— Bagian 3 · وطهر الأرض من العمالقة، وقتل عوج١ مبارزة، ولم يف… —
Bagian 3
وطهر الأرض من العمالقة، وقتل عوج١ مبارزة، ولم يفر من خصمه وإن عظم بأسه، ولا نكل عن فرعون وإن اشتدت شوكته، وقد كان يدخل على فرعون فينغص عليه سلطانه،
ويُرْغم مجاهرةً شيطانه، ويحقر عند أهل مملكته شأنه، ثم جَرَّعه أليم اليَمِّ، وأباد جنوده في اللج الخضم، أفكانت الروح التي مع موسى أقوى من الروح التي ادعيتموها للمسيح؟! فما نرى موسى إلاّ أحق من المسيح بالربويبة إذ كان لم يخف والمسيح قد خاف، وكذلك يوشع وداود قد قهرا الصناديد، والمسيح قلتم إنه قتله اليهود. ٦- دليل آخر على عبودية المسيح: قال فولس الرسول في الرسالة الأولى١: "وأنا أحب يا إخوتي / (١/١٩/ب) أن تعلموا أن رأس المرأة الرجل، وأن رأس كل رجل المسيح، وأن رأس المسيح الله". فهذا فولس قد نطق بأن المسيح مرؤوس وأن الله رئيس عليه، وذلك منه رَدٌّ على النصارى وإفساد لأمانتهم وشريعتهم. ٧- دليل آخر، قال متى: "أصعد يسوع تلاميذه سفينة وصعد هو إلى الجبل يصلي، فلما كان في الهجعة الرابعة من الليل جاء ماشياً على الماء طالباً السفينة فخاف التلاميذ وتصارخوا فقال يسوع: لا بأس عليكم. فقال بطرس له: يا ربّ إن كنت أنت هو فادعني آتيك على الماء، فقال: تعال. فنزل بطرس يمشي على الماء فاشتد الريح فكاد أن يغرق فصاح: يا ربّ نجّني. فمد يسو يده وأخذه، وقال له: يا قليل الأمانة لم شككت؟ ثم صعد يسوع فسجدوا له"٢. قلت: هذا الفصل معرب عن تعبد المسيح وتبتله وتهجده لمولاه وتذلله، وحركته في الجهات وتنقله وصعوده قنن الجبال وتوقله٣، وهذه كلّها أفعال دالة على حدثه.
فأما مشيه على الماء فليس فيه مستروح في دعوى ربوبيته فغايته أن التحق في / (١/٢٠/أ) ذلك بموسى وإلياس واليسع صلوات الله عليهم. والتوراة: "تنطق أن موسى ضرب البحر فانفرق طرقاً وفرقاً، فكان كلّ فِرْقٍ لفريق من بني إسرائيل، حتى عبره ستمائة ألف رجل من بني إسرائيل سوى النساء والصبيان وبهيم الحيوان"١. وهذا أعجب من مشي عيسى وصاحبه على الماء إذ السفن تساويهما في ذلك، فلو كان عيسى ربّاً بذلك لكان موسى أولى، لما ظهر من عظيم فعله وجسيم نبله. وقد جاء في سفر الملوك٢ من كتبهم:"إن إلياس٣ ﵇ انتهى إلى الأردن ومعه صاحبه اليسع فنزع إلياس عمامته وضرب بها الأردن فيبس له الماء وناول عماته اليسع٤ صاحبه فلما رجع الآخر ضرب بها الماء فيبس أيضاً حتى
مشى عليه راجعاً"١. فلم يكن واحد منهما رباّ بذلك، وقد خاف بطرس٢ صاحب المسيح الغرق، لم يخف منه اليسع، وقوة الصاحب تدل على قوة حال المصحوب. مناقشة على قول بطرس "يا ربّ إن كنت أن هو": اعلم أنّ هذا من الكلام الخلف وذلك إن بطرس إن عرف أنه / (١/٢٠/ب) المسيح، فكيف يقول: "إن كنت أنت هو؟ " وإن لم يكن عرفه، فكليف يقول له يا رب؟!. ٨- دليل آخر على عبودية المسيح، قال متى: "قال رجل للمسيح: يا معلم صالح، فقال له لا تقل لي صالحاً، لا صالحَ إلاّ الله الواحد"٣. قلت: أضاف المسيح لربّه الوحدة، واعترف له بالألوهية وحده، وفي ذلك ردٌّ على النصارى في دعواهم التثليث وعبادة المسيح إذ نفى الصلاحية عن نفسه وأثبتها لله وحده، ولو كان الأمر في ذلك على ما يعتقده النصارى لبيَّنه للرجل ولقال له: لا صالح إلاّ الأب وأنا روح القدس، لم يؤخر البيان عن وقت الحاجة. وفي قول المسيح ﵇: "لا صالح إلاّ الله الواحد"، تكذيب للنصارى فيما يقرؤونه في صلواتهم إذ يقرؤون في بعض فرائصهم: "الإله الصالح الطويل
ان عن وقت الحاجة. وفي قول المسيح ﵇: "لا صالح إلاّ الله الواحد"، تكذيب للنصارى فيما يقرؤونه في صلواتهم إذ يقرؤون في بعض فرائصهم: "الإله الصالح الطويل
الروح الداعي الكلّ إلى الخلاص". وقد يقرؤون فيها: "يا ربنا وإلهنا يسوع المسيح لا تضيع من خلقت بيديك، لا." ويقرؤون في شريعة إيمانهم التي لا يتم لهم قربان إلاّ بقراءتها: "نؤمن بالربّ الواحد يسوع المسيح الذي بيده أتقنت العوالم، وخلق كلّ شيء". وهذا / (١/٢١/أ) كله مخالف لقول المسيح ﵇: "لا صالح إلاّ الله وحده"، وإذا كان هذا قول المسيح فقد ثبت أنه ليس هو الله ولا صفة من صفاته، وإذا ثبت أنه غيره ثبت أنه عبده؛ لأن ما سواه فهو عبده وخلقه، وتبيّن فساد الأمانة التي لهم وجهل من ألفها بدين المسيح وشريعته. ٩- دليل آخر على عبودية المسيح، قال متى: "قال يسوع: من أراد أن يكون منكم كبيراً فيلكن لكم خادماً، ومن أراد أن يكون أوّلاً فليكن آخراً إن ابن الإنسان لم يأت ليخدم، بل ليخدم ويبذل نفسه عن كثير"١. قلت: هذا دأب المتّقين وعباد الله المشفقين، قام ﵇ بوصفه الاتضاع، ولزم مناهج إخوانه من الأنبياء في رعاية الأتباع، وصرح بأنه إنما بعث خادماً والربّ يجب أن يكون مخدوماً، وأنه باذل نفسه ويتعالى القديم أن يكون عديماً. ١٠- دليل آخر على عبودية المسيح، قال متى: "مرّ يسوع بشجرة تين وقد جاع فقصدها فلم يجد فيها سوى الورق فقال: لا تخرج منك ثمرة إلى الأبد فيبست الشجرة لوقتها فتعجب التلاميذ وقالوا: كيف يبست؟ فقال: الحقّ أقول لكم: إنه لو كان / (١/٢١/ب) لكم إيمان بغير شكّ وقلتم للجبال: تعال واسقط في البحر لفعل كلّ ما سألتموه تنالوه"٢.
ميذ وقالوا: كيف يبست؟ فقال: الحقّ أقول لكم: إنه لو كان / (١/٢١/ب) لكم إيمان بغير شكّ وقلتم للجبال: تعال واسقط في البحر لفعل كلّ ما سألتموه تنالوه"٢.
قلت: أدركته ﵇ عوارض البشر من الجوع والعطش وما أكثر ما يصفه الإنجيل بذلك، ولما سبق في علم الله تعالى ما سيدعى فيه من الربويبة والإلهية حفظ هذه المواضع من الإنجيل وحرسها عن التغيير والتبديل، ولتكون وازعة ذوي عن الأحلام، عن عبادة رجل من الأنام، يفتقر إلى الشراب والطعام، فقل للنصارى: يا معشر من بخس حظه من المعقول، كيف خفي عن يسوع حال الشجرة وهو في زعمكم الذي غرسها؟! أم كيف افتقر إلى تناول الثمرة وهو الذي كَوَّن بلسها١؟!. ولِمَ دعا عليها؟! ومن الذي دعاه حتى ساق الثوى٢ إليها؟ وأخبرونا من هو هذا الذي جاع؟، فإن زعمتم أنه الإله أكذبكم الإنجيل إذ يقول: "إن الله لا يأكل ولا يشرب". وأكذبكم داود في المزامير إذ يقول: "إن إله إسرائيل لا يأكل لحوم العجاجيل ولا يشرب دماء أولاد الغنم"٣. فإن قلتم: إن الناسوت هو الذي جاع، أبطلتم الاتّحاد، إذ الاتّحاد عندكم صيَّر / (١/٢٢/أ) الكثرة قِلة وجعل الاثنين واحداً، وأنتم زعمتم أن فائدة الاتّحاد تشريف الطبيعة الناسوتية لا انحطاط الطبيعة اللاهوتية. فإذا قلتم: إن طبيعة الناسوت باقية على حكمها، لم يحصل التشريف الذي ذكرتم، فما نرى طبيعة اللاهوت أكسب الناسوت خيراً. وأخبرونا أليس مَتَّى هذا يقول إنّ المسيح هو الذي جاع، وهو الذي تردد مع الشيطان في سخرته وواصل الصيام بسببه؟، والمسيح هو عبارة عن الطبيعتين
لللاهوتية والناسوتية جميعاً، إذ طبيعة الإنسان على تجردها لا تسمى مسيحاً عندكم، وإذا كان هذا هكذا فقد لزمكم القول بجوع الإله وعطشه ودخول الآفات عليه، وإذا كان ذلك غير سائغ فالمسيح إذاً عبد مربوب ومخلوق مألوه يتأذى بأسباب الأذى ويفتقر إلى تناول الغذاء. فأما جفاف الشجرة بدعوته فليس في ذلك معتصم في دعوى ربوبيته ولو جاز أن يدعى في المسيح الربوبية بهذه القضية لجاز ذلك لإبراهيم وموسى وإلياس ودانيال وخلق كثير / (١/٢٢/ب) من أصفياء الله، فقد أجيبت لهم دعوات، وأمددهم الله من الملائكة بربوات. ١١- دليل آخر على عبودية المسيح، قال متى: "اجتمع الفريسيون١ والهيروديسيون٢ ودسوا على يسوع رجلاً ليصطادوه٣ بكلمة، فقال له الرجل: يا معلم، قد علمنا أنك محق، وأن طريق، الله بالحق تعلم، وأنك لا تبالي بأحد ولا تعمل لوجه إنسان، فقل لنا هل نعطي الجزية لقيصر أم لا؟ فعلم يسوع سرّهم وخاف شرّهم، فقال: يا مراؤون إنما جئتم لتجربوني٤ أدوا ما لقيصر لقيصر وما لله - لله"٥. قلت: هذه من المسيح ﵇ حيدة٦ عن الجواب وهي مؤذنة بالتقية
القاضية بضعف البشرية، والحيدة توجد كثيراً في كلام الأنبياء ﵈ يستعملونها للضرورة الحاضرة. وأنا أستحسن قول سيدنا محمّد رسول الله ﷺ: "وقد قال له العباس: يا رسول الله، إن أبا طالب كان بارّاً أترجو الله له؟ فقال ﵇: "كلّ الخير أرجوه من ربّي"١. وقوله: "وقد سأله رجل: يا رسول الله، متى الساعة؟ فقال: "ما أعددت لها؟ "، قال: حبّ الله ورسوله. فقال / (١/٢٣/أ) : "أنت مع من أحببت"٢. ولما قال إبراهيم للكافر: ربي الذي يحيي ويميت. قال: يا إبراهيم أنشدك
ل: "ما أعددت لها؟ "، قال: حبّ الله ورسوله. فقال / (١/٢٣/أ) : "أنت مع من أحببت"٢. ولما قال إبراهيم للكافر: ربي الذي يحيي ويميت. قال: يا إبراهيم أنشدك
الله أأنت رأيته يفعل ذلك؟، ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ . [سورة البقرة، الآية: ٢٥٨] . واعتبر هذا الفصل الذي نقله مَتَّى تجده من كلام الراوي ليس للمسيح منه إلاّ القليل، وهذا حال أكثر الإنجيل، والإنجيل الحقّ هو المأخوذ عن المسيح ﵇ لا عن غيره. وما أديص١ قول هذا الراوي [ليصطادوه] ٢ بكلمة!! هذا يعتبر سلفهم فما ظنّك بخلفهم؟! أما كان يستطيع أيجعل مكان [ليصطادوه] ٣ [ليمتحنوه ويختبروا ما عنده ويقفوا] ٤ على حقيقة مذهبه، أين هذا من ألفاظ الكتاب العزيز إذ يقول: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيكَ﴾ . [سورة الإسراء، الآية: ٧٣] . ﴿وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ... ﴾ . [سورة الإسراء، الآية: ٧٦] . ١٢- الدلالة على أن التلاميذ لم يكونوا [يعتقدون] ٥ في المسيح ما ابتلي به النصارى، قال نقلة الإنجيل: لما كان في أوّل من عيد الفطير جاء التلاميذ إلى يسوع وقالوا له: أين تريد أن تأكل الفصح؟، فقال: اذهبوا إلى فلان فقولوا: يقول لك المعلم: عندك آكل الفصلح مع تلاميذي٦.
ل من عيد الفطير جاء التلاميذ إلى يسوع وقالوا له: أين تريد أن تأكل الفصح؟، فقال: اذهبوا إلى فلان فقولوا: يقول لك المعلم: عندك آكل الفصلح مع تلاميذي٦.
فَعَرْضُهم/ (١/٢٣/ب) عليه الطعام والعمل بسنة العيد المأخوذة عن موسى، واتباعه أحكام التوراة دليل ظاهر على أنهم لا يفرقون بينه وبين البشر في شيء سوى النبوة، إذ هم يروون عنه في الإنجيل أن الأنبياء كلهم [معلمون] للناس، وهم الذين يروون عنه أن الله لا يأكل ولا يشرب. وقد شهد فولس الرسول في رسالته الأولى بأن المسيح عبدٌ لله وأن الله مالكه فقال وهو يُسهب في إفادة إخوانه: "إن كل شيء فهو لكم، وأنتم للمسيح والمسيح"١. فأضافه الله بلام التمليك كإضافة الأشياء لملاكها، وقوله: "وأنتم" يريد أنتم له أتباع، وهو يبلغكم عن الله أوامره بطريق السفارة. فإن قال النصارى: إنما أكل وشرب بناسوته، قلنا: ذلك باطل على رأي اليعقوبية٢ القائلين أن الاتّحاد قد أصار طبيعتي المسيح طبيعة واحدة، فإنه لم يبق ناسوت متميّز عن لاهوت حتى يضاف إليه الأكل والشرب، وهو باطل على قول من جعل المسيح درعاً للاهوت أو مسكناً له٣. إذ لو تجرد اللاهوت عن ناسوته حال ملابسة هذه النقائص لبطلت ألوهيته وخرج عن كونه مسيحاً / (١/٢٤/أ) فإنه لم تثبت له هذه التسمية إلاّ بعد الاتّحاد في زعمهم. فقد أقام يسوع بينهم ثلاثين سنة لا يسمى مسيحاً إنما يعرف بيسوع بن يوسف، فمن أضاف الأكل والشرب إلى ناسوته وحده فقد جعله آكلاً شارباً ببعضه، ومن جوّز قبول آلهة للتنصيف، فقد أبان عن عقل سخيف وعقل ضعيف. ألم تسمعوا إلى قول المسيح: "يقول لك المعلم"، سمّى نفسه معلماً لهم؟! وقال لهم في موضع آخر: "ليس لكم معلم سوى المسيح"٤. وقد قال في
الإنجيل غير مرة: "إن الأنبياء كلهم [معلمون] ١ لدواب الله"٢. فكيف صرتم تُضربون عما في الإنجيل من دلائل نبوته وتتعلقون بأدنى خيال ف محاولة ربوبيته؟!. فإن أشكل عليكم لفظ الإنجيل - وليس بمشكل - فارجعا القهقرى إلى التوراة كتاب موسى والأنبياء من بعده، فهل تجدون فيها ما تنتحلونه من عبادة رجل من بني آدم؟! وإنا نجد غير ذلك في التوارة، وقد حذرت من الشرك بالله ومجانبة توحيد الله حتى قالت: "متى سمعتم بذلك في بلد أو قرية فأهلكوا جميع من في تلك القرية / (١/٢٤/ب) والبلد بحد السلاح، ولا ترحموهم، الله ربكم هو إله واحد غيور عظيم مرهوب فاتقوه وخافوه، واحفظوا سنته وأحكامه وأزيلوا الشرّ من بينكم"٣. وكرر ذلك في أسفار التوراة مرة بعد أخرى، فالاعتماد في ذلك على التوراة المقولة بلسان الإجماع عندكم، وذل أولى من الاعتماد على كتاب، إنما نقله أربعة أنفس وفيهم اثنان ليسا من أصحاب المسيح بل من التابعين لهم، فلا جرم لمّا نُقل هذا الكتاب بلفظ الآحاد وقع فيه من الغلط ما ستقفون عليه إن شاء الله في الباب الرابع من هذا الكتاب. وحينئذ تتحققون أنه ليس هو الإنجيل المنَزَّل من عند الله.
كتاب بلفظ الآحاد وقع فيه من الغلط ما ستقفون عليه إن شاء الله في الباب الرابع من هذا الكتاب. وحينئذ تتحققون أنه ليس هو الإنجيل المنَزَّل من عند الله.
١٣- شهادة المسيح على أهل زمانه بالشّكّ في شأنه قال متى: "بينما التلاميذ يأكلون طعاماً مع يسوع قال: كلكم تشكون فِيَّ هذه الليلة؛ لأنه مكتوب أني أضرب الراعي فيفترق الغنم، فقال بطرس: لو شَكَّ جميعهم لم أشك أنا، فقال يسوع: الحقّ أقول لك إنك في هذه الليلة تنكرني قبل أن يصيح الديك"١. فقد شهد / (١/٢٥/أ) عليهم المسيح بالشّكّ فيه وأن خيارهم وهو بطرس خليفته عليهم من بعده سينكره، وإذا وقع لهم الشّكّ في المسيح في آخر أيامه ومنتهى مدته فقد تخرمت الثقة بأقوالهم، وإذا أنكره مثل بطرس ولم يعرفه بطل جزمهم بأنه قتل وصلب وصحّ قول٢ ربنا تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُم وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتَّبَاعُ الحَقِّ﴾ . الآية. [سورة النساء، الآية: ١٥٧] . فهذا المسيح ﵇ قد وافق محمّداً ﵉ في أن القوم شاكون فيه، وذلك مبطل لدعوى القتل والصلب. وقد صرح المسيح في هذا الفصل بحرف لو تأمله النصارى لما عدلوا عن اعتقاد نبوته إلى انتحال بنوته وهو قول المسيح: "إنه مكتوب أني أضرب الراعي"، سمّى نفسه راعياً وهادياً داعياً، وهذا حال الأنبياء ﵈ فإنهم يطوقون أعباء السياسة، ويرفقون الأنام بأخلاق الحراسة. فنحن نسأل النصارى، من هو الضارب؟ ومن هو المضروب؟
عياً وهادياً داعياً، وهذا حال الأنبياء ﵈ فإنهم يطوقون أعباء السياسة، ويرفقون الأنام بأخلاق الحراسة. فنحن نسأل النصارى، من هو الضارب؟ ومن هو المضروب؟
فإن زعموا أن الضارب هو الله، والمضروب هو الإنسان فقد وافقوا شريعتنا وخالفوا / (١/٢٥/ب) شريعتهم إذ تقول: "إن المسيح إله لا إنسان". وإن قالوا: الضارب هو الإنسان والمضروب هو الله، كان هذا قولاً لا يقوله أحد من الحمقاء فضلاً عن العقلاء. فإن عادوا وقالوا المضروب هو المسيح أعدنا عليهم القول المتقدم، وقلنا: المسيح عندكم ليس آدمياً محضاً ولا إنساناً صرفاً، بل هو مركب بالاتّحاد من إله وإنسان، فقد لزمكم أن يكون الإله مضروباً أيضاً مع الإنسان، فإن راموا تخصيص الناسوت بالضرب لم يتهيأ لهم بعد القول بالاتّحاد، وإن راموا تصحيح الضرب وإضافته وسائر النقائض إلى الناسوت فقد أبطلوا الاتّحاد، وهو المراد. وإن قالوا: المراد بالمضروب (الابن) وبالضارب (الأب) ، قلنا لهم: فالأب والابن عندكم قديمان، فما الذي أصار أحدهما ضارباً والآخر مضورباً بأولى من العكس؟! وإذا كان الابن عندكم عبارة عن الحكمة الأزلية، فما معنى ضرب الله كلمته؟ وإنما تضرب الأجسام، فأما صفات الله القديمة فلا تفارق ذاته الكريمة ولا تقوم بغيره. وما نرى لروح القدس في أكثر هذه الفصول ذِكراً، فلا ضارب ولا مضروب / (١/٢٦/أ) تعالى الله عن هذيانكم هذا علوّاً كبيراً. ١٤- صلاة المسيح وتعبده واجتهاده في الطاعة وتهجده، قال متى: "جاء المسيح مع تلاميذه إلى قرية تدعى جسمانية١ فقال لهم: امكثوا هاهنا حتى أصلي هناك. ثم أخذ يحزن ويكتئب، وقال: إن نفسي حزينة حتى الموت. ثم قال لبطرس وابني زيدي: اسهروا معي هذه الليلة. ثم خَرَّ على وجهه يصلي
مكثوا هاهنا حتى أصلي هناك. ثم أخذ يحزن ويكتئب، وقال: إن نفسي حزينة حتى الموت. ثم قال لبطرس وابني زيدي: اسهروا معي هذه الليلة. ثم خَرَّ على وجهه يصلي
ويقول: يا [أبتاه] ١ إن كان يستطاع فَلْتَعْبُر عني هذا الكأس، وليس كإرادتي لكن كإرادتك، ثم جاء إلى تلاميذه فوجدهم نياماً، فقال لهم: ما قدرتم أن تسهروا معي ساعة واحدة، ثم مضى وصلى وقال: يا [أبتاه] ٢ إن لم تستطع أن تعبر عني هذا الكأس حتى أشربها فليكن مسَّرتك، وجاء أيضاً فوجدهم نياماً فتركهم ومضى يصلي وأعاد كلامه الأوّل"٣. قلت: انظروا معاشر الضلال ودعاة الضلال، هل تليق هذه الخلال بصفات ذي الجلال؟!. لو لم يكن في إنجيلكم سوى هذا الفصل لكان قائداً للعميان، سائقاً إلى غير دين النصرانية من الأديان، إذ كان وما شاكله من أوضح الأدلة على ضعف البشرية وعجز العبودية، / (١/٢٦/ب) فسبحان من بخس النصارى عقولهم وأظلم سبلهم وأعمى دليلهم، أين هذا مما روى "أن رسول الله ﷺ حين احتضر جعل يقول: الرفيق الأعلى"! ٤. فأنبياء الله بل صلحاء الناس محاشون عن هذا التردّد حال الانتقال. وهذه التوراة تشهد باحتضار طائفة من أولياء الله كإبراهيم وإسحاق ويعقوب وهارون وموسى وغيرهم، وهم راضون بلقاء ربّهم، فرحون بانقلابهم إلى [شَعُوبهم] ٥ فنحن نوَرِّك٦ على من نقل هذا التردد القبيح عن السيد المسيح.
وفي هذا الفصل حرف يقطع بانحرافه وتحريفه وهو قوله: "إن لم تستطع أن تَعْبُر عني هذا الكأس". ثكلت لافظه أمه، لقد عجَّز قادراً، وسلك طريقاً عن الجَدَد١ نادراً، كيف يعجز القادر على الإطلاق، ويبخل من بيده مفاتيح أقفال الأرزاق؟!. فنحن نسأل النصارى، ما سبب هذا الحزن والاكتئاب؟! هل يعدو أن يكون إما جزعاً من الموت أو أسفاً على بقاء الناس على الكفر؟! وأَيُّ ذلك كان فقد تحقق عجزه فلا يصلح مَنْ هذا حاله للربوبية. ثم نقول لهم: ألم تنقلوا عنه أنه إنما جاء ليُخلِّص الخلق ويفديهم / (١/٢٧/أ) بدمه الكريم من الجحيم؟ وإذا كان الأمر على ما زعمتم فلا معنى لحزنه ولا اكتئابه. وفي الفصل أيضاً ما يفسد عليهم ما لفقوه في شريعة إيمانهم، وهو قوله: (وليس كإرادتي لكن كإرادتك" [فصرَّح] ٢ بأن إرادته مغايرة لإرادة الله تعالى، وإذا كانت إرادته غير إرادة الله بطل قولهم في الأمانة: "المسيح إله حقٌّ من حقّ إله حق من جوهر أبيه". فإن صححوا الأمانة أكذبوا الإنجيل، وإن صححوا الإنجيل أفسدوا الأمانة، إذ لو كان من جوهر الأب لكانت إرادته من جوهر إرادته، وهم يطلقون على الباري لفظ الجوهر تعالى الله عن كفرهم علوّاً كبيراً. ١٥- دليل آخر على عبودية المسيح، قال لوقا: "ورد أمر قيصر بتدوين الناس، فمضى يوسف ومريم وهي حامل بالمسيح ليكتتبا مع الناس فضربها
كفرهم علوّاً كبيراً. ١٥- دليل آخر على عبودية المسيح، قال لوقا: "ورد أمر قيصر بتدوين الناس، فمضى يوسف ومريم وهي حامل بالمسيح ليكتتبا مع الناس فضربها
الطَّلَق فولدته ولفته في الخرق وتركته في مذود حيث نزلاً، فلما تمت له ثمانية أيام سمّوه يسوعاً ولما أكملوا أيام تطهيرهم أقاموه ليقربوا عنه زَوْجَيْ يمام أو فرخي حمام كَسُنَّة الناموس"١. قلت: هذه أحوال البشرية في تنقلها من / (١/٢٧/ب) الاختتان إلى الرضاع إلى الطفولية ويتعالى ربّ الأرباب أن تحويه معالف الدواب، بل لا تحويه الأقطار ولا يحده المقدار، ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرضون ولا السماوات٢. قال لوقا: "ولما أكملوا سنَّتهم على مقتضى ناموس الربّ رجعوا إلى الجليل إلى بلدهم الناصرة فكان الصبي ينشأ ويصفو بالروح ويمتلئ بالحكمة، وكانت نعمة الله عليه وأبواه يمضيان به في كل سنة إلى عيد الفصح، ولما تمت له اثنتا عشرة سنة مضوا به إلى ارشليم كالعادة، فلما رجعوا تخلف عنهم يسوع في أورشليم ولم يعلموا به وسارا وهما يحسبانه مع الرفقة فلما لم يجداه رجعا إلى أورشليم فوجداه في الهيكل بين العلماء والشيوخ يباحثهم ويسمع منهم فأخذاه وانصرفا وكان يطيعهما"٣. قلت: هذا الكلام والذي قبله يشير إلى تقيد المسيح بشريعة موسى ﵉، وأنه وغير شرع في الشرع، ورتبة التابع دون رتبة المتبوع وفي ذلك دلالة على عبوديته، فأما اعتقاد الربوبية في صبي يتعلم أحكام / (١/٢٨/أ) التوراة ويسأل اليهود عما أشكل عليه منها فذلك عين الجنون، وهذا لوقا أَحدُ مُدَوَّني الإنجيل يشهد بأن المسيح عبد من عباد الله، وأنه صبي منت صبيان بني آدم، وأنه كان يتَزيد مواقع النعمة من الله شيئاً فشيئاً ويتعلم العلم ويسأل عما جهل ويستفيد
ل يشهد بأن المسيح عبد من عباد الله، وأنه صبي منت صبيان بني آدم، وأنه كان يتَزيد مواقع النعمة من الله شيئاً فشيئاً ويتعلم العلم ويسأل عما جهل ويستفيد
ممن هو أعلم منه، ويخبركم أن الله معطيه ومنعم عليه، فكيف لم ترضوا له ما وصفه به لوقا من صفته؟ أأنتم أعلم بما يجب له من لوقا؟! ألم تسمعوا إلى قوله: "وأبواه يمضيان به كلّ سنة إلى أورشليم". ألا يعجبوا من جلوسه بين العلماء للاستفادة والتعليم؟ فالنجاء النجاء من وبال هذا المذهب الذميم، والوحا الوحا١ في حلّ عقد هذا التصميم. ١٦- دليل آخر على عبودية المسيح وضعفه وافتقاره إلى خالقه وتبرئه ممّا يدّعيه النصارى فيه، قال لوقا: "قال رجل ليسوع: أتبعك إلى حيث تمضي يا سيد، فقال له يسوع: للثعالب أجحار ولطيور السماء أوكار، وابن الإنسان فليس له موضع يسند رأسه"٢. قلت: الزهد شعار الأنبياء ودثار المتقين ونعت المؤقنين، يفرغ القلب منت الهموم / (١/٢٨/ب) ويقشع عن الفكر غيوم الغمون، ويعرب عن قوة الإيمان والوثوق بضمان الرحمن، اشتغل المسيح بالزهد والنسك وتفرغ لخدمة ربه فرفض الملك، ورضي فقره فسكن الفقر٣ وحقّق صبره، فتوسد الحجر وافترش العفر٤. فكيف تعبد النصارى من لا يحوي مسقط رأسه فقراً؟! وتأمل من لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً. وإذ قد رووا عن الصادق المسيح أنه ليس موضع يسند رأسه، ورووا عنه أنه لا صالح إلاّ الله وحده، وحكوا عنه أنه قال: إنّ الله الإله الحقّ وحده، وأخبروا عنه أنه صام وصلى وانقطع لعبادة ربه وتخلَّى، فقد أكذبوا الأمانة التي
نه لا صالح إلاّ الله وحده، وحكوا عنه أنه قال: إنّ الله الإله الحقّ وحده، وأخبروا عنه أنه صام وصلى وانقطع لعبادة ربه وتخلَّى، فقد أكذبوا الأمانة التي
ألفها قدماؤهم إذ تقول: "إن المسيح إله حقّ وأنه خالق كلّ شيء وأن بيديه أتقنت العوالم". وتعيَّن عليهم العمل بمقتضى قول المسيح وفتاوى تلاميذه الأبرار، وشهادة الأنبياء الذين تقدموه مثل: موسى، وداود. "فقد قال المسيح ورفع وجهه إلى السماء: إلهي أنت الإله الحقّ الذي أرسلت يسوع المسيح"١. وقال موسى في التوراة: "لا إله إلاّ إلهنا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب الرّبّ الأزلي الذي لم يزل"٢. وقال داود في مزموره٣: "إن الله أقسم / (١/٢٩/أ) إن المسيح رجل كاهن يشبه في عبادته وتقواه ملكي صادق". الكاهن الذي كان يخدم البيت المقدس على عهد إبراهيم٤. ١٧- وقال سمعون الصفا رئيس الحواريين: "إن المسيح رجل أظهره الله بالأيد والقوة والمعجزات"٥. وقال المسيح: "إنه لا يقدر على عمل شيء
ولا يتفكر فيه حتى يكون الله هو الذي يعمله"١. وسئل عن القيامة، فقال: "لا يعرفها إلاّ الله وحده"٢. وهذه أقوال دالة وروايات متظاهرة على أن المسيح عبد مربوب، وأن له رباً يضرع إليه، ويعول في مصادره وموارده عليه لا إله غيره ولا رب سواه. فهلموا معشر النصارى إلى عبادة ذي الجلال، وقدسوا القديم عن تشبيهه بالرجال، واستحيوا من ذوي الحجى أن تعبدوا إنساناً قد حملت به أمه كما تحمل النساء بالأجنة، وترددت عليه أطوار الخلق وتنقلت به الحال إلى أن ناهز الثلاثين من السنين، ينسب إلى أُبوَّة يوسف مرة وداود أخرى، يتغذى بالطعام ويتردد بين الأنام، ثم تعتوره عوارض الحيوان فيعافى ويكرب، ويحزن ويطرب، ويعيا فيركب، ويستريح ويتعب، ويجوع ويعطش،/ (١/٢٩/ب) فيأكل ويشرب، ويستتر من عدوّه ويطلب، ويقرن باللصوص كما زعمتم ويسحب، ويحمل صليبه فيقتل بقولكم ويصلب، ويدفن في المقابر فيبكى عليه ويندب، وقولوا بنا جميعاً كما قال المسيح في الإنجيل: "لِلرّبِّ إِلاَهِكَ اسجد وله وحده اعبد"٣. قصم بذلك ظهر الخبيث وفصم عرى أهل التثليث وأثبت لربه الوحدة، وسجد لله وحده، ولم يعبد إلهين اثنين، ولا ثالث ثلاثة، ولا رأى ادِّراع ولا أقسم بالذراع، ولا اعتقد اتّحاد اللاهوت بالناسوت، ولا أقسم بصليب الصلبوت، ولا عظَّم الصّور والصلبان، ولا نطق بقولكم (كُرْياليصان) ٤ بل عبد الله،
ولا أقسم بالذراع، ولا اعتقد اتّحاد اللاهوت بالناسوت، ولا أقسم بصليب الصلبوت، ولا عظَّم الصّور والصلبان، ولا نطق بقولكم (كُرْياليصان) ٤ بل عبد الله،
ودعا إليه وعول فيما يأتيه ويدره عليه، قال الله تعالى في الإنجيل: "هذا فتاي" سمّاه عبداً وسمّيتموه ربّاً، وقال: "هذا رسولي"، سمّاه نبيّاً وجعلتموه أنتم إلهاً، وقال المسيح: "لا أعمل بمشيئتي" وقلتم إنه خالق كل شيء حتى كأنكم قد تتابعتم على خلافه بدليل أو تبايعتم على رفضه برهن ثقيل، فاستدركوا الغلط واهجروا الهُجر اللغط وتعلقوا بذمام قول الإسلام: ﴿مَا المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأَمُّه١ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ﴾ . [سورة المائدة، الآية: ٧٥] . ولا تغلوا في دينكم بغير دليل، واعتقدوا عبودية المسيح كما نطق به الإنجيل. ١٨- دليل آخر على عبودية المسيح ومساواته البشر، قال مرقس في إنجيله: "قال يسوع: إن نفسي حزينة حتى الموت، ثم خرّ على وجهه يصلي لله وقال: أيها الأب كلّ شيء بقدرتك، أخّر عني هذا الكأس لكن كما تريد لا كما أريد أنا"٢. فها هو سائل والله مسؤول. وأي عبودية تزيد على هذا؟! ١٩- دليل آخر على عبوديته، قال يوحنا: "وقف يسوع على بئر من آبار [السامرة] ٣ فقالت: له امرأة من نسل يعقوب: إن آبائنا سجدوا في هذا الجبل وأنتم تقولون إنه أورشليم؟! فقال لها يسوع: أنتم تسجدون لمن لا تعلمون ونحن نسجد لمن نعلم"٤. قلت: هذا يوحنا التلميذ حبيب المسيح يشهد على المسيح أنه معترف بربّ لا تجزئه العبادة لغيره ولا تنبغي الربوبية لسواه سبحانه، ولو كان الأمر على ما
لم"٤. قلت: هذا يوحنا التلميذ حبيب المسيح يشهد على المسيح أنه معترف بربّ لا تجزئه العبادة لغيره ولا تنبغي الربوبية لسواه سبحانه، ولو كان الأمر على ما
يهتف به النصارى لأرشدها، وقال: اضربي عن معتقد أسلافك العواة واسجدي لي ولأبي وروح القدس، فإني ثلث الإله، كلا ولكنه / (١/٣١/أ) أخبره أنه عبد مذلَّلٌ تحت رقّ العبودية وأنه يسجد لله مستحق الربوية. وأعلم أن المسيح قد كان يصلي إلى أورشليم١ وهي البيت المقدس قبلة الأنبياء قبله، ولم يزل يتوجه إليها مدة مقامه إلى حين رفع فكان مما أحدث النصارى بعده الصلاة إلى جهة الشرق، وتركوا القبلة التي كان المسيح يتوجه إليها. فإذا عيب عليهم ذلك اعتذروا بأن صاحبهم صلب إلى تلك الجهة، قالوا: فتعين علينا التوجه إلى حيث صلب٢. فيقال لهم: أرأيتم لو صلب إلى جهة المغرب أوصلب منكساً إلى أسفل ماذا كنتم تصنعون؟ وإذ تركتم قبلة المسيح والأنبياء وحسن عندكم خلافه فهلا توجهتم إلى الناصرة٣ التي هي بلد ربكم أو إلى مصر التي هرب إليها بزعمكم خوف القتل، وتعلقتم بشبهتين من الإنجيل: إحداهما: قوله: "إنه كتب أن يدعى المسيح ناصرياً"٤. والأخرى قوله: "من مصر دعوت ابني"٥.
صر التي هرب إليها بزعمكم خوف القتل، وتعلقتم بشبهتين من الإنجيل: إحداهما: قوله: "إنه كتب أن يدعى المسيح ناصرياً"٤. والأخرى قوله: "من مصر دعوت ابني"٥.
فكيف تركتم هاتين الجهتين ولكم فيهما مستمسك وتوجهتم إلى جهة ارتضاها اليهود الملاعنين للتنكيل بإلهكم كما زعمتم؟!. ولو كنتم ذوي نظر وعبر لكانت هذه الجهة حرية عندكم بالمقت / (١/٣١/أ) فإنها الجهة التي هلك فيها معبودكم وقبلت دم ربّكم. وأخبرونا عن توجه هذا المصلوب إلى هذه الجهة أكان في ذلك طائعاً أو كارهاً؟! فإن كان كارهاً لم يكن لكم أن تصلوا إلى جهةٍ لم يخترها صاحبكم ولم يرضها وإنما حُمِل عليها مجبراً، وإن كان قد توجه إليها طائعاً راضياً، فَلِمَ [تلعنون] ١ اليهود الذين صلبوه [وتكفرونهم] ٢ والذي فعلوه به إعانة له ومساهمة في حصول محبوبه وقرة عينه، ولاسيما أنهم نهجوا لكم قبلة تصلّون إليها؟! فتحننوا الآن على اليهود وتبركوا بهم إذاً، إذ كانوا قد فعلوا ما هو قرّة عينكم وعين صاحبكم. وكذلك يهوذا الإسخريوطي٣ الذي ارتشى عليه وألقاه في أيدي اليهود حتى قتلوه وصلبوه بزعمكم فصلّوا عليه وترحموا وتبركوا باسمه وصَوِّبُوا فعله، فإنه صار وسيلة إلا خلاصكم، وإذ قلتم: إن أسلافكم في دركات النيران ولا خلاص لهم من ذلك إلاّ بقتل ربكم، وإنما قتل وصلب بدلالته وبركة سفارته
وليس في النصارى - يرحمك الله - / (١/٣١/ب) من يُقِلُّ اللعن عن اليهود أو يقدر يسمع باسم الإسخريوطي، وهذه المؤاخذات واردة على الأصل الفاسد الذي أَصَّلوه، فإن أَبَوْا إلاّ لعن اليهود ومقت يهوذا فليتطيَّروا بجهة المشرق لكونها عَمَّتْهم بالشر وسقتهم بالكأس المرّ، وإلاّ فكيف يذمّ اليهود وتمدح الجهة وكلاهما مشؤوم؟! وما أحسن لعن [إله] ١ تقتله اليهود، [ورب] ٢ تغلبه إخوان القرود. ٢٠- دليل آخر على عبوديته وحدثه وأنه آدمي محض وإنسان صرف: اعلم أوّلاً أن تعاقب الأحوال من التغير والزوال والتفريغ والإشغال، والسكون والحركات والاختصاص بالمقادير والهيئات، هي الأدلة على حدث أجسام العالم. ولا خلاف بين النصارى أن المسيح ﵇ ولدته أمه في بيت لحم في أرض يهوذا ولفتة ووضعته في الخرق في معلف وأرضعته ثديها وأفرشته حجرها وتولت تأديبه ونشأ نشوء الآدميين، لم يتميّز عنهم في حال من الأحوال من صغره إلى حين ابتداء الدعوة، قد عُرف طوله وقدره ولونه وكميته واعتذى بالطعام وانتقل من مكان إلى مكان ونحن نعلم / (١/٣٢/أ) أنه كان إذا نزل أورشليم فقد فارق الناصرة، وإذا أقام بالناصرة فقد خلت منه أورشليم، وأنه ولد في دولة هيرودس ملك اليهودية، وأن مريم فرت به إلى مصر خوفاً من هيرودس ثم أعادته إلى الشام حين هلك أعداؤه، وأنه عاش نيفاً وثلاثين سنة يتعلم العلم ويقرأ التوراة ونبوات الأنبياء ويركب الحمير ويزجي٣ الأوقات من الأقوات باليسير الحقير ويلجأ إلى الله في حوائجه ومآربه. ويدعوه إذا أعوزته وجوه
لم العلم ويقرأ التوراة ونبوات الأنبياء ويركب الحمير ويزجي٣ الأوقات من الأقوات باليسير الحقير ويلجأ إلى الله في حوائجه ومآربه. ويدعوه إذا أعوزته وجوه
مطالبه، ويفرح ويغتم ويلبس ويعتم، ويفرّ من السلطان ويناظر الشيطان. وإذا كان حال المسيح على ما وصفنا فقد ثبت أنه مخلوق ومحدث، وعبد، وأن الله إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب هو خالقه ومحدثه، فإن تحامق النصارى فزعموا أنه هو الله أو صفة من صفاته، أو أن الله ساكن فيه وحال في إهابه، فقد حكموا أن القديم الأزلي ولدته امرأة، وخرج من فرجها، ولفته في الخرق، وألقته في مذود ثور، وسقته ثديها وقومته بتأديبها، وهربت به من خوف من يقصده من الأعداء وعلَمته وهذّبته / (١/٣٢/ب) . وأنه كان يتردد إلى اليهود، يتعلم منهم وأن الله الأزلي كان له إلهاً يدعوه ويرجوه، وهذا كلّه لازم للنصارى على الأصل الذي أصلوه، وإذا كان ذلك محالاً فقد ثبت بما قدمناه أن المسيح عبد من عباد الله بقوله وفتواه.
الباب الثّاني: في إثبات نبوّته وتحقيق رسالته الدلالة على نبوّة المسيح: اعلم أن في إثبات نبوّة المسيح ﵇ [إرغاماً] ١ لليهود والنصارى جميعاً، وذلك أنهم ارتكبوا في طرفي نقيض. أما اليهود - خذلهم الله - فإنهم يرمونه بالكذب والسحر والنيرنجات٢ واستخار الشياطين في أغراضه ومآربه، فقالوا: "إنه إنما يخرج الشياطين من الإنسان ببعلزبول٣ رئيس الشياطين، وقالوا: إنه لم يحي ميتاً قط ولا أبرأ ذا علة وعاهة، ولكنه واطأ صديقاً له يقال له ألعازر٤ فتماوت ثم إنه دخل عليه في جماعة معه فوجد أمه تبكي، فقال لها: لا تبكي، ثم وضع يده عليه فقام وادعى في البلد أن المسيح أحياه، وكانت أمه تهتف بذلك لشغفها بولدها٥. وقالوا: وواطأ آخر فجلس على الطريق كأنه زمن فلما طال مقامه / (١/٣٣/أ) وعُرِف بالزمانة والاستعطاء مَرَّ به في أناس معه كأنه لا يريد فناداه: ارحمني يا ابن داود. فأجابه: ما الذي تريده؟ فقال: أريد أن أنهض. فأخذ بيده وأقامه فقام وقد تعقدت رجلاه من طول الجلوس، فكانت أمه تشيع أن يسوع أقامه".
ه: ارحمني يا ابن داود. فأجابه: ما الذي تريده؟ فقال: أريد أن أنهض. فأخذ بيده وأقامه فقام وقد تعقدت رجلاه من طول الجلوس، فكانت أمه تشيع أن يسوع أقامه". واستبشع آخرون منهم هذا واستعبدوه فقالوا: لا. ولكن لَطُفَت معرفته بالطبّ حتّى أبرأ الأرض والأكمه وأقام الزمنى والمخلعين. وهم بأسرّهم
ينسبونه إلى بنوّة الزنى كا يشهد به الإنجيل١، "إذ يقولون له في محاوراتهم: أما نن فلسنا من أولاد الزنى"٢. فإذا أثبتنا معجزاته وآياته بالطرق التي ثبتت بها معجزات موسى وغيره من الأنبياء لم يبق إلى القدح في نبوّته سبيل، وكان ما يعترضون به على المسيح منعكساً عليهم في معجزات أنبيائهم٣، وكلّ سؤال انعكس على سائله فهو باطل من أصله. ١ يوحنا ٨/٤١. ٢ ورد في كتاب التلمود - وهو كتاب فقه اليهود المقدس لديهم، إذ يعتبرونه التوراة الشفوية من الله لموسى ﵇ ولكنه في حقيقته ليس إلاّ تفسيرات واستنباطات حاخاماتهم لنصوص التوراة؛ فقد ورد فيه: "أن يسوع الناصري موجود في لجات الجحيم يبن الزفت والنار، وأن أمه مريم أتت به من العسكري باندارا بمباشرة الزنى، وأن الكنائس النصرانية بمقام قاذورات، وأن قتل المسيحي من الأمور المأمور بها". وجاء في التلمود وصف المسيح بأنه كان ساحراً وثنياً ومجنوناً ومرتداً كافراً وشريراً. وبأنه صنم عبده أتباعه بعد صلبه. وبأن تعاليمه كذب وهرطقة ومستحيلة الإدراك. (الكنْز المرصود في قواعد التلمود - د. روهلنج - ترجمة د. يوسف نصر الله ص ٢٧، ١٠٥، فضح التلمود - للأب براناتيس ص ٥٥-٧٦) . ٣ لما لم يؤمن اليهود بالمسيح ﵇ وكفروا بدعوته؟ لقد ذكر الباحثون لذلك عدة أساب نجمل أهمها كالآتي:
وأما النصارى فإنهم مجمعون١ على ألوهية المسيح واعتقاد ربوبيته وأنه الإله الذي خلق العالم وجبل بيديه طينة آدم. فإذا أثبتنا نبوّته وأوضحنا رسالته عُرِف أن الإله غيره، والرّبّ سواه، ونحن نثبت ذلك من كتب النصارى التي بأيديهم ونوضحه من قول المسيح / (١/٣٣/ب) وأقوال تلاميذه الذين صحبوه: ١- قال يوحنا التلميذ: "قال المسيح لتلاميذه: من قَبِلكم وآواكم فقد قبلني وآواني ومن قبلني فإنما يقبل من أرسلني. ما من عبد أفضل من سيّده"٢. فهذا يوحنا حبيب المسيح يشهد بأن المسيح لم يَدَّع سوى الرسالة وأن من يقبل منه فإنما يقبل من الله الذي أرسله، ويذكر أن الله غيره وأن الرّب سواه، وأنه رسول من عند الله وها هو معترف بالعبودية في قوله: "ما من عبد أفضل من سيّده"، وذلك موافق للكتاب العزيز إذ يحكي منه: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِي الكِتَابَ وَجَعَلِنِي نَبِيّاً﴾ . [سورة مريم، الآية: ٣٠] . فإن زعم النصارى أنه سيد الحواريين وأنهم عبيده وأنه عناهم بقوله: "ما من عبد أفضل من سيّده" أكذبهم الإنجيل إذ يقول فيه: "إن الحواريين إخوته". "فقال له قائل: قابل إخوتك بالباب يطلبونك، فأشار إلى تلاميذه وقال: هؤلاء إخوتي"٣. "وقال له أحدهم: يا سيّد. فقال: لست أدعوكم عبيد بل أنتم
ريين إخوته". "فقال له قائل: قابل إخوتك بالباب يطلبونك، فأشار إلى تلاميذه وقال: هؤلاء إخوتي"٣. "وقال له أحدهم: يا سيّد. فقال: لست أدعوكم عبيد بل أنتم
إخوتي"١. "وقال بعد قيامه: قل لإخوتي يسبقوني إلى الجليل"٢. فقد ثبت بقوله رسالته وأن الله غيره وأنه غير الله، والرسول نبي بسفر بين الله وبين خلقه. فإن قالوا: نسلم أن الله أرسله ولا غرو / (١/٣٤/أ) أن يرسل الله كلمته رحمة لخلقه ولطفاً بهم، وذلك أنه لما أرسل الله أنبياءه، فكذّبوهم وقتلوهم بعث إليهم ابنه الذي هو كلمته فتجسدت من مريم البتول ليتهيأ للناس السماع منها والأخذ عنها. فنقول: هذا تعريج على ثدنات٣ الحمق وترويج بِبُنيَّات٤ الطرق، وذلك لأن الكلمة عندكم قديمة، وهي علم الله على رأي بعضهم، ونطقه على رأي آخرين، وإذا كانت الكلمة قديمة، فكيف يصح إرسالها؟! أفتقولون إن الأب بعد إرسالها بقي أخرساً جاهلاً بغير علم ولا نطق؟! ثم الكلمة هي صفة العلم فكيف تفارق الصفة ذات الباري والصفة لا تفارق موصوفها؟! أو تقولون إن الصفة تقوم بمحلين؟!. وأخبرونا كيف قَدِر الخلائق على رؤية الكلمة القديمة وثبتوا عند مواجهتها؟! والتوراة تشهد أن موسى بن عمران ﵇ لم يثبت عند جلال التجلي بل خَرَّ صعقاً وصار الجبل يضطرم ناراً٥ وكذلك السبعون شيخاً ماتوا لوقتهم عند سماع كلام الله٦.
التوراة تشهد أن موسى بن عمران ﵇ لم يثبت عند جلال التجلي بل خَرَّ صعقاً وصار الجبل يضطرم ناراً٥ وكذلك السبعون شيخاً ماتوا لوقتهم عند سماع كلام الله٦.
أتقولون إن موسى وصلحاء أصحابه لم يبلغوا من التمكين مبلغ / (١/٣٤/ب) الحواريين الذين زعمتم أنهم شاهدوا الكلمة وخدموها؟! على أن اليهود الملاعنين أيضاً قد شاهدوا المسيح وقاوموه. أفتقولون إن موسى ومن معه من الأشياخ لم يبلغوا من التمكين والقوة مبلغ اليهود؟! هذا وأنتم تروون في التوراة: "إن قوم لوط لما دنوا من الباب يريدون ضيفه برقت من بعض من الملائكة بارقة أعشت أبصارهم، فلم يقدروا على رؤية الملائكة"١. فمن لم يستطع رؤية مخلوق مثله، كيف استطاع رؤية الرّبّ العظيم والإله القديم؟! وأخبرونا كيف تقوم الكلمة تتردد بين اليهود في الأرض نيفاً وثلاثين سنة لا يسطع منها نور يغشى الأبصار ويذهل العقول ويزعزع القلوب؟!. وكيف لم [تتناوبها] ٢ الملائكة ويترددون إلى خدمتها؟! وهذه التوراة تنطق: "أن ابني هارون حين دنوا من قبة الزمان وبخَّرا بنار غريبة لم يؤذن فيها، نزلت من السماء نار فأحرقتهما بين يدي موسى وهارون وسائر بني إسرائيل"٣. "وقد كلم الله موسى من صوب العوسجة فأضاء له الوادي"٤. "وأرسل [أخزيا] ٥ الملك الكافر خمسين رجلاً ليأخذوا الياء / (١/٣٥/أ) النبي فنَزلت نار من السماء فأحرقتهم ثم بعث آخرين فنَزلت النار فأحرقتهم ثلاث مرات"٦.
أرسل [أخزيا] ٥ الملك الكافر خمسين رجلاً ليأخذوا الياء / (١/٣٥/أ) النبي فنَزلت نار من السماء فأحرقتهم ثم بعث آخرين فنَزلت النار فأحرقتهم ثلاث مرات"٦.
"وألقى بختنصر ثلاثة من أرقاب دانيال النبي في نار عظيمة١ فلم تعد عليهم" "وطرح بختنصر دانيال إلى السباع فلم تهجه"٢. وهؤلاء عبيد لله تعالى، فكيف نكص عنهم الشيطان وتمكن من ربّهم على زعم النصارى حتّى أغرى به شرذمة من أَخَسَّ جنده وهم اليهود فقتلوه وصلبوه؟! إذكان المسيح عندهم هوالله أومتّحداًبه وساكناًفيه. وأخبرونا كيف تتجسدالكلمةفتصيرلحماًودماًوعروقاً شعراًوظفارً؟! أذلك شيء شاهدتموه عياناً فساغ لكم أن تخبروا به الناس وتدعوهم إلى اعتقاده والقول به، فادَّعوا ما بدا لكم، فمن الذي يمسخ الله عقله ويسلخ لبه فيجيبكم إلى دين اعتقاد أهله أن الله ولد علمهُ، وأن علمه صار إنساناً، وصار ذلك الإنسان إلهاً خالقاً، وأن ذلك الإله قتله خلقه وصلبوه ونكلوا به؟!! فمتى تُساعدون على هذه الخرافات التي يأنف منها النوكى والمغفلون والعجائز المثكلون؟ وأخبرونا أليس المسيح عندكم / (١/٣٥/ب) هو الكلمة، والكلمة هي المسيح؟ فإذا قالوا: نعم. قلنا: فنحن وأنتم نعلم أن المسيح كان يكون منه يكون من الآدميين، أفتصفون الكلمة بأنها كانت بائلة غائطة؟!. فإن قالوا: البائل الغائط هو الناسوت أبطلوا الاتّحاد وأزروا على يوحنا الإنجيل الذي زعم أن الكلمة صارت جسداً وحلّت في الناسوت. وكذَّبوا فولس الذي يسمونه رسولاً في قوله: "إن المسيح ابتاعنا من لعنة الخطيئة بصلبه وقتله فصار لعنة بدلنا"٣.
وسفّهوا إفريم في قوله: "إن اليدين التي جبلت آدم هي التي سمرت بالمسامير وإن الشِّبر التي مسحت السماوات هي التي علقت بالصليب". فإذا قالوا: "إن الآكل الشارب البائل الغائط هو الناسوت فقد كفروا بإفريم وفولس الرسول وغيره من مشائخهم". وقد نقل عن أكابرهم أنهم قالوا: "من لم يقل إن مريم ولدت الله فهو محروم من ولاية الله"١. وهم يقرؤون في صلواتهم: "يا والدة الله افتحي لنا أبواب الرحمة، يا من سمرت يده على الصليب لا تضيع من خلقت بيدك". وإذا كان هذا اعتقادهم فقد اعترفوا بأن الآكل الشارب المقتول المصلوب هو الله، تعالى عن كفرهم علوّاً كبيراً. فإن قالوا: هذا لازم / (١/٣٦/أ) لكم أيضاً فإنكم موافقون على أن المسيح كلمة الله وقد نطق به قرآنكم. قلنا: لسنا سواء، فإنا نقول إن الله تعالى شرّفه بتسمية سمّاه بها كما سمّى إبراهيم خليلاً، وسمّى موسى كليماً، وسمّى إسرائيل ابناً بكراً بزعمكم، وسمّى موسى رجل الله، وسمّى عصاه قضيب الرّبّ، وسمّى قبة الزمان خباء الله، كلّ ذلك قد نطقت به كتبكم، والتسميات لا اختلاط لها بالذوات.
اً بكراً بزعمكم، وسمّى موسى رجل الله، وسمّى عصاه قضيب الرّبّ، وسمّى قبة الزمان خباء الله، كلّ ذلك قد نطقت به كتبكم، والتسميات لا اختلاط لها بالذوات.
ألا ترون الشخص الواحد والعين١ الواحدة تسمّى باسمٍ عند قوم وتسمّى باسمٍ آخر عند آخرين، وإذا كان المسيح عندنا قد سمّاه الله: (كلمة) لم يلزمنا ما لزمكم، فأما أنتم أيها الضلال فتقولون: إن كلمة الله انقلبت لحماً ودماً، فأكلت الخبز وشربت الماء وذلك هو الحَيْرة والعماء. فإن رجعتم إلى الطريقة المثلى وأضربتم عن هذه المقالة الشوهاء، وقلتم: إن النقائص يستحيل دخولها على الله وعلى صفته، فقد تركتم القول بألوهية المسيح وأبطلتم الاتّحاد، وذلك هو المراد؛ ووافقتم المسلمين والأنبياء المتقدمين. قال الله تعالى حكاية عن المسيح ﴿قَالَ إِنِّ عَبْدُ اللهِ﴾ . [سورة مريم، الآية:٣٠] .وقال تعالى في المزامير:"إن المسيح يشبه/ (١/٣٦/ب) ملكي صادق"٢."ملك عادل الذي كان ببيت المقدس"،وقال الحواريون: "إن يسوع يشبه موسى"،وقال بعضهم:"إن المسيح أفضل من موسى"٣. وقال في الإنجيل: "أنا أفضل من يونس"٤. وقال المسيح: "أتيتم من آفاق الأرض لتسمعوا من حكمة سليمان، وهاهنا أفضل من سليمان"٥. يريد نفسه. وقال في الإنجيل: "إلهي لم تركتني"٦؟!.
أفضل من يونس"٤. وقال المسيح: "أتيتم من آفاق الأرض لتسمعوا من حكمة سليمان، وهاهنا أفضل من سليمان"٥. يريد نفسه. وقال في الإنجيل: "إلهي لم تركتني"٦؟!.
وقال في خاتمة إنجيل يوحنا: "إني ذاهب إلى إلهي وإلهكم"١. فاعترف بأن له إلهاً ورباّ فقد ثبتت عبوديته ونبوّته ورسالته. ٢- دليل آخر على نبوّته ﵇، قال يوحنا التلميذ: "قال يسوع: أنا هو الراعي الصالح وأنا عارف برعيتي وهي تعرفني"٢. وجه الدلالة من ذلك ما اشتملت عليه التوراة والكتب من رعاية إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب والأسباط وموسى ﵈ تقدمت لهم مقدمات في رعاية النعم ثم أُهِّلُوا بعد لسياسة الأمم، فالنبي راع من الرعاة، وداع من الدعاة، يذودهم بالإنذار عن مراتع الهلاك ويريهم بأنوار الإيمان أشراك الإشراك، ولو كان الأمر على ما يهتف به النصارى من ربوبيته لم يقل في مجلس محشود ومحفل مشهود: أنا الراعي الصالح، بل كان يرفع / (١/٣٧/أ) الالتباس ويقطع عن الناس الوسواس، ويقول: اعملوا أني أنا الله خالق السماء والأرض وجامعكم ليوم العرض، أو أنا ابن الله أو ثالث ثلاثة، أو أنا الكلمة القديمة اتّحدت بجسم إنسان. وحوشي٣ ﵇ عن هذا الذيان، بل الذي نصّ عليه ودعا تلاميذه إليه قوله في الإنجيل: "لا صالح إلاّ الله الواحد"٤. وقوله: "إن الله لا يأكل ولا يشرب ولا رآه أحد". وقوله: "إني لا أعمل بمشيئتي بل بمشيئة من أرسلني"٥. وسئل عن القيامة فقال: "لا يعرفها إلاّ الله وحده، فأما أنا فلا أعرفها"٦.
كل ولا يشرب ولا رآه أحد". وقوله: "إني لا أعمل بمشيئتي بل بمشيئة من أرسلني"٥. وسئل عن القيامة فقال: "لا يعرفها إلاّ الله وحده، فأما أنا فلا أعرفها"٦.
فقوله: "أنا هو الراعي"، تكذيب للنصارى في دعوى ربوبيته؛ لأن الراعي ليس إليه ملك الغنم بل ملكها لغيره وليس له سوى الرعاية. وقوله: "وأنا عارف برعيتي وهي تعرفني". فيه دليل على أن الخلائق ليسوا بمعمومين بدعوته، بل لم يبعث إلاّ إلى طائفة من بني آدم لا غير. وقد كشف هذا وأوضحه في موضع آخر: "وهو أن أصحابه سألوه أن يقضي حاجة امرأة من الكنعانيين، فقال: لا يحسن أن يؤخذ خبز البنين فيلقى للكلاب إني لم أرسل إلاّ إلى الذين ضلّوا من آل إسرائيل"١. فهذه نصوص الإنجيل الناجية من التبديلد، وكلها دالة على نبوته ومفصحة برسالته / (١/٣٧/ب) صلى الله عليه وعلى إخوانه من النبيّين والمرسلين. ٣- معجزة دالة على نبوّته، قال متى: "جاء رجل أبرص إلى يسوع وسجد له وقال: يا ربّ طهِّرني، فقال: طهرتك. فزال برصه لوقته، فقال له يسوع: اذهب وقرب قرباناً كما أوصى موسى"٢. إن طعن اليهود في هذه الآية وجحدوها ولم يؤمنوا بها، قلنا لهم: ما الدليل على أن هارون وبنيه كانوا يزيلون البرص عن الأبرص٣ وذلك شيء لم تشاهدوه؟ فإن قالوا: نقل إلينا بطريق التواتر التي توجب العلم ويقتضي القطع ولا يبقى معها شكّ. قلنا لهم: فكذلك تواتر واشتهر وانتشر أن المسيح كان يفعل
ذلك، فإن حاولوا طعناً في آية المسيح انعكس عليهم في آية هارون وسائر الرسل، وإذا كانت هذه الآية لا سبيل إلى ردها وجحدها فقد لزم اليهود القول بنبوّته وترك ما هم عليه من التهود١. وإن حاولوا إسناد ذلك إلى معرفته بالطبّ ووقوفه على خواص تزيل البرص بسرعة، قيل لهم: فلعل موسى أيضاً حين طهر أخته مريم من برصها٢ كان قد لطف في علم الطبّ ووقف على خواص فعل بها ما فعل دون أن يكون ذلك معجزة له، وحيث / (١/٣٨/أ) بطل ذاك بطل هذا، وكان ما صدر منهما معجزة من عند الله تعالى. وإن قال النصارى: بذلك نستدل على ربوبيته إذ سجد له الأبرص، وقال له: يا رب، فلم ينكر عليه، ولو كان ذلك غير جائز لأرشده وقوّم أوده، فإقراره على ذلك وإزالة برصه دليل على ربوبيته.
قلنا: ليس في ذلك دلالة على ما انتحلتموه، أما السجود١ فهو كان سلام القوم وتحيّتهم فيما بينهم، يعرف ذلك من طاع كتبهم وقرأ تواليف المتقدمين منهم. والدليل على ذلك ما اشتملت عليه توراتهم من "سجود٢ إبراهيم ولوط للملائكة الذين مرّوا بهم لهلالك سدوم"٣. "وسجود إبراهيم لقم ساومهم في قطعة من الأرض لدفن زوجته سارة فسجد لهم مرتين حين فاتحهم فيها"٤. والتوراة تشهد أيضاً: "إن إسرائيل حين دخل على يوسف بمصر سجد له هو وأولاده"٥. وكذلك التوراة: "تشهد أن إفرام ومنشا٦ سجدا ليقعوب جدهما
ين فاتحهم فيها"٤. والتوراة تشهد أيضاً: "إن إسرائيل حين دخل على يوسف بمصر سجد له هو وأولاده"٥. وكذلك التوراة: "تشهد أن إفرام ومنشا٦ سجدا ليقعوب جدهما
بحضرة أبيهما يوسف فدعا لهما وبارك عليهما"١. ولم ينكر فعلهما. وأما قوله: "يا ربّ"، فسيأتي الكلام عليه - إن شاء الله - في باب تأويل ظواهر الإنجيل ونبيّن / (١/٣٨/ب) أنه لفظ يخاطب بها الأكابر والعظماء من الناس، وذلك مشهور في كلّ ملة. فأما تطهير الأبرص فليس فيه دلالة على ربوبية عسى ﵇ وألوهيته، بل ينتهض ذلك دليلاً على تقريبه من ربّه ومزيته، ولو جاز أن يتخّذ المسيح بذلك ربّاً لجاز ذلك في حقّ اليسع ﵇؛ إذ قد روى النصارى واليهود في كتاب سفر الملوك من كتبهم: "أن نعمان٢ الرومي برص فرحل إلى اليسع من بلده واستأذن عليه فلم يأذن له، بل قال لرجل من أصحابه: "قل له ينغمس في الأردن سبع مرات"، ففعل الرجل فبرأ من برصه لوقته ورجع إلى بلده معافى فاتبعه غلام للمسيح يقال له: (حِجْزا) ٣ وأوهمه أن المسيح أرسله يطلب منه مالاً ففرح نعمان بذلك وأعطاه مالاً وجوهراً ثميناً فأخفاه الغلام وجاء إلى اليسع، فقال له اليسع: تبعت نعمان وأوهمته عني كذا وكذا، وأخذت منه كذا وخبأته في موضع "كذا، إذ فعلت ذلك فليصر برصه عليك وعلى نسلك. فبرص الغلام مكانه"٤. فهذا نبيّ الله اليسع قد فعل ما هو أعجب من فعل المسيح / (١/٣٩/أ) لأنه أبرأ نعمان وبرَّص الغلام ونطق بالغيب، وقد أشار الإنجيل إلى طرف من القصة.
انه"٤. فهذا نبيّ الله اليسع قد فعل ما هو أعجب من فعل المسيح / (١/٣٩/أ) لأنه أبرأ نعمان وبرَّص الغلام ونطق بالغيب، وقد أشار الإنجيل إلى طرف من القصة.
فأما التوراة فهي تنطق: "أن مريم ابنة عمران١ أخت موسى وهارون تَغَرَّبت على موسى في أمر من الأمور فلما صعدوا إلى قبة الزمان وكلّمهم الله سبحانه تهدد مريم جدا وغضب عليها، فلما خرجت من القبة نظر إليها هارون أخوها فإذا هي قد ضربت بالبرص من قرنها إلى قدمها، فرق لها هارون وسأل موسى أن يدعو الله لها فدعا لها فشفيت"٢. وهذه الأنبياء قد فعلت ما هو مثل فعل المسيح وأعجب منه. فإن قال النصارى: "إن موسى واليسع وغيره كانوا يفعلون ذلك ولكن بعد ابتهال إلى الله ودعاء وطلب ورغبة، فأما المسيح فإنه كان يخترع ذلك اختراعاً من نفسه من غير دعاء ونداء. قلنا لهم: من سلم أن المسيح كان يفعل ما يفعل غير مبتهل إلى الله ولا طالب إليه، والدعاء لا يشترط لإجابته الإعلان، فإن الداعي يناجي بحوائجه من استوى عند السر والجهر، ومن أين لكم أن المسيح كان لا يدعو ربه / (١/٣٩/ب) سرّاً؟! على أنا نريكم عدة مواضع من الإنجيل الذي بأيديكم يشهد أنه كان لا يفعل معجزاً إلاّ بعد أن يسأل الله ويضرع إليه ويُعَوِّل في نُجْح مطالبه ومآربه عليه، قال في الإنجيل: "عندما أحيا حبيبه العازر ورفع بصره إلى جهة السماء: يا
[أبت] ١ أشكرك لتستجيب لي وأنا أعلم أنك تستجيب لي في كلّ حين، ولكن أشكرك من أجل هؤلاء الفئام ليعلموا أنك أرسلتني"٢. فها هو قد أكذب النصارى في دعواهم أنه كان يخترع من تلقاء نفسه من غير دعاء وابتهال. وقال فيما حكاه النصارى عنه: "إلهي إن كان يحسن صرف هذا الكأس فاصرفها عني كما تشاء أنت لا كما أشاء أنا"٣. وهذا شيء لم نسمعه إلاّ منهم فقد وضح كذب مورد السؤال. فأما موسى ﵇ فالتوراة تشهد بأنه كان يلقي عصاه فتصير ثعباناً ثم يأخذها فتعود خشبة٤ ثم يلقيها فتعود شجرة وتمد أغصاناً وتثمر لوزاً٥ ثم يتناولها فتعود عصا ثم يضرب بها النيل فينقلب دما ثم يضربه / (١/٤٠/أ) فيرجع ماء٦ كل ذلك من غير سؤال ولا استغاثة. وقد أحيت تربة قبر اليسع ميتا٧، وأبرأ يوسف عيني أبيه من غير سؤال ولا
دعاء١، وأحرق إيليا ثلاثة عساكر بنار نزلت من السماء٢ ولم يتقدم منه دعاء ولا طلب فعل ذلك عدّة من الأنبياء، فأما المسيح فقد بينا أنه كان في غالب أمره يدعو ويضرع كما قدمناه، ولم ينقل أن واحداً ممن سَمَّينا ضُرب ولا غُلب، فأما المسيح فالنصارى تزعم أنه قتل وصلب. والعجب منا ومنهم فإنا نعتقد نبوّته وسلامته وهم يعتقدون ربوبيته وعطبه، لقد تباعد ما بيننا وبينهم. ٤- معجز دال على نبوته، قال مى: "جاء رئيس من الرؤساء إلى يسوع فقال: إن ابني قد ماتت فلعل تأتي إلينا فتضع يدك عليها، فمضى معه ووضع يده عليها، فعاشت ابنة الرجل"٣. فإن أنكر اليهود ذلك مع تواتره وأكذبوا التواتر انعكس عليهم في نبوة أنبيائهم وإن زعموا أنه فعل ذلك تخييلاً، قيل لهم: ولعل قلب العصا حيواناً يسعى كان أيضاً تخييلاً / (١/٤٠/ب) وشعبذة٤ ودكا، فقد لزمهم القول بنبوة المسيح بالطريق التي لزمهم القول بنبوة موسى وغيره. ولو تطرق التشكيك إلى نبوة المسيح مع ظهورها لم يثبت نبوة نبيٍّ ولا استقرت رسالة رسول.
وإن قال النصارى: ذلك دليل على ربوبيته إذ لا قادر على إحياء الموتى سوى الله تعالى، قال الله: ﴿وَالمَوْتَى يَبْعَثُهم الله ... ﴾ . [سورة الأنعام، الآية: ٣٦] . قلنا: فيلزم على ذلك أ، تعتقدوا ربوبية كل من أحيا ميتاً وتتخذوه ربّاً، وقد قال عندكم في كتاب سفر الملوك إن إلياس أحيا ابن الأرملة١، وأن اليسع أحيا ابن الإسرائيلية٢ وأن حزقيال أحيا بشراً كثيراً يقال إنهم ستّون ألفاً أحياهم في ساعة واحدة٣، وهذا أعجب من إحياء المسيح نفسين أو ثلاثة. والتوراة تشهد إن موسى كان يقلب عصاه ثعباناً، فبينما هي خشبة إذ عادت حيواناً ذا عينين يأكل ما مرّ عليه٤، وقلب الخشب حيواناً أبدع من إعادة الروح إلى ميت. ٥- معجز دال على نبوة المسيح، قال متى: "حضر إلى يسوع أعميان فقالا: ارحمنا يا ابن داود، فقال: أتؤمنان؟ قالا: نعم. فلمس أعينهما وقال: / (١/٤١/أ) كإيمانكما يكون لكما. فانفتحت أعينهما، فقال: لا تقولا لأحد شيئاً"٥. فإن أنكر اليهود هذه الآية وطرقوا إليها المطاعن، قيل لهم: بأي طريق ثبت لكم "أن موسى ﵇ شكا إليه [بنو] ٦ إسرائيل الحيات التي لدغتهم في
لا لأحد شيئاً"٥. فإن أنكر اليهود هذه الآية وطرقوا إليها المطاعن، قيل لهم: بأي طريق ثبت لكم "أن موسى ﵇ شكا إليه [بنو] ٦ إسرائيل الحيات التي لدغتهم في
التيه فاتّخذ لهم حيةً من نحاس ونصبهم على خشبة وقال: من لدغته أفعى فلينظر إلى تلك، ففعلوا وصحوا"١. فإذا قالوا: "التواتر والنقل المستفيض يشهد به. قيل لهم: فاقتعوا منا بهذا الجواب. وإن قال النصارى: ذلك دليل على ربوبية المسيح. قلنا لهم: لو جاز ادعاء ربوبيته بذلك لجاز لآل يوسف أن يدّعوا ربوعيته بمثله؛ إذ التوراة تشهد أنه أبرأ عيني والده يعقوب بعد ذهابهما، ولما لم يجز التمسك بذلك في الربوبية لم يجز هذا، والمسيح أمرّ بستر ذلك، ويوسف لم يأمر به، فيدل على أنه أقوى حالاً وأعظم تمكيناً من غيره. ومعلوم عندكم: "أن موسى قد ضرب بعصا كثيب رمل فانهال قملاً لكل واحدة عينان تبصر بهما"٢. وهذا أعجب من فعل المسيح؛ لأن فيه خلق الحيوان كله، وذلك رد الصحة على جارحة من جوارحه بعد ذهابها. وقد / (١/٤١/ب) شهد متى صاحب المسيح أن المسيح لا يعلم المغيبات "إذ يقول للرجلين: أتؤمنان؟ فقالا: نعم". وأنه لم يعلم بإيمانهم بعد قولهما حتى علق الشفاء على إينمانهما، "فقال: مثل إيمانكما يكون لكما". فضاهى ذلك قوله: "وقد
ل للرجلين: أتؤمنان؟ فقالا: نعم". وأنه لم يعلم بإيمانهم بعد قولهما حتى علق الشفاء على إينمانهما، "فقال: مثل إيمانكما يكون لكما". فضاهى ذلك قوله: "وقد
سئل عن يوم القيامة فقال: لا أعلمها. بل الله وحده هو الذي يعلم ساعته ووقتها". وبذلك نرد على من زعم أنه من جوهر الأب، حيث قالوا في الأمانة: "المسيح إله حقّ من إله حقّ من جوهر أبيه". وهذه الفصول من الإنجيل تكذب تلك الأمانة وتُخطِّئ من ألفها إذ لو كان من جوهر الأب لكان علمه من جوهر عمله، ومشيئته من جوهر مشيئته، وسائر صفاته من صفاته، ولم يكن جسماً ذا شعر وبشر، بل المسيح من جوهر أبيه داود وإبراهيم فهو إنسان حقّ من إنسان حقّ من جوهر أبيه، والعجب أن المسيح ﵇ رضي من الرجلين أن نسباه إلى داود وقضى حاجتهما ولم ترضَ النصارى له بما رضيه لنفسه حتى نسبوه نسبة خالفوه فيها وأسخطوا الله وأضحكوا منهم سائر / (١/٤٢/أ) طوائف آدم، على أن قول الرجلين له: "يا ابن داود" لوكان خطأ منهما، لم يقرّهما المسيح على الخطأ، ولاسيما خطأ هو كفر! ١. وكيف يسمعهما ينطقان بالكفر وهو إنما جاء ليخلص الناس منه؟! بل قد سمع ذلك منهما فأقرهما عليه وشفاهما، وذلك منه بما نسباه إليه من نبوة داود، وكيف لا يرضى بذلك منهما وهي النسبة الجليلة التي نسبه بها جبريل الملك حين بشر به مريم بالناصرة كما شهد به لوقا في إنجيله: "إذ يقول لها: إنك تقبلين حبلاً بولد اسمه يسوع يجلسه الرّبّ على كرسي أبيه داود"٢. فالويل للنصارى، لم يرضوا له النسبة التي نسبه بها الحواريون، وارتضاها المسيح من أهل زمانه، وجاء بها جبريل من عند الله.
فمن عذيري١ من قوم لبسوا عقولهم مقلوبة يتنكبون السبيل ويرتكبون خلاف ما في الإنجيل؟!. نكتة: قال متى: "سمع يوحنا وهو السجن بأعمال المسيح فأرسل إليه اثنين من تلاميذه، وقال: قولوا له أأنت الآتي أو يرجى آخر؟ فقال يسوع: اذهبا وأخبرا يوحنا بما رأيتما وسمعتما العمي يبصرون والعرج يمشون، والبرص يطهرون،/ (١/٤٢/ب) والصمّ يسمعون، والموتى يقومون، فطوبى لمن لم يشك فِيَّ، فلما ذهب التلميذان قال يسوع: هذا الذي كنت من أجله، هو ذا أنا مرسل ملاكي قدام وجهك ليستهل طريقك، الحق أقول لكم، إنه لم تلد النساء أفضل من يوحنا، والصغير في ملكوت الله أفضل منه، بماذا أشبه هذا الجيل الشرير؟ أشبهه بصبيان يصيحون بإخوانهم قائلين: زمنا لكم فلم ترقصوا، ونحنا لكم فلم تبكوا، جاء يوحنا لا يأكل ولا يشرب، فقالوا: به شيطان، جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب، فقالوا: إنسان أكول شريب خمر خليل العشارين والخطاة، فتبررت الحكمة في بينها"٢. قلت: كيف يعتقد في المسيح الربوبية وهذا نبي الله يحيى بن زكريا يرسل إليه: "أأنت الآتي أو يرجى آخر؟ ". فإن كان هذا الشّكّ من يوحنا لا يقدح في إيمانه ونبوته فالمسيح ليس بإله؛ لأن الشّكّ في الإله كفر. وإن كان المسيح إلهاً كما يهذي به النصارى فقد كفَّروا يوحنا هذا. أفتدعي النصارى - ويلهم - أن يحيى بن زكريا كان جاهلاً بربّه مع قول المسيح: "إن النساء لم تلد أفضل منه؟ ". فشهادة المسيح / (١/٤٣/أ) ليوحنا بأنه أفضل أهل زمانه دليل
ى - ويلهم - أن يحيى بن زكريا كان جاهلاً بربّه مع قول المسيح: "إن النساء لم تلد أفضل منه؟ ". فشهادة المسيح / (١/٤٣/أ) ليوحنا بأنه أفضل أهل زمانه دليل
على غلط النصارى في دعوى ربوبية المسيح، إذ لو كان كما قولوا لكان الأولى باعتقاد ذلك يوحنا، وإنما أرسل يوحنا يسأل عن النبوة والرسالة، فلما أحاله على رؤية الخوارق والتي هي أعلام النبوة زال تردده في نبوته. وأما قول المسيح: "والصغير في ملكوت الله أفضل منه"، فيعني بالصغير نفسه جرياً على عادته في سلوك التواضع، وفي ذلك دلالة على نبوته من قوله؛ لأن الأفضلية لا تثبت إلاّ بين فاضلين اشتركا في أصل الفضل ثم ترجح أحدهما على الآخر بمزيد من الفضل، ولا يحسن أن يقال: إن الباري جل وعلا أفضل من زيد أو عمرو. مناقشة: قلب النصارى الحكمةَ وأبدلوها وحرفوا كتب الله وبدلّوها، وصفوا يوحنا بصفة الأرباب في استغنائه عن الطعام والشراب، فقالوا: "كان يوحنا لا يأكل ولا يشرب". واعتقدوا في المسيح الربوبية مع وصفهم له بنقص العبودية، فقالوا: "كان المسيح إنساناً أكولاً شريب خمر"١. فسخر / (١/٤٣/ب) منهم ذووا الألباب وآضوا٢ سُبَّةً على ممرّ الأحقاب. مناقشة: زعم النصارى أن المسيح كان يتردد إلى أورشليم للاستفادة والتعليم ويسائل الأحبار عن الأخبار٣ ثم اعتقدوا أنه الذي أنزل التوراة على الكليم وفدى الذبيح من يد إبراهيم، فيقال لهم: يا ممسوحي الحلوم ومسلوخي الفهوم، كيف يتعلم كتاباً هو الذي أنزله أو يتلمذ لرسول هو الذي أرسله؟!. ٦- معجزة دالة على نبوته ﵇، قال متى: "حضر إلى يسوع رجل يابس اليد، وذلك بحضرة جماعة من اليهود، فسألوه: هل يحل أن تداوي في
يتلمذ لرسول هو الذي أرسله؟!. ٦- معجزة دالة على نبوته ﵇، قال متى: "حضر إلى يسوع رجل يابس اليد، وذلك بحضرة جماعة من اليهود، فسألوه: هل يحل أن تداوي في
السبت؟! لكي [يَنُمُّوا] ١ عليه، فقال لهم يسوع: "أي رجل منكم يسقط خروفه في بئر في يوم السبت فلا يقيمه؟!، فالإنسان أولى من الخروف، ثم قال للرجل: امدد يدك، فمدّها فصحت وعادت كالأخرى، فخرج اليهود متآمرون في إهلاكه، فعلم يسوع سرّهم، وانتقل من هناك فتبعه مرضى فشفاهم"٢. قلت: هربه وتواريه غير قادح في نبوته ولا غاض من رسالته، فذلك كثير ما اتّفق لأنبياء الله وصوفته / (١/٤٤/أ) غير أنه لا يليق بجلال الربوبية، وهو يقدح في قول النصارى إن المسيح إنما نزل من السماء وتجسد من روح القدس وولدته مريم وحلّ في هذا العالم لخلاص آدم وذريته م الجحيم ببذل دمه حتى يكون مؤدياً ما وجب على آدم بأكله الشجرة، فلو كان الأمر على ما يهذون به لما فرّ من ذلك وتوارى وتَحَوَّل من بلدة إلى بلدة أخرى من أمر إنما جاء وتَعَنَّى بسببه، إذ في تأخير قتله استدامة آدم وذريته في العذاب. فإن قال النصارى:"إنما تَحوَّل واختفى لأن ساعة أجله لم تحضربعد". قلنا: فكان الأولى أن لا يتحول إذاً، إذ كان لبثه لا يجر إليه مكروهاً ولا يسلط عليه سفيهاً، وما أحسن٣ إلهاً له ساعة ترتقب وأجل ينقرض وينقضب. ٧- مضاهاة كلام المسيح لكلام الرسل ﵈، قال متى: "أتي يسوع بأعمى به شيطان أخرس فأبرأه، فعظم الجمع ذلك، فقال الفريسيون: "إنما يخرج الشياطين ببعل زبول رئيس الشياطين، فعلم يسوع سرهم، فقال: لا يستطيع أحد أن يدخل بيت القوي وينهب متاعه / (١/٤٤/ب) إلاّ أن يربط القوي أوّلاً ثم يأخذ متاعه، من ليس معي فهو عليّ، ومن لا يجمع معي فهو يفرق، إن كلّ ١ في ص (ينمو) ، الصواب ما أثبته.
تجديف يترك للناس، والتجديف على روح القدس، لا يترك في هذا الدهر ولا في الدهر الآتي"١. قوله: "كل تجديف يترك للناس والتجديف على روح القدس لا يترك"، مواطئ لقول سيدنا رسول الله ﷺ: "إن كذباً عليّ ليس ككذب على أحد، فمن كذب عليَّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار "٢. غير أن بين الكلامين في المقدار ما بين الدرهم والدينار. ٨- دليل على نبوته من قوله: قال متى: "قال له قوم من الكتبة: يا معلم نريد أن ترينا آية، فقال: الجيل الشرير الفاسق يطلب آية فلا يعطى إلاّ آية يونان النبيّ؛ لأن يونان أقام في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، كذلك ابن الإنسان يكون في قلب الأرض وبطنها ثلاثة أيام وثلاث ليال. رجال نينوى يقومون في يوم الحكم ويحاكمون هذا الجيل لأنهم تابوا بدعوة يونان وها هنا أفضل من يونان"٣. قلت: هو ذا المسيح قد صرح بنبوته في عدة / (١/٤٥/أ) مواضع من هذا الكلام:
- أحدها: تقرير الكتبة على قولهم له: يا معلم، ولم ينكر عليهم ويقول: كذبتهم بل أنا ربكم أو ابن إلهكم، كما لفق النصارى في أمانتهم التي بأيديهم.
وكيف يجوز إقرارهم على الخطأ في ذات الله، بل إنما أقرهم على الصواب، إذ قال لهم في الإنجيل غير مرة: "إن الأنبياء كلهم [معلِّمون] ١") .
- والثاني: تسويته بين نفسه وبين يونان النبي في جريان المقدور، ويونان٢ هو يونس٣ بن متى ﵇، ومحاكمة أمة يونس لأمته يوم القيامة.
- والثالث: تفضيله نفسه على يونان، وقد قلنا: إن التفضيل إنما يكون بين فاضلين رجح أحدهما على الآخر، ولا يحسن بين الملك والأتوني٤، فكيف يحسن بين الله وعبد من عبيده، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ . [سورة الإسراء، الآية: ٥٥] .ولا غرو أن يفضُل المسيح يونس كما فضُل محمّد سائر الرسل على ما نوضحه إن شاء الله في الباب العاشر من هذا الكتاب.



