— Bagian 12 · سائر ولده حقباً بعد حقبٍ وقرناً بعد قرنٍ إلى مجي… —
Bagian 12
سائر ولده حقباً بعد حقبٍ وقرناً بعد قرنٍ إلى مجيء المسيح. وقد أبطلنا ذلك فيما تقدم وتلونا ما ورد في التوراة والإنجيل والمزامير مما يكذب هذه الدعوى٤.
وقد قالت التوراة: "إن الله / (٢/٩١/أ) قال لقابيل بن آدم: إن أحسنت تقبلت منك، وإن لم تحسن فإن الخطيئة رابضة ببابك أنت تقبل إليها وهي تتسلط عليك"١. فقد أخبرت التوراة أن في إحسان المحسن وقبول البر من الرجل البار مندوحة عن قتل المسيح وغيره. وقالت التوراة أيضاً: "أما هابيل فإنه يجزئ للواحد سبعة"٢. وفي ذلك مندوحة عن القتل والصلب إذ الجزاء خلاص وزيادة. وقال الله تعالى في المزامير: "طوبى للرجل الذي لم يتبع رأي المنافقين ولم يقف في طريق المستهزئين ولم يجالس الخاطئين لكن في ناموس الرّبّ هواه، يدرس ليلاً ونهاراً"٣. فقد شهد المزمور أن الاشتغال بقراءة كلام الله وعبادته مخلِّص لصاحبه وأن طوبى له. فلا حاجة إلى الخلاص بشيء آخر. وإلاّ فيلزم تكذيب داود في خبره عن الله تعالى. وقد قال التلاميذ للمسيح وسألوه: من العظيم في ملكوت الله تعالى؟ فقال: "من تواضع مثل الصبيان فهو العظيم في ملكوت الله"٤. قد أخبر المسيح أنه لا حاجة إلى قتل وصلب بل من تواضع لله ولم يتكبر كفاه الله وخلّصه. / (٢/٩١/ب) والعجب كيف تحكَّم النصارى بصحّة توبة آدم ويقولون: "إن ذريته مأخوذون بجريرته". وقد رووا في بعض نبوات أنبيائهم عن الله: "لا آخذ الولد بذنب والده، ولا الوالد بذنب ولده. طهارة الطاهر له
وبة آدم ويقولون: "إن ذريته مأخوذون بجريرته". وقد رووا في بعض نبوات أنبيائهم عن الله: "لا آخذ الولد بذنب والده، ولا الوالد بذنب ولده. طهارة الطاهر له
تكون وخطيئة الخاطئ عليه تكون"١. وذلك موافق لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ . [سورة الأنعام، الآية: ١٦٤] . والعجب كيف يثبتون عند سماع هذه القراءة ولا يستغربون ضحكاً؟! ولعمري ما بلغ أعداؤهم منهم ما بلغوا في أنفسهم في جعل مثل هذا السخف قرآناً يتلى. ٩١- فضيحة أخرى: النصارى يقرؤون في صلاة الساعة التاسعة: "يا من ذاق الموت من أجلنا في الساعة التاسعة إليك ابتهالنا، يا من سلّم نفسه إلى الآب لمّا علّق على الصليب لا تغفل عنا. يا مَن مِن أجلنا ولد من العذراء، واحتمل الموت، لا تخيّب من خلقت بيديك واقبل من والدتك الشفاعة فينا. ولا تنقض عهدك الذي عاهدت عليه إبراهيم وإسحاق ويعقوب"٢. وفي هذه الصلاة يقرؤون أيضاً: "لما رأت / (٢/٩٢/أ) الوالدة٣ الحمل والراعي ومخلّص العالم على الصليب قالت وهي باكية: "أما العالم ففرح٤ بقبوله الخلاص، وأما أحشائي فتلتهب عندما أنظر إلى صلبوتك يا بني". والغَيّ قولهم: "يا من ذاق الموت من أجلنا". قد بيّنا خُلُو هذه الدعوى عن الفائدة، وأن القتل والصلب وقع باطلاً؛ إذ٥ الخلاص الذي قتل لأجله لم يعرفوا له حقيقة ولا وقفوا من أمره على نبأ إلى الساعة. وما هو إلاّ عنقاء
مغرب١ يُسمع به ولا يُرى. على أن هذه القراءة مع أنها سبَّةُ٢ على قارئها ففيها تناقض لا يخفى على من تأمله. وذلك: أن أوّلها يشهد بأنه قتل وصلب وذاق الموت من أجل خلاصهم. وقد سمته أمه بزعمهم: "مخلص العالم". فما حاجتهم إلى التضرع إليه ألا يخيبهم ولا يغفل عنهم وأن يمدوا إليه بشفاعة والدته؟ أهم شاكون في خلاصهم بقتله وصلبه؟ أم يقولون إن الأب لم يفِ له فخسر نفسه ولم يحصل لهم خلاص؟!!. وأما قولهم: "ولا تنقض عهدك الذي عاهدت عليه إبراهيم / (٢/٩٢/ب) وإسحاق ويعقوب"، فذلك غلط من النصارى. إذ ما عاهد إبراهيمُ وإسحاقُ ويعقوبُ الأبَ. قد قال المسيح: "الله لم يره أحد قط". وعلى مقتضى هذه الصلاة المدبرة يكون المصلوب المُسَمَّر اليدين بالمسامير هو الأب الذي عاهد إبراهيم وإسحاق ويعقوب. والذي غلّط النصارى هَا هنا أفريم - من جهال سلفهم -: "إن اليدين التي جبلت طينة آدم هي التي علقت على الصليب. وإن الشبر الذي مسحت السماء هي التي سمرت في الخشبة". فأستغفر الله من حكاية أقوال هؤلاء الضلال. وأما قولهم: "إن والدة إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب واقفة تبكي تحت خشبته وتناديه يا بني وإلهي أحشائي تحترق لصلبك". فلو سمعه بعض المجان لاتّخذه من أظرف ما يمجن به. لأن حاصله أن ابنها إلهها الذي ولدته. وخالقها هو ولدها الذي أرضعته.
يا بني وإلهي أحشائي تحترق لصلبك". فلو سمعه بعض المجان لاتّخذه من أظرف ما يمجن به. لأن حاصله أن ابنها إلهها الذي ولدته. وخالقها هو ولدها الذي أرضعته.
ولاشتمال صلوات النصارى على هذا السخف يبالغون في ستر أحوالهم ولا يُعجبهم أن يحضر بِيَعهم أحد غيرهم. ٩٢- فضيحة أخرى: / (٢/٩٣/أ) النصارى يقرؤون في صلاة الغروب: "يا والدة الإله العذراء أسعي في خلاصنا وافرحي يا والدة الإله. مباركة أنت في النساء ومبارك ثمرة بطنك لأنك ولدت لنا مخلّصاً. يا والدة الإله لا تغفلي عن وسائلنا١ ونجنا من المعاطب"٢. وفي هذه الصلاة: "يا صابغ المسيح يوحنا اذكر جماعتنا ونجّنا". قولهم: "يا والدة الإله"، اعلم أن الألوهية عندهم تكون حقيقة وتكون مجازاً. فالإله الحقيقي هو الله الآب عندهم. والإله المجازي هو المعظم في الدين الذي يدعو إلى الله ويعلم الناس أوامر الله ويبيّن لهم أحكامه. فإن عنوا هَا هنا الإله الحقيقي سقطت مكالمتهم لبيان جنونهم. وإن عنوا القسم الثاني وهو الإله الذي هو مُعظم في الدّين كقول الله في التوراة لموسى ﵇: "أخوك هارون يكون لك مترجماً وأنت تكون له إلهاً مدبّراً"٣. وكقول داود لعلماء بني إسرائيل في المزامير: "أنا قالت: إنكم آلهة وبني العلي كلكم تدعو"٤. وكقول حبقوق النبيّ: / (٢/٩٣/ب) "إله يأتي من التيمن ومقدس من جبال فاران"٥. يصف نبيّاً يخرج من الحجاز وصلوات الله عليه وسلامه.
وبني العلي كلكم تدعو"٤. وكقول حبقوق النبيّ: / (٢/٩٣/ب) "إله يأتي من التيمن ومقدس من جبال فاران"٥. يصف نبيّاً يخرج من الحجاز وصلوات الله عليه وسلامه.
فإذا قال النصارى في صلواتهم: "يا والدة الإله"، لَمْ يُعلم من هي المدْعوَّة. أهي أُمُّ١ إبراهيم فإنه في التوراة عظيم٢ الله. أَمْ٣ أُمُّ إسرائيل، فإنه في التوراة بكر الله٤. أَمْ والدة موسى. فإنه في التوراة: [إله ومدبّر] ٥. أَمْ [إحدى] ٦ أمهات أصحاب داود فإنهم في المزامير آلهة؟! ٧. وإذا كان هؤلاء يُدْعَون آلهة فقد صار اللفظ مجملاً. فمن التي دعوها لتنجيهم من المعاطب وتسعى في خلاصهم؟!. وقد زادوا في هذه الصلاة إلهاً سادساً، وهو يوحنا إذ قالوا: "يا يوحنا صابغ المسيح نجّنا من المعاطب". فصارت الآلهة ستة: الآب والابن وروح القدس والمسيح ومريم والمعمداني. وفي دعائهم يوحنا وطلبهم النجاة منه تكذيب لهم في دعوى الخلاص بقتل المسيح، إذ لو كانوا قد خلصوا بالمسيح لم يفتقروا إلى دعاء غيره. وحيث احتاجوا إلى الغير دلّ أنهم ما خلصوا وصار ما ادّعوه من قتل / (٢/٩٤/أ) المسيح خالياً عن الفائدة. ٩٣- فضيحة أخرى: النصارى يقرؤون في صلاة النوم: "الملائكة يمدحونك بتهليلات مثلثة. لأنك قبل الكلّ لم تزل أيّها الأب. وابنك نظيرك في الابتداء. وروح القدس مساويك في الكرامة. ثالوث واحد".
صلاة النوم: "الملائكة يمدحونك بتهليلات مثلثة. لأنك قبل الكلّ لم تزل أيّها الأب. وابنك نظيرك في الابتداء. وروح القدس مساويك في الكرامة. ثالوث واحد".
أما قولهم: إن الملائكة يعتقدون الثالوث الذي يقولون به فبهت قبيح وكذب صريح بَنَوْهُ على فاسد معتقدهم. وإلاّ فمن أين علموا أن اعتقاد الملائكة ما حكوه عنهم والدليل على تخرص ذلك على الملائكة التوراة والإنجيل والمزامير فإنها شاهدة بالتوحيد وتنْزيه الباري عن الثاني والثالث. وقد قال لوقا: "إن جبريل حين خاطب مريم وسلّم عليها ارتاعت منه. وقالت: ما هذا السلام؟ فقال لها جبريل: اعلمي أبي أنا جبريل الواقف قدّام الله جئتك أبشرك"١. وقد أكثرنا من ذكر الشواهد على التوحيد مما يقضي ببطلان هذه القراءة وتبيّن تخرص من ألّفها. وفي قول النصارى / (٢/٩٤/ب) هَا هنا: "لأنك قبل الكلّ لم تزل"، يدلّ على حدث الابن والروح القدس لتأخرهما٢ عن الأب في الوجود. إذ لو كانا قديمين لم يكونا مسبوقين. فإن عبّر النصارى عن صفتي العلم والحياة بالابن والروح. قلنا لهم: فالصفتان قديمتان أيضاً. فكيف يكون الأب قبل الكل والصفة لا تتأخر عن موصوفها؟ فالقراءة على ذلك باطلة. فنحن نسألهم عن الابن والروح أهما [إلهان أزليان أو مخلوقان حادثان؟] ٣. فإن كانا حادثين٤ مخلوقين فقد أبطلوا القول بألوهيتهما وأبطلوا القول بالتثليث. وإن كانا إلهين خالقين بطل أن يكون الأب سابقاً لهما وفسدت هذه التلاوة.
وأما قولهم: "ثالوثاً واحداً". فلا تظن أنهم يعتقدون أنها صفات للذات بل مرادهم أن الآلهة ثلاثة فقط بغير رابع. والدليل عليه إفراد كل واحد منهم بالذكر والتعبد والسؤال كما شهدت به الصلوات والأمانة التي لهم والتسابيح. ولو كانوا يردون ذلك إلى أنهم صفات للذات لاقتصروا على إفراد / (٢/٩٥/أ) الله تعالى بالذكر كما أفرد موسى ﵇ والأنبياء ﵈. فهل تجدون في التوراة والنبوات للتثليث ذكراً ألتبة؟ على أن النصارى قد عبدوا بني آدم، ألا تراهم كيف يقرؤون في الصلاة: "تعالوا نسجد تعالوا نتضرع للمسيح إلهنا". والمسيح هو المولود الذي ولدته مريم ﵉. ٩٤- فضيحة أخرى: النصارى يقرؤن في صلاة نصف الليل وهي الثامنة: "تبارك الرّبّ إله آبائنا وفوق المتعالي إلى الدهر. تبارك١ مجدك القدوس فوق المسيح وفوق المتعالي إلى الدهر. مبارك أنت فوق المسيح وفوق المتعالي إلى الدهر"٢. وكرروا هذه الفوقية في هذه الصلاة دفعات. فوصفوا الله تعالى بأنه فوق المسيح وفوق مَن هو أعلى من المسيح وذلك مناقض لما قرؤوه في صلاة النوم إذ قالوا فيها: "إن المسيح نطير الله في الابتداء وإن روح القدس مساويه في الكرامة". فإن كان الله فوق المسيح بطل قولهم أنه نظيره. وإن كان المسيح نطيره بطل أن يكون فوقه. / (٢/٩٥/ب) فلا بدّ من إبطال أحد القراءتين ضرورة الوفاء٣ بالأخرى. ثم نقول لهم: أليس أقنوم الوجود وأقنوم الحياة وأقنوم العلم متساوية في الأزلية والقِدَم واستحقاق الربوبية. فما الذي خصص أحدهم بالفوقية دون الآخرين وليس مقدماً عليهم؟.
س أقنوم الوجود وأقنوم الحياة وأقنوم العلم متساوية في الأزلية والقِدَم واستحقاق الربوبية. فما الذي خصص أحدهم بالفوقية دون الآخرين وليس مقدماً عليهم؟.
فإن أبيتم إلاّ إثبات الفوقية له عليهما فقد أثبتم أنهما دونه. وذلك تشويش للثالوث وإن وفيتم١ بالثالوث أبطلتم هذه القراءة ولا سبيل إلى إبطالها. فإن التوراة والإنجيل والنبوات شاهد لها٢ بالصحّة؛ إذ خصصت الباري بالألوهية ووصفته بأنه المتعالي فوق المسيح وفوق كل شيء. جلّ وعلا وتقدّس عما يقول الجاحدون علوّاً كبيراً. فهذه بهديكم ثمان صلوات قد اشتملت على الكفر والبهت والفجر وقلة الحياة. وذلك أن أحدهم يقوم [مضمخاً] ٣ ببوله فيتوجه إلى مشرق الشمس - وهي جهة كان المسيح وغيره من الأنبياء يتنكبها في صلاته - فيناجي رجلاً من بني آدم فيقول في قراءته: "يا من قتله اليهود وصلبوه، وسمّروا يديه على خشبة وتركوه على جذعة بين اللصوص حتى أسالت الشمس دمه وحتى لصق بالخشبة / (٢/٩٦/أ) جسده. برحمة المسامير التي سمّرت بها في يديك ارحم من خلقت بيديك٤ يا الله". وهذا - حوشيتم - لو خوطب به زعيم قرية أو رئيس محلة لتطيّر من سماعه وعجّل العقوبة لقائله. فكيف بمن يناجي بذلك إلهه وربّه جل وعلا؟!. سؤال على النصارى: نقول للنصارى: أخبرونا ما الذي صنعه الله بيسوع حتى صار ابناً له إذ لم تقولوا بالنبوة المعروفة المتّحدة من الزوجة والمملوكة؟.
علا؟!. سؤال على النصارى: نقول للنصارى: أخبرونا ما الذي صنعه الله بيسوع حتى صار ابناً له إذ لم تقولوا بالنبوة المعروفة المتّحدة من الزوجة والمملوكة؟.
فإن قالوا: "مسحه فصار بمسحه له مسيحاً وابناً. قلنا: أبينوا لنا هل مسحه بدهن؟ فإن قالوا: نعم. ساووا بينه وبين داود وغيره. إذ قال داود في مزاميره: "صبياً كنت في غنم أبي فأخذني ربّبي ومسحني بدهن مسيحه"١. وقال داود في مزمور آخر: "ائتمر٢ الشعوب على الرّبّ وعلى مسيحه" ٣. يعني: نفسه. وقال الله تعالي في السفر الثالث من التوراة ويسمى سفر الكهنة: "إن الحبر الممسوح من أولاد هارون هو الذي يتولى القرابين ورش الدم على زوايا المذبح"٤. وذلك مشهور عندهم فالمسيح هو الممسوح فما زادوا أن وصفوه بوصف / (٢/٩٦/ب) كاهن. وفي الإصحاح الخامس من هذا السفر: "قال الله لموسى: اعمد إلى هارون وبنيه وخذ اللباس ودهن٥ المسيحين الذي يمسح به الأحبار وخذ الجماعة كلها إلى باب قبة الأمد. وقدم هارون وألبسه لباس الكهنة وكلله بأكليل من ذهب وصب على رأسه من دهن المسيحين [وامسحه] ٦ وقدسه. ففعل موسى ذلك بهارون"٧. فما نرى المسيح له مَزِيَّة على داود وهارون في ذلك. وما نراه نسج له إلاّ على منوال من تقدم من صفوة الله تعالى. وقد حكوا عن إنجيل لوقا أن جبريل بشّر مريم بأن ولدها المسيح ابن داود يجلسه الرّبّ على كرسي أبيه داود، ويملكه على بيت يعقوب. وذلك يتقاضى أن
لله تعالى. وقد حكوا عن إنجيل لوقا أن جبريل بشّر مريم بأن ولدها المسيح ابن داود يجلسه الرّبّ على كرسي أبيه داود، ويملكه على بيت يعقوب. وذلك يتقاضى أن
يكون١ أفضل منه أو معه في رتبة الفضل - فيالله العجب - جبريل يخبر عن الله أن المسيح هو ابن داود، وأنتم تقولون كلا ولكنه ربّ داود. لقد تباعد ما بينكم وبين جبريل, ومن كان عدوّاً لجبريل الأمين فهو لا شكّ عدوّ لله ربّ العالمين. وإن قالوا: إنما جعله مسيحاً وابناً بتسمية سماه بها وسمى نفسه ابناً له. قلنا: وكذلك يعقوب إذ حكيتم / (٢/٦٧/أ) لنا عن التوراة أن الله تعالى قال لموسى: "ابني بكري إسرائيل"٢. والبكر أَجَلُّ قَدراً عند والده من غير البكر على ما لا يخفى. والتوراة تشهد بأن للولد الأكبر سهمين في الميراث ولغيره سهم واحد٣ ثم٤ هو جَدُّ المسيح وعامة الأنبياء من نسله فهلاّ عبدتموه واتّخذتموه إلهاً؟!. وإن زعموا أن المسيح إنما سمّاه الله ابناً للتربية وحسن التأديب - فلعمري - لئن كان الله قد غَذَّاه بغير رضاع وقوته بسوى الطعام المألوف وألبسه غير الثياب المعهودة وبعث إليه مَلَكاً يؤدبه واختلفت الملائكة إلى بيت أُمّه لزيارته وامتثال أوامره ليخالف بينه٥ وبين سائر الناس إن ذلك لموضع شبهة. فأما وأمره في جميع أحواله على ما يعهد من الناس ولم تطهر له آية٦ في صباه ولم يتكلم في المهد كما زعموا ولا زاد أبلغ ثلاثين٧سنة على رجل من بني آدم. فما وجه ادعاء ربوبيته وألوهيته؟.
ولو أن النصارى قالوا: إنه تكلم في المهد وخلق من الطين كهيئة الطير كما يقول فيه المسلمون لوجدوا شعباً / (٢/٩٧/ب) يستريحون إليه ساعة وساعة. وإن قالوا: إنه إنما صار مسيحاً وابناً بمعمودية يوحنا، فقد اعترفوا بأن مريم لم تلد الابن المسيح في الحقيقة وإنما هي امرأة ولدت طفلاً من أطفال بني آدم. وحينئذٍ تكون بنوة المسيح مجرد تسمية لا غير. ويستوي حاله وحال من تَقَدَّمه في هذه التسمية من بني إسرائيل. وإن قالوا: إنما اتّخذه الله مسيحاً وابناً لأنه أطاعه١ طاعةً لم يطعها أحد قبله. وعبده عبادة لا يتصور أن يبلغها أحد. فنقول: كيف ذلك وإنما أطاع الله تعالى منذ عقل وبلغ مبالغ الرجال. وذلك دون [العشرين] ٢ سنة وأنتم حكيتم لنا في التوراة أن موسى ﵇ عَمَّر مائة وعشرين سنة٣. فإذا طرحنا سِنَّ الصبي كان عمر المسيح خُمْس عمر موسى. وإذا كان الأمر كذلك فقد زادت أعمال موسى وطاعاته٤ وأَرْبَت على طاعة المسيح. وقد حكيتم لنا أن موسى مَلَك جانباً كبيراً من الأرض وقاتل الجبابرة وجاهد العمالقة وأباد الفراعنة وقتل عوجاً مبارزة وواصل٥ / (٢/٩٨/أ) لله أربعين يوماً وأربعين ليلة لا يذوق طعاماً وابتلى بخلاف قومه وكثرة تلونهم وتعنتهم بالجهل المركوز في طباعهم فصبر عليهم ورفق بهم وساسهم وتلقى أوامر ربّه بصدر فسيح وباع رحيب. فلم يهب جباراً وإن عَظُم قَدْرُه ولا نكل عن عدوّ وإن تفاقم أمره. حتى فتح الشام ودوخ البلاد. ولما دنا حمامه وزمه٦
لقى أوامر ربّه بصدر فسيح وباع رحيب. فلم يهب جباراً وإن عَظُم قَدْرُه ولا نكل عن عدوّ وإن تفاقم أمره. حتى فتح الشام ودوخ البلاد. ولما دنا حمامه وزمه٦
من المقدور زمامه. تقدم إلى خادم كان له يقال له: يوشع بن نون يفتح باقي بلاد الشام وأفاض عليه من فاضل همته وصحيح عزمته ما شَدَّد شكيمته وأَيَّد نحيزته فقاتل أربعة وعشرين مَلِكاً وأبادهم عن جديد الأرض. وهذه عبادات لم يتفق للمسيح ﵉ مع نزول سنه. وأنتم أخبرتمونا في الإنجيل أن المسيح كان مذ بلغ الحلم إلى أن ناهز الثلاثين مشتغلاً بتعلم التوراة واقتباس العلم من أتباع موسى فلم يكن يُحَارِب ولا يُحَارَب ولا امتحن بما امتحن به موسى. فقد كذبتم في قولكم / (٢/٩٨/ب) إنه اتّخذ ابناً لتقدمه في الطاعات على غيره. وكيف تستقيم لكم هذه الدعوى والمزامير تشهد بخلافهم. قال داود ﵇ متنبئاً على المسيح: "أقسَم الرّبّ ولا يكذب إنك أنت الكاهن المؤيّد تشبه مملكي صادق"١. فشبه المسيح برجل كاهن كان في زمن إبراهيم الخليل وأقصى درجات الشبه أن يساوي المشبه به في الفضل. وهذا الكلام من داود يفضي بانحطاط درجة المسيح عن درجة إبراهيم وموسى - عيلهما السلام - إذ لا خلاف بين أهل الكتاب أن إبراهيم وموسى أفضل من ملكي صادق هذا الذي شُبه به المسيح فاعلم ذلك. وإن قالوا: إنه كان [له] ٢ من النية ما لم يكن لموسى ولا غيره - والأعمال بالنيات. - قلنا: لو عكس عليكم الأمر وقيل لكم: بل نية موسى كانت أعظم وقصده كان أتم وأفخم. فبماذا كنتم تجيبون؟ فإن من كان له من أنواع العبادات والقُربات ما وصفنا فهو أحق بأن يقال إن نيته أعظم من نية غيره فقد بطل جميع ما تمسك / (٢/٩٩/أ) النصارى به في بنوة المسيح واستوت حاله وحال أحبار بني إسرائيل في المسيحية والبنوة.
وإنما أوردنا ما أوردنا من ذلك كسراً لحجج النصارى وهدماً لأباطيلهم. ونحن والحمد لله أسلم قلوباً لأنبياء الله وأحسن قولاً منهم وأجمل اعتقاداً صلوات الله عليهم أجمعين. اهـ.
ا من ذلك كسراً لحجج النصارى وهدماً لأباطيلهم. ونحن والحمد لله أسلم قلوباً لأنبياء الله وأحسن قولاً منهم وأجمل اعتقاداً صلوات الله عليهم أجمعين. اهـ.
الباب العاشر: في البشائر الإلهية بالعزة المحمدية ... لباب العاشر: في البشائر الإلهيّة بالعزّة المحمّديّة في البشائر الإلهية بالعزّة المحمّدية: وتشتمل على قسمين: نذكر في القسم الأوّل: ما نصت عليه الأنبياء من لدن إبراهيم إلى المسيح ﵈ مما يشهد بنبوة محمّد رسول الله ﷺ ويحقّق رسالته وأنه ﵇ أفضل النّبيّين والمرسلين. فلو لم يبعث محمّد ﷺ لاختلفت أقوال الأنبياء ورُدَّت شهاداتهم وعكَّر ذلك على نبواتهم بالإبطال. وقد بالغوا ﵈ في التنصيص على اسمه ونعته وحليته وذكر أرضه وبلده وجميل سيرته وصلاح أمته / (٢/٩٩/ب) وسعادة ملته وأنه من ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن. وأن دعوته تدوم إلى قيام القيامة. والقسم الثاني: ر فيه ما جاء من الآيات البيّنات والخوارق الباهرات مما تضمّنه الكتاب العزيز واشتملت عليه السنة الطاهرة فأوجب الله به الحجة وأنار المحجة وأقام منار الأبرار ومحى بذلك آثار الكفار. ولتقع البداءة بما في التوراة من ذلك١.
- البشرى الأولى: قالت التوراة في الفصل العاشر من السفر الأوّل منها: "إن الله تعالى قال لإبراهيم: إن في هذا العام يولد لك ولد اسمه إسحاق. فقال إبراهيم: ليت٢
إسماعيل هذا يحيى بين يديك يمجدك. فقال الله تعالى: قد استجبت لك في إسماعيل وإني أباركه وأُيَمِّنه وأعظمه جدّاً جِدّاً بما قد استجبت فيه وأُصيِّره لأمة كبيرة وأعطيه شعباً جليلاً وسيلد اثني عشر عظيماً"١. قلت: قد علم الموالف والمخالف والموافق والمفارق أنه لم يكن في ذرية إسماعيل مَنْ ظهرت بركته / (٢/١٠٠/أ) ونمت أمته وأعطي الشعب الجليل سوى محمّد رسول الله ﷺ. فلقد ملئوا الأرض برحبها٢ وطبقوا من شرق الدنيا إلى غربها. ودوخوا الآفاق وأربوا في العدد على أولاد إسحاق. وهم - والحمد لله - لا يزدادون على مرّ الأيام إلاّ نماءً وكثرةً. وهذا بالغ في شرف إسماعيل إذ فخر الولد يكسب الوالد فخراً ويرفعه دنيا وأخرى. وناهيك بمن يصفه الله بالعظم والبركة واليمن والجلاله وبأقل من هذه الوعود يثبت الفضل على سائر المخلوقات؛ إذ اليسير من الله عظيم والعظيم منه فلا شيء أعظم منه.
-
البشرى الثّانية: قالت التوراة في الفصل التّاسع من السفر الأوّل: "إن الملك ظهر لهاجر وقد فارقت ساره. فقال يا هاجر مِن أين أقبلت؟ وإلى أين تريدين؟ فلما شرحت له الحال قال: ارجعي فإني سأكثر ذريّتك وزرعك حتى لا يحصون وها أنت تحبلين وتلدين ابناً تسمينه إسماعيل، لأن الله قد سمع تذللك١ وخضوعك. / (٢/١٠٠/ب) وولدك يكون وحشي الناس٢. وتكون يده فوق الجميع ويد الكل به. ويكون مسكنه على تخوم جميع إخوته"٣. فهذه بشارة شافه الله تعالى بها هاجر على لسان ملكه وأخبرها أنه جاعل يد ابنها العليا ويد من سواه السفلى. ولم تتم هذه البشرى إلاّ بمبعث محمّد ﷺ.
-
البشرى الثّالثة١: قالت التوراة في الفصل الثالث عشر من السفر الأوّل أيضاً: "قال الله لإبراهيم: إني جاعل ابنك إسماعيل لأمة عظيمة لأنه من زرعك"٢.
-
البشرى الرّابعة: قالت التوراة في الفصل العشرين من السفر الخامس: "قال موسى: أقبل الله من سينا٣.وتجلى من ساعير. وظهر من جبال فاران. معه ربوات الأطهار عن يمينه"٤.
ابعة: قالت التوراة في الفصل العشرين من السفر الخامس: "قال موسى: أقبل الله من سينا٣.وتجلى من ساعير. وظهر من جبال فاران. معه ربوات الأطهار عن يمينه"٤.
فسيناء١ الجبل الذي كلم الله فيه موسى. وساعير٢ هو جبل الخليل بالشام. وكان المسيح يتعبد فيه ويناجي ربّه. وفاران٣ جبل بني هاشم الذي كان رسول الله ﷺ يتحنث فيه ويتعبد٤. وقد خصت التوراة محمّد ﷺ / (٢/١٠١/أ) بزيادة على موسى وعيسى، فقالت: "معه ربوات الأطهار عن يمينه". وذلك كناية عن أصحاب رسول الله ﷺ يعني بالربوات: الجماعات من الأكابر والمعظمين في الدين على مذهب تسمية العظيم القدر "رباً". فجمعوا الرّبّ ربوات ولم يقولوا (أرباباً) لفساد التعبير وسوء الترجمة. كما قال فولس مفسرهم: "إن جبل فاران متّصل ببلاد أرابيا"٥. يريد بلاد العرب.
ويحتمل أن يكون أراد بالربوات جماعة الملائكة وهو الأقرب. لأن الربوات الجماعات واحدها: ربوة. قال داود في المزمور الثالث: "الرّبّ ناصري لا أخاف من ربوات الشعوب المحيطين بِيَ"١. فيكون ذلك كناية عن تأييد الله نبيّه محمّد ﷺ وبالملائكة في حروبه وغزواته وترددهم إليه بالوحي والتَّنْزِيل. وفي التوراة: "إن إسماعيل سكن برية فاران ونشأ بها وتعلم الرمي"٢. وذلك كلّه بمكة وإذا كان ذلك كذلك، فلم يأت من جبال فاران من دعا إلى الله وأظهر أحكامه ونشر أعلامه وشرع الدين القويم ونهج للأمم الطريق / (٢/١٠١/ب) المستقيم ومهد الحاج وعمّر الأندية وعمر رؤس الجبال وبطون الأودية بالتلبية سوى محمّد رسول الله ﷺ.
- البشرى الخامسة: قالت التوراة في الفصل الحادي عشر من السفر الخامس: "يا موسى إني سأقيم لبني إسرائيل نبيّا من إخوتهم. مثلك. أجعل كلامي في فيه. ويقول لهم ما آمره به. والذي لا يقبل قول ذلك النبي الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم منه ومن سبطه"٣.
لبني إسرائيل نبيّا من إخوتهم. مثلك. أجعل كلامي في فيه. ويقول لهم ما آمره به. والذي لا يقبل قول ذلك النبي الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم منه ومن سبطه"٣.
قلت: هذه آثار النقمة على من فارقه لائحة وآثار النعمة على من وافقه واضحة. واعلم أن إخوة بني إسرائيل هم ولد إسماعيل ولا يجوز أن يكون هذا النبيّ المذكور من بني إسرائيل ألبتة لأن الله تعالى يقول لموسى: "نبي مثلك". ولم يبعث من بني إسرائيل نبي مثل موسى جاء بكتاب منَزَّل وشرع مبتدأ١. فوجب أن يكون من ولد إسماعيل ولم يقم من ولد إسماعيل من يمكن تنْزِيل هذا الوعد الحقّ عليه سوى٢ رسول الله. فلو لم يبعث محمّد ﷺ لأخلفته أقوال التوراة - وخبر الله تعالى محاشا عن الخلف بل قوله الحقّ ووعده الصدق ﷾ ... / (٢/١٠٢/أ) .
- البشرى السّادسة: قالت التوراة في هذا السفر: "قال موسى لبني إسرائيل: لا تطيعوا العرافين ولا المنجّمين. فسيقيم لكم الرّبّ نبيّاً من أخوتكم مثلي، فأطيعوا ذلك النبي"٣.
فإن قيل: فلعلّ هذا الموعود به بنو إسرائيل هو هارون أخو موسى ووزيره. أو يوشع خادمه ومشيره. قلنا: التوراة تأبى ذلك. إذ قد أخبرت أن هارون توفي في حياة موسى وعاش موسى بعده. وأما يوشع بن نون فهو من بني إسرائيل والله تعالى يقول: "من إخوتهم". ولم يقل من أنفسهم. والتوراة أيضاً قد١ سدت هذا الباب فقالت في آخر ورقة فيها من السفر الخامس: "ومات موسى فكان بنو إسرائيل يسمعون من يوشع ويطيعونه ولم يقع من بني إسرائيل بعد موسى مثل موسى الذي عرف الله وجهاً قِبَل وجه وصنع الآيات والعجائب"٢. ثم هارون ويوشع قد كانا أقيما للنبوة قبل صدور هذا الخطاب من الله. ولا يصحّ أن يُنَزَّل على المسيح بإجماع الأمم. أما اليهود فهو عندهم كذَّاب أشِر. وأنه ما أحيا ميتاً قط ولا أبرأ أبرص. وأما / (٢/١٠٢/ب) النصارى فهم يزعمون أنه الرّبّ الذي بعث الأنبياء وأرسل الرسل وأنه الذي خلق الخلق وأتقن العالم. فإن رجعوا القهقري وقالوا: إن المسيح مثل موسى فقد تناقض قولهم وخبطوا عشوى. وأما المسلمون فالمسيح عندهم نبي كريم غير أنه من بني إسرائيل والله تعالى يقول: "من إخوتهم" ولم يقل من أنفسهم. فبطل أن يكون المسيح أو غيره وتعيّن أن يكون محمّد ﷺ ضرورة الوفاء بقول الله تعالى٣.
- البشرى السّابعة: قالت التوراة: "لما حضرت إسرائيل الوفاة وهو بمصر عند يوسف دعا أولاده فحضروا بين يديه فباركهم واحداً واحِداً ودعا لهم ولما انتهت النوبة إلى ابنه
ابعة: قالت التوراة: "لما حضرت إسرائيل الوفاة وهو بمصر عند يوسف دعا أولاده فحضروا بين يديه فباركهم واحداً واحِداً ودعا لهم ولما انتهت النوبة إلى ابنه
يهوذا قال فيه: لا يعدم سبط يهوذا [مَلِكاً مُسلَّطاً] ١ وأفخاذه [نبيّاً مرسلاً] ٢ حتى يأتي الذي لهالكل"٣. وإنما عنى بذلك رسول الله ﷺ وقد ثبت ذلك فيما تقدم فهذه. سبع بشائر من التوراة باقية خالدة قد صانها الله عن التحريف وحماها عن التغيير والتصحيف ولو غسل / (٢/٢٠٣/أ) الخاطر٤ من وضر الهموم وإنجاب عن القلب غيوم الغموم حتى تطهر النفس ويضيء الحسّ ويصفوا دهن الذهن لتوسعت في استخراج جميع ما في التوراة من أعلام نبيّنا محمّد ﷺ وفي هذا القدر بلاغ وكفاية.
- البشرى الثّامنة: من مزامير داود في مزمور له: "سبحوا الله تسبيحاً جديداً، وليفرح بالخالق من اصطفى الله له أمته وأعطاه٥ النصر وسدد الصالحين منهم بالكرامة. يسبحونه على مضاجعهم، ويكبرون الله بأصوات مرتفعة، بأيديهم سيوف ذوات شفرتين لينتقم بهم من الأمم الذين لا يعبدونه"٦.
وقوله: "يكبرون الله بأصوات مرتفعة" إشارة إلى ما يفعله الحجيج من التلبية وهذه كلها صفات النبيّ محمّد وأمته١.
- البشرى التّاسعة: قال داود النبي ﵇: "من أجل هذه بارك الله عليك إلى الأبد. فتقلد أيّها الجبار السيف لأن البهاء لوجهك والحمد الغالب عليك، اركب كلمة الحقّ وسمت التأله. فإن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك / (٢/١٠٣/ب) وسهامك مسنونة والأمم يخرون تحتك"٢. ليس متقلد السيف من الأنبياء بعد داود سوى نبيّنا ﵇ وهو الذي خَرَّت الأمم تحته وقرنت٣ شرائعه بالهيبة. فإما القبول وإما الجزية وإما السيف. وتصديقه قوله ﷺ: "نصرت بالرعب"٤. فإن قالوا: سماه المزمور جباراً. قلنا: لا يمتنع أن يكون النبيّ جباراً على الكافرين رحيماً بالمؤمنين. كقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةً عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةً عَلَى الكَافِرِين﴾ . [سورة المائدة، الآية: ٥٤] . وقد شهد
جباراً على الكافرين رحيماً بالمؤمنين. كقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةً عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةً عَلَى الكَافِرِين﴾ . [سورة المائدة، الآية: ٥٤] . وقد شهد
المزمور له بالنبوة صريحاً إذ أخبر أن له ناموساً وشرائع كنواميس الأنبياء وشرائعهم. وقال: إن دينه يظهر على كلّ دين فلم يُخْرم ما أخبر به.
-
البشرى العاشرة: قال داود في مزمور له: "إن ربّنا عظيم محمود جدّاً، وفي قرية إلهنا قدوس، ومحمّد قد عَمَّ الأرض كلها فرحاً"١. فقد نصّ داود على اسم محمّد وبلده وسماه قرية الله تعالى. وأخبر أن كلمته تعُم أهل الأرض٢.
-
البشرى الحادية عشرة: قال داود في مزمور له: "إن الله أظهر من صهيون / (٢/١٠٤/أ) إكليلاً محموداً"٣. فهذا داود قد أكثر في مزاميره من ذكر سيدنا محمّد رسول الله ﷺ فهو محمود وأحمد والمحمود. ووصف داود له بأنه (إكليل) ٤ يشير إلى أنه رئيس الأنبياء ﵈. إذ الإكليل هو الذي يجعل على الرأس.
-
البشرى الثّانية عشرة: قال داود في مزمور: "لترتاح البوادي وقراها. ولتصر أرض قيدار مروجاً. ولتسبح سكان الكهوف. ويهتفوا من قلل الجبال بحمد الرّبّ ويذيعوا تسابيحه في الجزائر"١. فليت شعري لمن البوادي من الأمم سوى أمة محمّد؟ ! ومن قيدار٢ سوى ابن إسماعيل جدّ رسول الله ﷺ؟!. ومَنْ سكن الكهوف وقلل الجبال سوى العرب؟!.
-
البشرى الثّالثة عشرة: في صفة رسول الله ﷺ قال داود في مزمور له: "ويجوز من البحر إلى البحر ومن لدن الأنهار إلى منقطع الأرض. تخر أهل الجزائر بين يديه. وتلحس أعداؤه التراب وتسجد له ملوك الفرس. وتدين له الأمم بالطاعة / (٢/١٠٤/ب) والانقياد. ويخلص المضطر البائس ممن هو أقوى منه. وينقذ الضعيف الذي لا ناصر له. ويرأف بالمساكين والضعفاء ويُصلَّى عليه ويبارك في كلّ حين"٣.
وهذه صفات محمّد رسول الله ﷺ فلقد جرت الملوك بين يدي أصحابه، وأسروا ملوك الفرس والروم، ودانت له ولأمته الأمم ولحسوا التراب وصُلِّي عليه على توالي الأيام١.
- البشرى الرّابعة عشرة: قال داود في مزمور تنبأ به على نبيّنا ﵇: "دامت شكايتي، ونزلت في مساكن قيدان. وكثيراً ثوت نفسي مع الذين يغضون السلم، وبالسلم كنت أتكلم فيهم وهم كانوا يحاربونني"٢. فهذا تنويه بأن الساكن (ماسكن قيدار) هو رسول الله. وإلاّ فمتى فارق داود البيت المقدس ونزل بمكة في منازل قيدار ابن إسماعيل؟!.
- البشرى الخامسة عشرة: قال داود في مزموره تنبأ به على كثرة أمة محمّد ﷺ ودوام شرعه إلى الأبد / (٢/٢٠٥/أ) ووجوب النبوة له قبل خلق العالم: "ثماره مثل الزروع الكثيرة على وجه الأرض
كالذي يطلع من لبنان، ويدوم ذكره إلى الأبد. وإن اسمه لموجود قبل الشمس، وكلّ الأمم يتبركون به ويحمدونه"١. وهذه كلّها صفاته وصفات أمته وقد أخبر داود بتأبيد شرعه وتأييده وأنه لا نبيّ بعده وأنه خاتم الأنبياء.
- البشرى السّادسة عشرة: قال داود في مزمور من المزمور الثاني له وتنبأ به على اتّساع خطة الإسلام: "أنت ابني وأنا اليوم ولدتك. سلني أعطيك. الشعوب ميراثك. وسلطانك إلى أقطار الأرض. ترعاهم بقضيب من حديد. ومثل آنية الفخار تسحقهم"٢. قال مؤلِّفه: اعلم أنه لا يتصور من عارف صرف هذا المزمور عن سيّدنا محمّد رسول الله ﷺ. لأنه ﵇ هو الذي ورث الشعوب كلّها وبلغ سلطانه إلى أقطار الأرض ورعى الأمم وحاطهم بسيفه. ولا يمكن صرف هذا المزمور إلى داود؛ لأنه لم يرث سائر الشعوب / (٢/١٠٥/ب) ولا بلغ سلطانه إلى أقطار الأرض، إذ ما ملك سوى ناحية من الأرض وهي البيت المقدس. ثم خرجت من بعده إلى أمة هذا النبيّ والأقطار والنواحي. وقد بلغ سلطان محمّد ﵇ جوانب الدنيا وأطراف العالم ففتح الله عليهم الحجاز واليمن والحبشة والنوبة والهند والسند إلى الصين. ودوخت أمته الشام والعراق وفارس إلى الترك. وافتتحوا أرض مصر والمغرب الأقصى إلى بحر طنجة. فقد ورث محمّد سائر الشعوب وبلغ سلطانه إلى أقطار الأرض. فصارهذا المزمور مضاهياً لبشرى يعقوب في التوراة بمحمّدصلى الله عليه وسلم الذي نقلناه.
حر طنجة. فقد ورث محمّد سائر الشعوب وبلغ سلطانه إلى أقطار الأرض. فصارهذا المزمور مضاهياً لبشرى يعقوب في التوراة بمحمّدصلى الله عليه وسلم الذي نقلناه.
فأما قوله في أوّل المزمور: "أنت ابني"، فجرى فيه داود على عادتهم في إطلاق لفظة البنوة على النبيّ والمطيع لله فقد قال في التوراة: (إسرائيل ابني بكري"١. وقال المسيح في الإنجيل: "أنا ذاهب إلى أبي وأبيكم".
- البشرى السّابعة عشرة: قال داود في مزمور له مخاطباً لربّه ومتنبئاً على رسوله ﷺ / (٢/٢٠٦/أ) : "إلهي من الرجل الذي ذكرته، والإنسان الذي أمرته، ألبسته الكرامات والمجد، وملّكته على خلقك؟! "٢.
- البشرى الثّامنة عشرة: من نبوات نبيّ الله أشعيا قال أشعيا مبشراً برسول الله ﷺ: "قيل لي: قم نظاراً فانظر ماذا ترى؟ فقلت: أرى راكبين مقبلين، أحدهما على حمار والآخر على جمل. يقول أحدهمالصاحبه: سقطت بابل وأصنامها للمنحر"٣.
فراكب الحمار هو المسيح ابن مريم١. وراكب الجمل هو محمّد ﷺ وهو أشهر بركوب الجمل من المسيح بركوب الحمار. وبمحمّد ﷺ سقطت أصنام بابل٢. البشرى منها أيضاً - قال أشعيا ﵇ متنبئاً على مكة - شرفها الله تعالى -: "ارفعي ما حولك بصرك فتبتهجين وتفرحين من أجل أن الله يُصيّر إليك ذخائر البحرين. ويحجّ إليك عساكر الأمم، حتى يعم٣ بك فطر٤
الإبل المؤبلة١. وتضيق أرضك عن القطرات التي تجمع إليك. وتساق إليك كباش مدين. / (٢/١٠٦/ب) وتأتيك أهل سبأ. وتسير إليك أغنام فاران. وتخدمك رجال [نبايوت] ٢ يريد سدنة الكعبة وهم أولاد نبايوت٣ ابن إسماعيل. وهذه الصفحات كلها حصلت بمكة فحملت إليها ذخائر البحرين. وحجّ إليها عساكر الأمم. وسيقت إليها أغنام فاران للهدايا والأضاحي.
- البشرى التّاسعة عشرة: قال أشعيا النبيّ والمراد مكة: "أيتها المتغلفة في الهموم التي لم تنل حظوة إني جاعل حجرك بَلُّور. ومُوَنِّق أساسك بالحجر الاسما نجوني، ومزين حياطانك باللازورد. ومزخرف خدودك بالأحجار النفسية. وأعم أبناءك بالسلم. وأزينك بالصلاح والبر. وأبعد عنك الأذى والمكاره وأجعلك آمنة. ومن انبعث إليّ فإليك قصده وفيك حلوله. وتصيرين ملجأ [ووزراً] ٤ لقاطنيك وسكانك"٥.
بالسلم. وأزينك بالصلاح والبر. وأبعد عنك الأذى والمكاره وأجعلك آمنة. ومن انبعث إليّ فإليك قصده وفيك حلوله. وتصيرين ملجأ [ووزراً] ٤ لقاطنيك وسكانك"٥.
وهذه صفات مكة والكعبة والمسجد الحرام. لأن مهدي١ بني العباس والملوك قبله وبعده قد تأنقوا في بناء المسجد الحرام بالأحجار النفيسة والذهب والأصباغ / (٢/١٠٧/أ) واللازورد. وحملت تيجان الملوك وذخائرهم فحليت بها الكعبة. ولقد شاهدت شقوف الحرم وهي تكاد تلمع البصر حسناً. فمن رام صرف كلام النبيّ أشعيا هذا إلى غير مكة من البلاد أَكّد خاطره وأكدى سعيه ولم يظفر ببيت آخر وحرم آخر ينْزل ذلك عليه. ولا يمكن تنْزيل ذلك على البيت المقدس؛ لأنه لم يكن متغلغلاً في الهموم ولا سقوط الحطوة٢ بل هذه صفة الكعبة فاعلم ذلك. -[البشرى] ٣ العشرون: قال أشعيا يخاطب الناس عن محمّد رسول الله ﷺ: "تفهّمي أيّتها الأمم إن الرّبّ أهاب بِيَ من بعيد. وذكر اسمي وأنا في الرحم. وجعل لساني كالسيف الصارم وأنا في البطن. وحاطني بظل يمينه. وجعلني كالسهم المختار من كنانته. وخزنني لسره وقال لي: أنت عبدي. فصر في وعد لي حقاً قدام الرّبّ. وأعمالي بين يدي إلهي. وصرت محمّداً عند الرّبّ. فبإلهي حولي وقوتي"٤. فهذا (٢/١٠٧/ب)
نبي الله أشعيا قد صرح باسم نبيّنا ولم يجمجم وأعرب عنه ولم يجمجم. فلا حاجة بنا مع بيان أشعيا ﵇ إلى مترجم. وقوله: "إنّ الرّبّ أهاب بِي من بعيد". يريد أنه لم يكن من بني إسرائيل ولا من بلدهم بل من غيرهم. فليرونا آخر اسمه محمّد جاء بشريعة جديدة داعية إلى الله إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب حتى تنصرف هذه البشارات إليه.
- البشرى الحادية والعشرون: قال أشعيا النبي والمراد هاجر أم العرب: "سبحي أيتها النزور١ الرقوب٢ واغتبطي بالحمد لقد زاد ولد الفارغة المَجفُوَّة على ولد المَشْغُولة المَحْظِيّة. وقال لها الرّبّ: أوسعي مواضع خيامك ومُدِّي مضاربك وطَوِّلي أطنابك واستوثقي من أوتادك. فإنك ستنبسطين وتنتشرين في الأرض يميناً وشمالاً. ويرث ذريتك الأمم. ويسكنون القرى المعطلة البنيان"٣. فهل بقي بعد هذا البيان بيان؟! وهل تليق هذه النبوة بغير هاجر ونسلها أو الكعبة شرفها الله تعالى. / (٢/١٠٨/ب) .
- البشرى الثّانية والعشرون: قال أشعيا نبؤة على محمّد رسول الله ﷺ: "عبدي الذي يرضي نفسي. أعطيه كلامي. فيظهر في الأمم عدلي. ويوصيهم بالوصايا. لا يضحك ولا يصخب. يفتح العيون العور. ويسمع الآذان الصم. ويحيى القلوب الميتة.
وما أعطيه لا أعطيه غيره. أحمد يحمد الله حمداً حديثاً. يأتي من أفضل الأرض، فتفرح به البرية وسكانها، ويوحدون الله على كلّ شرف. ويعظمونه على كلّ رابية. لا يضعف ولا يغلب. ولا يميل إلى الهوى ولا يذل الصالحين الذين هم كالقصب الضعيف بل يُقوي الصديقين المتواضعين. وهو نور الله الذي لا يطفئ. أثر سلطانه على كتفه"١. فهذا أشعيا نبي الله قد أعلن باسم رسول الله ﷺ كما أعلنت به الأنبياء. وهذا الكلام من أشعيا إبانة واضحة لمن كان مطلبه الحقّ والهدى ولم يمل به التعصب والهوى إلى الاعتداء.
ه قد أعلن باسم رسول الله ﷺ كما أعلنت به الأنبياء. وهذا الكلام من أشعيا إبانة واضحة لمن كان مطلبه الحقّ والهدى ولم يمل به التعصب والهوى إلى الاعتداء.
- البشرى الثالثة والعشرون: قال نبيّ الله أشعيا / (٢/١٠٨/ب) مُنَوِّها باسم رسول الله ﷺ: "لتفرح البادية العطشاء ولتبتهج البراري والفلوات ولتزهو. فإنها ستعطي بأحمد١ أحسن محاسن لبنان حتى تصير كالدساكر٢ والرياض، وسيرون جلال الله وبهاء إلهنا"٣. فذكر البراري القفار أنها تصير بأحمد ﷺ مأهولة معمورة محجوجاً إليها. أفلا يستحيي من يُحجم عن الإسلام من نبيّ الله أشعيا أن يرد قوله؟!. وكيف يصح الإيمان بأشعيا مع إبطال أقواله ورد أخباره وتكذيب شهادته والقدح في رواياته؟! وأَيّ شكّ في صدر لبيب بعد سماعه أشعيا ينصّ على اسم نبينا واسم أرضه.
- البشرى الرّابعة والعشرون: قال أشعيا: "هتف هاتف في البدر وقالوا: خلوا طريق الرّبّ. وسهلوا لإلهنا السبيل في القفر. فستمتلئ البادية مياهاً ونقيص فيضاً. وتصيراً الآكام٤ دكادك٥.
والوعر سهلاً. وتظهر كرامة الرّبّ. الرّبّ يقول ذلك١. وذلك كله إشارة إلى ما مهد الله برسله محمّد ﵇ والصلاة. / (٢/١٠٩/أ) .
- البشرى الخامسة والعشرون: قال أشعيا: "يا آل إبراهيم خليلي الذي قويته ودعوته من أقاصي الأرض. لا تخف ولا ترهب فأنا معك. ويدي العزيز مهدت لك. جعلتك مثل الجرجر٢ الحديد تدق ما يأتي عليه دقاً. وتسحقه سحقاً حتى تجعل هشيماً. تلوي به هوج الريح. وأنت تبتهج وترتاح وتكون محمداً"٣. ألا ترى هذا النبي الكريم الذكر العظيم القدر لا يكاد يخلي كلامه من التبرك باسم سيد المرسلين حتى كان ذلك عليه ضربة لازب وحتم واجب٤.
اح وتكون محمداً"٣. ألا ترى هذا النبي الكريم الذكر العظيم القدر لا يكاد يخلي كلامه من التبرك باسم سيد المرسلين حتى كان ذلك عليه ضربة لازب وحتم واجب٤.
فهؤلاء الأنبياء الأطهار والأصفياء الأبرار يصرحون باسم محمّد. فلا حاجة بنا بعدها إلى الاستنباط والاستخراج.
- البشرى السّادسة والعشرون: قال أشعيا النبي ﵇ معلناً باسم رسول الله ﷺ: "إني جعلت اسمك محمّداً. يا محمّد يا قدوس الرّبّ اسمك موجود من الأبد"١. فهل بقي بعد ذلك لزائغ مقال أو لطاعن عن مجال؟ وقول أشعيا أن اسم محمّد موجود من / (٢/١٠٩/ب) الأبد موافق لقول داود الذي حكيناه: "إن اسمه موجود قبل الشمس"٢. وقوله: "يا قدوس الرّبّ". يعني: يا مَنْ طَهَّره الرّبّ وخلّصه من شوائب بشريته واصطفاه لنفسه.
- البشرى السّابعة والعشرون: وشهد لهذه الأمة بالصلاح والديانة: "سأرفع علماً لأهل الأرض بعيداً، فيصفر لهم من أقاصي الأرض فيأتون سراعاً"٣. فالنداء هو ما جاء به النبيّ ﵇ من التلبية في الحجّ. وهم الذين جعلوا لله الكرامة فوحدوه وعبدوه
وأفردوه بالربوبية وكسروا لأصنام وعطلوا الأوثان. والعلم المرفوع هو النبوة، وصفيره هو دعاؤهم إلى بيته ومشاعره فيأتونه سامعين مطيعين.
-
البشرى الثّامنة والعشرون: قال أشعيا النبي والمراد مكة شرّفها الله: "سُرِّي واهتزي أيتها العاقر التي لم تلد. وانطقي بالتسبيح. وافرحي إذ لم تحبلي. فإن أهلك يكونون أكثر من أهلي"١. يعني بأهلي: أهل بيت المقدس. ويعني بالعاقر: مكة شرّفها الله. / (٢/١١٠/أ) لأنها لم تلد قبل نبيّنا ﵇ نبيّاً٢. ولا يجوز أن يريد بالعاقر بيت المقدس؛ لأنه بيت الأنبياء ومعدن الوحي فلم تزل تلك البقعة وَلاَّدة.
-
البشرى التّاسعة والعشرون: قال أشعيا النبيّ - ونصّ على خاتم النبوة: "ولد لنا غلام يكون عجباً وبشيراً. والشامة على كتفه. أركون السلام. إله جبار. سلطانه سلطان السلامة. وهو ابن عالمه. يجلس على كرسي داود"١. قال المؤلِّف (الأركون) هو العظيم بلغة الإنجيل، والأراكنة، المعُظَّمون: (لما أبرأ المسيح مجنوناً من جنونه قالت اليهود: إن هذا لا يخرج الشياطين من الآدميين إلاّ بأركون الشياطين"٢. يعنون: عظيمهم. وقال المسيح أيضاً في الإنجيل: "إن أركون هذا يدان"٣. يريد إما إبليس أو الشرير العظيم الشّرّ من الآدميين. وسماه إلهاً على نحو قول التوراة: "إن الله جعل موسى إلهاً لفرعون"٤. أي: حاكماً عليه ومتصرفاً فيه. وعلى نحو قول داود للعظماء من قومه: / (٢/١١٠/ب) إنكم آلهة"٥. فقد شهد أشعيا بصحّة أمر محمّد رسول الله ووصفه بأخص علاماته وأوضحها وهي: شامته٦. فلعمري لم تكن الشامة لسليمان ولا للمسيح. وقد
وصفه بالجلوس على كرسي داود. يعني: أنه سيرث بني إسرائيل نبوتهم وملكهم ويبتزهم رئاستهم.
- البشرى الثّلاثون: قال أشعيا ووصف أمة محمّد ﵇: "ستمتلئ البادية والمدن من أولاد قيدار. يسبحون من رؤوس الجبال ينادون، هم الذين يجعلون لله الكرامة ويسبحونه في البر والبحر"١.
- البشرى الحادية والثّلاثون: وقال أشعيا والمراد هاجر أو مكة: "أنا رسمتك على كفي، وستأتيك أولادك سراعاً. ويخرج عنك من أراد أو يخيفك ويخزيك، فارفعي بصرك إلى ما حولك فإنهم سيأتونك ويجتمعون إليك. قسماً باسمي إني أنا الحيّ لتلبسي الحلل وتزيني بالأكاليل مثل العروس، ولتضيقن خراباتك من كثرة سكانك والراغبين فيك. ولينهزمن كلّ من يناوؤك ولتكثرن أولادك / (٢/١١١/أ) حتى تقولي من رزقني هؤلاء كلهم وأنا وحيدة فريدة نزور رقوب؟: فمن رَبَّى هؤلاء ومن تكفل لي بهم؟! "٢.
ولينهزمن كلّ من يناوؤك ولتكثرن أولادك / (٢/١١١/أ) حتى تقولي من رزقني هؤلاء كلهم وأنا وحيدة فريدة نزور رقوب؟: فمن رَبَّى هؤلاء ومن تكفل لي بهم؟! "٢.
وذلك إفصاح من أشعيا بشأن الكعبة. فهي التي ألبسها الله الحلل الديباج الفاخرة ووكّل بخدمتها الخلفاء والملوك. ومكة هي التي رَبَّى لها الأولاد من حجاجها والقاطنين بها. فالحمد لله الذي أوضح لنا الدين وقمع الملحدين.
- البشرى الثّانية والثّلاثون: قال أشعيا: "مثل الريح العقيم يأتي من التيمن. والظالم يظلم. والمنتهب ينتهب"١. (التيمن) تهامه. وشُبِّه رسول الله ﷺ بالريح العقيم في تدميره الكافرين، وأنه ﵇ يبعث في زمن جاهلية يظلم بعضها بعضاً وينتهبه، فجاء الأمر كما تنبأ به أشعيا ﵇.
- البشرى الثّالثة والثّلاثون: قال أشعيا ونَبَّه على انتشار العلم من الحجاز إلى أقطار الأرض: "يا سكان التيمن اسقوا العطاش الماء، وقوتوهم بخبزكم"٢. فالماء هَا هنا كناية عن العلم. قال المسيح في الإنجيل: / (٢/١١١/ب) "من شرب من هذا الماء يعطش. ومن شرب من الماء الذي أسقيه لا يعطش أبداً. بل تنبع مع بطنه عين ماء الحياة"٣.
عن العلم. قال المسيح في الإنجيل: / (٢/١١١/ب) "من شرب من هذا الماء يعطش. ومن شرب من الماء الذي أسقيه لا يعطش أبداً. بل تنبع مع بطنه عين ماء الحياة"٣.
يريد بالماء: العلم والحكمة. وذلك إخبار من أشعيا عن ظهور كتاب الله وسنة نبيّه. وكذلك قوله: "قوتوهم بخبزكم" على نحو قول المسيح في الإنجيل: "أنا هو خبز الحياة الذي من أكل منه لم يمت"١. وهذه كلّها كلمات متروكة الظاهر مؤولة. -[البشرى] ٢ الرّابعة والثّلاثون: قال أشعيا حاكياً عن الله تعالى: "اشكر حبيبي وابني أحمد"٣. فسمّاه الله حبيباً وسمّاه ابناً على اصطلاح اللسان العبراني. كتسمية إسرائيل ابناً غير أنه خصّه عليهم بمزيه. فقال: "حبيبي ابني اشكره". فَتَعَبُّد مثل أشعيا بشرك محمّد ﷺ ووضف عليه وعلى قومه شكره وإجلاله ليتبيّن قدره ومنْزلته عنده. وتلك منقبة لم يؤتها غيره من المرسلين. -[البشرى] ٤ الخامسة والثّلاثون: قال أشعيا: "إن الأمة التي كانت في الظلمات رأت نوراً باهراً. والذين كانوا في الدجى وتحت ظلال الموت سطع عليهم الضوء. فلقد أكثرت من الأتباع / (٢/١١٢/أ) والأحزاب لم يستكثر للاغتباط بهم. فأما هم فإنهم فرحوا بين يديك كمن يفرح يوم الحصاد وعند اقتسام الغنائم. لأنك فككت النير أيضاً الذي كان أذلهم والعصا التي كانت على أعناقهم. وكسرت القضيب الذي كان يستعبدهم مثل كسرك من كسرت في يوم مدين"٥.
ند اقتسام الغنائم. لأنك فككت النير أيضاً الذي كان أذلهم والعصا التي كانت على أعناقهم. وكسرت القضيب الذي كان يستعبدهم مثل كسرك من كسرت في يوم مدين"٥.
وذلك موافق لقول الله تعالى في نعت نبيّه محمّد ﷺ: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُم إِصْرَهُم وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَت عَلَيهُم﴾ . [سورة الأعراف، الآية: ١٥٧] . وبرسول الله ﷺ زالت١ ظلمة الشرك وحصل ضوء الإيمان. فكسر الأصنام وأباد الأوثان. وأعلن بالقرآن وعبد الرحمن. -[البشرى] ٢ السّادسة والثّلاثون: قال أشعيا: "إنا سمعنا من أطراف الأرض صوت محمّد"٣. وهذا إفصاح وليس بجمجمة وإعراب من أشعيا باسم رسول الله ﷺ، فليُرنا أهل الكتاب نبيّاً نصّت الأنبياء على اسمه صريحاً سوى رسول الله ﷺ. -[البشرى] ٤ السّابعة والثّلاثون: قال أشعيا - وسمي رسول الله ﷺ / (٢/١١٢/ب) ربّاً وإلهاً كتسمية موسى في التوراة -: "إنّ الرّبّ الإله سيظهر بالعزّ والحول والقوّة. أجره معه وعمله أمامه. فهو كالراعي الذي يحوط غنمه ويذودهم عن مراتع الهلاك"٥.
والدليل على ما قلناه أنه جعل (الرّبّ الإله) المذكور هو إنساناً له أجر وعمل. وقوله: (أجره معه) . يشير إلى الغنائم التي أحلت له وصفاياها، وقد وصفه أشعيا بالجهاد في سبيل الله واستيلائه على أعدائه بالحول والقوّة والعزّ. وكذلك كان ﵇. وهو١ وأمته الذين قهروا الجبابرة وكسروا الأكاسرة وأبادوا الفراعنة والقياصرة واستولوا على ممالك العالم٢ وهابتهم طبقات بني آدم. ومن شَدَّ طَرَفاً من مغازيهم عرف صحّة ما قلناه. -[البشرى] ٣ الثّامنة والثّلاثون: قال أشعيا وذكر ما امتن الله به على أهل الحجاز واليمن من أهل ملة محمّد ﷺ: "إن المساكين والضعفاء والذين جفت ألسنتهم من الظمأ سأسقيهم ماء حيث لا ماء لهم. / (٢/١١٣/أ) أنا الرّبّ أجيب دعوتهم ولن أهملهم بل أفجر لهم في الجبال الأنهار. وأجري بين القفار العيون. وأجعل في البدو آجاماً. وأجري في الأرض العطشى معيناً. وأنبت في القفار غروساً. ليعلم الناس أن يد الرّبّ فعلت ذلك. وقدوس إسرائيل ابتدعه"٤. فقد نصّ على أرض رسول الله ﷺ ووصفها بصفاتها وما فجر بها من الأنهار وأجرى من العيون وأنبت من الخيرات لأهلها. وذكر أن يده هي التي فعلت ذلك. وقد أكثر أشعيا ﵇ من ذكر محمّد وأحمد ووصفه أرضه وبلاده وبيته ومنازل أبيه إسماعيل. فلم يبق لجاحد علة ولا لمنكر ريبة.
ها. وذكر أن يده هي التي فعلت ذلك. وقد أكثر أشعيا ﵇ من ذكر محمّد وأحمد ووصفه أرضه وبلاده وبيته ومنازل أبيه إسماعيل. فلم يبق لجاحد علة ولا لمنكر ريبة.
-[البشرى] ١ التّاسعة والثّلاثون: قال أشعيا أيضاً: "لتسبحني وتحمدني حيوانات البر من بنات آوى حتى الأنعام. لأني أجريت الماء في البدو لتشرب منها أمتي المصطفاة التي اصطفيتها"٢. هذا يصدّقه قول رسول الله ﷺ وقد وَلَّى على أهل مكّة عتاب بن أسيد فقال له: "يا عتاب / (٢/١١٣/ب) أتدري على ما ولّيتك؟. ولّيتك على أهل الله". قالها مرّتين أو ثلاثاً٣. وكنَّى عن أهل الحجاز والبراري ببنات آوى والأنعام لسكنى الفيافي والقفار. وأخبر أشعيا أن الله تعالى اصطفى هذه الأمة من بين سائر الأمم. -[البشرى] الأربعون: قال أشعيا: "أنا الرّبّ ولا إله غيري. أنا الذي لا يخفى عليه خافية. بل يخبر العباد بما لم يكن قبل أن يكون، وأكشف لهم الحوادث والغيوب. وأُتِم مشيئتي كلها إني سأدعو طائراً من البدو البعيد الشاسع"٤. والطائر المدعو من البدو البعيد الشاسع هو محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم٥.
والغيوب. وأُتِم مشيئتي كلها إني سأدعو طائراً من البدو البعيد الشاسع"٤. والطائر المدعو من البدو البعيد الشاسع هو محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم٥.
-[البشرى] ١ الحادية والأربعون: قال أشعيا متنبئاً على ما شرحه الكتاب العزيز من نعيم أهل الجنة: "يا معشر العطاش توجهوا إلى الماء والورود. ومن ليس معه فضة فليذهب و [يمتر] ٢ ويأكل ويشرب من الخمر واللبن مجاناً بلا ثمن"٣. ذلك تصديق لقوله تعالى: / (٢/١١٤/أ) ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّر طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّن خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٍ مِّن عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُم فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ . [سورة محمّد ﷺ، الآية: ١٥] . وفي ذلك تكذيب للنصارى واليهود وكطائفة من أهل الأهواء إذ قالوا: ليس في الجنة شيء من هذه الملاذ. [البشرى] ٤ الثّانية والأربعون: قال أشعيا وتنبأ على دعاء محمّد رسول الله ﷺ الكافة وأخبر أن رسالته عامة إلى الناس أجمعين: "إني أقمتك شاهداً للشعوب، ومدبّراً وسلطاناً للأمم. لتدعو الأمم الذين لم تعرفهم. ويأتيك الأمم الذين لم يعرفوك هرولة وشدّاً من أجل الرّبّ إلهك. قدوس إسرائيل هو الذي أحمدك، فاطلبوا ما عند الرّبّ واستجيبوا له. وليرجع الخاطئ عن خطيئته والفاجر عن فجوره وليتب٥ إلي لأرحمه"٦.
اً من أجل الرّبّ إلهك. قدوس إسرائيل هو الذي أحمدك، فاطلبوا ما عند الرّبّ واستجيبوا له. وليرجع الخاطئ عن خطيئته والفاجر عن فجوره وليتب٥ إلي لأرحمه"٦.
فهذه نبوة مفصحة وبشرى مصرحة باسم أحمد ﷺ. وكأن كلماتها قد جمعها أشعيا من الكتاب العزيز والسنة الطاهرة. -[البشرى] ١ الثّالثة والأربعون: وقال أشعيا: "إن الله سبحانه نظر في الناس فلم ير من يعين على الحقّ فأنكر ذلك. / (٢/١١٤/ب) وبعث وليه فأنفذه بذراعه ومهد له بفضله. فاستلأم العفاف والبر كالدرع ووضع على رأسه إكليل الإغاثة والفلح. ولبس الخلاص لينتقم من المبغضين له المعاديين. ويجزي أهل الجزاء٢ جزاءهم أجمعين ليدوم اسم الله في مغارب الأرض وليخشع في مشارقها لجلاله سبحانه"٣. فقد استلأم ﵇ بالبر والتقى ولبسه والتحفه وارتدى، وخلّص أولياءه وانتقم من أعدائه. وأعلن باسم الله في مشارق الأرض ومغاربها. فهذه نبوات ظاهرة وبشارات متضافرة يؤمن بها من قضى الله له بالتوفيق ويجحدها من عدل به عن نهج الطريق. -[البشرى] ٤ الرّابعة والأربعون: قال أشعيا وتنبأ بها على مكّة: "قومي وأزهري مصباحك فقد دنا وقتك وكرامة الله طالعة عليك، فقد تخلل٥ الأرض الظلام وغطى على الأمم كلّها
الضباب، يشرق عليك إشراقاً. يظهر عليك كرامته. فتسير الأمم إلى نورك. والملوك إلى ضوء طلوعك١./ (٢/١١٥/أ) إنهم سيأتونك ويحجون إليك من البلد البعيد. ويتربى بنوك وبناتك على السرر والأرائك"٢. وهذه نبوءة على تخصيص مكّة بشدّ الرحال إليها وتمليك أهلها وظهور الإيمان بالله منها. وإزالة ظلم الجهل بمصباح العلم المأخوذ عن أولادها. فمن أبى من المخالفين تنْزيل هذا الكلام على مكّة والكعبة [فليرنا] ٣ كعبة أخرى في الأرض شرقاً وغرباً وشريعةً هاديةً من الضلال. وملة ثابتة خالدة على مرّ الأحوال. -[البشرى] ٤ الخامسة والأربعون: وقال أشعيا باسم الكعبة وحجها وتعظيمها: "إنه سيرد عليك أبناؤك من بلد بعيد. ومعهم فضتهم وذهبهم من أجل اسم الرّبّ إلهك قدوس إسرائيل الذي أحمدك. وتبنى أبناء الغرباء سورك. وتخدمك ملكوهم. وتفتح أبوابك آناء٥ الليل والنهار فلا تغلق. وتدخل إليك أرسال الأمم. وتقاد إليك ملوكهم أذلة. وكلّ أمة لا تخضع لك تتبدد تبديداً. والشعوب التي لا تخدمك/ (٢/١١٥/ب) تصطلم اصطلاماً. وتأتيك الكرامة من صنوبر لبنان البهي. ومن الأبهل لتبخر به بيتي وموضع قدمي ومستقر كرامتي. والقوم الذين كانوا يذلونك يأتون لتقبيل آثار أقدامك. وأجعلك كرامة إلى الأبد وغبطة وفرحاً إلى دهر الداهرين
بهل لتبخر به بيتي وموضع قدمي ومستقر كرامتي. والقوم الذين كانوا يذلونك يأتون لتقبيل آثار أقدامك. وأجعلك كرامة إلى الأبد وغبطة وفرحاً إلى دهر الداهرين
و [سترضعين] ١ ألبان الشعوب. وتصيبين من ذخائر الملوك. و [تعلمين] ٢ أني أنا الرّبّ مخلصك. والذي يجعل مصابحك تزهر إلى الأبد"٣. فهذا أشعيا قد نصّ فصرح وحقق أمر بيت الله العتيق وأفصح [فليوجد لنا] ٤ المخالف بيتاً لله تعالى موصوفاً بهذه الصفات مخصوصاً بهذه الكرامات مشتملاً على قدم إبراهيم مقبلاً مقبولاً في الغداة والأًصيل. -[البشرى] ٥ السّادسة والأربعون: قال أشعيا مخاطباً للنبيّ محمّد ﷺ: "هكذا يقول الرّبّ قدوس إسرائيل ستقوم لك الملوك إذا رأوك وتسجد لك السلاطين. لأن وعد الله حقّ وأنا الذي انتخبتك واخترتك وفي / (٢/١١٦/أ) شدائدك أعنتك. لنفسي اجتبيتك وجعلتك ميثاقاً للشعوب ونوراً للأمم. لترث الأرض وتطلق الأسرى المسجونين وتؤمنهم. وتجعل الجبال طرقاً مذللة. وتوافيك الأقوام من بلاد شاسعة. فسبحي أيتها السماء٦ واهتزي أيتها الأرض فرحاً وابتهجي أيتها الجبال بالحمد. فقد تلاقى الرّبّ شعبه ورحم المساكين من خلقه"٧. اعلم أن هذه النبوة لا تليق بغير رسول الله ﷺ فهو مختار الله ومجتباه ومنتخبه من خلقه. الذي أعانه على شدائده. وهو رجل واحد بغير أعوان ولا معتضد بأنصار حتى قهر الملوك فدانوا بدينه. والتزموا شرعه وتقيدوا بأحكامه وأخذوا بسنته طوعاً وكرهاً واختياراً وجبراً. وورث الأرض وفتحها هو وأمته شرقاً وغرباً
أنصار حتى قهر الملوك فدانوا بدينه. والتزموا شرعه وتقيدوا بأحكامه وأخذوا بسنته طوعاً وكرهاً واختياراً وجبراً. وورث الأرض وفتحها هو وأمته شرقاً وغرباً
وجنوباً وشمالاً. وقيد الملوك والطغاة. وفكّ الأسرى والمسجونين. وأمن الجبال الوعرة ودكّها فصارت شرائع وطرقاً١ مسلوكة. وقد كانت العرب قبل مبعثه ﷺ / (٢/١١٦/ب) محبوسة بأرضها [لا يتجاوزونها] ٢ من خوف فارس وكسرى وقيصر وغيرهما من الملوك. وأطلقها الله برسوله من سجنها. وأورثهم أرض فارس وقيصر وغيرهما وملكهم أموالهم فاستخرجوا ذخائرهم وحازوا معاقلهم وتملكوا عقائلهم. فإن قيل: ما معنى قول أشعيا في أوّل هذه البشارات: "يا قدوس إسرائيل". قلنا: هو إنما يخاطب في أيامه بني إسرائيل. وبنو إسرائيل إذا دعوا الله قالوا: يا قدوس إسرائيل افعل بناكذا وكذا. فاحتاج أن يخاطبهم بما يفهمون. -[البشرى] ٣ السّابعة والأربعون: قال أشعيا وتنبأ على الكعبة والركن الأسود: "هكذا يقول الرّبّ: هأنذا ناصب للأمم علماً وآية. وهي أنهم يأتونك بأبنائهم وبناتهم على أيديهم وأكتافهم وتكون الملوك ظؤورتك٤ وعاقل نسائهم مرضعاتك ويخرون على وجوههم سجداً لك ويلحسون تراب أقدامك. فتعلمين حينئذٍ أني أنا الرّبّ الذي لا يخزى الراجون لدى"٥. الظوؤورة: جمع ظئر. وهي: الداية والمزيِّنة / (٢/١١٧/أ) والمرضعة يشير إلى ما قام الملوك ونساء الملوك من خدمة المسجد الحرام وتحلية الكعبة وتزيينها بالديباج والذهب والفضة وتغليفها بالمسك وغسلها بالماورد المفتوق فيه الطيب٦ الفاخر. وتذللهم
ونساء الملوك من خدمة المسجد الحرام وتحلية الكعبة وتزيينها بالديباج والذهب والفضة وتغليفها بالمسك وغسلها بالماورد المفتوق فيه الطيب٦ الفاخر. وتذللهم
حولها وخضوعهم لأهلها وتطوافهم حولها. وتقبيلهم حجرها. حفاة الأقدام حسر الرؤوس مبتذلين متواضعين. فأي بيان أبين من هذا البيان لمن نوّر الله قلبه وجوهر لبه وأراد به الخير وحماه من الهوى؟!!. -[البشرى] ١ الثّامنة والأربعون: قال هوشاع٢ النبيّ وتنبأ على محمّد رسول الله ﷺ: "قال الرّبّ أنا الرّبّ الإله الذي رعيتك في البدو. وفي أرض قفر خراب غير مأهول. وفي أرض لا أنيس بها"٣. وما يعرف من هذا حاله سوى محمّد رسول الله ﷺ أو أبوه إسماعيل ﵇. -[البشرى] ٤ التّاسعة والأربعون: قال هوشع متنبأ على أمة محمّد ﵇: "قال الله: إنها أمة جليلة عزيزة لم يكن مثلها قط / (٢/١٧٢/ب) ولا تكون. النار تحرق من أمامها ومن خلفها"٥. وتلك أمة النبيّ محمّد ﷺ وهي التي لا تقوم لها شيء من الأمم كأنها النار في إحراقها، وقد وصفها الله بالجلالة والعزّة٦ وأنه لم يكن في العالم مثلها ولا يكون
أبداً. وتلك تزكية ومدحة جليلة وثناء فخم من الله لهذه الأمة. وهو دليل محبته لها لأنه تعالى إذا أحب شيئاً فخّمه وعظمه. فلله ربنا الحمد السرمد والمدح المؤبد. -[البشرى] ١ الخمسون: قال هوشع النبيّ على محمّد ﷺ: "وقد بلغ وقت النعمة ودنا ميقات الجزاء، فليعرف بنو إسرائيل الجهلة النبي السفير وليتبينوا٢ شأنه. فإنه لا خفاء بالرجل الذي عليه روح السفارة. وإن كثرة إثمهم وخطاياهم هي التي حملتهم على الخبث"٣. قوله: "قد بلغ وقت النعمة". يعني بذلك وقت محمّد ﷺ، فشهد هوشاع أنه نعمة على العالمين نظيره قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ . [سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧] . -[البشرى] ٤ الحادية الخمسون: قال هوشاع وهو أحد الاثني / (٢/١١٨/أ) عشر وتنبأ على أمة محمّد ﵇: "إن
إفرام قد اكتفى بالكذب والفرية، وبنو إسرائيل ويهوذا قد عنوا بالكذب والخيانة حتى نزلت أمة الله الأمة المقدسة المؤمنة"١. وهذه صفة أمة محمّد ﷺ. -[البشرى] ٢ [الثّانية] ٣ والخمسون: قال ميخا النبيّ وتنبأ على بيت الله الحرام وما يحجه من الناس: "إنه يكون في- آخر الأيام بيت الرّبّ مبنياً على قلل الجبال وفي أربع رؤوس العوالي. يأتيه جميع الأمم يقولون: تعالوا نطلع إلى جبل الرّبّ"٤. وذلك كله صفة البيت العتيق وجبل عرفة. فإن زعم أهل الكتاب أن ذلك بيت المقدس لم يصحّ قوله: "إن ذلك إنما يكون في آخر الأيام". وبيت المقدس قد كان موجوداً معظماً في زمن ميخاً قائل هذه النبوءة. والنبيّ إنما يتنبأ على شيء لم يأت ولا يتنبأ على ما هو حاضر عنده. -[البشرى] ٥ الثّالثة والخمسون: قال حبقوق وسمى محمّد رسول الله مرّتين في نبوته: "إن الله جاء من التيمان. والقدوس / (٢/١١٨/ب) من جبل فاران. لقد أضاءت السماء من بهاء محمّد. وامتلأت الأرض من حمده. شعاع منظره مثل النور. يحوط بلاده بعزّة. تسير المنايا أمامه. وتصحب سباع الطير أجناده. قام فمسح الأرض فتضعضعت له الجبال
محمّد. وامتلأت الأرض من حمده. شعاع منظره مثل النور. يحوط بلاده بعزّة. تسير المنايا أمامه. وتصحب سباع الطير أجناده. قام فمسح الأرض فتضعضعت له الجبال
القديمة. وانخفضت الروابي. وتزعزعت ستور أهل مدين. ولقد حاز المساعي القديمة - ثم قال: زجرك في الأنهار واحتدام أصواتك في البحار. وركبت الخيول. وعلوت مراكب الإنقاذ. وستترع في قسيك إغراقاً وترعاً. وترتوي السهام بأمرك يا محمّد ارتواء. ولقد رأتك الجبال فارتاعت. وانحرف عنك شؤبوب١ السيل. ونعرت٢ المهاري نعيراً ورعباً. ورفعت أيديها وجَلا وخوفاً. وسارت العساكر في بريق سهامك ولمعان نيازكك٣. تدوخ الأرض غضباً وتدوس الأمم زجراً. لأنك ظهرت بخلاص أمتك وإنقاذ تراث آبائك"٤. اعلم أنه من رام صرف نبوة حبقوق هذه عن محمّد ﷺ فقد رام ستر النهار وحبس الأنهار. وأنّى يقدر/ (٢/١١٩/أ) على ذلك وقد سماه باسمه مرّتين وأخبره بقوة أمته وسير المنايا أمامهم واتباع جوارح الطير آثارهم. وهذه النبوة لا تليق إلاّ بمحمّد ولا تصلح إلاّ له ولا تنَزَّل إلاّ عليه فمن حاول صرفها عنه فقد حاول ممتنعاً. -[البشرى] ٥ الرّابعة والخمسون: قال صفنيا النبي ﵇ وتنبأ على كلمة التوحيد هي شهادة أن لا إله إلاّ الله: "أيّها الإنس تَرجوا اليوم الذي أقوم فيه للشهادة. فقد حان أن أُظهر
ة والخمسون: قال صفنيا النبي ﵇ وتنبأ على كلمة التوحيد هي شهادة أن لا إله إلاّ الله: "أيّها الإنس تَرجوا اليوم الذي أقوم فيه للشهادة. فقد حان أن أُظهر
حكمي لحشر الأمم كلها. هنالك أجدد لهم اللغة المختارة ليعلنوا باسم الرّبّ جميعاً ويعبدوه في ربقة واحدة. ويأتون بالذبائح في تلك الأيام من معابر أنهار كوش"١. واللغة المختارة هي لغة العرب. وهي التي طبقت الأرض وملأت الدنيا وتكلم غير أهلها وهجروا لغاتهم لخفتها. ومعابر أنها ركوش هي نواحي اليمن والحجاز، وهي التي تساق منها الأغنام والهدي إلى بيت الله الحرام. فمن ظن أن (كوش) تحمل أغنامه وذبائحه إلى الشام وبيت المقدس فقد ظنّ عجزاً. -[البشرى] ٢ الخامسة والخمسون: (٢/١١٩/ب) قال زكريا النبيّ وتنبأ أيضاً على جمع كلمة التوحيد وصيرورة الدين ديناً واحداً: "أنه يكون الرّبّ يومئذٍ ربّاً واحداً ويكون اسمه اسماً واحداً"٣. وقد صار الأمر كذلك بمحمّد رسول الله ﷺ، شرقاً وغرباً فجنوباً وشمالاً، فمن شَذَّ عن ذلك فإلى النار. -[البشرى] ٤ السّادسة والخمسون: قال زكريا أيضاً: "وفي ذلك اليوم يكون اسم الرّبّ القدوس على كلّ شيء حتى على لجام الفرس"٥. فقد تمت هذه النبوة ببعثة محمّد ﷺ. وصار اسم الله على كلّ شيء من ثوب



