— Bagian 4 · ى بَعْضٍ﴾ . [سورة الإسراء، الآية: ٥٥] .ولا غرو أ… —
Bagian 4
ى بَعْضٍ﴾ . [سورة الإسراء، الآية: ٥٥] .ولا غرو أن يفضُل المسيح يونس كما فضُل محمّد سائر الرسل على ما نوضحه إن شاء الله في الباب العاشر من هذا الكتاب. فأما قوله: "إن ابن الإنسان يكون في قلب الأرض وبطنها ثلاثة أيام وثلاث ليال"، إن سلم عن الاختلاق فذلك محمول على الشبه / (١/٤٥/ب) الذي قتله اليهود وصلبوه فإنه ابن الإنسان، فأما المسيح فهو عندكم معشر النصارى ابن الله، وإلاّ فما بالكم في صلواتكم وبيعكم لا تدعون المسيح ابن الإنسان، فتقولون في أدعيتكم وقراءتكم: يا ابن الإنسان اغفر لنا، يا ابن الإنسان ارحمنا، هذا شيء لا تقولون به ولا تستجيزون إطلاقه، فكيف صرتم إذا لدغتكم حجاج
الحقّ تستروحون إلى ما لا تقولون به؟! هل ذلك إلاّ حيرة وضلال وغلو في عبادة الرجال؟! على أنا نريكم من الإنجيل ما يسيء ظنكم بهذا الفصل وينفركم من القول بصحته وذلك أن الإنجيل الذي بأيديكم يشهد أن المصلوب لم يمكث في بطن الأرض وقلبها سوى يوم واحد وليلتين لا غير، لأن الإنجيل يشهد: "إن يوسف الرامي١ استوهب الجسد من فيلاطس٢ القائد عَشية الجمعة ودفنه في قبر كان قد اتّخذه له ليلة السبت، وبقي يوم السبت مدفوناً، وطلب بكرة يوم الأحد غلساً فلم يوجد سوى الأكفان في القبر موضوعة بشادة مريم المجدلانية٣ خادمة المسيح وغيرها"٤. فلم يلبث سوى يوم / (١/٤٦/أ) وليلتين، فقد اختلف قولكم أنه يقيم في قلب الأرض وبطنها ما أقام يونان في بطن الحوت وهو ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ٥. فأي وثوق بقي يحصل لعاقل بكم؟ وأي طمأنينة تتفق بنقلكم؟ وأية حجّة
أنه يقيم في قلب الأرض وبطنها ما أقام يونان في بطن الحوت وهو ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ٥. فأي وثوق بقي يحصل لعاقل بكم؟ وأي طمأنينة تتفق بنقلكم؟ وأية حجّة
لكم على تصحيح مذهبكم في القتل والصلب بعد صدور هذا الكذب الشنيع؟!. فإذا كان هذا تحريفكم في أمر يتعلق بالعدد مما لا تعظم فيه المؤنة ولم تشتد الكلفة، فكيف يوثق بكم فيما وراءه؟! ونحن إذا انتهينا معكم إلى ذكر القتل والصلب أريناكم غلطكم في دعوى قتل المسيح وصلبه وأبدينا لكم من الأناجيل التي بأيديكم ما يدل على خلاف ما صرتّم إليه وأرشدناكم إلى وجه الاستنباط منه؛ رجاء الأجر فيكم والمثوبة في هداية بعضكم، وتبصرة وإيضاحاً لإخواننا المسلمين، وتعريفاً لهم مصداق قول ربنا جل اسمه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُم﴾ . [سورة النساء، الآية: ١٥٧] . ٩- معجزة دالة على نبوة المسيح ﵇، قال متى: "حضر إلى يسوع جمع كثير وليس عنده إلاّ / (١/٤٦/ب) خمس خبزات [وحوتان] ١ فرفع بصره إلى السماء ودعا وبارك على الطعام فأكل الجمع وشبعوا وفضلت كسر كثيرة"٢. إن قدح اليهود في هذه الآية وزعموا أنها قُيدت في الإنجيل هي وأخواتها من غير أن يكون لها صحة، فيقال لهم: فما يؤمنكم أن يكون أيضاً قد قيل في كتاب التوراة التي بأيديكم ما ليس له صحة ولا تحقيق؟ فإن زعموا أن أسلافهم الذين نقلوا إليهم خوارق التوراة انتهوا في الثقة والديانة والصدق والأمانة إلى حدّ أمنوا معه هذه الغائلة، أجيبوا بمثل ذلك، وقيل لهم: الناقلون لمعجزات المسيح أيضاً انتهوا من الدين والتقى والعفاف إلى غاية انتفت عنهم أسباب التهم.
وإن قال النصارى: هذه الآية تدل على ربوبية المسيح، قلنا: كيف ذلك، وها هو قد رفع وجهه إلى السماء وحرك أخلاف الإجابة بأنامل الدعاء، وهذا هو دأب الأنبياء وسنة الأولياء إذ دُفِعوا لبثِّ الحقّ وإرشاد الخلق رغبوا إلى معبودهم وطبلوا إليه ما يحقق قصدهم ويعرف أممهم / (١/٤٧/أ) صدقهم والخلائق عيال الله، والنبي نائب عنه في إيصال رزقه إلى خلقه، وبالجملة فلو جاز أن يعتقد في المسيح الربوبية بمثل هذه الدعوى لجاز أن يعتقد في موسى: "بإطعام قومه المن والسلوى وهم يزيدون على ستمائة ألف نفس سوى النساء والصبيان. فأما المن فكان يسقط على الأرض الليل كله كصفائح الجليد أبيض كحب الكزبرة وطعمه كشهد العسل، وأما السلوى فطائر السمان كان يتراكم على الأرض في عسكر بني إسرائيل حتى ملأ الرحاب"١. وهذا أعجب من فعل المسيح في الحوتين والخمسة الأرغفة؛ إذ آية المسيح تكثير خبز موجود، وآية موسى إيصال خير مفقود وقد اشتملت التوراة على عدة من الخوارق لم يأت المسيح بنظيرها فنسمح بشطرها. ١٠- بعد ذوي اليسار٢ عن مقام الأبرار، قال متى: "قال رجل ليسوع: يا معلم ما أعمل من الصلاح لأرث الحياة الدائمة؟ فقال: احفظ الوصايا، قال: وما هي؟ قال: لا تقتل. لا تزن، لا تسرق، لا تشهد بالزور /١/٤٧/ب) أكرم أباك وأمك، وأحبب قريبك مثلك، فقال الرجل: كل هذا قد عرفته منذ صباي. فما الذي بقي علي؟ فقال المسيح: إن كنت تريد أن تكون كاملاً فاذهب وبع كلّ شيء لك وأعطه للمساكين ليكون لك كنْزاً في السماء وتعال اتبعني. فلما
منذ صباي. فما الذي بقي علي؟ فقال المسيح: إن كنت تريد أن تكون كاملاً فاذهب وبع كلّ شيء لك وأعطه للمساكين ليكون لك كنْزاً في السماء وتعال اتبعني. فلما
سمع الرجل هذا الكلام مضى حزيناً؛ لأن ماله كان كثيراً، فقال المسيح: الحق أقول لكم، إن دخول الجمل في سم الخياط أيسر من دخول الغني ملكوت الله، فقال التلاميذ: من يقدر على هذا؟ فقال لهم: أما عند الناس فما يستطاع هذا، وأما عند الله فكل مستطاع. الأنبياء إنما بعثوا بالزهد في الدنيا والتفرغ للمولى والتزود للعقبى"١. وهذا الكلام من المسيح دال على نبوته ورسالته وفيه ما يهدم قاعدة من قواعد النصارى وهو: جعله حفظ وصايا الله المذكورة في هذا الفصل سبب الخلاص وإرث الحياة الدائمة من غير حاجة إلى قتل المسيح وصلبه. وعند النصارى أن الناس لا يخلصهم من الخطيئة إلاّ قتل المسيح وسفك دمه إذ يقولون في الأمانة / (١/٤٨/أ) : "من أجلنا معشر الناس ومن أجل خلاصنا نزل المسيح من السماء وتجسد وولد وقتل وصلب". وهو ذا المسيح يكذب تلك الأمانة ويزري على من أَلَّفها إذ جعل الخلاص منوطاً بحفظ وصايا الله وأتباع أمره، ولم يوقف الخلاص على ما هذوا به في الأمانة التي هي في الحقيقة خيانة، والشريعة التي هي لإضاعة الشريعة ذريعة، فهلاَّ قال المسيح للرجل: لا ترث الحياة الدائمة حتى تعتقد ربوبيتي وتدين بألوهيتي وتعتقد أني إله حقّ من إله حقّ من جوهر الله، وتعترف بأني أتقنت العوالم وخلقت كل شيء وأني إله مسجون في إنسان أو متّحد به - كما لفقوه في شريعة إيمانهم وتسبيحة دينهم؟!. وحاشاه حاشاه أن يناط به هذا الوضَر٢ ويغشاه؛ إذ هو القائل في إنجيله وفي أدعية ربّه تعالى: "أنت الإله الحقّ وحدك الذي أرسلت يسوع المسيح"٣.
وقال: "لا صالح إلاّ الله وحد"١. وقال لرجل وهو يوصيه: "أحب الله من كلّ قلبك ومن كل قوتك ففي هذه الوصية جميع وصايا الأنبياء"٢. / (١/٤٨/ب) . وقال:"أنا ذاهب إلى إلهي وإلهكم"٣. يقول ذلك للحواريين. فهذه نصوصه في التوحيد ونفي التثليث٤. فمن أين جاءت النصارى هذه الداهية؟! ٥. أسأل الله العصمة.
. وقال:"أنا ذاهب إلى إلهي وإلهكم"٣. يقول ذلك للحواريين. فهذه نصوصه في التوحيد ونفي التثليث٤. فمن أين جاءت النصارى هذه الداهية؟! ٥. أسأل الله العصمة.
١١- اعتراف أهل زمانه بنبوته واستجابتهم لدعوته: انقسم الناس في وقته أقساماً، فمنهم من يرميه بالخنا وبنوة الزنى، ومنهم من اعترف بنبوته واستجاب لدعوته، ومنهم من أدركته النفاسة وخشي أن يستلب الرئاسة، وداء الحسد متى استولى على الجسد فسد، وهو داء قديم من يوم: (أخرج منها فإنك رجيم) ١. قال رجل من الصحابة٢: يا رسول الله أرفق بعبد الله بن أبيّ،
فوالله لقد جاء الله بك وإنا لننظم له الخرز لنملكه علينا، فإنه ليرى أنك استلبته ملكاً١، فرفق به ﵇ كما علم ولم يعرض له حتى اخترم. قال متى: "لما دنا يسوع وأصحابه من أورشليم أرسل من جاءه بأتان وجحش فركب وفرش الناس له ثيابهم فارتجَّت المدينة لدخوله وقال الجمع: هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل، فدخل إلى / (١/٤٩/أ) هيكل الله وأخرج الباعة الذين فيه وأمر برفع موائد الصيارف وكراسي باعة الحمام وقال: مكتوب أن بيت الله بيت الصلاة يدعى، وأنتم صيَّرتموه مغارة للصوص وكل مفسد"٢. قلت: هذا الفعل من المسيح قريب من قوله ﵇ حين بال الأعرابي في المسجد: "صبوا عليه ذَنُوباً من ماء، إن المساجد لم تُبنَ لهذا، إنما بُنِيت للصلاة والذكر"٣. وفي الفصل: أن أحسن أقوال الناس فيه كان قول من يقول: هو نبي من الأنبياء. وفيه: أن المسيح احتاج أن يركب حماراً من التعب والإعياء وذلك يكذب الأمانة إذ تقول: "إن المسيح من جوهر الله". وقد خلق الله الخلق في ستة أيام وما مسَّه من لغوبٍ، فكيف يفتقر مَنْ هو مِن جوهره إلى المركوب؟! وإنما هو على الحقيقة من جوهر أبيه يعقوب، كما نطق به الإنجيل عن جبريل. ١٢- ومن الدلالة على نبوته إقراره من ينطق بنبوته على ذلك وترك الإنكار عليه:
قال لوقا في إنجيله: "صحب يسوع بعد قيامه رجلين/ (١/٤٩/ب) وهما يتحدثان في أمره وأمر اليهود فقال لهما: مَن تذكران؟ وكانت أعينهما ممسوكة عن معرفته، فقالا: يسوع الناصري كان رجلاً نبياً قوياً بالأعمال، فلم ينكر عليهما وسار معهما فأضافاه وبات عندهما"١. فكيف يُقرِّهما على الكفر أنه إله وربّ كما يقول النصارى؟ وهَلاَّ نبههما وعرَّفهما خطأ ما قالا. فكيف يسكت على ما لا يجوز؟! فقد كان يقاوم اليهود في المحافل ويخزيهم ويلعنهم فيالمجالس ولا يغتفر لهم الزلل ولا يغطي منهم على الخطأ والخطل٢ ويحاققهم فيما لا تعم به البلوى، فكيف يجوز أن يسامح في أمر يتعلق بالربوبية؟! وكيف يداهن الرجلين ويسمح لهما في أن يعتقدوا نبوته وهو ربهم وخالقهم وإلههم ويؤخر البيان عن وقت حاجتهم إليه، وهو في الساعة التي أزمع فيها على مفارة أهل الأرض وقد صار لهما عليه مع حقّ العبودية حقّ الرفاقة واسترسال الصحبة والمبايتة وهو يسمعهما يشهدان أن المشيح كان نبيّاً قويّاً بالأعمال؟! / (١/٥٠/أ) . والمداهنة في الدين لا تليق بمثل المسيح مع أنه لا حاجة به في تيك الساعة إليهما، فإقرارهما على ما قالا ومسايرته لهما ومبيته عندهما تناوله طعامهما رضا بقولهما فيه وحكماً بصحة ما ذهبا إليه من نبوته، فكيف لم ترض النصارى له بما رضي هو لنفسه من أهل زمانه؟!. ١٣- دليل على نبوته من مفهوم قوله: قال متى: "جاء إلى يسوع رؤساء الكهنة فقالوا: بأي سلطان تفعل هذا؟ ومن الذي أعطاك هذا السلطان؟ فقال يسوع: وأنا أسألكم عن كلمة واحدة: معمودية يوحنا من أين هي؟ أمن الله أم
يسوع رؤساء الكهنة فقالوا: بأي سلطان تفعل هذا؟ ومن الذي أعطاك هذا السلطان؟ فقال يسوع: وأنا أسألكم عن كلمة واحدة: معمودية يوحنا من أين هي؟ أمن الله أم
من الناس؟ فقالوا: لا نعلم. فقال: وأنا أيضاً لا أعرفكم بأي سلطان أفعل ما أفعل، ثم قال: الحق أقول لكم إن الزناة والعشارين سيسبقونكم إلى ملكوت الله، جاءكم يوحنا بطريق العدل فلم تؤمنوا به والعشارون والزناة آمنوا"١. هذا القول بمفهومه يدلّ على بنوته إذ جعل أفعاله وأفعال يحيى بن زكريا تخرج من مشكاة واحدة، وفي هذا الكلام ما يهدم على النصارى قطباً من أقطاب كفرهم، وهو ما حكيناه عنهم / (١/٥٠/ب) من أنه لا يخرجهم من الخطيئة التي ورطهم فيها أبوهم آدم إلاّ قتل المسيح، وها هو يقول إن الزناة والعشارين يسبقون اليهود إلى الملكوت بالتوبة والانصباغ في معموديته ومعمودية يوحنا، ولم يحوجهم إلى غير ذلك، ولم يُرجِ خلاصهم إلى قتله وصلبه كما يهتف به النصارى، بل جعل التوبة وحسن الاتباع كافياً في ذلك. ١٤- ومن الدليل على نبوته دعاؤه إلى الله سبحانه أسوة غيره من الرسل: قال متى: "قال له قائل: يا معلم، أيما أعظم الوصايا في الناموس؟ قال: أعظم الوصايا في الناموس أن تحبّ الربّ إلهك من كلّ قلبك ومن كلّ نفسك ومن كلّ فكرك ومن كل قوتك ففي هذا جميع نواميس الأنبياء"٢. قلت: لو كان الأمر على ما يعتقد أهل الضلال لقال للرجال: "أعظم الوصايا في الناموس أن تحب الثالوث والصليب، كلا والله، وأين هذا الهذيان من نواميس الأنبياء؟! وأعظم النواميس توراة موسى ثم داود ثم أشعيا وقد فليناها طرقاً تترى وتصفحناها بطناً وظهراً، فلم نر فها / (١/٥١/أ) ما يدعيه النصارى أصلاً البتة، ولقد شددت على من تنكب التوحيد أشد تشديد حتى قالت: "أيما
يناها طرقاً تترى وتصفحناها بطناً وظهراً، فلم نر فها / (١/٥١/أ) ما يدعيه النصارى أصلاً البتة، ولقد شددت على من تنكب التوحيد أشد تشديد حتى قالت: "أيما
نفس أشركت مع الله غيره في حبها فأهلكوا تلك النفس من شعبها"١. ١٥- دليل صحيح على نبوة المسيح، قال متى: "قال يسوع المسيح وهو يخطب البلد: يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم من مرة أردت أن أجمع بنيك حولك كما تجمع الدجاجة فراريجها فلم يريدوا"٢. وجه الدلالة من هذا الكلام أنهم كانوا يتوثبون عليه في المجالس بأورشليم يريدون قتله، إذ كان يفحمهم بالحجج فربما تناولوا الحجارة ليحصبوه فيتوارى ويخرج من بينهم ويذهب. وقد قتلوا عدة من أنبيائهم بها، فكأنه يقول: "تريدون قتلي كما فعلتم بمن تقدمني"، والخطاب للبلد والمراد أهلها، والقول بنبوته ألزم على قول النصارى إنه قتل بأورشليم؛ لأنه سماها قاتلة الأنبياء ولم يقل يا قاتلة الإله، وفي الكلام ما يمنعهم من اعتقاد ربوبيته؛ لأنه أراد جمعهم على الإيمان فلم تنفذ إرادته، ومَنْ هذا / (١/٥١/ب) سبيله فلا يصلح للربوبية؛ فقد شهد على نفسه بالعجز عن جمعهم على الدين والهدى، وأولى ذلك لربّه عزوجل إذ يقول في دعائه: "أيها الأب كلّ شيء بقدرتك اصرف عني هذا الكأس". كما تقدم. والعجب أن المسيح أراد وأراد اليهود فنفذت إرادتهم وقصرت إرادته، إذ قال: إنه أراد أن يجمعهم، فلم يريدوا هم، وإله تقصر إرادته وتنفذ إرادة عدوّه إله ضعيف. وهذا فاعلم حال الأنبياء مع كفار قومهم، قال الله تعالى لنبيّه ﵇: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُم وَلَكِنَ الله يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ . [سورة البقرة، الآية: ٢٨٢] . وقال:
﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ . [سورة يونس، الآية: ٩٩] . وفي هذا الكلام إثبات مزية لموسى ﵇، وذلك أن موسى ﵇ أراد جمع قومه على الإيمان فاستجابوا وأذعنوا، وأمرهم بالنفر معه فسارعوا وظعنوا، فأخرجهم من مصر وجلَّلهم النصر، وشقّ بهم البحر، ورفع عنهم السيف بعد أن بلغ النحر، وقاتل بهم الملوك فلم يغلب، وقهر العمالقة والجبابرة ولم يقتل ولم يصلب. فما نرى موسى إلاّ كان أحقّ أن يُدَّعى له ما ادُّعي في المسيح. / (١/٥٢/أ) . فلو أن النصارى جمعت بين قوله للبلد: "يا قاتلة الأنبياء" وبين دعواهم أنه قتل بها لما وسعهم إلا القول بنبوته ولكن أفهام القوم بعيدة عن هذا النمط، قريبة من السقط والغلط. ألا ترهم كيف جمعوا في الاعتقاد بين الأضداد فقالوا في تسبيحة أمانتهم: "نؤمن بالرّبّ أيسوع المسيح الذي أتقنت العوالم بيده وخلق كلّ شيء وقتل وصلب أيام هيردوس؟! ". فبينا هم ينعتونه بالرّبّ المجيد إذ وصفوه بذُلٍّ ما عليه مزيد!. ١٦- شهادة أشعيا للمسيح ﵉ بالنبوة والرسالة وتكذيب اليهود فيما قرفوه به. قال لوقا: "جاء يسوع إلى الناصرة حيث تربى ودخل كعادته في مجامعهم يوم السبت ليقرأ فدفع إليه سفر أشعيا النبي فلما فتحه إذ فيه مكتوب: "روح الرّبّ عليّ من أجل هذا مسحني وأرسلني لأبشر المساكين، وأشفى منكسري القلوب، وأنذر المأسورين بالتخلية، والعميان بالنظر، وأبشر بالسنة المقبولة". ثم طوى السفر ودفعه إلى / (١/٥٢/ب) الخادم فجعلوا ينظرون إليه، فقال: اليوم كمل هذا المكتوب في سماعكم, فجلعوا يقولون: أليس هذا ابن يوسف؟!
نة المقبولة". ثم طوى السفر ودفعه إلى / (١/٥٢/ب) الخادم فجعلوا ينظرون إليه، فقال: اليوم كمل هذا المكتوب في سماعكم, فجلعوا يقولون: أليس هذا ابن يوسف؟!
فقال: الحقّ أقول لكم إنه لا يقبل نبي في مدينته وعند عشيرته"١. فهذه بنوة من أشعيا على تصديق المسيح في دعوى النبوة والرسالة، وقد ذكر أن روح الرّبّ عليه، وهو نزول روح القدس الذي هو العلم والحكمة والواصلة إليه مع الملك، كقول الله في التوراة لموسى: "يصنع لك قبة الزمان بصلئيل٢ الذي من سبط يهوذا ورفيقه الذي من سبط دان وهما اللذان ملأتهما روح الله بالعلم والحكمة"٣. وكقول الإنجيل: "إن يوحنا بن زكريا امتلأ من روح القدس وهو في بطن أمه"٤. وكقول المسيح في الإنجيل: "إن سمعان٥ كان ينتظر عزاء إسرائيل وكانت روح القدس تحل عليه"٦. فهذه الروح متى حلت على آدمي تنبأ أو نطق بالحكمة وذلك مشهور عند أهل الكتاب. وقد حكينا قول الله في الكتاب العزيز في حقّ المؤمنين: ﴿وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ . [سورة المجادلة، الآية:٢٢] . وقال أشعيا النبي في كتابه: "قال الله لي: اخرج إلى بقعة كذا وكذا، فخرجت / (١/٥٣/أ) فجاءت الروح فدخلت فيَّ فأقامتني على رجلي"٧. فهذه الروح متى جاءت نبياً كانت وحياً، ومتى جاءت ولياً من أولياء الله أكسته إلهاماً عن الله
جت / (١/٥٣/أ) فجاءت الروح فدخلت فيَّ فأقامتني على رجلي"٧. فهذه الروح متى جاءت نبياً كانت وحياً، ومتى جاءت ولياً من أولياء الله أكسته إلهاماً عن الله
وجودة وفراسة وصدق توسم قال الله في كتابه العزيز: ﴿ ... إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلمُتَوَسِّمِينَ﴾ . [سورة الحجر، الآية: ٧٥] . وقال سيّدنا محمّد رسول الله ﷺ: "إن من أمتي [محدثين] "١ ٢. وقد قال النصارى: قال المسيح لأصحابه: "لا تهتموا بها تقولون إذا حضرتم المجالس فإن روح أبيكم الحال فيكم هي تنطق عنكم بالعلم والحكمة"٣. فأما قول المسيح في آخر الكلام عندما وخزه الناس بأبصارهم: "إنه لا يقبل نبيّ في بلدته وعند عشيرته"٤، فذلك واضح في نبوته لمن أراد الله هدايته. واعلم أن من لاحظ هذا الفصل يعين الإنصاف لم يتخالجه الشكوك في نبوة المسيح وأن اعتقادها هو الاعتقاد الصحيح، ولهذا تجد كثيراً من عقلاء النصارى يضمرون اعتقاد نبوته دون ربوبيته، ولكن لا يبوحون بذلك خشية الجمهور مع الأُنس بالمَرْبَى، إذ كل مولود يولد على الفطرة / (١/٥٣/ب) فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه٥.
نبوته دون ربوبيته، ولكن لا يبوحون بذلك خشية الجمهور مع الأُنس بالمَرْبَى، إذ كل مولود يولد على الفطرة / (١/٥٣/ب) فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه٥.
١٧- خارق من خوارق نبوته يتحقق به كذب اليهود وبهتهم فيما نسبوه إليه: قال لوقا: "رأى يسوع جنازة شاب واحد لأمه ومعها جمع من أهل المدينة ورآها تبكي وراءه، فَرَقَّ لها وتحنن عليها، وقال لها: لا تبكي. ثم تقدم ومس النعش فوقف الحاملون، فقال يسوع للميت: لك أقول يا شاب قم فاجلس. فجلس الميت وتكلم فدفعه لأمه ومجدوا الله، فقال الناس: لقد قام فينا نبيّ عظيم وتعاهد الله شعبه بصلاح. فذاع ذلك اليهودية"١. فإن أنكر اليهود دلالة هذه المعجزة على النبوة وصلاحيتها لدعوى الرسالة، قلنا لهم: فلعل انقلاب العصا حيواناً ذا عينين لا يدل أيضاً على النبوة، وحيث بطل القول بذلك بطل هذا. على أن آية المسيح أوضح في الدلالة وذلك أن إحياء من مات أوثق في النفوس من اضطراب خشبة وتحركها، مع احتمال السحر والشعبذة، كيف واليهود يزعمون أن سحرة / (١/٥٤/أ) فرعون عارضوا موسى وفعلوا مثل فعله على ما يشهد بذلك توراتهم٢؟ وذلك متعذر في إحياء الميت، فقد وضحت نبوته، وأكذب الله اليهود وأخزاهم بظهور صدقه. وقد شهد له الجمع العظيم بالنبوة وبقولهم: (لقد قام فينا نبي عظيم". وذلك حجة على النصارى، إذ صَحَّ عن خيار أسلافهم أنهم شهدوا له بالنبوة، فكيف يدعي المتأخرون ألوهيته؟! وإنما طريق من غاب الأخذ عمن حضر، فإن زعم النصارى اليوم أن قول ذلك الجمع ليس بحجة في إثبات نبوته، قلنا لهم: الحجة القاطعة تقريرهم على ذلك والرضا منهم به وترك الإنكار عليهم. أفتقول النصارى - ويلهم - إن المسيح ﵇ أقرّهم على الكفر وقول الباطل؟! وهل تسمية الله نبيّاً إلاّ كتسمية النبيّ إلهاً؟! وكيف يعتقد في المسيح
أن يسمعهم ينطقون بالمحال ولا يرشدهم؟! وهو القائل في إنجيله: "لا تدعوا لكم معلماً على الأرض فإن معلمكم هو المسيح"١. والأنبياء كلهم معلمون. "ولا تدعوا لكم مدبراً في الأرض فإن مدبركم هو المسيح". / (١/٥٤/ب) وإذا كان المسيح هو معلمهم ومدبرهم، فكيف تقولون إنه أهملهم وتركهم يخبطون في عمياء ويتيهون في ظلماء ويخاطبون ربّهم بأنه نبي من الأنبياء ثم لا يرشدهم إلى اعتقاد الحقّ وقول الصدق؟!. فإن استروح النصارى في دعواهم ربوبيته إلى إحياء الميت أريناهم من كتبهم التي بأيديهم جماعة من أنبيائهم قد أحيوا الموتى مثل: إلياس واليسع وحزقيال وغيرهم ولم يخرجهم هذا الصنع عن كونهم عبادالله تعالى. فإن قال النصارى: إن أولئك كانوا إذا راموا شيئاً من ذلك تضرعوا إلى المسيح وسألوه وطلبوه منه المعونة ودعوه، قلبنا عليهم السؤال وقلنا. فلعل المسيح كان إذا رام شيئاً من هذه الآيات تضرع إلى أحد من ذكرنا وسأله ودعاه وطلب منه فهم متقدمون عليه وأرواحهم في حضرة الملكوت قبله، وهو متأخر عنهم فهو أحقّ أن يسألهم من أن يسألوه. فقد وضح بذلك نبوته واستوى حاله وحال من تقدمه من إخوانه الأنبياء صلوات الله عليهم أجعين. ١٨- شهادة فولس بنبوة المسيح ورسالته / (١/٥٥/أ) وأنه واسطة بين الله وبين عبادة أسوة غيره من الأنبياء. قال في الرسالة الرابعة عشرة إلى العبرانيين: "أما أنتم فاقتربتم من جبل صهيون ومن مدينة الله أورشليم التي في السماء ومن ديوان الملائكة ومن الله ديّان الجميع ومن يسوع المسيح واسطة الوصية الحديثة الذي هو أفضل من هابيل"٢.
ل صهيون ومن مدينة الله أورشليم التي في السماء ومن ديوان الملائكة ومن الله ديّان الجميع ومن يسوع المسيح واسطة الوصية الحديثة الذي هو أفضل من هابيل"٢.
فهذا فولس لم يدع للمسيح ما يتقوله النصارى من ربوبية المسيح وألوهيته، بل يشهد بأنه سفير وواسطة بين الله وبين عباده في الوصية١. ويخبر بأنه أفضل من هابيل، وكلّ تصريح منه بخلاف ما ذهب النصارى إليه. ١٩- بيان أنه كان يضيف ما يفعله إلى الله تعالى، قال لوقا: "أُتي المسيح بمجنون لا يسكن إلاّ المقابر لا يلبس ثوباً فلما رأى يسوع خرّ بين يديه وقال: يا يسوع سألتك بالله ولا تعذبني. فأمره أن يخرج من الرجل فخرج، ثم أفاق الرجل وسأل يسوع الصحبة فقال له: اذهب وأخبر بالذي صنع الله بك. فذهب فجعل ينادي بذلك في المدينة"٢. قلت: طلب الرجل صحبة المسيح فصرفه وعرفه أن الشفاء من الله وأمره بإشاعة / (١/٥٥/ب) شكر الله، فقال: أخبر بالذي صنع الله بك. ولم يقل: بالذي صنعت بك. فإن قال النصارى: لا فرق بينهما، إذ كان المسيح هو الله، والله هو المسيح. قلنا لهم: فالمجنون إذاً أعقل وأعرف بالله منكم؛ إذ يقول: يا يسوع أسألك بالله، فقد عرف الله تعال على [حدً] ٣ وعرف المسيح على [حدٍ] ٤ وأدرك التفرقة بين الإله المقسم به وبين الإنسان المقسم عليه. وأنتم تقولون إن الإله هو الإنسان والإنسان هو الإله، فأيكم أولى بالجنون؟!.
يح على [حدٍ] ٤ وأدرك التفرقة بين الإله المقسم به وبين الإنسان المقسم عليه. وأنتم تقولون إن الإله هو الإنسان والإنسان هو الإله، فأيكم أولى بالجنون؟!.
إن طرق اليهود إلى هذا شيئاً من الطعن انعكس عليهم في [حية] ١ النحاس وغيرها؛ إذ طريق ثبوت الكلّ واحد، فالاعتراض على نوع منها يعود على سائرها، ولا سبيل إلى ردّ شيء منها. ٢٠- دليل على رسالته من لفظه، قالو لوقا: "اختار يسوع سبعين [رجلاً] ٢ وبعثهم إلى كلّ موضع أزمع أن يأتيه، وقال: الحصاد كثير والحصادون قليل، اطلبوا إلى صاحب الزرع أن يرسل فَعَلَة لحصاده ثم قال: من سمع منكم فقد سمع مني، ومن شتمكم فقد شتمني، ومن شتمني فإنما يشتم / (١/٥٦/أ) مَنْ أَرْسلني"٣. فإن قال النصارى: ذلك دليل على الربوبية لأن إرسال الرسل إلى الخلق دليل على ما قلناه. قلنا لهم: أما بعث السبعين فليس فيه مستروح لكم، فقد اختار موسى سبعين رجلاً من قومه وندبهم لإبلاغ بني إسرائيل فنبأهم الله ببركة اختياره فصاروا أنبياء٤. فأما السبعون الذي اختارهم المسيح فمن سلم لكم أنهم كانوا أنبياء مؤيّدين بالمعجزات؟ ولعل المسيح ﵇ إنما اقتدى بسنة موسى في الإرسال والعدد، فالمسيح ﵇ نبي ورسول ولا يمتنع أن يكون [للرسول] ٥ رسول، فقد أرسل رسول الله ﷺ جماعة من أصحابه إلى ملوك الأرض. فإن قال النصارى: قوله: "من شتمني فإنما يشتم من أرسلني". دليل على
يمتنع أن يكون [للرسول] ٥ رسول، فقد أرسل رسول الله ﷺ جماعة من أصحابه إلى ملوك الأرض. فإن قال النصارى: قوله: "من شتمني فإنما يشتم من أرسلني". دليل على
الاتّحاد١ الذي نقول به. قلنا: وقوله:"من شتمكم فقد شتمني"،دليل على اتّحادهم بالمسيح. أفتقولون إن السبعين اتّحدوا بجسد المسيح؟ فإن تراعنواوادعوا ذلك. قلنا لهم: فيلزم على ذلك أن يكونوا قد اتّحدوا / (١/٥٦/ب) بذات الله إذ اكانوا قد اتّحدوا بمن اتّحد به المسيح. فإن التزموا ذلك. قلنا: فالسبعون هم الله تعالى، والله هو السبعون، والرسول هو المرسِل والمُرسِل هو الرسول، وهذا هو الجنون. ثم نقول للنصارى: أليس قد اعترف المسيح بأن غيره أرسله؟! فكيف تقولون إنه هو نفسه؟ فإن قالوا: هذا اعتقاد طائفة٢ منّا ونحن لا نلتزمها فيلزمنا الذّبّ عنها ولكن الاعتقاد المرضي عندنا أن المسيح ابن الله٣ ولا نقول هو الله نسفه ولا يعبد أن يرسل اله ابنه إلى عباده. فحينئذ يحسن أن نعيد عليهم بعض ما مضى لنا ونقول: "ألم تقولوا في الأمانة: "نؤمن بالمسيح الإله الحقّ الذي أتقن العوالم بيده وخلق كلّ شيء الذي نزل من السماء وتجسد وولدته مريم وقتل وصلب؟! ". ألم تقرؤوا في صلواتكم: "يا ربنا المسيح الذي ذاق الموت من أجلنا ونزل من السماء لخلاصنا لا تضيع من خلقت بيديك؟! ". ألم ينقلوا عن إفريم من أسلافكم وكبار مشائخكم قوله: إن / (١/٥٧/أ) اليدين التي جبلت طينة آدم هي التي سمرت على الخشبة، وإن الشَّبر التي مسحت السماوات هي التي عُلقت على الصليب، وإن من لم يقل إن مريم ولدت الله فهو محروم من ولاية الله؟! وإذا كانت صلواتكم وأمانتكم وأقوال مشاخئكم
مصرحة بذلك فقد كذبتم في هربكم مما ألزمناكم وصدق المسيح في قوله: "إن الله نبأه وأرسله". وأما قولهم: "فلا يبعد أن يرسل الله ابنه، وتسمية الله أبّاً والمسيح ابناً، فنحن نسألهم ما تعنون بهذه النبوة؟ أمجرد تسمية وتشريف أم لما خصّه به من الآيات والخوارق أم تريدون البنوّة المعروفة المألوفة؟ فإن قالوا: إنّ ذلك مجرد تسمية وتشريف، قلنا: فلا اختصاص للمسيح بهذا التشريف والتسمية. ولا مزية له على غيره؛ فقد سمّى الله يعقوب ابناً وسمّى داود ابناً وسمّى الصالحين وأولاد الأنبياء أبناء بزعمكم. فرويتم أنتم لنا عن الله في التوراة قوله: "إسرائيل ابني بكري"١. يقول ذلك لفرعون في عدّة مواضع. وقال في السفر الأوّل: "لما رأى بنو الله بنات الناس حساناً / (١/٥٧/ب) جدّاً نكحوا منهم على ما أحبوا وأرادوا فغرقهم الله بالطوفان"٢. وقال في المزامير: "داود حبيبي"٣. وقال المسيح: "أنا ذاهب إلى أبي وأبيكم"٤. فقد استوى المسيح وغيره في هذا التشريف وترجح إسرائيل بالبكارة عليه. وإن أردتم البنوة المعروفة المألوفة بين الناس وهي المتّخذة من الزوجية والمملوكة، على معنى أن المسيح انفصل من من الله، فكيف يصحّ هذا؟ وإنما ينفصل الجسم من جسم مثله والباري منَزَّه عن الجمسية؟! ثم ذلك باطل بنصّ الإنجيل؛ إذ قال لوقاً: "إن المسيح من روح القدس"٥. فكيف تقولون
يصحّ هذا؟ وإنما ينفصل الجسم من جسم مثله والباري منَزَّه عن الجمسية؟! ثم ذلك باطل بنصّ الإنجيل؛ إذ قال لوقاً: "إن المسيح من روح القدس"٥. فكيف تقولون
إنّه منفصل من ذات الله؟! فقد بطل مقصودكم من البنوة على كلا القسمين. وإن قالوا: إنما استحق المسيح البنوة لما اتّحدت به الكلمة فصار بها ابناً على١ الحقيقة، وغيره ممن ذكرتم لم يتّحد به فبقي ابناً على سبيل التشريف. قلنا: أخبرونا عن هذه الكلمة، ما هي؟ وما الذي تعنون بها؟ فإنهم يقولون: الكلمة هي العلم أو النطق ولا يعدلون عن ذلك، فيقال لهم: أليس من حكم الصفة أن لا تفارق الذات / (١/٥٨/أ) الموصوفة بها فإذا كان العلم أو النطق هو صفة لذات الباري تعالى فلا تفارقه إلاّ ويخلفها ضدّها وهي الجهل أو الخرس. فإن كان علم الباري قد انفصل أو نطقه وقام بغيره فقد صار القديم ماوقاً٢ ناقصاً وذلك مستحيل على الله سبحانه. وإن كان علم الله لم يزايله وكلامه لم يفارقه، فلا حقيقة لهذا الاتّحاد الذي تدَّعونه. قد أطلبت النفس قليلاًفلنرجع إلى إيثار الاختصار؛ فإن هذه الفرقة أنزر شأناً من أن يحتفل لها. ٢١- إيثاره الله على ما سواه وذلك دأب النبيين من إخوانه ﵇ قال لوقا: "جلس يسوع يوماً يتكلم على تلاميذه فرفعت امرأة من المجلس صوتها وقالت: طوبى للبطن التي حملتك [وللثديين] ٣ التي أرضعتك. فقال لها المسيح: مهلاً طوبى لمن يسمع كلام الله فيحفظه"٤.
تلاميذه فرفعت امرأة من المجلس صوتها وقالت: طوبى للبطن التي حملتك [وللثديين] ٣ التي أرضعتك. فقال لها المسيح: مهلاً طوبى لمن يسمع كلام الله فيحفظه"٤.
قلت: هذه امرأة اشتغلت بمدح المخلوق فأرشدها لمدح الخالق جل وعلا. انظر إلى هذا الكلام الصادر من هذه المرأة، هل خرج من قلب معتقد ربوبية المسيح وألوهيته؟ وإلاّ فما أحسن رباً في بطن وإلهاً على أيدي المراضع! أعوذ / (١/٥٨/ب) بالله من الضلال والتعبد للأطفال. ٢٢- شهادة يوحنا الإنجيلي على المسيح بالنبوة، قال يوحنا: "كان الناس إذا رأوا يسوع وسمعوا كلامه يقولون: هذا النّبيّ حقّاً"١. وقال يوحنا أيضاً: "تفل يسوع على طين ووضعه على عيني أكمه وقال: اذهب فاغتسل في عين شلوخاً. ففعل فانفتحت عيناه. وذلك في يوم السبت فوقع بين اليهود فيه خلف، فمنهم من يقول: ليس هذا الرجل من الله إذ لا يحترم السبت. ومنهم من يقول: إن الله لا يستجيب للخاطئين، ومنهم من يقول: هو نبيّ"٢. "ومنهن من يقول: إنه لا يجيء نبيّ من الجليل"٣. قلت: هذا هو يحونا الإنجيلي الذي يُسمّى حبيب المسيح يشهد بنبوته، وهو أحسن أقوال زمانه فيه، وذلك يكذب اليهود والنصارى. أما اليهود ففي جحد نبوته، وأما النصارى ففي ادّعاء ربوبيته. ٢٣- موعظة مشابهة لمواعظ الأنبياء ﵈ قال المسيح لمن حضره: "لِمَ لَمْ تحكموا بالحقّ من نفوسكم؟! فإذا ذهب أحدكم مع خصمه إلى الرئيس فليدفع ما / (١/٥٩/أ) يجب عليه في الطريق فيخلص كيلا يذهب به إلى الحاكم فيدفعه الحاكم إلى المستخرج فيلقيه المستخرج في السجن، الحقّ أقول لكم إنه لا يخرج منه حتى يؤدي آخر فلس عليه"٤.
في الطريق فيخلص كيلا يذهب به إلى الحاكم فيدفعه الحاكم إلى المستخرج فيلقيه المستخرج في السجن، الحقّ أقول لكم إنه لا يخرج منه حتى يؤدي آخر فلس عليه"٤.
قلت: الموعظة بليغة ومعناها رائق وقاعدتها مبنية على رأس من الحقائق، غير أن قول خاتم النّبيّين "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا"١. أبلغ من ذلك وأخصر وأضبط لشوارد فرائد الفوائد وأحصر. ٢٤- قال المؤلِّف - عفا الله عنه -: قد شهد يوحنا الإنجيلي أن المسيح ليس إلهاً، ولكنه نبيّ بار ذو شفاعة مقبولة عند الله، فقال في الفصل الأوّل من رسالته الأولى: "أيها الأبناء لا تخطؤوا، فإن أخطأ أحدكم فلنا شفيع عند الأب يسوع المسيح البار"٢. فهذا - رحمكم الله - يوحنا الحواري مفارق لمقالة النصارى في المسيح موافق لاعتقاد الملة الحنيفية في بنوته ﵇. ٢٥- دليل صحيح على نبوة المسيح، قال لوقا: "قال الفريسون ليسوع: أخرج من هاهنا فإن هيرودس يريد قتلك، فقال امضوا وقولوا لهذا الثعلب أني
/ (١/٥٩/ب) أقيم هاهنا اليوم وغدا وفي اليوم الثالث أكمل لأنه لا يهلك نبي خارجا عن أورشليم"١. قال المؤلِّف - عفا الله عنه -: "لو اجتمع علماء النصرانية ورامو صرف هذا الكلام عن صلاحيته لنبوة المسيح إلى إثبات ما يدعونه من الربوبية لأعوزهم٢ ذلك. فمن أبدى من النصرانية في بنوته نزاعاً. ورام لهم دفاعاً فهذا الفصل وأمثاله حجّة عليه. فإن قال النصارى: هب أن هذا الفصل يدل على نبوته، أليس قد شهد عليكم معشر المسلمين بأنه في اليوم الثالث يقتل ويصلب؟ قلنا: لم يقل ذلك وحاشاه منه، إنما قال: إنه في اليوم الثالث يكمل، يريد أنه تتم مدة إقامته في هذا العالم الناقص ثم يرتفع، وكيف أراد ما ذكرتم من القتل والصفع والصلب وذلك غاية النقص؟! لأنكم زعمتم أنه ضرب وسحب ثم قتل وصلب وسلب وذلك لا يعد كمالا، بل الكمال الذي أراده هو الذي يقول به المسلمون من أن الله حماه من أعدائه حين طلبوه ورد طلبتهم منه بالحرمان، فما / (١/٦٠/أ) قتلوه وما صلبوه، ونحن إن شاء الله إذا انتهينا إلى ذكر القتل والصلب أبدينا فيه العجب العجاب وأقررنا عيون أولي الألباب. ٢٦- وصية مناسبة لكلام الرسل: "قال المسيح ﵇: "إذا دعاك أخوك فلا تجلس في صدر المجلس؛ فلعله قد دعا هناك من هو أكرم عليه منك، فليأتي المدعو فيقال لك: دع المكان لهذا، فتقوم فتجلس في آخر باب الناس فتخزى أمام الحاضرين، ولكن إذا دعيت فاجلس في آخر موضع حتى إذا جاء الذي دعاك يقول لك: يا حبيب ارتفع عن مجلسك هذا فيكون لك مجد أمام
لس في آخر باب الناس فتخزى أمام الحاضرين، ولكن إذا دعيت فاجلس في آخر موضع حتى إذا جاء الذي دعاك يقول لك: يا حبيب ارتفع عن مجلسك هذا فيكون لك مجد أمام
الحاضرين، فمن اتضع ارتفع ومن ارتفع اتضع. وإذا صنعت وليمة فلا تدع أحباءك وأغنياء جيرانك لكي [يكافئوك] ١ ولكن ادع المساكين والضعفاء والزمنى والمقعدين؛ فطوبى لك إذ ليس لهم ما يكافئونك به ومجازاتك تكون في قيامة الصّدِّيقين - ثم عَرَّض بالعلماء - فقال: جيدٌ هو الملح فإذا فسد فبماذا يملح؟ "٢. من كانت له أذنان سامعتان فليسمع هذه الوصية وما / (١/٦٠/ب) شاكلها لم تمتد إليها يد التغيير سوى ما عبق بها من قصر التعبير. وهي بطولها مندمجة في قوله ﵇: "شرّ الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء" ٣. وقال ﵇: "من تواضع لله رفعه الله"٤. وفي قوله: "إنكم أئمة يقتدى بكم"٥. يقول ذل لأصحابه ﵃. اشتمال الجنة على الأكل والشرب والنكاح: وذلك على خلاف معتقد أهل الكتاب، قال المسيح ﵇: "كان رجل من الأغنياء يلبس [البز] ٦ والأرجوان٧ ويتنعم كلّ يوم ويلتذ. وكان ببابه رجل مسكين يسمّى اليعازر مضروب بالقروح، وكانت الكلاب تأتي فتلعق قروحه ويود لو ملأ بطنه من الفتات الذي يسقط من مائدة ذلك
نعم كلّ يوم ويلتذ. وكان ببابه رجل مسكين يسمّى اليعازر مضروب بالقروح، وكانت الكلاب تأتي فتلعق قروحه ويود لو ملأ بطنه من الفتات الذي يسقط من مائدة ذلك
الغنى، فلما مات ذلك المسكين أخذته الملائكة إلى حضن إبراهيم. ومات ذلك الغني فقر في الجحيم ففتح عينيه وهو في العذاب فنظر إلى اليعازر في حضن إبراهيم يتنعم ويلتذ فنادى: يا أبتاه إبراهيم ارحمني وأرسل اليعارز ليبل طرف إصبعه بماء يبرد لساني من هذا / (١/٦١أ) اللهيب، فقال إبراهيم: يا بني اذكر أنك أفنيت خيراتك في حياتك واليعازر إذ ذاك في بلائه، والآن فهو ها هنا يستريح وأنت تعذب، ومع ذلك فبيننا وبينكم هوة بعيدة لا يقدر أحد منا على العبور إلى الآخر"١. قلت: قال الله فيمن حاله بحال ذلك الغني: ﴿أَذْهَبْتَم طَيِّبَاتِكُم فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا واسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُوْنِ بِمَا كُنْتُم تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيرِ الحَقِّ وَبِمَا كُنْتُم تَفْسُقُونَ﴾ . [سورة الأحقاف، الآية: ٢٠] . واعلم أن اليهود والنصارى٢ ينكرون أن يكون في الجنة طعام أو نكاح أو شراب، وهو الكلام من المسيح حجّة عليهم، وقد قال المسيح: "إن اليعازر هذا في كفالة إبراهيم يتنعم ويلتذ في الآخرة". كما قال: "إن ذلك الغني كان كلّ يوم يتنعم في دنياه ويلتذ". والذي يبتدر إلى الأفهام منه التنعم بالطيبات المألوفة المعروفة؛ إذ الإنسان إنما يشتاق لما عرف جنسه ونوعه وقد جاء ذلك في
لّ يوم يتنعم في دنياه ويلتذ". والذي يبتدر إلى الأفهام منه التنعم بالطيبات المألوفة المعروفة؛ إذ الإنسان إنما يشتاق لما عرف جنسه ونوعه وقد جاء ذلك في
الإنجيل [كثيراً] ١ ولكن النصارى٢ محجوبون بالتقليد عن النظر في أقوال الأنبياء، قال قولقا: "قال يسوع: إذا صنعت وليمة فادع المساكين والضعفاء لتكون / (١/٦١/ب) مجازاتك في قيامة الصديقين. فقال من حضر: طوبى لمن يأكل خبزاً في ملكوت الله"٣. وقال حملة الإنجيل: "قال يسوع لتلاميذه: إني ذاهب أعد لكم مائدتي في الملكوت [لتأكلوا وتشربوا وتجلسوا] ٤ على كراسي المجد"٥. وقال الإنجيل: "إن المسيح شرب مع تلاميذه عصيراً ثم قال: إني لست شارباً من هذه الكرمة حتى أشربها معكم حديثاً في ملكوت السماوات"٦. وقال المسيح في الإنجيل: "إنكم ستأكلون وتشربون على مائدة أبي"٧. وقال المسيح في الإنجيل: "بحقّ أقول لكم إنه سيأتي قوم من المشرق والمغرب [فيجلسون] ٨. مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب في ملكوت السماء وتخرج بنو الملكوت إلى الظلمة البرانية، هنالك يكون البكاء وصرير الأسنان"٩. وقال المسيح في الإنجيل: "طوبى
للجياع العطاش فإنهم يشبعون، طوبى للرحماء فإنهم يرحمون"١. فهذا المسيح يشهد أن في الجنة أكلاً وشرباً وشبعاً وأن المساكين يتملكون ذلك وفي الإنجيل يقول المسيح: "بيعوا أمتعتكم وتصدقوا، اجعلوا لكم أكياساً لا تبلى وكنوزاً في السماء لا تفنى حيث لا يصل إليها سارق ولا يفسدها / (١/٦٢/أ) سوس فحيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم معلقة"٢. وقال المسيح ﵇ لأصحابه: "أنتم تقولون إن الحصاد يأتي بعد أربعة أشهر، وأنا أقول لكم ارفعوا أعينكم فانظروا إلى الكور قد ابيضت وبلغت الحصاد، والذي يحصد يأخذ الأجرة ويجمع ثمار الحياة الدائمة"٣. وقال المسيح ﵇ لتلاميذه: "اعملوا لا للطعام الفاني، بل للطعام الباقي في الحياة المؤبّدة لأن ذلك قد ختمه الله"٤. فقد ثبت عن المسيح اشتمال الجنة على الأكل من الطيبات والتنعم بالذات والتفكه في الشهوات. فإن قيل: وأين ذكر الجماع في الجنة؟!. قلنا: قال المسيح ﵇ في الإنجيل: "من ترك زوجة أو بنين أو حقلاً من أجلي فإنه يعطى في الجنة مائة ضعف ويرث الحياة الدائمة"٥. فقد صرح المسيح بأن الرجل المؤمن يعطى في الجنة مائتي زوجة كما يعطى مائتي حقل. والحقل الكرم والبستان. وذلك مكذب للنصارى واليهود فيما صاروا إليه.
مة"٥. فقد صرح المسيح بأن الرجل المؤمن يعطى في الجنة مائتي زوجة كما يعطى مائتي حقل. والحقل الكرم والبستان. وذلك مكذب للنصارى واليهود فيما صاروا إليه.
فإن قيل: هذا فيه الحجة الواضحة على النصارى، فما الحجة فيه على اليهود١ مع إنكارهم / (١/٦٢/ب) شرع الإنجيل؟ قلنا: قال الله تعالى في السفر الأوّل من التوراة وهو الذي يدعى سفر الخليفة: "إن الله غرس فردوساً في جنة عدن وأسكنه آدم وغرس له من كل شجرة طيبة المأكل شهية الطعم وتقدم إليه: إني قد جعلت كل شجر الجنة لك مأكلاً سوى شجرة معرفة الخير والشرّ، ثم قال الله سبحانه: لا يحسن أن يبقى آدم وحده. فألقى عليه سباتاً ونزع ضلعاً من أضلاعه ثم أخلف له عوضه لحماً ثم خلق الله من ذلك الضلع حواء فزوجها آدم فلما أكلا من الشجرة التي [نُهيا] ٢ عنها انفتحت أعينهما وعرفا أنهما عريان فكلمهما الله وتوعدهما على المخالفة، ثم صنع سبحانه لآدم وزوجته سرابيلات من الجلود فألبسهما ثم أرسلهما من جنة عدن وأهبطهما إلى الأرض ليحرث فيها"٣. وقال في السفر الأوّل أيضاً: "كانت سدوم قبل أن يخسف الله بها تشبه فردوس الله وأرض مصر"٤. وقال في السفر الأوّل أيضاً: "أما هابيل الشهيد فإنه يجزى بدل الواحد سبعة"٥.
الأوّل أيضاً: "كانت سدوم قبل أن يخسف الله بها تشبه فردوس الله وأرض مصر"٤. وقال في السفر الأوّل أيضاً: "أما هابيل الشهيد فإنه يجزى بدل الواحد سبعة"٥.
وهذا دليل أن الجزاء جنس المنفق في الدنيا تقرباً / (١/٦٣/أ) إلى الله، فإن هابيل كان قد قرب من أبكار غنمه فتقبله الله منه ووعده الجزاء على الواحد سبعة. فهذه التوراة والإنجيل مصرحة بموافقة الكتاب العزيز، وبذلك تتم اللذة وتجتمع المسرة وتحصل الدعة، فمن أعظم جرماً وأشد إثماً وأثقل وزراً وأضعف أزراً ممن يقرأ هذه النصوص من التوراة والإنجيل ثم يكفر بها ويردها؟!. ولو أن اليهود والنصارى إذ حرموا لذة الاستنباط والاستخراج قلدوا أنبياء الله في ذلك لأخذوا بحظهم من الخير، فقد قال النبي أشعيا في نبوته: "يا معشر العطاش الجياع توجهوا إلى الماء والورود ومَن ليس له فضة فليذهب يمتار ويستقي ويأكل ويتزود من الخمر واللبن بلا فضة ولا ثمن"١. قلت: وذلك موافق لقول الله تعالى في الكتاب العزيز في وصف الجنة: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِّنْ مَاءٍ غَيرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خِمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّن عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُم فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [سورة محمّد، الآية:١٥] . وقال دانيال ﵇: "سيبعث من الأجداث قوم كثير بعضهم إلى الحياة الدائمة وبعضهم إلى البوار"٢. وقال / (١/٦٣/ب) داود: "الله باعثهم وناشرهم من بين أنياب السباع ومن لجج البحار"٣. وقال أيضاً في المزمور الخامس والثلاثين: "يا ربّ البشر بظلال بيتك يستترون ومن نعيم بيتك يشبعون ومن وادي نعمك بترعون؛ لأن ينبوع
سباع ومن لجج البحار"٣. وقال أيضاً في المزمور الخامس والثلاثين: "يا ربّ البشر بظلال بيتك يستترون ومن نعيم بيتك يشبعون ومن وادي نعمك بترعون؛ لأن ينبوع
الحياة عندك"١. وقال في [المزمور] ٢ الثمنين: "لو سمع مني شعبي وسلك سبلي لأذللت أعلاه ومحوت سيئاته وأطعمته من طيباتي"٣. وقال في المزمور الرابع والعشرين والمائة: "المتوكلون على الله مثل جبل صهيون الذي بأورشليم لا يزول إلى الأبد. والذين يزرعون بالدموع يحصدون بالفرح كانوا ينطلقون باكين ويقبلون بالتهليل وقد حملوا غلاتهم"٤. فهذه نبوات أنبياء بني إسرائيل والتوراة والإنجيل قد تظاهرت وتضافرت٥ بما نطق به الكتاب العزيز من اشتمال دار الثواب على الطعام والنكاح والشراب. فإن قال اليهود: ما حكيته عن التوراة من الجنة محمول على بستان من بساتين الدنيا ولا ينكر تسمية الجنة بستاناً، والبستان جنة. قلنا: يا إخوان القرود ومشاركي ثمود إنما قالت التوراة: إن الله / (١/٦٤/أ) أسكن آدم فردوساً في جنة عدن وجعل فيه من كل شجرة طيبة المأكل وقال لآدم: جعلت لك كل شجر الجنة مأكلاً. والله تعالى يقول: إنه فردوس في الجنة وأنتم تقولون: بل بستان وحديقة في الدنيا، ألم تسمعوا إلى قوله في بقية الكلام: إن الله كلمهما وتهددهما ثم صنع لهما سرابيلات من الجلود وأرسلهام من جنة عدن إلى الأرض التي أخذ منها آدم وأهبطهما للحرث؟!.
وإن تعلق النصارى بقول أسلافهم: إن أهل الجنة لا يتزوجون١. قلنا لهم: يا عباد الرجال وربات الحجال، لو قدرنا صحة ما نقلتموه عن أسلافكم من ورود هذا اللفظ بعينه لم يلزم نفي ما صرنا إليه من التنعم بالنسوان في الجنان، إذ يحتمل أن يراد به أنهم لا يتزوجون الزواج المعروف المألوف من قاعدة النكاح والزواج الدنيوي وهو تقدم الخطبة وبذل الصداق والعقد والشروط وغير ذلك مما فيه حرج وكلف على الناكح، بل يمنحون ذلك ويتملكونه ويرثونه وراثة وتملكاً والدليل عليه من الإنجيل قول المسيح:"من ترك زوجة من أجلي في الدنيا فإنه/ (١/٦٤/ب) يعطى مائة ضعف ويرث الحياة الدائمة"٢. وفي ذلك موافقة الكتاب العزيز حيث يقول: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُون﴾ . [سورة الزخف، الآية: ٧٢] . ولفظة الميراث كثيرة مستعملة في الإنجيل والتّنْزِيل، ولهذا شمر كثير من أتباع المسيح في طلب هذا التضعيف فترهبنوا وانقطعوا عن النساء والشواغل، فإذاً قولكم: إن أهل الجنة لا يتزوجون منافاة بينه وبين قوله في الإنجيل: "من ترك زوجة فإنه يعط للواحد مائة ضعف". والأصل المعتبر عند أرباب النظر الجمع بين الأدلة، لا تعطيل بعضها واستعمال بعض؛ فقد ثبت - بعون الله ومنه - ما
ضمناه من اشتمال الجنة على الملاذ الروحانية والجسمانية جميعاً١. لزوم الاستقامة خوف هجوم القيامة:/ (١/٦٥/أ) "قال المسيح يشبه ملكوت الله-عشر عذارى أخذن مصابيحهن وخرجن للقاء العروس، خمس منهم جاهلات وخمس حكيمات، فأما الجاهلات فأخذن مصابيحهن ولم يعددن زيتاً، وأما الحكيمات فأعددت الزيت مع مصابيحهن، فلما أبطأ العروس نعسن ونمن أجمع وانتصف الليل وصرخ الصوت: قد جاء العروس فاخرجن للقائه. فقال الحكيمات وزيّتن مصابيحهن فقال الجاهلات للحكيمات: أعطونا من زيتكن فإن مصابيحنا قد طفئت. فقلن: ليس معنا ما يكفينا وإياكن فاذهبن وابتعن لكن زيتا. فلما ذهبن لذلك جاء العروس ودخل مع المستعدات إلى العرس وأغلق الباب، وجاء الجاهلات فقلن: يا ربّ يا ربّ. فقال: الحقّ أقول لكن إني لست أعرفكم، ثم قال لتلاميذه: اسهوا الآن وصلوا فإنكم لا
المستعدات إلى العرس وأغلق الباب، وجاء الجاهلات فقلن: يا ربّ يا ربّ. فقال: الحقّ أقول لكن إني لست أعرفكم، ثم قال لتلاميذه: اسهوا الآن وصلوا فإنكم لا
تعرفون ذلك اليوم ولا تلك الساعة"١. قلت: قال ربنا جل اسمه: ﴿يَومَ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُم قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُم فَالتَمِسُوا نُوراً فَضُرَبَ بَينَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ العَذَابُ يُنَادُونَهُم أَلَمْ نَكُن مَّعَكُم قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُم فَتَنْتُم أَنْفَسَكُم وَتَرَبَّصْتُم وَارْتَبْتُم وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُم بِاللهِ الغَرُورُ﴾ . [سورة الحديد، الآياتان: ١٣-١٤] . انظر - رحمك الله - إلى هذا الكلام الرفيع القدر، الطيّب النّشر، الحسن البشر، وقسمه بفصل العذارى العشر لتعلم / (١/٦٥/ب) قدر ما أوتيت الأمة المحمدّية، وتقف على سِرِّ قوله ﵇: "لقد جئتكم بها بيضاء نقية"٢. ٢٧- شهادة يوحنا الإنجيلي للمسيح ﵇ بالنبوة، وفي ذلك تكذيب للمتأخرين من النصارى في دعوى ربوبيته؛ قال يوحنا تلميذ المسيح وحبيبه وهو أحد مدوني الإنجيل: (لما أطعم يسوع خمسة [آلاف] ٣ رجل من خمسة أرغفة وحوين من السمك قال الناس: حقا إن هذا لهو النبيّ الآتي إلى العالم. فلما علم أنهم يريدون يخطفونه ويصيرونه ملكاً عليهم خرج من بينهم وذهب وحده إلى الجليل"٤. فهؤلاء خمسة آلاف رجل ممن شاهد المسيح يشهدون له بالنبوة وهو مقرّهم على شهادتهم، حاكم بصحة إيمانهم، راضٍ بهذا المعتقد منهم. ولو أنكر عليهم قولهم لنقل إلينا كما نقلت منهياته وأوامره على ما سيأتي، وما أحسن إلهاً يخاف من العبيد أن [يخطفوه ويصيروه ملكاً عليهم ويغلبوه] ٥ على رأيه في ذلك!!.
م قولهم لنقل إلينا كما نقلت منهياته وأوامره على ما سيأتي، وما أحسن إلهاً يخاف من العبيد أن [يخطفوه ويصيروه ملكاً عليهم ويغلبوه] ٥ على رأيه في ذلك!!.
وقد نقلوا عن لوقا أن جبريل حين بشر مريم أم المسيح بالناصرة قال لها: "إن ولدك يجلسه الرّبّ على كرسي / (١/٦٦/أ) أبيه داود ويملكه على بيت يعقوب"١. فإن كان ما حكوه عن لوقا عن جبريل صحيحاً فقد كذبوا في هربه من التمليك عليهم، وإن كان ما نقلوه هاهنا في الهرب صحيحاً فقد كذبوا في نقلهم عن لوقا عن جبريل، وإلاّ فكيف يتقدم الله إليه على لسان جبريل بسياسة عباده والتملك عليهم ثم يأبى ذلك ويخالف أمره وينكص عنه فلا يمتثله؟! هذا مما يورَّك فيه على النقلة وبهذا الاضطراب وشبهه ردّ العلماء كتب هؤلاء القوم وأضربوا عن الاحتفال بها؛ فإن شغب النصارى بذكر هذه الآية أعدنا عليهم آية موسى وقلنا: قد نقلنا من التوراة أن موسى أطعم قومه وهم ستمائة ألف رجل سوى الصبيان والنسوان والغرباء مَنّاً وسلوى وأدامه عليهم٢، ومن صنع خيراً كثيراً وأدامه أفضل بلا شكّ ممن صنع قليلاً منه وقطعه. وبالجملة فآيات الأنبياء ليست نمطاً واحداً؛ إذ المقصود منها الإعجاز. ٢٨- معجزة دالة على صدق نبوته ﵇، / (١/٦٦/ب) قال يوحنا التلميذ: "دعي المسيح إلى عرس في الجليل ففرغ الخمر الذي لهم، فقالت أم يسوع: ليس للقوم خمر ثم قالت للخدام: افعلوا ما يأمركم به يسوع، وكان هناك أوعية من حجارة لتطهير اليهود فأمرهم يسوع فملؤوها ماء ثم أمرهم فسقوا الناس منها خمراً طيبة. قال يوحنا: هذه أوّل آية أظهرها المسيح بقانا الجليل"٣.
فإن قال النصارى: بذلك نستدل على ربوبيته إذ قلب الأعيان ليس من مقدور البشر، فالجواب أن المستبدل بالخلق والاختراع هو الله الذي لا إله غيره الفرد القديم الواحد العالم القادر الحكيم خالق العالم بما فيه من الأجسام والأعراض، وليس في تحويل الماء خمراً سوى تبديل عرض بعرض؛ إذ لا يخلو الجوهر عن عرض إلاّ ويخلفه ضدّه، فتارة يكون ذلك الضدّ مناسباً، وتارة يكون مخالفاً، وذلك كله ممكن والله تعالى متّصف بالقدرة على كلّ ممكن، وقد دللنا على عبودية المسيح في الباب الأوّل / (١/٦٧/أ) وفي ذلك ما يردّ هذا السؤال، والمعجز في الحقيقة خالق العجز وهو الله عزوجل، وصدوره على يد عبد من عبيد الله يدعي أن الله أرسله يتَنَزَّل منْزِلَة قول الله تعالى: "صدق عبدي". ونحن نناقش النصارى على ذلك فنقول: أوّلاً: لا نسلم أن هذه المعجزة لعيسى بل هي لمريم أمه بدليل أنها التي اقترحتها وطلبتها. ألا تراها كيف تقدمت للخدام وقالت: افعلوا ما يأمركم به يسوع، وذلك من غير مؤامراته؟ وقد حكى بعض العلماء من أصحابنا في نبوة مريم قولين، فإن كانت نبية فهذه معجزة لها، وإلاّ فهي كرامة في حقّ ولايتها١، والكرامة صورتها صورة
المعجزة وإنما يفترقا في التحدي على رأي بعضهم، قال الله تعالى في حقّ مريم أم المسيح: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا زِرْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عَندِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾ . [سورة آل عمران، الآية: ٣٧] . ولا يستنكر من أصحابنا القول بنبوة مريم؛ فأهل الكتاب يعتقدون نبوة جماعة من النسوان منهم: مريم١ أخت موسى وخُلدى٢ وأستار٣
[سورة آل عمران، الآية: ٣٧] . ولا يستنكر من أصحابنا القول بنبوة مريم؛ فأهل الكتاب يعتقدون نبوة جماعة من النسوان منهم: مريم١ أخت موسى وخُلدى٢ وأستار٣
ورفقى١، وقد زعموا أنّه كان لفولس٢ / (١/٦٧/ب) الرسول من أتباع المسيح بعد المسيح أربع بنات كلهن نبيات٣. ولو سلمنا أن الآية مضافة إلى المسيح وفي حقه فهي آية تدل على صدقه والله يؤيد من يشاء لإرشاد خلقه، ولو جاز أن يدعي في المسيح الربوبية بتحويل الماء خمراً لجاز أن يدَّعي ذلك في اليسع بتحويله زيتاً فقد جاء في سفر الملوك من كتب أهل الكتاب: "أن اليسع ﵇ نزل بامرأة من بني إسرائيل فأضافته وأكرمته فلما عزم على الانصراف قال لها: هل لك من حاجة؟ قالت: يا نبي الله إن على زوجي ديناً قد فدحه وإن رأيت أن [تدعو] ٤ الله تعالى لنا بقضاء ديننا. فقال لها اليسع: أحضريني ما عندك من الأواني واستعيري من جيرانك ما قدرت عليه من الآنية. ففعلت ذلك فأمرها فملأتها كلّها ماء ثم قال: اتركيها ليلتك هذه. وتركها ومضى فأصبحت المرأة وقد تحوَّل ذلك كلّه زيتاً فباعوه وقضوا دينهم"٥. فهذه الآية أعجب وأغرب. ولم ينقل أن اليسع امتهن
ثم قال: اتركيها ليلتك هذه. وتركها ومضى فأصبحت المرأة وقد تحوَّل ذلك كلّه زيتاً فباعوه وقضوا دينهم"٥. فهذه الآية أعجب وأغرب. ولم ينقل أن اليسع امتهن
وغلب وقتل وصلب. بلْ لم يزل / (١/٦٨/أ) آمناً في سِرْبه١ إلى أن لحق بالله ربه. ولقد فعل موسى ما هو أعجب من ذلك كله وهو: "أنه ضرب بعصاه بحر النيل بمصر فتحوَّل الماء بسائر أرض مصر دماً عبيطاً"٢. وكذلك "ألقى عصاه بين عصي بني إسرائيل فاهتزت شجرة ذات أغصان وأفنان وأورقت وأثمرت لوزاً، فبينا هي خشبة إذْ صارت شجرة خضراء مثمرة"٣. فبطل ما عوَّل النصارى عليه، فما أجابوا به عن آيتي موسى واليسع فهو جواب لنا عن آية المسيح. وقد صرح فولس في الرسالة الرابعة عشرة إلى العبرانيين بأن المسيح ليس ربّاً ولا إلهاً بل إنّه عبد من عباد الله، شرّفه الله كما شرّف غيره من أنبيائه وأهل صفوته. فقال: "إن المسيح هو رئيس أحبارنا وهو الذي صعد إلى السماء وليس لنا رئيس أحبار غيره، ثم قال: إن كل رئيس أحبار إنما يكون من الناس ليقوموا فيما بين الناس وبين الله، وليس أحد ينال الكرامة لنفسه إلاّ من أناله الله مثل هارون، وكذلك المسيح لم يمدح نفسه، بل الله الذي مدحه حيث يقول: أقسم الربّ بأنّك أنت الكاهن المؤيد شبه/ (١/٦٨/ب) ملكي صادق"٤. فهذا فولس - الذي ليس عند النصارى من يعدله - يشهد بأن المسيح إنسان من بني آدم [وحَبْرٌ] ٥ من أحبارهم كهارون. ٢٩- دليل صحيح على نبوته: قال يوحنا الإنجيلي: "جاء يسوع إلى بئر من آبار السامرة مستسقياً ماء وقد عيي من تعب الطريق ففاوضته امرأة منهم
أحبارهم كهارون. ٢٩- دليل صحيح على نبوته: قال يوحنا الإنجيلي: "جاء يسوع إلى بئر من آبار السامرة مستسقياً ماء وقد عيي من تعب الطريق ففاوضته امرأة منهم
فقالت: يا سيد إني أرى أنك نبي. فقال لها يسوع: أنا هو الذي أكلمك. ثم وافاه تلاميذه فعرضوا عليه طعاماً، فقال: إن لي طعاماً لستم تعرفونه، إن طعامي أن أعمل مَسَرَّة من أرسلني، وأتم عمله. ثم بعد يومين خرج من هناك؛ لأنه شهد أن النبي لا يكرم في مدينته"١. وجه الدلالة على النبوة والرسالة من وجوه: أحدها: قولها له: "يا سيد إني أرى أنك نبي". فصدّقها وحقّق ظنّها، فقال لها: "أنا هو"، وهذا واضح. الثاني: قوله: "إن لي طعاماً لستم تعرفونه"، يعني بذلك اللذات الروحانية الحاصلة من المناجات والمكالمة. الثالث: قوله: "أعمل مسرة من أرسلني". كَنَّى / (١/٦٩/أ) بالمسرة عن المحبة، وإن كان الباري لا يتصف بالمسرة، وذلك من سوء تعبيرهم، وعَرَّف بأنه رسول مأمور بإتمام العمل ولزوم الطاعة، والنبي وغيره شرع في الشرع إلاّ ما قام الدليل على تخصيصه به. قال المؤلِّف - عفا الله عنه -: "من وقف على هذه الفصول الشاهدة بالنبوة والرسالة، وشاهد ما كفيته من مؤنة استخراجها من أيدي الضانين بها، الكاتمين لها؛ ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متمُّ نوره، فليخصّصني بدعوة صالحة تكون زادي لمعادي، ويتعين عليه إظهار ذلك للمسلم والكافر، أما المسلم ليقف على مصداق قوله تعالى في حقّ المسيح: ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيّاً ... ﴾ ٢. [سورة مريم، الآية: ٣٠] . وقوله: ﴿ما المسيح ابن مريم إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة﴾ . [سورة المائدة، الآية: ٧٥] . وأما الكافر فحتى تظهر عليه الحجة، ويتّضح المحجة، وأنذر
من بسطت يداه في دنياه، وأهمته العناية بأخراه أن يجمع من وجوه هذه الطائفة الزائفة جمعاً كثيفاً، ويحضر إنجيلهم ويقررهم بهذه الفصول على النبوة والعبودية، ليهلك من هلك/ (١/٦٩/ب) عن بيِّنةٍ ويحيى من حَيَّى عن بيِّنةٍ. وأما قول يوحنا: "وقد عَيِيَ يسوع من تعب الطريق"، فدليل على الحدث، ظاهر لمن له ناظر. وليت شعري كيف يعتقد ربوبية رجل ذي رأس وعينين، وقذال١ وأذنين، وفم ولسان وكف وبنان، يأكل ويشرب، ويعيا ويتعب، ويهان ويضرب، ويقتل في زعمه ويصلب؟!. على أَنَّا نسأل النصارى فنقول: من هو هذا الذي عطش وعيي من تعب الطريق؟! فإن قالوا: هو اللاهوت، أكذبتهم التوراة إذ تقول: "إن الله خالق العالم بأسره وما مسه إعياء ولا تعب"٢. وإن قالوا: هو الناسوت، أبطلوا الاتّحاد، إذ لم يبق لاهوت متميّز عن ناسوت حتى يضاف إليه الإعياء والتعب، وإذا كان الإله منَزَّهاً عن التعب والإعياء وقد تعب المسيح وعيي، فذلك دليل على كذب النصارى فيما هذوا به من الاتّحاد، اللهم إلاّ أن يفسروا الاتّحاد بما ظهر على يده من آيات الإله من إحياء الميّت وتطهير الأبرص وغير ذلك. فيقودهم القول بذلك إلى مساواة المسيح / (١/٧٠/أ) غيره، ويصير لا خصوصية له بهذا الاتّحاد. فإن راموا تفرقة بين المسيح وبين غيره ممن أحيا الميّت وطهر الأبرص وفعل أضعاف فعل المسيح لم يقدروا على ذلك، وقد حكى لوقا في إنجيله: "أن رجلاً من الفريسين طلب إلى يسوع أن يأكل عنده خبزاً، فلما دخل بيته حضرت إليه امرأة خاطئة، وصبَّت
المسيح لم يقدروا على ذلك، وقد حكى لوقا في إنجيله: "أن رجلاً من الفريسين طلب إلى يسوع أن يأكل عنده خبزاً، فلما دخل بيته حضرت إليه امرأة خاطئة، وصبَّت
على رجليه قارورة طيب، وبكت عند قدميه حتى بَلَّتهما بدموعها، وجعلت تمسح قدميه بالطيب وبشعر رأسها، فقال الفريسي في نفسه: لو كان هذا نبيّاً لعرف أن هذه المرأة خاطئة. فأجابه يسوع عما هجس في نفسه"١. ٣٠- الدليل على رسالته من قوله واعترافه بأن الله غيره وأنه رسول الله إلى عباده، قال يوحنا التلميذ: "لما انتصف العيد حضر يسوع إلى الهيكل وشرع يعلم، فقال اليهود: كيف يحسن هذا التعليم؟ فقال تعليمي ليس هو لي بل للذي أرسلني، فمن عمل بطاعته فهو يعرف تعليمي، هل هو من عندي أم من عند الله؟ إن من يتكلم من عند نفسه إنما يريد مجد نفسه. فأما من يريد مجد/ (١/٧٠/ب) من أرسله فهو صادق فعلام تريدون قتلي؟ فقال الجمع: لأنك شيطان. فقال لهم: تزعمون أن موسى عَلَّمكم الختان وليس الختان من موسى ولكنه من الآباء: "وقد يختنون الإنسان ومن الختان يهلك الإنسان كيلا تنقضوا سنة موسى"٢. فعلام تنقمون عليَّ إبرائي الإنسان يوم السبت، ثم قال: إني لم آت من عندي ولكن الذي أرسلني محقّ، ولستم تعرفونه وأنا الذي أعرفه، وهو أرسلني. فَهَمَّ اليهود بأخذه ولم يقدروا، لأن ساعته لم تحضر بعد"٣. فقد وضحت رسالته من الله إلى الناس وضوح الصبح لذي عينين، ولولا تعاسة الجِد٤ لما اشتبه الخالق بمخلوق، ولا قوبلت حقوقه بالعقوق. فأما موضع التحريف من هذا الفصل، فهو قوله: "ليس الختان من موسى ولكنه من الآباء". وذلك غير صحيح؛ لأن التوراة قد أوجبت الختان، وجعلته
لت حقوقه بالعقوق. فأما موضع التحريف من هذا الفصل، فهو قوله: "ليس الختان من موسى ولكنه من الآباء". وذلك غير صحيح؛ لأن التوراة قد أوجبت الختان، وجعلته
من شرائع الإيمان، فقال الله فيها: "اختنوا لحم غرلتكم أنت وبنوك ورقيقك والساكن عندك الذي أقبل إليَّ، واجعلوا ذلك ميسماً لي في أجسادكم، فمن لم يفعل ذلك فليقتل بما أبطل من عهدي"١. والتوراة تشهد أن إبراهيم أمره/ (١/٧١/أ) الله فاختتن بعد ما كبرت سنة وختن بنيه وعبيده٢، واختتن موسى وهارون والمسيح٣ [وحواريوه] ٤ وتلاميذه، والدليل على ثبج٥ هذا النقل واضطرابه قوله بعد ذلك: "كيلا تنقضوا سنة موسى"،سمَّى الختان سنة موسى بعد قوله:"وليس الختان من موسى"، ولم يزل أتباع المسيح يختنون ويستنون بسنة الأنبياء في الختان حتى جاء رجل من المتأخرين يدعى فولس، هو الذي يسمونه فولوس الرسول، فادّعى أن المسيح ترآءى له، وأرسله إلى أهل دينه، فأحلَّ لهم فولس أشياء، وحلهم مما كانوا مرتبطين به من أقوال موسى والمسيح٦، فكان مما حلهم منه سنة الختان التي شرعها الأنبياء ﵈ فراجعوه في ذلك،
فقال لهم فولس هذا المدعي رسالة المسيح: "إن الختان ليس بشيء، وإن الغرلة ليس بشيء"١. فأطبق الملكية٢ على ترك الختان، وتربص بقية طوائف بها فلم يتجاسروا على إهمالها. وهذا فولس٣ الرسول عندهم له كلمات تدل على تهكم وتلاعب بدين النصارى ستأتي متفرقة في أضعاف هذا المختصر إن شاء الله تعالى. وقد سمعت بعض / (١/٧١/ب) النصارى يذكر أن كلمة ينطق بها المسيح مركبة من اللاهوت والناسوت جميعاً، فيلزم على قول هذا القائل أن يكون الإله قد نطق بكلام المستضعفين إذ يقول في كلامه لليهود: إنكم تريدون قتلي، وذلك زلل عظيم. ٣١- مناظرة جرت بينه وبين اليهود تشهد له بالنبوة والرسالة؛ قال يوحنا التلميذ: "قال يسوع لليهود الذين حضروه: إن أنتم ثبتم على الحقّ فالحقّ يعتقكم، فقالوا: نحن ذرية إبراهيم وأنت تزعم أنا عبيد. فقال: الحقّ أقول
لكم إن من يعمل بالخطيئة فهو عبد الخطيئة، قد عرفت أنكم من ذرية إبراهيم، ولكنكم تريدون قتل رجل كلمكم بالحقّ الذي سمعه من الله، فقالوا: أما نحن فلسنا مولودين من زنى، وإنما لنا أبٌّ واحدٌ هو الله. فقال: لو كان الله أباكم كنتم تحبونني؛ لأن الله أرسلني ولستم تفهمون كلامي ولا تطيقون استماع قولي، أنتم من أبيكم إبليس وشهوة أبيكم تأتون. فقالوا: ألم نقل إنك سامري وأن بك جنوناً؟ فقال: الحقّ أقول لكم إن من يحفظ كلامي لا / (١/٧٢/أ) يذوق الموت إلى الأبد. فقالوا: الآن علمنا أنك مجنون. قد مات إبراهيم والأنبياء؛ فلعلك أعظم من أبينا إبراهيم ومن مات من الأنبياء، من تجعل نفسك؟ فقال يسوع: أبوكم إبراهيم اشتهى أن يرى يومي فرأى وفرح. فقال له اليهود: لم يأت لك خمسون سنة فكيف رأيت إبراهيم؟ فقال يسوع: الحقّ أقول لكم إنني [كائن] ١ قبل أن يكون إبراهيم. فتناولوا حجارة ليرجموه، فتوارى يسوع وخرج من الهيكل"٢. قلت: فقد نطق المسيح في هذا الفصل وفي غيره بأنه رسول من الله، وأنه إنسان من خلقه يروم أعداؤه قتله على تبليغ رسالة ربّه، وأنه سامع من الله، وأن الله غيره ولو أن الأمر على ما يتخيله النصارى لأرشد أهل ذلك المجلس إلى الصواب ولعرّفهم أن الإله لا يتصور قتله والظهور عليه، ولكنه أثبت عندهم أنه رجل ضعيف من بني آدم، وأكّد ذلك في نفوسهم بهربه وتواريه من المجلس على أعين الناس وهم يشهدون، وكيف يكون إلهاً ويترك خلقه يرتبكون في حبائل الشكوك، ويقول في محاورته: "إنّكم تريدون قتلي / (١/٧٢/ب) وأنا إنسان كلمتكم بالحق وفُهْت لكم الصدق"؟!.
ون، وكيف يكون إلهاً ويترك خلقه يرتبكون في حبائل الشكوك، ويقول في محاورته: "إنّكم تريدون قتلي / (١/٧٢/ب) وأنا إنسان كلمتكم بالحق وفُهْت لكم الصدق"؟!.
وفي هذا الفصل مواضع يسألون عنها، وكلّها قريبة المغزى على من أمعن من مطالعة كتبهم، وعرف نبوات أنبيائهم، منها قوله: "أنا قبل أن يكون إبراهيم". وإنما يريد قبلية الاصطفاء والاجتباء، وتقدير الكلام: "أنّ الله قدّر لي النبوة واصطفاني للرسالة قبل خلق إبراهيم". وهذا محمل يتعين حمل هذا الكلام عليه إن صحّ نسبته إليه، ولو كان الأمر على ما [ينهق] ١ به النصارى من دعوى الربوبية لم يخصص القبلية بإبراهيم ولقال: "أنا كنت قبل خلق العالم، وأنا الذي نفخت الروح في حواء وآدم"، ولو جاز أن يتمسك بقوله: "أنا قبل أن يكون إبراهيم"، لجاز ذلك في سليمان فقد قال ﵇ في حكمته: "أنا كنت قبل الدني، وأنا كنت مع الله حين مدَّ الأرض، وكنت صبيّاً ألهو بين يديه"٢. فإن قالوا: هذا مُأَوَّل لأن سليمان٣ من بني إسرائيل، فكيف يكون قبل الدنيا؟!. قلنا: ويسوع المسيح من ولد إبراهيم، فكيف يكون قبل إبراهيم؟! فاستوت الحال وترجح جانب سليمان في / (١/٧٣/أ) هذه القَبْليِّة٤.



