈ فرع عن تصديقهم بكتابيهما. وأما معجزات القرآن فإنها باقية، وإذا كانت باقية، فتلك فضيلة زائدة لا تحتاج إلى كونها سبب الإيمان. فأما من أعطي ذوق الفصاحة،

فإن إيمانه بإعجاز القرآن إيمان من شاهد المعجزات، لا من اعتمد على الخبرة، إلا أنه هذه درجة لم يرسخ بها كل أحد. فإن قالوا: إن نبينا يشهد له جميع الأمم، فإن التواتر به أقوى، فكيف تقولون: إنه أضعف؟ قلنا: أكان إجماع شهادات الأمم صحيحا لديكم؟ فإن قالوا: نعم. قلنا: فإن الإمم الذين قبلتم شهاداتهم مجتمعون على تكفيركم وتضليلكم. فليزمكم ذلك. لأن شهادتهم عندكم مقبولة. فإن قالوا: لا نقبل شهادة أحد. لم يبق لهم تواتر إلا من طائفتهم. وهي أقل الطوائف عددا. فيصير تواترهم وشرعهم لذلك أضعف الشرائع. ويلزمهم مما تقدم أن كل من أظهر معجزات شهد بها التواتر مصدق في مقالته. ويلزمهم من ذلك التصديق بنبوة المسيح والمصطفى عليهما الصلاة والسلام.

ف الشرائع. ويلزمهم مما تقدم أن كل من أظهر معجزات شهد بها التواتر مصدق في مقالته. ويلزمهم من ذلك التصديق بنبوة المسيح والمصطفى عليهما الصلاة والسلام.

إلزامهم بنبوة المسيح "﵇ ": نقول لهم: أليس في التوراة التي في أيديكم: "لو ياسور وشبيط منجهوزا ومحوقق مين دوغلاو"؟

تفسيره: لا يزول الملك من آل يهوذا والراسم من بين ظهرانيهم إلى أن يأتي المسيح١ فلا يقدرون على جحده ..

فنقول لهم: أما علمتم أنكم أصحاب دولة وملك إلى ظهور المسيح، ثم انقضى ملككم؟ فإن لم يكن لكم ملك، فقد لزمكم من التوراة أن المسيح قد أرسل. وأيضا فإنا نقول لهم: أليس منذ بعث المسيح عيسى ﵇ استولت ملوك الروم على اليهود وبيت المقدس، وانقضت دولتهم، وتفرق شملهم؟ فلا يقدرون على جحد ذلك إلا بالبهتان. ويلزمهم على أصلهم الذي في التوراة أن عيسى ابن مريم ﵇ هو المسيح الذي ينتظرونه١.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ذكر الموضع الذي أُشير فيه إلى نبوة الكليم والمسيح والمصطفى "﵈ ": وهو: "وامار أدوناي اتكلي وريفور يعارير سيعير انخرى لانا استخي بعبوريته على طورد فاران وعمه ربوان قد يشير". تفسيره: "إن الله تعالى من سيناء تجلى، وأشرق نوره من سيعير، واطلع من جبال فاران، ومعه ربوات المقدسين"١.

وهم يعلمون أن جبل سيعير هو جبل الشراة الذي فيه بنو العيص الذين آمنوا بالمسيح ﵇ بل في هذا الجبل كان مقام المسيح ﵇ وهم يعلمون أن سيناء هو جبل الطور. لكنهم لا يعلمون أن جبل فاران هو جبل مكة. وفي الإشارة إلى هذه الأماكن الثلاثة التي كانت مقام نبوة هؤلاء الأنبياء ما يقتضي للعقلاء أن يبحثوا عن تأويله المؤدي إلى الأمر باتباع مقالتهم. فأما الدليل الواضح من التوراة على أن جبل فاران هو جبل مكة، فهو أن إسماعيل لما فارق أباه الخليل ﵉ سكن إسماعيل في برية فاران. ونطقت التوراة بذلك في قوله: "وبيثب بمديار فاران وتقاح لوأمو أشامئا يزمن مصرايم".

تفسيره: وأقام في برية فاران، وأنكحته أمه امرأة من أرض مصر١. فقد ثبت في التوراة أن جبل فاران مسكن لآل إسماعيل. وإذا كانت التوراة قد أشارت في الآية التي تقدم ذكرها إلى نبوة تنزل على جبل فاران، لزم أن تلك النبوة على آل إسماعيل؛ لأنهم سكان فاران. وقد علم الناس قاطبة أن المشار إليه بالنبوة من ولد إسماعيل هو محمد ﷺ وأنه بعث من مكة التي كان فيها مقام إبراهيم وإسماعيل. فدل ذلك على أن جبال فاران هي جبال مكة. وأن التوراة أشارت في هذا الموضع إلى نبوة المصطفى ﷺ وبشرت به. إلا أن اليهود -لجهلهم وضلالهم- لا يجوزون الجمع بين هاتين العبارتين من الآيتين، بل يسلمون بالمقدمتين، ويجحدون النتيجة لفرط جهلهم٢.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وقد شهدت عليهم التوراة بالإفلاس من الفطنة والرأي، ذلك قوله تعالى: "كي غوى أوباذ عيصون هيما وابن باهيم تسونا". تفسيره: إنهم لشعب عادم الرأي، وليس فيهم فطانة١.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ذكر الآيات والعلامات التي في التوراة الدالة على نبوة سيدنا محمد ﷺ: إنهم لا يقدرون على أن يجحدوا هذه الآية من الجزء الثاني من السفر الخامس من التوراة: "لاهيم وهي نابي أقيم مقارب أحيحيم كاموخا إيلاو شيماعون". تفسيره: نبيا أقيم لهم من وسط إخوتهم مثلك، به فليؤمنوا١.

وإنما أشار بهذا أنهم يؤمنون بمحمد ﷺ. فإن قالوا: إنه قال: من وسط إخوتهم. وليس في عادة كتابنا أنه يعني بقوله: "إخوتهم" إلا بني إسرائيل. قلنا: بلى. قد جاء في التوراة

"إخوتهم" لبني العيص. وذلك في الجزء الأول من السفر الخامس، وهو قوله: "ايم عوبريم بقبول احيحيم بني عيسى وهيوشيم بسيعير". تفسيره: أنتم عابرون في تخم إخوتكم بني العيص المقيمين في سيعير. إياكم أن تطمعوا في شيء من أرضهم١. فإذا كان بنو العيص إخوة لبني إسرائيل؛ لأن العيص وإسرائيل ولدا إسحاق. فكذلك بنو إسماعيل إخوة لجميع ولد إبراهيم. وإن قالوا: إن هذا القول إنما أشير به إلى شموائيل النبي ﵇ لأنه قال: "من وسط إخوتهم مثلك". وشموائيل كان مثل موسى؛ لأنه من أولاد لاوى. يعنون من السبط الذي كان منه موسى ﵇. قلنا لهم: فإن كنتم صادقين، فأي حاجة بكم إلى أن يوصيكم بشموائيل، وأنتم تقولون: إن شموائيل لم يأتِ بزيادة ولا نسخ؟! أأشفق من ألا تقبلوه لأنه إنما أرسل ليقوي أيديكم على أهل فلسطين، وليردكم إلى شرع التوراة؟ وبين صفته، فأنتم أسبق الناس إلى الإيمان به؟ لأنه إنما يخاف تكذيبكم لمن ينسخ مذهبكم، ويغير أوضاع ديانتكم، فالوصية بالإيمان به مما لا يستغني مثلكم عنه. ولذلك لم يكن بموسى

ق الناس إلى الإيمان به؟ لأنه إنما يخاف تكذيبكم لمن ينسخ مذهبكم، ويغير أوضاع ديانتكم، فالوصية بالإيمان به مما لا يستغني مثلكم عنه. ولذلك لم يكن بموسى

-﵇ حاجة إلى أن يوصيكم بالإيمان بنبوة إرمياء وإشعياء وغيرهما من الأنبياء. وهذا دليل على أن التوراة أمرتهم في هذا الفصل بالإيمان بالمصطفى واتباعه صلى الله عليه وسلم١.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الإشارة إلى اسمه "ﷺ" في التوراة: قال الله تعالى في الجزء الثالث من السفر الأول من التوراة مخاطبا إبراهيم الخليل ﵇: "وأما في إسماعيل فقد قبلت دعاءك. قد باركت فيه، وأثمره وأكثره جدا جدا"١. ذلك قوله: "وليشماعيل

شمعتيخا هني بيراختي أوثو وهفريتي أوثو وهربيتي بمادماد"١. فهذه الكلمة "بمادماد" إذا عددنا حساب حروفها بالجمل وجدناه اثنين وتسعين. وذلك عدد حاسب حروف محمد ﷺ فإنه أيضا اثنان وتسعون. وإنما جعل ذلك في هذا الموضع ملغزا؛ لأنه لو صرح به لبدلته اليهود أو أسقطته كما علموا في غير ذلك٢.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

علموا في غير ذلك٢.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فإن قالوا: إنه يوجد في التوراة عدة كلمات مما يكون حساب حروفه مساويا لعدد حساب حروف اسم زيد وعمرو وخالد. فلا يلزم من ذلك أن يكون زيد وعمرو وخالد أنبياء. فالجواب: إن الأمر كما يقولون لو كان لهذه الآية أسوة بغيرها من كلمات التوراة. لكنا نقيم البراهين والأدلة على أنه لا أسوة لهذه الكلمة بغيرها في سائر التوراة. وذلك أنه ليس في التوراة من الآيات ما حاز به إسماعيل الشرف كهذه الآية؛ لأنها وعد من الله تعالى لإبراهيم بما يكون من شرف إسماعيل. وليس في التوراة آية أخرى مشتملة على شرف لقبيلة زيد وعمرو وخالد وبكر، كما أنه ليس في الآية كلمة تساوي "بمادماد" التي معناها "جدا جدا". وذلك أنها كلمة المبالغة من الله ﷾. فلا أسوة لها من كلمات الآية المذكورة. وإذا كانت هذه الآية أعظم الآيات مبالغة في حق إسماعيل وأولاده. وكانت تلك الكلمة أعظم مبالغة من باقي كلمات تلك الآية، فلا عجب أن تتضمن الإشارة إلى أجل أولاد إسماعيل شرفا، وأعظمهم قدرا محمد ﷺ. وإذ قد بينا أنه ليس لهذه الكلمة أسوة بغيرها من كلمات هذه

الآية، ولا لهذه الآية أسوة بغيرها من آيات التوراة فقد بطل اعتراضهم١.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[افتراءات اليهود]: إبطال ما يدعون من محبة الله تعالى إياهم: هم يزعمون أن الله ﷾ يحبهم دون جميع الناس، ويحب طائفتهم وسلالتهم، وأن الأنبياء والصالحين لا يختارهم الله تعالى إلا منهم١.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ونحن نناظرهم على ذلك، فنقول لهم: ما قولكم في أيوب النبي ﵇؟ أتقرون بنبوته؟ فيقولون: نعم١. فنقول لهم: ما تقولون في جمهور بني إسرائيل؟ أعني: التسعة أسباط والنصف الذين أغواهم برعام بن نباط الذي خرج على ولد سليمان بن داود، ووضع لهم الكبشين من الذهب، وعكف على عبادتهما جماعة من بني إسرائيل وأهل جميع ولاية دار ملكهم الملقبة يومئذ شومرون، إلى أن جرت الحرب بينهم وبين السبطين والنصف الذين كانوا مؤمنين مع ولد سليمان ببيت المقدس، وقتل منهم في معركة واحدة خمسمائة ألف إنسان. فما تقولون في أولئك القتلى بأسرهم؟ وفي التسعة أسباط والنصف؟ هل كان الله يحبهم لأنهم إسرائيليون؟ فيقولون: لا؛ لأنهم كفار٢.

فنقول لهم: أليس عندكم في التوراة أنه لا فرق بين الدخيل في دينكم وبين الصريح النسب منكم؟

فيقولون: بلى؛ لأن التوراة ناطقة بهذا: "ككيركا از كاخيم بيهي لقي أدوناي". تفسيره: إن الأجنبي والصريح النسب سواء بينكم عند الله. "توراحات ومتنفاط إيحاد يهي لاخيم ولكيرهكار بنو ححيم". تفسيره: شريعة واحدة وحكم واحد يكون لكم وللغريب الساكن فيما بينكم١.

فإذا اضطررناهم إلى الإقرار بأن الله لا يحب الضالين منهم، ويحب المؤمنين من غير طائفتهم، ويتخذ أولياء وأنبياء من غير سلالتهم. فقد نفوا ما ادعوه من اختصاص محبة الله ﷾ لطائفتهم من بين المخلوقين.

الضالين منهم، ويحب المؤمنين من غير طائفتهم، ويتخذ أولياء وأنبياء من غير سلالتهم. فقد نفوا ما ادعوه من اختصاص محبة الله ﷾ لطائفتهم من بين المخلوقين.

فصل في ذكر طرف من كفرهم وتبديلهم: إن سبيل ذوي التحصيل أن يجتنبوا الرذائل، وينفروا مما قبح في العقول السليمة، ورجح زيفه عند الأفهام المستقيمة. ولهذه الطائفة من الفنون الضلالية ما تنبو عن مثله العقول، ويخالفه المشروع والمعقول. فمن ذلك: أنهم مع ذهاب دولتهم وتفرق شملهم، وعلمهم بالغضب الممدود عليهم. يقولون كل يوم في صلواتهم: إنهم أبناء الله وأحباؤه. وذلك قولهم كل يوم في الصلاة: "اهباث عولام أهبثانو أدوناي الوهينو" تفسيره: الدهر أحببتنا يا إلهنا. "هثبيو أبينو الترورأثخينا" تفسيره: ارددنا يا أبانا إلى شريعتك. "أبينو ملكينو الوهينو" تفسيره: يا أبانا يا ملكنا يا إلهنا. "أنا أدوناي أبينو اكوالينوا" تفسيره: أنت اللهم أبونا منقذنا. "وايث كل رود في يانخا واويبي عدا شخاكوالام كساموا أيام إيحاد ميهم لونوا أثار" تفسيره: وجميع الذين اقتفوا أثر نيبك، وأعداء جماعتك كلهم غطاهم البحر، واحد منهم لم يبق ١. ويمثلون أنفسهم بعناقيد العنب، وسائر الأمم بالشوك المحيط

بأعالي حيطان الكرم. وهذا من قلة عقولهم ونظرهم. فإن المعتني بمصالح الكرم، إنما يجعل على حيطانه الشوك حفظا وحياطة للكرم. ولسنا نرى لليهود من بقية الأمم إلا الضرر والذل والصغار. وذلك مبطل لقولهم١. وينتظرون قائما يأتيهم من نسل داود، وإذا حرك شفتيه بالدعاء مات

جميع الأمم، ولا يبقى إلا اليهود. وهذا المنتظر بزعمهم هو المسيح الذي وعدوا به. وقد كانت الأنبياء ﵈ ضربوا لهم أمثالا أشاروا بها إلى جلالة دين المسيح ﵇ وخضوع الجبارين لأهل ملته، وإتيانه بالنسخ العظيم. فمن ذلك قول إشعياء في نبوته: "وغار زائب عم كبيش يحذا ويربضوا شنيهم وفارا واذوب ترعينا وارياء كبار قارا بوخل تبين" تفسيره: إن الذئب والكبش يرعيان جميعا، ويربضان معا، وإن البقرة والدب يرعيان جميعا، وإن الأسد يأكل التبن كالبقرة١.

فلم يفهموا من تلك الأمثال إلا صورها الحسية دون معانيها العقلية، فتولوا عن الإيمان بالمسيح عند مبعثه، وأقاموا ينتظرون الأسد يأكل التبن، وتصح لهم حينئذ العلائم بمبعث المسيح. ويعتقدون أيضا أن هذا المنتظر متى جاءهم يجمعهم بأسرهم إلى

القدس، وتصير لهم الدولة، ويخلو العالم من سواهم، فيحجم الموت عن جنابهم المدة الطويلة. وسبيلهم أن يعولوا على متابعة الأسود في غاباتها، وطرح التبن بين أيديها؛ ليعلموا وقت أكلها إياه١.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وأيضا، إنهم في العشر الأول من الشهر الأول من كل سنة يقولون في صلاتهم: "ألوهيبود ألوهي ايوثينو ملوخ على كل يوشي تبيل ارصيحا ويوماركول اشبرنشا ماباقو أدوناي الوهي يسرائيل ملاخ وملخوثو ايلول ماشالا" تفسيره: يا آلهنا وإله آبائنا املك على جميع أهل الأرض ليقول كل ذي نسمة: الله إله إسرائيل قد ملك، ومملكته في الكل متسلطنة. ويقولون في هذه الصلوات أيضا: "وسيكون لله الملك، وفي ذلك اليوم يكون الله واحد". ويعنون بذلكأنه لا يظهر أن الملك لله إلا إذا صارت الدولة إلى اليهود الذين هم أمته وصفوته. فأما ما دامت الدولة لغير اليهود، فإن الله خامل الذكر عند الأمم، وأنه مطعون في ملكه مشكوك في قدرته. فهذا معنى قولهم: "اللهم املك على جميع أهل

الأرض"، ومعنى قولهم: "وسيكون الملك لله"١. ومما ينخرط في هذا السلك قولهم: "لا ما يومر وهو كوييم إلى أنا ألوهيم". تفسيره: لِمَ تقول الأمم: أين إلههم؟ وقولهم: "عور إلا ما يثشنان أدوناي هاقيصا مشاثيخا". تفسيره: انتبه لِمَ تنام يا رب؟ استيقظ من رقدتك٢.

أنا ألوهيم". تفسيره: لِمَ تقول الأمم: أين إلههم؟ وقولهم: "عور إلا ما يثشنان أدوناي هاقيصا مشاثيخا". تفسيره: انتبه لِمَ تنام يا رب؟ استيقظ من رقدتك٢.

وهؤلاء إنما نطقوا بهذه الهذيانات والكفريات من شدة الضجر من الذل والعبودية والصغار، وانتظار فرج لا يزداد منهم إلا بعدا. فأوقعهم ذلك في الطيش والضجر، وأخرجهم إلى نوع من الزندقة والهذيان الذي لا تستحسنه إلا عقولهم الركيكة. فتجرءوا على الله بهذه المناجاة القبيحة، كأنهم ينخون الله بذلك لينتخي لهم، ويحمى لنفسه. لأنهم إذا ناجوا ربهم بذلك، فكأنهم يخبرونه بأنه قد اختار الخمول لنفسه، وينخونه للنباهة واشتهار الصيت. فترى أحدهم إذا تلا هذه الكلمات في الصلاة يقشعر جلده، ولا يشك في أن كلماته تقع عند الله تعالى بموقع عظيم، وأنه يؤثر في ربه، ويحركه بذلك، ويهزه وينخيه. وهؤلاء على الحقيقة ينبغي أن يُرحم جهلهم وضعف عقولهم. وأيضا، فإن عندهم في توراتهم: أن موسى صعد الجبل مع مشايخ أمته، فأبصروا الله جهرة، وتحت رجليه كرسي منظره كمنظر البلور. ذلك قوله: "وتراءى ألوهي يسرائيل رعلاي كراي كبناث هشيفير وخعيصم هشامايم لاطوهره"١.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ويزعمون أن اللوحين مكتوبان بإصبع الله، ذلك قولهم: "بأصباع ألوهيم"١. ويطول الكتاب إن عددنا ما عندهم من كفريات التجسيم. على أن أحبارهم قد تهذبوا كثيرا عن معتقد آبائهم بما استفادوا من عندهم بما يدفع عنهم إنكار المسلمين عليهم ما تقتضيه الألفاظ التي فسروها ونقلوها. وصاروا متى سئلوا عنا عندهم من هذه الفضائح استتروا بالجحد والبهتان خوفا من فظيع ما يلزمهم من الشناعة. ومن ذلك أنهم ينسبون إلى الله تعالى الندم على ما يفعل: فمن ذلك قولهم في التوراة التي في أيديهم: "ويناجم أدوناي كي عاشا اث أذام أرض وبتعصيب ال لبو". تفسيره: وندم الله على خلق البشر في الأرض، وشق عليه٢.

وقد أفرط المترجم في تعصبه وتحريفه للألفاظ عن موجب اللغة، وفسر "ويناجم أدوناي وناب أدوناي تمير به" يعني: عاد الله في رأيه. وهذا التأويل أيضا، وإن كان غير موافق اللغة، فهو أيضا كفر مناقض لما يدفعونه من البداء والنسخ. وأما الدليل على تفسيره: وبتعصيب ال لبو: وشق عليه، فهو ما جاء في مخاطبة حواء: "بتعصيب تيلدي بانيم" تفسيره: بمشقة تلدين الأولاد. فقد تبين أن "العصيب" عندهم في اللسان العبراني: هو المشقة. وهذه الآية عندهم في قوم نوح ﵇: زعموا أن الله تعالى لما رأى فساد قوم نوح، وأن شرهم وكفرهم قد عظم، ندم على خلق البشر وشق عليه١. ولا يعلم البله أن من يقول بهذه المقالة يلزمه أن الله تعالى

قبل أن يخلق البشر، لم يكن عالما بما سيكون من قوم نوح وغير ذلك من النقص، تعالى الله عما يكفرون. وفي موضع آخر من سفر شموائيل: "وأدوناي يخام كي همليح اث شاؤل على يسرائيل". تفسيره: والله ندم على تمليكه شاؤل على إسرائيل١. وأيضا فإن عندهم في كتابهم أن نوحا النبي ﵇ لما خرج من السفينة بدأ ببناء مذبح لله تعالى، وقرب عليه قرابين. ويتلو ذلك: "ويارح أدوناي ايث ريخ هينحمورح ويومز أدوناي ال لبو أوسيف عود لقليل اث لهاذا ما يا عيور هااذام كي يبصر كيب ها إذام راغ منعورا وولو أوسيف عوز لهكوث اث كل حاي طا اشير عاسيثي". تفسيره: فاستنشق الله تعالى رائحة القتار. فقال الله تعالى في ذاته: لن أعاود لعنة الأرض بسبب الناس؛ لأن خاطر البشر مطبوع على الردة، ولن أعاود إهلاك جميع الحيوانات كما صنعت٢.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ولسنا نرى أن هذه الكفريات كانت في التوراة المنزلة على موسى ﵇ ولا نقول أيضا: إن اليهود قصدوا تغييرها وإفسادها، بل الحق أولى ما اتبع. ونحن نذكر الآن حقيقة سبب تبديل التوراة.

ذكر السبب في تبديل التوراة: علماؤهم وأحبارهم يعلمون أن هذه التوراة التي بأيديهم، لا يعتقد أحد منهم أنها المنزلة على موسى البتة؛ لأن موسى ﵇ صان التوراة عن بني إسرائيل، ولم يبثها فيهم؛ وإنما سلمها إلى عشيرته أولاد لاوى. ودليل ذلك قول التوراة: "ويختوب موسى اث هتود هزوث وتيناه الهكوهيم بني ليوي". تفسيره: "وكتب موسى هذه التوراة، ودفعها إلى الأئمة بني لاوى". وكان بنو هارون قضاة اليهود وحكامهم؛ لأن الإمامة وخدمة القرابين وبيت المقدس كانت موقوفة عليهم. ولم يبذل موسى من التوراة لبني إسرائيل إلا نصف سورة يقال لها: "هاأزينوا" فإن هذه السورة من التوراة هي التي علمها موسى لبني إسرائيل. وذلك قوله: "ويختوب موسى اث هثيرا هزرث ويلمذاه لبني يسرائيل". تفسيره: "وكتب موسى هذه السورة، وعلمها بني إسرائيل". وأيضا فإن الله قال لموسى عن هذه السورة: "وها يثالي هيشرا هزوث لعيد بني يسرائيل". تفسيره: "وتكون لي هذه السورة شاهدا على بني إسرائيل". وأيضا فإن الله قال لموسى عن هذه السورة: "كي لونشا خاخ مفي زرعوا". تفسيره: "لأن هذه السورة لا تنسى من أفواه أولادهم"١.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

يعني: أن هذه السورة مشتملة على ذم طباعهم، وأنهم يخالفون شرائع التوراة، وأن السخط يأتيهم بعد ذلك، ويخرب ديارهم، ويشتتون في البلاد. قال: فهذه السورة تكون متداولة في أفواههم كالشاهد عليهم، والموافق لهم على صحة ما قيل لهم. فهذه السورة لما قال الله عنها: إنها لا تنسى من أفواه أولادهم، دل ذلك على أن غيرها من السور تنسى. وأيضا، فإن هذا دليل على أن

لهم على صحة ما قيل لهم. فهذه السورة لما قال الله عنها: إنها لا تنسى من أفواه أولادهم، دل ذلك على أن غيرها من السور تنسى. وأيضا، فإن هذا دليل على أن

موسى ﵇ لم يعط بني إسرائيل من التوراة إلا هذه السورة. فأما بقية التوراة، فدفعها إلى أولاد هارون، وجعلها فيهم، وصانها عن سواهم١. وهؤلاء الأئمة الهارنيون الذين كانوا يعرفون التوراة، ويحفظون أكثرها قتلهم بختنصر على دم واحد يوم فتح بيت المقدس. ولم يكن

حفظ التوراة فرضا ولا سُنة، بل كان كل واحد من الهارونيين يحفظ فصلا من التوراة١.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فلما رأى عزرا أن القوم قد أحرق هيكلهم، وزالت دولتهم، وتفرق جمعهم، ورفع كتابهم، جمع من محفوظاته ومن الفصول التي يحفظها الكهنة ما لفق منه هذه التوراة التي في أيديهم؛ ولذلك بالغوا في تعظيم عزرا هذا غاية المبالغة، وزعموا أن النور إلى الآن يظهر على قبره الذي عند البطائح بالعراق؛ لأنه عمل لهم كتابا يحفظ لهم دينهم. فهذه التوراة التي في أيديهم على الحقيقة كتاب عزرا، ولست كتاب الله١. وهذا يدل على أنه -أعني الذي جمع هذه الفصول التي بأيديهم- رجل فارغ جاهل بالصفات الإلهية؛ فلذلك نسب إلى الله تعالى صفات التجسيم والندم على ما مضى من أفعاله والإقلاع عن مثلها وغير ذلك مما تقدم ذكره.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وأيضا فمما يستدل به على بطلان تأويلاتهم وإفراطهم في التعصب وتشديد الإصر ما ذكره في هذه الآية: "ريشيب بكوري إذا ماثخا تابي بيث أدوناي الوهيني لوتبثيل كذي باحليب أمو". تفسيره: بكور ثمار أرضك تحمل إلى بيت الله ربك. لا ينضج الجدي بلبن أمه١. والمراد من ذلك أنهم أمروا عقيب افتراض الحج عليهم أن يستصحبوا معهم إذا حجوا إلى القدس أبكار أغنامهم، وأبكار مستغلات أرضهم؛ لأنه قد فرض عليهم قبل ذلك أن تبقى سخولة البقر والغنم وراء أمهاتها سبعة أيام. ومن اليوم الثامن فصاعدا تصلح أن تكون قربانا لله. فأشار في هذه الآية في قوله: "لا ينضج الجدي بلبن أمه" إلى أنهم لا يبالغوا في إطالة مكث بكور أولاد البقر والغنم وراء أمهاتها؛ بل يستصحبون أبكارها اللاتي قد عبرت سبعة أيام من ميلادها معهم إذا حجوا إلى البيت المقدس؛ ليتخذوا منها القرابين، فتوهم المشايخ البله المترجمون لهذه الآية والمفسرون لمعانيها أن المشروع يريد بالإنضاج هاهنا إنضاج الطبيخ في القدر وهبهم صادقين في هذا التفسير فلا يلزم من تحريم الطبخ تحريم الأكل؛ إذ لو أراد المشرع تحريم الأكل لما منعه مانع من التصريح بذلك. وما كفاهم هذا الغلط في تفسير هذه اللفظة حتى حرموا أكل سائر اللحمان باللبن. وهذا مضاف إلى ما يستدل به على جهل المفسرين

لما منعه مانع من التصريح بذلك. وما كفاهم هذا الغلط في تفسير هذه اللفظة حتى حرموا أكل سائر اللحمان باللبن. وهذا مضاف إلى ما يستدل به على جهل المفسرين

والنقلة، وكذبهم على الله تعالى، وتشديد الأكل على طائفتهم. فأما الدليل على تفسيره "تبل" الإنضاج، الذي هو البلوغ فهو قول رئيس السقاة ليوسف الصديق وهو في السجن؛ إذ شرح له رؤياه، فقال في جملة كلامه: "وبكيفن شلوشا سارنيم وهي خفور أحب عالشانصاه هلبشيلوا أثيها غنايم". تفسيره: وفي الكرمة ثلاثة عناقد، وهي كأنها قد أثمرت وصعد نوارها، ونضجت عناقيدها عنبا١. فقد تبين أن الإنضاج الذي يعبر عنه "بالهيشيلو" إنما هو البلوغ. ولا ينبغي للعاقل أن يستبعد اصطلاح كافة هذه الطائفة على المحال واتفاقهم على فنون من الكفر والضلال. فإن الدولة إذا انقرضت عن أمة باستيلاء غيرها وأخذ بلادها، انطمس حقائق سالف أخبارها، واندرس قديم آثارها، وتعذر الوقوف عليها؛ لأن الدولة إنما يكون زوالها عن أمة بتتابع الغارات والمضايقات وإخراب البلاد وإحراق بعضها. فلا تزال هذه الفنون متتابعة إلى أن تستحيل علومها جهلا وآثارها تلالا، كان حظها من اندراس الآثار أكثر. وهذه الطائفة بلا شك أعظم الطوائف حظا مما ذكرنا؛ لأنها من أقدم الأمم عهدا، ولكثرة الأمم التي استولت عليها مثل الكلدانيين والبابليين والفرس واليونان والنصارى والإسلام. وما من هذه الأمم إلا وقصدهم أشد القصد وطلب استئصالهم وبالغ في إحراق بلادهم وإخرابها وإحراق كتبهم إلا

Bagian 1 dari 2