الملل والنحل

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya الشهرستاني (w. 548 H).

Bagian 1 dari 13 621 halaman

— Bagian 1 · المجلد الأول —

Disusun dari indeks kitab digital SantriOnline.

Bagian 1

المجلد الأول مقدمات مقدمة التعريف بكتاب الملل والنحل ... ﷽ مقدمة تعريف بكتاب "الملل والنحل": موضوع هذا الكتاب دراسة الأديان والمذاهب والفرق. ويعتبر هذا الكتاب فريدا في بابه، بل هو عمدة في هذا الموضوع، فهو دائرة معارف مختصرة للأديان والمذاهب والفرق؛ بل للآراء والفلسفة. وقد نال هذا الكتاب من الشهرة قدرا عظيما، وذلك من علماء الشرق والغرب على السواء. فيقول عالم جليل مثل ابن السبكي عنه: "هو عندي خير كتاب صنف في هذا الباب". ويقول العالم الإنجليزي الأستاذ "ألفرد جيوم" عن هذا الكتاب: "إنه ظل المخلص الوافي، الذي تبوب فيه الملل على اختلافها وخصائص ومميزات كل منها مما يجعله بحيث لا يمكن الاستغناء عنه في أي زمان". وأما "هابركر" الألماني فيقول: "بوساطة الشهرستاني في كتابه الملل والنحل نستطيع أن نسد الثغرة التي في تاريخ الفلسفة بين القديم والحديث". تعريف بالمؤلف: اسمه محمد بن عبد الكريم بن أحمد. وكنيته أبو الفتح، وشهرته المعروف بها الشهرستاني؛ نسبة إلى بلدة "شهرستان" مسقط رأسه، ومثوى رفاته. أما مولده، فقد اختلف في تاريخه، فمن قائل يقول إنه ولد سنة ٤٦٧هـ وقائل يذهب إلى أنه ولد سنة ٤٦٩هـ.

ي؛ نسبة إلى بلدة "شهرستان" مسقط رأسه، ومثوى رفاته. أما مولده، فقد اختلف في تاريخه، فمن قائل يقول إنه ولد سنة ٤٦٧هـ وقائل يذهب إلى أنه ولد سنة ٤٦٩هـ.

ولعل أصدق الأقوال أنه ولد سنة ٤٧٩هـ وتوفي في شعبان سنة ٥٤٨هـ الموافق ١١٥٣م، وبذلك يكون قد عاش ٧٠ سنة. والشهرستاني من حيث المذهب شافعي، ومن حيث الأصول أشعري. وقد تلقى الفقه على شيخه "أحمد الخوافي" قاضي طوس، وزميل الإمام الغزالي. وقرأ الأصول على "أبي القاسم الأنصاري" الذي كان متكلما وشيخا متصوفا ومفسرا وأصوليا. وسمع الحديث على "أبي الحسن المدائني" الإمام التقي. وكان الشهرستاني مولعا بطلب العلم، بدأ نبوغه في تحصيل العلوم وشغفه بالدروس منذ صغره، وكان لا يدخر في طلب العلم وسعا، فكان يطوف بالبلاد الإسلامية في عصره يتعلم ويعلم، وظل ذلك حاله، حتى بلغ من العمر ثلاثين عاما قصد مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، وبعد ذلك سافر إلى بغداد حيث استقر بها ثلاث سنوات كانت حافلة بما ألقاه من دروس نافعة بالمدرسة "النظامية" أعلى المدارس ببغداد، حيث يلتف حوله كبار العلماء للاستفادة منه. وبلغ من جلال مجالسه العلمية أنها كانت تسجل وتدون، وذلك لعمقها. ومن صفوة الشيوخ الذين كانوا يحضرون هذه المجالس: أبو الحسن بن حمويه، والبيهقي، والإمام أبو منصور، وموفق الدين أحمد الليثي، وشهاب الدين الواعظ، وغيرهم من أئمة الفقه والعلم. وخلاصة القول أن الشهرستاني وصل إلى قمة السلم العلمي وأربى عليها، فقد لقب بالإمام، بل بالإمام الأفضل. يقول ابن السبكي: "وكان لعلمه يلقب أيضا بالأفضل: برع في الفقه والأصول والكلام" ويقول عنه ابن تغرى بردي: "كان إمام عصره في علم الكلام، عالما بفنون كثيرة من العلوم، وبه تخرج جماعة من العلماء". ويقول عنه ياقوت إنه "المتكلم الفيلسوف صاحب التصانيف".

ى بردي: "كان إمام عصره في علم الكلام، عالما بفنون كثيرة من العلوم، وبه تخرج جماعة من العلماء". ويقول عنه ياقوت إنه "المتكلم الفيلسوف صاحب التصانيف".

ولم يقتصر الأمر على علماء الشرق، فقد عرف علماء الغرب أيضا منزلته وقدروا قدره. فيقول العالم الإنجليزي "ألفرد جيوم": "الشهرستاني كان رجلا دينا إلى الأعماق، وإخلاصه للعقيدة لا يمكن أن يشك فيه أي إنسان قرأ مؤلفاته، التي تكفي بنفسها لدحض ادعاءآت المنتقصين من شأنه ... وهو جدير بأن ينظر إليه باعتباره ذا أصالة فكرية". ويقول "كارادي" الفرنسي: "إن عقلية الشهرستاني لم تكن في جوهرها إلا عقلية فلسفية". وذهب الشيخ مصطفى عبد الرازق إلى أن الشهرستاني من أهل الفلسفة الإسلامية اللذين يستشهد بآرائهم، مثله مثل ابن سينا. مؤلفاته: للشهرستاني عديد من المؤلفات فله: ١- الإرشاد إلى عقائد العباد: ذكره الشهرستاني نفسه في كتابه "نهاية الأقدام". ٢- الأقطار في الأصول: نسبه إلى الخوارزمي. ٣- تاريخ الحكماء: وقد نسبه إليه "كيورتن" في مقدمته لطبعته لكتاب "الملل والنحل". ٤- تلخيص الأقسام لمذاهب الأنام: نسبه إليه ابن خلكان وأبو الفداء، وحاجي خليفة. ٥- دقائق الأوهام: نسبه إليه الخوارزمي. ٦- شرح سورة يوسف بعبارة فلسفية لطيفة: نسبه إليه الخوارزمي. ٧- العيون والأنهار: نسبه إليه البيهقي.

حاجي خليفة. ٥- دقائق الأوهام: نسبه إليه الخوارزمي. ٦- شرح سورة يوسف بعبارة فلسفية لطيفة: نسبه إليه الخوارزمي. ٧- العيون والأنهار: نسبه إليه البيهقي.

٨- غاية المرام في علم الكلام: نسبه إليه الخوارزمي. ٩- قصة موسى والخضر: نسبه إليه البيهقي. ١٠- المبدأ والمعاد: نسبه إليه الخوارزمي. ١١- مجالس مكتوبة: رآها البيهقي -وكانت المجالس لا تكتب إلا للأئمة نادرا. ١٢- مصارعة الفلاسفة، أو المصارعة والمضارعة: نسبه إليه صدر الدين الشيرازي. ١٣- مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار في تفسير القرآن: نسبه إليه البيهقي. ١٤- المناهج والآيات: نسبه إليه البيهقي وابن خلكان وأبو الفداء. ١٥- شبهان أرسطا طاليس وابن سينا ونقضها: ذكره الشهرستاني نفسه. ١٦- نهايات الأوهام: أشار إليه الشهرستاني في آخر كتابه نهاية الأقدام. غير أنه مما يدعو إلى الأسف أن هذه الكتب لم تصل إلى أيدينا. ولم يطبع للشهرستاني إلا كتابان فقط هما: ١- نهاية الأقدام في علم الكلام. ٢- والكتاب الذي بين أيدينا "الملل والنحل"، وقد ألفه الشهرستاني بعد أن اكتملت مكانته العلمية، ومكنته سنه من التجربة والتعمق في الأمور وحسن الاستنتاج؛ حيث ألفه بعد سن الأربعين. ويمتاز هذا الكتاب بالاستقصاء في البحث، والدقة في الموضوعات التي يتناولها. والشهرستاني معتدل في الأحكام التي يصدرها في هذا السفر، فلا يصدرها عن ميل أو هوى، فهو يقول في المقدمة الثانية منه: "وشرطي على نفسي أن أورد مذهب كل فرقة على وحدته في كتبهم؛ من غير تعصب لهم، ولا كسر عليهم". ومنهج الشهرستاني في هذا الكتاب يمتاز بالإحاطة التامة لموضوع البحث من جميع أطرافه.

ولعلنا بعد ما قدمناه من أدلة على منزلة الشهرستاني العلمية نقول -ما قاله أستاذنا الكبير الدكتور محمد بن فتح الله بدران: "لعله قد آن لنا أن نقرر في يقين واطمئنان أن الشهرستاني أقام بمفرده مدرسة "فلسفية" للملل والنحل أو تاريخ الأديان". ونسأل الله العلي القدير أن ينفع به كل طالب للمعرفة وباحث عن طريق الحق والهدى. عبد العزيز الوكيل

مقدمات المؤلف مدخل ... ﷽ الحمد لله حمد الشاكرين بجميع محامده كلها؛ على جميع نعمائه كلها، حمدا كثيرا طيبا مباركا كما هو أهله. وصلى الله على محمد المصطفى رسول الرحمة خاتم النبيين وعلى آله الطيبين الطاهرين؛ صلاة دائمة بركتها إلى يوم الدين، كما صلى على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنه حميد مجيد. وبعد: فلما وفقني الله تعالى لمطالعة مقالات أهل العلم من أرباب الديانات والملل١، وأهل الأهواء والنحل٢، والوقوف على مصادرها ومواردها، واقتناص أوانسها٣ وشواردها٤، أردت أن أجمع ذلك في مختصر يحوي جميع ما تدين به المتدينون، وانتحله٥ المنتحلون؛ عبرة لمن استبصر، واستبصارا لمن اعتبر. وقبل الخوض فيما هو الغرض لا بد من أن أقدم خمس مقدمات: المقدمة الأولى: في بيان أقسام أهل العالم جملة مرسلة٦. المقدمة الثانية: في تعيين قانون يبنى عليه تعديد الفرق٧ الإسلامية. المقدمة الثالثة: في بيان أول شبهة وقعت في الخليقة، ومن مصدرها، ومن مظهرها؟

المقدمة الرابعة: في بيان أول شبهة وقعت في الملة الإسلامية، وكيفية انشعابها١، ومن مصدرها، ومن مظهرها؟ المقدمة الخامسة: في بيان السبب الذي أوجب ترتيب هذا الكتاب على طريق الحساب.

ل شبهة وقعت في الملة الإسلامية، وكيفية انشعابها١، ومن مصدرها، ومن مظهرها؟ المقدمة الخامسة: في بيان السبب الذي أوجب ترتيب هذا الكتاب على طريق الحساب.

المقدمة الأولى: في بيان تقسيم أهل العالم جملة مرسلة: ١- من الناس من قسم أهل العالم بحسب الأقاليم السبعة. وأعطى أهل كل إقليم حظه من اختلاف الطبائع والأنفس التي تدل عليها الألوان والألسن١. ٢- ومنهم من قسمهم بحسب الأقطار الأربعة التي هي: الشرق، والغرب، والجنوب، والشمال. ووفر على كل قطر حقه من اختلاف الطبائع، وتباين الشرائع. ٣- ومنهم من قسمهم بحسب الأمم، فقال كبار الأمم أربع: العرب، والعجم، والروم، والهند، ثم زاوج٢ بين أمة وأمة؛ فذكر أن العرب والهند يتقاربان على مذهب واحد، وأكثر ميلهم إلى تقرير خواص الأشياء والحكم بأحكام الماهيات٣ والحقائق، واستعمال الأمور الروحانية. والروم والعجم يتقاربان على مذهب واحد، وأكثر ميلهم إلى تقرير طبائع الأشياء والحكم بأحكام الكيفيات٤ والكميات٥، واستعمال الأمور الجسمانية. ٤- ومنهم من قسمهم بحسب الآراء والمذاهب. وذلك غرضنا في تأليف هذا الكتاب. وهم منقسمون بالقسمة الصحيحة الأولى إلى أهل الديانات والملل، وأهل الأهواء والنحل.

منهم من قسمهم بحسب الآراء والمذاهب. وذلك غرضنا في تأليف هذا الكتاب. وهم منقسمون بالقسمة الصحيحة الأولى إلى أهل الديانات والملل، وأهل الأهواء والنحل.

فأرباب الديانات مطلقا مثل المجوس، واليهود، والنصارى، والمسلمين. وأهل الأهواء والآراء مثل الفلاسفة، والدهرية١، والصابئة٢، وعبدة الكواكب والأوثان، والبراهمة٣. ويفترق كل منهم فرقا. فأهل الأهواء ليست تنضبط مقالاتهم في عدد معلوم. وأهل الديانات قد انحصرت مذاهبهم بحكم الخبر الوارد فيها. فافترقت المجوس على سبعين فرقة واليهود على إحدى وسبعين فرقة. والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة. والمسلمون على ثلاث وسبعين فرقة. والناجية أبدا من الفرق واحدة، إذ الحق من القضيتين المتقابلتين في واحدة، ولا يجوز أن تكون قضيتان متناقضتان متقابلتان على شرائع التقابل، إلا وأن تقتسما الصدق والكذب. فيكون الحق في إحداهما دون الأخرى. ومن المحال الحكم على المتخاصمين المتضادين في أصول المعقولات بأنهما محقان صادقان. وإذا كان الحق في كل مسألة عقلية واحدا؛ فالحق في جميع المسائل يجب أن يكون مع فرقة واحدة وإنما عرفنا هذا بالسمع، وعنه أخبر التنزيل في قوله ﷿: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ٤ وأخبر النبي ﵇: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، الناجية منها واحدة، والباقون هلكى. قيل: ومن الناجية؟ قال: أهل السنة والجماعة. قيل: وما السنة والجماعة؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي". وقال ﵇: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة" وقال ﵇: "لا تجتمع أمتي على ضلالة".

السنة والجماعة؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي". وقال ﵇: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة" وقال ﵇: "لا تجتمع أمتي على ضلالة".

المقدمة الثانية: في تعيين قانون يبنى عليه تعديد الفرق الإسلامية: اعلم أن لأصحاب المقالات طرقا في تعديد الفرق الإسلامية، لا على قانون مستند إلى أصل ونص، ولا على قاعدة مخبرة عن الوجود. فما وجدت مصنفين منهم متفقين على منهاج واحد في تعديد الفرق. ومن المعلوم الذي لا مراء فيه أن ليس كل من تميز عن غيره بمقالة ما؛ في مسألة ما، عد صاحب مقالة. وإلا فتكاد تخرج المقالات عن حد الحصر والعد. ويكون من انفرد بمسألة في أحكام الجواهر مثلا معدودا في عداد أصحاب المقالات. فلا بد إذن من ضابط في مسائل هي أصول وقواعد يكون الاختلاف فيها اختلافا يعتبر مقالة، ويعد صاحبه صاحب مقالة. وما وجدت لأحد من أرباب المقالات عناية بتقرير هذا الضابط، إلا أنهم استرسلوا١ في إيراد مذاهب الأمة كيف اتفق، وعلى الوجه الذي وجد، لا على قانون مستقر، وأصل مستمر. فاجتهدت على ما تيسر من التقدير، وتقدر من التيسير حتى حصرتها في أربع قواعد، هي الأصول الكبار. القاعدة الأولى: الصفات والتوحيد فيها. وهي تشتمل على مسائل: الصفات الأزلية، إثباتا عند جماعة، ونفيا عند جماعة. وبيان صفات الذات، وصفات الفعل، وما يجب لله تعالى، وما يجوز عليه، وما يستحيل, وفيها الخلاف بين الأشعرية، والكرامية، والمجسمة والمعتزلة. القاعدة الثانية: القدر والعدل فيه، وهي تشتمل على مسائل: القضاء، والقدر، والجبر والكسب، وإرادة الخير والشر، والمقدور، والمعلوم؛ إثباتا عند جماعة، ونفيا

عند جماعة. وفيها الخلاف بين: القدرية, والنجارية، والجبرية، والأشعرية، والكرامية. القاعدة الثالثة: الوعد، والوعيد، والأسماء، والأحكام. وهي تشتمل على مسائل الإيمان، والتوبة، والوعيد، والإرجاء، والتكفير، والتضليل؛ إثباتا على وجه عند جماعة، ونفيا عند جماعة. وفيها الخلاف بين المرجئة، والوعيدية، والمعتزلة، والأشعرية، والكرامية. القاعدة الرابعة: السمع والعقل، والرسالة، والإمامة. وهي تشتمل على مسائل: التحسين، والتقبيح، والصلاح والأصلح، واللطف، والعصمة في النبوة. وشرائط الإمامة، نصا عند جماعة، وإجماعا عند جماعة. وكيفية انتقالها على مذهب من قال بالنص، وكيفية إثباتها على مذهب من قال بالإجماع. والخلاف فيها بين الشيعة، والخوارج، والمعتزلة والكرامية، والأشعرية. فإذا وجدنا انفراد واحد من أئمة الأمة بمقالة من هذه القاعدة، عددنا مقالته مذهبا وجماعته فرقة. وإن وجدنا واحدا انفرد بمسالة فلا نجعل مقالته مذهبا، وجماعته فرقة. بل نجعله مندرجا تحت واحد ممن وافق سواها مقالته. ورددنا باقي مقالاته إلى الفروع التي لا تعد مذهبا مفردا؛ فلا تذهب المقالات إلى غير النهاية. فإذا تعينت المسائل التي هي قواعد الخلاف، تبينت أقسام الفرق الإسلامية، وانحصرت كبارها في أربع بعد أن تداخل بعضها في بعض. كبار الفرق الإسلامية أربع "١" القدرية. "٢" الصفاتية. "٣" الخوارج. "٤" الشيعة. ثم يتركب بعضها مع بعض، ويتشعب عن كل فرقة أصناف، فتصل إلى ثلاث وسبعين فرقة.

ولأصحاب كتب المقالات طريقان في الترتيب: أحدهما: أنهم وضعوا المسائل أصولا. ثم أوردوا في كل مسألة مذهب طائفة طائفة وفرقة فرقة. والثاني: أنهم وضعوا الرجال وأصحاب المقالات أصولا، ثم أوردوا مذاهبهم، في مسألة مسألة. وترتيب هذا المختصر على الطريقة الأخيرة، لأني وجدتها أضبط للأقسام، وأليق بباب الحساب. وشرطي على نفسي أن أورد مذهب كل فرقة على ما وجدته في كتبهم؛ من غير تعصب١ لهم، ولا كسر عليهم٢؛ دون أن أبين صحيحه من فاسده، وأعين حقه من باطله، وإن كان لا يخفى على الأفهام الذكية في مدارج٣ الدلائل العقلية لمحات الحق ونفحات الباطل، وبالله التوفيق.

ن أن أبين صحيحه من فاسده، وأعين حقه من باطله، وإن كان لا يخفى على الأفهام الذكية في مدارج٣ الدلائل العقلية لمحات الحق ونفحات الباطل، وبالله التوفيق.

المقدمة الثالثة: في بيان أول شبهة وقعت في الخليقة، ومن مصدرها في الأول ومن مظهرها في الآخر: اعلم أن أول شبهة وقعت في الخليقة: شبهة إبليس لعنه الله، ومصدرها استبداده بالرأي في مقابلة النص، واختياره الهوى في معارضة الأمر، واستكباره بالمادة التي خلق منها وهي النار على مادة آدم ﵇ وهي الطين. وانشعبت١ من هذه الشبهة سبع شبهات، وسارت في الخليقة، وسرت في أذهان الناس حتى صارت مذاهب بدعة وضلالة، وتلك الشبهات مسطورة٢ في شرح الأناجيل

الأربعة: إنجيل لوقا، ومارقوس، ويوحنا، ومتى، ومذكورة في التوراة متفرقة على شكل مناظرات بينه وبين الملائكة بعد الأمر بالسجود، والامتناع منه. قال كما نقل عنه؛ إني سلمت أن الباري تعالى إلهي وإله الخلق، عالم قادر، ولا يسأل عن قدرته ومشيئته، وأنه مهما أراد شيئا قال له كن فيكون، وهو حكيم، إلا أنه يتوجه على مساق حكمته١ أسئلة، قالت الملائكة: ما هي؟ وكم هي؟ قال لعنه الله: سبعة. الأول منها: أنه قد علم قبل خلقي أي شيء يصدر عني ويحصل مني، فلم خلقني أولا؟ وما الحكمة في خلقه إياي؟ والثاني: إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيئته؛ فلم كلفني بمعرفته وطاعته؟ وما الحكمة في هذا التكليف بعد أن لا ينتفع بطاعة، ولا يتضرر بمعصية؟ والثالث: إذ خلقني وكلفني فالتزمت تكليفه بالمعرفة والطاعة فعرفت وأطعت، فلم كلفني بطاعة آدم والسجود له؟ وما الحكمة في هذا التكليف على الخصوص بعد أن لا يزيد ذلك في معرفتي وطاعتي إياه؟ والرابع: إذ خلقني وكلفني على الإطلاق، وكلفني بهذا التكليف على الخصوص، فإذا لم أسجد لآدم، فلم لعنني وأخرجني من الجنة؟ وما الحكمة في ذلك بعد أن لم أرتكب قبيحا إلا قولي: لا أسجد إلا لك؟ والخامس: إذ خلقني وكلفني مطلقا، وخصوصا؛ فلم أطع فلعنني وطردني، فلم طرقني٢ إلى آدم حتى دخلت الجنة ثانيا وغررته بوسوستي٣، فأكل من الشجرة المنهي عنها، وأخرجه من الجنة معي؟ وما الحكمة في ذلك بعد أن لو منعني من دخول الجنة لاستراح مني آدم، وبقي خالدا فيها؟

وغررته بوسوستي٣، فأكل من الشجرة المنهي عنها، وأخرجه من الجنة معي؟ وما الحكمة في ذلك بعد أن لو منعني من دخول الجنة لاستراح مني آدم، وبقي خالدا فيها؟

والسادس: إذ خلقني وكلفني عموما، وخصوصا، ولعنني، ثم طرقني إلى الجنة، وكانت الخصومة بيني وبين آدم؛ فلم سلطني على أولاده حتى أراهم من حيث لا يرونني، وتؤثر فيهم وسوستي ولا يؤثر في حولهم وقوتهم، وقدرتهم واستطاعتهم؟ وما الحكمة في ذلك بعد أن لو خلقهم على الفطرة دون من يحتالهم١ عنها فيعيشوا طاهرين سامعين مطيعين، كان أحرى بهم، وأليق بالحكمة؟ والسابع: سلمت هذا كله: خلقني وكلفني مطلقا ومقيدا، وإذ لم أطع لعنني وطردني وإذ أردت دخول الجنة مكنني وطرقني، وإذ عملت عملي أخرجني ثم سلطني على بني آدم، فلم إذ استمهلته٢ أمهلني، فقلت: ﴿أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ٣، ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ، إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ ٤. وما الحكمة في ذلك بعد أن لو أهلكني في الحال استراح آدم والخلق مني وما بقي شر ما في العالم؟ أليس بقاء العالم على نظام الخير خيرا من امتزاجه بالشر؟! قال: فهذه حجتي على ما ادعيته في كل مسألة. قال شارح الإنجيل: فأوحى الله تعالى إلى الملائكة ﵈، قولوا له: إنك في تسليمك الأول أني إلهك وإله الخلق غير صادق ولا مخلص، إذ لو صدقت أني إله العالمين ما احتكمت علي بلم، فأنا الله الذي لا إله إلا أنا، لا أسأل عما أفعل، والخلق مسئولون. وهذا الذي ذكرته مذكور في التوراة، ومسطور في الإنجيل على الوجه الذي ذكرته. وكنت برهة من الزمان أتفكر وأقول: من المعلوم الذي لا مرية فيه أن كل شبهة وقعت لبني آدم؛ فإنما وقعت من إضلال الشيطان الرجيم٥ ووساوسه، ونشأت من

شبهاته. وإذا كانت الشبهات محصورة في سبع، عادت كبار البدع والضلالات إلى سبع. ولا يجوز أن تعدو شبهات فرق الزيغ والكفر والضلال هذه الشبهات وإن اختلفت العبارات، وتباينت الطرق، فإنها بالنسبة إلى أنواع الضلالات كالبذور، وترجع جملتها إلى إنكار الأمر بعد الاعتراف بالحق، وإلى الجنوح١ إلى الهوى في مقابلة النص. هذا، ومن جادل نوحا، وهودا، وصالحا، وإبراهيم، ولوطا، وشعيبا، وموسى، وعيسى، ومحمدا؛ صلوات الله عليهم أجمعين، كلهم نسجوا على منوال اللعين الأول في إظهار شبهاته. وحاصلها يرجع إلى دفع التكليف عن أنفسهم، وجحد أصحاب الشرائع والتكاليف بأسرهم، إذ لا فرق بين قولهم ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ ٢ وبين قوله: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ ٣ وعن هذا صار مفصل الخلاف، ومحز٤ الافتراق ما هو في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ٥ فبين أن المانع من الإيمان هو هذا المعنى، كما قال المتقدم في الأول: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ ٦ وقال المتأخر من ذريته كما قال المتقدم: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ ٧ وكذلك لو تعقبنا أقوال المتقدمين منهم لوجدناها مطابقة لأقوال المتأخرين ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ٨ ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ ٩.

ذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ٨ ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ ٩.

فاللعين الأول لما حكم العقل على من لا يحكم عليه العقل، لزمه أن يجري حكم الخالق في الخلق، أو حكم الخلق في الخالق. والأول غلو١، والثاني تقصير. فثار من الشبهة الأولى مذاهب: الحلولية، والتناسخية٢، والمشبهة، والغلاة من الروافض، حيث غلوا في حق شخص من الأشخاص حتى وصفوه بأوصاف الإله. وثار من الشبهة الثانية مذاهب: القدرية، والجبرية، والمجسمة، حيث قصروا في وصفه تعالى حتى وصفوه بصفات المخلوقين. فالمعتزلة مشبهة الأفعال، والمشبهة حلولية الصفات، وكل واحد منهم أعور بأي عينيه شاء، فإن من قال: إنما يحسن منه ما يحسن منا، ويقبح منه ما يقبح منا، فقد شبه الخالق بالخلق؛ ومن قال: يوصف الباري تعالى بما يوصف به الخلق، أو يوصف الخلق بما يوصف به الباري تعالى، فقد اعتزل عن الحق. وسنخ٣ القدرية طلب العلة في كل شيء، وذاك من سنخ اللعين الأول؛ إذ طلب العلة في الخلق أولا، والحكمة في التكليف ثانيا، والفائدة في تكليف السجود لآدم ﵇ ثالثا. وعنه نشأ مذهب الخوارج، إذ لا فرق بين قولهم: لا حكم إلا الله ولا نحكم الرجال، وبين قوله: لا أسجد إلا لك، ﴿أَأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ ٤ وبالجملة "كلا طرفي قصد الأمور ذميم" فالمعتزلة غلوا في التوحيد بزعمهم حتى وصلوا إلى التعطيل بنفي الصفات. والمشبهة قصروا حتى وصفوا الخالق بصفات الأجسام. والروافض غلوا في النبوة والإمامة حتى وصلوا إلى الحلول. والخوارج قصروا حتى نفوا تحكيم الرجال. وأنت ترى -إذا نظرت- أن هذه الشبهات كلها ناشئة من شبهات اللعين الأول،

في النبوة والإمامة حتى وصلوا إلى الحلول. والخوارج قصروا حتى نفوا تحكيم الرجال. وأنت ترى -إذا نظرت- أن هذه الشبهات كلها ناشئة من شبهات اللعين الأول،

وتلك في الأول مصدرها، وهذه في الآخرة مظهرها. وإليه أشار التنزيل في قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ١. وشبه النبي ﷺ كل فرقة ضالة من هذه الأمة بأمة ضالة من الأمم السالفة، فقال: "القدرية مجوس هذه الأمة" وقال: "المشبهة يهود هذه الأمة، والروافض نصاراها" وقال ﵊ جملة: "لتسلكن سبل الأمم قبلكم حذو القذة بالقذة ٢، والنعل بالنعل، حتى لو دخلو جحر ضب لدخلتموه".

المقدمة الرابعة: في بيان أول شبهة وقعت في الملة الإسلامية, وكيفية انشعابها، ومن مصدرها، ومن مظهرها: وكما قررنا أن الشبهات التي وقعت في آخر الزمان هي بعينها تلك الشبهات التي وقعت في أول الزمان، كذلك يمكن أن نقرر في زمان كل نبي ودور صاحب كل ملة وشريعة: أن شبهات أمته في آخر زمانه؛ ناشئة من شبهات خصماء أول زمانه من الكفار والملحدين وأكثرها من المنافقين. وإن خفي علينا ذلك في الأمم السالفة لتمادى الزمان، فلم يخف في هذه الأمة أن شبهاتها نشأت كلها من شبهات منافقي زمن النبي ﵇، إذ لم يرضوا بحكمه فيما كان يأمر وينهى، وشرعوا فيما لا مسرح للفكر فيه ولا مسرى، وسألوا عما منعوا من الخوض فيه، والسؤال عنه، وجادلوا بالباطل فيما لا يجوز الجدال فيه. اعتبر حديث ذي الخويصرة التميمي إذ قال: اعدل يا محمد فإنك لم تعدل، حتى قال ﵊: "إن لم أعدل فمن يعدل؟ " فعاود اللعين وقال:

"هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى". وذلك خروج صريح على النبي ﵊، ولو صار من اعترض على الإمام الحق خارجيا، فمن اعترض على الرسول أحق بأن يكون خارجيا. أو ليس ذلك قولا بتحسين العقل وتقبيحه؟ وحكما بالهوى في مقابلة النص، واستكبارا على الأمر بقياس العقل؟ حتى قال ﵊: "سيخرج من ضئضئ ١ هذا الرجل قوم يمرقون ٢ من الدين كما يمرق السهم من الرمية ... " الخبر بتمامه. واعتبر حال طائفة أخرى من المنافقين يوم أحد إذ قالوا: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٣ وقولهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ٤ وقولهم: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ ٥ فهل ذلك إلا تصريح بالقدر؟ وقول طائفة من المشركين: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٦ وقول طائفة: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ ٧ فهل هذا إلا تصريح بالجبر؟ واعتبر حال طائفة أخرى حيث جادلوا في ذات الله، تفكرا في جلاله، وتصرفا في أفعاله حتى منعهم وخوفهم بقوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ ٨ فهذا ما كان في زمانه ﵊ وهو على شوكته وقوته وصحة بدنه. والمنافقون يخادعون فيظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وإنما يظهر نفاقهم بالاعتراض في كل وقت على حركاته وسكناته، فصارت الاعتراضات كالبذور، وظهرت منها الشبهات كالزروع. وأما الاختلافات الواقعة في حال مرضه ﵊ وبعد وفاته بين الصحابة ﵃، فهي اختلافات اجتهادية كما قيل، كان غرضهم منها إقامة مراسم الشرع، وإدامة مناهج الدين.

وأما الاختلافات الواقعة في حال مرضه ﵊ وبعد وفاته بين الصحابة ﵃، فهي اختلافات اجتهادية كما قيل، كان غرضهم منها إقامة مراسم الشرع، وإدامة مناهج الدين.

فأول تنازع وقع في مرضه ﵊ فيما رواه الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري بإسناده عن عبد الله بن عباس ﵁، قال: "لما اشتد بالنبي ﷺ مرضه الذي مات فيه قال: "ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي" فقال عمر ﵁: "إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله" وكثر اللغط١، فقال النبي ﷺ: "قوموا عني، لا ينبغي عندي التنازع" قال ابن عباس: "الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله ﷺ". الخلاف الثاني: في مرضه أنه قال: "جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عنه" فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره، وأسامة قد برز من المدينة. وقال قوم: قد اشتد مرض النبي ﵊ فلا تسع قلوبنا مفارقته، والحالة هذه، فنصبر حتى نبصر أي شيء يكون من أمره. وإنما أوردت هذين التنازعين، لأن المخالفين ربما عدوا ذلك من الخلافات المؤثرة في أمر الدين، وليس كذلك. وإنما كان الغرض كله: إقامة مراسم الشرع في حال تزلزل القلوب، وتسكين نائرة٢ الفتنة المؤثرة عند تقلب الأمور. الخلاف الثالث: في موته ﵇، قال عمر بن الخطاب: من قال: إن محمدا قد مات قتلته بسيفي هذا؛ وإنما رفع إلى السماء كما رفع عيسى ﵇، وقال أبو بكر بن أبي قحافة ﵁: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد إله

محمدا قد مات قتلته بسيفي هذا؛ وإنما رفع إلى السماء كما رفع عيسى ﵇، وقال أبو بكر بن أبي قحافة ﵁: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد إله

محمد فإن إله محمد حي لم يمت ولن يموت، وقرأ قول الله ﷾: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ١ فرجع القوم إلى قوله؛ وقال عمر ﵁: "كأني ما سمعت هذه الآية حتى قرأها أبو بكر". الخلاف الرابع: في موضع دفنه ﵇، أراد أهل مكة من المهاجرين رده إلى مكة لأنها مسقط رأسه، ومأنس نفسه، وموطئ قدمه، وموطن أهله، وموقع رحله؛ وأراد أهل المدينة من الأنصار دفنه بالمدينة لأنها دار هجرته، ومدار نصرته؛ وأرادت جماعة نقله إلى بيت المقدس لأنه موضع دفن الأنبياء، ومنه معراجه إلى السماء. ثم اتفقوا على دفنه بالمدينة لما روى عنه ﵊: "الأنبياء يدفنون حيث يموتون". الخلاف الخامس: في الإمامة، وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان. وقد سهل الله تعالى ذلك في الصدر الأول، فاختلف المهاجرون والأنصار فيها، فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير واتفقوا على رئيسهم سعد بن عبادة الأنصاري، فاستدركه أبو بكر وعمر ﵄ في الحال بأن حضرا سقيفة بني ساعدة، وقال عمر: كنت أزور٢ في نفسي كلاما في الطريق، فلما وصلنا إلى السقيفة أردت أن أتكلم فقال أبو بكر: مه٣ يا عمر، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر ما كنت أقدره في نفسي كأنه يخبر عن غيب، فقبل أن يشتغل الأنصار بالكلام مددت يدي إليه فبايعته وبايعه الناس وسكنت الفتنة،

إلا أن بيعة أبي بكر كانت فلتة١ وقى الله المسلمين شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، فأيما رجل بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فإنهما تغرة٢ يجب أن يقتلا. وإنما سكتت الأنصار عن دعواهم لرواية أبي بكر عن النبي ﵇: "الأئمة من قريش" وهذه البيعة هي التي جرت في السقيفة، ثم لما عاد إلى المسجد انثال٣ الناس عليه وبايعوه عن رغبة، سوى جماعة من بني هاشم وأبي سفيان من بني أمية. وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ كان مشغولا بما أمره النبي ﷺ من تجهيزه ودفنه وملازمة قبره من غير منازعة ولا مدافعة. الخلاف السادس: في أمر فدك٤ والتوارث عن النبي ﵇، ودعوى فاطمة ﵍ وراثة تارة، وتمليكا أخرى، حتى دفعت عن ذلك بالرواية المشهورة عن النبي ﵇: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة". الخلاف السابع: في قتال مانعي الزكاة، فقال قوم: لا نقاتلهم قتال الكفرة. وقال قوم: بل نقاتلهم، حتى قال أبو بكر ﵁: لو منعوني عقالا مما أعطوا رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه، ومضى بنفسه إلى قتالهم، ووافقه جماعة الصحابة بأسرهم. وقد أدى اجتهاد عمر ﵁ في أيام خلافته إلى رد السبايا والأموال إليهم، وإطلاق المحبوسين منهم، والإفراج عن أسراهم.

ى قتالهم، ووافقه جماعة الصحابة بأسرهم. وقد أدى اجتهاد عمر ﵁ في أيام خلافته إلى رد السبايا والأموال إليهم، وإطلاق المحبوسين منهم، والإفراج عن أسراهم.

الخلاف الثامن: في تنصيص١ أبي بكر على عمر بالخلافة وقت الوفاة، فمن الناس من قال: قد وليت علينا فظا غليظا، وارتفع الخلاف بقول أبي بكر: لو سألني ربي يوم القيامة لقلت: وليت عليهم خيرهم لهم. وقد وقع في زمانه اختلافات كثيرة في مسائل ميراث الجد، والإخوة، والكلالة٢، وفي عقل٣ الأصابع، وديات الأسنان، وحدود بعض الجرائم التي لم يرد فيها نص، وإنما أهم أمورهم: الاشتغال بقتال الروم، وغزو العجم. وفتح الله تعالى الفتوح على المسلمين، وكثرت السبايا والغنائم، وكانوا كلهم يصدرون عن رأي عمر ﵁، وانتشرت الدعوة، وظهرت الكلمة، ودانت العرب، ولانت العجم. الخلاف التاسع: في أمر الشورى واختلاف الآراء فيها. واتفقوا كلهم على بيعة عثمان ﵁، وانتظم الأمر واستمرت الدعوة في زمانه، وكثرت الفتوح، وامتلأ بيت المال، وعاشر الخلق على أحسن خلق، وعاملهم بأبسط يد، غير ان أقاربه من بني أمية قد ركبوا نهابر٤ فركبته، وجاروا فجير عليه، ووقعت في زمانه اختلافات كثيرة وأخذوا عليه أحداثا كلها محالة٥ على بني أمية. منها: رده الحكم بن أمية إلى المدينة بعد أن طرده رسول الله ﷺ وكان يسمى طريد رسول الله؛ وبعد أن تشفع إلى أبي بكر وعمر ﵄ أيام خلافتهما فما أجاباه إلى ذلك، ونفاه عمر من مقامه باليمن أربعين فرسخا.

طرده رسول الله ﷺ وكان يسمى طريد رسول الله؛ وبعد أن تشفع إلى أبي بكر وعمر ﵄ أيام خلافتهما فما أجاباه إلى ذلك، ونفاه عمر من مقامه باليمن أربعين فرسخا.

ومنها نفيه أبا ذر إلى الربذة١، وتزويجه مروان بن الحكم بنته، وتسليمه خمس غنائم أفريقية له وقد بلغت مائتي ألف دينار. ومنها: إيواؤه عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان رضيعه بعد أن أهدر النبي ﵊ دمه، وتوليته إياه مصر بأعمالها، وتوليته عبد الله بن عامر البصرة حتى أحدث فيها ما أحدث. إلى غير ذلك مما نقموا عليه، وكان أمراء جنوده: معاوية بن أبي سفيان عامل الشام، وسعد بن أبي وقاص عامل الكوفة، وبعده الوليد بن عقبة، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن عامر عامل البصرة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح عامل مصر. وكلهم خذلوه ورفضوا حتى أتى قدره عليه، وقتل مظلوما في داره، وثارت الفتنة من الظلم الذي جرى عليه، ولم تسكن بعد. الخلاف العاشر: في زمان أمير المؤمنين علي ﵁ بعد الاتفاق عليه وعقد البيعة له. فأوله: خروج طلحة والزبير إلى مكة, ثم حمل عائشة إلى البصرة، ثم نصب القتال معه. ويعرف ذلك بحرب الجمل. والحق أنهما رجعا وتابا، إذ ذكرهما أمرا فتذكراه. فأما الزبير فقتله ابن جرموز بقوس وقت الانصراف، وهو في النار لقول النبي ﷺ: "بشر قاتل ابن صفية بالنار". وأما طلحة فرماه مروان بن الحكم بسهم وقت الإعراض٢ فخر ميتا. وأما عائشة ﵂ فكانت محمولة على ما فعلت، ثم تابت بعد ذلك ورجعت. والخلاف بينه وبين معاوية، وحرب صفين، ومخالفة الخوارج، وحمله على التحكيم، ومغادرة عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري، وبقاء الخلاف إلى وقت وفاته مشهور. وكذلك الخلاف بينه وبين الشراة٣

ب صفين، ومخالفة الخوارج، وحمله على التحكيم، ومغادرة عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري، وبقاء الخلاف إلى وقت وفاته مشهور. وكذلك الخلاف بينه وبين الشراة٣

المارقين بالنهروان١ عقدا وقولا، ونصب القتال معه فعلا ظاهرا معروف، وبالجملة كان علي ﵁ مع الحق، والحق معه. وظهر في زمانه الخوارج٢ عليه مثل الأشعث بن قيس، ومسعود بن فدكي التميمي، وزيد بن حصين الطائي وغيرهم. وكذلك ظهر في زمانه الغلاة في حقه مثل عبد الله بن سبإ وجماعة معه. ومن الفريقين ابتدأت البدعة والضلالة، وصدق فيه قول النبي ﷺ: "يهلك فيه اثنان: محب غال ومبغض قال". وانقسمت الاختلافات بعده إلى قسمين: أحدهما الاختلاف في الإمامة. والثاني: الاختلاف في الأصول. والاختلاف في الإمامة على وجهين: أحدهما: القول بأن الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار. والثاني: القول بأن الإمامة تثبت بالنص والتعيين. فمن قال إن الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار؛ قال بإمامة كل من اتفقت عليه الأمة، أو جماعة معتبرة من الأمة: إما مطلقا، وإما بشرط أن يكون قرشيا؛ على مذهب قوم. وبشرط أن يكون هاشميا؛ على مذهب قوم. إلى شرائط أخرى كما سيأتي. ومن قال بالأول، قال بإمامة معاوية وأولاده، وببعدهم بخلافة مروان وأولاده. والخوارج اجتمعوا في كل زمان على واحد منهم بشرط أن يبقى على مقتضى اعتقادهم، ويجري على سنن العدل في معاملاتهم، وإلا خذلوه وخلعوه، وربما قتلوه. ومن قالوا إن الإمامة تثبت بالنص، اختلفوا بعد علي ﵁، فمنهم من قال

إنه نص على ابنه محمد بن الحنفية، وهؤلاء هم الكيسانية، ثم اختلفوا بعده، فمنهم من قال إنه لم يمت، ويرجع فيملأ الأرض عدلا، ومنهم من قال إنه مات، وانتقلت الإمامة بعده إلى ابنه أبي هاشم، وافترق هؤلاء، فمنهم من قال الإمامة بقيت في عقبه وصية بعد وصية، ومنهم من قال إنها انتقلت إلى غيره، واختلفوا في ذلك الغير، فمنهم من قال هو بنان بن سمعان النهدي، ومنهم من قال هو علي بن عبد الله بن عباس، ومنهم من قال هو عبد الله بن حرب الكندي، ومنهم من قال هو عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وهؤلاء كلهم يقولون إن الدين طاعة رجل، ويتأولون أحكام الشرع كلها على شخص معين كما ستأتي مذاهبهم. وأما من لم يقل بالنص على محمد بن الحنفية فقال بالنص على الحسن والحسين ﵄، وقال: لا إمامة في الأخوين إلا الحسن والحسين ﵄. ثم اختلفوا، فمنهم من أجرى الإمامة في أولاد الحسن، فقال بعده بإمامة ابنه الحسن، ثم ابنه عبد الله، ثم ابنه محمد، ثم أخيه إبراهيم الإمامين، وقد خرجا في أيام المنصور فقتلا في أيامه. ومن هؤلاء من يقول برجعة محمد الإمام، ومنهم من أجرى الوصية في أولاد الحسين وقال بعده بإمامة ابنه علي بن الحسين زيد العابدين نصا عليه. ثم اختلفوا بعده، فقالت الزيدية بإمامة ابنه زيد. ومذهبهم: أن كل فاطمي خرج، وهو عالم، زاهد، شجاع، سخي، كان إماما واجب الاتباع، وجوزوا رجوع الإمامة إلى أولاد الحسن. ثم منهم من وقف وقال بالرجعة، ومنهم من ساق وقال بإمامة كل من هذا حاله في كل زمان، وسيأتي فيما بعد تفصيل مذاهبهم. وأما الإمامية فقالوا بإمامة محمد بن علي الباقر نصا عليه، ثم بإمامة جعفر بن محمد الصادق وصية إليه، ثم اختلفوا بعده في أولاده: من المنصوص عليه؟ وهم خمسة: محمد، وإسماعيل، وعبد الله، وموسى، وعلي. فمنهم من قال بإمامة محمد وهم العمارية، ومنهم من قال بإمامة إسماعيل وأنكر موته في حياة أبيه وهم المباركية، ومن هؤلاء من

اعيل، وعبد الله، وموسى، وعلي. فمنهم من قال بإمامة محمد وهم العمارية، ومنهم من قال بإمامة إسماعيل وأنكر موته في حياة أبيه وهم المباركية، ومن هؤلاء من

وقف عليه وقال برجعته، ومنهم من ساق الإمامة في أولاده نصا بعد نص إلى يومنا هذا، وهم الإسماعيلية، ومنهم من قال بإمامة عبد الله الأفطح، وقال برجعته بعد موته لأنه مات ولم يعقب١، ومنهم من قال بإمامة موسى نصا عليه إذ قال والده: سابعكم قائمكم، إلا وهو سمي صاحب التوراة. ثم هؤلاء اختلفوا، فمنهم من اقتصر عليه وقال برجعته؛ إذ قال لم يمت هو، ومنهم من توقف في موته وهم الممطورة، ومنهم من قطع بموته، وساق الإمامة إلى ابنه علي بن موسى الرضا، وهم القطعية. ثم هؤلاء اختلفوا في كل ولد بعده، فالاثنا عشرية ساقوا الإمامة من على الرضا إلى ابنه محمد، ثم إلى ابنه علي، ثم إلى ابنه الحسن، ثم إلى ابنه محمد القائم المنتظر الثاني عشر، وقالوا: هو حي لم يمت، ويرجع فيملأ الدنيا عدلا، كما ملئت جورا. وغيرهم ساقوا الإمامة إلى الحسن العسكري، ثم قالوا بإمامة أخيه جعفر، وقالوا بالتوقف عليه، أو قالوا بالشك في حال محمد، ولهم خبط٢ طويل في سوق الإمامة، والتوقف، والقول بالرجعة بعد الموت، والقول بالغيبة، ثم بالرجعة بعد الغيبة. فهذه جملة الاختلافات في الإمامة، وسيأتي تفصيل ذلك عند ذكر المذاهب. وأما الاختلافات في الأصول فحدثت في آخر أيام الصحابة بدعة معبد الجهني، وغيلان الدمشقي، ويونس الأسواري في القول بالقدر وإنكار إضافة الخير والشر إلى القدر، ونسج على منوالهم واصل بن عطاء الغزال، وكان تلميذ الحسن البصري، وتلمذ له عمرو بن عبيد، وزاد عليه في مسائل القدر، وكان عمرو من دعاة يزيد الناقص أيام بني أمية، ثم والي المنصور وقال بإمامته، ومدحه المنصور يوما فقال: نثرت الحب للناس فلقطوا غير عمرو بن عبيد. والوعيدية من الخوارج، والمرجئة من الجبرية. والقدرية ابتدءوا بدعتهم في زمان الحسن، واعتزل واصل عنهم وعن أستاذه

رت الحب للناس فلقطوا غير عمرو بن عبيد. والوعيدية من الخوارج، والمرجئة من الجبرية. والقدرية ابتدءوا بدعتهم في زمان الحسن، واعتزل واصل عنهم وعن أستاذه

بالقول منه بالمنزلة بين المنزلتين. فسمي هو وأصحابه معتزلة. وقد تلمذ له زيد بن علي وأخذ الأصول فلذلك صارت الزيدية كلهم معتزلة. ومن رفض زيد بن علي لأنه خالف مذهب آبائه في الأصول، وفي التبري والتولي؛ وهم من أهل الكوفة؛ وكانوا جماعة، سموا رافضة. ثم طالع بعد ذلك شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة حيث نشرت أيام المأمون فخلطت مناهجها بمناهج الكلام. وأفردتها فنا من فنون العلم، وسمتها باسم الكلام، إما لأن أظهر مسألة تكلموا فيها وتاقتلوا عليها، هي مسألة الكلام، فسمي النوع باسمها، وإما لمقابلتهم الفلاسفة في تسميتهم فنا من فنون علمهم بالمنطق، والمنطق والكلام مترادفان. وكان أبو الهذيل العلاف شيخهم الأكبر؛ وافق الفلاسفة في أن الباري تعالى عالم بعلم، وعلمه ذاته، وكذلك قادر بقدرة، وقدرته ذاته، وأبدع بدعا في الكلام، والإرادة، وأفعال العباد، والقول بالقدر، والآجال، والأرزاق، كما سيأتي في حكاية مذهبه، وجرت بينه وبين هشام بن الحكم مناظرات في أحكام التشبيه، وأبو يعقوب الشحام والآدمي صاحبا أبي الهذيل وافقاه في ذلك كله. ثم إبراهيم بن سيار النظام في أيام المعتصم كان قد غلا في تقرير مذاهب الفلاسفة وانفرد عن السلف ببدع في القدر والرفض، وعن أصحابه بمسائل نذكرها، ومن أصحابه محمد بن شبيب، وأبو شمر، وموسى بن عمران، والفضل الحدثي، وأحمد بن خابط، ووافقه الأسواري في جميع ما ذهب غليه من البدع، وكذلك الإسكافية أصحاب أبي جعفر الإسكافي، والجعفرية أصحاب الجعفر بن جفعر بن مبشر، وجعفر بن حرب. ثم ظهرت بدع بشر بن المعتمر؛ من القول بالتولد والإفراط فيه والميل إلى الطبيعيين من الفلاسفة، والقول بأن الله تعالى قادر على تعذيب الطفل، وإذا فعل ذلك فهو ظالم، إلى غير ذلك مما تفرد به عن أصحابه.

وتلمد ذله أبو موسى المردار راهب المعتزلة، وانفرد عنه بإبطال إعجاز القرآن من جهة الفصاحة والبلاغة، وفي أيامه جرت أكثر التشديدات على السلف لقلوهم بقدم القرآن، وتلمذ له الجعفران، وأبو زفر، ومحمد بن سويد صاحبا المردار، وأبو جعفر الإسكافي، وعيسى بن الهيثم صاحبا جعفر بن حرب الأشج. وممن بالغ في القول بالقدر: هشام بن عمرو الفوطي، والأصم من أصحابه، وقدحا في إمامة علي ﵁ بقولهما: إن الإمامة لا تنعقد إلا بإجماع الأمة عن بكرة أبيهم. والفوطي والأصم اتفقا على أن الله تعالى يستحيل أن يكون عالما بالأشياء قبل كونها، ومنعا كون المعدوم شيئا. وأبو الحسين الخياط، وأحمد بن علي الشطوي صحبا عيسى الصوفي، ثم لزما أبا مجالد. وتلمذ الكعبي لابي الحسين الخياط، ومذهبه بعينه مذهبه، وأما معمر بن عباد السلمي، وثمامة بن أشرس النميري، وأبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، فكانوا في زمان واحد متقاربين في الرأي والاعتقاد، منفردين عن أصحابهم بمسائل نذكرها في موضعها. والمتأخرون منهم أبو علي الجبائي، وابنه أبو هاشم، والقاضي عبد الجبار، وأبو الحسين البصري؛ قد لخصوا طرق أصحابهم، وانفردوا عنهم بمسائل ستأتي. أما رونق الكلام فابتداؤه من الخلفاء العباسيين: هارون، والمأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكل؛ وانتهاؤه من الصاحب بن عباد وجماعة من الديالمة. وظهرت جماعة من المعتزلة متوسطين، مثل ضرار بن عمرو، وحفص الفرد، والحسين النجار، ومن المتأخرين خالفوا الشيوخ في مسائل، ونبغ منهم جهم بن صفوان في أيام نصر بن سيار، وأظهر بدعته في الجبر بترمذ١، وقتله سالم بن أحوز المازني في آخر ملك بني أمية بمرو٢.

لفوا الشيوخ في مسائل، ونبغ منهم جهم بن صفوان في أيام نصر بن سيار، وأظهر بدعته في الجبر بترمذ١، وقتله سالم بن أحوز المازني في آخر ملك بني أمية بمرو٢.

وكانت بين المعتزلة وبين السلف في كل زمان اختلافات في الصفات، وكان السلف يناظرونهم عليها، لا على قانون كلامي، بل على قول إقناعي، ويسمون الصفاتية، فمن مثبت صفات الباري تعالى معاني قائمة بذاته، ومن مشبه صفاته بصفات الخلق، وكلهم يتعلقون بظواهر الكتاب والسنة، ويناظرون المعتزلة في قدم العالم على قول ظاهر وكان عبد الله بن سعيد الكلابي، وأبو العباسيي القلانسي، والحارث بن أسد المحاسبي أشبههم إتقانا، وأمتنهم كلاما، وجرت مناظرة بين أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، وبين أستاذه أبي علي الجبائي في بعض مسائل التحسين والتقبيح، فألزم الأشعري أستاذه أمورلم يخرج عنها بجواب فأعرض عنه وانحاز إلى طائفة السلف ونصر مذهبهم على قاعدة كلامية؛ فصار ذلك مذهبا منفردا، وقرر طريقته جماعة من المحققين مثل القاضي أبي بكر الباقلاني، والأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني، والأستاذ أبي بكر بن فورك، وليس بينهم كثير اختلاف. ونبغ رجل متنمس١ بالزهد من سجستان يقال له أبو عبد الله محمد بن كرام، قليل العلم، قد قمش٢ من كل مذهب ضغثا٣ وأثبته في كتابه. وروجه على أغتام٤ غرجة، وغور، وسواد بلاد خراسان، فانتظم ناموسه وصار ذلك مذهبا، وقد نصره محمود بن سبكتكين السلطان، وصب البلاء على أصحاب الحديث والشيعة من جهتهم، وهو أقرب مذهب إلى مذهب الخوارج، وهم مجسمة، وحاش غير محمد بن الهيصم فإنه مقارب.

مود بن سبكتكين السلطان، وصب البلاء على أصحاب الحديث والشيعة من جهتهم، وهو أقرب مذهب إلى مذهب الخوارج، وهم مجسمة، وحاش غير محمد بن الهيصم فإنه مقارب.

المقدمة الخامسة: في السبب الذي أوجب ترتيب هذا الكتاب على طريق الحساب وفيها إشارة إلى مناهج الحساب: لما كان مبنى الحساب على الحصر والاختصار، وكان غرضي من تأليف هذا الكتاب حصر المذاهب مع الاختصار؛ اخترت طريق الاستيفاء ترتيبا، وقدرت أغراضي على مناهجه تقسيما وتبويبا. وأردت أن أبين كيفية طرق هذا العلم وكمية أقسامه؛ لئلا يظن بي أني من حيث أنا فقيه ومتكلم، أجنبي النظر في مسالكه ومراسمه، أعجمي القلم بمداركه ومعالمه، فآثرت من طرق الحساب أحكامها وأحسنها، وأقمت عليه من حجج البرهان أوضحها وامتنها، وقدرتها على علم العدد، وكان الواضع الأول منه استمداد المدد، فأقول: مراتب الحساب تبتدئ من واحد، وتنتهي إلى سبع، ولا تجاوزها ألبتة. المرتبة الأولى: صدر الحساب وهو الموصوع الأول الذي يرد عليه التقسيم الأول، وهو فرد لا زوج له باعتبار، وجملة يقبل التقسيم والتفصيل باعتبار، فمن حيث إنه فرد فهو لا يستدعي أختا تساويه في الصورة والمدة، ومن حيث هو جملة فهو قابل للتفصيل حتى ينقسم إلى قسمين، وصورة المدة يجب أن تكون من الطرف إلى الطرف، ويكتب تحتها حشوا، مجملات التفاصيل، ومرسلات التقدير والتقرير، والنقل والتحويل، وكليات وجوه المجموع، وحكايات الإلحاق والموضوع، ويكتب تحتها بارزا من الطرف الأيسر كميات مبالغ المجموع. المرتبة الثانية منها: الأصل، وشكلها محقق، وهو التقسيم الأول الذي ورد على المجموع الأول، وهو زوج ليس بفرد. ويجب حصره في قسمين لا يعدوان إلى ثالث.

وصورة المدة يجب أن تكون أقصر من الصدر بقليل، إذ الجزء أقل من الكل. ويكتب تحتها حشوا ما يخصها من التوجيه، والتنويع، والتفصيل، ولها أخت تساويها في المدة وإن لم يجب أن تساويها في المقدار. المرتبة الثالثة من ذلك: الأصل، وشكله محقق أيضا، وهو التقسيم الثاني الذي ورد على الموضوع الأول والثاني. وذلك لا يجوز أن ينقص عن قسمين. ولا يجوز أن يزيد على أربعة أقسام، ومن جاوز من أهل الصنعة فقد أخطأ، وما علم وضع الحساب. وسنذكر السبب فيه. وصورته ومدته أقصر من مدة منها الأصل بقليل، وكذلك يكتب تحتها ما يليق بها حشوا وبارزا. المرتبة الرابعة منها: المطموس. وشكلها هكذا "ط" وذكل يجوز أن يجاوز الأربعة، وأحسن الطرق أن يقتصر على الأقل ومدتها أقصر مما مضى. المرتبة الخامسة من ذلك: الصغير، وشكله هكذا "ص" وذلك يجوز إلى حيث ينتهي التقسيم والتبويب، والمدة أقصر مما مضى. المرتبة السادسة منها: المعوج، وشكله هكذا "،" وذلك أيضا يجوز غلى حيث ينتهي التفصيل. المرتبة السابعة، من ذلك: المعقد، وشكله هكذا "للـ" ولكن يمد من الطرف إلى الطرف، لا على أنه صدر الحساب، بل من حيث إنه النهاية التي تشاكل البداية.

صيل. المرتبة السابعة، من ذلك: المعقد، وشكله هكذا "للـ" ولكن يمد من الطرف إلى الطرف، لا على أنه صدر الحساب، بل من حيث إنه النهاية التي تشاكل البداية.

فهذه كيفية صور الحساب نقشا، وكمية أبوابها جملة، ولكل قسم من الأبواب أخت تقابله، وزوج يساويه في المدة ولا يجوز إغفال ذلك بحال، والحساب تاريخ وتوجيه. والآن نذكر كمية هذه الصور، وانحصار الأقسام في سبع، ولم صار العدد الأول فردا لا زوج له في الصورة؟ ولم انحصر منها الأصل في قسمين لا يعدوان إلى ثالث؟ ولم انحصر من ذلك الأصل في اربعة أقسام؟ ولم خرجت الأقسام الأخر عن الحصر؟ فأقول: إن العقلاء الذين تكلموا في علم العدد والحساب اختلفوا في الواحد: أهو من العدد، أم هو مبدأ العدد وليس داخلا في العدد؟ وهذا الاختلاف إنما ينشأ من اشتراك لفظ الواحد. فالواحد يطلق ويراد به ما يتركب منه العدد؛ فإن الاثنين لا معنى لها إلا واحد مكرر أول تكرير، وكذلك الثلاثة والأربعة، ويطلق ويراد به ما يحصل منه العدد، أي هو علته ولا يدخل في العدد، أي لا يتركب منه العدد، وقد تلازم الواحدية جميع الأعداد لا على أن العدد تركب منها، بل كل موجود فهو في جنسه أو نوعه، أو شخصه واحد. يقال: إنسان واحد، وشخص واحد، وفي العدد كذلك، فإن الثلاثة في أنها ثلاثة واحدة. فالواحدية بالمعنى الأول داخلة في العدد، وبالمعنى الثاني علة للعدد، وبالمعنى الثالث ملازمة للعدد، وليس من الأقسام الثلاثة قسم يطلق على الباري تعالى معناه، فهو واحد لا كالآحاد: أي هذه الوحدات، والكثرة منه وجدت، ويستحيل عليه الانقسام بوجه من وجوه القسمة. وأكثر أصحاب العدد على أن الواحد لا يدخل في العدد، فالعدد مصدره الأول اثنان، وهو ينقسم إلى زوج وفرد. فالفرد الأول ثلاثة، والزوج الأول أربعة، وما وراء الأربعة فهو مكرر كالخمسة فإنها مركبة من عدد وفرد، وتسمى العدد الدائر؛ والستة مركبة من فردين وتسمى العدد التام، والسبعة مركبة من فرد وزوج، وتسمى العدد الكامل؛ والثمانية مركبة من زوجين وهي بداية أخرى، وليس ذلك من غرضنا.

والستة مركبة من فردين وتسمى العدد التام، والسبعة مركبة من فرد وزوج، وتسمى العدد الكامل؛ والثمانية مركبة من زوجين وهي بداية أخرى، وليس ذلك من غرضنا.

فصدر الحساب في مقابة الواحد الذي هو علة العدد، وليس يدخل فيه. ولذلك هو فرد لا أخت له. ولما كان العدد مصدره من اثنين، صار منها المحقق محصورا في قسمين. ولما كان العدد منقسما إلى فرد وزوج، صار من ذلك الأصل محصورا في أربعة. فإن الفرد الأول ثلاثة، والزوج الأول أربعة وهي النهاية، وما عداها مركب منها فكان البسائط العامة الكلية في العدد: واحد، واثنان، وثلاثة، وأربعة وهي الكمال. وما زاد عليها فمركبات كلها ولا حصر لها، فلذلك لا تنحصر الأبواب الأخر في عدد معلوم، بل تتناهي بما ينتهي به الحساب، ثم تركيب العدد على المعدود، وتقدير البسيط على المركب فمن علم آخر. وسنذكر ذلك عند ذكرنا مذاهب قدماء الفلاسفة. فإذا نجزت المقدمات على أوفى تقرير وأحسن تحرير، شرعنا في ذكر مقالات أهل العالم من لدن آدم ﵇ إلى يومنا هذا، لعله لا يشذ من أقسامها مذهب. ونكتب تحت كل باب وقسم ما يليق به ذكرا، حتى يعرف لم وضع ذلك اللفظ لذلك الباب. ونكتب تحت ذكر الفرقة المذكورة ما يعم أصنافها مذهبا واعتقادا، وتحت كل صنف ما خصه وانفرد به عن أصحابه. ونستوفي أقسام الفرق الإسلامية ثلاثا وسبعين فرقة، ونقتصر في أقسام الفرق الخارجية عن الملة الحنيفية على ما هو أشهر وأعرف أصلا وقاعدة، فنقدم ما هو أولى بالتقديم، ونؤخر ما هو أجدر بالتأخير. وشرط الصناعة الحسابية أن يكتب بإزاء المحدود من الخطوط ما يكتب حشوا، وشرط الصناعة الكتابية أن تترك الحواشي على الرسم المعهود عفوا. فراعيت شرط الصناعتين، ومددت الأبواب على شرط الحساب، وتركت الحواشي على رسم الكتاب، وبالله أستعين، وعليه أتوكل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

مذاهب أهل العلم من أرباب الديانات والملل وأهل الأهواء والنحل: من الفرق الإسلامية وغيرهم ممن له كتاب منزل محقق، مثل: اليهود، والنصارى، وممن له شبهة كتاب مثل: المجوس والمانوية، وممن له حدود وأحكام دون كتاب مثل: الفلاسفة الأولى، والدهرية، وعبدة الكواكب والأوثان، والبراهمة. نذكر أربابها وأصحابها، وننقل مآخذها ومصادرها عن كتب طائفة طائفة؛ على موجب اصطلاحاتها بعد الوقوف على مناهجها، والفحص الشديد عن مبادئها وعواقبها. ثم إن التقسيم الصحيح الدائر بين النفي والإثبات هو قولنا: إن أهل العالم انقسموا من حيث المذاهب إلى: أهل الديانات، وإلى أهل الأهواء. فإن الإنسان إذا اعتقد عقدا، أو قال قولا، فإما أن يكون فيه مستفيدا من غيره، وإما مستبدا برايه. فالمستفيد من غيره مسلم مطيع، والدين هو الطاعة، والمسلم المطيع هو المتدين، والمستبد برأيه محدث مبتدع؛ وفي الخبر عن النبي ﵇: "ما شقي امرؤ عن مشورة، ولا سعد باستبداد برأي" وربما يكون المستفيد من غيره مقلدا قد وجد مذهبا اتفاقيا، بأن كان أبواه أو معلمه على اعتقاد باطل فيتقلده منه دون أن يتفكر في حقه وباطله، وصواب القول فيه وخطئه؛ فحينئذ لا يكون مستفيدا، لأنه ما حصل على فائدة وعلم، ولا اتبع الأستاذ على بصيرة ويقين: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١ شرط عظيم فليعتبر. وربما يكون المستبد برأيه مستنبطا مما استفاده على شرط أن يعلم موضع الاستنباط.

وكيفيته، فحينئذ لا يكون مستبدا حقيقة، لأنه حصل العلم بقوة تلك الفائدة: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ١ ركن عظيم، فلا تغفل. فالمستبدون بالرأي مطلقًا هم المنكرون للنبوات مثل الفلاسفة، والصابئة، والبراهمة، وهم لا يقولون بشرائع وأحكام أمرية، بل يضعون حدودًا عقلية حتى يمكنهم التعايش عليها. والمستفيدون هم القائلون بالنبوات. ومن كان قال بالأحكام الشرعية فقد قال بالحدود العقلية، ولا ينعكس.

، بل يضعون حدودًا عقلية حتى يمكنهم التعايش عليها. والمستفيدون هم القائلون بالنبوات. ومن كان قال بالأحكام الشرعية فقد قال بالحدود العقلية، ولا ينعكس.

تمهيد: أرباب الديانات والملل من المسلمين، وأهل الكتاب، وممن له شبهة كتاب: نتكلم ههنا في معنى الدين، والملة، والشرعة, والمنهاج والإسلام، والحنيفية، والسنة، والجماعة، فإنها عبارات وردت في التنزيل، ولكن واحدة منها معنى يخصها، وحقيقة توافقها لغة واصطلاحا. وقد بينا معنى الدين أنه الطاعة والانقياد. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ ١ وقد يرد بمعنى الجزاء، يقال: "كما تدين تدان"، أي كما تفعل تجازى. وقد يرد بمعنى الحساب يوم المعاد والتناد، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّم﴾ ٢ فالمتدين هو المسلم المطيع المقر بالجزاء والحساب يوم التناد والمعاد، قال الله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ ٣.

ولما كان نوع الإنسان محتاجا إلى اجتماع مع آخر من بني جنسه في إقامة معاشه، والاستعداد لمعاده؛ وذلك الاجتماع يجب أن يكون على شكل يحصل به التمانع والتعاون حتى يحفظ بالتمانع ما هو أهله، ويحصل بالتعاون ما ليس له؛ فصورة الاجتماع على هذه الهيئة هي الملة، والطريق الخاص الذي يوصل إلى هذه الهيئة هو المنهاج، والشرعة، والسنة: والاتفاق على تلك السنة هي الجماعة. قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ١. ولن يتصور وضع الملة، وشرع الشرعة إلا بواضع شارع يكون مخصوصا من عند الله بآيات تدل على صدقه، وربما تكون الآية مضمنة في نفس الدعوى، وقد تكون ملازمة وربما تكون متأخرة. ثم اعلم أن الملة الكبرى هي ملة إبراهيم الخليل ﵇، وهي الحنيفية التي تقابل الصبوة٢ تقابل التضاد، وسنذكر كيفية ذلك إن شاء الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ ٣.

راهيم الخليل ﵇، وهي الحنيفية التي تقابل الصبوة٢ تقابل التضاد، وسنذكر كيفية ذلك إن شاء الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ ٣. والشريعة ابتدأت من نوح ﵇. قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ ٤ والحدود والأحكام ابتدأت من آدم، وشيث، وإدريس ﵈، وختمت الشرائع والملل والمناهج والسنن بأكملها وأتمها حسنا وجمالا بمحمد ﵇. قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ ٥. وقد قيل: خص آدم بالأسماء، وخص نوح بمعاني تلك الأسماء، وخص إبراهيم

بالجمع بينهما، ثم خص موسى بالتنزيل، وخص عيسى بالتأويل، وخص المصطفى، صلوات الله عليهم أجمعين، بالجمع بينهما على ملة أبيكم إبراهيم. ثم كيفية التقرير الأول، والتكميل بالتقرير الثاني بحيث يكون مصدقا كل واحد ما بين يديه من الشرائع الماضية، والسنن السالفة؛ تقديرا للأمر على الخلق، وتوفيقا للدين على الفطرة. فمن خاصية النبوة: لا يشاركهم فيها غيرهم، وقد قيل: إن الله ﷿ أسس دينه على مثال خلقه ليستدل بخلقه على دينه، وبدينه على خلقه.

الباب الأول: المسلمون مدخل ... الباب الأول: المسلمون ١- قد ذكرنا معنى الإسلام، ونفرق ههنا بينه وبين الإيمان والإحسان، ونبين ما المبدأ، وما الوسط، وما الكمال بالخبر المعروف في دعوة جبريل ﵇ حيث جاء على صورة أعرابي وجلس حتى ألصق ركبته بركبة النبي صلى الله وسلم، وقال: "يا رسول الله، ما الإسلام؟ فقال: "أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله. وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا". قال: صدقت. ثم قال: ما الإيمان؟ قال ﵇: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر. وأن تؤمن بالقدر خيره وشره". قال: صدقت، ثم قال: ما الإحسان؟ قال ﵊: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". قال: صدقت، ثم قال: متى الساعة؟ قال ﵇: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل"، ثم قام وخرج، فقال النبي ﷺ: "هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم". ففرق في التفسير بين الإسلام والإيمان. والإسلام قد يرد بمعنى الاستسلام ظاهرا، ويشترك فيه المؤمن والمنافق. قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ١ ففرق التنزيل بينهما.

ويشترك فيه المؤمن والمنافق. قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ١ ففرق التنزيل بينهما.

فإذا كان الإسلام بمعنى التسليم والانقياد ظاهرا موضع الاشتراك، فهو المبدأ. ثم إذا كان الإخلاص معه بأن يصدق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويقر عقدا بأن القدر خيره وشره من الله تعالى؛ بمعنى أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه؛ كان مؤمنا حقا، ثم إذا جمع بين الإسلام والتصديق، وقرن المجاهدة بالمشاهدة، وصار غيبه شهادة؛ فهو الكمال، فكان الإسلام مبدأ، الإيمان وسطا, والإحسان كمالا، وعلى هذا شمل لفظ المسلمين: الناجي والهالك. وقد يرد الإسلام وقرينه الإحسان، قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ١ وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ ٢ وقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ ٣ وقوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِين﴾ ٤ وقوله: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٥ وعلى هذا خص الإسلام بالفرقة الناجية، والله أعلم. ٢- أهل الأصول المختلفون في التوحيد، والعدل، والوعد، والوعيد، والسمع، والعقل: نتكلم ههنا في معنى الأصول والفروع، وسائر الكلمات. قال بعض المتكلمين: الأصول: معرفة الباري تعالى بوحدانيته وصفاته، ومعرفة الرسل بآياتهم وبيناتهم، وبالجملة: كل مسألة يتعين الحق فيها بين المتخاصمين فهي من الأصول. ومن المعلوم أن الدين إذا كان منقسما إلى معرفة وطاعة، والمعرفة أصل والطاعة فرع، فمن تكلم في المعرفة والتوحيد كان أصوليا، ومن تكلم في الطاعة والشريعة كان فروعيا، فالأصول هو موضوع علم الكلام، والفروع هو موصوع علم الفقه. وقال

فرع، فمن تكلم في المعرفة والتوحيد كان أصوليا، ومن تكلم في الطاعة والشريعة كان فروعيا، فالأصول هو موضوع علم الكلام، والفروع هو موصوع علم الفقه. وقال

بعض العقلاء: كل ما هو معقول، ويتوصل إليه بالنظر والاستدلال؛ فهو من الأصول وكل ما هو مظنون ويتوصل إليه بالقياس والاجتهاد فهو من الفروع. وأما التوحيد فقد قال أهل السنة، وجميع الصفاتية: إن الله تعالى واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته الأزلية لا نظير له، وواحد في أفعاله لا شريك له. وقال أهل العدل: إن الله تعالى واحد في ذاته، لا قسمة ولا صفة له، وواحد في أفعاله؛ لا شريك له، فلا قديم غير ذاته، ولا قسيم له في أفعاله، ومحال وجود قديمين، ومقدور بين قادرين، وذلك هو التوحيد. وأما العدل فعلى مذهب أهل السنة أن الله تعالى عدل في أفعاله، بمعنى أنه متصرف في ٌملكه وِملكه، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. فالعدل: وضع الشيء موضعه، وهو التصرف في الملك على مقتضى المشيئة والعلم، والظلم بضده، فلا يتصور منه جور في الحكم وظلم في التصرف، وعلى مذهب أهل الاعتزال: العدل ما يقتضيه العقل من الحكمة؛ وهو إصدار الفعل على وجه الصواب والمصلحة. وأما الوعد والوعيد فقد قال أهل السنة: الوعد والوعيد كلامه الأزلي، وعد على ما أمر، وأوعد على ما نهى، فكل من نجا واستوجب الثواب فبوعده، وكل من هلك واستوجب العقاب فبوعيده، فلا يجب عليه شيء من قضية العقل. وقال أهل العدل: لا كلام في الأزل، وإنما أمر ونهي، ووعد وأوعد بكلام محدث، فمن نجا فبفعله استحق الثواب، ومن خسر فبفعله استوجب العقاب، والعقل من حيث الحكمة يقتضي ذلك. وأما السمع والعقل؛ فقد قال أهل السنة: الواجبات كلها بالسمع, والمعارف كلها بالعقل. فالعقل لا يحسن ولا يقبح، ولا يقتضي ولا يوجب، والسمع لا يعرف، أي لا يوجد المعرفة، بل يوجب.

وقال أهل العدل: المعارف كلها معقولة بالعقل، واجبة بنظر العقل، وشكر المنعم واجب قبل ورود السمع، والحسن والقبح صفتان ذاتيتان للحسن والقبيح. فهذه القواعد هي المسائل التي تكلم فيها أهل الأصول وسنذكر مذهب كل طائفة مفصلا إن شاء الله تعالى، ولكل علم موضوع ومسائل نذكرهما بأقصى الإمكان إن شاء الله تعالى. ٣ المعتزلة وغيرهم من الجبرية، والصفاتية، والمختلطة منهم. الفريقان من المعتزلة والصفاتية متقابلا تقابل التضاد، وكذلك القدرية والجبرية، والمرجئة والوعيدية، والشيعة والخوارج، وهذا التضاد بين كل فريق وفريق كان حاصلا في كل زمان، ولكل فرقة مقالة على حيالها، وكتب صنفوها، ودولة عاونتهم، وصولة طاوعتهم.

الفصل الأول: المعتزلة مدخل ... الفصل الأول: المعتزلة ويسمون أصحاب العدل والتوحيد، ويلقبون بالقدرية، والعدلية، وهم قد جعلوا لفظ القدرية مشتركا، وقالوا: لفظ القدرية يطلق على من يقول بالقدر خيره وشره من الله تعالى، احترازا من وصمة اللقب، إذ كان الذي به متفقا عليه لقول النبي ﵇: "القدرية مجوس هذه الأمة" وكانت الصفاتية تعارضهم بالاتفاق، على أن الجبرية والقدرية متقابلتان تقابل التضاد؛ فكيف يطلق لفظ الضد على الضد؟ وقد قال النبي ﵇: "القدرية خصماء الله في القدر" والخصومة في القدر، وانقسام الخير والشر على فعل الله وفعل العبد لن يتصور على مذهب من يقول بالتسليم والتوكل، وإحالة الأحوال كلها على القدر المحتوم، والحكم المحكوم، والذي يعم طائفة المعتزلة من الاعتقاد:

القول بأن الله تعالى قديم، والقدم أخص وصف ذاته. ونفوا الصفات القديمة١ أصلا، فقالوا: هو عالم بذاته، قادر بذاته، حي بذاته؛ لا بعلم وقدرة وحياة. هي صفات قديمة، ومعان قائمة به؛ لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف

ا، فقالوا: هو عالم بذاته، قادر بذاته، حي بذاته؛ لا بعلم وقدرة وحياة. هي صفات قديمة، ومعان قائمة به؛ لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف

لشاركته في الإلهية. واتفقوا على أن كلام محدث مخلوق في محل، وهو حرف وصوت كتب أمثاله في المصاحف حكايات عنه. فإن ما وجد في المحل عرض قد فني في الحال. واتفقوا على أن الإرادة والسمع والبصر ليست معاني قائمة بذاته، ولكن اختلفوا في وجوه وجودها، ومحامل معانيها كما سيأتي، واتفقوا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار، ونفي التشبيه عنه من كل وجه: جهة، ومكانا، وصورة، وجسما، وتحيزا، وانتقالا، وزوالا، وتغيرا، وتأثرا، وأوجبوا تأويل الآيات المتشابة فيها، وسموا هذا النمط: توحيدا. واتفقوا على أن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها، مستحق على ما يفعله ثوابا وعقابا في الدار الآخرة، والرب تعالى منزه أن يضاف إليه شر وظلم، وفعل هو كفر ومعصية، لأنه لو خلق الظلم كان ظالما، كما لو خلق العدل كان عادلا. واتفقوا على أن الله تعالى لا يفعل إلا الصلاح والخير، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد. وأما الأصلح واللطف ففي وجوبه عندهم خلاف. وسموا هذا النمط: عدلا. واتفقوا على أن المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة، استحق الثواب والعوض. والتفضل معنى آخر وراء الثواب. وإذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها، استحق الخلود في النار، لكن يكون عقابه أخف من عقاب الكفار، وسموا هذا النمط: وعدا ووعيدا. واتفقوا على أن أصول المعرفة، وشكر النعمة واجبة قبل ورود السمع. والحسن والقبح يجب معرفتهما بالعقل. واعتناق الحسن، واجتناب القبيح واجب كذلك. وورود التكاليف ألطاف للباري تعالى، أرسلها إلى العباد بتوسط الأنبياء ﵈ امتحانا واختبارا ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ ١.

واختلفوا في الإمامة، والقول فيها نصا، واختيارا، كما سيأتي عند مقالة كل طائفة. والآن نذكر ما يختص بطائفة طائفة من المقالة التي تميزت بها عن أصحابها.

واختلفوا في الإمامة، والقول فيها نصا، واختيارا، كما سيأتي عند مقالة كل طائفة. والآن نذكر ما يختص بطائفة طائفة من المقالة التي تميزت بها عن أصحابها.

١- الواصلية: اصحاب أبي حذيفة واصل بن عطاء الغزال١ الألثغ، كان تلميذا للحسن البصري، يقرأ عليه العلوم والأخبار. وكانا في أيام عبد الملك بن مروان، وهشام بن عبد الملك. وبالمغرب الآن منهم شرذمة قليلة في بلد إدريس بن عبد الله الحسني الذي خرج بالمغرب في أيام أبي جعفر المنصور. ويقال لهم الواصلية، واعتزالهم يدور على أربع قواعد: القاعدة الأولى: القول بنفي صفات الباري تعالى؛ من العلم والقدرة، والإرادة، والحياة، وكانت هذه المقالة في بدايتها غير نضيجة٢. وكان واصل بن عطاء يشرع فيها على قول ظاهر، وهو الاتفاق على استحالة وجود إلهين قديمين أزليين، قال: ومن أثبت معنى صفة قديمة فقد أثبت إلهين. وإنما شرعت أصحابه فيها بعد مطالعة كتب الفلاسفة، وانتهى نظرهم فيها إلى رد جميع الصفات إلى كونه: عالما، قادرا. ثم الحكم بأنهما صفتان ذاتيتان هما: اعتباران للذات القديمة كما قال الجبائي، أو حالان كما قال أبو هاشم. وميل أبي الحسن البصري إلى ردهما إلى صفة واحدة وهي العالمية، وذلك عين مذهب الفلاسفة، وسنذكر تفقصيل ذلك. وكان السلف يخالفهم في ذلك إذ وجدوا الصفات مذكورة في الكتاب والسنة.

القاعدة الثانية: القول بالقدر: وإنما سلكوا في ذلك مسلك معبد١ الجهني؛ وغيلان الدمشقي٢، وقرر واصل ابن عطاء هذه القاعدة أكثر مما كان يقرر قاعدة الصفات، فقال إن الباري تالى حكيم عادل، لا يجوز أن يضاف إليه شر ولا ظلم، ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر، ويحتم عليهم شيئا ثم يجازيهم عليه. فالعبد هو الفاعل للخير والشر، والإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، وهو المجازي على فعله. والرب تعالى أقدره على ذلك كله. وأفعال العباد محصورة في الحركات، والسكنات، والاعتمادات والنظر، والعلم. قال: ويستحيل أن يخاطب العبد بافعل وهو لا يمكنه أن يفعل، ولا هو يحس من نفسه الاقتدار والفعل. ومن أنكره فقد أنكر الضرورة. واستدل بآيات على هذه الكلمات. ورأيت رسالة نسبت إلى الحسن البصري كتبها إلى عبد الملك بن مروان وقد سأله عن القول بالقدر والجبر، فأجابه فيها بما يوافق مذهب القدرية، واستدل فيها بآيات من الكتاب ودلائل من العقل. ولعلها لواصل بن عطاء، فما كان الحسن ممن يخالف السلف في أن القدر خيره وشره من الله تعالى، فإن هذه الكلمات كالمجمع عليها عندهم. والعجب أنه حمل هذا اللفظ الوارد في الخبر على البلاء والعافية، والشدة والرخاء، والمرض والشفاء، والموت والحياة، إلى غير ذلك من أفعال الله تعالى، دون الخير والشر، والحسن والقبيح الصادرين من اكتساب العباد، وكذلك أورده جماعة من المعتزلة في المقالات عن أصحابهم. القاعدة الثالثة: القول بالمنزلة بين المنزلتين، والسبب فيه أنه دخل واحد على الحسن

Bagian 1 dari 13