الملل والنحل

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya الشهرستاني (w. 548 H).

Bagian 9 dari 13 621 halaman

— Bagian 9 · صورته في حد الإبداع, فقد كانت صورته في علم الأول… —

Bagian 9

صورته في حد الإبداع, فقد كانت صورته في علم الأول الحق، والصور عنده بلا نهاية، ولو لم تكن الصور معه في أزليته, في علمه لم تكن لتبقى. ولو لم تكن دائمة بدوامها لكانت تدثر بدثور الهيولى. ولو كانت تدثر مع دثور الهيولى لما كانت على رجاء ولا خوف، ولكن لما صارت الصور الحسية على رجاء وخوف استدل به على بقائها، وإنما تبقى إذا كانت لها صور عقلية في ذلك العالم ترجو اللحوق بها وتخاف التخلف عنها. قال: وإذا اتفقت العقلاء على أن هناك حسا ومحسوسا، وعقلا ومعقولا، وشاهدنا بالحس جميع المحسوسات، وهي محدودة ومحصورة بالزمان والمكان، فيجب أن نشاهد بالعقل جميع المعقولات، وهي غير محدودة ومحصورة بالزمان والمكان، فتكون مثلا عقلية. ومما يثبته أفلاطون موجودات محققة بهذا التقسيم! قال: إنا نجد النفس تدرك أمور البسائط والمركبات، ومن المركبات أنواعها وأشخاصها، ومن البسائط ما هي هيولانية وهي التي تعرى عن الموضوع، وهي رسوم الجزئيات مثل: النقطة، والخط، والسطح، والجسم التعليمي. قال: وهذه الأشياء أشياء موجودة بذواتها، وكذلك توابع الجسم مفردة مثل: الحركة، والزمان، والمكان، والأشكال، فإنا نلحظها بأذهاننا بسائط مرة ومركبة مرة أخرى، ولها حقائق في ذواتها من غير حوامل ولا موضوعات. ومن البسائط ما ليست هي هيولانية مثل: الوجود، والوحدة، والجوهر. والعقل يدرك القسمين جميعا متطابقين عالمين متقابلين: عالم العقل وفيه المثل العقلية التي تطابقها الأشخاص الحسية، وعالم الحس وفيه المتمثلات الحسية التي تطابقها المثل العقلية. فأعيان ذلك العالم آثار في هذا العالم، وأعيان هذا العالم آثار في ذلك العالم، وعليه وضع الفطرة والتقدير، ولهذا الفصل شرح وتقرير. وجماعة المشائين وأرسطوطاليس لا يخالفونه في إثبات هذا المعنى الكلي، إلا أنهم

م آثار في ذلك العالم، وعليه وضع الفطرة والتقدير، ولهذا الفصل شرح وتقرير. وجماعة المشائين وأرسطوطاليس لا يخالفونه في إثبات هذا المعنى الكلي، إلا أنهم

يقولون: هو معنى في العقل موجود في الذهن، والكلي من حيث هو كلي لا وجود له في الخارج عن الذهن، إذ لا يتصور أن يكون شيء واحد ينطبق على زيد وعلى عمرو وهو في نفسه واحد. وأفلاطون يقول ذلك المعنى الذي أثبته في العقل يجب أن يكون له شيء يطابقه في الخارج فينطبق عليه، وذلك هو المثال الذي في العقل، وهو جوهر لا عرض، إذ تصور وجوده لا في موضوع، وهو متقدم على الأشخاص الجزئية تقدم العقل على الحس، وهو تقدم ذاتي وشرفي معا. وتلك المثل هي مبادئ الموجودات الحسية منها بدأت، وإليها تعود. ويتفرع على ذلك أن النفوس الإنسانية التي هي متصلة بالأبدان اتصال تدبير وتصرف كانت موجودة قبل وجود الأبدان، وكان لها نحو من أنحاء الوجود العقلي، وتمايز بعضها عن بعض تمايز الصور المجردة عن المادة بعضها عن بعض. وخالفه في ذلك تلميذه أرسطوطاليس ومن بعده من الحكماء، وقالوا أن النفوس حدثت مع حدوث الأبدان. وقد رأيت في كلام أرسطوطاليس كما ستأتي١ حكايته, أنه ربما يميل إلى مذهب أفلاطون في كون النفوس موجودة قبل وجود الأبدان، إلا أن نقل المتأخرين ما قدمنا ذكره. وخالفه أيضا في حدوث العالم: إن أفلاطون يحيل وجود حوادث لا أول لها، لأنك إذا قلت حادث، فقد أثبت سبق الأزلية لكل واحد، وما ثبت لكل واحد يجب أن يثبت للكل. قال: وأن صورها لا بد وأن تكون حادثة، لكن الكلام في هيولاها وعنصرها. فأثبت عنصرا قبل وجودها، فظن بعض العقلاء أنه حكم عليه بالأزلية والقدم، وهو إذ أثبت واجب الوجود لذاته، وأطلق لفظ الإبداع على العنصر، فقد

لاها وعنصرها. فأثبت عنصرا قبل وجودها، فظن بعض العقلاء أنه حكم عليه بالأزلية والقدم، وهو إذ أثبت واجب الوجود لذاته، وأطلق لفظ الإبداع على العنصر، فقد

أخرجه عن الأزلية بذاته، بل يكون وجوده بوجود واجب الوجود كسائر المبادئ التي ليست زمانية، ولا وجودها ولا حدوثها حدوث زماني. فالبسائط حدوثها إبداعي غير زماني، والمركبات حدوثها بوسائط البسائط حدوث زماني. وقال: إن العالم لا يفسد فسادا كليا. ويحكى عنه في سؤاله عن طيماوس: ما الشيء الذي لا حدوث له؟ وما الشيء الحادث وليس بباق؟ وما الشيء الموجود بالفعل وهو أبدأ بحال واحدة؟ وإنما يعنى بالأول: وجود الباري تعالى. وبالثاني: وجود الكائنات الفاسدات التي لا تثبت على حالة واحدة. وبالثالث: وجود المبادئ والبسائط التي لا تتغير. ومن أسئلته: ما الشيء الكائن ولا وجود له؟ وما الشيء الموجود ولا كون له؟. وإنما يعنى بالأول الحركة المكانية والزمان، لأنه لم يؤهله لاسم الوجود، ويعنى بالثاني الجواهر العقلية التي هي فوق الزمان والحركة والطبيعة وحق لها اسم الوجود، إذ لها السرمد والبقاء والدهر. ويحكى عنه أنه قال: إن الأسطقسات لم تزل تتحرك حركة مشوهة مضطربة غير ذات نظم، وإن الباري تعالى نظمها ورتبها فكان هذا العالم. وربما عبرة عن الأسطقسات بالأجزاء اللطيفة، وقيل إنه عنى بها الهيولى الأزلية العارية عن الصور حتى اتصلت الصور والأشكال بها فترتبت وانتظمت. ورأيت في "راموز" له أنه قال: إن النفوس كانت في عالم الذكر مغتبطة مبتهجة بعالمها وما فيه من الروح والبهجة والسرور، فأهبطت إلى هذا العالم حتى تدرك الجزئيات، وتستفيد ما ليس لها بذاتها بواسطة القوى الحسية، فسقطت رياشها قبل الهبوط، فهبطت حتى يستوي ريشها وتطير إلى عالمها بأجنحة مستفادة من هذا العالم. وحكى أرسطوطاليس عنه أنه أثبت المبادئ خمسة أجناس: الجوهر، والاتفاق، والاختلاف، والحركة، والسكون. ثم فسر كلامه فقال أما الجوهر، فنعني به الوجود.

وأما الاتفاق، فلأن الأشياء متفقة بأنها من الله تعالى، وأما الاختلاف، فلأنها مختلفة في صورها، وأما الحركة، فلأن لكل شيء من الأشياء فعلا خاصا. وذلك نوع من الحركة، لا حركة النقلة، وإذا تحرك نحو الفعل، وفعل، فله سكون بعد ذلك لا محالة. قال: وأثبت البخت أيضا مبدا سادسا وهو نطق عقلي وناموس لطبيعة الكل، وقال جرجيس: إنه قوة روحانية مدبرة للكل، وبعض الناس يسميه جدا، وزعم الرواقيون أنه نظام لعلل الأشياء وللأشياء المعلولة. وزعم بعضهم أن علل الأشياء ثلاثة المشتري، والطبيعة، والبخت. وقال أفلاطون: إن في العالم طبيعة عامة تجمع الكل، وفي كل واحد من المركبات طبيعة خاصة، وحد الطبيعة بأنها مبدأ الحركة والسكون في الأشياء، أي مبدأ التغير، وهي قوة سارية في الموجودات كلها تكون السكنات والحركات بها، فطبيعة الكل محركة للكل. والمحرك الأول يجب أن يكون ساكنا، وإلا تسلسل القول فيه إلى ما لا نهاية له. حكي أرسطو طاليس في مقالة الألف الكبرى من كتاب "ما بعد الطبيعة" أن أفلاطون كان يختلف في حداثته إلى أقراطيلوس، فكتب عنه ما روى عن هرقليطس: أن جميع الأشياء المحسوسة فاسدة، وأن العلم لا يحيط بها. ثم اختلف بعده إلى سقراط, وكان مذهبه طلب الحدود دون النظر في طبائع المحسوسات وغيرها، فظن أفلاطون أن نظر سقراط في غير الأشياء المحسوسة، لأن الحدود ليست للمحسوسات، لأنها إنما تقع على أشياء دائمة كلية، أعني: الأجناس. والأنواع. فعند ذلك سمى أفلاطون الأشياء الكلية صورا، لأنها واحدة، ورأى أن المحسوسات لا تكون إلا بمشاركة الصور. إذن كانت الصور رسوما ومثالات لها. متقدمة عليها. وإنما وضع سقراط الحدود مطلقا، لا باعتبار المحسوس وغير المحسوس. وأفلاطون ظن أنه وضعها لغير المحسوسات، فأثبتها مثلا عامة.

ا ومثالات لها. متقدمة عليها. وإنما وضع سقراط الحدود مطلقا، لا باعتبار المحسوس وغير المحسوس. وأفلاطون ظن أنه وضعها لغير المحسوسات، فأثبتها مثلا عامة.

وقال أفلاطون في كتاب "النواميس": إن الأشياء التي لا ينبغي للإنسان أن يجهلها، منها: أن له صانعا، وأن صانعه يعلم أفعاله. وذكر أن الله تعالى إنما يعرف بالسلب، أي لا شبيه له ولا مثال. أنه أبدع العالم من لا نظام إلى نظام، وأن كل مركب فهو إلى الانحلال، وأنه لن يسبق العالم زمان، ولم يبدع عن شيء. اختلاف الأوائل في الإبداع والمبدع والإرادة: ثم إن الأوائل اختلفوا في الإبداع والمبدع: هل هما عبارتان عن معبر واحد؟ أم للإبداع نسبة إلى المبدع ونسبة إلى المبدع؟ وكذلك في الإرادة إنها المراد، أم المريد؟ على حسب اختلاف متكلمي الإسلام في الخلق، والمخلوق، والإرادة إنها خلق، أم مخلوقة، أم صفة في الخالق؟ قال انكساغورس بمذهب فلوطرخيس: إن الإرادة ليست هي غير المراد، ولا غير المريد، وكذلك الفعل، لأنهما لا صورة لهما ذاتية، وإنما يقومان بغيرهما. فالإرادة مرة تكون مستبطنة في المريد، ومرة ظاهرة في المراد، وكذلك الفعل. وأما أفلاطون وأرسطوطاليس فلا يقبلان هذا القول، وقالا: إن صورة الإرادة وصورة الفعل قائمتان، وهما أبسط من صورة المراد، كالقاطع للشيء هو المؤثر، وأثره في الشيء، والمقطوع هو المؤثر فيه القابل للأثر. فالأثر ليس هو المؤثر فيه، وإلا انعكس حتى يكون المؤثر هو الأثر، والمؤثر فيه هو الأثر، وهو محال، فصورة المبدع فاعلة، وصورة المبدع مفعولة، وصورة الإبداع متوسطة بين الفاعل والمفعول. فللفعل صورة، وأثر، فصورته من جهة المبدع. وأثره من جهة المبدع. والصورة من جهة المبدع في حق الباري تعالى ليست زائدة على ذاته حتى يقال صورة إرادة، وصورة باري مفترقتان، بل هي حقيقة واحدة.

مبدع. وأثره من جهة المبدع. والصورة من جهة المبدع في حق الباري تعالى ليست زائدة على ذاته حتى يقال صورة إرادة، وصورة باري مفترقتان، بل هي حقيقة واحدة.

وأما برمنيدس الأصغر، فإنه أجاز قولهم في الإرادة، ولم يجزه في الفعل، وقال: إن الإرادة تكون بلا توسط من الباري تعالى فأجائز ما وصفوه. وأما الفعل فيكون بتوسط منه، وليس ما هو بلا توسط كالذي يكون بتوسط، بل الفعل قط لن يتحقق إلا بتوسط الإرادة، ولا ينعكس. وأما الأولون مثل تاليس وأبندقليس، فقد قالوا: الإرادة من جهة المبدع هي المبدع، ومن جهة المبدع هي المبدع. وفسروا هذا بأن الإرادة من جهة الصورة هي المبدع، ومن جهة الأثر هي المبدع. ولا يجوز أن يقال إنها من جهة الصورة هي المبدع، لأن صورة الإرادة عند المبدع قبل أن يبدع، فغير جائز أن تكون ذات صورة الشيء الفاعل هي المفعول، بل من جهة أثر ذات الصورة هي المفعول. ومذهب أفلاطون وأرسطوطاليس هذا بعينه. وفي الفصل انغلاق.

الفصل الثاني: الحكماء الأصول مدخل ... الفصل الثاني: الحكماء الأصول الحكماء الأصول؛ الذين هم من القدماء، إلا أنا لم نجد لهم رأيا في المسائل المذكورة غير حكم مرسلة عملية أوردناها، لئلا تشذ مذاهبهم عن القسمة، ولا يخلو الكتاب عن تلك الفوائد. فمنهم الشعراء: الذين يستدلون بشعرهم. وليس شعرهم على وزن وقافية، ولا الوزن والقافية ركن في الشعر عندهم، بل الركن في الشعر عندهم إيراد المقدمات المخيلة فحسب. ثم قد يكون الوزن والقافية معينين في التخيل. فإن كانت المقدمة التي نوردها في القياس الشعري مخيلة فقط تمحض القياس شعريا، وإن انضم إليها قول إقناعي يقينيا تركبت المقدمة من معيين شعري وإقناعي، وإن كان الضميم إليه قولا يقينيا تركبت المقدمة من شعري وبرهاني.

ومنهم النساك: ونسكهم وعبادتهم عقلية لا شرعية. ويقتصر ذلك على تهذيب النفس عن الأخلاق الذميمة، وسياسة المدينة الفاضلة التي هي الجنة الإنسانية. وربما وجدنا لبعضهم رأيا في بعض المسائل المذكورة، أعني: المبدع، والإبداع، وأنه عالم، وأن أول ما أبدعه ماذا؟ وأن المبادئ كم هي؟ وأن المعاد كيف يكون؟ وصاحب الرأي الموافق للأوائل المذكورين أوردنا اسمه، وذكرنا مقالته، وإن كانت كالمكرره. نبتدئ بهم، ونجعل فلوطرخيس مبدأ آخر.

١- رأي فلوطرخيس: قيل: إنه أول من شهر بالفلسفة. ونسبت إليه المحكمة. تفلسف بمصر. ثم سار إلى ملطية وأقام بها. وقد يعد من الأساطين. قال: إن الباري تعالى لم يزل بالأزلية التي هي أزلية الأزليات، وهو مبدع فقط. وكل مبدع ظهرت صورته في حد الإبداع فقد كانت صورته عنده، أي كانت معلومة له. فالصور عنده بلا نهاية، أي المعلومات بلا نهاية. قال: ولو لم تكن الصور عنده ومعه لما كان إبداع، ولا بقاء للمبدع، ولو لم تكن باقية دائمة لكانت تدثر بدثور الهيولى، ولو كان ذلك كذلك لارتفع الرجاء والخوف. ولكن لما كانت الصور باقية دائمة، ولها الرجاء والخوف: كان ذلك دليلا على أنها لا تدثر. ولما عدل عنها الدثور ولم يكن له قوة عليها: كان ذلك دليلا على أن الصورة أزلية في علمه تعالى. قال: ولا وجه إلا القول بأحد الأقوال: إما أن يقال: الباري تعالى لا يعلم شيئا البتة، وهذا من المحال الشنيع، وأما أن يقال: يعلم بعض الصور دون بعض، وهذا من النقص الذي لا يليق بكمال الجلال. وإما أن يقال: يعلم جميع الصور والمعلومات، وهذا هو الرأي الصحيح. ثم قال: إن أصل المركبات هو الماء، فإنه إذا تخلخل صافيا وجد نارا، وإذا تخلخل وفيه بعض الثقل صار هواء، وإذا تكاثف تكاثفا مبسوطا بالغا صار أرضا.

وحكى فلوطرخيس أن هيرقليطس زعم أن الأشياء إنما انتظمت بالبخت وجوهر البخت هو نطق عقلي ينفذ في الجوهر الكلي. والله ﷾ أعلم.

اثفا مبسوطا بالغا صار أرضا.

وحكى فلوطرخيس أن هيرقليطس زعم أن الأشياء إنما انتظمت بالبخت وجوهر البخت هو نطق عقلي ينفذ في الجوهر الكلي. والله ﷾ أعلم.

٢- رأي أكسنوفانس: كان يقول: إن المبدع الأول هو آنية أزلية دائمة ديمومة القدم، لاتدرك بنوع صفة منطقية ولا عقلية، مبدع صور كل صفة, وكل نعت نطقي وعقلي، فإذا كان هذا هكذا، فقولنا: إن صور ما في هذا العالم المبدعة لم تكن عنده، أو كانت، أو كيف أبدع؟ ولم أبدع؟ محال، لأن العقل مبدع، والمبدع مسبوق بالمبدع، والمسبوق لا يدرك السابق أبدا، فلا يجوز أن يصف المسبوق السابق. بل نقول: إن المبدع أبدع كيفما أحب, وكيفما شاء، فهو هو ولا شيء معه. قال: وهذه الكلمة أعنى: هو ولا شيء بسيطا ولا مركبا معه، وهو مجمع كل ما نطلبه من العلم، لأنك إذا قلت: ولا شيء معه، فقد نفيت عنه أزلية الصورة والهيولى، وكل مبدع من صورة وهيولى، وكل مبدع من صورة فقط. ومن قال: أن الصور أزلية مع آنيته فليس هو فقط، بل هو وأشياء كثيرة، فليس هو مبدع للصور، بل كل صورة إنما أظهرت ذاتها، فعند إظهارها ذاتها ظهرت هذه العوالم وهذه أشنع ما يكون من القول. وكان تيرس والقادميون يقولان: ليست أوائل البتة، ولا معقول قبل المحسوس بحال، بل مثل بدعة الأشياء مثل الذي يفرخ١ من ذاته بلا حدث ولا فعل ظهر، فلا يزال يخرجه من القوة إلى الفعل حتى يوجد، فيكمل، فنحسه وندركه، وليس شيء معقول البتة. والعالم دائم لا يزول ولا يفنى، فإن المبدع لا يجوز أن يفعل فعلا يدثر إلا وهو داثر مع دثور فعله، وذلك محال.

فيكمل، فنحسه وندركه، وليس شيء معقول البتة. والعالم دائم لا يزول ولا يفنى، فإن المبدع لا يجوز أن يفعل فعلا يدثر إلا وهو داثر مع دثور فعله، وذلك محال.

٣- رأي زينون الأكبر: زينون الأكبر ابن ماوس من أهل قنطس. كان يقول: إن المبدع الأول كان في علمه صورة إبداع كل جوهر، وصورة دثور كل جوهر. فإن علمه غير متناه، والصور التي فيه من حيث الإبداع غير متناهية، وكذلك صور الدثور غير متناهية، فالعوالم تتجدد في كل حين وفي كل دهر، فما كان منها مشاكلا لنا أدركنا حدود وجوده ودثوره بالحواس والعقل، وما كان غير مشاكل لنا لم ندركه إلا أنه ذكر وجه التجدد، فقال: إن الموجودات باقية داثرة: أما بقاؤهما فبتجدد صورها، وأما دثورها فبدثور الصورة الأولى عند تجدد الأخرى. وذكر أن الدثور قد يلزم الصورة والهيولى معا. وقال أيضا: إن الشمس والقمر والكواكب تستمد القوة من جوهر السماء، فإذا تغيرت السماء تغيرت النجوم أيضا. ثم هذه الصور كلها: بقاؤها، ودثورها: في علم الباري تعالى، والعلم يقتضي بقاءها دائما وكذلك الحكمة تقتضي ذلك، لأن بقاءها على هذه الحال أفضل. والباري تعالى قادر على أن يفني العوالم يوما ما إن أراد. وهذا الرأي قد مال إليه الحكماء المنطقيون الجدليون، دون الإلهيين. وحكى فلوطرخيس أن زينون كان يزعم أن الأصول هي الله ﷿ والعنصر فقط، فالله هو العلة الفاعلة، والعنصر هو المنفعل. حكمه -قال: أكثروا من الإخوان، فإن بقاء النفوس ببقاء الإخوان كما أن شفاء الأبدان بالأدوية. وقيل: رأى زينون فتى على شاطئ البحر محزونا يتلهف على الدنيا، فقال له: يا فتى! ما يلهفك على الدنيا؟ لو كنت في غاية الغنى وأنت راكب لجة البحر قد انكسرت السفينة وأشرفت على الغرق: كانت غاية مطلوبك النجاة وتفوت كل ما في يدك؟ قال نعم،

قال: لو كنت ملكا على الدنيا وأحاط بك من يريد قتلك: كان مرادك النجاة من يده وتفوت كل ملكك؟ قال نعم، قال: فأنت الغني، وأنت الملك الآن، فتسلى الفتى. وقال لتلميذه: كن بما تأتي من الخير مسرورا، وبما تجتنب من الشر محبورا. وقيل له: أي الملوك أفضل: ملك اليونانيين، أم ملك الفرس؟ قال: من ملك غضبه وشهوته. وسئل بعد أن هرم: ما حالك؟ قال: هو ذا أموت قليلا قليلا على مهل. وقيل له: إذا مت! من يدفنك؟ قال: من يؤذيه نتن جيفتي. وسئل: ما لذي يهرم؟ قال: الغضب والحسد، وأبلغ منهما الغم. وقال: الفلك تحت تدبيره. ونعى إليه ابنه فقال: ما ذهب ذلك على؛ إنما ولدت ولدا يموت، وما ولدت ولدا لا يموت. وقال: لا تخف موت البدن، ولكن يجب عليك أن تخاف موت النفس. فقيل له: لما قلت خف موت النفس، والنفس الناطقة لا تموت؟ فقال: إذا انتقلت النفس الناطقة من حد النطق إلى حد البهيمية -وإن كان جوهرها لا يبطل- فقد ماتت من العيش العقلي. وقال: أعط الحق من نفسك، فإن الحق يخصمك إن لم تعطه حقه. وقال: محبة المال وتد الشر، لأن سائر الآفات تتعلق بها، ومحبة الشهوات وتد العيوب، لأن سائر العيوب متعلقة بها. وقال: أحسن مجاورة النعم فتنعم بها، ولا تسيء بها فتسيء بك. وقال: إذا أدركت الدنيا الهارب منها جرحته، وإذا أدركها الطالب لها قتلته. وقيل له، وكان لا يقتني إلا قوت يومه: إن الملك يبغضك فقال: وهل يحب الملك من هو أغنى منه؟

دركت الدنيا الهارب منها جرحته، وإذا أدركها الطالب لها قتلته. وقيل له، وكان لا يقتني إلا قوت يومه: إن الملك يبغضك فقال: وهل يحب الملك من هو أغنى منه؟

وسئل: بأي شيء يخالف الناس في هذا الزمان البهائم؟ قال: بالشرور. قال: وما رأينا العقل قط إلا خادما للجهل، وفي رواية للسجزي: إلا خادما للجد، والفرق بينهما ظاهر، فإن الطبيعة ولوازمها إذا كانت مستولية على العقل: استخدمه الجهل، وإذا كان ما قسم للإنسان من الخير والشر فوق تدبيره العقلي: كان الجد مستخدما للعقل، ويعظم جد الإنسان ما يعقل، وليس يعظم العقل ما يجد، ولهذا! خيف على صاحب الجد ما لم يخف على صاحب العقل. والجد أصم، أخرس، لا يفقه، ولا ينقه، وإنما هو ريح تهب، وبرق يلمع، ونار تلوح، وصحو يعرض، وحلم يمتع. وهذا اللفظ أولى، فإنه عمم الحكم فقال ما رأينا العقل قط، وقد يعرض للعقل أن يرى ولا يستخدمه الجهل، وذلك هو الأكثر. وقال زينون: في الجرادة خلقة سبعة جبابرة رأسها رأس فرس، وعنقها عنق ثور، وصدرها صدر أسد، وجناحها جناح نسر، ورجلاها رجلا جمل، وبطنها بطن عقرب، وذنبها ذنب حية. هكذا ذكره زينون.

٤- رأي ديمقريطيس وشيعته: كان يقول في المبدع الأول: إنه ليس هو العنصر فقط، ولا العقل فقط، بل الأخلاط الأربعة، وهي الاسطقسات: أوائل الموجودات كلها، ومنها أبدعت الأشياء البسيطة كلها دفعة واحدة، وأما المركبة فإنها كونت دائمة دائرة، إلا أن ديمومتها بنوع، ودثورها بنوع. ثم إن العالم بجملته باق غير داثر، لأنه ذكر أن هذا العالم متصل بذلك العالم الأعلى، كما أن عناصر هذه الأشياء متصلة بلطيف أرواحها الساكنة فيها. والعناصر وإن كانت تدثر في الظاهر، فإن صفوها من الروح البسيط الذي فيها، فإذا كان كذلك فليس يدثر إلا من جهة الحواس، فأما من نحو العقل فإنه ليس يدثر، فلا يدثر هذا العالم إذا كان صفوها فيه، وصفوه متصل بالعوالم البسيطة.

يها، فإذا كان كذلك فليس يدثر إلا من جهة الحواس، فأما من نحو العقل فإنه ليس يدثر، فلا يدثر هذا العالم إذا كان صفوها فيه، وصفوه متصل بالعوالم البسيطة.

وإنما شنع عليه الحكماء من جهة قوله: إن أول مبدع هو العناصر، وبعدها أبدعت البسائط الروحانية، فهو يرتقي من الأسفل إلى الأعلى، ومن الأكدر إلى الأصفى. ومن شيعته: فليوخوس، إلا أنه خالفه في المبدع الأول، وقال بقول سائر الحكماء، غير أنه قال: إن المبدع الأول هو مبدع الصورة فقط دون الهيولى، فإنها لم تزل مع المبدع. فأنكروا عليه وقالوا: إن الهيولى لو كانت أزلية قديمة: لما قبلت الصور، ولما تغيرت منحال إلى حال، ولما قبلت فعل غيرها، إذ الأزلي لا يتغير. وهذا الرأي مما كان يعزى إلى أفلاطون الإلهي، والرأي في نفسه مزيف، والعزوة إليه غير صحيحة. ومما نقل عن ديمقريطيس وزينون الأكبر وفيثاغورث أنهم كانوا يقولون: إن الباري تعالى متحرك بحركة فوق هذه الحركة الزمانية. وقد أشرنا إلى المذهبين، وبينما المراد بإضافة الحركة والسكون إلى الله تعالى. ونزيده شرحا من احتجاج كل فريق على صاحبه. قال أصحاب السكون: إن الحركة لا تكون أبدا إلا ضد السكون، والحركة لا تكون إلا بنوع زمان إما ماض وإما مستقبل، والحركة لا تكون إلا مكانية إما منتقلة وإما مستوية، ومن المستوية تكون الحركة المستقيمة، والحركة المعوجة، والمكانية تكون مع الزمان، فلو كان الباري تعالى متحركا، لكان داخلا في الدهر والزمان. قال أصحاب الحركة: إن حركته أعلى من جميع ما ذكرتموه، وهو مبدع الدهر والمكان، وإبداعه ذلك هو يعنى بالحركة. والله أعلم.

٥- رأي فلاسفة أقاديما ١: كانوا يقولون: إن كل مركب ينحل، ولا يجوز أن يكون مركبا من جوهرين متفقين في جميع الجهات، وإلا فليس بمركب، فإذا كان هذا هكذا، فلا محالة أنه إذا انحل المركب رحل كل جوهر فاتصل بالأصل الذي كان منه، فما كان منها بسيطا روحانيا لحق بعالمه الروحاني البسيط، والعالم الروحاني باق غير داثر، وما كان منها جاسيا٢ غليظا لحق بعالمه أيضا، وكان جاس إذا انحل فإنما يرجع حتى يصل إلى ألطف من كل لطيف فإذا لم يبق من اللطافة شيء اتحد باللطيف الأول المتحد به، فيكونان متحدين إلى الأبد، وإذا اتحدت الأواخر بالأوائل، وكان الأول هو أول مبدع ليس بينه وبين مبدعه جوهر آخر متوسط، فلا محالة أن ذلك المبدع الأول متعلق بنور مبدعه، فيبقى خالدا دهر الدهور. وهذا الفصل أيضا قد نقل عنهم وهو يتعلق بالمعاد، لا بالمبدإ وهؤلاء يسمون مشائي أقاديما وأما المشاءون المطلق، فهم. أهل لوقيون٣، وكان أفلاطون يلقن الحكمة ماشيا، تعظيما لها، وتابعه على ذلك أرسطوطاليس،. ويسمى هو وأصحابه المشائين. وأصحاب الرواق هم أهل المظال. وكان لأفلاطون تعليمان: تعليم كليس، وهو الروحاني الذي لا يدرك بالبصر ولكن بالفكر اللطيف، وتعليم كأيس، وهو الهيولانيات. والله الموفق للصواب.

٦- رأي هرقل الحكيم: كان يقول: إن الباري تعالى هو النور الحق الذي لا يدرك من جهة عقولنا, لأنها أبدعت من ذلك النور الأول الحق، وهو اسم الله حقا، وهو اسم الله باليونانية حقا.

يقول: إن الباري تعالى هو النور الحق الذي لا يدرك من جهة عقولنا, لأنها أبدعت من ذلك النور الأول الحق، وهو اسم الله حقا، وهو اسم الله باليونانية حقا.

إنها تدل عليه، إنه مبدع الكل. وهذا الاسم عندهم شريف جدا. وكان يقول: إن بدء الخلق، وأول شيء أبدع، والذي هو أول لهذه العوالم، هو المحبة، والمنازعة. ووافق في هذا الرأي أنبادقليس حيث قال: الأول الذي أبدع هو المحبة والغلبة. وقال هرقل: السماء كرة متحركة من ذاتها، والأرض مستديرة ساكنة جامدة بذاتها، والشمس حللت كل ما فيها من الرطوبة، فاجتمعت فيها، فصار البحر، والذي حجرت الشمس ونفذت فيه حتى لم تذر فيه شيئا من الرطوبة صار منه: الحصى، والحجارة، والجبل، وما لم تنفذ فيه الشمس أكثر، ولم تنزع عنه الرطوبة كلها، فهو التراب. وكان يقول: إن السماء في النشأة الأخرى تصير بلا كواكب، لأن الكواكب تهبط سفلا حتى تحيط بالأرض وتلتهب، فيصير متصلا ببعضها البعض، حتى تكون كالدائرة حول الأرض، وإنما يهبط منها ما كان من أجزائها نارا محصنة، ويصعد منها ما كان نورا محصنا، فتبقى النفوس الشريرة الدنسة الخبيثة في هذا العالم الذي أحاط به النار إلى الأبد في عقاب السرمد، وتصعد النفوس الشريفة الخالصة الطيبة إلى العالم الذي تمحض نورا وبهاءً وحسنا في ثواب السرمد. وهناك: الصور الحسان لذات للبصر، والألحان الشجية لذات السمع، ولأنها أبدعت بلا توسط مادة وتركب أسطقسات فهي جواهر، شريفة، روحانية، نورانية. وقال: إن الباري تعالى يمسح تلك الأنفس في كل دهر مسحة، فيتجلى لها حتى تنظر إلى نوره المحض الخارج من جوهره الحق، فحينئذ يشتد عشقها، وشوقها، ونورها، ومجدها. فلا تزال كذلك دائما إلى الأبد.

س في كل دهر مسحة، فيتجلى لها حتى تنظر إلى نوره المحض الخارج من جوهره الحق، فحينئذ يشتد عشقها، وشوقها، ونورها، ومجدها. فلا تزال كذلك دائما إلى الأبد.

٧- رأي أبيقورس: خالف الأوائل في الأوائل. قال: المبادئ اثنان: الخلاء، والصورة. أما الخلاء فمكان فارغ، وأما الصورة فهي فوق المكان والخلاء، ومنها أبدعت الموجودات وكل ما كون منها فإنه ينحل إليها، فمنها المبدأ، وإليها المعاد. وربما يقول: الكل يفسد، وليس بعد الفراق حساب ولا قضاء ولا مكافأة ولا جزاء، بل كلها تضمحل وتدثر. والإنسان كالحيوان مرسل مهمل في هذا العالم. والحالات التي ترد على الأنفس في هذا العالم كلها من تلقائها على قدر حركاتها وأفاعيلها، فإن فعلت خيرا وحسنا فيرد عليها سرور وفرح، وإن فعلت شرا وقبيحا فيرد عليها حزن وترح. وإنما سرور كل نفس بالأنفس الأخرى، وكذا حزنها مع الأنفس الأخرى بقدر ما يظهر لها من أفاعيل. وتبعه جماعة من التناسخية على هذا الرأي.

٨- حكم سولون الشاعر: وكان عند الفلاسفة من الأنبياء العظام بعد هرمس وقبل سقراط، وأجمعوا على تقديمه والقول بفضائله. قال سولون لتلميذه: تزود من الخير وأنت مقبل، خير لك من أن تتزود منه وأنت مدبر. وقال: من فعل خيرا فليجتنب ما خالفه، وإلا دعي شريرا. وقال: إن أمور الدنيا حق، وقضاء، فمن أسلف فليقض، ومن قضى فقد وفى. وقال: إذا عرضت عليك فكرة سوء فادفعها عن نفسك، ولا ترجع باللائمة لكن لم رأيك بما أحدث عليك.

ن أمور الدنيا حق، وقضاء، فمن أسلف فليقض، ومن قضى فقد وفى. وقال: إذا عرضت عليك فكرة سوء فادفعها عن نفسك، ولا ترجع باللائمة لكن لم رأيك بما أحدث عليك.

وقال: إن فعل الجاهل في خطابه أن يذم غيره، وفعل طالب الأدب أن يذم نفسه، وفعل الأديب أن لا يذم نفسه ولا غيره. وقال: إذا انكب الدن, وأريق الشراب، وانكسر الإناء, فلا تغتم، بل قل: كما أن الأرباح لا تكون إلا فيما يباع ويشترى، كذلك الخسرانات لا تكون إلا في الموجودات، فانف الغم والخسارة عنك، فإن لكل ثمنا، وليس يجيء بالمجان. وسئل: أيما أحمد في الصبا: الحياء، أم الخوف؟ قال: الحياء، لأن الحياء يدل على العقل والخوف يدل على المقة١ والشهوة. وقال لابنه: دع المزاح، فإن المزاح لقاح الضغائن. وسأله رجل، فقال: هل ترى أن أتزوج، أم أدع؟ قال: أي الأمرين فعلت ندمت عليه. وسئل: أي شيء أصعب على الإنسان؟ قال: أن يعرف عيب نفسه، وأن يمسك عما لا يتكلم به. ورأى رجلا عثر، فقال له: لأن تعثر برجلك خير من أن تعثر بلسانك. وسئل ما الكرم؟ فقال: النزاهة عن المساوئ. وسئل ما الحياة؟ فقال: التمسك بأمر الله تعالى. وسئل ما النوم؟ فقال: النوم موتة خفيفة، والموت نومة طويلة. وقال: ليكن اختارك من الأشياء حديثها. ومن الإخوان أقدمهم. وقال: أنفع العلم ما أصابته الفكرة، وأقله نفعا ما قلته بلسانك. وقال: ينبغي أن يكون المرء حسن الشكل في صغره، وعفيفا عند إدراكه، وعدلا في شبابه، وذا رأي في كهولته، وحافظا للستر عند الفناء، حتى لا تلحقه الندامة.

وقال: ينبغي للشاب أن يستعد لشيخوخته مثل ما يستعد الإنسان للشتاء من البرد الذي يهجم عليه. وقال: يا بني: احفظ الأمانة تحفظك، وصنها حتى تصان. وقال: جوعوا إلى الحكمة، واعطشوا إلى عبادة الله تعالى، قبل أن يأتيكم المانع منهما. وقال لتلامذته: لا تكرموا الجاهل فيستخف بكم، ولا تتصلوا بالأشرار فتعدوا فيهم، ولا تعتمدوا الغنى إن كنتم تلامذة الصدق، ولا تهملوا أمر أنفسكم في أيامكم ولياليكم، ولا تستخفوا بالمساكين في جميع أوقاتكم. وكتب إليه بعض الحكماء يستوصفه أمر عالمي العقل والحس، فقال: أما عالم العقل فدار ثبات وثواب، وأما عالم الحس فدار بوار وغرور. وسئل: ما فضل علمك على علم غيرك؟ قال معرفتي بأن علمي قليل. وقال: أخلاق محمودة وجدتها في الناس، إلا أنها إنما توجد في قليل: صديق يحب صديقه غائبا كمحبته حاضرا، وكريم يكرم الفقراء كما يكرم الأغنياء، ومقر بعيوبه إذا ذكرت، وذاكر يوم نعيمه في يوم بؤسه, ويوم بؤسه في يوم نعيمه، وحافظ لسانه عند غضبه. وآمر بالمعروف دائما.

٩- حكم أوميروس الشاعر: وهو من الكبار القدماء، الذي يجريه أفلاطون وأرسطوطاليس في أعلى المراتب. ويستدل بشعره، لما كان يجمع فيه إتقان المعرفة، ومتانة الحكمة، وجودة الرأي، وجزالة اللفظ، فمن ذلك قوله: لا خير في كثرة الرؤساء، وهذه كلمة وجيزة تحتها معان شريفة، لما في كثرة الرؤساء من الاختلاف الذي يأتي على حكمة الرئاسة بالإبطال، ويستدل بها أيضا في التوحيد، لما في كثرة الآلهة من المخالفات التي تكر

عان شريفة، لما في كثرة الرؤساء من الاختلاف الذي يأتي على حكمة الرئاسة بالإبطال، ويستدل بها أيضا في التوحيد، لما في كثرة الآلهة من المخالفات التي تكر

على حقيقة الإلهية بالإفساد. وفي الحكمة: لو كان أهل بلد كلهم رؤساء، لما كان رئيس ألبتة، ولو كان أهل بلد كلهم رعية، لما كانت رعية ألبتة. ومن حكمه: قال: إني لأعجب من الناس! إذ كان يمكنهم الاقتداء بالله تعالى فيدعون ذلك الإقتداء بالبهائم!، قال له تلميذه: لعل هذا إنما يكون لأنهم قد رأوا أنهم يموتون كما تموت البهائم؟ فقال له: بهذا السبب يكثر تعجبي منهم! من قبل أنهم يحسون بأنهم لابسون بدنا ميتا ولا يحسبون أن في ذلك البدن نفسا غير ميتة. وقال: من يعلم أن الحياة لنا مستعبدة، والموت معتق مطلق, آثر الموت على الحياة. وقال: العقل نحوان: طبيعي، وتجريبي، وهما مثل الماء والأرض، وكما أن النار تذيب كل صامت وتخلصه وتمكن من العمل فيه، كذلك العقل يذيب الأمور ويخلصها ويفصلها ويعدها للعمل. ومن لم يكن لهذين النحوين فيه موضع فإن خير أموره له قصر العمر. وقال: إن الإنسان الخير أفضل من جميع ما على الأرض، والإنسان الشرير أخس وأوضع من جميع ما على الأرض. وقال: لن تنبل، واحلم تعز، ولا تكن معجبا فتمتهن، واقهر شهوتك، فإن الفقير من انحط إلى شهواته. وقال: الدنيا دار تجارة، والويل لمن تزود عنها الخسارة. وقال: الأمراض ثلاثة أشياء: الزيادة والنقصان في الطبائع الأربع، وما تهيجه الأحزان. فشفاء الزائد والناقص في الطبائع الأدوية، وشفاء ما تهيجه الأحزان كلام الحكماء والإخوان. وقال: العمى خير من الجهل، لأن أصعب ما يخاف من العمى التهور في بئر ينهد منه الجسد، والجهل يتوقع منه هلاك الأبد. وقال: مقدمة المحمودات الحياء، ومقطمة المذمومات القحة.

من الجهل، لأن أصعب ما يخاف من العمى التهور في بئر ينهد منه الجسد، والجهل يتوقع منه هلاك الأبد. وقال: مقدمة المحمودات الحياء، ومقطمة المذمومات القحة.

وقال إيرقليطس: إن أوميروس الشاعر لما رأى تضاد الموجودات دون فلك القمر قال: يا ليته هلك التضاد من هذا العالم ومن الناس والسادة، يعني النجوم، واختلاف طبائعها، وأراد بذلك أن يبطل التضاد والاختلاف حتى يكون هذا العالم المتحرك المنتقل داخلا في العالم الساكن الدائم الباقي. ومن مذهبه: أن بهرام يعني الريح, واقع الزهرة، فتولدت من بينهما طبيعة هذا العالم. وقال: إن الزهرة علة التوحيد والاجتماع، وبهرام علة التفرق والاختلاف، والتوحد ضد التفرق. فلذلك صارت الطبيعة ضدا: تركب، وتنقص، وتوحد، وتفرق. وقال: الحظ شيء أظهره العقل بوساطة العلم، فلما قابل النفس عشقته بالعنصر هذه حكمه. وأما مقطعات أشعاره، فمنها. قال: ينبغي للإنسان أن يفهم الأمور الإنسانية. إن الأدب للإنسان ذخر لا يسلب. ارفع من عمرك ما يحزنك. إن أمور العالم تعلمك العلم. إن كنت ميتا فلا تحقر عداوة من لا يموت. كل ما يمتاز في وقته يفرح به. إن الزمان يبين الحق وينيره. اذكر نفسك أبدا أنك إنسان. إن كنت إنسانا فافهم كيف تضبط غضبك. إذا نالتك مضرة فاعلم أنك كنت أهلها. اطلب رضاء كل أحد، لإرضاء نفسك فقط. إن الضحك في غير وقته هو ابن عم البكاء. إن الأرض تلد كل شيء ثم تسترده. إن الرأي من الجبان جبان. انتقم من الأعداء نقمة لا تضرك. كن حسن الجرأة ولا تكن متهورا. إن كنت ميتا، فلا تذهب مذهب من لا يموت. إن أردت أن تحيا فلا تعمل عملا يوجب الموت. إن الطبيعة كونت الأشياء بإرادة الرب تعالى. من لا يفعل شيئا في الشر فهو إلهي. آمن بالله، فإنه يوفقك في أمورك. إن مساعدة الأشرار على أفعالهم كفر بالله. إن المغلوب من قاتل الله والبخت. اعرف الله، واعقل الأمور الإنسانية. إذا أراد الله خلاصك عبرت البحر على البادية. إن العقل الذي

يناطق الله لشريف. إن قوام السنة بالرئيس. إن لفيف الناس وإن كانت لهم قوة فليس لهم عقل. إن السنة توجب كرامة الوالدين مثل كرامة الإله. رأي ان والديك آلهة لك. إن الأب هو من ربي لا من ولد. إن الكلام في غير وقته يفسد العمر كله. إذا حضر البخت تمت الأمور. إن سنن الطبيعة لا تتعلم. إن اليد تغسل اليد، والإصبع الإصبع. ليكن فرحك بما تدخره لنفسك دون ما تدخره لغيرك، يعني بالمدخر لنفسه: العلم والحكمة، وبالمدخر لغيره: المال. وقال: الكرم يحمل ثلاثة عناقيد: عنقود الالتذاذ، وعنقود الشكر، وعنقود الشيم. خير أمور العالم الحسي أوساطها، وخير أمور العالم العقل أفضلها. وقيل: إن وجود الشعر في أمة يونان كان قبل الفلسفة، وإنما أبدعه أوميروس. وتاليس كان بعده بثلاثمائة واثنتين سنة. وأول فيلسوف كان منهم في سنة تسعمائة وإحدى وخمسين من وفاة موسى ﵇، وهذا ما أخبر به كورفس في كتابه، وذكر فورفوريوس أن تاليس ظهر في سنة ثلاث وعشرين ومائة من ملك بختنصر.

١٠- حكم بقراط: بقراط واضع الطب الذي قال بفضله الأوائل والأواخر. وكان أكثر حكمته في الطب وشهرته به، فبلغ خبره إلى بهن بن اسفنديار بن كشتاسب، فكتب إلى فيلاطس ملك قوه وهو بلد من بلاد اليونانيين يأمر بتوجيه بقراط إليه، وأمر له بقناطير من الذهب، فأبى ذلك، وتأبى عن الخروج إليه ضنا بوطنه وقومه, وكان لا يأخذ على المعالجة أجرة من الفقراء وأوساط الناس، وقد شرط أن يأخذ من الاغنياء أحد ثلاثة أشياء: طوقا. أوإكليلا، أو سوارا من ذهب. فمن حكمه إن قال: استهينوا بالموت، فإن مرارته في خوفه.

اء وأوساط الناس، وقد شرط أن يأخذ من الاغنياء أحد ثلاثة أشياء: طوقا. أوإكليلا، أو سوارا من ذهب. فمن حكمه إن قال: استهينوا بالموت، فإن مرارته في خوفه.

وقيل له: أي العيش خير؟ قال: الأمن مع الفقر، خير من الغنى مع الخوف. وقال له: الحيطان والبروج لا تحفظ المدن، ولكن تحفظها آراء الرجال وتدبير الحكماء. وقال: يداوي كل عليل بعقاقير أرضه، فإن الطبيعة متطلعة إلى هوائها، ونازعة إلى غذائها. ولما حضرته الوفاة قال: خذوا جامع العلم مني: من كثر نومه، ولانت طبيعته، ونديت جلدته طال عمره. وقال: الإقلال من الضار خير من الإكثار من النافع. وقال: لو خلق الإنسان من طبيعة واحدة لما مرض، لأنه لم يكن هناك شيء يضادها فيمرض. ودخل على عليل فقال له: أنا، والعلة، وأنت، فإن أعنتني عليها بالقبول لما تسمع مني صرنا اثنين، وانفردت العلة، فقينا عليها، والاثنان إذا اجتمعا على واحد غلباه. وسئل: ما بال الإنسان أثور ما يكون بدنه إذا شرب الدواء؟ قال: مثل ذلك مثل البيت، أكثر ما يكون غبارا إذا كنس. وحديث ابن الملك: أنه عشق جارية من حظايا أبيه فنهك بدنه, واشتدت علته، فأحضر بقراط فجس نبضه، ونظر إلى تفسرته١، فلم ير أثر علة، فذكراه حديث العشق، فرآه يهش لذلك ويطرب، فاستخبر الحال من حاضنته فلم يكن عندها خبر، وقالت: ما خرج قط من الدار، فقال بقراط للملك: مر رئيس الخصيان بطاعتي، فأمره بذلك، فقال: أخرج على النساء، فخرجن، وبقراط واضع إصبعه على نبض الفتى، فلما خرجت الحظية اضطرب عرقه. وطار قلبه، وحار طبعه، فعلم بقراط أنها المعينة لهواه، فصار

قال: أخرج على النساء، فخرجن، وبقراط واضع إصبعه على نبض الفتى، فلما خرجت الحظية اضطرب عرقه. وطار قلبه، وحار طبعه، فعلم بقراط أنها المعينة لهواه، فصار

بقراط إلى الملك وقال له: ابن الملك قد عشق من الوصول إليها صعب. قال الملك: ومن ذاك؟ قال هو يحب حليلتي، قال: انزل عنها ولك عنها بدل، فتحازن بقراط ووجم وقال: هل رأيت أحدا كلف أحدا طلاق امرأته، ولا سيما الملك في عدله ونصفته يأمرني بمفارقة حليلتي، ومفارقتها مفارقة روحي؟ قال الملك: إني أوثر ولدي عليك، وأعوضك من هو احسن منها، فامتنع، حتى بلغ الأمر إلى التهديد بالسيف، قال بقراط: إن الملك لا يسمى عدلا حتى ينتصف من نفسه ما ينتصف من غيره، أرأيت لو كانت العشيقة حظية الملك؟ قال: يا بقراط! عقلك أتم من معرفتك! ونزل عنها لابنه، وبرئ الفتى من مرضه ذلك. وقال بقراط: إياك أن تأكل إلا ما تستمرئ، وأما مالا تستمرئ فإنه يأكلك. وقيل لبقراط: لم يثقل الميت؟ قال: لأنه كان اثنين: أحدهما خفيف رافع، والآخر ثقيل واضع، فلما انصرف أحدهما وهو الخفيف الرافع، ثقل الثقيل الواضع. وقال: الجسد يعالج جملة على خمسة أضرب: ما في الرأس بالغرغرة، وما في المعدة بالقيء، وما في البدن بإسهال البطن، وما بين الجلدين بالعرق، وما في العمق وداخل العروق بإرسال الدم. وقال: الصفراء بيتها المرارة وسلطانها في الكبد، والبلغم بيته المعدة وسلطانه في الصدر، والسوداء بيتها الطحال، وسلطانها في القلب، والدم بيته القلب وسلطانه في الرأس. وقال لتلميذ له: ليكن أفضل وسيلتك إلى الناس محبتك لهم، والتفقد لأمورهم، ومعرفة حالهم، واصطناع المعروف إليهم. ويحكى عن بقراط قوله المعروف: العمر قصير، والصناعة طويلة، والوقت ضيق، والزمان جديد، والتجربة خطر، والقضاء عسر.

وقال لتلاميذه: اقسموا الليل والنهار ثلاثة أقسام: فاطلبوا في القسم الأول العقل الفاضل واعملوا في القسم الثاني بما أحرزتم من ذلك العقل، ثم عاملوا في القسم الثالث من لا عقل له، وانهزموا من الشر ما استطعتم. وكان له ابن لا يقبل الأدب، فقالت له امرأته: إن ابنك هو منك فأدبه، فقال لها: هو مني طبعا، ومن غيري نفسا، فما أصنع به؟ وقال: ما كان كثيرا فهو مضاد للطبيعة، فلتكن الأطعمة، والأشربة، والنوم، والجماع، والتعب قصدا. وقال: إن صحة البدن إذا كانت في الغاية كان أشد خطرا. وقال: إن الطب هو حفظ الصحة بما يوافق الأصحاء، ودفع المرض بما يضاده. وقال: من سقى السم من الأطباء، وألقى الجنين، ومنع الحمل، واجترأ على المريض فليس من شيعتي، وله أيمان معروفة على هذه الشرائط. وكتب معروفة كثيرا في الطب. وقال في الطبيعة: إنها القوة التي تدبر الجسم من الإنسان، فتصوره من النطفة إلى تمام الخلقة، خدمة للنفس في إتمام هيكلها، ولا تزال هي المدبرة له غذاء من الثدي وبعده مما به قوامه من الأغذية. ولها ثلاث قوى: المولدة، والمربية، والحافظة. ويخدم الثلاث أربع قوى: الجاذبة، والماسكة، والهاضمة، والدافعة.

١١- حكم ديمقريطيس: وهو من الحكماء المعتبرين في زمان بهمن بن اسفنديار، وهو وبقراط كانا في زمان واحد قبل أفلاطون، وله آراء في الفلسفة، وخصوصا في مبادئ الكون والفساد. وكان أرسطوطاليس يؤثر قوله على قول أستاذه أفلاطون الإلهي، وما أنصف.

انا في زمان واحد قبل أفلاطون، وله آراء في الفلسفة، وخصوصا في مبادئ الكون والفساد. وكان أرسطوطاليس يؤثر قوله على قول أستاذه أفلاطون الإلهي، وما أنصف.

قال ديمقريطيس: إن الجمال الظاهر يشبه به المصورون بالأصباغ، ولكن الجمال الباطن لا يشبه به إلا من هو له بالحقيقة، وهو مخترعه ومنشئه. وقال: ليس ينبغي أن تعد نفسك من الناس ما دام الغيظ يفسد رأيك، ويتبع شهوتك. وقال: ليس ينبغي أن يمتحن الناس في وقت ذلتهم, بل في وقت عزتهم وملكهم، وكما أن الكير يمتحن به الذهب، كذلك الملك يمتحن به الإنسان، فيتبين خيره وشره. وقال: ينبغي أن تأخذ في العلوم بعد أن تنفي عن نفسك العيوب وتعودها الفضائل، فإنك إن لم تفعل هذا لم تنتفع بشيء من العلوم. وقال: من أعطى أخاه المال فقد أعطاه خزائنه، ومن أعطاه علمه ونصيحته فقد وهب له نفسه. وقال: لا ينبغي أن تعد النفع الذي فيه الضرر العظيم نفعا، ولا الضرر الذي فيه النفع العظيم ضررا، ولا الحياة التي لا تحمد أن تعد حياة. وقال: مثل من قنع بالاسم، كمثل من قنع عن الطعام بالرائحة. وقال: عالم معاند خير من جاهل منصف. وقال: ثمرة الغرة التواني، وثمرة التواني الشقاء، وثمرة الشقاء ظهور البطالة، وثمرة البطالة السفه، والعبث، والندامة، والحزن. وقال: يجب على الإنسان أن يطهر قلبه من المكر والخديعة، كما يطهر بدنه من أنواع الخبث. وقال: لا تطمع أحدا أن يطأ عقبك اليوم، فيطأك غدا. وقال: لا تكن حلوا جدا لئلا تبلع، ولا مرا جدا لئلا تلفظ. وقال: ذنب الكلب يكسب له الطعام، وفمه يكسب له الضرب.

تطمع أحدا أن يطأ عقبك اليوم، فيطأك غدا. وقال: لا تكن حلوا جدا لئلا تبلع، ولا مرا جدا لئلا تلفظ. وقال: ذنب الكلب يكسب له الطعام، وفمه يكسب له الضرب.

وكان بأثينية نقاش غير حاذق، فأتى ديمقريطيس. وقال: جصص بيتك فأصوره، قال: صوره أو لا حتى أجصصه. وقال: مثل العلم مع من لا يقبل وإن قبل لا يعمل، كمثل دواء مع سقيم وهو لا يداوي به. وقيل له: لا تنظر، فغمض عينيه، قيل له: لا تسمع، فسد أذنيه، قيل له: لا تتكلم، فوضع يده على شفتيه، قيل له: لا تعلم، قال: لا أقدر, وإنما أراد به أن البواطن لا تندرج تحت الاختيار، فأشار إلى ضرورة السر، واختيار الظاهر. ولما كان الإنسان مضطر الحدوث كان معزول الولاية عن قلبه، وهو بقلبه أكبر منه بسائر جوارحه، فلهذا لم يستطع أن يتصرف في أصله، لاستحالة أن يكون فاعل أصله. ولهذا الكلام شرح آخر، وهو أنه أراد التمييز بين العقل والحس، فإن الإدراك العقلي لا يتصور الانفكاك عنه، وإذا حصل لن يتصور نسيانه بالاختيار والإعراض عنه، بخلاف الإدراك الحسي. وهذا يدل على أن العقل ليس من جنس الحس، ولا النفس من حيز البدن. وقد قيل: إن الاختيار في الإنسان مركب من انفعالين: أحدهما: انفعال نقيصة، والثاني: انفعال تكامل، وهو إلى الانفعال الأول أميل بحكم الطبيعة والمزاج، والآخر ضعيف فيه إلا إذا وصل إليه مدد من جهة العقل والتمييز والنطق، فينشئ الرأي الثاقب، ويحدث الحزم الصائب، فيحب الحق، ويكره الباطل؛ فمتى وقف هذا المدد من القوة الاختيارية كانت الغلبة للانفعال الآخر، ولولا تركب الاختيار عن هذين الانفعالين أو انقسامه إلى هذين الوجهين، لتأتي للإنسان جميع ما يقصده بالاختيار، بلا مهلة ولا ترجح، ولا هنية ولا تريح، ولا استشارة ولا استخارة. وهذا الرأي الذي رآه هذا الحكيم لم أجد أحدا أبه١ له ولا عثر عليه، أو حكم به أو أومأ إليه. والله ﷾ أعلم.

١٢- حكم أوقليدس: وهو أول من تكلم في الرياضيات وأفرده علما نافعا في العلوم، منقحا للخاطر، ملقحا للفكر. وكتابه معروف باسمه، وكذلك حكمته. وقد وجدنا له حكما متفرقة، فأوردناها على سوق مرامنا، وطرد كلامنا. فمن ذلك قوله الخط هندسة روحانية ظهرت بآلة جسمانية. وقال له رجل يتهدده: إني لا آلو جهدا في أن أفقدك حياتك، قال أوقليدس: وأنا لا آلو جهدا في أن أفقدك غضبك. وقال: كل أمر تصرفنا فيه وكانت النفس الناطقة هي المقدرة له فهو داخل في الأفعال الإنسانية، وما لم تقدره النفس الناطقة فهو داخل في الأفعال البهيمية. وقال: من أراد أن يكون محبوبه محبوبك وافقك على ما تحب، فإذا اتفقتما على محبوب واحد صرتما إلى الاتفاق. وقال: إفزع إلى ما يشبه الرأي العام التدبيري العقلي، واتهم ما سواه. وقال: كل ما أستطيع خلعه ولم يضطر إلى لزومه المرء, فلم الإقامة على مكروهه؟ وقال: الأمور جنسان: أحدهما يستطاع خلعه والمصير إلى غيره، والآخر توجيه الضرورة فلا يستطاع الانتقال عنه، والاغتمام والأسف على كل واحد منهما غير سائغ في الرأي. وقال: إن كانت الكائنات من المضطرة, فما الاهتمام بالمضطر إذ لا بد منه؟ وإن كانت غير مضطرة فلم الهم فيما يجوز الانتقال عنه؟ وقال: الصواب إذا كان عاما كان أفضل، لأن الخاص يقع بالتحري وتلقاء أمر ما. وقال: العمل على الإنصاف ترك الإقامة على المكروه، وقال: إذا لم يضطرك إلى الإقامة عليه شيء فإن أقمت رجعت باللائمة عليك.

خاص يقع بالتحري وتلقاء أمر ما. وقال: العمل على الإنصاف ترك الإقامة على المكروه، وقال: إذا لم يضطرك إلى الإقامة عليه شيء فإن أقمت رجعت باللائمة عليك.

وقال: الحزم هو العمل على أن لا تثق بالأمور التي في الإمكان عسرها ويسرها. وقال: كل فائت وجدت في الأمور منه عوضا أو أمكنك اكتساب مثله، فما الأسف على فوته؟ وإن لم يكن منه عوض ولا يصاب له مثل، فما الأسف على ما لا سبيل إلى مثله والإمكان في دفعه. وقال: لما علم العاقل أنه لا ثقة بشيء من أمر الدنيا ألقى منها ما منه بد, واقتصر على ما لا بد منه، وعمل فيما يوثق به بأبلغ ما قدر عليه. وقال: إذا كان الأمر تمكنا فيه التصرف فوقع بحال ما تحب فاعتده ربحا، وإن وقع بحال ما تكره فلا تحزن، فإنك قد كنت عجلت فيه على غير ثقة بوقوعه على ما تحب. وقال: لم أر أحدا إلا ذاما للدنيا وأمورها إذ هي على ما هي من التغير والتنقل، فالمستكثر منها يلحقه أن يكون أشد اتصالا بما يذم، وإنما يذم الإنسان ما يكره، والمستقل منها مستقل مما يكره، وإذا أستقل مما يكره كان ذلك أقرب إلى ما يحب. وقال: أسوأ الناس حالا من لا يثق بأحد لسوء ظنه، ولا يثق به أحد لسوء فعله. وقال: الجشع بين شرين، فالإعدام يخرجه إلى السفه، والجدة تخرجه إلى الأشر١. وقال: لا تعن أخاك على أخيك في خصومة، فإنهما يصطلحان عن قليل وتكتسب المذمة.

وقال: الجشع بين شرين، فالإعدام يخرجه إلى السفه، والجدة تخرجه إلى الأشر١. وقال: لا تعن أخاك على أخيك في خصومة، فإنهما يصطلحان عن قليل وتكتسب المذمة.

١٣- حكم بطلميوس: وهو صاحب المجسطى الذي تكلم في هيئات الفلك، وأخرج علم الهندسة من القوة إلى الفعل. فمن حكمه أنه قال: ما أحسن الإنسان أن يصبر عما يشتهي، وأحسن منه أن لا يشتهي إلا ما ينبغي. وقال: الحليم الذي إذا صدق صبر، لا الذي إذا قذف كظم. وقال: لمن يغني الناس ويسأل أشبه بالملوك ممن يستغني بغيره ويسأل. وقال: لان يستغني الإنسان عن الملك أكرم له من أن يستغني به. وقال: موضع الحكمة من قلوب الجهال، كموقع الذهب والجوهر من ظهر الحمار. وسمع جماعة من أصحابه وهم حول سرادقه يقعون فيه ويثلبونه١، فهز رمحا كان بين يديه، ليعلموا أنهم بمسمع منهم، وأن يتباعدوا عن قيد رمح، ثم يقولوا ما أحبوا. وقال: العلم في موطنه كالذهب في معدنه لا يستنبط إلا بالدءوب، والتعب، والكد، والنصب، ثم يجب تخليصه بالفكر، كما يخلص الذهب بالنار. وقال بطلميوس: دلالة القمر في الأيام أقوى, ودلالة الشمس والزهرة في الشهور أقوى، ودلالة المشتري وزحل في السنين أقوى. ومما نقل عنه أنه قال: نحن كائنون في الزمن الذي يأتي بعد، وهذا رمز إلى المعاد، إذ الكون والوجود الحقيقي: ذلك الكون، والوجود في ذلك العالم.

سنين أقوى. ومما نقل عنه أنه قال: نحن كائنون في الزمن الذي يأتي بعد، وهذا رمز إلى المعاد، إذ الكون والوجود الحقيقي: ذلك الكون، والوجود في ذلك العالم.

١٤- حكم أهل المظال: ومنهم: خروسيبس وزينون وقولهما الخالص: إن الباري تعالى المبدع الأول: واحد محض هو، إن فقط، أبدع العقل والنفس دفعة واحدة، ثم أبدع جميع ما تحتهما بتوسطهما، وفي بدء ما أبدعهما، أبدعهما جوهرين لا يجوز عليهما الدثور والفناء. وذكروا أن للنفس جرمين: جرم من النار والهواء، وجرم من الماء والأرض، فالنفس متحدة بالجرم الذي من النار والهواء، والجرم الذي من النار والهواء متحد بالجرم الذي من الماء والأرض، والنفس تظهر أفاعيلها في ذلك الجرم، وذلك الجرم ليس له طول ولا عرض، ولا قدر مكاني. وباصطلاحنا سميناه جسما، وأفاعيل النفس فيه نيرة بهية. ومن الجسم إلى الجرم ينحدر النور، والحسن، والبهاء ولما ظهرت أفاعيل النفس عندنا بمتوسطين، كانت أظلم، ولم يكن لها نور شديد. وذكروا أن النفس إذا كانت طاهرة زكية استخصت الأجزاء النارية والهوائية، وهي جسمها، واستصحبت في ذلك العالم جسما روحانيا، نورانيا، علويا، طاهرا، مهذبا من كل ثقل وكدر. وأما الجرم الذي من الماء والأرض فيدثر ويفنى، لأنه غير مشاكل للجسم السماوي، لأن ذلك الجسم خفيف، لطيف، لا وزن له، ولا يلمس، وإنما يدرك من البصر فقط، كما تدرك الأشياء الروحانية من العقل، فألطف ما يدرك الحس البصري من الجواهر هي النفسانية، وألطف ما يدرك من إبداع الباري تعالى الآثار التي عند العقل. وذكروا أن النفس ما هي مستطيعة، ما خلاها الباري تعالى أن تفعل، وإذا ربطها فليست بمستطيعة، كالحيوان الذي إذا خلاه مدبره أعني الإنسان كان مستطيعا في كل ما دعي إليه، وتحرك إليه، وإذا ربطه لم يقدر حينئذ أن يكون مستطيعا. وذكروا أن دنس النفس وأوساخ الجسد إنما تكون لازمة للإنسان من جهة

الأجزاء. وأما التطهير والتهذيب فمن جهة الكل، لأنه إذا انفصلت النفس الكلية إلى النفس الجزئية والعقل الجزئي من العقل الكلي غلظت، وصارت من حيز الجرم، لأنها كلما سفلت اتحدت بالجرم، والجرم من حيز الماء والأرض، وهما ثقيلان يذهبان سفلا. وكلما اتصلت النفس الجزئية بالنفس الكلية، والعقل الجزئي بالعقل الكلي ذهبت علوا، لأنها تتحد بالجسم، والجسم من حيز النار والهواء، وكلاهما لطيفان، يذهبان علوا. وهذان الجرمان مركبان، وكل واحد منهما من جوهرين. واجتماع هذين الجرمين يوجب الاتحاد شيئا واحدا عند الحس البصري، فأما عند الحواس الباطنة، وعند العقل فليست شيئا واحدا، فالجسم في هذا العالم مستبطن في الجرم، لأنه أشد روحانية، ولأن هذا العالم ليس مشاكلا له، ولا مجانسا له، والجرم مشاكل ومجانس لهذا العالم، فصار الجرم أظهر من الجسم لمجانسة هذا العالم وتركيبه، وصار الجسم مستبطنا في الجرم، لأن هذا العالم غير مشاكل له، وغير مجانس له. فإما في ذلك العالم فالجسم ظاهر على الجرم، لأن ذلك العالم عالم الجسم، لأنه مجانس، ومشاكل له، ويكون لطيف الجرم الذي هو من لطيف الماء والأرض المشاكل لجوهر النار والهواء مستبطنا في الجسم، كما كان الجسم مستبطنا في هذا العالم في الجرم. فإذا كان هذا فيما ذكروا هكذا كان ذلك الجسم باقيا دائما، لا يجوز عليه الدثور، ولا الفناء، ولذته دائمة، لا تملها النفوس ولا العقول، ولا ينفد ذلك السرور والحبور. ونقلوا عن أفلاطون أستاذهم: لما كان الواحد لا بدء له، صار نهاية كل متناه، وإنما صار الواحد لا نهاية له، لأنه لا بدء له، لا أنه لا بدء له لأنه لا نهاية له. وقال: ينبغي للمرء أن ينظر كل يوم إلى وجهه في المرآة، فإن كان قبيحا لم يفعل قبيحا، فيجمع بين قبيحين، وإن كان حسنا لم يشنه بقبيح.

وقال: إنك لن تجد الناس إلا أحد رجلين: إما مؤخرا في نفسه قدمه حظه، أو مقدما في نفسه آخره دهره، فارض بما أنت فيه اختيارا، وإلا رضيت اضطرارا.

ه بقبيح.

وقال: إنك لن تجد الناس إلا أحد رجلين: إما مؤخرا في نفسه قدمه حظه، أو مقدما في نفسه آخره دهره، فارض بما أنت فيه اختيارا، وإلا رضيت اضطرارا.

الفصل الثالث: متآخرو حكماء اليونان رأي أرسطوطاليس بن نيقوماخوس ... الفصل الثالث: متأخرو حكماء اليونان وهم الحكماء الذين تلوهم في الزمان، وخالفوهم في الرأي، مثل أرسطو طاليس ومن تابعه على رأيه، مثل: الإسكندر الرومي، والشيخ اليوناني، وديوجانس الكلبي وغيرهم، وكلهم على رأى أرسطو طاليس في المسائل التي تفرد بها عن القدماء. ونحن نذكر من آرائه ما يتعلق بغرضنا من المسائل التي شرع فيها الأوائل وخالفهم المتأخرون. ونحصرها في ست عشرة مسألة. وبالله التوفيق. ١- رأى أرسطوطاليس بن نيقوماخوس: من أهل أسطاخرا، وهو المقدم المشهور، والمعلم الأول، والحكيم المطلق عندهم. وكان مولده في أول سنة من ملك أردشير بن دارا، فلما أتت عليه سبع عشرة سنة أسلمه أبوه إلى المؤدب أفلاطون فمكث عنده نيفا وعشرين سنة. وإنما سموه المعلم الأول، لأنه واضع التعاليم المنطقية ومخرجها من القوة إلى الفعل، وحكمه حكم واضع النحو، وواضع العروض فإن نسبة المنطق إلى المعاني التي في الذهن كنسبة النحو إلى الكلام، والعروض إلى الشعر. وهو واضع، لا بمعنى أنه لم تكن المعاني مقومة بالمنطق قبله فقومها، بل بمعنى أنه جرد آلته عن المادة فقومها تقريبا إلى أذهان المتعلمين، حتى يكون كالميزان عندهم، يرجعون إليه عند اشتباه الصواب بالخطأ، والحق بالباطل. إلا أنه أجمل القول فيه إجمال الممهدين، وفصله المتأخرون تفصيل الشارحين. وله حق السبق، وفضيلة التمهيد. وكتبه في الطبيعيات، والإلهيات، والأخلاق، معروفة، ولها شروح كثيرة.

فيه إجمال الممهدين، وفصله المتأخرون تفصيل الشارحين. وله حق السبق، وفضيلة التمهيد. وكتبه في الطبيعيات، والإلهيات، والأخلاق، معروفة، ولها شروح كثيرة.

ونحن اخترنا في نقل مذهبه شرح "ثامسطيوس" الذي اعتمده مقدم المتأخرين ورئيسهم: أبو علي بن سينا، وأوردنا نكتا١ من كلامه في الإلهيات، وأحلنا باقي مقالاته في المسائل على نقل المتأخرين، إذ لم يخالفوه في رأي، ولا نازعوه في حكم، بل هم كالمقلدين له، المتهالكين عليه، وليس الأمر على ما مالت ظنونهم إليه. المسألة الأولى: في إثبات واجب الوجود الذي هو المحرك الأول. قال في كتاب "أثولوجيا" من حرف اللام إن الجوهر يقال على ثلاثة أضرب: اثنان طبيعيان، وواحد غير متحرك. قال: إنا وجدنا المتحركات على اختلاف جهاتها وأوضاعها، ولا بد لكل متحرك من محرك، فإما أن يكون المحرك متحركا، فيتسلسل القول فيه، ولا يتحصل، وإلا فيستند إلى محرك غير متحرك. ولا يجوز أن يكون فيه معنى ما بالقوة، فإنه يحتاج إلى شيء آخر يخرجه من القوة إلى الفعل، إذ هو لا يتحرك من ذاته من القوة إلى الفعل، فالفعل إذن أقدم من القوة، وما بالفعل أقدم على ما بالقوة،. وكل جائز وجوده ففي طبيعته معنى ما بالقوة، وهو الإمكان والجواز فيحتاج إلى واجب به يجب، وكذلك كل متحرك فيحتاج إلى محرك، فواجب الوجود بذاته: ذات وجودها غير مستفاد من وجود غيره، وكل موجود فوجوده مستفاد عنه بالفعل. وجائز الوجود له في نفسه وذاته الإمكان، وذلك إذا أخذته بلا شرط، وإذا أخذته بشرط علته فله الوجوب، وإذا أخذته بشرط لا علية فله الامتناع.

المسألة الثانية: في أن واجب الوجود واحد: أخذ أرسطوطاليس يوضح أن المبدأ الأول واحد من حيث إن العالم واحد، ويقول: إن الكثرة بعد الاتفاق في الحد ليست إلا في كثرة العنصر، وأما ما هو بالآنية الأولى فليس له عنصر، لأنه تمام، قائم بالفعل. لا يخالط القوة، فإذا المحرك الأول واحد بالكلمة والعدد، أي بالاسم والذات. قال: فمحرك العالم واحد، لأن العالم واحد. هذا نقل ثامسطيوس. وأخذ من نصر مذهبه يوضح أن المبدأ الأول واحد من حيث إنه واجب الوجود لذاته، قال ولو كان كثيرا لحمل واجب الوجود عليه وعلى غيره بالتواطؤ، فيشملها جنسا، وينفصل أحدهما عن الآخر نوعا، فتتركب ذاته من جنس وفصل، فتسبق أجزاء المركب على المركب سبقا بالذات، فلا يكون واجبا بذاته. ولأنه لو لم يكن هو بعينه واجب الوجود لذاته لا لشيء عنه بل لأمر خارج عنه واجب بذاته لكان واجب الوجود بذلك الأمر الخارج، فلم يكن واجبا بذاته هذا خلف. المسألة الثالثة: في أن واجب الوجود لذاته: عقل لذاته، وعاقل ومعقول لذاته، عقل من غيره، أو لم يعقل. أما أنه عقل، فلأنه مجرد عن المادة، منزه عن اللوازم المادية، فلا تحتجب ذاته عن ذاته. وأما أنه عاقل لذاته، فلأنه مجرد لذاته. وأما أنه معقول لذاته، فلأنه غير محجوب عن ذاته بذاته أو بغيره. قال: الأول يعقل ذاته. ثم من ذاته يعقل كل شيء، فهو يعقل العالم العقلي دفعة واحدة، من غير احتياج إلى انتقال وتردد من معقول إلى معقول، وأنه ليس يعقل الأشياء

الأول يعقل ذاته. ثم من ذاته يعقل كل شيء، فهو يعقل العالم العقلي دفعة واحدة، من غير احتياج إلى انتقال وتردد من معقول إلى معقول، وأنه ليس يعقل الأشياء

على أنها أمور خارجة عنه فيعقلها منها كحالنا عند المحسوسات, بل يعقلها من ذاته، وليس كونه عاقلا وعقلا بسبب وجود الأشياء المعقولة، حتى يكون وجودها قد جعله عقلا، بل الأمر بالعكس، أي عقله للأشياء جعلها موجودة. وليس للأول شيء يكمله، فهو الكامل لذاته، المكمل لغيره، فلا يستفيد وجوده من وجود كمالا. وأيضا فإنه لو كان يعقل الأشياء من الأشياء، لكان وجودها متقدما على وجوده، ويكون جوهره في نفسه، وفي قوامه، وفي طباعه أن يقبل معقولات الأشياء من الأشياء، فيكون في طباعه ما هو بالقوة من حيث يكمل بما هو خارج عنه، حتى يقال: لولا ما هو خارج عنه لم يكن له ذلك المعنى، وكان فيه عدمها، فيكون الذي له في طباع نفسه وباعتبار نفسه من غير إضافة إلى غيره أن يكون عادما للمعقولات، ومن شأنه أن يكون له ذلك، فيكون باعتبار نفسه مخالطا للإمكان والقوة. وإذا فرضنا أنه لم يزل ولا يزال موجودا بالفعل، فيجب أن يكون له من ذاته الأمر الأكمل الأفضل لا من غيره. قال: وإذا عقل ذاته عقل ما يلزمها لذاتها بالفعل، وعقل كونه مبدأ، وعقل كل ما يصدر عنه على ترتيب الصدور عنه، وإلا فلم يعقل ذاته بكنهها. قال: وإن كان ليس يعقل بالفعل، فما الشيء الكريم الذي له وهو الكون الناقص كماله؟! فيكون حاله كحال النائم، وإن كان يعقل الأشياء من الأشياء فتكون الأشياء متقدمة عليه بتقدم ما يقبله ذاته، وإن كان يعقل الأشياء من ذاته فهو المرام والمطلب. وقد يعبر عن هذا الغرض بعبارة أخرى تؤدي قريبا من هذا المعنى، فيقول إن كان جوهره العقل وأن يعقل، فإما أن يعقل. ذاته، أو غيره، فإن كان يعقل شيئا آخر فما هو في حد ذاته غير مضاف إلى ما يعقله؟ وهل لهذا المعتبر بنفسه فضل وجلال مناسب لأن يعقل، بأن يكون بعض الأحوال أن يعقل له أفضل من أن لا يعقل؟ أو بأن لا يعقل يكون له أفضل من أن يعقل؟ فإنه لا يمكن القسم الآخر وهو أن يكون يعقل الشيء الآخر، أفضل من الذي له

لأحوال أن يعقل له أفضل من أن لا يعقل؟ أو بأن لا يعقل يكون له أفضل من أن يعقل؟ فإنه لا يمكن القسم الآخر وهو أن يكون يعقل الشيء الآخر، أفضل من الذي له

في ذاته من حيث هو في ذاته, شيء يلزمه أن يعقل، فيكون فضله وكماله بغيره. وهذا محال. المسألة الرابعة: في أن واجب الوجود لا يعتريه تغيير وتأثر من غيره، بأن يبدع أو يعقل. قال: الباري تعالى عظيم الرتبة جدا غير محتاج إلى غيره، ولا متغير بسبب من غيره, سواء كان التغير زمانيا، أو كان تغيرا بأن ذاته تقبل من غيره أثرا وإن كان دائما في الزمان. وإنما لا يجوز له أن يتغير كيفما كان، لأن انتقاله إنما يكون إلى الشر لا إلى الخير، لأن كل رتبة غير رتبته فهي دون رتبته، وكل شيء يناله ويوصف به فهو دون نفسه، ولا يكون أيضا مناسبا للحركة، خصوصا إن كانت بعدية زمانية. وهذا معنى قوله: إن التغير إلى الشيء الذي هو شر. وقد ألزم على كلامه: أنه إذا كان الأول يعقل أبدا ذاته، فإنه يتعب، ويكل، ويتغير، ويتأثر. وأجاب ثامسطيوس عن هذا بأنه إنما لا يتعب، لأنه يعقل ذاته، وكما لا يتعب من أن يحب ذاته فإنه لا يتعب من أن يعقل ذاته. قال أبو الحسين بن عبد الله بن سينا: ليست العلة أنه لذاته يعقل. أو لذاته يحب، بل لأنه ليس مضادا لشيء في الجوهر العاقل، فإن التعب هو أذى يعرض لسبب خروج عن الطبيعة، وإنما يكون ذلك إذا كانت الحركات التي تتوالى مضادة لمطلوب الطبيعة، فأما الشىء الملائم واللذيذ المحض الذي ليس فيه منافاة بوجه, فلم يجب أن يكون تكرره متعبا.

المسألة الخامسة: في أن واجب الوجود حي بذاته باق بذاته، أي كامل في أن يكون بالفعل مدركا لكل شيء، نافذ الأمر في كل شيء. وقال: إن الحياة التي عندنا يقترن بها من إدراك خسيس، وتحريك خسيس، وأما هناك فالمشار إليه بلفظ الحياة: هو كون العقل التام بالفعل الذي يتعقل من ذاته كل شيء، وهو باق الدهر أزلي، فهو حي بذاته، باق بذاته. عالم بذاته. وإنما ترجع جميع صفاته إلى ما ذكرنا، من غير تكثر، ولا تغير في ذاته. المسألة السادسة: في أنه لا يصدر عن الواحد إلا واحد قال: الصادر الأول هو العقل الفعال، لأن الحركات إذا كانت كثيرة، ولكل متحرك، فيجب أن يكون عدد المحركات بحسب عدد المتحركات، فلو كانت المحركات والمتحركات تنسب إليه لا على ترتيب أول وثان، بل جملة واحدة، لتكثرت جهات ذاته بالنسبة إلى محرك محرك، ومتحرك متحرك، فتتكثر ذاته. وقد أقمنا البرهان على أنه واحد من كل وجه، فلن يصدر عن الواحد من كل وجه إلا واحد وهو العقل الفعال. وله في ذاته وباعتبار ذاته إمكان الوجود، وباعتبار علته وجوب الوجود، فتتكثر ذاته لا من جهة علته، فيصدر عنه شيئان. ثم يزيد التكثر في الأسباب، فتتكثر المسببات، والكل ينسب إليه.

ه إمكان الوجود، وباعتبار علته وجوب الوجود، فتتكثر ذاته لا من جهة علته، فيصدر عنه شيئان. ثم يزيد التكثر في الأسباب، فتتكثر المسببات، والكل ينسب إليه.

المسألة السابعة: في عدد المفارقات قال: إذا كان عدد المتحركات مرتبا على عدد المحركات، فتكون الجواهر المفارقة كثيرة، على ترتيب أول وثان. فلكل كرة متحركة محرك مفارق غير متناهي القوة يحرك كما يحرك المشتهي والمعشوق، ومحرك آخر مزاول للحركة، فيكون صورة للجرم السماوي، فالأول عقل مفارق، والثاني نفس مزاول، فالمحركات المفارقة تحرك على أنها مشتهاة معشوقة، والمحركات المزاولة تحرك على أنها مشتهية عاشقة. ثم يطلب عدد المحركات من عدد حركات الأكر١. وذلك شيء لم يكن ظاهرا في زمانه، وإنما ظهر بعد. والأكر تسع، لما دل الرصد عليها، فالعقول المفارقة عشرة: تسعة منها مدبرات النفوس التسعة المزاولة، وواحد هو العقل الفعال. المسألة الثامنة: في أن الأول مبتهج بذاته قال أرسطوطاليس: اللذة في المحسوسات هو الشعور بالملائم، وفي المعقولات الشعور بالكمال الواصل إليه من حيث يشعر به. فالأول مغتبط بذاته، ملتذ بها، لأنه يعقل ذاته على كمال حقيقتها وشرفها، وإن جل عن أن ينسب إليه لذة انفعالية. بل يجب أن يسمي ذلك بهجة، وعلاء، وبهاء. كيف ونحن نلتذ بإدراك الحق، ونحن مصروفون عنه، مردودون في قضاء حاجات خارجة عما يناسب حقيقتنا التي نحن بها ناس، وذلك لضعف عقولنا، وقصورنا في المعقولات، وانغماسنا في الطبيعة البدنية، لكنا نتوصل على سبيل الاختلاس فيظهر لنا اتصال بالحق الأول، فيكون كسعادة عجيبة في زمان قليل جدا، وهذه الحال له أبدا، وهو لنا غير ممكن، لأنا مذنبون، ولا يمكننا أن نشيم٢ تلك البارقة الإلهية إلا خطفه وخلسة.

أول، فيكون كسعادة عجيبة في زمان قليل جدا، وهذه الحال له أبدا، وهو لنا غير ممكن، لأنا مذنبون، ولا يمكننا أن نشيم٢ تلك البارقة الإلهية إلا خطفه وخلسة.

المسألة التاسعة: في صدور نظام الكل، وترتيبه عنه قال: قد بينا أن الجوهر يقال على ثلاثة أضرب: اثنان طبيعيان، وواحد غير متحرك. وقد بينا القول في الواحد غير المتحرك، وأما الاثنان الطبيعيان فهما: الهيولى والصورة، أو العنصر والصورة، وهما مبدأ الأجسام الطبيعية. وأما العدم فيعد من المبادئ بالعرض لا بالذات. فالهيولى جوهر قابل للصورة، والصورة معنى ما يقترن بالجوهر فيصير به نوعا، كالجزء المقوم له لا كالعرض الحال فيه، والعدم ما يقابل الصورة، فإنا متى توهمنا أن الصورة لم تكن فيجب أن يكون في الهيولى عدم الصورة. والعدم المطلق مقابل للصورة المطلقة، والعدم الخاص مقابل للصورة الخاصة. قال: وأول الصورة التي تسبق إلى الهيولى هي الأبعاد الثلاثة فتصير جرما ذا طول, وعرض, وعمق، وهي الهيولى الثانية، وليست بذات كيفية. ثم تلحقها الكيفيات الأربع التي هي: الحرارة والبرودة الفاعلتان، والرطوبة واليبوسة المنفعلتان. فتصير الأركان والأسطقسات الأربعة التي هي: النار والهواء، والماء والأرض، وهي الهيولى الثالثة. ثم تتكون منها المركبات التي تلحقها الأعراض والكون والفساد، ويكون بعضها هيولى بعض. قال: وإنما رتبنا هذا الترتيب في العقل والوهم خاصة دون الحس، وذلك أن الهيولى عندنا لم تكن معراة عن الصورة قط، فلم نقدر في الوجود جوهرا مطلقا قابلا للأبعاد ثم لحقته الأبعاد، ولا جسما عاريا عن هذه الكيفيات ثم عرض له ذلك، وإنما هو عند نظرنا فيما هو أقدم بالطبع، وأبسط في الوهم والعقل. ثم أثبت طبيعة خامسة وراء هذه الطبائع لا تقبل الكون والفساد، ولا يطرأ عليها الاستحالة والتغير، وهي طبيعة السماء. وليس يعني بالخامسة طبيعة من جنس هذه الطبائع، بل معنى ذلك أن طبائعها خارجة عن هذه. ثم هي كلها على تركيبات يختص كل تركيب خاص بطبيعة خاصة، ويتحرك بحركة خاصة. ولكل متحرك محرك مزاول، ومحرك

مفارق. والمتحركات أحياء ناطقون، والحيوانية والناطقية لها بمعنى آخر، وإنما يحمل ذلك عليها وعلى الإنسان باشتراك. فترتيب العالم كله: علوية وسفلية على نظام واحد، وصار النظام في الكل محفوظا بعناية المبدإ الأول على أحسن ترتيب وأحكم قوام، متوجها إلى الخير. وترتيب الموجودات كلها في طباع الكل على نوع نوع ليس على ترتيب المساواة، فليس حال السباع كحال الطير، ولا حالها كحال النبات، ولا حال النبات كحال الحيوان. قال: وليس مع هذا التفاوت منقطعا بعضها عن بعض بحيث لا ينسب بعضها إلى بعض، بل هناك مع الاختلاف اتصال وإضافة جامعة للكل، تجمع الكل إلى الأصل الأول الذي هو المبدأ لفيض الجود والنظام في الوجود، على ما يمكن في طباع الكل أن يترتب عنه. قال: وترتيب الطباع في الكل كترتيب المنزل الواحد من الأرباب، والأحرار، والعبيد، والبهائم، والسباع، فقد جمعهم صاحب المنزل، ورتب لكل واحد منهم مكانا خاصا، وقدر له عملا خاصا. ليس قد أطلق لهم أن يعملوا ما شاءوا وأحبوا، فإن ذلك يؤدي إلى تشويش النظام. فهم وإن اختلفوا في مراتبهم، وانفصل بعضهم عن بعض بأشكالهم وصورهم منتسبون إلى مبدإ واحد، صادرون عن رأيه وأمره، مصرفون تحت حكمه وقدره، فكذلك تجري الحال في العالم، بأن يكون هناك أجزاء أول مفردة متقدمة لها أفعال مخصوصة، مثل السماوات، ومحركاتها، ومدبراتها، وما قبلها من العقل الفعال. وأجزاء مركبة متأخرة تجري أكثر أمورها على الاتفاق المخلوط بالطبع والإرادة, والجبر الممزوج بالاختيار. ثم ينسب الكل إلى عناية الباري جلت عظمته. المسألة العاشرة: في أن النظام في الكل متوجه إلى الخير، والشر واقع في القدر بالعرض. قال: لما اقتضت الحكمة الإلهية نظام العالم على أحسن إحكام وإتقان، لا لإرادة وقصد أمر في السافل حتى يقال: إنما أبدع العقل مثلا لغرض في السافل، حتى يفيض

ال: لما اقتضت الحكمة الإلهية نظام العالم على أحسن إحكام وإتقان، لا لإرادة وقصد أمر في السافل حتى يقال: إنما أبدع العقل مثلا لغرض في السافل، حتى يفيض

مثلا على السافل فيضا، بل لأمر أعلى من ذلك، وهو أن ذاته أبدع ما أبدع لذاته لا لعلة ولا لغرض، فوجدت الموجودات كاللوازم واللواحق، ثم توجهت إلى الخير، لأنها صادرة عن أصل الخير، وكان المصير في كل حال إلى رأس واحد. ثم ربما يقع شر وفساد من مصادمات في الأسبات السافلة دون العالية التي كلها خير. مثل المطر الذي لم يخلق إلا خيرا ونظاما للعالم، فيتفق أن يخرب به بيت عجوز، فإن وقع كان ذلك واقعا بالعرض لا بالذات، أو بأن لا يقع شر جزئي في العالم لا تقتضي الحكمة أن لا يوجد خير كلي, فإن فقدان المطر أصلا شر كلي، وتخريب بيت عجوز شر جزئي، والعالم للنظام الكلي لا الجزئي، فالشر إذن واقع في القدر بالعرض. وقال: إن الهيولى قد لبست الصور على درجات ومراتب، وإنما يكون لكل درجة ما تحتمله في نفسها دون أن يكون في الفيض الأعلى إمساك عن بعض، وإفاضة على بعض. فالدرجة الأولى احتمالها على نحو أفضل، والثانية دون ذلك. والذي عندنا من العناصر دون الجميع، لأن كل ماهية من ماهيات هذه الأشياء إنما تحتمل ما تستطيع أن تلبس من الفيض على النحو الذي هيئت له، ولذلك تقع العاهات والتشويهات في الأبدان، لما يلزم من ضرورة المادة الناقصة التي لا تقبل الصورة على كمالها الأول والثاني. قال: إنا لم نجز الأمور على هذا المنهاج ألجأتنا الضرورة إلى أن نقع في محالات وقع فيها من قبلنا كالثنوية وغيرهم. المسألة الحادية عشرة: في كون الحركات سرمدية، وأن الحوادث لم تزل قال: إن صدور الفعل عن الحق الأول إنما يتأخر لا بزمان، بل بحسب الذات. والفعل ليس مسبوقا بعدم، بل هو مسبوق بذات الفاعل فقط. ولكن القدماء لما أرادوا أن يعبروا عن العلية افتقروا إلى ذكر القبيلة. وكانت القبيلة في اللفظ تتناول الزمان

Bagian 9 dari 13