الملل والنحل

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya الشهرستاني (w. 548 H).

Bagian 6 dari 13 621 halaman

— Bagian 6 · نهم من قال: مازجت الكلمة جسد المسيح ممازجة اللبن… —

Bagian 6

نهم من قال: مازجت الكلمة جسد المسيح ممازجة اللبن الماء، والماء اللبن. وأثبتوا لله تعالى أقانيم٢ ثلاثة. قالوا الباري تعالى جوهر واحد، يعنون به القائم

بالنفس، لا التحيز والحجمية. فهو واحد بالجوهرية، ثلاثة بالأقنومية، ويعنون بالأقانيم الصفات كالوجود والحياة والعلم. وسموها الأب والابن، وروح القدس، وإنما العلم تدرع وتجسد دون سائر الأقانيم. وقالوا في الصعود إنه قتل وصلب، قتله اليهود حسدا وبغيا، وإنكارا لنبوته ودرجته. ولكن القتل ما ورد على الجزء اللاهوتي، وإنما ورد على الجزء الناسوتي. قالوا: وكمال الشخص الإنساني في ثلاثة أشياء: نبوة، وإمامة، وملكة. وغيره من الأنبياء كانوا موصوفين بهذه الصفات الثلاث، أو ببعضها، والمسيح ﵇ درجته فوق ذلك لأنه الابن الوحيد فلا نظير له، ولا قياس له إلى غيره من الأنبياء، وهو الذي به غفرت زلة آدم ﵇، وهو الذي يحاسب الخلق. ولهم في النزول اختلاف. فمنهم من يقول: ينزل قبل يوم القيامة كما قال أهل الإسلام، ومنهم من يقول لا نزول له إلا يوم الحساب. وهو بعد أن قتل وصلب، نزل ورأى شخصه شمعون الصفا، وكلمه وأوصى إليه، ثم فارق الدنيا وصعد إلى السماء. فكان وصيه شمعون الصفا وهو أفضل الحواريين علما وزهدا وأدبا. غير أن فولوس شوش أمره، وصير نفسه شريكا له، وغير أوضاع كلامه، وخلطه بكلام الفلاسفة ووساوس خاطره. ورأيت رسالة فولوس التي كتبها إلى اليونانيين أنكم تظنون أن مكان عيسى ﵇ كمكان سائر الأنبياء وليس كذلك. بل إنما مثله مثل "ملكيزداق" وهو ملك السلام الذي كان إبراهيم ﵇ يعطى إليه العشور، وكان يبارك على إبراهيم ويمسح رأسه. ومن العجب أنه نقل في الأناجيل أن الرب تعالى قال: إنك أنت الابن الوحيد، ومن كان وحيدا كيف يمثل بواحد من البشر؟ ثم أن أربعة من الحواريين اجتمعوا وجمع كل واحد منهم جمعا سماه الإنجيل. وهم متى، ولوقا، ومرقس، ويوحنا. وخاتمة إنجيل متى أنه قال: إني أرسلكم إلى الأمم كما أرسلني أبي إليكم. فاذهبوا وادعوا الأمم باسم الأب، والابن، وروح القدس.

متى، ولوقا، ومرقس، ويوحنا. وخاتمة إنجيل متى أنه قال: إني أرسلكم إلى الأمم كما أرسلني أبي إليكم. فاذهبوا وادعوا الأمم باسم الأب، والابن، وروح القدس.

وفاتحة إنجيل يوحنا: على القديم الأزلي قد كانت الكلمة، وهو ذا الكلمة كانت عند الله، والله هو كان الكلمة، وكل كان بيده. ثم افترقت النصارى اثنتين وسبعين فرقة، وكبار فرقهم ثلاثة الملكانية والنسطورية، واليعقوبية. وانشعبت منها: الإليانية، والبليارسية، والمقدانوسية، والسبالية، والبوطنوسية، والبولية إلى سائر الفرق.

١- الملكانية: أصحاب ملكا الذي ظهر بأرض الروم واستولى عليها. ومعظم الروم ملكانية. قالوا: إن الكلمة اتحدت بجسد المسيح، وتدرعت بناسوته. ويعنون بالكلمة: أقنوم العلم، ويعنون بروح القدس أقنوم الحياة، ولا يسمون العلم قبل تدرعه ابنا، بل المسيح مع ما تدرع به ابن، فقال بعضهم إن الكلمة مازجت جسد المسيح، كما يمازج الخمر أو الماء اللبن. وصرحت الملكانية بأن الجوهر غير الأقانيم، وذلك كالموصوف والصفة وعن هذا صرحوا بإثبات التثليث وأخبر عنهم القرآن ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ ١. وقالت الملكانية: إن المسيح ناسوت٢ كلي، لا جزئي، وهو قديم أزلي، من قديم أزلي، وقد ولدت مريم ﵍ إلها أزليا، والقتل والصلب وقع على الناسوت واللاهوت٣ معا. وأطلقوا لفظ الأبوة والبنوة على الله ﷿ وعلى المسيح لما وجدوا في الإنجيل حيث قال: إنك أنت الابن الوحيد، وحيث قال له شمعون الصفا إنك ابن الله حقا. ولعل ذلك من مجاز اللغة، كما يقال لطلاب الدنيا: أبناء الدنيا، ولطلاب الآخرة: أبناء الآخرة، وقد قال المسيح ﵇ للحواريين "أنا أقول لكم: أحبوا أعداءكم

وباركوا على لاعنيكم، وأحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل من يؤذيكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماء، الذي تشرق شمسه على الصالحين والفجرة، وينزل قطره على الأبرار والأئمة، وتكونا تامين كما أن أباكم الذي في السماء تام". وقال "انظروا صدقاتكم فلا تعطوها قدام الناس لتراءوهم فلا يكون لكم أجر عند أبيكم الذي في السماء". وقال حين كان يصلب "أذهب إلى أبي وأبيكم". ولما قال أريوس: القديم هو الله، والمسيح هو مخلوق، اجتمعت البطارقة والمطارنة والأساقفة في بلد قسطنطينية بمحضر من ملكهم، وكانوا ثلاثمائة وثمانية عشر رجلا، واتفقوا على هذه الكلمة اعتقادا، ودعوة، وذلك قولهم: "نؤمن بالله الواحد الآب١ مالك كل شيء، وصانع ما يرى وما لا يرى، وبالابن الواحد يسوع المسيح، ابن الله الواحد، بكر الخلائق كلها، الذي ولد من أبيه قبل العوالم كلها، وليس بمصنوع، إله حق من إله حق، من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم، وخلق كل شيء من أجلنا، ومن أجل معشر الناس. ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد من روح القدس، وصار إنسانا، وحبل به، وولد من مريم البتول، وقتل وصلب أيام فيلاطوس ودفن، ثم قام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين أبيه، وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء. ونؤمن بروح القدس الواحد، روح الحق الذي يخرج من أبيه، وبمعمودية واحدة لغفران الخطايا، وبجماعة واحدة قدسية مسيحية جاثليقية، وبقيام أبداننا، وبالحياة الدائمة أبد الآبدين". هذا هو الاتفاق الأول على هذه الكلمات، وفيه إشارة إلى حشر الأبدان. وفي النصارى من قال بحشر الارواح دون الأبدان، وقال إن عاقبة الأشرار في القيامة غم، وحزن الجهل. وعاقبة الأخيار: سرور وفرح العلم. وأنكروا أن يكون في الجنة نكاح وأكل، وشرب. وقال مار إسحاق منهم: إن الله تعالى وعد المطيعين، وتوعد العاصين. ولا يجوز أن

يخلف الوعد لأنه لا يليق بالكريم، ولكن يخلف الوعيد، فلا يعذب العصاة، ويرجع الخلق إلى سرور وسعادة ونعيم. وعمم في الكل، إذ العقاب الأبدي لا يليق بالجواد الحق تعالى.

نه لا يليق بالكريم، ولكن يخلف الوعيد، فلا يعذب العصاة، ويرجع الخلق إلى سرور وسعادة ونعيم. وعمم في الكل، إذ العقاب الأبدي لا يليق بالجواد الحق تعالى.

٢- النسطورية: أصحاب نسطور الحكيم الذي ظهر في زمان المأمون، وتصرف في الأناجيل بحكم رأيه. وإضافته إليهم إضافة المعتزلة إلى هذه الشريعة. قال: إن الله تعالى واحد، ذو أقانيم ثلاثة: الوجود، والعلم، والحياة. وهذه الأقانيم ليست زائدة على الذات، ولا هي هو. واتحدت الكلمة بجسد عيسى ﵇، لا على طريق الامتزاج كما قالت الملكانية، ولا على طريق الظهور به كما قالت اليعقوبية، ولكن كإشراق الشمس في كوة على بلورة. وكظهور النقش في الشمع إذا طبع بالخاتم. وأشبه المذاهب بمذهب نسطور في الأقانيم: أحوال أبي هاشم من المعتزلة، فإنه يثبت خواص مختلفة لشيء واحد، ويعني بقوله: واحد، يعني الإله. قال هو واحد بالجوهر، أي ليس هو مركبا من جنسين بل هو بسيط وواحد. ويعنى بالحياة والعلم أقنومين جوهرين، أي أصلين مبدأين للعالم. ثم فسر العلم بالنطق، والكلمة. ويرجع منتهى كلامه إلى إثبات كونه تعالى موجودا، حيا، ناطقا كما تقول الفلاسفة في حد الإنسان، إلا أن هذه المعاني تتغاير في الإنسان لكونه جوهرا مركبا، وهو جوهر بسيط غير مركب. وبعضهم يثبت لله تعالى صفات أخر بمنزلة القدرة والإرادة ونحوهما. ولم يجعلوها أقانيم كما جعلوا الحياة والعلم أقنومين. ومنهم من أطلق القول بأن كل واحد من الأقانيم الثلاثة: حي، ناطق، إله. وزعم الباقون أن اسم الإله لا يطلق على كل واحد من الأقانيم. وزعموا أن الابن لم يزل متولدا من الآب، وإنما تجسد واتحد بجسد المسيح حين ولد.

، ناطق، إله. وزعم الباقون أن اسم الإله لا يطلق على كل واحد من الأقانيم. وزعموا أن الابن لم يزل متولدا من الآب، وإنما تجسد واتحد بجسد المسيح حين ولد.

والحدوث راجع إلى الجسد والناسوت، فهو إله وإنسان اتحدا، وهما جوهران، أقنومان، طبيعتان: جوهر قديم، وجوهر محدث، إله تام، وإنسان تام. ولم يبطل الاتحاد قدم القديم، ولا حدوث المحدث، لكنهما صارا مسيحا واحدا، طبيعة واحدة. وربما بدلوا العبارة، فوضعوا مكان الجوهر: الطبيعة، ومكان الأقنوم: الشخص. وأما قولهم في: القتل، والصلب فيخالف قول الملكانية واليعقوبية. قالوا: إن القتل وقع على المسيح من جهة ناسوته، لا من جهة لاهوته، لأن الإله لا تحله الآلام. وبوطينوس، وبولس الشمشاطي يقولان: إن الإله واحد، وإن المسيح ابتدأ من مريم ﵍، وإنه عبد صالح مخلوق، إلا أن الله تعالى شرفه وكرمه لطاعته وسماه ابنا على التبني، لا على الولادة والاتحاد. ومن النسطورية قوم يقال لهم المصلين، قالوا في المسيح مثل ما قال نسطور، إلا أنهم قالوا: إذا اجتهد الرجل في العبادة، وترك التغذي باللحم، والدسم، ورفض الشهوات الحيوانية والنفسانية: تصفى جوهره حتى يبلغ ملكوت السماوات، ويرى الله تعالى جهرة وينكشف له ما في الغيب فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. ومن النسطورية من ينفي التشبيه، ويثبت القول بالقدر، خيره وشره من العبد كما قالت القدرية.

٣- اليعقوبية: أصحاب يعقوب: قالوا بالأقانيم الثلاثة كما ذكرنا، إلا أنهم قالوا: انقلبت الكلمة لحما ودما، فصار الإله هو المسيح. وهو الظاهر بجسده، بل هو هو. وعنهم أخبرنا القرآن الكريم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ١.

فمنهم من قال: إن المسيح هو الله تعالى. ومنهم من قال: ظهر اللاهوت بالناسوت، فصار ناسوت المسيح مظهر الجوهر، لا على طريق حلول جزء فيه، ولا على سبيل اتحاد الكلمة التي هي في حكم الصفة، بل صار هو هو، وهذا كما يقال: ظهر الملك بصورة إنسان، أو ظهر الشيطان بصورة حيوان، وكما أخبر التنزيل عن جبريل ﵇: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ١. وزعم أكثر اليعقوبية أن المسيح جوهر واحد. أقنوم واحد، إلا أنه من جوهرين، وربما قالوا طبيعة واحدة من طبيعتين، فجوهر الإله القديم، وجوهر الإنسان المحدث تركبا تركيبا كما تركبت النفس والبدن فصارا جوهرا واحدا، أقنوما واحدا، وهو إنسان كله وإله كله، فيقال: الإنسان صار إلها، ولا ينعكس فلا يقال: الإله صار إنسانا. كالفحمة تطرح في النار فيقال: صارت الفحمة نارا، ولا يقال: صارت النار فحمة، وهي في الحقيقة لا نار مطلقة، ولا فحمة مطلقة، بل هي جمرة. وزعموا أن الكلمة اتحدت بالإنسان الجزئي لا الكلي. وربما عبروا عن الاتحاد بالامتزاج، والادراع٢، والحلول كحلول صورة الإنسان في المرآة المجلوة. وأجمع أصحاب التثليث كلهم على أن القديم لا يجوز أن يتحد بالمحدث، إلا أن الأقنوم الثاني الذي هو الكلمة اتحدت دون سائر الأقانيم. وأجمعوا كلهم على أن المسيح ﵇ ولد من مريم ﵍، وقتل وصلب. ثم اختلفوا في كيفية ذلك، فقالت الملكانية واليعقوبية: إن الذي ولد من مريم هو الإله: فالملكانية لما اعتقدت أن المسيح ناسوت كلي أزلي، قالوا: إن مريم إنسان جزئي، والجزئي لا يلد الكلي، وإنما ولده الأقنوم القديم، واليعقوبية لما اعتقدت أن

فالملكانية لما اعتقدت أن المسيح ناسوت كلي أزلي، قالوا: إن مريم إنسان جزئي، والجزئي لا يلد الكلي، وإنما ولده الأقنوم القديم، واليعقوبية لما اعتقدت أن

المسيح هو جوهر من جوهرين، وهو إله، وهو المولود، قالوا: إن مريم ولدت إلها، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. وكذلك قالوا في القتل والصلب: إنه وقع على الجوهر الذي هو من جوهرين، قالوا: ولو وقع على أحدهما لبطل الاتحاد. وزعم بعضهم: أنا نثبت وجهين للجوهر القديم: فالمسيح قديم من وجه، محدث من وجه. وزعم قوم من اليعقوبية أن الكلمة لم تأخذ من مريم شيئا، لكنها مرت بها كالماء بالميزاب١، وما ظهر بها من شخص المسيح في الأعين، فهو كالخيال، والصورة في المرآة، وإلا فما كان جسما متجسما كثيفا في الحقيقة. وكذلك القتل والصلب إنما وقع على الخيال والحسبان، وهؤلاء يقال لهم: الإليانية. وهم قوم بالشام، واليمن، وأرمينية، قالوا: وإنما صلب الإله من أجلنا، حتى يخلصنا. وزعم بعضهم أن الكلمة كانت تداخل جسم المسيح ﵇ أحيانا، فتصدر عنه الآيات: من إحياء الموتى، وإبراء الأكمة والأبرص، وتفارقه في بعض الأوقات، فترد عليه الآلام والأوجاع. ومنهم بليارس وأصحابه، حكى عنه أنه كان يقول: إذا صار الناس إلى الملكوت الأعلى: أكلوا ألف سنة، وشربوا، وناكحوا، ثم صاروا إلى النعم التي وعدهم آريوس؛ وكلها لذة، وراحة، وسرور، وحبور، لا أكل فيها ولا شرب، ولا نكاح. وزعم مقدانيوس أن الجوهر القديم أقنومان فحسب: آب، وابن، والروح. وزعم سباليوس أن القديم جوهر واحد، أقنوم واحد، له ثلاث خواص، واتحد بكليته بجسد عيسى ابن مريم ﵉. وزعم آريوس: أن الله واحد، سماه أبا. وأن المسيح كلمة الله وابنه على طريق الاصطفاء، وهو مخلوق قبل خلق العالم، وهو خالق الأشياء. وزعم: أن لله تعالى روحا

مخلوقة أكبر من سائر الأرواح، وأنها واسطة بين الآب والابن، تؤدي إليه الوحي. وزعم أن المسيح ابتدأ جوهرا، لطيفا، روحانيا، خالصا، غير مركب، ولا ممزوج بشيء من الطبائع الأربع، وإنما تدرع بالطبائع الأربع عند الاتحاد بالجسم المأخوذ من مريم. وهذا آريوس قبل الفرق الثلاث، فتبرءوا منه لمخالفتهم إياه في المذهب.

من الطبائع الأربع، وإنما تدرع بالطبائع الأربع عند الاتحاد بالجسم المأخوذ من مريم. وهذا آريوس قبل الفرق الثلاث، فتبرءوا منه لمخالفتهم إياه في المذهب.

الباب الثالث: من له شبهة كتاب مدخل ... الباب الثالث: من له شبهة كتاب "أ" قد بينا كيفية تحقيق الكتاب، وميزنا بين حقيقة الكتاب وشبهة الكتاب، وأن الصحف التي كانت لإبراهيم ﵇ كانت شبهة كتاب، وفيها مناهج علمية، ومسالك عملية. أما العلميات، فتقرير كيفية الخلق والإبداع، وتسوية المخلوقات على سنة نظام وقوام تحصل منها حكمته الأزلية، وتنفذ فيها مشيئته السرمدية١، ثم تقرير التقدير والهداية عليها، ليتقدر كل نوع وصنف بقدره المحكوم والمحتوم، ويقبل هدايته السارية في العالم بقدر استعداده المعلوم. والعلم كل العلم لا يعدو هذين النوعين، وذلك قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ ٢، وقال ﷿ خبرا عن إبراهيم ﵇: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ ٣، وخبرا عن موسى ﵇: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ ٤. وأما العمليات، فتزكية النفوس عن درن الشبهات، وذكر الله تعالى بإقامة العبادات، ورفض الشهوات الدنيوية، وإيثار السعادات الأخروية، ولن يحصل البلوغ إلى كمال المعاد إلا بإقامة هذين الركنين، أعني: الطهارة، والشهادة. والعمل كل العمل

لا يعدو هذين النوعين، وذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى، بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ١. ثم قال ﷿ من قائل: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى، صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ ٢ فبين أن الذي اشتملت عليه الصحف هو الذي اشتملت عليه هذه الصورة. وبالحقيقة هذا هو الإعجاز الحقيقي. "ب" المجوس، وأصحاب الاثنين، والمانوية، وسائر فرقهم: المجوسية: يقال لها الدين الأكبر، والملة العظمى، إذ كانت دعوة الأنبياء ﵈ بعد إبراهيم الخليل ﵇ لم تكن في العموم كالدعوة الخليلية، ولم يثبت لها من القوة والشوكة، والملك، والسيف، مثل الملة الحنيفية، إذ كانت ملوك العجم كلها على ملة إبراهيم ﵇، وجميع من كان في زمان كل واحد منهم من الرعايا في البلاد على أديان ملوكهم، وكان لملوكهم مرجع هو "موبذ موبذان" يعني أعلم العلماء، وأقدم الحكماء، يصدرون عن أمره، ولا يخالفونه، ولا يرجعون إلا إلى رأيه، ويعظمونه تعظيم السلاطين لخلفاء الوقت. وكانت دعوة بني إسرائيل أكثرها في بلاد الشام وما وراءها من المغرب، وقل ما سرى من ذلك إلى بلاد العجم. وكانت الفرق في زمان إبراهيم الخليل ﵇ راجعة إلى صنفين اثنين أحدهما: الصابئة والثاني الحنفاء٣. فالصابئة: كانت تقول: إنا نحتاج في معرفة الله تعالى، ومعرفة طاعته، وأوامره، وأحكامه إلى متوسط، لكن ذلك المتوسط يجب أن يكون روحانيا لا جسمانيا، وذلك لزكاء الروحانيات، وطهارتها، وقربها من رب الأرباب. والجسماني بشر مثلنا: يأكل مما نأكل، ويشرب

سط، لكن ذلك المتوسط يجب أن يكون روحانيا لا جسمانيا، وذلك لزكاء الروحانيات، وطهارتها، وقربها من رب الأرباب. والجسماني بشر مثلنا: يأكل مما نأكل، ويشرب

مما نشرب، يماثلنا في المادة والصورة، قالوا: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ ١. والحنفاء: كانت تقول: إنا نحتاج في المعرفة والطاعة إلى متوسط من جنس البشر تكون درجته في الطهارة، والعصمة، والتأييد، والحكمة فوق الروحانيات يماثلنا من حيث البشرية، ويمايزنا من حيث الروحانية، فيتلقى الوحي بطرف الروحانية، ويلقى إلى نوع الإنسان بطرف البشرية، وذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٢، وقال عز ذكره: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ ٣. ثم لما لم يتطرق للصابئة الاقتصار على الروحانيات البحتة، والتقرب إليها بأعيانها، والتلقي عنها بذواتها، فزعت جماعة إلى هياكلها وهي السيارات السبع، وبعض الثوابت. فصابئة النبط والفرس والروم مفزعها السيارات، وصابئة الهند: مفزعها الثوابت. وسنذكر مذاهبهم على التفصيل، على قدر الإمكان، بتوفيق الله تعالى. وربما نزلوا عن الهياكل إلى الأشخاص التي لا تسمع، ولا تبصر، ولا تغني عنهم شيئا. والفرقة الأولى هم عبدة الكواكب، والثانية هم عبدة الأصنام. ولما كان الخليل ﵇ مكلفا بكسر المذهبين على الفرقتين، وتقرير الحنيفية السمحة السهلة، احتج على عبدة الأصنام قولا، وفعلا, كسرا من حيث القول، وكسرا من حيث الفعل فقال لأبيه آزر: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ٤ الآيات حتى ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ ٥ وذلك إلزام من

لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ٤ الآيات حتى ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ ٥ وذلك إلزام من

حيث الفعل، وإفحام من حيث الكسر. ففرغ من ذلك كما قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ١. وابتدأ بإبطال مذاهب عبدة الكواكب على صيغة الموافقة كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ٢ أي كما آتيناه الحجة كذلك نريه المحجة، فساق الإلزام على أصحاب الهياكل مساق الموافقة في المبدأ، والمخالفة في النهاية، ليكون الإلزام أبلغ، والإفحام أقوى، وإلا فإبراهيم الخليل ﵇ لم يكن في قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ ٣ مشركا، كما لم يكن في قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ ٤ كاذبا. وسوق الكلام من جهة الإلزام، غير سوقه على جهة الالتزام. فلما أظهر الحجة وبين المحجة، قرر الحنيفية التي هي الملة الكبرى، والشريعة العظمى، وذلك هو الدين القيم. وكان الانبياء من أولاده كلهم يقررون الحنيفية، وبالخصوص صاحب شرعنا محمد صلوات الله عليه، كان في تقريرها قد بلغ النهاية القصوى، وأصاب المرمى وأصمى٥. ومن العجب أن التوحيد من أخص أركان الحنيفية، ولهذا يقترن نفي الشرك بكل موضع ذكر الحنيفية: ﴿حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٦ - ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ ٧. ثم إن التثنية اختصت بالمجوس، حتى أثبتوا أصلين اثنين، مدبرين قديمين؛ يقتسمان الخير والشر، والنفع والضر، والصلاح والفساد، يسمون أحدهما: النور والآخر الظلمة. وبالفارسية: يزدان وأهرمن. ولهم في ذلك تفصيل مذهب. ومسائل المجوس كلها تدور على قاعدتين اثنتين: إحداهما: بيان سبب امتزاج النور بالظلمة. والثانية: بيان سبب خلاص النور من الظلمة، وجعلوا الامتزاج مبدأ، والخلاص معادا.

الفصل الأول: المجوس مدخل ... الفصل الأول: المجوس أثبتوا أصلين كما ذكرنا، إلا أن المجوس الأصلية زعموا أن الأصلين لا يجوز أن يكونا قديمين أزليين، بل النور أزلي، والظلمة محدثة. ثم لهم اختلاف في سبب حدوثها: أمن النور حدثت؟ والنور لا يحدث شرا جزئيا، فكيف يحدث أصل الشر؟ أم من شيء آخر؟ ولا شيء يشرك النور في الإحداث والقدم؟. وبهذا يظهر خبط المجوس. وهؤلاء يقولون: المبدأ الأول من الأشخاص: كيومرث، وربما يقولون زروان الكبير، والنبي الثاني: زردشت. والكيومرثية يقولون: كيومرث هو آدم ﵇، وتفسير كيومرث هو: الحي الناطق. وقد ورد في تواريخ الهند والعجم أن كيومرث هو آدم ﵇، ويخالفهم سائر أصحاب التواريخ.

١- الكيومرثية: أصحاب المقدم الأول كيومرث. أثبتوا أصلين: يزدان، وأهرمن، وقالوا: يزدان أزلي قديم، وأهرمن محدث مخلوق، وقالوا: إن سبب خلق أهرمن أن يزدان فكر في نفسه: أنه لو كان لي منازع كيف يكون؟ وهذه الفكرة كانت رديئة غير مناسبة لطبيعة النور، فحدث الظلام من هذه الفكرة، وسمى: أهرمن، وكان مطبوعا على الشر، والفتنة، والفساد، والفسق، والضرر، والإضرار، فخرج على النور، وخالفه طبيعة وفعلا، وجرت محاربة بين عسكر النور وعسكر الظلمة. ثم إن الملائكة توسطوا

فصالحوا على أن يكون العالم السفلي خالصا لأهرمن سبعة آلاف سنة. ثم يخلي العالم ويسلمه إلى النور، والذين كانوا في الدنيا قبل الصلح أبادهم وأهلكهم. ثم بدأ برجل يقال له: كيومرث، وحيوان يقال له ثور فقتلهما. فنبت من مسقط ذلك الرجل ريباس، وخرج من أصل ريباس: رجل يسمى "ميشة"، وامراة تسمى: "ميشانة"؛ وهما أبوا البشر، ونبت من مسقط الثور: الأنعام، وسائر الحيوانات. وزعموا أن النور خير الناس، وهم أرواح بلا أجساد، بين أن يرفعهم عن مواضع أهرمن، وبين أن يلبسهم الأجساد فيحاربون أهرمن. فاختاروا لبس الأجساد، ومحاربة أهرمن؛ على أن تكون لهم النصرة من عند النور، والظفر بجنود أهرمن، وحسن العاقبة. وعند الظفر به وإهلاك جنوده تكون القيامة. فذاك سبب الامتزاج، وهذا سبب الخلاص.

على أن تكون لهم النصرة من عند النور، والظفر بجنود أهرمن، وحسن العاقبة. وعند الظفر به وإهلاك جنوده تكون القيامة. فذاك سبب الامتزاج، وهذا سبب الخلاص.

٢- الزروانية: قالوا: إن النور أبدع أشخاصا من نور، كلها روحانية، نورانية، ربانية، ولكن الشخص الأعظم اسمه زروان شك في شيء من الأشياء، فحدث أهرمن الشيطان، يعني إبليس من ذلك الشك. وقال بعضهم لا، بل إن زروان الكبير قام فزمزم١ تسعة آلاف وتسعمائة وتسعا وتسعين سنة، ليكون له ابن فلم يكن. ثم حدث نفسه وفكر، وقال: لعل هذا العلم ليس بشيء فحدث أهرمن من ذلك الهم الواحد، وحدث هرمز من ذلك العلم، فكانا جميعا في بطن واحد. وكان هرمز أقرب من باب الخروج، فاحتال أهرمن الشيطان حتى شق بطن أمه فخرج قبله وأخذ الدنيا. وقيل: إنه لما مثل بين يدي زروان فأبصره ورأى ما فيه، من الخبث، والشرارة٢، والفساد: أبغضه، ولعنه، وطرده، فمضى واستولى على الدنيا. وأما هرمز فبقي زمانا لا يدله

عليه، وهو الذي اتخذه قوم ربا وعبدوه، لما وجدوا فيه من الخير، والطهارة، والصلاح، وحسن الأخلاق. وزعم بعض الزروانية أنه لم يزل -كان- مع الله شيء رديء: إما فكرة رديئة، وإما عفونة رديئة، وذلك هو مصدر الشيطان. وزعموا، أن الدنيا كانت سليمة من الشرور، والآفات، والفتن، وكان أهلها في خير محض، ونعيم خالص، فلما حدث أهرمن حدثت الشرور والآفات والفتن والمحن. وكان بمعزل عن السماء، فاحتال حتى خرق السماء، وصعد.

آفات، والفتن، وكان أهلها في خير محض، ونعيم خالص، فلما حدث أهرمن حدثت الشرور والآفات والفتن والمحن. وكان بمعزل عن السماء، فاحتال حتى خرق السماء، وصعد. وقال بعضهم: كان هو في السماء، والأرض خالية عنه، فاحتال حتى خرق السماء، ونزل إلى الأرض بجنوده كلها فهرب النور بملائكته واتبعه الشيطان حتى حاصره في جنته، وحاربه ثلاثة آلاف سنة، لا يصل الشيطان إلى الرب تعالى، ثم توسط الملائكة، وتصالحا على أن يكون إبليس وجنوده في قرار الأرض تسعة آلاف سنة، بالثلاثة آلاف التي قاتله فيها، ثم يخرج إلى موضعه. ورأى الرب تعالى عن قولهم الصلاح في احتمال المكروه من إبليس وجنوده، وأن لا ينقض الشرط حتى تنقضي المدة المضروبة للصلح. فالناس في البلايا، والفتن، والخزايا، والمحن إلى انقضاء المدة. ثم يعودون إلى النعيم الأول. وشرط إبليس عليه أن يمكنه من أشياء يفعلها، ويطلقه في أفعال رديئة يباشرها. فلما فرغا من الشرط أشهد عليهما عدلين، ودفعا سيفهما إليهما، وقالا لهما: من نكث فاقتلاه بهذا السيف. ولست أظن عاقلا يعتقد هذا الرأي القائل، ويرى هذا الاعتقاد المضمحل الباطل، ولعله كان رمزا إلى ما يتصور في العقل. ومن عرف الله ﷾ بجلاله وكبريائه لم يسمح بهذه الترهات١ عقله، ولم يسمع مثل هذه الترهات سمعه. وأقرب من هذا ما حكاه أبو حامد الزوزني: أن المجوس زعمت أن إبليس كان لم يزل في الظلمة والجو خلاء بمعزل عن سلطان الله ثم لم يزل يزحف، ويقرب بحيله، حتى رأى

النور، فوثب وثبة، فصار في سلطان الله في النور، وأدخل معه هذه الآفات والشرور، فخلق الله تعالى هذا العالم شبكة له فوقع فيها، وصار متعلقا بها لا يمكنه الرجوع إلى سلطانه، فهو محبوس في هذا العالم، مضرب في الحبس، يرمى بالآفات والمحن والفتن إلى خلق الله تعالى، فمن أحياه الله رماه بالموت، ومن أصحه رماه بالسقم، ومن سره رماه بالحزن. فلا يزال كذلك إلى يوم القيامة، وفي كل يوم ينقص سلطانه حتى لا تبقى له قوة. فإذا كانت القيامة ذهب سلطانه، وخمدت نيرانه، وزالت قوته، واضمحلت قدرته فيطرحه في الجو، والجو ظلمة ليس لها حد ولا منتهى. ثم يجمع الله تعالى أهل الأديان، فيحاسبهم، ويجازيهم على طاعة الشيطان وعصيانه. وأما المسخية، فقالت إن النور كان وحده نورا محضا، ثم انمسخ بعضه فصار ظلمة. وكذلك الخرمدينية قالوا بأصلين، ولهم ميل إلى التناسخ، والحلول، وهم لا يقولون: بأحكام، وحلال، وحرام. ولقد كان في كل أمة من الأمم قوم، مثل الإباحية، والمزدكية، والزنادقة، والقرامطة كان تشويش ذلك الدين منهم، وفتنة الناس مقصورة عليهم.

الزردشتية ... ٣- الزرداشتية: أولئك هم أصحاب زرددشت بن بورشب، الذي ظهر في زمان كشتاسب بن لهراست الملك، وأبوه كان من أذربيجان، وأمه من الري واسمها: دغدوية. زعموا أن لهم أنبياء وملوكا: أو لهم كيومرث. وكان أول من ملك الأرض، وكان مقامه بإصطخر. وبعده أو شهنك بن فراوك، ونزل أرض الهند، وكانت له دعوة ثمة. وبعده طمهورث، وظهرت الصابئة في أول سنة من ملكه. وبعده أخوه جم الملك. ثم بعده أنبياء وملوك، منهم منوجهر، ونزل بابل وأقام بها. وزعموا أن موسى ﵇ ظهر في زمانه, حتى انتهى الملك إلى كشتاسب بن لهراسب، وظهر في زمانه زردشت الحكيم.

عده أنبياء وملوك، منهم منوجهر، ونزل بابل وأقام بها. وزعموا أن موسى ﵇ ظهر في زمانه, حتى انتهى الملك إلى كشتاسب بن لهراسب، وظهر في زمانه زردشت الحكيم.

وزعموا أن الله ﷿ خلق, من وقت ما في الصحف الأولى, والكتاب الأعلى من ملكوته خلقا روحانيا، فلما مضت ثلاثة آلاف سنة أنفذ مشيئته في صورة من نور متلألئ، على تركيب صورة الإنسان، وأحف١ به سبعين من الملائكة المكرمين, وخلق الشمس، والقمر، والكواكب، والارض، وبني آدم، غير متحركة ثلاثة آلاف سنة. ثم جعل روح زردشت في شجرة أنشأها في أعلى عليين وأحف بها سبعين من الملائكة المكرمين، وغرسها في قلة جبل من جبال أذربيجان يعرف باسمو يذخر، ثم مازج شبح زردشت بلبن بقرة، فشربه أبو زردشت، فصار نطفة، ثم مضغة في رحم أمه، فقصدها الشيطان وعيرها، فسمعت أمه نداء من السماء فيه دلالة على برئها، فبرئت. ثم لما ولد ضحك ضحكة تبينها من حضر، فاحتالوا على زردشت حتى وضعوه بين مدرجة البقر ومدرجة الخيل ومدرجة الذئب، فكان ينهض كل واحد منهم لحمايته من جنسه. ونشأ بعد ذلك إلى أن بلغ ثلاثين سنة، فبعثه الله تعالى نبيا، ورسولا إلى الخلق. فدعا كشتاسب الملك، فأجابه إلى دينه. وكان دينه: عبادة الله، والكفر بالشيطان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واجتناب الخبائث.

يا، ورسولا إلى الخلق. فدعا كشتاسب الملك، فأجابه إلى دينه. وكان دينه: عبادة الله، والكفر بالشيطان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واجتناب الخبائث. وقال: النور والظلمة أصلان متضادان، وكذلك يزدان وأهرمن، وهما مبدأ موجودات العالم, وحصلت التراكيب من امتزاجهما، وحدثت الصور من التراكيب المختلفة. والباري تعالى خالق النور والظلمة ومبدعهما، وهو لا شريك له ولا ضد، ولا ند، ولا يجوز أن ينسب إليه وجود الظلمة، كما قالت الزروانية. لكن الخير والشر، والصلاح والفساد، والطهارة والخبث إنما حصلت من امتزاج النور والظلمة، ولو لم يمتزجا لما كان وجود العالم. وهما يتقاومان، ويتغالبان إلى أن يغلب النور الظلمة، والخير الشر، ثم يتخلص الخير إلى عالمه، والشر ينحط إلى عالمه، وذلك هو سبب الخلاص، والباري تعالى هو الذي مزجهما وخلطهما، لحكمة رآها في التراكيب. وربما جعل النور أصلا، وقال وجوده وجود حقيقي، وأما الظلمة فتبع، كالظل بالنسبة إلى الشخص، فإنه يرى أنه موجود، وليس بموجود حقيقة، فأبدع النور، وحصل الظلام تبعا، لأن

من ضرورة الوجود التضاد، فوجوده ضروري، وواقع في الخلق لا بالقصد الأول، كما ذكرنا في الشخص والظل. وله كتاب قد صنفه وقيل إن ذلك أنزل عليه وهو "زند أوستا"، يقسم العالم قسمين مينة وكيتي، يعني الروحاني، والجسماني، أو الروح والشخص. وكما قسم الخلق إلى عالمين، يقول إن ما في العالم ينقسم قسمين بخشش، وكنش، يريد به: التقدير والفعل، وكل واحد مقدر على الثاني. ثم يتكلم في موارد التكليف، وهي حركات الإنسان، فيقسمها ثلاثة أقسام: منش، وكويش، وكنش، يعني بذلك: الاعتقاد، والقول والعمل، وبالثلاثة يتم التكليف، فإذا قصر الإنسان فيها خرج عن الدين والطاعة، وإذا جرى في هذه الحركات على مقتضى الأمر والشريعة فاز الفوز الأكبر. وتدعي الزردشتية له معجزات كثيرة، منها: دخول قوائم فرس كشتاسب في بطنه، وكان زردشت في الحبس، فأطلقه، فانطلقت قوائم الفرس. ومنها أنه مر على أعمى بالدينور فقال: خذوا حشيشة وصفها لهم واعصروا ماءها في عينه، فإنه يبصر، ففعلوا، فأبصر الأعمى. وهذا من جملة معرفتهم بخاصية الحشيشة، وليس من المعجزات في شيء.

ينور فقال: خذوا حشيشة وصفها لهم واعصروا ماءها في عينه، فإنه يبصر، ففعلوا، فأبصر الأعمى. وهذا من جملة معرفتهم بخاصية الحشيشة، وليس من المعجزات في شيء. ومن المجوس الزردشتية صنف يقال لهم السيسانية، والبهافريدية، رئيسهم رجل يقال له سيسان من رستاق١ نيسابور، من ناحية يقال لها خواف. خرج في أيام أبي مسلم، صاحب الدولة. وكان زمزميا في الأصل، يعبد النيران، ثم ترك ذلك ودعا المجوس إلى ترك الزمزية، ورفض عبادة النيران. ووضع لهم كتابا، وأمرهم فيه بإرسال الشعور، وحرم عليهم الأمهات، والبنات، والأخوات، وحرم عليهم الخمر، وأمرهم باستقبال الشمس عند السجود على ركبة واحدة، وهم يتخذون الرباطات، ويتباذلون الأموال، ولا يأكلون الميتة، ولا يذبحون الحيوان حتى يهرم, وهم أعدى خلق الله للمجوس الزمازمة. ثم إن

موبذ المجوس رفعه إلى أبي مسلم فقتله على باب الجامع بنيسابور. وقال أصحابه: إنه صعد إلى السماء على برذون أصفر، وأنه سينزل على البرذون، فينتقم من أعدائه. وهؤلاء أقروا بنبوة زردشت، وعظموا الملوك الذين يعظمهم زردشت. ومما أخبر به زردشت في كتاب زند أوستا أنه قال: سيظهر في آخر الزمان رجل اسمه "أشيزريكا"، ومعناه: الرجل العالم، يزين العالم بالدين والعدل، ثم يظهر في زمانه "بتياره" فيوقع الآفة في أمره وملكه عشرين سنة، ثم يظهر بعد ذلك أشيزريكا على أهل العالم، ويحيي العدل، ويميت الجور، ويرد السنن المغيرة إلى أوضاعها الأول، وتنقاد له الملوك، وتتيسر له الأمور، وينصر الدين الحق، ويحصل في زمانه الأمن، والدعة وسكون الفتن، وزوال المحن. مقالة زردشت في المبادئ ١: وقد نقل الجيهاني مقالة من مقالات زردشت في المبادئ وهي: أن دين زردشت هو الدعوة إلى دين مارسيان، وأن معبود أو رمزد, والملائكة المتوسطون في رسالاته إليه: بهمن، وأرديبهشت، وشهريور، وإسفندارمز، وخرداد، ومرداد. وقد رآهم زردشت، واستفاد منهم العلوم. وجرت مساءلات بينه وبين أورمزد من غير توسط. أولها: قال زردشت: ما الشيء الذي كان، ويكون وهو الآن موجود؟ قال أورمزد: أنا والدين والكلام. أما الدين فعمل أورمزد وكلامه وإيمانه، وأما الكلام فكلامه، والدين أفضل من الكلام؛ إذ العمل أفضل من القول. وأول من أبدع من الملائكة: بهمن، وعلمه الدين، وخصه بموقع النور مكانا، وأقنعه بذاته ذاتا، فالمبادئ على هذا الرأي ثلاثة:

لكلام؛ إذ العمل أفضل من القول. وأول من أبدع من الملائكة: بهمن، وعلمه الدين، وخصه بموقع النور مكانا، وأقنعه بذاته ذاتا، فالمبادئ على هذا الرأي ثلاثة:

السؤال الثاني: قال: لمَ لم تُخلق الأشياء كلها في زمان غير متناه؟ إذ قد جعلتَ الزمان نصفين: نصفه متناه، ونصفه غير متناه، فلو خلقتها في زمان غير متناه, كان لا يستحيل شيء منها. قال أورمزد: فإذن كان لا يمكن أن تفنى -ثم- آفات الأثيم إبليس. السؤال الثالث: قال: مماذا خلقت هذا العالم؟ قال أورمزد: خلقت جميع هذا العالم من نفسي. أما أنفس الأبرار فمن شعر رأسي. وأما السماء فمن أم رأسي. والظفر والمعاضد فمن جبهتي، والشمس فمن عيني، والقمر فمن أنفي، والكواكب فمن لساني، وسروس وسائر الملائكة فمن أذني، والأرض فمن عصب رجلي. وأريت هذا الدين أولا كيومرث، فشعر به وحفظه من غير تعلم ولا مدارسة. قال زردشت: فلماذا أريت هذا الدين كيومرث بالوهم؟ وألقيته إلي بالقول؟ قال أورمزد: لأنك تحتاج أن تتعلم هذا الدين وتعلمه غيرك. وكيومرث لم يجد من يقبله، فأمسك عن التكلم، وهذا خير لك، لأني أقول أنت تسمع، وأنت تقول والناس يسمعون ويقبلون. فقال زردشت لأورمزد: هل أريت هذا الدين أحدا قبلي غير كيومرث؟ قال: بلى! أريت هذا الدين "جم" خمسين نجما مخمسا؛ من أجل إنكاره الضحاك. قال: إذا كنت عالما أنه لا يقبله، فلماذا أريته؟ قال: لو لم أره لما صار إليك، وقد أريته أيضا أفريدون، وكيكاوس، وكيقباد، وكشتاسب. قال زردشت: خلقك العالم، وترويجك الدين لأي شيء؟ قال: لأن فناء العفريت الأثيم لا يمكن إلا بخلق العالم، وترويج الدين، ولو لم يتروج أمر الدين لما أمكن أن تتروج أمور العالم. فلما أخذ زردشت الدين من أورمزد الوهاب، واستحكمه، وعمل به، وزمزم في بيت

ق العالم، وترويج الدين، ولو لم يتروج أمر الدين لما أمكن أن تتروج أمور العالم. فلما أخذ زردشت الدين من أورمزد الوهاب، واستحكمه، وعمل به، وزمزم في بيت

عليه؛ غاظ ذلك "كون" الأثيم وأقلقه، إذ كان شريرا، ممتلئا موتا، وظلمة، وبلاء، ومحنة، فدعا بشياطينه، وأسماؤهم: برى ديوانياخ ودويهمان زوش، ونومر بفنارديو، وأمرهم جميعا بالمسير إلى زردشت وقتله. فعلم زردشت بذلك، فقرأ وزمزم، وأراق الماء على يدى مارسيان، فانهزموا عنه مقهورين. وجرت محاربات أخرى، فهزمهم زردشت بإحدى وعشرين آية، من كتابه أوستا، وتوارت الشياطين عن الناس. ولما بلغ زردشت مبلغ الكمال بأربعين سنة، وتمت له المخاطبات في سبع عودات إلى أورمزد اكمل فيها معرفة شرائع دين الله وفرائضه وسننه أمره الله بالمسير إلى كشتاسب الملك، وإظهار ذكر الله، واسمه فنفذ لأمر الله، ودعا ملكين كانا بذلك الصقع يقال لهما: فور بماراى وبيويدست، فدعاهما إلى دين الله، والكفر بالشيطان، وفعل الخير، واجتناب الشر، فلم يقبلا قوله، وأخذتهما العزة بالإثم، فجاءتهما ريح، فحملتهما من الأرض، ووقفت بهما في الهواء، واجتمع الناس ينظرون إليهما، فقشيهما الطير من كل ناحية، واتوا على لحومهما، وسقطت عظامهما على الأرض. ولما بلغ كشتاسب لقي منه كل ما أنبأه به أورمزد من الحبس والبلاء، حتى حدث أمر الفرس الذي دخلت قوائمه في باطن بدنه، حتى لم ير أثرها في جسده، واستبهم حاله على الناس، وتحيروا، وأخرجه كشتاسب من الحبس، وسأله الحال، فقال: تلك آية من آيات صدقى، الذي أخبرني به إلهي وخالقي، وشارطهم على الإيمان به إن هو دعا وأخرج قوائم الفرس، وشرطوا، ودعا باسم الله، فخرجت قوائم الفرس كما كانت، فآمن به كشتاسب، وأمر بجمع علماء أهل زمانه من بابل، وإيران شهر، وأمرهم بمحاورة زردشت، فناظروه، فاعترفوا له بالفضيلة. قال: ومما جاء به زردشت المصطفى من دين مارسيان أن إلهه أورمزد لم يزل، ولم يزل معه شيء سماه: أسنى أسنه وهو شيء مضيء حوله، وهو فوق، وأن إبليس لم يزل معه شيء سماه: أستا أستاه، وهو مظلم حوله. وهو أسفل.

وأول ما خلق الله من الملائكة بهمن، ثم أرديبهشت، ثم شهريور، ثم اسفندارمز، ثم خرداد، ثم مرداد. وخلق بعضهم من بعض كما يؤخذ السراج من السراج من غير أن ينقص من الأول شيء، وقال لهم: من ربكم وخالقكم؟ فقالوا: أنت ربنا وخالقنا. وعلم أورمزد أن إبليس سيتحرك من ظلمته، فأعلم بذلك الملائكة، وبدأ بإعداد ما يورطه، ويدفع شره وأذاه عن عالمه، ويبطل إرادته، فخلق السماء في خمسة وأربعين يوما، وسمى كاهينازاي شورم، ومعناه: ظهور ضمائر أهل الدنيا, إلى سائر الكاهينازات المذكورات عندهم، وخلق الأرض في خمسة وأربعين يوما. وأول من ابتعثه أورمزد إلى الأرض: كيومرث، وقد كان يستنشق النسيم ثلاثة آلاف سنة، ثم أخرجه في قامة ثلاثة رجال. ولما أن جاء وقت تحريك إبليس في ظلمته، ارتفع ورأى النور، وطمع في الاستيلاء على "أسنى أورمزد"، وتصييره مظلما، ودخل السماء يكيد ثم لكيومرث ثلاثين سنة، وصارت نطفته ثلاثة أقسام: قسم أمر الله الأرض أن تحفظه، وقسم أمر سروس الملك أن يحفظه، وثلث: اختطفته الشياطين. وأمر أورمزد بسد الثقوب التي صعد منها إبليس، فبقي داخل السماء منقطعا عن أصله وقوته، فانتصب لمنابذة أورمزد، ورام الصعود إلى الجنان، فدفعه عن ذلك قدر ثلاثة آلاف سنة، ثم أعلمه أنه يسعى في الباطل والخسار، ويروم ما لا يقدر عليه. واتفق الأمر بينهما على أن يبقى إبليس وجنوده في قرار الضوء تسعة آلاف سنة ويروى سبعة آلاف سنة ثم يبطل، ويحتمل خلقه الأذى في هذه السنين، ويصبرون عليه وعلى ما ينالهم من الفقر، والبلاء والموت، وسائر الآفات، ليعوضهم منها الحياة الدائمة في الجنان. واشترط إبليس لنفسه وشياطينه ثمانية عشر شرطا: الأول منها: أن تصير معيشة خلقه من خلق الله، والثاني أن يكون ممن خلقه على خلق الله، والثالث أن يسلط خلقه على خلق الله، والرابع: أن يخلط جوهر خلقه بجوهر خلق الله، والخامس: أن يصير له السبيل إلى أن يأخذ الطين الذي في خلق الله.

ق الله، والثالث أن يسلط خلقه على خلق الله، والرابع: أن يخلط جوهر خلقه بجوهر خلق الله، والخامس: أن يصير له السبيل إلى أن يأخذ الطين الذي في خلق الله.

والسادس: أن يصير له من النور الذي في خلق الله ما يريد. والسابع: أن يصير له من الرياح التي في خلق الله حاجته، والثامن: أن يصير له من الرطوبة التي في خلق الله، والتاسع: أن يصير له من النار التي في خلق الله. والعاشر: أن يصير له من المودة والمصاهرة التي في خلق الله ليخلط الأشرار بالأخيار. والحادي عشر: أن يصير له من العقل والبصر الذي في خلق الله، ليعرف خلقه مسالك المنافع والمضار، والثاني عشر: أن يصير له من العدل الذي في خلق الله، ليجعل للأشرار فيه نصيبا، والثالث عشر: أن تخفى على الناس معرفة عمل الصالحين والأشرار إلى يوم القيامة والحساب، والرابع عشر: أن يصير له السبيل إلى أن يبلغ بأهل بيت الشرارة والخبث غاية الغنى والدرجات، ويصيرهم عند الناس صالحين، والخامس عشر: أن يصير له السبيل إلى أن يجعل كذب الأشرار مقبولا على الأخيار. والسادس عشر: أن يصير له السبيل إلى أن يعمر من أهل الدنيا من أراد من خلقه ألف سنة، أو ثلاثة آلاف سنة، ويصيرهم أغنياء أقوياء قادرين على ما يريدون، وأن يلهم الناس حتى يكونوا بإعطاء الأشرار أسخى منهم بإعطاء الأخيار وأطيب نفسا. والسابع عشر: أن يصير له السبيل إلى إفناء أهل بيت الصالحين، حتى لا يعرف منهم أحد بعد ثلاثمائة وخمسن سنة، والثامن عشر: أن يملك أمر من يحيي الأموات، ويبقى الأخيار، وينفي الأشرار إلى يوم القيامة. فتمت البيعة، وأقاما عليها، ودفعا سيفيهما إلى عدلين، على أن يقتلا من رجع عن شرطه. وأمر الله تعالى الشمس، والقمر والكواكب أن تجري، لمعرفة الأيام، والشهور، والأعوام التي جعلها عدة الإنظار والإمهال.

عدلين، على أن يقتلا من رجع عن شرطه. وأمر الله تعالى الشمس، والقمر والكواكب أن تجري، لمعرفة الأيام، والشهور، والأعوام التي جعلها عدة الإنظار والإمهال. ومما نص عليه زردشت أن للعالم قوة إلهية، هي المدبرة لجميع ما في العالم، المنتهية مبادئها إلى كمالاتها. وهذه القوة تسمى مشاسبند، وهي على لسان الصابئة: المدبر الأقرب، وعلى لسان الفلاسفة: العقل الفعال، ومنه الفيض الإلهي، والعناية الربانية، وعلى لسان المانوية: الأرواح الطيبة، وعلى لسان العرب: الملائكة، وعلى لسان الشرع والكتاب الإلهي: الروح ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ ١.

وأثبت غيره: منشاه ومنشايه، ويعني بهما آدم وحواء في العالم الجسماني، والعقل والنفس في العالم الروحاني.

الفصل الثاني: الثنوية مدخل ... الفصل الثاني: الثنوية هؤلاء هم أصحاب الاثنين الأزليين. يزعمون أن النور والظلمة أزليان قديمان، بخلاف المجوس، فإنهم قالوا بحدوث الظلام، وذكروا سبب حدوثه. وهؤلاء قالوا بتساويهما في القدم، واختلافهما في الجوهر، والطبع، والفعل، والحيز، والمكان والأجناس، والأبدان والأرواح.

١- المانوية: أصحاب ماني بن فاتك الحكيم، الذي ظهر في زمان سابور بن أردشير، وقتله بهرام بن هرمز بن سابور, وذلك بعد عيسى ابن مريم ﵇. أحدث دينا بين المجوسية والنصرانية، وكان يقول بنبوة المسيح ﵇. ولا يقول بنبوة موسى ﵇. حكى محمد بن هارون المعروف بأبي عيسى الوراق, وكان في الأصل مجوسيا عارفا بمذاهب القوم: أن الحكيم ماني زعم أن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين: أحدهما نور، والآخر ظلمة، وأنهما أزليان لم يزالا، ولن يزالا، وأنكر وجود شيء إلا من أصل قديم، وزعم أنهما لم يزالا قويين حساسين، داركين، سميعين بصيرين، وهما مع ذلك في النفس, والصورة والفعل، والتدبير متضادان. وفي الحيز متحاذيان, تحاذي الشخص والظل. وإنما تتبين جواهرهما، وأفعالهما في هذا الجدول:

ثم اختلفت المانوية في المزاج وسببه، والخلاص وسببه. قال بعضهم: إن النور والظلام امتزجا بالخبط والإتفاق، لا بالقصد والإختيار. وقال أكثرهم: إن سبب المزاج أن أبدان الظلمة تشاغلت عن روحها بعض التشاغل، فنظرت الروح فرأت النور، فبعثت الأبدان على ممازجة النور، فأجابتها لإسراعها إلى الشر فلما رأى ذلك ملك النور، وجه إليها ملكا من ملائكته في خمسة أجناس من أجناسها الخمسة، فاختلطت الخمسة النورية بالخمسة الظلامية فخالط الدخان النسيم، وإنما الحياة والروح في هذا العالم من النسيم، والهلاك والآفات من الدخان، وخالط الحريق النار، والنور الظلمة، والسموم الريح، والضباب الماء. فما في العالم من منفعة، وخير، وبركة، فمن أجناس النور، ومافيه من مضرة، وشر، وفساد، فمن أجناس الظلمة.

نار، والنور الظلمة، والسموم الريح، والضباب الماء. فما في العالم من منفعة، وخير، وبركة، فمن أجناس النور، ومافيه من مضرة، وشر، وفساد، فمن أجناس الظلمة. فلما رأى ملك النور هذا الإمتزاج أمر ملكا من ملائكته، فخلق هذا العالم على هذه الهيئة، لتخلص أجناس النور من أجناس الظلمة. وإنما سارت الشمس والقمر وسائر النجوم والكواكب، لاستصفاء أجزاء النور من أجزاء الظلمة فالشمس تستصفي النور الذي امتزج بشياطين الحر، والقمر يستصفي النور الذي امتزج بشياطين البرد، والنسيم الذي في الأرض لا يزال يرتفع لأن من شأنه الارتفاع إلى عالمها، وكذلك جميع أجزاء النور أبدا في الصعود والارتفاع. وأجزاء الظلمة أبدا في النزول والتسفل حتى تتخلص الأجزاء من الأجزاء، ويبطل الامتزاج، وتنحل التراكيب، ويصل كل إلى كله وعالمه، وذلك هو القيامة والمعاد. قال: ومما يعين في التخليص، والتمييز، ورفع أجزاء النور: التسبيح، والتقديس، والكلام الطيب، وأعمال البر، فترتفع بذلك الأجزاء النورية في عمود الصبح إلى فلك القمر، ولا يزال القمر يقبل ذلك من أول الشهر إلى نصفه، فيمتلىء، فيصير بدرا، ثم يؤدي إلى الشمس إلى آخر الشهر، وتدفع الشمس إلى نور فوقها, فيسري ذلك في العالم إلى أن يصل إلى النور الأعلى الخالص. ولا يزال يفعل ذلك، حتى لا يبقي من أجزاء النور شيء

إلى آخر الشهر، وتدفع الشمس إلى نور فوقها, فيسري ذلك في العالم إلى أن يصل إلى النور الأعلى الخالص. ولا يزال يفعل ذلك، حتى لا يبقي من أجزاء النور شيء

في هذا العالم إلا قدر يسير منعقد، لاتقدر الشمس والقمر على استصفائه، فعند ذلك يرتفع الملك الذي يحمل الأرض، ويدع الملك الذي يجذب السماوات، فيسقط الأعلى على الأسفل. ثم توقد نار حتى يضطرم الأعلى والأسفل، ولا تزال تضطرم حتى يتحلل ما فيها من النور، وتكون مدة الاضطرام ألفا وأربعمائة وثمانيا وستين سنة. وذكر الحكيم ماني في باب الألف من الجبلة الأولى، وفي أول الشابرقان: أن ملك عالم النور في كل أرضه لا يخلو منه شيء، وأنه ظاهر باطن، وأنه لا نهاية له إلا من حيث تناهى أرضه إلى أرض عدوه. وقال أيضا: إن ملك عالم النور في سرة أرضه. وذكر أن المزاج القديم هو امتزاج الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، والمزاج المحدث هو: الخير، والشر. وقد فرض ماني على أصحابه العشر في الأموال كلها. والصلوات الأربع في اليوم والليلة، والدعاء إلى الحق. وترك الكذب، والقتل، والسرقة، والزنا، والبخل، والسحر، وعبادة الأوثان، وأن يأتي على ذي روح ما يكره أن يؤتى إليه بمثله. واعتقاده في الشرائع والأنبياء أن أول من بعث الله تعالى بالعلم، والحكمة. آدم أبو البشر. ثم بعث شيئا بعده، ثم نوحا بعده، ثم إبراهيم بعده عليهم الصلاة والسلام ثم بعث بالبددة إلى أرض الهند، وزردشت إلى أرض فارس، والمسيح كلمة الله وروحه إلى أرض الروم والمغرب، وبولس بعد المسيح إليهم. ثم يأتي خاتم النبيين إلى أرض العرب. وزعم أبو سعيد المانوي، رئيس من رؤسائهم أن الذي مضى من المراج إلى الوقت الذي هو فيه وهو سنة إحدى وسبعين ومائتين من الهجرة: أحد عشر ألفا وسبعمائة سنة، وأن الذي بقي إلى وقت الخلاص: ثلاثمائة سنة.

وعلى مذهبه مدة المزاج اثنا عشر الف سنة، فيكون قد بقي من المدة خمسون سنة في زماننا هذا وهو إحدى وعشرون وخمسمائة هجرية. فنحن في آخر المزاج وبدء الخلاص. فإلى الخلاص الكلي، وانحلال التراكيب خمسون سنة!

٢- المزدكية: أصحاب مزدك. ومزدك هو الذي ظهر في أيام قباذ والد أنوشروان، ودعا قباذ إلى مذهبه، فأجابه. وطلع أنوشروان على خزيه وافترائه فطلبه فوجده فقتله. حكى الوراق أن قول المزدكية كقول كثير من المانوية في الكونين والأصلين، إلا أن مزدك كان يقول: إن النور يفعل بالقصد والاختيار. والظلمة تفعل على الخبط والاتفاق. والنورعالم حساس، والظلام جاهل أعمى. وإن المزاج كان على الاتفاق والخبط، لا بالقصد والاختيار، وكذلك الخلاص إنما يقع بالاتفاق دون الاختيار. وكان مزدك ينهي الناس عن المخالفة، والمباغضة والقتال. ولما كان أكثر ذلك إنما يقع بسبب النساء والأموال، أحل النساء، وأباح الأموال، وجعل الناس شركة فيهما، كاشتراكهم في الماء، والنار والكلإ. وحكى عنه أنه أمر بقتل الأنفس، ليخلصها من الشر ومزاج الظلمة. ومذهبه في الأصول والأركان أنها ثلاثة: الماء والأرض والنار. ولما اختلطت حدث عنها مدبر الخير, ومدبر الشر. فما كان من صفوها فهو مدبر الخير، وما كان من كدرها فهو مدبر الشر. وروي عنه: أن معبوده قاعد على كرسيه في العالم الأعلى، على هيئة قعود خسرو في العالم الأسفل، وبين يديه أربع قوى: قوة التمييز، والفهم، والحفظ، والسرور، كان بين يدي خسرو أربعة أشخاص: موبذموبذان، والهربد الأكبر، والأصهبذ،

خسرو في العالم الأسفل، وبين يديه أربع قوى: قوة التمييز، والفهم، والحفظ، والسرور، كان بين يدي خسرو أربعة أشخاص: موبذموبذان، والهربد الأكبر، والأصهبذ،

والرامشكر. وتلك الأربع يدبرون أمر العالم بسبعة من ورائهم: سالار، وبيشكار، وبالون،، وبراون، وكازران، ودستور، وكوذك. وهذه السبعة تدور في إثني عشر روحانيين: خواننده, ودهنده، وستاننده، وبرنده, خورننده، ودونده، وخيزنده، وكشنده، وزننده، وكننده وآبنده، وشونده، وباينده. وكل إنسان اجتمعت له هذه القوى الأربع، والسبع، والإثنا عشر: صار ربانيا في العالم السفلي، وارتفع عنه التكليف. قال: وإن خسرو العالم الأعلى إنما يدبر بالحروف التي مجموعها الاسم الأعظم. ومن تصور من تلك الحروف شيئا انفتح له السر الأكبر. ومن حرم ذلك بقي في عمى الجهل والنسيان والبلادة, والغم في مقابلة القوى الأربع الروحانية. وهم فرق: الكوذية، وأبو مسلمية، والماهانية، والإسبيد خامكية. والكوذية بنواحي الأهواز، وفارس، وشهرزور، والآخر بنواحي سغد سمرقند، والشاش، وإيلاق.

٣- الديصانية: أصحاب ديصان. أثبتوا أصلين نورا، وظلاما، فالنور يفعل الخير قصدا واختيارا، والظلام يفعل الشر طبعا واضطرارا. فما كان من خير، ونفع، وطيب، وحسن، فمن النور. وما كان من شر وضرر، ونتن، وقبح، فمن الظلام. وزعموا أن النور: حي، عالم، قادر, حساس، دراك، ومنه تكون الحركة والحياة. والظلام: ميت، جاهل، عاجز، جماد، موات، لا فعل له ولا تمييز. وزعموا أن الشر يقع منه طباعا وخرقا. وزعموا أن النور جنس واحد، وكذلك الظلام جنس واحد، وأن إدراك النور إدراك متفق، فإن سمعه وبصره وسائر

له ولا تمييز. وزعموا أن الشر يقع منه طباعا وخرقا. وزعموا أن النور جنس واحد، وكذلك الظلام جنس واحد، وأن إدراك النور إدراك متفق، فإن سمعه وبصره وسائر

حواسه شيء واحد، فسمعه هو بصره، وبصره هو حواسه، وإن ما قيل سميع بصير، لاختلاف التركيب، لا لأنهما في نفسهما شيئان مختلفان. وزعموا أن اللون هو الطعم، وهو الرائحة، وهو المحسة١، وإنما وجده لونا، لأن الظلم خالطته ضربا من المخالطة، ووجده طعما لأنها خالطته بخلاف ذلك الضرب، وكذلك القول في لون الظلمة، وطعمها، ورائحتها، ومحستها. وزعموا أن النور بياض كله، وأن الظلام سواد كله، وزعموا أن النور لم يزل يلقي الظلمة بأسفل صفحة منه، وأن الظلمة لم تزل تلقاه بأعلى صفحة منها. واختلفوا في المزاج والخلاص فزعم بعضهم أن النور داخل الظلمة، والظلمة تلقاه بخشونة وغلظ، فتاذى بها. وأحب أن يرققها ويلينها، ثم يتخلص منها، وليس ذلك لاختلاف جنسهما، ولكن كما أن المنشار جنسه حديد، وصفحته لينة، وأسنانه خشنة، فاللين في النور، والخشونة في الظلمة، وهما جنس واحد، فتلطف النور بلينه حتى يدخل تلك الفرج، فما أمكنه إلا بتلك الخشونة، فلا يتصور الوصول إلى كمال وجود إلا بلين وخشونة. وقال بعضهم: بل الظلام لما احتال حتى تشبث بالنور من أسفل صفحته، فاجتهد النور حتى يتخلص منه ويدفعه عن نفسه، فاعتمد عليه، فلجج٢ فيه، وذلك بمنزلة الإنسان الذي يريد الخروج من وحل وقع فيه، فيعتمد على رجله ليخرج فيزداد لجوجا فيه، فاحتاج النور إلى زمان ليعالج التخلص منه والتفرد بعالمه. وقال بعضهم: إن النور إنما دخل أجزاء الظلام اختيارا ليصلحها ويستخرج منها أجزاء صالحة لعالمه، فلما دخل تشبثت به زمانا، فصار يفعل الجور والقبيح اضطرارا لا اختيارا، ولو انفرد في عالمه ما كان يحصل منه إلا الخير المحض، والحسن البحت. وفرق بين الفعل الاضطراري، وبين الفعل الاختياري.

٤- المرقيونية: أصحاب مرقيون. أثبتوا أصلين قديمين متضادين: أحدهما النورن, والثاني الظلمة، وأثبتوا أصلا ثالثا هو المعدل الجامع، وهو سبب المزاج، فإن المتنافرين المتضادين لا يمتزجان إلا بجامع. وقالوا: إن الجامع دون النور في المرتبة وفوق الظلمة، وحصل من الإجتماع والامتزاج هذا العام. ومنهم من يقول: الامتزاج إنما حصل بين الظلمة والمعدل، إذ هو أقرب منها، فامتزجت به، لتطيب به، وتلتذ بملاذه، فبعث النور إلى العالم الممتزج روحا مسيحية، وهو روح الله وابنه, تحننا على المعدل الجامع السليم الواقع في شبكة الظلام الرجيم، حتى يخلصه من حبائل الشياطين، فمن اتبعه، فلم يلامس النساء، ولم يقرب الزهومات١ أفلت، ونجا، ومن خالفه خسر، وهلك. قالوا: وإنما أثبتنا المعدل، لأن النور الذي هو الله تعالى لا يجوز عليه مخالطة الشياطين، وأيضا فإن الضدين يتنافران طبعا، ويتمانعان ذاتا ونفسا، فكيف يجوز اجتماعهما وامتزاجهما؟ فلا بد من معدل يكون بمنزلة دون النور، وفوق الظلام، فيقع الامتزاج منه. وهذا على خلاف ما قالته المانوية، وإن كان ديصان أقدم، وإنما أخذ ماني منه مذهبه، وخالفه في المعدل. وهو أيضا خلاف ما قال زردشت، فإنه يثبت التضاد بين النور والظلمة، ويثبت المعدل كالحاكم على الخصمين، الجامع بين المتضادين لا يجوز أن يكون طبعه وجوهره من أحد الضدين وهو الله ﷿ الذي لا ضد له ولا ند. وحكى محمد بن شبيب عن الديصانية أنهم زعموا أن المعدل هو الإنسان الحساس الدراك، إذ هو ليس بنور محض، ولا ظلام محض. وحكي عنهم: أنهم يرون المناكحة وكل ما فيه منفعة لبدنه وروحه حراما، ويحترزون عن ذبح الحيوان، لما فيه من الألم.

دراك، إذ هو ليس بنور محض، ولا ظلام محض. وحكي عنهم: أنهم يرون المناكحة وكل ما فيه منفعة لبدنه وروحه حراما، ويحترزون عن ذبح الحيوان، لما فيه من الألم.

وحكي عن قوم من الثنوية أن النور والظلمة لا يزالا حيين، إلا أن النور حساس عالم، والظلام جاهل أعمى, والنور يتحرك حركة مستوية مستقيمة، والظلام يتحرك حركة عجرفية١ خرقاء معوجة فبيناهما كذلك إذ هجم بعض هامات الظلام على حاشية من حواشي النور، فابتلع النور منه قطعة على الجهل، لا على القصد والعلم، وذلك كالطفل الذي لا يفصل بين الجمرة والتمرة، وكان ذلك سبب المزاج. ثم إن النور الأعظم دبر في الخلاص، فبنى هذا العالم ليستخلص ما امتزج به من النور، ولا يمكنه استخلاصه إلا بهذا التدبير.

٥- الكينوية، والصيامية، والتناسخية منهم: حكى جماعة من المتكلمين أن الكينوية زعموا أن الأصول ثلاثة: النار، والأرض، والماء. وإنما حدثت الموجودات من هذه الأصول دون الأصلين، الذين أثبتهما الثنوية. قالوا: والنار بطبعها خيرة، نورانية، والماء ضدها في الطبع، فما كان من خير في هذا العالم فمن النار، وما كان من شر فمن الماء، والأرض متوسطة. وهؤلاء يتعصبون للنار شديدا، من حيث أنها علوية، نورانية، لطيفة, لا وجود إلا بها، ولا بقاء إلا بإمدادها. والماء يخالفها في الطبع، فيخالفها في الفعل، والأرض متوسطة بينهما. فتركيب العالم من هذه الأصول. والصيامية منهم أمسكوا عن طيبات الرزق، وتجردوا لعبادة الله، وتوجهوا في عباداتهم إلى النيران تعظيما لها، وأمسكوا أيضا عن النكاح والذبائح. والتناسخية منهم: قالوا بتناسخ الأرواح في الأجساد، والانتقال من شخص إلى شخص، وما يلقي الإنسان من الراحة، والتعب، والدعة، والنصب, فمرتب على ما أسلفه من قبل وهو في بدن آخر، جزاء على ذلك. والإنسان أبدا في أحد أمرين:

شخص إلى شخص، وما يلقي الإنسان من الراحة، والتعب، والدعة، والنصب, فمرتب على ما أسلفه من قبل وهو في بدن آخر، جزاء على ذلك. والإنسان أبدا في أحد أمرين:

إما في فعل، وإما في جزاء. وما هو فيه فإما مكافأة على عمل قدمه، وإما عمل ينتظر المكافأة عليه. والجنة والنار في هذه الأبدان، وأعلى عليين درجة النبوة، وأسفل السافلين: دركة الحية، فلا وجود أعلى من درجة الرسالة، ولا وجود أسفل من دركة الحية. ومنهم من يقول الدرجة الأعلى درجة الملائكة، والأسفل دركة الشياطين. ويخالفون بهذا المذهب سائر الثنوية، فإنهم يعنون بأيام الخلاص, رجوع أجزاء النور إلى عالمه الشريف الحميد، وبقاء أجزاء الظلام في عالمه الخسيس الذميم. وأما بيوت النيران للمجوس: فأول بيت بناه أفريدون: بيت نار بطوس، وآخر بمدينة بخارى، هو بردسون, واتخذ بهمن بيتا بسجستان، يدعى كركو. ولهم بيت نار آخر في نواحي بخارى، يدعى قباذان، وبيت نار يسمى كويسة، بين فارس وأصبهان، بناه كيخسرو. وآخر بقومس، يسمى جرير. وبيت نار يسمى كنكدز، بناه سياوش في مشرق الصين. وآخر بأرجان من فارس واتخذه أرجان جد كشتاسب وهذه البيوت كات قبل زردشت. ثم جدد زردشت بيت نار بنيسابور، وآخر بنسا. ومر كشتاسب أن يطلب نارا كان يعظمها جم، فوجدها بمدينة خوارزم، فنقلها إلى داا بجرد, وتسمى أذرخر, هو المجوس يعظمونها أكثر من غيرها. وكيخسرو لما خرج إلى غزو أفراسياب عظمها، وسجد لها. ويقال إن انوشروان هو الذي نقلها إلى كاريان فتركوا بعضها, وحملوا بعضها إلى نسا. وفي بلاد الروم على أبواب قسطنطينية بيت نار اتخذه سابور بن أردشير، فلم يزل كذلك إلى أيام المهدي، وبيت نار بإستينيا، على قرب مدينة السلام لبوران بنت كسرى. وكذلك بالهند والصين بيوت نيران.

وأما اليونانيون فكان لهم ثلاثة أبيات ليست فيها نار، وقد ذكرناها. والمجوس إنما يعظمون النار لمعان فيها، منها أنها جوهر شريف علوي، ومنها أنها ما أحرقت الخليل إبراهيم ﵇، ومنها ظنهم أن التعظيم لها ينجيهم في المعاد من عذاب النار. وبالجملة، هي قبلة لهم, ووسيلة، وإشارة. والله أعلم.

الباب الرابع: أهل الأهواء والنحل مدخل ... الباب الرابع: أهل الأهواء والنحل من الصابئة، والفلاسفة، وآراء العرب في الجاهلية، وآراء الهند. وهؤلاء يقابلون أرباب الديانات تقابل التضاد، كما ذكرنا. واعتمادهم على الفطرة السليمة، والعقل الكامل، والذهن الصافي. فمن معطل بطال، لا يرد عليه فكره براد، ولا يهديه عقله ونظره إلى اعتقاد، ولا يرشده فكره وذهنه إلى معاد، قد ألف المحسوس وركن إليه, وظن أنه لا عالم سوى ما هو فيه من مطعم شهي, ومنظر بهي، ولا عالم وراء هذا المحسوس. وهؤلاء هم الطبيعيون الدهريون, لا يثبتون معقولا. ومن محصل نوع تحصيل، قد ترقى عن المحسوس، وأثبت المعقول، لكنه لا يقول بحدود، وأحكام، وشريعة، وإسلام، ويظن أنه إذا حصل المعقول، وأثبت للعالم مبدأ ومعادا وصل إلى الكمال المطلوب من جنسه، فتكون سعادته على قدر إحاطته وعلمه، وشقاوته بقدر سفاهته وجهله. وعقله هو المستبد بتحصيل هذه السعادة، ووضعه هو المستعد لقبول تلك الشقاوة. وهؤلاء هم الفلاسفة الإلهيون. قالوا: الشرائع وأصحابها: أمور مصلحية عامية، والحدود, والأحكام, والحلال, والحرام: أمور وضعية، وأصحاب الشرائع رجال لهم حكم عملية، وربما يؤيدون من عند واهب الصور بإثبات أحكام، ووضع حلال وحرام: مصلحة للعباد، وعمارة للبلاد، وما يخبرون عنه من الأمور الكائنة في حال من أحوال عالم الروحانيين من الملائكة

واهب الصور بإثبات أحكام، ووضع حلال وحرام: مصلحة للعباد، وعمارة للبلاد، وما يخبرون عنه من الأمور الكائنة في حال من أحوال عالم الروحانيين من الملائكة

والعرش والكرسي, واللوح, والقلم, فإنما هي أمور معقولة لهم، قد عبروا عنها بصورة خيالية جسمانية، وكذلك ما يخبرون به من أحوال المعاد من الجنة والنار، مثل قصور، وأنهار، وطور، وثمار في الجنة، فترغيبات للعوام بما يميل إليه طباعهم، وسلاسل وأغلال، وخزي ونكال في النار فترهيبات للعوام، بما ينزجر عنه طباعهم، وإلا ففي العالم العلوي لا يتصور أشكال جسمانية، وصور جرمانية. وهذا أحسن ما يعتقدونه في الأنبياء ﵈، لست أعني بهم الذين أخذوا علومهم من مشكاة النبوة، وغنما أعني بهؤلاء الذين كانوا في الزمن الأول دهرية، وحشيشية، وطبيعية، وإلهية، قد اغتروا بحكمهم واستقلوا بأهوائهم وبدعهم. ثم يتلوهم، ويقرب منهم قوم يقولون بحدود وأحكام عقلية، وربما أخذوا أصولها وقوانينها من مؤيد بالوحي، إلا انهم اقتصروا على الأول منهم، وما نفذوا إلى الآخر وهؤلاء هم الصابئة الأولى، الذين قالوا بعاذيمون وهرمس، وهما: شيث وإدريس١ ﵉، ولم يقولوا بغيرهما من الأنبياء ﵈. والتقسيم الضابط أن نقول: "١" من الناس من لا يقول بمحسوس ولا معقول، وهم السوفسطائية. "٢" ومنهم من يقول بالمحسوس، ولا يقول بالمعقول، وهم الطبيعية. "٣" ومنهم من يقول بالمحسوس والمعقول، ولا يقول بحدود وأحكام، وهم الفلاسفة الدهرية. "٤" ومنهم من يقول بالمحسوس والمعقول والحدود والأحكام. ولا يقول بالشريعة والإسلام، وهم الصابئة.

"٥" ومنهم من يقول بهذه كلها وبشريعة ما وإسلام، ولا يقول بشريعة نبينا محمد ﷺ. وهم: المجوس، واليهود والنصارى. "٦" ومنهم من يقول بهذه كلها، وهم المسلمون. ونحن قد فرغنا عمن يقول بالشرائع والأديان، فنتكلم الآن فيمن لا يقول بها ويستبد برأيه وهواه، في مقابلتهم.

. "٦" ومنهم من يقول بهذه كلها، وهم المسلمون. ونحن قد فرغنا عمن يقول بالشرائع والأديان، فنتكلم الآن فيمن لا يقول بها ويستبد برأيه وهواه، في مقابلتهم.

الفصل الأول: الصابئة قد ذكرنا فيما تقدم أن الصبوة في مقابلة الحنيفية. وفي اللغة: صبأ الرجل: إذا مال وزاغ. فبحكم ميل هؤلاء عن سنن الحق، وزيغهم عن نهج الأنبياء, قيل لهم الصابئة. وقد يقال: صبأ الرجل إذا عشق وهوى. وهم يقولون: الصبوة هي الانحلال عن قيد الرجال. وإنما مدار مذهبهم على التعصب للروحانيين. كما أن مدار مذهب الحنفاء هو التعصب للبشر الجسمانيين. والصابئة تدعي أن مذهبها هو الاكتساب، والحنفاء تدعي أن مذهبها هو الفطرة. فدعوة الصابئة إلى الاكتساب، ودعوة الحنفاء إلى الفطرة.

الفصل الثاني: أصحاب الروحانيات مذهب أصحاب الروحانيات ... الفصل الثاني: أصحاب الروحانيات وفي العبارة لغتان: روحاني، بالضم؛ من الروح، وروحاني، بالفتح؛ من الروح. والروح والروح متقاربان١، فكأن الروح جوهر، والروح: حالته الخاصة به. ١- مذهب أصحاب الروحانيات: ومذهب هؤلاء: أن للعالم صانعا، فاطرا، حكيما، مقدسا عن سمات الحدثان. والواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى جلاله، وإنما يتقرب إليه بالمتوسطات المقربين لديه، وهم الروحانيون, المطهرون، المقدسون جوهرا، وفعلا، وحالةً. أما الجوهر: فهم المقدسون عن المواد الجسمانية، المبرءون عن القوى الجسدانية، المنزهون عن الحركات المكانية, والتغيرات الزمانية. قد جبلوا على الطهارة، وفطروا على التقديس والتسبيح: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٢. وإنما أرشدنا إليهم معلمنا الأول عاذيمون وهرمس. فنحن نتقرب إليهم، ونتوكل عليهم، وهم أربابنا وآلهتنا، ووسائلنا وشفعاؤنا عند الله، وهو رب الأرباب، وإله الآلهة رب كل شيء، ومليكه. فالواجب علينا أن نطهر نفوسنا عن دنس الشهوات الطبيعية، ونهذب أخلاقنا عن علائق القوى الشهوانية والغضبية، حتى تحصل مناسبة ما بيننا وبين الروحانيات، فحينئذ

نسأل حاجاتنا منهم، ونعرض أحوالنا عليهم، ونصبو في جميع أمورنا إليهم، فيشفعون لنا إلى خالقنا وخالقهم، ورازقنا ورازقهم. وهذا التطهير والتهذيب ليس يحصل إلا باكتسابنا ورياضتنا وفطامنا أنفسنا عن دنيات الشهوات، باستمداد من جهة الروحانيات. والاستمداد هو التضرع والابتهال بالدعوات، وإقامة الصلوات، وبذل الزكوات، والصيام عن المطعومات والمشروبات، وتقريب القرابين والذبائح، وتبخير البخورات، وتعزيم العزائم، فيحصل لنفوسنا استعداد واستمداد من غير واسطة، بل يكون حكمنا وحكم من يدعي الوحي على وتيرة واحدة. قالوا: والأنبياء أمثالنا في النوع، وأشكالنا في الصورة, يشاركوننا في المادة، يأكلون مما نأكل، ويشربون مما نشرب، ويساهموننا في الصورة. أناس بشر مثلنا، فمن أين لنا طاعتهم؟ وبأية مزية لهم لزمت متابعته؟ ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ ١. مقالتهم. وأما الفعل: فقالوا: الروحانيات هم الأسباب المتوسطون في الاختراع، والإيجاد، وتصريف الأمور من حال إلى حال، وتوجيه المخلوقات من مبدأ إلى كمال يستمدون القوة من الحضرة القديسة، ويفيضون الفيض على الموجودات السفلية. فمنها مدبرات الكواكب السبعة السيارة في أفلاكها، وهي هياكلها، فلكل روحاني هيكل، ولكل هيكل فلك، ونسبة الروحاني إلى ذلك الهيكل الذي اختص به، نسبة الروح إلى الجسد، فهو ربه ومدبره ومديره. وكانوا يسمون الهياكل: أربابا، وربما يسمونها: آباء، والعناصر أمهات. ففعل الروحانيات تحريكها على قدر مخصوص، ليحصل من حركاتها انفعالات في الطبائع والعناصر، فيحصل من ذلك تركيبات

ابا، وربما يسمونها: آباء، والعناصر أمهات. ففعل الروحانيات تحريكها على قدر مخصوص، ليحصل من حركاتها انفعالات في الطبائع والعناصر، فيحصل من ذلك تركيبات

وامتزاجات في المركبات، فيتبعها قوى جسمانية، وتركب عليها نفوس روحانية، مثل أنواع النبات وأنواع الحيوان. ثم قد تكون التأثيرات كلية صادرة عن روحاني كلي، وقد تكون جزئية صادرة عن روحاني جزئي، فمع جنس المطر ملك، ومع كل قطرة ملك. ومنها مدبرات الآثار العلوية الظاهرة في الجو. مما يصعد من الأرض فينزل، مثل الأمطار، والثلوج، والبرد، والرياح. ومما ينزل من السماء، مثل: الصواعق، والشهب. ومما يحدث في الجو: من الرعد، والبرق، والسحاب، والضباب، وقوس قزح، وذوات الأذناب، والهالة، والمجرة. ومما يحدث في الأرض، مثل: الزلازل، والمياه، والأبخرة, إلى غير ذلك. ومنها متوسطات القوى السارية في جميع الموجودات، ومدبرات الهداية الشائعة في جميع الكائنات، حتى لا نرى موجودا ما خاليا عن قوة وهداية إذا كان قابلا لهما. قالوا: وأما الحالة: فأحوال الروحانيات، من الروح، والريحان، والنعمة، واللذة، والراحة، والبهجة، والسرور في جوار رب الأرباب: كيف يخفي؟ ثم طعامهم وشرابهم: التسبيح، والتقديس، والتهليل، والتمجيد، والتحميد وأنسبهم بذكر الله تعالى وطاعته. فمن قائم، ومن راكع، ومن ساجد، ومن قاعد لا يريد تبديل حالته، لما هو فيه من البهجة واللذة، ومن خاشع بصره لا يرفع، ومن ناظر لا يغمض، ومن ساكن لا يتحرك، ومن متحرك لا يسكن، ومن كروبي١ في عالم القبض، ومن روحاني في عالم البسط: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٢.

يتحرك، ومن متحرك لا يسكن، ومن كروبي١ في عالم القبض، ومن روحاني في عالم البسط: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٢.

٢- مناظرات بين الصابئة, والحنفاء: وقد جري مناظرات ومحاورات بين الصابئة والحنفاء في المفاضلة بين الروحاني المحض وبين البشرية النبوية. ونحن أردنا أن نوردها على شكل سؤال وجواب, وفيها فوائد لا تحصى: قالت الصابئة: الروحانيات أبدعت إبداعا، لا من شيء لا مادة، ولا هيولى، وهي كلها جوهر واحد، على سنخ١ واحد وجواهرها أنوار محضة لا ظلام فيها، وهي من شدة ضيائها لا يدركها الحس، ولا ينالها البصر، ومن غاية لطافتها يحار فيها العقل، ولا يجول فيها الخيال. ونوع الإنسان مركب من العناصر الأربعة، مؤلف من مادة وصورة، والعناصر متضادة ومزدوجة بطباعها. اثنان منها مزدوجان، واثنان منها متضادان, ومن التضاد يصدر الاختلاف والهرج، ومن الازدواج يحصل الفساد والمرج. فما هو مبدع لا من شيء، لا يكون كمخترع من شيء. والمادة والهيولى سنخ الشر، ومنبع الفساد، فالمركب منها ومن الصورة: كيف يكون كمحض الصورة؟، والظلام كيف يساوي النور؟ والمحتاج إلى الازدواج، والمطر في هوة الاختلاف كيف يرقي إلى درجة المستغني عنهما؟ أجابت الحنفاء: بأن قالت: بم عرفتم معاشرة الصابئة وجود هذه الروحانيات؟ والحس ما دلكم عليه، والدليل ما أرشدكم إليه؟. قالوا: عرفنا وجودها، وتعرفنا أحوالها من عاذيمون، وهرمس: شيث، وإدريس ﵉.

قالت الحنفاء: لقد ناقضتم وضع مذهبكم. فإن غرضكم في ترجيح الروحاني على الجسماني: نفي متوسط البشري، فصار نفيكم إثباتا. وعاد إنكاركم إقرارا. ثم من الذي يسلم أن المبدع لا من شيء أشرف من المخترع من شيء؟ بل وجانب الروحاني أمر واحد. وجانب الجسماني أمران: أحدهما: نفسه وروحه. والثاني: حسه وجسده، فهو من حيث الروح مبدع بأمر الله تعالى, ومن حيث الجسد مخترع بخلقه، ففيه أثران: أمري وخلقي: قولي, وفعلي فساوى الروحاني بجهة، وفضله بجهة، خصوصا إذا كانت جهته الخلقية ما نقصت الجهة الأخرى, بل كملت وطهرت. وإنما الخطأ عرض لكم من وجهين: أحدهما: أنكم فاضلتم بين الروحاني المجرد والجسماني المجرد، فحكمتم بأن الفضل للروحاني، وصدقتم. لكن المفاضلة بين الروحاني المجرد. والجسماني والروحاني المجتمع، ولا يحكم عاقل بأن الفضل للروحاني المجرد فإنه بطرف ساواه، وبطرف سبقه، والفرض فيما إذا لم يدنس بالمادة ولوازمها، ولم تؤثر فيه أحكام التضاد والازدواج، بل كان مستخدما لها بحيث لا تنازعه في شيء يريده ويرضاه، بل صارت معينات له على الغرض الذي لأجله حصل التركيب، وعطلت الوحدة والبساطة، وذلك تخليص النفوس التي تدنست بالمادة ولوازمها، وصارت العلائق عوائق. وليت شعري: ماذا يشين اللباس الحسن الشخص الجميل؟ وكيف يزري اللفظ الرائق بالمعنى المستقيم؟ ونعم ما قيل: إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل هذا كمن خاير بين اللفظ المجرد والمعنى المجرد: اختار المعنى، قيل له: لا، بل خاير

Bagian 6 dari 13