— Bagian 2 · كتساب العباد، وكذلك أورده جماعة من المعتزلة في ا… —
Bagian 2
كتساب العباد، وكذلك أورده جماعة من المعتزلة في المقالات عن أصحابهم. القاعدة الثالثة: القول بالمنزلة بين المنزلتين، والسبب فيه أنه دخل واحد على الحسن
البصري١ فقال: يا إمام الدين، لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة؛ وهم وعيدية الخوارج. وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، بل العمل على مذهبهم ليس ركنا من الإيمان، ولا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة. فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادا؟ فتفكر الحسن في ذلك، وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقا، ولا كافر مطلقا، بل هو في منزلة بين المنزلتين: لا مؤمن ولا كافر. ثم قام واعتزل إلى أسطوانة٢ من أسطوانات المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل، فسمي هو وأصحابه معتزلة. ووجه تقريره أنه قال: إن الإيمان عبارة عن خصال خير إذا اجتمعت سمي المرء مؤمنا وهو اسم مدح. والفاسق لم يستجمع خصال الخير وما استحق اسم المدح، فلا يسمى مؤمنا، وليس هو بكافر مطلقا أيضا، لأن الشهادة وسائر أعمال الخير موجودة فيه، لا وجه لإنكارها، لكنه إذا خرج من الدنيا على كبيرة من غير توبة، فهو من أهل النار خالد فيها، إذ ليس في الآخرة إلا فريقان: فريق في الجنة، وفريق في السعير، لكنه يخفف عنه العذاب وتكون دركته فوق دركة الكفار. وتابعه على ذلك عمرو بن عبيد٣ بعد أن كان موافقا له في القدر، وإنكار الصفات.
الجنة، وفريق في السعير، لكنه يخفف عنه العذاب وتكون دركته فوق دركة الكفار. وتابعه على ذلك عمرو بن عبيد٣ بعد أن كان موافقا له في القدر، وإنكار الصفات.
القاعدة الرابعة: قوله في الفريقين من أصحاب الجمل، وأصحاب صفين إن أحدهما مخطئ لا بعينه. وكذلك قوله في عثمان وقاتليه وخاذليه، قال: إن أحد الفريقين فاسق لا محالة، كما أن أحد المتلاعنين فاسق لا محالة، لكن لا بعينه، وقد عرفت قوله في الفاسق. وأقل درجات الفريقين أن لا يقبل شهادتهما كما لا تقبل شهادة المتلاعنين فلا يجوز قبول شهادة علي، وطلحة والزبير على وباقة بقل، وجوز أن يكون عثمان وعلي على الخطأ. هذا قوله، وهو رئيس المعتزلة ومبدأ الطريقة في أعلام الصحابة، وأئمة العترة. ووافقه عمرو بن عبيد على مذهبه، وزاد عليه في تفسيق أحد الفريقين لا بعينه بأن قال: لو شهد رجلان من أحد الفريقين مثل علي ورجل من عسكره، أو طلحة والزبير لم تقبل شهادتهما، وفيه تفسيق الفريقين وكونهما من أهل النار. وكان عمرو بن عبيد من رواة الحديث، معروفا بالزهد، وواصل مشهورا بالفضل والأدب عندهم.
٢- الهذيلية: أصحاب أبي الهذيل١ حمدان بن الهذيل العلاف، شيخ المتعزلة، ومقدم الطائفة، ومقرر الطريقة، والمناظر عليها، أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل، عن واصل بن عطاء. ويقال أخذ واصل عن أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية. ويقال أخذه عن الحسن بن أبي الحسن البصري، وإنما انفرد عن أصحابه بعشر قواعد: الأولى: أن الباري٢ تعالى عالم بعلم، وعلمه ذاته، قادر بقدرة، وقدرته ذاته. حي
بحياة، وحياته ذاته. وإنما اقتبس هذا الرأي من الفلاسفة الذين اعتقدوا أن ذاته واحدة لا كثرة فيها بوجه، وإنما الصفات ليست وراء الذات معاني قائمة بذاته، بل هي ذاته، وترجع إلى السلوب أو اللوازم كما سيأتي. والفرق بين قول القائل: عالم بذاته لا بعلم، وبين قول القائل: عالم بعلم هو ذاته: أن الأول نفي الصفة، والثاني إثبات ذات هو بعينه صفة. أو إثبات صفة هي بعينها ذات، وإذا أثبت أبو الهذيل هذه الصفات وجوها للذات؛ فهي بعينها أقانيم النصارى، أو أحوال١ أبي هاشم.
الثانية: أنه أثبت١ إرادات لا محل لها، يكون الباري تعالى مريدا بها. وهو أول من أحدث هذه المقالة، وتابعه عليها المتأخرون. الثالثة: قال في كلام الباري تعالى إن بعضه لا في محل وهو قوله "كن"، وبعضه في محل كالأمر، والنهي، والخبر، والاستخبار. وكان أمر التكوين عنده غير أمر التكليف. الرابعة: قوله في القدر مثل ما قاله أصحابه، إلا أنه قدري الأولى، جبري الآخرة. فإن مذهبه في حركات أهل الخالدين في الآخرة أنها كلها ضرورية لا قدرة للعباد عليها. وكلها مخلوقة للباري تعالى، إذ لو كانت مكتسبة للعباد لكانوا مكلفين بها. الخامسة: قوله إن حركات أهل الخالدين تنقطع، وأنهم يصيرون إلى سكون دائم خمودا، وتجتمع اللذات في ذلك السكون لأهل الجنة، وتجتمع الآلام في ذلك السكون لأهل النار. وهذا قريب من مذهب جهم، إذ حكم بفناء الجنة والنار. وإنما التزم أبو الهذيل هذا المذهب لأنه لما ألزم في مسالة حدوث العالم: أن الحوادث التي لا أول
لها كالحوادث التي لا آخر لها، إذ كل واحدة لا تتناهى؛ قال: إني لا أقول بحركات لا تتناهى آخرا، كما لا أقول بحركات لا تتناهى أولا، بل يصيرون إلى سكون دائم. وكأنه ظن أن ما لزمه في الحركة لا يلزمه في السكون. السادسة: قوله في الاستطاعة إنها عرض عن الأعراض غير السلامة والصحة، وفرق بين أفعال القلوب وأفعال الجوارح، فقال لا يصح وجود أفعال القلوب منه مع عدم القدرة، فالاستطاعة معها في حال الفعل. وجوز ذلك في أفعال الجوارح وقال بتقدمها فيفعل بها في الحال الأولى وإن لم يوجد الفعل إلا في الحال الثانية، قال: "فحال يفعل" غير "حال فعل" ثم ما تولد من فعل العبد فهو فعله، غير اللون والطعم والرائحة وكل ما لا يعرف كيفيته. وقال في الإدراك والعلم الحادثين في غيره عند إسماعه وتعليمه: إن الله تعالى يبدعهما فيه، وليسا من أفعال العباد.
والطعم والرائحة وكل ما لا يعرف كيفيته. وقال في الإدراك والعلم الحادثين في غيره عند إسماعه وتعليمه: إن الله تعالى يبدعهما فيه، وليسا من أفعال العباد. السابعة: قوله في المكلف قبل ورود السمع: إنه يجب عليه أن يعرف الله تعالى بالدليل من غير خاطر، وإن قصر في المعرفة استوجب العقوبة أبدا، ويعلم أيضا حسن الحسن وقبح القبيح، فيجب عليه الإقدام على الحسن كالصدق والعدل. والإعراض عن القبيح كالكذب والجور. وقال أيضا بطاعات لا يراد بها الله تعالى، ولا يقصد بها التقرب إليه؛ كالقصد إلى النظر الأول، والنظر الأول فإنه لم يعرف الله بعد، والفعل عبادة. وقال في المكره: إذا لم يعرف التعريض والتورية فيما أكره عليه فله أن يكذب، ويكون وزره موضوعا عنه. الثامنة: قوله في الآجال والأرزاق: إن الرجل إن لم يقتل مات في ذلك الوقت، ولا يجوز أن يزاد في العمر أو ينقص، والأرزاق على وجهين: أحدهما: ما خلق الله تعالى من الأمور المنتفع بها يجوز أن يقال: خلقها رزقا للعباد، فعلى هذا من قال: إن أحدا أكل أو انتفع بما لم يخلقه الله رزقا فقد أخطأ لما فيه أن في الأجسام ما لم يخلقه الله تعالى.
يجوز أن يقال: خلقها رزقا للعباد، فعلى هذا من قال: إن أحدا أكل أو انتفع بما لم يخلقه الله رزقا فقد أخطأ لما فيه أن في الأجسام ما لم يخلقه الله تعالى.
والثاني: ما حكم الله به من هذه الأرزاق للعباد، فما أحل منها فهو رزقه، وما حرم فليس رزقا، أي ليس مأمورا بتناوله. التاسعة: حكى الكعبي عنه أنه قال: إرادة الله غير المراد، فإرادته لما خلق هي خلقه له، وخلقه للشيء عنده غير الشيء، بل الخلق عنده قول لا في محل. وقال إنه تعالى لم يزل سميعا بصيرا بمعنى سيسمع وسيبصر، وكذلك لم يزل غفورا، رحيما، محسنا، خالقا، رازقا، مثيبا، معاقبا، مواليا، معاديا، آمرا، ناهيا، بمعنى أنه ذلك سيكون منه. العاشرة: حكى الكعبي عنه أنه قال: الحجة لا تقوم فيما غاب إلا بخبر عشرين؛ فيهم واحد من أهل الجنة أو أكثر. ولا تخلو الأرض عن جماعة هم أولياء الله معصومون، لا يكذبون، ولا يرتكبون الكبائر، فهم الحجة لا التواتر. إذ يجوز أن يكذب جماعة ممن لا يحصون عددا إذا لم يكونوا أولياء الله، ولم يكن فيهم واحد معصوم. وصحب أبا الهذيل: أبو يعقوب الشحام١، والآدمي، وهما على مقالته، وكان سنه مائة سنة، توفي في أول خلافة المتوكل سنة خمس وثلاثين ومائتين.
٣- النظامية: أصحاب إبراهيم بن يسار بن هانئ النظام١، قد طالع كثيرا من كتب الفلاسفة وخلط كلامهم بكلام المعتزلة، وانفرد عن أصحابه بمسائل:
ثين ومائتين.
٣- النظامية: أصحاب إبراهيم بن يسار بن هانئ النظام١، قد طالع كثيرا من كتب الفلاسفة وخلط كلامهم بكلام المعتزلة، وانفرد عن أصحابه بمسائل:
الأولى منها: أنه زاد على القول بالقدر خيره وشره منا قوله: إن الله تعالى لا يوصف بالقدرة على الشرور والمعاصي، وليست هي مقدورة للباري تعالى، خلافا لأصحابه فإنهم قضوا بأنه قادر عليها لكنه لا يفعلها لأنها قبيحة. ومذهب النظام أن القبيح إذا كان صفة ذاتية للقبيح، وهو المانع من الإضافة إليه فعلا؛ ففي تجويز وقوع القبيح منه قبح أيضا، فيجب أن يكون مانعا. ففاعل العدل لا يوصف بالقدرة على الظلم، وزاد أيضا على هذا الاختباط فقال: إنما يقدر على فعل ما يعلم أن فيه صلاحا لعباده، ولا يقدر على أن يفعل بعباده في الدنيا ما ليس فيه صلاحهم. هذا في تعلق قدرته بما يتعلق بأمور الدنيا. وأما أمور الآخرة فقال: لا يوصف الباري تعالى بالقدرة على أن يزيد في عذاب أهل النار شيئا، ولا على أن ينقص منه شيئا، وكذلك لا ينقثص من نعيم أهل الجنة ولا أن يخرج أحدا من أهل الجنة وليس ذلك مقدورا له. وقد ألزم عليه أن يكون الباري تعالى مطبوعا مجبورا على ما يفعله، فإن القادر١ على الحقيقة من يتخير بين الفعل والترك. فأجاب إن الذي ألزمتموني في القدرة يلزمكم في الفعل، فإن عندكم يستحيل أن يفعله وإن كان مقدورا؛ فلا فرق. وإنما أخذ هذه المقالة من قدماء الفلاسفة حيث قضوا بأن الجواد لا يجوز أن يدخر شيئا لا يفعله. فما أبدعه وأوجده هو المقدور؛ ولو كان في علمه تعالى ومقدوره ما هو أحسن وأكمل مما أبدعه نظاما وترتيبا وصلاحا لفعله.
الثانية: قوله في الإرادة: إن الباري تعالى ليس موصوفا بها على الحقيقة. فإذا وصف بها شرعا في أفعاله فالمراد بذلك أنه خالقها ومنشئها على حسب ما علم، وإذا وصف بكونه مريدا لأفعال العباد فالمعني به أنه آمر بها وناه عنها، وعنه أخذ الكعبي مذهبه في الإرادة. الثالثة: قوله إن أفعال العباد كلها حركات فحسب، والسكون حركة اعتماد، والعلوم والإرادات حركات النفس, ولم يرد بهذه الحركة حركة النقلة وإنما الحركة عنده مبدأ تغير ما، كما قالت الفلاسفة من إثبات حركات في الكيف، والكم والوضع، والأين، والمتى ... إلى أخواتها. الرابعة: وافقهم أيضا في قولهم إن الإنسان في الحقيقة هو النفس والروح، والبدن آلتها وقالبها. غير أنه تقاصر عن إدراك مذهبهم فمال إلى قول الطبيعيين منهم إن الروح جسم لطيف مشابك للبدن مداخل للقلب بأجزائه مدالخة المائية في الورد، والدهنية في السمسم، والسمنية في اللبن. وقال إن الروح هي التي لها قوة، واستطاعة وحياة ومشيئة، وهي مستطيعة بنفسها، والاستطاعة قبل الفعل. الخامسة: حكى الكعبي عنه أنه قال: إن كل ما جاوز حد القدرة من الفعل فهو من فعل الله تعالى بإيجاب الخلقة؛ أي أن الله تعالى طبع الحجر طبعا، وخلقه خلقة إذا دفعته اندفع، وإذا بلغت قوة الدفع مبلغها عاد الحجر إلى مكان طبعا. وله في الجواهر وأحكامها خبط ومذهب يخالف المتكلمين والفلاسفة. السادسة: وافق الفلاسفة١ في نفي الجزء الذي لا يتجرا، وأحدث القول بالطفرة.
إلى مكان طبعا. وله في الجواهر وأحكامها خبط ومذهب يخالف المتكلمين والفلاسفة. السادسة: وافق الفلاسفة١ في نفي الجزء الذي لا يتجرا، وأحدث القول بالطفرة.
لما ألزم مشي نملة على صخرة من طرف إلى طرف أنها قطعت ما لا يتناهى، فكيف يقطع ما يتناهى ما لا يتناهى؟ قال: تقطع بعضها بالمشي، وبعضها بالطفرة. وشبه ذلك بحبل شد على خشبة معترضة وسط البئر، وطوله خمسون ذراعا، وعليه دلو معلق، وحبل طوله خمسون ذراعا علق عليه معلاق, فيجر به الحبل المتوسط، فإن الدلو يصل إلى رأس البئر وقد قطع مائة ذراع بحبل طوله خمسون ذراعا في زمان واحد، وليس ذلك إلا أن بعض القطع بالطفرة. ولم يعلم أن الطفرة قطع مسافة أيضا موازية لمسافة، فالإلزام لا يندفع عنه، وإنما الفرق بين المشي والطفرة يرجع إلى سرعة الزمان وبطئه. السابعة: قال إن الجواهر مؤلفة من أعراض اجتمعت. ووافق هشام بن الحكم في قوله إن الألوان والطعوم والروائح أجسام، فتارة يقضي بكون الأجسام أعراضا، وتارة يقضي بكون الأعراض أجساما لا غير. الثامنة: من مذهب أن الله تعالى خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن: معادن ونباتا، وحيوانا، وإنسانا، ولم يتقدم خلق آدم ﵇ خلق أولاده؛ غير أن الله تعالى أكمن بعضها في بعض، فالتقدم والتأخر إنما يقع في ظهورها من مكامنها دون حدوثها ووجودها. وإنما أخذ هذه المقالة من أصحاب الكمون والظهور الفلاسفة وأكثر ميله أبدا إلى تقرير مذاهب الطبيعيين منهم دون الإلهيين. التاسعة: قوله في إعجاز١ القرآن إنه من حيث الإخبار عن الأمور الماضية
ون والظهور الفلاسفة وأكثر ميله أبدا إلى تقرير مذاهب الطبيعيين منهم دون الإلهيين. التاسعة: قوله في إعجاز١ القرآن إنه من حيث الإخبار عن الأمور الماضية
والآتية، ومن جهة صرف الدواعي عن المعارضة، ومنع العرب عن الاهتمام به جبرا وتعجيزا، حتى لو خلاهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله بلاغة وفصاحة ونظما. العاشرة: قوله في الإجماع إنه ليس بحجة في الشرع، وكذلك القياس في الأحكام الشرعية لا يجوز أن يكون حجة، وإنما الحجة في قول الإمام المعصوم. الحادية عشرة: ميله إلى الرفض، ووقيعته في كبار الصحابة، قال: أولا: لا إمامة إلا بالنص والتعيين ظاهرا مكشوفا، وقد نص النبي ﵊ على علي ﵁ في مواضع، وأظهره إظهارا لم يشتبه على الجماعة، إلا أن عمر كتم ذلك، وهو الذي تولى بيعة أبي بكر يوم السقيفة، ونسبه إلى الشك يوم الحديبية في سؤاله الرسول ﵇ حين قال: ألسنا على الحق؟ أليسوا على الباطل؟ قال: نعم، قال عمر فلم نعطى الدنية في ديننا؟ قال: هذا شك وتردد في الدين، ووجدان حرج في النفس مما قضى وحكم. وزاد في الفرية فقال: إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها، وكان يصبح: أحرقوا دارها بمن فيها، وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين. وقال: تغريبه نصر بن الحجاج من المدينة إلى البصرة، وإبداعه التراويح، ونهيه عن متعة الحج، ومصادرته العمال، كل ذلك أحداث. ثم وقع في أمير المؤمنين عثمان وذكر أحداثه، من رده الحكم بن أمية إلى المدينة وهو طريد رسول الله ﵊، ونفيه أبا ذر إلى الربذة، وهو صديق رسول الله، وتقليده الوليد بن عقبة الكوفة وهو من أفسد الناس، ومعاوية الشام، وعبد الله بن عامر البصرة، وتزويجه مروان بن الحكم ابنته، وهم أفسدوا عليه أمره، وضربه عبد الله بن مسعود على إحضار المصحف، وعلى القول الذي شاقه به، كل ذلك أحداثه. ثم زاد على خزيه ذلك فأن عاب عليا وعبد الله بن مسعود لقولهما: أقول فيها برأيي. وكذب ابن مسعود في روايته: "السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي
في بطن أمه" وفي روايته انشقاق القمر، وفي تشبيهه الجن بالزط. وقد أنكر الجن رأسا، إلى غير ذلك من الوقيعة الفاحشة في الصحابة ﵃ أجمعين. الثانية عشرة: قوله في المفكر قبل ورود السمع إنه إذا كان عاقلا متمكنا من النظر يجب عليه تحصيل معرفة الباري تعالى بالنظر والاستدلال. وقال بتحسين العقل وتقبيحه في جميع ما يتصرف فيه من أفعال. وقال: لابد من خاطرين، أحدهما يأمر بالإقدام، والآخر بالكف ليصح الاختيار. الثالثة عشرة: قد تكلم في مسائل الوعد والوعيد، وزعم أن من خان في مائة وتسعة وتسعين درهما بالسرقة أو الظلم لم يفسق بذلك حتى تبلغ خيانته نصاب الزكاة وهو مائتا درهم فصاعدا، فحينئذ يفسق، وكذلك في سائر نصب الزكاة. وقال في المعاد إن الفضل على الأطفال كالفضل على البهائم. ووافقه الأسواري١ في جميع ما ذهب إليه، وزاد عليه بأن قال إن الله تعالى لا يوصف بالقدرة على ما علم أنه لا يفعله، ولا على ما أخبر أنه لا يفعله، مع أن الإنسان قادر على ذلك، لأن قدرة العبد صالحة للضدين، ومن المعلوم أن أحد الضدين واقع في المعلوم أنه سيوجد دون الثاني. والخطاب لا ينقطع عن أبي لهب وإن أخبر الرب تعالى بأنه سيصلى نارا ذات لهب. ووافقه أبو جعفر الإسكافي٢ وأصحابه من المعتزلة، وزاد عليه بأن قال: إن الله تعالى لا يقدر على ظلم العقلاء، وإنما يوصف بالقدرة على ظلم الأطفال والمجانين.
افقه أبو جعفر الإسكافي٢ وأصحابه من المعتزلة، وزاد عليه بأن قال: إن الله تعالى لا يقدر على ظلم العقلاء، وإنما يوصف بالقدرة على ظلم الأطفال والمجانين.
وكذلك الجعفران: جعفر بن مبشر، وجعفر بن حرب، وافقاه وما زادا عليه، إلا أنه جعفر بن مبشر قال: في فساق الأمة من هو شر من الزنادقة والمجوس، وزعم أن إجماع الصحابة على حد شارب الخمر كان خطأ، إذ المعتبر في الحدود: النص والتوقيف. وزعم أن سارق الحبة الواحدة فاسق منخلع عن الإيمان. وكان محمد بن شبيب، وأبو شمر، وموسى بن عمران من أصحاب النظام، إلا أنهم خالفوه في الوعيد، وفي المنزلة بين المنزلتين، وقالوا: صاحب الكبيرة لا يخرج من الإيمان إلا بمجرد ارتكاب الكبيرة. وكان ابن مبشر يقول في الوعيد: إن استحقاق العقاب والخلود في النار بالفكر يعرف قبل ورود السمع. وسائر أصحابه يقولون: التخليد لا يعرف إلا بالسمع. ومن أصحاب النظام: الفضل الحدثي، وأحمد بن خابط، قال الراوندي: إنهما كان يزعمان أن للخلق خالقين: أحدهما قديم، وهو الباري تعالى. والثاني محدث وهو المسيح ﵇ لقوله تعالى: ﴿إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ ١ وكذبه الكعبي في رواية الحدثي خاصة لحسن اعتقاده فيه.
٤- الخابطية والحدثية: الخابطية: أصحاب أحمد بن خابط١، وكذلك الحدثية أصحاب الفضل الحدثي٢، كانا من أصحاب النظام وطالعا كتب الفلاسفة أيضا، وضما إلى مذهب النظام ثلاث بدع: البدعة الأولى: إثبات حكم من أحكام الإلهية في المسيح ﵇ موافقة للنصارى على اعتقادهم أن المسيح هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ٣ وهو الذي يأتي في ظلل من الغمام، وهو المعني بقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ ٤ وهو المراد بقول النبي ﵊: "إن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن" وبقوله: "يضع الجبار قدمه في النار" وزعم أحمد بن خابط٥ أن المسيح تدرع بالجسد الجسماني وهو والكلمة القديمة المتحدة كما قالت النصارى.
على صورة الرحمن" وبقوله: "يضع الجبار قدمه في النار" وزعم أحمد بن خابط٥ أن المسيح تدرع بالجسد الجسماني وهو والكلمة القديمة المتحدة كما قالت النصارى.
البدعة الثانية: القول بالتناسخ١ زعما أن الله تعالى أبدع خلقه أصحاء سالمين عقلاء بالغين في دار سوى هذه الدار التي هم فيها اليوم، وخلق فيهم معرفته والعلم به، وأسبغ عليهم نعمه، ولا يجوز أن يكون أول ما يخلقه إلا عاقلا ناظرا معتبرا، وابتدأهم بتكليف شكره، فأطاعه بعضهم في جميع ما أمرهم به، وعصاه بعضهم في جميع ذلك،
وأطاعه بعضهم في البعض دون البعض، فمن أطاعه في الكل أقره في دار النعيم التي ابتدأهم فيها، ومن عصاه في الكل أخرجه من تلك الدار إلى دار العذاب وهي النار، ومن أطاعه في البعض وعصاه في البعض أخرجه إلى دار الدنيا فألبسه هذه الأجسام الكثيفة، وابتلاه بالبأساء والضراء، والشدة والرخاء، والآلام واللذات على صر مختلفة من صور الناس وسائر الحيوانات على قدر ذنوبهم. فمن كانت معصيته أقل وطاعته أكثر كانت صورته أحسن، وآلامه أقل. ومن كانت ذنوبه أكثر كانت صورته أقبح، وآلامه أكثر. ثم لا يزال يكون الحيوان في الدنيا كرة بعد كرة، وصورة بعد أخرى، مادات معه ذنوبه وطاعاته. وهذا عين القول بالتناسخ. وكان في زمانهما شيخ المعتزلة أحمد بن أيوب بن مانوس، وهو أيضا من تلامذة النظام، وقال أيضا مثل ما قال أحمد بن خابط في التناسخ، وخلق البرية دفعة واحدة، إلا أنه قال: متى صارت التوبة إلى البهيمة ارتفعت التكاليف أيضا، وصارت التوبتان عالم الجزاء. ومن مذاهبما أن الديار خمس: داران للثواب، إحداهما فيها أكل وشرب وبعال، وجنات وأنهار. والثانية دار فوق هذه الدار ليس فيها أكل ولا شرب ولا بعال، بل ملاذ روحانية وروح وريحان، غير جسمانية. والثالثة: دار العقاب المحض، وهي نار جهنم، ليس فيها ترتيب، بل هي على نمط التساوي. والرابعة: دار الابتداء التي خلق الخلق فيها قبل أن يهبطوا إلى دار الدنيا، وهي الجنة الأولى. والخامسة: دار الابتداء، وهي التي كلف الخلق فيها بعد أن اجترحوا في الأولى. وهذا التكوين والتكرير لا يزال في الدنيا حتى يمتلئ المكيالان: مكيال الخير،
ومكيال الشر، فغذا امتلأ مكيال الخير صار العمل كله طاعة، والمطيع خيرا خالصا، فينقل إلى الجنة، ولم يلبث طرفة عين، فإن مطل الغني ظلم، وفي الحديث: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه". وإذا امتلأ مكيال الشر صار العمل كله معصيه، والعاصي شريرا محضا، فينقل إلى النار ولم يلبث طرفة عين، وذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ١. البدعة الثالثة: حملهما كل ما ورد في الخبر من رؤية الباري تعالى مثل قوله ﵊: "إنكم سترون ربكم يوم القيامة، كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته" على رؤية العقل الأول الذي هو أول مبدع، وهو العقل الفعال الذي منه تفيض الصور على الموجودات، وإياه عني النبي ﵊, بقوله: "أول ما خلق الله تعالى العقل، فقال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر. فقال. وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحسن منك، بك أعز، وبك أذل، وبك أعطي؛ وبك أمنع" فهو الذي يظهر يوم القيامة وترتفع الحجب بينه وبين الصور التي فاضت منه، فيرونه كمثل القمر ليلة البدر. فأما واهب العقل فلا يرى ألبتة، ولا يشبه إلى مبدع بمبدع. وقال ابن خابط: إن كل نوع من أنواع الحيوانات أمة على حيالها لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ٢ وفي كل أمة رسول من نوعه لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ٣. ولهما طريقة أخرى في التناسخ، وكأنهما مزجا كلام التناسخية، والفلاسفة، والمعتزلة بعضها ببعض.
عالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ٣. ولهما طريقة أخرى في التناسخ، وكأنهما مزجا كلام التناسخية، والفلاسفة، والمعتزلة بعضها ببعض.
٥- البشرية: أصحاب بشر١ بن المعتمر، كان من أفضل علماء المعتزلة، وهو الذي أحدث القول بالتولد وأفرط فيه، وانفرد عن أصحابه بمسائل ست: الأولى منها: أنه زعم أن اللون والطعم والرائحة والإدراكات كلها من السمع، والرؤية يجوز أن تحصل متولدة من فعل العبد، إذا كانت أسبابها من فعله. وإنما أخذ هذا من قول الطبيعيين، إلا أنهم لا يفرقون بين المتولد والمباشر بالقدرة. وربما لا يثبتون القدرة على منهاج المتكلمين. وقوة الفعل وقوة الانفعال غير القدرة التي يثبتها المتكلم. الثانية: قوله إن الاستطاعة هي سلامة البنية، وصحة الجوارح، وتخليتها من الآفات. وقال: لا أقول: يفعل بها في الحالة الأولى، ولا في الحالة الثانية. لكني أقول: الإنسان يفعل، والفعل لا يكون إلا في الثانية. الثالثة: قوله إن الله تعالى قادر على تعذيب الطفل، ولو فعل ذلك كان ظالما إياه، إلا أنه لا يستحسن أن يقال ذلك في حقه، بل يقال: لو فعل ذلك كان الطفل بالغا عاقلا، عاصيا بمعصية ارتكبها. مستحقا للعقاب. وهذا كلام متناقض. الرابعة: حكى الكعبي٢ عنه أنه قال: إرادة الله تعالى فعل من أفعاله، وهي على وجهين: صفة ذات، وصفة فعل، فأما صفة الذات فهي أن الله تعالى لم يزل مريدا لجميع أفعاله، ولجميع الطاعات من عباده فإنه حكيم ولا يجوز أن يعلم الحكيم صلاحا وخيرا ولا يريده. وأما صفة الفعل فإن أراد بها فعل نفسه في حال إحداثه فهي خلقه له، وهي
ولجميع الطاعات من عباده فإنه حكيم ولا يجوز أن يعلم الحكيم صلاحا وخيرا ولا يريده. وأما صفة الفعل فإن أراد بها فعل نفسه في حال إحداثه فهي خلقه له، وهي
قبل الخلق لأن ما به يكون الشيء لا يجوز أن يكون معه، وإن أراد بها فعل عباده؛ فهي الأمر به. الخامسة: قال: إن عند الله تعالى لطفا١ لو أتى به لآمن جميع من في الأرض إيمانا يستحقون عليه الثواب، استحقاقهم لو آمنوا من غير وجوده وأكثر منه، وليس على الله تعالى أن يفعل ذلك بعباده ولا يجب عليه رعاية الأصلح لأنه لا غاية لما يقدر عليه من الصلاح. فما من أصلح إلا وفوقه أصلح، وإنما عليه أن يمكن العبد بالقدر والاستطاعة ويزيح العلل بالدعوة والرسالة. والمفكر قبل ورود السمع يعلم الباري تعالى بالنظر والاستدلال، وإذا كان مختارا في فعله فيستغنى عن الخاطرين، لأن الخاطرين لا يكونان من قبل الله تعالى، وإنما هما من قبل الشيطان، والمفكر الأول لم يتقدمه شيطان يخطر الشك بباله، ولو تقدم فالكلام في الشيطان كالكلام فيه. السادسة: قال: من تاب عن كبيرة ثم راجعها عاد استحقاقه العقوبة الأولى، فإن قبل توبته بشرط أن لا يعود.
٦- المعمرية: أصحاب معمر٢ بن عباد السلمي، وهو من أعظم القدرية فرية في تدقيق القول
بنفي الصفات، ونفي القدر خيره وشره من الله تعالى، والتفكير والتضليل على ذلك، وانفرد عن أصحابه بمسائل: منها أنه قال: إن الله تعالى لم يخلق١ شيئا غير الأجسام، فأما الأعراض فإنها من اختراعات الأجسام، إما طبعا كالنار التي تحدث الإحراق، والشمس التي تحدث الحرارة، والقمر الذي يحدث التلوين، وإما اختيارا كالحيوان يحدث الحركة والسكون، والاجتماع والافتراق. ومن العجب أن حدوث الجسم وفناءه عنده عرضان، فكيف يقول إنهما من فعل الأجسام؟ وإذا لم يحدث الباري تعالى عرضا فلم يحدث الجسم وفناءه؟ فإن الحدوث عرض؛ فيلزمه أن لا يكون لله تعالى فعل أصلا، ثم ألزم أن كلام الباري تعالى إما عرض أو جسم، فإن قال هو عرض فقد أحدثه الباري، فإن المتكلم على أصله هو من فعل الكلام. أو يلزمه ألا يكون لله تعالى كلام هو عرض، وإن
قال: هو جسم فقد أبطل قوله إنه أحدثه في محل الجسم لا يقوم بالجسم. فإذا لم يقل هو بإثبات الصفات الأذلية، ولا قال بخلق الأعراض؛ فلا يكون لله تعالى كلام يتكلم به على مقتضى مذهبه، وإذا لم يكن له كلام لم يكن آمرا ناهيا، وإذا لم يكن أمر ونهى لم تكن شريعة أصلا. فأدى مذهبه إلى خزي عظيم. ومنها أنه قال إن الأعراض لا تتناهى في كل نوع، وقال كل عرض قام بمحل فإنما يقوم به لمعنى أوجب القيام، وذلك يؤدي إلى التسلسل. وعنهذه المسألة سمي هو وأصحابه، أصحاب المعاني. وزاد على ذلك فقال: الحركة إنما خالفت السكون لا بذاتها، بل بمعنى أوجب المخالفة، وكذلك مغايرة المثل المثل ومماثلته، وتضاد الضد الضد، كل ذلك عنده بمعنى. ومنها: ما حكى الكعبي عنه أن الإرادة من الله تعالى للشيء غير الله، وغير خلقه للشيء، وغير الأمر، والإخبار، والحكم. فأشار إلى أمر مجهول لا يعرف. وقال: ليس للإنسان فعل سوى الإرادة، مباشرة كانت أو توليدا، وأفعاله التكليفية من القيام والقعود، والحركة، والسكون في الخير والشر كلها مستندة إلى إرادته؛ لا على طريق المباشرة ولا على طريق التوليد، وهذا عجب. غير أنه إنما بناه على مذهبه في حقيقة الإنسان. وعنده: الإنسان معنى أو جوهر غير الجسد، وهو عالم، قادر، مختار، حكيم، ليس بمتحرك، ولا ساكن، ولا متكون، ولا متمكن، ولا يرى، ولا يمس، ولا يحس، ولا يجس، ولا يحل موضعا دون موضع، ولا يحويه مكان، ولا يحصره زمان؛ لكنه مدبر للجسد، وعلاقته مع البدن علاقة التدبير والتصرف. وإنما أخذ هذا القول من الفلاسفة، حيث قضوا بإثبات النفس الإنسانية أمرا ما، هو جوهر قائم بنفسه، لا متحيز ولا متمكن. وأثبتوا من جنس ذلك موجودات عقلية مثل العقول المفارقة. ثم لما كان ميل معمر بن عباد إلى مذهب الفلاسفة ميز بين أفعال النفس التي سماها إنسانا؟ وبين القالب الذي هو جسده؛ فقال: فعل النفس هو
ل العقول المفارقة. ثم لما كان ميل معمر بن عباد إلى مذهب الفلاسفة ميز بين أفعال النفس التي سماها إنسانا؟ وبين القالب الذي هو جسده؛ فقال: فعل النفس هو
الإرادة فحسب، والنفس إنسان؛ ففعل الإنسان هو الإرادة؛ وما سوى ذلك من الحركات والسكنات والاعتمادات فهي من فعل الجسد. ومنها: أنه يحكى عنه أنه كان ينكر القول بأن الله تعالى قديم، لأن قديم أخذ من قدم يقدم فهو قديم؛ وهو فعل كقولك أخذ منه ما قدم وما حدث. وقال أيضا: هو يشعر بالتقادم الزماني، ووجود الباري تعالى ليس بزماني. ويحكى عنه أيضا أنه قال: الخلق غير المخلوق، والإحداث غير المحدث. وحكى جعفر بن حرب عنه أنه قال: إن الله تعالى محال أن يعلم نفسه؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون العالم والمعلوم واحدا، ومحال أن يعلم غيره، كما يقال محال أن يقدر على الموجود من حيث هو موجود. ولعل هذا النقل فيه خلل؛ فإن عاقلا ما لا يتكلم بمثل هذا الكلام غير المعقول. لعمري لما كان الرجل يميل إلى الفلاسفة، ومن مذهبهم: أنه ليس علم الباري تعالى علما انفعاليا، أي تابعا للمعلوم. بل علمه علم فعلي؛ فهو من حيث هو فاعل عالم، وعمله هو الذي أوجب الفعل، وإنما يتعلق بالموجود حال حدوثه لا محالة، ولا يجوز تعلقه بالمعدوم على استمرار عدمه، وأنه علم وعقل، وكونه عقلا، وعاقلا، ومعقولا شيء واحد. فقال ابن عباد: لا يقال: يعلم نفسه، لأنه قد يؤدي غلى تمايز بين العالم والمعلوم، ولا يعلم غيره؛ لأنه يؤدي إلى كون علمه من غيره يحصل. فإما أن لا يصح النقل، وإما أن يحمل على مثل هذا المحمل، ولسنا من رجال ابن عباد فنطلب لكلامه وجها.
٧- المردارية: أصحاب عيسى بن صبيح١ المكنى بأبي موسى، الملقب بالمردار. وقد تلمذ
أن يحمل على مثل هذا المحمل، ولسنا من رجال ابن عباد فنطلب لكلامه وجها.
٧- المردارية: أصحاب عيسى بن صبيح١ المكنى بأبي موسى، الملقب بالمردار. وقد تلمذ
لبشر بن المعتمر، وأخذ العلم منه وتزهد، ويسمى راهب المعتزلة. وإنما انفرد عن أصحابه بمسائل. الأولى منها: قوله في القدر إن الله تعالى يقدر على أن يكذب ويظلم، ولو كذب وظلم كان إلها كاذبا ظالما. تعالى الله عن قوله. والثانية: قوله في التولد مثل قول أستاذه، وزاد عليه بأن جوز وقوع فعل واحد من فاعلين على سبيل التولد. الثالثة: قوله في القرآن إن الناس قادرون على مثل القرآن فصاحة، ونظما، وبلاغة. وهو الذي بالغ في القول بخلق القرآن. وكفر من قال بقدمه بأنه قد أثبت قدمين، وكفر أيضا من لابس السلطان، وزعم أنه لا يرث ولا يورث. وكفر أيضا من قال إن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى، ومن قال إنه يرى بالإبصار. وغلا في التكفير حتى قال هم كافرون في قولهم: لا إله إلا الله. وقد سأله إبراهيم بن السندي مرة عن أهل الأرض جميعا فكفرهم. فأقبل عليه إبراهيم وقال: الجنة التي عرضها السموات والأرض لا يدخلها إلا أنت وثلاثة وافقوك؟ فخزي ولم يحر جوابا. وقد تلمذ له أيضا الجعفران١، وأبو زفر، ومحمد بن سويد، وصحب أبو جعفر
محمد بن عبد الله الإسكافي، وعيسى بن الهيثم، وجعفر بن حرب الأشج، وحكى الكعبي عن الجعفرين أنهما قالا: إن الله تعالى خلق القرآن في اللوح المحفوظ، ولا يجوز أن ينقل إذ يستحيل أن يكون الشيء الواحد في مكانين في حالة واحدة، وما نقرؤه فهو حكاية عن المكتوب الأول في اللوح المحفوظ، وذلك فعلنا وخلقنا. قال: وهو الذي اختاره من الأقوال المختلفة في القرآن. وقالا في تحسين العقل وتقبيحه: إن العقل يوجب معرفة الله تعالى بجميع أحكامه وصفاته قبل ورود الشرع، وعليه يعلم أنه إن قصر ولم يعرفه ولم يشكره عاقبه عقوبة دائمة. فأثبتا التخليد واجبا بالعقل.
٨- الثمامية: أصحاب ثمامة بن أترس١؛ النميري؛ كان جامعا بين سخافة الدين وخلاعة النفس، مع اعتقاده بأن الفاسق يخلد في النار إذا مات على فسقه من غير توبة، وهو في حال حياته في منزلة بين المنزلتين. وانفرد عن أصحابه بمسائل:
منها قوله: إن الأفعال المتولدة لا فاعل لها؛ إذ لم يمكنه إضافتها إلى فاعل أسبابها حتى يلزمه أن يضيف الفعل إلى ميت، مثل ما إذا فعل السبب ومات ووجد المتولد بعده، ولم يمكنه إضافتها إلى الله تعالى، لأنه يؤدي إلى فعل القبيح، وذلك محال. فتحير فيه وقال المتولدات أفعال لا فاعل لها. ومنها قوله: في الكفار والمشركين والمجوس، واليهود والنصارى والزنادقة والدهرية: إنهم يصيرون في القيامة ترابا. وكذلك قوله في البهائم والطيور وأطفال المؤمنين. ومنها قوله: الاستطاعة هي السلامة وصحة الجوارح وتخليتها من الآفات، وهي قبل الفعل. ومنها قوله: إن المعرفة متولدة من النظر، وهو فعل لا فاعل له كسائر المتولدات. ومنها قوله: في تحسين العقل وتقبيحه، وإيجاب المعرفة قبل ورود السمع مثل قول أصحابه غير أنه زاد عليهم فقال: من الكفار من لا يعلم خالفه وهو معذور. وقال: إن المعارف كلها ضرورية، وإن من لم يضطر إلى معرفة الله ﷾ فليس هو مأمورا بها، وإنما خلق للعبرة والسخرة كسائر الحيوان.
من لا يعلم خالفه وهو معذور. وقال: إن المعارف كلها ضرورية، وإن من لم يضطر إلى معرفة الله ﷾ فليس هو مأمورا بها، وإنما خلق للعبرة والسخرة كسائر الحيوان. ومنها قوله: لا فعل للإنسان إلا الإرادة، وما عداها فهو حدث لا محدث له. وحكى ابن الراوندي عنه أنه قال: العالم فعل الله تعالى بطباعه. ولعله أراد بذلك ما تريده الفلاسفة من الإيجاب بالذات دون الإيجاد على مقتضى الإرادة، لكن يلزمه على اعتقاده ذلك ما لزم الفلاسفة من القول بقدم العالم؛ إذ الموجب لا ينفك عن الموجب. وكان ثمامة في أيام المأمون، وكان عنده بمكان.
٩ - الهشامية: أصحاب هشام١ بن عمرو الفوطي. ومبالغته في القدر أشد وأكثر من مبالغة أصحابه، وكان يمتنع من إطلاق إضافات أفعال إلى الباري تعالى وإن ورد بها التنزيل. منها قوله: إن الله لا يؤلف بين قلوب المؤمنين، بل هم المؤتلفون باختيارهم. وقد ورد في التنزيل: ﴿مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ ٢. ومنها قوله: إن الله لا يحبب الإيمان إلى المؤمنين، ولا يزينه في قلوبهم. وقد قال تعالى: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ٣ ومبالغتها في نفي إضافات الطبع والختم والسد وأمثالها أشد واصعب. وقد ورد بجميعها التنزيل، قال الله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ ٤ وقال: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ ٥ وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ ٦ وليت شعري! ما يعتقده الرجل؟ إنكار ألفاظ التنزيل وكونها وحيا من الله تعالى؟ فيكون تصريحا بالكفر. أو إنكار ظواهرها من نسبته إلى الباري تعالى ووجوب تأويلها؟ وذلك عين مذهب أصحابه. ومن بدعه في الدلالة على الباري تعالى قوله إن الأعراض لا تدل على كونه خالقا، ولا تصلح الأعراض دلالات؛ بل الأجسام تدل على كونه خالقا، وهذا أيضا عجب.
ه. ومن بدعه في الدلالة على الباري تعالى قوله إن الأعراض لا تدل على كونه خالقا، ولا تصلح الأعراض دلالات؛ بل الأجسام تدل على كونه خالقا، وهذا أيضا عجب. ومن بدعه في الإمامة قوله إنها لا تنعقد في أيام الفتنة واختلاف الناس، وإنما يجوز عقدها في حال الاتفاق والسلامة. وكذلك أبو بكر الأصم من أصحابه كان يقول الإمامة لا تنعقد إلا بإجماع الأمة عن بكرة أبيهم، وإنما أراد بذلك الطعن في إمامة علي رضي الله
عنه إذ كانت البيعة في أيام الفتنة من غير اتفاق من جميع الصحابة، إذ بقي في كل طرف طائفة على خلافه. ومن بدعه أن الجنة والنار ليستا مخلوقتين الآن، إذ لا فائدة في وجودهما وهما جميعا خاليتان ممن ينتفع ويتضرر بهما. وبقيت هذه المسألة منه اعتقادا للمعتزلة. وكان يقول بالموافاة، وأن الإيمان هو الذي يوافي الموت. وقال: من أطاع الله جميع عمره، وقد علم الله أنه يأتي بما يحيط أعماله ولو بكبيرة لم يكن مستحقا للوعد، وكذلك على العكس. وصاحبه عباد١ من المعتزلة، وكان يمتنع من إطلاق القول بأن الله تعالى خلق الكافر، لأن الكافر كفر، وإنسان. والله تعالى لا يخلق الكفر. وقال النبوة جزاء على عمل، وإنها باقية ما بقيت الدنيا, وحكى الأشعري٢ عن عباد أنه زعم أنه لا يقال:
إن الله تعالى لم يزل قائلا ولا غير قائل، ووافقه الإسكافي على ذلك، قالا: ولا يسمى متكلما. وكان الفوطي يقول إن الأشياء قبل كونها معدومة؛ ليست أشياء، وهي بعد أن تعدم عن وجود تسمى أشياء، ولهذا المعنى كان يمنع القول بأن الله تعالى قد كان لم يزل عالما بالأشياء قبل كونها، فإنها لا تسمى أشياء. قال: وكان يجوز القتل والغيلة على المخالفين لمذهبه، وأخذ أموالهم غصبا وسرقة لاعتقاده كفرهم، واستباحة دمائهم وأموالهم.
١٠- الجاحظية: أصحاب عمرو بن بحر أبي عثمان الجاحظ. كان من فضلاء المعتزلة والمصنفين لهم وقد طالع كثيرا من كتب الفلاسفة، وخلط وروج كثيرا من مقالاتهم بعباراته البليغة، وحسن براعته اللطيفة، وكان في أيام المعتصم، والمتوكل. وانفرد عن أصحابه بمسائل: منها قوله: إن المعارف كلها ضرورية طباع، وليس شيء من ذلك من أفعال العباد. وليس للعبد كسب سوى الإرادة، وتحصل أفعاله منه طباعا كما قال ثمامة، ونقل عنه أيضا أنه أنكر أصل الإرادة وكونها جنسا من الأعراض فقال: إذا انتفى السهو عن الفاعل، وكان عالما بما يفعله فهو المريد على التحقيق. وأما الإرادة المتعلقة بفعل الغير فهي ميل النفس إليه، وزاد على ذلك بإثبات الطبائع للأجسام كما قال الطبيعيون من الفلاسفة، وأثبت لها أفعالا مخصوصة بها، وقال باستحالة عدم الجواهر؛ فالأعراض تتبدل، والجواهر لا يجوز أن تفنى. ومنها قوله: في أهل النار إنهم لا يخلدون فيها عذابا، بل يصيرون إلى طبيعة النار. وكان يقول النار تجذب أهلها إلى نفسها من غير أن يدخل أحد فيها. ومذهبه مذهب الفلاسفة في نفي الصفات. وفي إثبات القدر خيره وشره من العبد: مذهب المعتزلة، وحكى الكعبي عنه أنه قال: يوصف الباري تعالى بأنه مريد بمعنى أنه لا يصح عليه السهو في أفعاله، ولا الجهل ولا يجوز أن يغلب ويقهر. وقال: إن الخلق كلهم من العقلاء عالمون بأن الله تعالى خالقهم، وعارفون بأنهم محتاجون إلى النبي، وهم محجوجون بمعرفتهم. ثم هم صنفان: عالم بالتوحيد، وجاهل به. فالجاهل معذور، والعالم محجوج. ومن انتحل دين الإسلام، فإن اعتقد أن الله تعالى ليس بجسم ولا صورة، ولا يرى بالإبصار، وهو عدل لا يجور، ويريد المعاصي،
ه. فالجاهل معذور، والعالم محجوج. ومن انتحل دين الإسلام، فإن اعتقد أن الله تعالى ليس بجسم ولا صورة، ولا يرى بالإبصار، وهو عدل لا يجور، ويريد المعاصي،
وبعد الاعتقاد واليقين أقر بذلك كله، فهو مسلم حقا, وإن عرف ذلك كله ثم جحده وأنكره، وقال بالتشبيه والجبر، فهو مشرك كافر حقا. وإن لم ينظر في شيء من ذلك كله، واعتقد أن الله تعالى ربه، وأن محمدا رسول الله، فهو مؤمن لا لوم عليه، ولا تكليف عليه غير ذلك. وحكى ابن الرواندي أنه قال: إن للقرآن جسدا يجوز أن يقلب مرة رجلا، ومرة حيوانا، وهذا مثل ما يحكى عن أبي بكر الأصم أنه زعم أن القرآن جسم مخلوق، وأنكر الأعراض أصلا، وأنكر صفات الباري تعالى. "ومذهب الجاحظ هو بعينه مذهب الفلاسفة. إلا أن الميل منه ومن أصحابه إلى الطبيعيين منهم أكثر منه إلى الإلهيين".
١١- الخياطية والكعبية: أصحاب أبي الحسن بن أبي عمرو الخياط١، أستاذ أبي القاسم بن محمد
الكعبي١. وهما من معتزلة بغداد على مذهب واحد، إلا أن الخياط غالى في إثبات المعدوم شيئا وقال: الشيء ما يعلم ويخبر عنه، والجوهر جوهر في العدم، والعرض عرض في العدم. وكذلك أطلق جميع الأجناس والأصناف حتى قال: السواد سواد
إثبات المعدوم شيئا وقال: الشيء ما يعلم ويخبر عنه، والجوهر جوهر في العدم، والعرض عرض في العدم. وكذلك أطلق جميع الأجناس والأصناف حتى قال: السواد سواد
في العدم. فلم يبق إلا صفة الوجود أو الصفات التي تلزم الوجود والحدوث. وأطلق على المعدوم لفظ الثبوت، وقال في نفي الصفات عن الباري مثل ما قاله أصحابه، وكذا القول في القدر والسمع، والعقل، وانفرد الكعبي عن أستاذه بمسائل: منها قوله: إن إرادة الباري تعالى ليست صفة قائمة بذاته، ولا هو مريد لذاته، ولا إرادته حادثة في محل أولا في محل. بل إذا أطلق عليه أنه مريد فمعناه أنه عالم، قادر، غير مكره في فعله، ولا كاره. ثم إذا قيل هو مريد لأفعاله، فالمراد به أنه خالق لها على وفق علمه، وإذا قيل هو مريد لأفعال عباده، فالمراد به أنه آمر بها، راض عنها. وقوله في كونه سميعا بصيرا راجع إلى ذلك أيضا، فهو سميع بمعنى أنه عالم بالمسموعات، وبصير بمعنى أنه عالم بالمبصرات. وقوله في الرؤية كقول أصحابه نفيا وإحالة. غير أن أصحابه قالوا: يرى الباري تعالى ذاته، ويرى المرئيات، وكونه مدركا لذلك زائد على كونه عالما. وقد أنكر الكعبي ذلك؛ قال: معنى قولنا: يرى ذاته ويرى المرئيات: أنه عالم بها فقط.
اري تعالى ذاته، ويرى المرئيات، وكونه مدركا لذلك زائد على كونه عالما. وقد أنكر الكعبي ذلك؛ قال: معنى قولنا: يرى ذاته ويرى المرئيات: أنه عالم بها فقط.
الجبائية والبهشمية ... في العدم. فلم يبق إلا صفة الوجود أو الصفات التي تلزم الوجود والحدوث. وأطلق على المعدوم لفظ الثبوت، وقال في نفي الصفات عن الباري مثل ما قاله أصحابه، وكذا القول في القدر والسمع، والعقل، وانفرد الكعبي عن أستاذه بمسائل: منها قوله: إن إرادة الباري تعالى ليست صفة قائمة بذاته، ولا هو مريد لذاته، ولا إرادته حادثة في محل أولا في محل. بل إذا أطلق عليه أنه مريد فمعناه أنه عالم، قادر، غير مكره في فعله، ولا كاره. ثم إذا قيل هو مريد لأفعاله، فالمراد به أنه خالق لها على وفق علمه، وإذا قيل هو مريد لأفعال عباده، فالمراد به أنه آمر بها، راض عنها. وقوله في كونه سميعا بصيرا راجع إلى ذلك أيضا، فهو سميع بمعنى أنه عالم بالمسموعات، وبصير بمعنى أنه عالم بالمبصرات. وقوله في الرؤية كقول أصحابه نفيا وإحالة. غير أن أصحابه قالوا: يرى الباري تعالى ذاته، ويرى المرئيات، وكونه مدركا لذلك زائد على كونه عالما. وقد أنكر الكعبي ذلك؛ قال: معنى قولنا: يرى ذاته ويرى المرئيات: أنه عالم بها فقط.
عبد السلام١. وهما من معتزلة البصرة؛ انفردا عن أصحابهما بمسائل. وانفرد أحدهما
عن صاحبه بمسائل. أما المسائل التي انفردا بها عن أصحابهما: فمنها: أنهما أثبتا إرادات حادثة لا في محل, يكون الباري تعالى بها موصوفا مريدا. وتعظيما لا في محل إذا أراد أن يعظم ذاته, وفناء لا في محل إذا أراد أن يفنى العالم. وأخص أوصاف هذه الصفات يرجع إليه من حيث إنه تعالى أيضا لا في محل، وإثبات موجودات هي أعراض، أو في حكم الأعراض لا محل لها كإثبات موجودات هي جواهر أو في حكم الجواهر لا مكان لها، وذلك قريب من مذهب الفلاسفة حيث أثبتوا عقلا هو جوهر لا في محل ولا في مكان، وكذلك النفس الكلية، والعقول المفارقة. ومنها: أنهما حكما بكونه تعالى متكلما بكلام يخلقه في محل، وحقيقة الكلام عندهما أصوات مقطعة، وحروف منظومة، والمتكلم من فعل الكلام، لا من قام به
الكلام. إلا أن الجبائي خالف أصحابه خصوصا بقوله: يحدث الله تعالى عند قراءة كل قارئ كلاما لنفسه في محل القراءة، وذلك حين ألزم أن الذي يقرؤه القارئ ليس بكلام الله، والمسموع منه ليس من كلام الله، فالتزم هذا المحال من إثبات أمر غير معقول ولا مسموع؛ وهو إثبات كلامين في محل واحد. واتفقا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار، وعلى القول بإثبات الفعل للعبد خلقا وإبداعا، وإضافة الخير والشر، والطاعة والمعصية إليه استقلالا واستبدادا، وأن الاستطاعة قبل الفعل، وهي قدرة زائدة على سلامة البنية وصحة الجوارح، وأثبتا البنية شرطا في قيام المعاني التي يشترط في ثبوتها الحياة، واتفقا على أن المعرفة وشكر المنعم، ومعرفة الحسن والقبح واجبات عقلية، وأثبتا شريعة عقلية وردا الشريعة النبوية إلى مقدرات الأحكام ومؤقتات الطاعات التي لا يتطرق إليها عقل، ولا يهتدي إليها فكر. وبمقتضى العقل والحكم يجب على الحكيم ثواب المطيع وعقاب العاصي، إلا أن التأقيت والتخليد فيه يعرف بالسمع. والإيمان عندهما اسم مدح، وهو عبارة عن خصال الخير التي إذا أجتمعت في شخص سمي بها مؤمنا، ومن ارتكب كبيرة فهو في الحال يسمى فاسقا، لا مؤمنا ولا كافرا، وإن لم يتب ومات عليها فهو مخلد في النار.
صال الخير التي إذا أجتمعت في شخص سمي بها مؤمنا، ومن ارتكب كبيرة فهو في الحال يسمى فاسقا، لا مؤمنا ولا كافرا، وإن لم يتب ومات عليها فهو مخلد في النار. واتفقا على أن الله تعالى لم يدخر عن عباده شيئا مما علم أنه إذا فعل بهم أتوا بالطاعة والتوبة من الصلاح والأصلح واللطف، لأنه قادر، عالم جواد، حكيم لا يضره الإعطاء، ولا ينقص من خزائنه المنح، ولا يزيد في ملكه الادخار، وليس الأصلح هو الألذ، بل هو الأعود في العاقبة، والأصوب في العاجلة وإن كان ذلك مؤلما مكروها، وذلك كالحجامة والفصد، وشرب الأدوية. ولا يقال إنه تعالى يقدر على شيء هو أصلح مما فعل بعبده، والتكاليف كلها ألطاف. وبعثة الأنبياء، وشرع الشرائع، وتمهيد الأحكام والتنبيه على الطريق الأصوب، كلها ألطاف.
ومما تخالفا فيه: أما في صفات الباري تعالى فقال الجبائي: الباري تعالى عالم لذاته، قادر حي لذاته. ومعنى قوله: لذاته أي لا يقتضي كونه عالما صفة هي علم، أو حال توجب كونه عالما. وعند أبي هاشم: هو عالم لذاته، بمعنى أنه ذو حالة هي صفة معلومة وراء كونه ذاتا موجودا، وإنما تعلم الصفة على الذات لا بانفرادها. فأثبت أحوالا هي صفات لا موجودة ولا معدومة ولا معلومة ولا مجهولة. أي هي على حيالها لا تعرف كذلك بل مع الذات. قال: والعقل يدرك فرقا ضروريا بين معرفة الشيء مطلقا، وبين معرفته على صفة، فليس من عرف الذات عرف كونه عالما، ولا من عرف الجوهر عرف كونه متحيزا قابلا للعرض. ولا شك أن الإنسان يدرك اشتراك الموجودات في قضية، وافتراقها في قضية. وبالضرورة يعلم أن ما اشتركت فيه غير ما افترقت به. وهذه القضايا العقلية لا ينكرها عاقل، وهي لا ترجع إلى الذات، ولا إلى أعراض وراء الذات، فإنه يؤدي إلى قيام العرض بالعرض فتعين بالضرورة أنها أحوال. فكون العالم عالما حال هي صفة وراء كونه ذاتا، أي المفهوم منها غير المفهوم من الذات. وكذلك كونه قادرا، حيا. ثم أثبت للباري تعالى حالة أخرى أوجبت تلك الأحوال، وخالفه والده وسائر منكري الأحوال في ذلك، وردوا الاشتراك والافتراق إلى الألفاظ وأسماء الأجناس.
حيا. ثم أثبت للباري تعالى حالة أخرى أوجبت تلك الأحوال، وخالفه والده وسائر منكري الأحوال في ذلك، وردوا الاشتراك والافتراق إلى الألفاظ وأسماء الأجناس. وقالوا: أليست الأحوال تشترك في كونها أحوالا وتفترق في خصائص؟ كذلك نقول في الصفات، وإلا فيؤدي إلى إثبات الحال للحال، ويفضي إلى التسلسل. بل هي راجعة إما إلى مجرد الألفاظ إذ وضعت في الأصل على وجه يشترك فيها الكثير، لا أن مفهومها معنى أو صفة ثابتة في الذات على وجه يشمل أشياء ويشترك فيها الكثير، فإن ذلك مستحيل. أو يرجع ذلك إلى وجوه واعتبارات عقلية هي المفهومة من قضايا الاشتراك والافتراق، وتلك الوجوه. كالنسب والإضافات، والقرب والبعد وغير ذلك مما لا يعد صفات بالاتفاق، وهذا هو اختيار أبي الحسين١ البصري، وأبي الحسن
الأشعري، ورتبوا على هذه المسألة: مسألة أن المعدوم شيء. فمن يثبت كونه شيئا كما نقلنا عن جماعة من المعتزلة، فلا يبقى من صفات الثبوت إلا كونه موجودا. فعلى ذلك لا يثبت للقدرة في إيجادها أثرا ما سوى الوجود. والوجود على مذهب نفاة الأحوال لا يرجع إلا إلى اللفظ المجرد. وعلى مذهب مثبتي الأحوال هو حالة لا توصف بالوجود ولا بالعدم. وهذا كما ترى من التناقض والاستحالة. ومن نفاة الأحوال من يثبته شيئا ولا يسميه بصفات الأجناس. وعند الجبائي أخص وصف الباري تعالى هو القدم، والاشتراك في الأخص يوجب الاشتراك في الأعم. وليت شعري! كيف يمكنه إثبات الاشتراك والافتراق، والعموم والخصوص حقيقة وهو من نفاة الأحوال؟ فأما على مذهب أبي هاشم فلعمري هو مطرد، غير أن القدم إذا بحث عن حقيقته رجع إلى نفي الأولية، والنفي يستحيل أن يكون أخص وصف الباري. واختلفا في كون سمعيا بصيرا. فقال الجبائي: معنى كونه سميعا بصيرا أنه حي لا آفة به. وخالفه ابنه وسائر أصحابه. أما ابنه فصار إلى كونه سميعا حالة، وكونه بصيرا حالة. وكونه بصيرا حالة سوى كونه عالما؛ لاختلاف القضيتين والمفهومين، والمتعلقين، والأثرين. وقال غيره من أصحابه: معناه كونه مدركا للمبصرات، مدركا للمسموعات. واختلفا أيضا في بعض مسائل اللطف. فقال الجبائي فيمن يعلم الباري تعالى من حاله أنه لو آمن مع اللطف لكان ثوابه أقل لقلة مشقته، ولو آمن بلا لطف لكان ثوابه أكثر لكثرة مشقته: إنه لا يحسن منه أن يكلفه إلا مع اللطف. ويسوي بينه وبين من المعلوم من حاله أنه لا يفعل الطاعة على كل وجه إلا مع اللطف. ويقول: إذ لو كلفه مع عدم اللطف لوجب أن يكون مستفسدا حاله، غير مزيح لعلته. ويخالفه أبو هاشم في بعض المواضع في هذه المسألة. قال: يحسن منه تعالى أن يكلفه
قول: إذ لو كلفه مع عدم اللطف لوجب أن يكون مستفسدا حاله، غير مزيح لعلته. ويخالفه أبو هاشم في بعض المواضع في هذه المسألة. قال: يحسن منه تعالى أن يكلفه
الإيمان على أشق الوجهين بلا لطف. واختلفا في فعل الألم للعوض، فقال الجبائي: يجوز ذلك ابتداء لأجل العوض, وعليه بنى آلام الأطفال. وقال ابنه: إنما يحسن ذلك بشرط العوض والاعتبار جميعا. وتفصيل مذهب الجبائي في الأعراض على وجهين: أحدهما أنه يقول يجوز التفضل بمثل الأعواض غير أنه تعالى علم أنه لا ينفعه عوض إلا على ألم متقدم. والوجه الثاني أنه إنما يحسن ذلك لأن العوض مستحق، والتفضل غير مستحق. والثواب عندهم ينفصل عن التفضل بأمرين: أحدهما: تعظيم وإجلال للمثاب يقترن بالنعيم. والثاني: قدر زائد على التفضل بزيادة مقدار ولا بزيادة صفة. وقال ابنه: يحسن الابتداء بمثل العوض تفضلا، والعوض منقطع غير دائم. وقال الجبائي: يجوز أن يقع الانتصاف من الله تعالى للمظلوم من الظالم بأعواض يتفضل بها عليه إذ لم يكن للظالم على الله عوض لشيء ضره به. وزعم أبو هاشم أن التفضل لا يقع به انتصاف، لأن التفضل ليس يجب عليه فعله. وقال الجبائي وابنه: لا يجب على الله شيء لعباده في الدنيا إذا لم يكلفهم عقلا وشرعا. فأما إذا كلفهم فعل الواجب في عقولهم، واجتناب القبائح، وخلق فيهم الشهوة للقبيح والنفور من الحسن، وركب فيهم الأخلاق الذميمة؛ فإنه يجب عليه عند هذا التكليف إكمال العقل، ونصب الأدلة، والقدرة، والاستطاعة، وتهيئة الآلة، بحيث يكون مزيحا لعللهم فيما أمرهم، ويجب عليه أن يفعل بهم أدعى الأمور إلى فعل ما كلفهم به، وأزجر الأشياء لهم عن فعل القبيح الذي نهاهم عنه. ولهم في مسائل هذا الباب خبط طويل. وأما كلام جميع المعتزلة البغداديين في النبوة والإمامة فيخالف كلام البصريين، فإن من شيوخهم من يميل إلى الروافض، ومنهم من يميل إلى الخوارج.
خبط طويل. وأما كلام جميع المعتزلة البغداديين في النبوة والإمامة فيخالف كلام البصريين، فإن من شيوخهم من يميل إلى الروافض، ومنهم من يميل إلى الخوارج.
والجبائي وأبو هاشم قد وافقها أهل السنة في الإمامة، وأنها بالاختيار، وأن الصحابة مترتبون في الفضل ترتبهم في الإمامة، غير أنهم ينكرون الكرامات أصلا للأولياء من الصحابة وغيرهم، ويبالغون في عصمة الأنبياء ﵈ عن الذنوب كبائرها وصغائرها، حتى منع الجبائي القصد إلى الذنب إلا على تأويل. والمتأخرون من المعتزلة مثل القاضي عبد الجبار١ وغيره انتهجوا طريقة أبي هاشم. وخالفه في ذلك أبو الحسين البصري، وتصفح أدلة الشيوخ واعترض على ذلك بالتزييف والإبطال، وانفرد عنهم بمسائل: منها نفي الحال، ومنها نفي المعدوم شيئا، ومنها نفي الألوان أعراضا، ومنها قوله إن الموجودات تتمايز بأعيانها، وذلك من توابع نفي الحال، ومنها رده الصفات كلها إلى كون الباري تعالى عالما، قادرا، مدركا. وله ميل إلى مذهب هشام بن الحكم في أن الأشياء لا تعلم قبل كونها. والرجل فلسفي المذهب، إلا أنه روج كلامه على المعتزلة في معرض الكلام فراج عليهم لقلة معرفتهم بمسالك المذاهب.
الفصل الثاني: الجبرية مدخل ... الفصل الثاني: الجبرية الجبر هو نفي الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى الرب تعالى، والجبرية أصناف. فالجبرية الخالصة: هي التي لا تثبت للعبد فعلا ولا قدرة على الفعل أصلا، والجبرية المتوسطة: هي التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة أصلا، فأما من أثبت للقدرة الحادثة أثرا ما في الفعل، وسمي ذلك كسبا، فليس بجبري. والمعتزلة يسمون من لم يثبت للقدرة الحادثة أثرا في الإبداع والإحداث استقلالا:
جبريا. ويلزمهم أن يسموا من قال من أصحابهم بأن المتولدات أفعال لا فاعل لها جبريا إذ لم يثبتوا للقدرة الحادثة فيها أثرا. والمصنفون في المقالات عدوا النجارية والضرارية من الجبرية، وكذلك جماعة الكلابية من الصفاتية. والأشعرية سموهم تارة حشوية، وتارة جبرية. ونحن سمعنا إقرارهم على أصحابهم من النجارية فعددناهم من الجبرية، ولم نسمع إقرارهم على غيرهم فعددناهم من الصفاتية.
١- الجهمية: أصحاب جهم١ بن صفوان وهو من الجبرية الخالصة، ظهرت بدعته بترمذ، وقتله سلم بن أحوز المازني بمرو في آخر ملك بني أمية. وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية، وزاد عليهم بأشياء: منها قوله: لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلفه، لأن ذلك يقضي تشبيها، فنفي كونه حيا عالما، وأثبت كونه: قادرا، فاعلا، خالقا؛ لأنه لا يوصف شيء من خلقه بالقدرة، والفعل، والخلق.
الى بصفة يوصف بها خلفه، لأن ذلك يقضي تشبيها، فنفي كونه حيا عالما، وأثبت كونه: قادرا، فاعلا، خالقا؛ لأنه لا يوصف شيء من خلقه بالقدرة، والفعل، والخلق.
ومنها إثباته علوما حادثة للباري تعالى١ لا في محل. قال: لا يجوز أن يعلم الشيء قبل خلقه؛ لأنه لو علم ثم خلق, أفبقي علمه على ما كان أم لم يبق؟ فإن بقي فهو جهل، فإن العلم بأن سيوجد غير العلم بأن قد وجد. وإن لم يبق فقد تغير، والمتغير مخلوق ليس بقديم. ووافق في هذا المذهب هشام بن الحكم كما تقرر. قال: وإذا ثبت حدوث العلم فليس يخلو: إما أن يحدث في ذاته تعالى، وذلك يؤدي إلى التغير في ذاته، وأن يكون محلا للحوادث، وإما أن يحدث في محل فيكون المحل موصوفا به، لا الباري تعالى، فتعين أنه لا محل له. فأثبت علوما حادثة بعدد الموجودات المعلومة. ومنها قوله في القدرة الحادثة: إن الإنسان لا يقدر على شيء، ولا يوصف بالاستطاعة، وإنما هو مجبور في أفعاله؛ لا قدرة له، ولا إرادة، ولا اختيار، وإنما يخلق الله تعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، وتنسب إليه الأفعال مجازا كما تنسب إلى الجمادات، كما يقال: أثمرت الشجرة، وجرى الماء، وتحرك الحجر، وطلعت الشمس وغربت، وتغيمت السماء وأمطرت، واهنتزت الأرض وأنبتت، إلى غير ذلك والثواب والعقاب جبر، كما أن الأفعال كلها جبر. قال: وإذا ثبت الجبر فالتكليف أيضا كان جبرا. ومنها قوله: إن حركات أهل الخالدين تنقطع، والجنة والنار تفنيان بعد دخول أهلهما فيهما وتلذذ أهل الجنة بنعيمها، وتألم أهل النار بجحيمها؛ إذ لا تتصور حركات لا تتناهى آخرا، كما لا تتصور حركات لا تتناهى أولا. وحمل قوله تعالى:
أهلهما فيهما وتلذذ أهل الجنة بنعيمها، وتألم أهل النار بجحيمها؛ إذ لا تتصور حركات لا تتناهى آخرا، كما لا تتصور حركات لا تتناهى أولا. وحمل قوله تعالى:
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ على المبالغة والتأكيد دون الحقيقة في التخليد، كما يقال خلد الله ملك فلان، واستشهد على الانقطاع بقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ ١ فالآية اشتملت على شريطة واستثناء، والخلود والتأبيد لا شرط فيه ولا استثناء. ومنها قوله: من أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه لم يكفر بجحده، لأن العلم والمعرفة لا يزولان بالجحد، فهو مؤمن. قال: والإيمان لا يتبعض أي لا ينقسم إلى: عقد، وقول، وعمل. قال: ولا يتفاضل أهله فيه، فإيمان الأنبياء، وإيمان الأمة على نمط واحد إذ المعارف لا تتفاضل، وكان السلف كلهم من أشد الرادين عليه، ونسبته إلى التعطيل المحض. وهو أيضا موافق للمعتزلة في نفي الرؤية، وإثبات خلق الكلام، وإيجاب المعارف بالعقل قبل ورود السمع.
٢- النجارية: أصحاب الحسين١ بن محمد النجار، وأكثر معتزلة الري وما حواليها على مذهبه. وهم وإن اختلفوا أصنافا إلا أنهم لم يختلفوا في المسائل التي عددناها أصولا، وهم:
صحاب الحسين١ بن محمد النجار، وأكثر معتزلة الري وما حواليها على مذهبه. وهم وإن اختلفوا أصنافا إلا أنهم لم يختلفوا في المسائل التي عددناها أصولا، وهم:
برغوثية، وزعفرانية، ومستدركة، ووافقوا المعتزلة في نفي الصفات من العلم، والقدرة، والإرادة، والحياة، والسمع، والبصر. ووافقوا الصفاتية في خلق الأعمال. قال النجار: الباري تعالى مريد لنفسه كما هو عالم لنفسه، فألزم عموم التعلق، فالتزم وقال: هو مريد الخير والشر، والنفع والضر، وقال أيضا: معنى كونه مريدا أنه غير مستكره ولا مغلوب، وقال: هو خالق أعمال العباد، خيرها وشرها، حسنها وقبيحها، والعبد مكتسب لها. وأثبت تأثيرا للقدرة الحادثة؛ وسمى ذلك كسبا على حسب ما يثبته الأشعري، ووافقه أيضا في أن الاستطاعة مع الفعل. وأما في مسألة الرؤية فأنكر رؤية الله تعالى بالأبصار وأحالها؛ غير أنه قال: يجوز أن يحول الله تعالى القوة التي في القلب من المعرفة إلى العين؛ فيعرف الله تعالى بها فيكون ذلك رؤية. وقال بحدوث الكلام لكنه انفرد عن المعتزلة بأشياء منها: قوله إن كلام الباري تعالى إذا قرئ فهو عرض، وإذا كتب فهو جسم. ومن العجب أن الزعفرانية١ قالت كلام الله غيره، وكل ما هو غيره فهو مخلوق، ومع ذلك قالت: كل من قال إن القرآن مخلوق فهو كافر. ولعلهم أرادوا بذلك الاختلاف، وإلا فالتناقض ظاهر. والمستدركة٢ منهم زعموا أن كلامه غيره، وهو مخلوق لكن النبي، ﷺ قال: "كلام الله غير مخلوق" والسلف عن آخرهم أجمعوا
هذا هذه العبارة، فوافقناهم، وحملنا قولهم غير مخلوق، أي على هذا الترتيب والنظم من الحروف والأصوات، بل هو مخلوق على غير هذه الحروف بعينها، وهذه حكاية عنها. وحكى الكعبي عن النجار أنه قال: الباري تعالى بكل مكان ذاتا، ووجودا لا معنى العلم والقدرة، وألزمه محالات على ذلك. وقال في المفكر: قبل ورود السمع مثل ما قالت المعتزلة إنه يجب عليه تحصيل المعرفة بالنظر والاستدلال. وقال في الإيمان: إنه عبارة عن التصديق، ومن ارتكب كبيرة, ومات عليها من غير توبة عوقب على ذلك، ويجب أن يخرج من النار، فليس من العدل التسوية بينه وبين الكفار في الخلود. ومحمد بن عيسى الملقب ببرغوث، وبشر بن غياث المريسي، والحسن النجار متقاربون في المذهب، وكلهم أثبتوا كونه تعالى مريدا لم يزل لكل ما علم أنه سيحدث من خير وشر وإيمان وكفر، وطاعة ومعصية. وعامة المعتزلة يأبون ذلك.
٣- الضرارية: أصحاب ضرار بن عمرو١، وحفص الفرد. واتفقا في التعطيل، وعلى أنهما قالا الباري تعالى عالم قادر، على معنى أنه ليس بجاهل ولا عاجز، وأثبتا لله سبحانه ماهية لا يعلمها
بن عمرو١، وحفص الفرد. واتفقا في التعطيل، وعلى أنهما قالا الباري تعالى عالم قادر، على معنى أنه ليس بجاهل ولا عاجز، وأثبتا لله سبحانه ماهية لا يعلمها
إلا هو، وقالا: إن هذه المقالة محكية عن أبي حنيفة ﵀ وجماعة من أصحابه، وأرادوا بذلك أنه يعلم نفسه شهادة، لا بدليل ولا خبر. ونحن نعلمه بدليل وخبر. وأثبتا حاسة سادسة للإنسان يرى بها الباري تعالى يوم الثواب في الجنة. وقالا: أفعال العباد مخلوقة للباري تعالى حقيقة، والعبد مكتسبها حقيقة. وجوزا حصول فعل بين فعلين، وقالا يجوز أن يقلب الله تعالى الأعراض أجساما. والاستطاعة والعجز بعض الجسم وهو جسم ولا محالة، بنفي زمانين. وقالا: الحجة بعد رسول الله ﷺ في الإجماع فقط، فما ينقل عنه في أحكام الذين من طريق أخبار الآحاد فغير مقبول. ويحكى عن ضرار أنه كان ينكر حرف عبد الله بن مسعود، وحرف أبي بن كعب، ويقطع بأن الله تعالى لم ينزله. وقال في المفكر قبل ورود السمع إنه لم يجب عليه بعقله شيء حتى يأتيه الرسول فيأمره وينهاه، ولا يجب على الله تعالى شيء بحكم العقل. وزعم ضرار أيضا أن الإمامة تصلح في غير قريش حتى إذا اجتمع قرشي ونبطي قدمنا النبطي؛ إذ هو أقل عددا، وأضعف وسيلة فيمكننا خلعه إذا خالف الشريعة. والمعتزلة وإن جوزوا الإمامة في غير قريش؛ إلا أنهم لا يجوزون تقديم النبطي على القرشي.
بطي؛ إذ هو أقل عددا، وأضعف وسيلة فيمكننا خلعه إذا خالف الشريعة. والمعتزلة وإن جوزوا الإمامة في غير قريش؛ إلا أنهم لا يجوزون تقديم النبطي على القرشي.
الفصل الثالث: الصفاتية مدخل ... الفصل الثالث: الصفاتية اعلم أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون الله تعالى صفاته أزلية من العلم، والقدرة، والحياة، والإراد والسمع، والبصر، والكلام، والجلال، والإكرام، والجود، والإنعام، والعزة، والعظمة، ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل بل يسوقون الكلام سوقا واحدا، وكذلك يثبتون صفات خبرية مثل اليدين، والوجه ولا يؤولون ذلك إلا أنهم يقولون: هذه الصفات قد وردت في الشرع، فنسميها صفات خبرية. ولما كانت المعتزلة ينفون الصفات والسلف يثبتون، سمي السلف صفاتية والمعتزلة معطلة. فبالغ بعض السلف في إثبات الصفات إلى حد التشبيه بصفات المحدثات، واقتصر بعضهم على صفات دلت الأفعال عليها وما ورد به الخبر؛ فافترقوا فرقتين: فمنهم من أوله على وجه يحتمل اللفظ ذلك. ومنهم من توقف في التأويل، وقال: عرفنا بمقتضى العقل أن الله تعالى ليس كمثله شيء، فلا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبه شيء منها، وقطعنا بذلك؛ إلا أن لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه، مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١ ومثل قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٢ ومثل قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ٣ إلى غير ذلك. ولسنا مكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها، بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنه لا شريك له، وليس كمثله شيء، وذلك قد أثبتناه يقينا.
َ﴾ ٣ إلى غير ذلك. ولسنا مكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها، بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنه لا شريك له، وليس كمثله شيء، وذلك قد أثبتناه يقينا.
ثم إن جماعة من المتأخرين زادوا على ما قاله السلف؛ فقالوا لابد من إجرائها على ظاهرها، فوقعوا في التشبيه الصرف، وذلك على خلاف ما اعتقده السلف. ولقد كان التشبيه صرفا خالصا في اليهود، لا في كلهم بل في القرائين منهم، إذ وجدوا في التوراة ألفاظا كثيرة تدل على ذلك. ثم الشيعة في هذه الشريعة وقعوا في غلو وتقصير، أما الغلو فتشبيه بعض أئمتهم بالإله تعالى وتقدس، وأما التقصير فتشبيه الإله بواحد من الخلق. ولما ظهرت المعتزلة والمتكلمون من السلف رجعت بعض الروافض عن الغلو والتقصير، ووقعت في الاعتزال وتخطت جماعة من السلف إلى التفسير الظاهر فوقعت في التشبيه. وأما السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل، ولا تهدفوا للتشبيه فمنهم: مالك بن أنس ﵄؛ إذ قال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ومثل أحمد بن حنبل ﵀، وسفيان الثوري، وداود بن علي الأصفهاني، ومن تابعهم. حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي، وأبي العباس القلانسي، والحارث بن أسد المحاسبي، وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام، وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية، وبراهين أصولية، وصنف بعضهم ودرس بعض حتى جرى بين أبي الحسن الأشعري وبين أستاذه مناظرة في مسائل من مسائل الصلاح والأصلح فتخاصما، وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة، فأيد مقالتهم بمناهج كلامية، وصار ذلك مذهبا لأهل السنة والجماعة، وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية. ولما كانت المشبهة والكرامية من مثبتي الصفات عددناهم فرقتين من جملة الصفاتية.
١- الأشعرية: أصحاب أبي الحسن١ علي بن إسماعيل الأشعري؛ المنتسب إلى أبي موسى الأشعري ﵄، وسمعت من عجيب الاتفاقات أن أبا موسى الأشعري ﵁ كان يقرر عين ما يقرر الأشعري أبو الحسن في مذهبه، وقد جرت مناظرة بين عمرو بن العاص وبينه، فقال عمرو: أين أجد أحدا أحاكم إليه ربي. فقال أبو موسى: أنا ذلك المتحاكم إليه فقال عمرو: أو يقدر على شيئا ثم يعذبني عليه؟ قال: نعم. قال عمرو: ولم؟ قال: لأنه لا يظلمك. فسكت عمرو، ولم يحر جوابا. قال الأشعري: الإنسان إذا فكر في خلقته، من أي شيء ابتدأ، وكيف دار في أطوار الخلقة طورا بعد طور حتى وصل إلى كمال الخلقة، وعرف يقينا أنه بذاته لم يكن ليدبر خلقته، وينقله من درجة إلى درجة، ويرقيه من نقص إلى كمال، علم بالضرورة أن له صانعا قادرا، عالما، مريدا، إذ لا يتصور حدوث هذه الأفعال المحكمة من طبع لظهور آثار الاختيار في الفطرة، وتبين آثار الإحكام والإتقان في الخلقة. فله صفات دلت أفعاله عليها لا يمكن جحدها. وكما دلت الأفعال على كونه عالما، قادرا، مريدا، دلت على العلم والقدرة والإرادة، لأن وجه الدلالة لا يختلف شاهدا وغائبا. وأيضا لا معنى للعالم حقيقة إلا أنه ذو علم، ولا للقادر إلا أنه ذو قدرة، ولا للمريد إلا أنه ذو إرادة. فيحصل بالعلم الإحكام والإتقان. ويحصل بالقدرة الوقوع والحدوث ويحصل بالإرادة التخصيص بوقت دون وقت، وقدر دون قدر، وشكل دون شكل. وهذه الصفات لن يتصور أن يوصف بها الذات إلا وأن يكون الذات حيا بحياة للدليل الذي ذكرناه. وألزم منكري الصفات إلزاما لا محيص لهم عنه، وهو أنكم وفاقتمونا بقيام الدليل



