— Bagian 9 · واحدة عدة ألوان، وهذه أمور شاهدة بأن الشبه غير م… —
Bagian 9
واحدة عدة ألوان، وهذه أمور شاهدة بأن الشبه غير مستحيل في نفسه، وإذا كان جائزاً فقد أخبر الصادق بوقوعه فلا التفات بعد ذلك إلى جهلة٤ النصارى في ردِّه.
وإن قالوا: لا ننكر جوازه١ وإنه غير مستحيل في نفسه غير أن المسيح قال لنا: إنه سيناله من اليهود قتل وغلب وآلام كثيرة، فوقع الأمر كما أخبر. قلنا لهم: أين قال ذلك في الإنجيل أم في غيره؟! فإن عزوه إلى غير الإنجيل أكذبهم جملة الإنجيل إذ هو مقصور على أخبار المسيح من حين ولادته إلى حين رفعه، وليس يؤثر عنه شيء خارج عما في الإنجيل، وإن عزوه إلى الإنجيل افتضحوا؛ إذ اللفظ في الإنجيل أقربه إلى مقصودهم قول المسيح: "إن ابن الإنسان سيناله من اليهود كيت وكيت"٢. وقد بينا غير مرة أن ابن الإنسان المذكور إنما هو الشبه الذي قتل وصلب، والدليل على ذلك أن النصارى إلى يومنا / (٢/٤/ب) هذا ليس فيهم من إذا روى شيئاً عن المسيح قال: قال المسيح ابن الإنسان، ولا إذا أقسم قسما قال: وحقّ المسيح ابن الإنسان، ولا إذا دعا وابتهل سأل المسيح ابن الإنسان، ولكن ديدنه وهجيره أن يقول: قال المسيح ابن الله، وحقّ المسيح ابن الله. فإذاً دعواهم أن المسيح قال: إني سأُقتل وأُصلب دعوى لا حقيقة لها فاعملوا ترشدوا. ٣- وانتزع النصارى من التوراة تحريم الأعمال في السبت: وقالوا: إنما كان ذلك تنويهاً وتنبيهاً للناس على آلام المسيح، وذلك لأنه صلب يوم الجمعة ودُفن ليلة السبت وقام يوم الأحد باكراً، فنبَّهت التوراة على أنه يكون يوم السبت كله مَيِّتاً معطلاً من الأعمال.
آلام المسيح، وذلك لأنه صلب يوم الجمعة ودُفن ليلة السبت وقام يوم الأحد باكراً، فنبَّهت التوراة على أنه يكون يوم السبت كله مَيِّتاً معطلاً من الأعمال.
ونحن - يرحمك مولاك - قد أريناك١ بعون خالقك حماية الله عبده المسيح وصونه عن كيد أعدائه، وإلقاء شبهه على رجل قد حضر أجله ورضي الله له الشهادة فلا معنى للإعادة، غير أن النصارى يتعلقون في أباطيلهم بأدنى سبب كالغريق في اللجة يتعلق بما لا ينجيه، وإلاّ فأي مناسبة بين خلق الله تعالى العالم في ستة أيام وإنجاز / (٢/٥/أ) المخلوقات في اليوم السابع وبين إهانة رجل وقتله وصفعه وصلبه في ذلك اليوم؟! والفراغ من الأعمال غاية الكمال، والصفع والصلب والقتل غاية الذلّ والنقص ولا مناسبة بينهما البتة. وإنما حرَّم الله على بني إسرائيل العمل يوم السبت٢ ليتذكروا ما كانوا فيه من السّخر والتعب والنصب عند فرعون، ويحمدوا الله على ما أراحم من جور الفراعنة، فرسم لهم يوماً واحداً في الأسبوع يكون لهم تذكرة كيلا يتقادم الزمان فينسون حسن صنيع الله عندهم فتلزمهم العقوبة أو نقص المثوبة بقلة الشكر على ما اتّخذ عندهم من النعمة. فيقولون: لو أن الله وضع لنا علماً نعلم٣ به ما جرى لسلفنا لم نقصر في الشكر، فأزاح الله عللهم وعين لهم اليوم الذي تمت فيه خلائق الله ومصنوعاته، فهذه هي العلة في العطلة من الأعمال يوم السبت لا كما انتزع النصارى. على أنا لو تركناهم وما انتزعوا لم يكن فيه دلالة إلاّ على قتل الشبه الذي فرغنا من ذكره.
وكذلك / (٢/٥/ب) أمره تعالى برجم الزاني واللوطي تذكيراً لهم ولنا ما فعل بأهل سدوم وعامورا١ ليحصل الانزجار عن مثل فعلهم، ال الله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِين بِبَعيِدٍ﴾ . [سورة هود، الآية: ٨٣] . وكذلك أمره سبحانه بالاغتسال من الجنابات والأحداث تذكيراً لهم ما صنع بفرعون وقومه، وكيف أغرقهم في البحر وفجَّر لهم المياه من الصخر القاسي. وكذلك أمرهم باتّخاذ الأواني من الذهب في بيت مقدسهم إذكاراً لهم بالذهب الذي خرجوا به من مصر وكيف سلبه من الفراعنة ومنحهم٢ إيّاه مع عزِّ المسلوب وضعف السالب. وكذلك أمره إيّاهم بأن يفدوا أولادهم بذبيحة كلّ على قدر طوقه إذكاراً لهم فعل إبراهيم حين أراد ذبح ولده٣ ليتأسوا به في الرضى والتسليم لله عزوجل فيعظم مثوبتهم ويجزل أجرهم. وكذلك أمره سبحانه بالقرابين والأضاحي تذكرة فعل ابْنَيْ آدم وسخاء نفس هابيل وشح أخيه قابين٤، لكيف البخيل عن بخله ويجود السخي في سخاه. وكذلك أمر إياهم أن يقربوا / (٢/٦/أ) عن أبكارهم إذكاراً لهم ما صنعه الله بأبكار فرعون وقومه وكيف قتل في ليلة واحدة فأبكار الناس والحيوان من الملك إلى الأتوني٥.
وكذلك رش الكهنة الدم على المذبح إذكاراً لهم الدم الذي أرسل على المصريين والنعمة على بني إسرائيل١، إذ يشرب هؤلاء الماء العذب وهؤلاء الدم العبيط من معين واحد ومجرى واحد. وكذلك أمره لهم بعيد [المظال] ٢ إذكاراً لهم تظليلهم بالغمام من حرّ الشمس، وقد ذكرت التوراة العلة في ذلك، فقال الله تعالى: "إن سألك ابنك عداً وبعد غد، وقال لك: أيّ شيء هذا؟ فقل له: بيد منيعة قوية أخرجنا قومنا من مصر"٣. وهذه المواضع تبطل على النصارى ما احتجوا به من العطلة في السبت على قتل المسيح وصلبه. ٤- وانتزع النصارى من التوراة قوله: "تعالوا نخلق بشراً٤ يشبهنا ومثالنا"٥. وقوله أيضاً فيها: "تعالوا ننْزِل نبلبل ألس الناس"٦. قالوا: فهذا دليلنا على الثالوث وإنما خاطب بذلك الروح / (٢/٦/ب) والابن، وقوله: "شبهنا ومثالنا". دليل على التأنس الذي فعله٧.
ننْزِل نبلبل ألس الناس"٦. قالوا: فهذا دليلنا على الثالوث وإنما خاطب بذلك الروح / (٢/٦/ب) والابن، وقوله: "شبهنا ومثالنا". دليل على التأنس الذي فعله٧.
والجواب: أن نقول أخطأتهم الطريق وقذفتم بنفوسكم من مكان سحيق، وذلك أن الروح والابن قديمان لا دخول لهما تحت أوامر الآب حتى يأمرهما، وليس قوله لهما بأولى من قولهما له، فمن صَيّر الأب أولى بافتتاح القول منهما؟! ثم الأب عبارة عن الذات، والروح عبارة عن الحياة، والابن عبارة عن العلم أو النطق، فكيف يخاطب الله علمه وحياته فيقول لهما: تعالوا ننْزل، والصفة على تجردها لا تُخَاطَب ولا تُخاطِب؟!. فإذا قالوا: فإذا كان لفظ التوراة هكذا وهو صالح للتثليث فما وجه حمله على التوحيد؟ قلنا: هذه النون مشهورة في كلّ لسان وعند كلّ إنسان يطلقها العظماء بينهم والأكابر، وهي بالله أليق، إذ هو العظيم على الحقيقة وكلّ عظيم سواه فهو عبده، ومخترع١ من صنعه. وقد قال لوقا في إنجيله: "إن ناساً راموا ترتيب الأمور التي نحن بها عارفون كما عهد إلينا أولئك الصفوة"٢. فهذا لوقا قد ذكر نفسه٣ بلفظ الجمع فبطل ما تخيّله / (٢/٧/أ) النصارى من ذلك. وقد قال الله تعالى في الكتاب العزيز: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . [سورة الحجر، الآية: ٩] . ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ ٤.
تعالى في الكتاب العزيز: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . [سورة الحجر، الآية: ٩] . ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ ٤.
ويحتمل أن يكون أمر الملائكة بالنُزول وبخمر طينة آدم وتديرها على هذا الشكل الإنساني كالفعلة١ والعمال الذين يصدرون عن رأي المهندس الحكيم، فلما كملت فخارته نفخ الله في الروح، والخلق عبارة عن التقدير قال الأوّل: وَلأَنْتَ تَفْري مَا خَلَقْت وبعـ ـضُ القومِ يخلُق ثم لا يَفْري٢ هذا كله إن كانت ألفاظ التوراة والإنجيل لم يدخلها التحريف والتصحيف، وهذا الموضع إن لم يمش على ما قلناه وإلاّ صادم بقية نصوص التوراة في استبداد الله تعالى بالخلق والاختراع إذ قال الله في السفر الأوّل منها: "في البدء خلق الله السماء والأرض، فقال الله ليكن كذا ليكن كذا، حتى أكمل سائر مخلوقاته في ستة أيام"٣. كلّ ذلك ليس فيه ما يشعر بتثنية ولا تثليث. فأما قوله: "شبهنا ومثالنا"، فهذا الموضع هو الذي غلط اليهود والنصارى فاعتقدوا أن الله / (٢/٧/ب) [جسم] ٤. وأنه مشابه لهذا الهيكل الإنساني، ويتعالى القديم عن مشابهة مخلوقاته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ . [سورة الشورى، الآية: ١١] . وإنما أراد الله تعالى أن آدم صار يعرف الخير والشّرّ، ولم يرد المثال والشبه الخلقي، وقد فسرته التوراة بعد ذلك بأسطر فقال الله تعالى: "هذا آدم قد صار كأحدنا يعرف الخير والشّرّ"٥. والسّرّ في ذلك أن الملك مركوز في خلقه معرفة الخير الشّرّ، والحيوان البهيم خال عن ذلك، وقد كان آدم في بدء أمره
[ساذجا] ١ عن معرفة ذلك، فلما تناول الشجرة بدت له سوءته، وعرف ما لم يكن يعرف من الخير والشّرّ. وإذا كان الله سبحانه٢ إنما أراد المماثلة في العلم بالخير والشّرّ بطل قول النصارى إن ذلك [دليل] ٣ على التثليث. وأما قوله: "ننْزِل نبلبل الألسن". فنُزوله نزول أوامره وتجدد أحكامه وهبوط الملائكة بوحيه، وإلاّ فالحركة والتفريغ والاشتغال يستحيل على القديم سبحانه٤. وقد رُوي عن سيّدنا رسول الله أنه قال: "ينْزِل ربُّنا إلى السماء الدنيا في كلّ ليلة جمعة / (٢/٨/أ) فيقول: هل من تائب ... " الحديث٥.
وقول التوراة في خاتمتها١: "أقبل الله من سيناء، وتجلى من ساعير، وظهر من جبال فاران"٢. فنُزُوله سبحانه؛ نزول أوامره، وظهوره ظهور٣ شرائعه، وإقباله؛ إسباغ نعمه على خلقه، وهذه كلّها معانٍ معقولة يؤمن بها اللبيب ولا يجريها على الظاهر إلاّ المريب، ونحن فقد بينا نم كتابهم الذي بأيديهم توحيد الباري، واستشهادنا بأقوال المسيح في التوحيد وأقوال تلاميذه، وذلك يبطل تعلقهم بهذه الكلم التي لا دلالة فيها على التثليث.
٥- وانتزع النصارى من التوراة: "أن ثلاثة من الملائكة مروا بإبراهيم ﵇ فسجد لهم وخاطبهم بـ:"يا رب" ١، قالوا: فهذا إبراهيم يعتقد التثليث الذي نحن نقول به٢. فيقال لهم: غلطتم أيّها القوم غلطاً عظيماً، وحدتم عن صوب الصواب، وأشكل عليكم غير المشكل، وذلك أن التوراة تقول في السفر الأوّل منها: "إن الله سبحانه كان متجلياً لإبراهيم قبل رؤيته الملائكة الثلاثة"٣. فقوله: "يا رب"، خطاب٤ لله وحده. ويؤيد ما قلته قول / (٢/٨/ب) التوراة: "ومضى الملائكة نحو سدوم وبقي إبراهيم قائماً بين يدي الله تعالى يشفع في القوم، ويقول: بخطيئة واحدة تهلك الأبرار مع الفجار، حاشاك من ذلك يا حاكم الأرض أن٥يكون هذا من صنيعك"٦. فهذا وجه حسن مقبول. ووجه آخر: وهو أنه يحتمل أن يكون إبراهيم أَضْمَر (يا رسل رب) ، والإضمار في التوراة كثير جداً: "كقول الملك لهاجر رآها ومعها ولدها إسماعيل: شُدِّي يديك بهذا الغلام فإني سأكثر نسله كثيراً"٧. فأضمر الملك: "يقول لك الله: إني سأكثر نسل ولدك". إذ الملك لا يقدر على ذلك، وهو صادق لا يكذب.
اعيل: شُدِّي يديك بهذا الغلام فإني سأكثر نسله كثيراً"٧. فأضمر الملك: "يقول لك الله: إني سأكثر نسل ولدك". إذ الملك لا يقدر على ذلك، وهو صادق لا يكذب.
وكذلك قول التوراة في هذا السفر: "إبراهيم، إبراهيم لا تذبحن الغلام، فقد علمت أنك تخاف الله حين لم تمنعني ابنك وحيدك"١. فأضمر "قال الله"؛ لأن إبراهيم لم يقصد بذبح ولده التقرب إلى الملك، ولم يكذب في قوله. وإذ ثبت أن إبراهيم إنما خاطب بذلك الله؛ وسجد له؛ بطل انتزاع النصارى لذلك واستشهادهم به. على أنا نقول: لو ثبت أن إبراهيم خاطب الملائكة وسجد لهم لم يلزم منه / (٢/٩/أ) ما انتحله النصارى من عبادة الثالوث؛ لأن قصد الجماعة الكثيرة٢ بلفظ الواحد هو لسان القوم كان في ذلك الزمان، وشاهده من التوراة قوله لبني إسرائيل: "وتعملون للرّبّ إلهكم ليبارك في طعامكم وشرابكم، ويدفع الآلام عن بيوتكم، ولا يجعل عاقراً في أرضكم، وأرسل هيبتي بين يديك، وأقاتل عنك كلّ من تذهب إليه، وأجعل أعداءك خاضعة بين يديك"٣. وهذا كما ترى مخاطبة الجمع الكثير بلفظ الواحد، وفي التوراة من هذا الجنس كثير؛ كقوله لبني إسرائيل: "إنكم تعرفون أنفس التواينة؛ لأنكم كنتم تواينة بأرض مصر، ازرع أرضك ستّ سنين ودعها في السابعة"٤. وشاهد من المزامير لداود: "اسمع يا قوم، أقول لكم يا إسرائيل: أنا الله ربّك"٥. وشاهده من الإنجيل: "لا تقابلوا الشّرّ بالشّرّ، ولكن من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر، ومن رام أخذ ثوبك فألق عليه رداءك"٦.
ائيل: أنا الله ربّك"٥. وشاهده من الإنجيل: "لا تقابلوا الشّرّ بالشّرّ، ولكن من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر، ومن رام أخذ ثوبك فألق عليه رداءك"٦.
وفي الإنجيل: "لا تصنعوا بِرّكم قُدَّام الناس لتراؤوا لهم فيحبط أجركم؛ لكن إذا صنعت رحمة فلا تُصوّت/ (٢/٩/ب) قدامك بالبوق كما يفعل المراؤون في المحافل والأسواق لكي يحمدهم الناس"١.وذلك في كتبهم كثير. فلو كان خطاب إبراهيم للثلاثة بلفظ واحد يدل على التثليث؛ فهذه كتبهم تخاطب الجموع الكثيرة بلفظ الواحد فيلزم منه إفساد التثليث. وأما قوله: "يا ربّ" فقد قدمنا أن لغة القوم تجيز ذلك، وأنهم يخطابون العظيم القدر الرفيع المنْزلة ولا يستنكر ذلك منهم، وقد قال زكريا ﵇: "قال لي الملك: ما تدري ما هذا؟ قلت: لا يا رب"٢. ورأى يوشع رجلاً في يده السيف مصلتاً؛ فذهب إليه فقال: "أَمِنَّا أنت أم من عدونا؟ "، فقال: أنا رئيس جند الله٣. فسجد يوشع. وقال: أَيُّ شيء يقول الرّبّ لعبد؟ فقال: اخلع نعليك فإن الموضع الذي أنت فيه مقدس"٤. وهذا في كتب القوم كثير يخاطبون به أكابرهم وعظماءهم، ولما كان لفظ الرّبّ يطلقونه على غير الله تجوزاً وتوسعاً، احتاجوا إلى لفظ التأكيد والتكرار عند إرادة الرّبّ الحقيقي. فقيل لهم في التوراة والكتب العتيقة: "اعلموا / (٢/١٠/أ) أن الله ربّكم وإلهكم وخالقكم ورازقكم". حتى يرتفع الاشتراك بين المجاز والحقيقة. وقال سبحانه في التوراة لبني إسرائيل: "اختنوا قلفة قلوبكم ولا
تقسوا رقابكم، الله ربّكم هو إله الآلهة وربّ الأرباب، إله عظيم مرهوب جبار، لا يرتشي ولا يحابي، وينصف الأيتام والأرامل الذين يقبلون إليه"١. وقد ذكرنا أن السجود كان سلام القوم على أكابرهم وتحيتهم لعظمائهم، فقد سجد يوشع للملك، والتوراة تشهد بأن إبراهيم ولوطاً وإخوة يوسف وأولاده قد فعلوا ذلك، وذلك مذكور مشهور٢. قال مؤلِّفه-عفا الله عنه-في هذاالفصل من التوراةمعانٍ رديَّة فتأمل: منها قولهم: "إن الله قال لإبراهيم: لقد وصل إلى إثم سدوم وعامورا فقلت انزل الآن فانظر هل صنعوا وأثموا كما بلغني وإلاّ عرفت ذلك"٣. فإن فيه نسبة الباري إلى عدم العلم بالمغيبات، ونسبة الملائكة إلى عدم الصدق وأنهم في موضع تهمة ومحل ظنه. والموضع / (٢/١٠/ب) الآخر قولهم: "إن الملائكة أكلت الطعام عند إبراهيم ولوط، فنقلوا عن إبراهيم أنه أطعمهم خبز ملة، وصنع لهم عجلاً سميناً، وساقهم لبناً وسمناً، وأن لوطاً أطعمهم فطيراً"٤. هذا وأهل الكتاب ينكرون قول أهل الإسلام إن أهل الجنة يغتذون بالطعام والشراب، ويقولون: لا طعام في الجنة ولا شراب ولا نكاح؛ بل يكون حالهم كحال الملائكة لا يأكلون ولا يشربون وهذه غفلة عظيمة. وقد قال تعالى في شأن الملائكة في هذه القصة: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُم لاَ تَصِلُ إِلَيهِ نَكِرَهم﴾ . [سورة هود، الآية: ٧٠] . وذلك كناية عن ترك الأكل ويشبه أن يكونوا أمسكوا٥ طعام إبراهيم وباركوا عليه. وتقدموا إليه بإطعامه أبناء السبيل وذوي الحاجة.
. [سورة هود، الآية: ٧٠] . وذلك كناية عن ترك الأكل ويشبه أن يكونوا أمسكوا٥ طعام إبراهيم وباركوا عليه. وتقدموا إليه بإطعامه أبناء السبيل وذوي الحاجة.
٦- وانتزع النصارى من التوراة قولها: "وأهبط الرّبّ على سدوم وعامورا ناراً وكبريتاً من بين يدي الرّبّ من السماء"١. فزعموا أن تكرار "الرّبّ" مرتين دليل لهم على اقنومين٢، وأن الله أَبْهَم ذكر [الأقنوم] ٣ الثالث ووكله إلى استخراج العلماء والفهماء٤ / (٢/١١/أ) لتكثر أجورهم وتجزل مثوبتهم بالبحث والاستنباط. والجواب عن ذلك: أنه سبحانه٥ إنما كرر لفظة الرّبّ للتأكيد ليُعْلِم عباده أنه هو المتولي عذاب الظالمين، وهذا موجود في كلّ لغة عند إرادة التأكيد وهو كقول القائل: نعوذ بالله من غضب الله، وكقول التوراة: "وصعد موسى إلى الله وناداه الله: قل لبني إسرائيل وأَعْلِم بني يعقوب قد رأيتم ما صنعت بالمصريين"٦.وكررالله مرتين وكرر يعقوب والمعنى واحد. وقد قال أشعيا في نبوته: "إن الرّبّ رحم٧ يعقوب ونجى إسرائيل"٨. وقال أشعيا أيضاً: "تكلم يا يعقوب وقل يا إسرائيل ولا تخف"٩. وفي التوراة: "قال موسى: يا ربّ الشعب الذين معني ستمائة ألف، وأنت قلت إنك تطعمهم لحماً شهراً كاملاً، فلو ذُبح لهؤلاء أنعام الأرض وثيرانها أو
ا تخف"٩. وفي التوراة: "قال موسى: يا ربّ الشعب الذين معني ستمائة ألف، وأنت قلت إنك تطعمهم لحماً شهراً كاملاً، فلو ذُبح لهؤلاء أنعام الأرض وثيرانها أو
صيد لهم سمك البحور أين كان يقع ذلك منهم؟ فقال الرّبّ: يد الرّبّ تكمل الأشياء، والآن ترى هل يتمّ كلامي أم لا؟ "١. فبطل ما تعلقوا به من قوله: "أنزل / (٢/١١/ب) الرّبّ من بين يدي الرّبّ". ويقال للنصارى: ما قولكم فيمن يدعي أن الأقانيم خمسة ويستشهد بقول الله تعالى في التوراة: (فدعا بنو إسرائيل، فصعد نحيبهم إلى الله، فرأى الله بَلِيَّتهم فذكر اله ميثاقه مع إبراهيم أبيهم، فنظر الله لهم وعلم الله حالهم واضطرارهم"٢. وإن كان قوله: "أهبط الرّبّ على سدوم ... ". تدل على أقنومين. فهذه الآية من التوراة تدل على خمسة أقانيم. ولعل ثم أيضاً عدة أقانيم وراء هذه الخمسة أظهر منها ما أظهر وأبهم الباقي؛ ليكثر أجر الحكماء والعلماء في استنباط ما أبهم منها. وكذلك قال داود في مزمور الثامن عشر: "ناموس الرّبّ بلا عَيب، شهادة الرّبّ صادقة، أمر الرّبّ مستقيم، ووصية الرّبّ تدبر العيون، خشية الرّبّ زكية، أحكام الرّبّ عادلة"٣. فهذا المزمور قد كرر (الرّبّ) ست مرات، أفتقول النصارى إن الأقانيم ستة؟! فبطل ما ادّعوه في قوله: "أنْزله الرّبّ على سدوم) . ونُزِّل ذلك منْزلة قوله: بسم الله الرحمن الرحيم، ولا فرق في التكرار والتأكيد / (٢/١٢/أ) بين أن يأتي بالاسم الواحد مرتين وبين المغايرة بين الاسمين والمعنى واحد. ٧- فإن قيل: دليلنا على ربوبية المسيح أنه أحيا الميّت، وأبرأ الأكمه وطهَّر الأبصر، ومشى على الماء، وصعد السماء، وحوَّل الماء خمراً، وكثَّر الطعام القليل، وأقام الز َمِن، وحمته الملائكة، وسترته الغمامة، وأخرج الشياطين من الآدميين.
، ومشى على الماء، وصعد السماء، وحوَّل الماء خمراً، وكثَّر الطعام القليل، وأقام الز َمِن، وحمته الملائكة، وسترته الغمامة، وأخرج الشياطين من الآدميين.
والجواب: أنه لم يُسلَّم لكم هذه الدعاوى سوى هذه الأمة البارة وهي أمة محمّد ﷺ، فلولا محمّد ﵇ شهد لأخيه عيسى بالرسالة والنبوة لما عَرَّج أحد اليوم على أقوالكم ولا وثق بروايتكم، وإلاّ فما بال بني إسرائيل على كثرتهم لم يصدقوكم بما تنقلون؟! هذا وأنتم تنقلون عن أمور محسوسة إذا وقعت لم تكد تخفى. فإن قالوا: إن اليهود لعداوتهم لنا تمالؤوا على ستر هذه الخوارق بغياً وحسداً. قلنا لهم: فما بال من عدا اليهود من الأمم والطوائف كالفرس والديلم والترك والهنود والصين لم يصدقوكم على ذلك ويتّفقوا١ على دينكم ويتابعوكم على معتقدكم / (٢/١٢/ب) وقد أَرَّخَ الناس أخبار العالم وحوادثه ودَّنوا في كتبهم عجائبه؟!. فما بال العالم يُكذبكم ويقولون: إن يسوعكم لم يحي مَيِّتاً قط، ولا أقام زمناً ألبتة، ولا طَهَّر أبرص أصلاً. وإن جميع ما تنقلونه من ذلك كذب ومين وإفك واختلاق لا أصل له ولا صحة. فلولا محمّد رسول الله ﷺ شهد بصدق أخيه المسيح، وأخبر أنه أحيا الميّت، وأبرأ الأكمه والأبرص، وخلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله - لما عَرَّج أحد على أمثالكم وأشباهكم. فأما بقية الآيات التي تدعونها فإن ثبت أن نبيّنا ﷺ أخبرنا بها أو أخبرنا صادق آخر من الأنبياء المتقدمين شيء منها سمعناه وآمنا به وصدقناه وكان عندنا عَلَماً من أعلام نبوته ﵇، فأما أنتم فإنا لا نصدقكم فيما تنقلون عن الأنبياء بعد وقوفنا على تخليطكم في منقولكم، وفساد عقولكم وقبولها لكلّ مستحيل، ألستم الذين تنقلون عن يوحنا الإنجيلي: "أن
كلمة الله التي هي علمه صارت لحماً وشعراً وظفراً؟ " ألستم الذين تنقلون عن أفريم:"أن اليدين اللتين خمرت طينة آدم سُمِّرت بالمسامير على/ (٢/١٣/أ) الصليب، والشِّبْر التي مسحت السماوات عُلِّقت على خشبة، وأن من لم يقل إن مريم ولدت ربّها إلهها فهو محروم؟! "١. ألستم الذين زعمتم أنّ لوطاً وقع على ابنتيه فأحبلهما وأولدهما٢؟!، وأنّ رؤبيل بكر يعقوب وقع على سُرِيَّة أبيه وفجر بها؟! ٣، وأنّ يهوذا وقع على امرأة ابنه؟! ٤، وأنّ دينا ابنة يعقوب افترعت وأزيلت بكارتها؟!! ٥. وصيَّرتم ذلك قرآناً يتلى في بيِّعكم وكنائسكم بحضرة جموعكم، ألستم الذين زعمتم أن لله الخالق الباري ابناً، وأنه أرسل أنبياء فقهروا وغلبوا وظهر عليهم الشيطان وقل جدهم وقهر سلطانهم. واستولى على ملك الله، فاحتاج الله أن أرسل ابنه ذلك إلى الأرض. فولج فوائد امرأة من خلقه وأقام برحمها تسعة أشهر، ثم خرج من فرجها طفلاً، وبقي يتردد بين اليهود يدعوهم، وأن الشيطان قهره وأخرجه إلى البرية وسحبه من مكان إلى مكان ودعاه إلى أن يسجد له، فلما أتى عليه هذا الابن سلط عليه شرذمة من أَخس٦ جنده وأدبر أعوانه؛ وهم اليهود فأخذوه وصفعوه / (٢/١٣/ب) وصلبوه وأغضبوا والده وأثكلوه؟! وإذا كان هذا نقلكم فأيّ عاقل بعدها يسكن إليكم أو يعول في أمر عليكم؟!
أدبر أعوانه؛ وهم اليهود فأخذوه وصفعوه / (٢/١٣/ب) وصلبوه وأغضبوا والده وأثكلوه؟! وإذا كان هذا نقلكم فأيّ عاقل بعدها يسكن إليكم أو يعول في أمر عليكم؟!
فأما إحياء الميّت١ فقد حكينا أن إلياس أحيا ابن الأرملة٢، وأن اليسع أحيا مَيِّتين [واحداً] ٣ في حال٤ حياته وآخر بعد وفاته٥، وأن حزقيال أحيا الذين قتلهم بختنصر، وكانوا ألوفاً من الناس، ولهم من يوم قتلوا [نَيِّف وأربعون] ٦ سنة، فقال الله لحزقيال: تنبأ على هذه العظام حتى أحييها لك٧، وقد فعل قبر اليسع٨ أعجب من فعل المسيح؛ لأن قوماً حملوا جنازة إلى الجبال فرأوا٩ عَدُوّاً، فخافوا وطرحوا الميت عن رقابهم وابتدروا فزعه، فقام الميت، وجاء يمشي حتى دخل المدينة، فنظروا فإذا هم قد ألقوه على قبر نبي الله اليسع، وفعل حزقيال أبدع من فعل المسيح، وفعل موسى أغرب من فعله؛ إذ قلب الخشبة لها عينان تبصر بهما١٠، وأخرج من الرمل١١ قملاً يسعى حتى ملأ قياطن فرعون وأرض مصر، وهذا أعجب وأغرب من فعل المسيح. وأما إبراء الأكمه من بني آدم: فلا شكّ أنّها من الآيات الباهرة أيضاً، وهو يلحق بإحياء الميّت؛ / (٢/١٤/أ) لأن ذاك أحيا عضواً كان ميّتاً فأشبه إحياء الإنسان جملة، غير أن آية موسى١٢ أغرب عند العقلاء منهم. وذلك أن صنعه عينين
و يلحق بإحياء الميّت؛ / (٢/١٤/أ) لأن ذاك أحيا عضواً كان ميّتاً فأشبه إحياء الإنسان جملة، غير أن آية موسى١٢ أغرب عند العقلاء منهم. وذلك أن صنعه عينين
لخشبة يابسة جافة لا روح فيها أبدع. وأبدع من فتح عيني آدمي، ثم آية موسى كيف أراد أدارها وحولها، إذ بينما هي خشبة صارت حيواناً يبصر بعينيه ويأكل ما قدر عليه، وبينما هي حيوان إذ عادت شجرة لوز مثمرة، وبينما هي كذلك إذ عادت إلى حالها الأوّل، ثم إنها يستدعي بها الجواد والذباب والقمل والضفادع، ويثير بها الثلوج والمياه والظلمة، ويشق بها البحر، ويُجري بها المياه من الصخر، ويجاهد بها الجبابرة فَتَنْفُذ في كلّ ما عمل بها أعظم نفوذ، وهذا - فاعلموا - لم يكن للمسيح من الآيات مثله، وقد فتح يوسف الصّدّيق عيني أبيه يعقوب ﵉ كلّ ذلك يشهد به التوراة. وأما إبراء الأبرص١: فقد شهدت التوراة أيضاً أن مريم أخت موسى وهارون تكلمت في موسى فبرصت من ساعتا، فأخرجت عن العسكر، فرضي عنها فزال برصها٢، ولم يدع عليها في الأوّل ولا / (٢/١٤/ب) دعا لها في الثاني وذرنا عن نعمان الرومي أنه برص فرحل إلى اليسع، واستأذن عليه فلم يأذن له، وقال: قولوا له يذهب إلى الأردن فينغمس فيه سبعاً فإنه يبرأ، ففعل، فبرأ من برصه٣. وأما مشيه على الماء٤ فقد حكينا أن إلياس وتلميذه اليسع ق مَشَيَا على نهر الأردن جميعاً٥، وكذلك يوشع بن نون قد مشى على الماء بتابوت السكينة هو ومن معه٦.
ما مشيه على الماء٤ فقد حكينا أن إلياس وتلميذه اليسع ق مَشَيَا على نهر الأردن جميعاً٥، وكذلك يوشع بن نون قد مشى على الماء بتابوت السكينة هو ومن معه٦.
وأما تحويل الماء خمراً١ فقد حكينا عن سفر الملوك من كتبهم أن إلياس أو اليسع قلب الماء زيتاً؛ فأغنى به بيتاً من الفقراء٢. وذلك أعجب من فعل المسيح على الكلّ سلام الله. وأما تكثيره القليل من الطعام٣، فقد حكي في التوراة أن موسى دعا الله فأطعم بني إسرائيل مَنَّاً وسلوى في البرية. وهم ستمائة ألف سوى النساء والصبيان٤. وذلك أعجب وأغرب من آية المسيح - علهما السلام -. وقد حكي في سفر الملوك أن إلياس ﵇ نزل بامرأة أرملة في زمن قحط شديد حتى هلك الناس. ومكثت السماء لم تمطر ثلاث سنين / (٢/١٥/أ) فقال لها: هل عندك من طعام؟ قالت: والله يا نبيّ الله، ما عندي إلاّ كفّ دقيق في قلة لنا. أردت أن أخبزه لطفل صغير. وقد أيقنَّا بالهلاك. فقال ﵇: أحضريه ولا خوف عليك. فأحضرته بين يديه. فبارك عليه. فمكث عندها ثلاث سنين وستة أشهر؛ تأكل منه هي وأهلها وجيرانها حتى فرّج الله عن الناس٥. ومَن كَثَّر القليل وأدامه أغرب في الإعجاز ممَّن كَثَّر ولم يدمه. وأما حراسة الملائكة له٦، فالتوراة تشهد بأن الملك كان يسير في عمود الغمام أيام بني إسرائيل حتى شقّ بهم البحر وخلّصهم من فرعون٧. وذلك أعجب من تخليص المسيح من يد الشيطان.
والعجب من النصارى يعتقدون أنّ المسيح ربّ الشيطان وربّ كلّ شيء ومع ذلك يُقِرُّون أنّ الشيطان حصره في البرية واستولى عليه. وقال له: اسجد لي. حتى خلصته الملائكة من يده وأنقذه من ورطته١. وأما صعوده إلى السماء٢، فسائر كبتهم تشهد أنّ أخنوخ قد صعد إلى السماء٣، وأنّ إلياء قد صعد إلى السماء٤، فاستوت حالهما مع المسيح. / (٢/١٥/ب) . والعجب أنّ الملائكة مأواها السماء وهي في زعم النصارى خدم المسيح، فكيف يعدون صعوده إلى السماء دلالة على الربوبية؟!. وأما شفاء الزمن٥ من علة زمانته، فالتوراة شاهدة أن سارة حملت وهي عجوز فانية وولدت إسحاق ببركة نبيّ الله إبراهيم٦، وكذلك الإنجيل يشهد أن أليصابات على كبر سنها حملت وولدت يحيى ببركة نبيّ الله زكريا٧. وما ذلك إلاّ غضو أزيلت علته. فبطش بعد ضمان عطبته وزمانته. فاستوى الأمران. وأما ستره بالغمامة حين صعد إلى الجبل٨، فالتوراة تشهد بأنّ بني إسرائيل إذ كانوا في التيه مع موسى، وكان الغمام يسترهم من حرّ الشمس وهم ستمائة ألف سوى النساء والصبيان وبهيم الحيوان٩. وذلك أربعة سنة. وهذا
أعجب من ستر المسيح بالغمامة ومعه نفر يسيرة. وأما شفاء المجنون من جنونه١، فالتوراة تشهد أن موت الفجأة وقع في بني إسرائيل فقتل منهم في يوم واحد آلافاً منهم، فأخذ هارون / (٢/١٦/أ) البخور في مجمرة وقام بين الأموات والأحياء، فكفّ الموت عن بقيتهم٢، وما الجنون إلاّ مرض أصاب العقل، وهو دون مرض جملة البُنية. وكذلك نهشتهم الحيات في التيه فاتّخذ لهم حية من نحاس، فكان كلّ من لدغته حية جاء إلى الحية النحاس فيبرأ من علته٣، فهاتان الآيتان من التوراة أعجب من فعل المسيح. وأما إجابة دعوته٤، فالتوراة تشهد بأن إسحاق حين كبر وقرم إلى اللحم وقضى أولاده شهوته دعا ليعقوب وعيسى فاستجيب فيهما٥. وكذلك قالت: إن يعقوب بارك ودعا لأولاده عند وفاته، فلم ترد دعوته٦، ومما أخبر يعقوب تلميذ المسيح في رسالته: أن إلياس دعا على قومه فلم تمطر السماء ثلاث سنين وستة أشهر. ثم دعا بعد ذلك فزال الجدب٧. وهذا أعجب من فعل المسيح وأغرب. وقد بقيت للأنبياء آيات لم يأت المسيح ﵇ بنظيرها فنسمع بتسطيرها. والله أعلم.
نين وستة أشهر. ثم دعا بعد ذلك فزال الجدب٧. وهذا أعجب من فعل المسيح وأغرب. وقد بقيت للأنبياء آيات لم يأت المسيح ﵇ بنظيرها فنسمع بتسطيرها. والله أعلم.
الباب السّابع: في إفساد دعوى الاتّحاد والتّثليث في إفساد دعوى الاتّحاد والتّثليث١: نحكي فيه مقالات الفرق الثلاث من النصارى اليعاقبة والروم والنسطورية في دعوى اتّحاد اللاهوت بالناسوت. وكيف تناقضوا وتعارضوا، ثم نعكر على الجميع بالإفساد والإبطال٢. اعلم أنّ فرق النصارى كثيرة ولكن المشهور منهم الآن [ثلاث] ٣ فرق: اليعاقبة والروم والنسطور٤. وعقائدهم في الإله مختلفة وآراؤهم متباينة ومقالاتهم متناقضة، ولم أر لهم قدماً يثبت ولا قاعدة تستقر في هذه الدعوى، وسبب خبطهم أن كلاًّ منهم يريد أن يفرِّع عن أصل مستحيل؛ مذهباً صحيحاً جائزاً عند العقلاء٥ وما ذلك إلاّ كقول القائل: ومتى كان في الأنابيب خلف وقع الطيش في صدور الصِعَاد
الفرقة الأولى: فرقة يعقوب السروجي ويسمى البرادعي أيضاً. ادّعت أنّ المسيح أصاره الاتّحاد طبيعة واحدة [وأقنوما] ١ واحداً٢.
قالوا: لأن طبيعة اللاهوت تركبت مع طبيعة الناسوت كما تركبت نفس الإنسان بجسده فصار إنساناً واحداً فكذلك المسيح. فالمسيح عندهم إله كلّه وإنسان كلّه وله طبيعة واحدة. / (٢/١٧/أ) وهو يفعل بها ما يشبه أفعال الإله وما يشبه أفعال الإنسان وهو [أقنوم] واحد، [والأقنوم] ١ هو الشخص، والأقانيم هي: الأشخاص. ومجرد حكاية هذا المذهب يكفي في الرّدّ عليه؛ إذ حاصله أنّ الإله هو الإنسان والإنسان هو الإله. وسبيل الرّدّ على هذه الفرقة: أن يقول لهم: أخبرونا عن هاتين الطبيعتين اللتين أصارهما الاتّحاد طبيعة واحدة، هل تغيرت كلّ واحدة عما كانت عليه قبل التركيب أم لا؟ فإن زعمت أنهما لم يتغيرا بل بقيت طبيعة الإله بحالها وطبيعة الإنسان أيضاً بحالها؛ فقد نقضوا مذهبهم ورجعوا عن قولهم إلى قول من يقول: إن المسيح بعد الاتّحاد كَهُوَ قبل الاتّحاد. وسيأتي الكلام عليه.
حالها وطبيعة الإنسان أيضاً بحالها؛ فقد نقضوا مذهبهم ورجعوا عن قولهم إلى قول من يقول: إن المسيح بعد الاتّحاد كَهُوَ قبل الاتّحاد. وسيأتي الكلام عليه.
وإن زعمت أن الطبيعتين قد صارتا طبيعة ثالثة، لا تشبه واحدة من الأوليين، فهذا تصريح بأنّ هذه الطبيعة لا إله ولا إنسان. فكان ينبغي على سياق هذا القول أن لا يصفوا المسيح بأنه إله ولا يصفوه بأنه إنسان؛ بل شيء آخر غريب عجيب؛ وذلك / (٢/١٧/ب) لأن الطبيعتين كانتا قبل التركيب إلهاً كاملاً وإنساناً كاملاً، فإن كان التركيب قد أخرجهما إلى طبيعة غيرهما لم تكن تلك الطبيعة لا إلهاً ولا إنساناً. فإن زعموا أنّهما كانتا قبل التركيب كاملتين، والتركيب لم يخرجهما عن الكمال بل بقي المسيح [إلهاً كاملاً] ١ وهو بعينه إنسان كامل، فقد تحامقوا إذ زعموا أنّ القديم هو بعينه الحادث، وأنّ الزَّمني هو بنفسه الأزلي؛ وذلك بمثابة قول القائل: إن الحركة هي السكون وأنّ السواد هو البياض. وذلك هو الجنون. الحجّة الثّانية: الجمع بين الجوهرين٢، [والأقنومين] في الجوهرية [والأقنومية] يوجب كون الطبعين طبعاً واحداً [والأقنومين] أقنوماً واحداً. فيسقط القول فيه بالدنايا إن كان المسيح إلهاً. أو يسقط القول بظهور الآيات إن كان المسيح إنساناً٣. فبطل القول بكونه طبعاً واحداً [وأقنوماُ] واحداً.
الحجّة الثّالثة: لو قد صار الجوهران واحداً للزم أن يكون القديم هو الحادث من الوجه الذي هو قديم، / (٢/١٨/أ) والمحدث [قديماً] ١ من الوجه الذي هو محدث. فبطل أن يكونا صارا واحداً. الحجّة الرّابعة: هذا الرأي٢ من اليعقوبية مردود بأقوال المسيح في الإنجيل حيث يقول: "أنا ذاهب إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم"٣. ففرق بين الذاهب والذي يذهب إليه. فبطل أن يكونا قد صارا واحداً، وإلاّ لاتّحد الذاهب ومن يذهب إليه والداعي والمدعوّ، ودعاء المسيح نفسه محال. الحجّة الخامسة: إن كان طبع الإله وطبع الإنسان قد صارا واحداً والإله خالق والإنسان مخلوق، فطبع٤ الخالق هو طبع المخلوق، وطبع العلة هو طبع المعلول، وذلك محال. الحجّة السّادسة: إن كان جوهر الأزلي قد تغيّر [وأقنومه] قد تغيّر فقد صار الأزلي زمنياً والزّمنيّ أزليّاً، وذلك جهل من قائله. الحجّة السّابعة: إن كان جوهر٥ الابن الأزلي، وجوهر الإنسان قد تغيّرا عن طباعهما فقد بطلت فائدة الاتّحاد التي يدّعيها النصارى؛ لأنّ فائدته عندهم أن يقع الفيض من الطبيعة اللاهوتية على الطبيعة الناسوتية / (٢/١٨/ب) بحلولها فيه. وإذا كانت [الطبيعتان] ٦ قد انقلبتا إلى ثالثة، فلا المفيد بقي مفيداً، ولا المستفيد بقي مستفيداً.
اهوتية على الطبيعة الناسوتية / (٢/١٨/ب) بحلولها فيه. وإذا كانت [الطبيعتان] ٦ قد انقلبتا إلى ثالثة، فلا المفيد بقي مفيداً، ولا المستفيد بقي مستفيداً.
الحجّة الثّامنة: إن كان الجوهران و [الأقنومان] سليمين في المسيح، لم يصدق قول من يقول إنهما صارا واحداً بالعدد. وكيف يقال في الكثرة إنها واحد١ من الجهة التي هي كثرة؟!. وكيف يقال في الواحد إنه كثرة من الجهة التي هو بها واحد؟!. وإن كان الجوهران والأقنومان قد تفاسدا وعدما فكان ينبغي أن لا يوجد المسيح بل يعدم ويتلاشى. الحجّة التّاسعة: إن كان الجوهران و [الأقنومان] قد صارا واحداً بالعدد فيجب أن يبطل فعل هذا وفعل هذا؛ لأنّ المختل في الطباع إذا تركب منهم طبع آخر لم يَبن فعل الأوّل ولا الثاني. فكان يجب أن لا يظهر المسيح٢ لا فعلاً إلهياً ولا فعلاً ناسوتياً، ألا ترى أنّ الاستقصات الأربع إذا تركب عنها جسم فلا شكّ أن ذلك الجسم ليس بنار محضة ولا هواء ولا ماء ولا تراب. فعلى سياق هذا كان يلزم أن يكون المسيح بالاتّحاد / (٢/١٩/أ) الذي يدّعونه لا إله ولا إنسان، ويؤول القول بالاتّحادإلى رفع ثمرته وفائدته. الحجّة العاشرة: الإنجيل مصرَّح بأنّ المسيح كان يتَزَايد أوّلاً في بنيته ومعارفه وعلومه، والمتزايد غير الكامل فبطل أن يكون شيئاً واحداً؛ لأنّ الإله لا يتقلب ولا يتغيّر ولا يستحيل ولا يزيد. فإذا قلتم: إنهما قد صارا واحداً ثم انقلب وتغيّر، فيكون غير المنقلب منقلباً وغير المستحيل مستحيلاً.
نّ الإله لا يتقلب ولا يتغيّر ولا يستحيل ولا يزيد. فإذا قلتم: إنهما قد صارا واحداً ثم انقلب وتغيّر، فيكون غير المنقلب منقلباً وغير المستحيل مستحيلاً.
وإذا انقلبت الكلمة فمن القالب لها؟!. ثم جوهر الابن على زعمهم غير مائت ولا١ فاسد. وجوهر الإنسان المأخوذ من مريم مائت وفاسد. فإن كان المجتمع منهما صار واحداً فقد صار بجملته لا مائتاً ولا غير مائت ولا فاسداً ولا غير فاسد. وذلك خبط وجهل. وإنه لقبيح بموجد أوجه خالقه بعد أن لم يكن أن يقول: إنه صار هو وخالقه شيئاً واحداً وطبيعة واحدة، ولا يقبح أن يقال: إن الخالق الباري أفاض على عبده النعماء. وقال فولس في أواخر الرسالة العاشرة: "الله مالك العالمين الذي لا يفسد ولا يرى، هو الله / (٢/١٩/ب) الأحد، له الكرامة والحمد إلى أبد الآباد. جلّ وعلا٢. الحجّة الحادية عشرة: صيرروة الجوهرين المتنافيين كالثلج والنار واحداً مستحيل ببداية العقول مع اشتراكهما ي أصل الجوهرية. فصيرورة خالق الجوهر مع الجوهر واحداً أولى٣ بالاستحالة. الحجّة الثّانية عشرة: قال يحيى بن زكريا حين رأى المسيح: "هذا خروف الله وحمل الله الذي يحمل خطايا العالم"٤. فَفَرَّق بينه وبين الباري تعالى فبطل أن يكونا واحداً. الحجّة الثّالثة عشرة: قال شمعون الصفا: "يا رجال بني إسرائيل إن يسوع رجل جاءكم من الله"٥. وأيسوع اسم المسيح. فشهد شمعون وهو رئيس
بطل أن يكونا واحداً. الحجّة الثّالثة عشرة: قال شمعون الصفا: "يا رجال بني إسرائيل إن يسوع رجل جاءكم من الله"٥. وأيسوع اسم المسيح. فشهد شمعون وهو رئيس
أصحاب المسيح بأنّ المسيح رجل، وأن الله أرسله، أنه إنسان كلّه، وذلك تكذيب لليعقوبية في دعوى هذا النوع من الاتّحاد. الحجّة الرّابعة عشرة: سئل المسيح عن يوم القيامة، فقال: "لا يعرف ذلك إلاّ الأب وحده، فأما الابن فلا يعرفها"١. وقول المسيح أولى بالتصديق، وقد أخبر أنه لا يعلم بالمغيّبات، ولو قد صار مع الله شيئاً واحداً لعلم ما يعلمه الله / (٢/٢٠/أ) لأنّ الشيء الواحد لا يمكن أن يثبت لبعضه من الحكم ما يجب نفيه عن البعض، فبطل أن يكونا شيئاً واحداً. الحجّة الخامسة عشرة: الأناجيل الأربعة تذكر أنّ المسيح بكى على صديقه إلعازر، وفرح بتوبة التائب، وأكل في دعوات أصحابه، وشرب وركب الأتان، وتعب من وعر الطريق، وحزن٢ من نزول الموت. وقال: "إلهي اصرف عني هذا الكأس". وهذه النقائص قبيح إضافتها إلى الابن الأزلي. فبطل أن يكونا صارا واحداً. فهذه حجج دامغة لليعاقبة قاضية بفساد ما ذهبوا إليه. وكثيراً ما [يحاولون] ٣ تحقيق مقالتهم إذا ألزموا٤ ما يعتقدونه من قتل المسيح وصلبه فلا يمكنهم ذلك إلاّ أن يفروا إلى مذهب النسطور.
الفرقة الثّانية: فرقة الملكية١؛ ومذهبهم أنّ المسيح بعد صدور الاتّحاد جوهران وهو [أقنوم]
واحد - وقد حكينا عنهم أنّ [الأقنوم] هو الشخص - قالوا: فله بطبيعة اللاهوت مشيئة كمشيئة الأب، وله بطبيعة الناسوت مشيئة كمشيئة إبراهيم وداود غير أنّه / (٢/٢٠/ب) واحد أي شخص واحد. فردّوا الاتّحاد إلى [الأقنوم] إذ رأوا١ الاتّحاد بالنسبة إلى الجوهر مستحيل. وسبيل الرّدّ على هذه الفرقة: أن نقول: إذا قلتم: إن المسيح بعد الاتّحاد باقٍ على طبيعته ومشيئته كما كان قبل الاتّحاد فقد أبطلتم الاتّحاد، إذ افتراق أحد الجوهرين بالطبيعة والمشيئة هو غاية الافتراق، وإذاكان ذلك كذلك، فلا معنى للاتّحاد. إذ الاتّحاد عبارة عن صيرورة أكثر من الواحد واحداً. وإذا كان جوهر الأزلي باقٍ بحاله وجوهر الإنسان باقٍ بحاله فقد آل الاتّحاد مجرد تسمية فارغة عن المعنى خالية عن الفائدة.
الحجّة الثّانية: هو أن نقول لهم: أتقولون إن اللاهوت اتّحد بالناسوت حقيقة أو مجازاً؟ !. فإن قالوا: إن ذلك [تجوز وتوسع] ١ أبطلوا وتجوزوا بإطلاق ما لم يجز إطلاقه على القديم سبحانه٢. وإن قالوا: إنه اتّحد به حقيقة لزمهم أن تكون مشيئتهما٣ واحد؛ لأن الواحد لا تكون له إلاّ مشيئة واحدة، إذ لو كان للواحد مشيئتان للزم إما أن يكونا متماثلتين أو مختلفتين، فإن كانتا / (٢/٢١/أ) متماثلتين فإحداهما مغنية عن الأخرى، وإن كانتا مختلفتين تناقضت أحكامهما وامتنع حصول مرادهما. فثبت أنه لا بدّ من إبطال إحدى٤ المشيئتين إن كان الاتّحاد حقيقة، أو إبطال الاتّحاد جملة أن يثبت المشيئتان. الحجّة الثّالثة: على الروم أصحاب الجوهرين و [الأقنوم] الواحد، هو أن نقول: إن قلتم: إن [الأقنومين]- أعني: [أقنوم] الأزلي [وأقنوم] الإنسان - قد صارا٥ واحداً، فالجوهران أيضاً قد صارا واحداً، والقول [بصيرورة] ٦ الجوهرين واحداً باطل، والقول بالأقنوم الواحد باطل. الحجّة الرّابعة: هذا المذهب فيه قباحة، وذلك أن صيرورة جوهرين مختلفي الطباع شخصاً واحداً [أقنوماً] لا يبوء به عاقل، إذ يلزم عليه أن يشار إلى المسيح بأنه قديم محدث إشارة واحدة.
ب فيه قباحة، وذلك أن صيرورة جوهرين مختلفي الطباع شخصاً واحداً [أقنوماً] لا يبوء به عاقل، إذ يلزم عليه أن يشار إلى المسيح بأنه قديم محدث إشارة واحدة.
الحجّة الخامسة: إن كان أقنوم المسيح قد صارا [أقنوماً] واحداً، وأحدهما زمني والآخر أزلي، فقد صار الأزلي زمنيّاً والزمنيّ أزليّاً، أو صار منهما شيء آخر لا أزلي ولا زمني وذلك محال. وعلى هذا يبطل فعل [أقنوم] الإنسان وهو الأكل والشرب وغيره، وقد وُصِف المسيح به (٢/٢١/ب) بذلك، أو يبطل فعل [أقنوم] الإله؛ وهو إحياء الميت وتطهير الأرض وقد وُصف المسيح به. الحجّة السّادسة: إن كان [الأقنومان] قد صارا [أقنوماً] واحداً منع تنافي طباعهما فهذا إنما يتم بالامتزاج والاختلاط، فيلزم أن يتغير الإله ويستحيل مع طبع الإنسان، وذلك متعذر على ذات الباري تعالى. وأكثر الحجج الواردة على الفرقة الأولى ورادة على الفرقة الثانية لقولها باتّحاد الأقنوم. الفرقة الثّالثة: فرقة النسطور١ وهم نصارى المشرق المنسوبون إلى نسطورس أخذوا الأمانة
عن السليح١ ماري٢ وعنتوما٣، ساعدوا نسطورس على رأيه فنسبوا إليه. ومذهبها أنّ المسيح بعد الاتّحاد جوهران [وأقنومان] باقيان على طباعهما كما كانا قبل الاتّحاد وردّوا الاتّحاد إلى خاص البنوة وهي علم الباري. قالوا: فهذا الشخص المأخوذ من السيدة شارك الله في هذه الخاصية فصار بها ابناً ومسيحاً.
انا قبل الاتّحاد وردّوا الاتّحاد إلى خاص البنوة وهي علم الباري. قالوا: فهذا الشخص المأخوذ من السيدة شارك الله في هذه الخاصية فصار بها ابناً ومسيحاً.
سبيل الرّدّ على هذه الفرقة: أن نقول: إذا/ (٢/٢٢/أ) قلتم إن الجوهرين [باقيان] ١ و [الأقنومين] كذلك على حالهم فلا موقع للاتّحاد وصار الاتّحاد اسماًساذجاًلا ثمرة له ولا فائدة. الحجّة الثّانية على النسطور: أن نقول: القول بكون المسيح [أقنومين] مُكذَّب بالحسّ؛ وذلك أن الذي يراه كلّ ذي بصر سليم من المسيح إنما هو [أقنوم] واحد، أي: شخص واحد، وتكذيب أصدق الحواس وهو البصر لا سبيل إليه. الحجّة الثّالثة: القول بكونه [أقنومين] يجر إلى السيلان ويفتح باب السفسطة ويشكك في الضروريات، فالقول به باطل إذ كون المسيح شخصاً واحداً [أقنوماً] احداً معلوم ضرورة، ومن زعم أن المسيح كان شخصين لم يسلم من خبل في عقله. الحجّة الرّابعة: هذا الرّأي أعني: القول [بالأقنومين] مُكذَّب بأقوال حملة الإنجيل الذين كانوا قبل صدور هذا الخلاف. فإنهم يشهدون بأن المسيح ابن داود بن إبراهيم، وأنه ولد في بيت لحم ووضع في معلف وذلك في أيام هيردوس فإنه صام وصلى وأكل وشرب وفرح وحزن وأنه كان شخصاً، / (٢/٢٢/ب) فالقول بأنه كان شخصين مردود بأقوال التلاميذ الذين هم أعرف الناس بالمسيح. الحجّة الخامسة: قال بطرس-صاحب المسيح-في كتاب فراكسيس: "يا بني إسرائيل، إن أيسوع الناصري رجل جاء من الله، وأن الله مسحه بروح القدس وبالقوة الإلهية"٢. فشهد بطرس المؤتمن عند النصارى بأن المسيح رجل
واحد شخص واحد [أقنوم] واحد، فمن قال بأنه شخصان فقد خَطَّأَ بطرس وجَهَّله. ومن جَهَّل مثل بطرس منهم فهو بالجهل١ أجدر. الحجّة السّادسة على النسطور: قال فولس-الذي يسمونه فولس الرسول-: "واحد هو الله، وواحد هو المتوسط بين الله والناس"٢. فشهد بأن المسيح شيء واحد وأنه غير الله الواحد. وقال فولس أيضاً: "إن ربّ جميع الشعوب واحد غني متّسع لكلّ من يدعوه وكلّ من يدعو باسم الرّبّ يحيي"٣. ولكن كيف يدعوه من لم يؤمن به. وذلك يقضي بفساد مذهب النسطور؛ إذ مذهبهم أن المسيح شخصان، وفولس الرسول يقول: كلا، ولكنه واحد. الحجّة السّابعة على النسطور٤: أن يقال لهم: إن كان المسيح شخصين فلا [يخلو] ٥ / (٢/٢٣/أ) الأمر فيه من أن يكونا متجاورين أو متداخلين، فإن كانا متجاورين فيلزم منه أن يكون [أقنوم] الإله مذروعاً ممسوحاً له قدر وكمية، إذ كلّ شيئين تحاذيا فلا بدَّ أن يكونا متساويين أو متفاوتين، فإن كانا متساويين فقد ساوى [الأقنوم] الإلهي [الأقنوم] الإنساني وذلك محال. وإن كانا متفاوتين فإن كان أقنوم اللاهوت أصغر لم يصلح للربوبية، وإن كان أكبر فقد أخذ [الأقنوم] الإنساني منه بعضه بالمسامته والمحاذاة، والقدر الزائد منه على [الأقنوم] الإنساني يعود إليه التقسيم. فإن كان مساوياً [لأقنوم] الإنسان فقد ساوى الخالق المخلوق، وإن كان أصغر لم يصلح، وإن كان أكبر فقد ساوى أقنوم الإنسان بعض الإله والقدر الزائد يعود إليه التقسيم، وذلك يقضي بالكمية على الأقنوم الإلهي وهو محال.
وإن كان أصغر لم يصلح، وإن كان أكبر فقد ساوى أقنوم الإنسان بعض الإله والقدر الزائد يعود إليه التقسيم، وذلك يقضي بالكمية على الأقنوم الإلهي وهو محال.
وإن كانا متداخلين فلا يخلو أن يتداخلا تداخل امتزاج أو تداخل إدراع كلابس الدرع، فإن كانا تداخلا تداخل امتزاج حتى صارا طبيعة واحدة فهذا مذهب اليعقوبية / (٢/٢٣/ب) ، وقد أبطلناه. وإن تداخلا تداخل إدراع فيلزم منه أن يكون الأقنوم الأزلي الذي لا يوصف بالجسم قد تشكل الأجسام وصار له لحية وفرج مسامت لما تشكل به من [أقنوم] الإنسان، وكلّ ذلك محال فالقول به محال. الحجّة الثّامنة: الإنجيل يشهد: "بأن المسيح رفع وجهه إلى جهة السماء وابتهل في الدعاء وقال: يا أبتِ أدعوك فتستجيب لي، وأعلم أنك تستجيب لي في كلّ حين، ولكن إنما أدعوك من أجل هؤلاء القيام ليعلموا أنك أرسلتني"١. فهذا الداعي المبتهل لا يخلو من أن يكون [الأقنوم] اللاهوتي أو [الأقنوم] الإنساني، فإن كان [الأقنوم الإنساني] ٢ فيلزم منه أن يكون الجسد مولداً من الأب [مرسلاً] ٣ منه، وهذا ما لا يقول به نصراني ألبتة؛ لأن المولود من الأب عند سائرهم إنما هو الكلمة. وإن كان الداعي هو الأقنوم اللاهوتي فهذا فيه تدليس عظيم إذا المشاهد داعياً إنما هو الجسد المشاهد بائلاً وغائطاً. الحجّة التّاسعة: هذا المذهب مردود بقول يوحنا الإنجيلي إذ يقول في كتابه: "إن الكلمة صارت جسداً وحلّ فينا"٤. وذلك / (٢/٢٤/أ) عند النصارى عبارة عن انقلاب [الأقنوم] اللاهوتي إنساناً مسيحاً، فكيف يقول النسطور: إن المسيح [أقنومان اثنان] ٥ ويوحنا يقول: إنه واحد؟!.
لك / (٢/٢٤/أ) عند النصارى عبارة عن انقلاب [الأقنوم] اللاهوتي إنساناً مسيحاً، فكيف يقول النسطور: إن المسيح [أقنومان اثنان] ٥ ويوحنا يقول: إنه واحد؟!.
الحجّة العاشرة: لا شكّ أنّ طائفتي الروم والنسطور يطلقون اللعن والجرم على طائفة اليعاقبة لقولهم: "إن طبيعة اللاهوت وطبيعة الناسوت قد صارتا طبيعة واحدة بالاتّحاد". فمن قال إنّ المسيح اثنان في العدد بعد كونه واحداً فهو [حقيق] ١ بهذا الذّمّ. فهذا ما يخص كلّ طائفة على انفرادها. وقد عرفت أنّ مقالة اليعقوبية أنّ المسيح عبارة عن طبيعتين لاهوتية وناسوتية، وأنهما بالتركيب صارتا طبيعة واحدة لها مشيئة واحدة. وأنّ مقالةالروم أنّ المسيح بعدالاتّحاد [طبيعتان] ٢لكن [أقنوم] واحد. وأنّ مقالة النسطور أنّ المسيح بعد الاتّحاد [جوهران وأقنومان] ٣. وردوا الاتّحاد إلى صفة البنوة٤.
ومما يرد على الجميع ويفسد عليهم دعوى الاتّحاد، قول فولس في الرسالة الثّالثة: "أوسلتم تعلمون وتوقنون بأن يسوع المسيح حال فيكم، ولإن لم يكن حالاً فيكم (٢/٢٤/ب) إنكم لمرذولون، وأنا أرجو أن تكونوا لستم بمرذولين"١. فيجب على مقتضى قول فولس أن يكون اتّحاد اللاهوت بناسوت المسيح كاتّحاد المسيح بناسوت أمته ومتبعيه، ولإن كان من المستحيل أن يتّحد جسم المسيح بأجساد آلاف من النصارى في أقطار الأرض، فاتّحاد القديم ﷻ بجسد المسيح أجدر بالاستحالة! ٢.
القول في إبطال التّثليث: اعلم أنّ سائر النصارى مجمعون على الثّالوث، وهو أنّ ربهم أبٌ، وابن، وروح، فيعبّرون بالأب عن الذات، وبالابن عن النطق الذي هو الكلام، وبالروح عن الحياة ١. ويزعمون أنه لا يصحّ التّوحيد لموحّدٍ دون أن يعتقد هذا، فزعموا أنّ الأب جوهر ٢، وأنّ له صفة حياة وصفة نطق.
قالوا١: فلا يكون الإله فاعلاً حكيماً إلاّ بعد كونه حياً ناطقاً فإذا وجب أن يكون الإله حيّاً ناطقاً، فهل الحياة والنطق ذوات أو صفات؟ اختلف فيه أكابرهم، فمنهم من قال: الحياة والنطق صفات٢ لجوهر الأب. ومنهم من قال: بل هي ذوات بأنفسها. ومنهم من قال: بل هي خواص لذلك الجوهر. وطريق مفاوضتهم في ذلك: أن٣ نقول لهم: هل / (٢/٢٥/أ) تثبون الألوهية لكل واحد من الأقانيم الثلاثة أم تزعمون أن الجميع إله واحد، أم تقولون إن الإله واحد منها والباقي صفات له؟ فإن قلتم: بأن الإله واحد والزائد صفات له، فقد أبطلتم القول بالثالوث وواففقتمونا على قولنا: إنّ الإله واحد وله صفات من العلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر والكلام. وإنّ شيئاً من هذه الصفات ليست إلهاً وإنما ذات موصوفة بهذه الصفات، وفارقتم حينئذٍ قول مشائخ٤ الأمانة إذ يقولون: "إن الأب إله واحد، وإنّ الأب أيسوع إله واحد، وإن الروح القدس إله ثالث". وأفسدتم صلواكم حيث تقرأون فيها: "الملائكة يمجدونك وابنك نظيرك في الابتداء وروح القدس مساويك في الكرامة".
وإن زعمتم أن الجميع إله واحد وأن واحداً من الثلاثة ليس إلهاً على انفراده فقد تركتم القول بالتثليث وعبدتم إلهاً واحداً متركباً من ثلاثة أقانيم وهذا ترك لما انطوت عليه الأمانة في أنّ كلّ واحد من الأب والابن والروح القدس [إله مستقل] ١ بالألوهية. / (٢/٢٥/ب) وهدم لأصل النصرانية إذ لا خلاف بينهم أن اللاهوت اتّحد بالناسوت. وإذا كان الإله عبارة عن الثلاثة الآب والابن والروح، فالأب والروح ما اتّحدا بالناسوت أصلاً، وإنما اتّحد به الابن الذي هو العلم أو النطق، فإذاً ما اتّحد الإله بل أحد الأقانيم الثلاثة، وذلك على تجرده لا يسمى إلهاً. وفي الأمانة: "إن المسيح إله حقّ وإنه أتقن العوالم بيد، وخلق كلّ شيء، وأنه نزل من السماء لخلاص الناس". وذلك مما يبطل هذا [الأقنوم] لأن الذي نزل إنما هو في زعمكم [أقنوم] الابن، فإذا كان الإله هو مجموع الثلاثة بطل أن يكون الابن هو خالق الأشياء ومتقن العوالم ومخلص الناس؛ إذ لا يوصف بذلك إلاّ الإله الذي هو مجموع الثلاثة القانيم وهي: الأب والابن والروح القدس.
بطل أن يكون الابن هو خالق الأشياء ومتقن العوالم ومخلص الناس؛ إذ لا يوصف بذلك إلاّ الإله الذي هو مجموع الثلاثة القانيم وهي: الأب والابن والروح القدس. وإن زعموا أنّ كلّ واحد من الثلاثة الأقانيم إله ومجموعها إله واحد، قلنا لهم: أتزعمون أنّ كلّ واحد من الثلاثة إله حقيقة أو على سبيل التجوز والتوسع وأن الإله الحقيقي هو مجموع الثلاثة؟. فإن قالوا بهذا وصرفوه إلى مجرد التسمية دون الحقيقة تركوا القول بالثالوث وأثبتوا / إلهاً واحداً له صفات، ثم سَمُّوا صفاته آلهة تحكماً وتخرصاً بغير توقيف ولا دلالة، هدموا قول الأمانة: "إن المسيح إله حقّ"، وقالوا: بل هو إله تجوز. وأبطلوا عبادة المسيح حيث يقرأون في صلاتهم: تعالوا نسجد، تعالوا نتضرع للمسيح إلهنا، وردوا قول مشائخ الأمانة إذ يقولون: "المسيح إله حقّ، وإنه أتقن
العوالم وخلق كلّ شيء بيده". لأن الذي أتقن العوالم هو الإله بالحقيقة كما لا إله بالتسمية والتجوز، وهذا الإله الحقيقي لم يتّحد بجسد المسيح بل ما اتّحد به إلاّ [أقنوم] واحد، ويسمَّى إلهاً على سبيل التجوز والاستعارة. وإن زعموا أن كلّ واحد من الثلاثة الأقانيم إله كامل على الحقيقة إذا أفردوا، وأن الجميع إله واحد على الحقيقة إذا جمعوا، وبهذا القول يقولون فهذا في الدرجة العليا من الفساد والتهافت؛ وذلك أَنَّا نقول لهم: أيجوز خلو الإله عن الحياة والعلم؟ فإن جوَّزوا ذلك، قيل لهم: فإذا لا حاجة إلى الأقانيم إذ الإله مستغنٍ عنها. وإن قالوا: لا بدَّ للإله من أن يكون حيّاً عالماً، فيقال لهم: إذا قلتم إنّ كلّ واحدٍ / (٢/٢٦/أ) من الأقانيم تسعة فيصير التثليث تتسيعا، إذ حياة كلّ واحد من الأقانيم الثلاثة وعلمه [أقنومان] له، ثم كلّ واحد من التسع الأقانيم إله حقيقة وإنما يصير إلهاً حقيقة إذا ثبت وجوده وحياته وعلمه، إذ لا يجوز خلو الإله عن الحياة والعلم وحينئذٍ يتسلسل القول إلى إثبات آلهة لا نهاية لها. فهذا يلزم من يقول: إن كلّ واحد من الأقانيم الثلاثة له حياة وعلم.
لا يجوز خلو الإله عن الحياة والعلم وحينئذٍ يتسلسل القول إلى إثبات آلهة لا نهاية لها. فهذا يلزم من يقول: إن كلّ واحد من الأقانيم الثلاثة له حياة وعلم. وإن قالوا: لا يثبت هذا الوصف إلاّ لواحد منها، امتنع عليهم وصف الثاني والثالث بالألوهية حقيقة لم تقرر أن الإله يجب أن يكون حيّاً عالماً، وبطل عليهم القول بالثالوث على كلّ الوجوه١. والله أعلم وأحكم.
المجلد الثاني الباب الثامن: في الإبانة عن تناقض الأمانة ... الباب الثّامن: في الإبانة عن تناقض الأمانة في الإبانة عن تناقض الأمانة: نبيّن فيه فساد أمانتهم التي يلقبونها بشريعة الإيمان، وهي التي لا يتمّ لهم عيد ولا قربان إلاّ بها. وكيف أكذب بعضها بعضاً، وناقضه وعارضه، وأنه لا أصل لها في شرع الإنجيل. قال المؤلِّف - عفا الله عنه -: "ذكر المؤرخون١ وأرباب النقل أنّ الباعث لأوائل للنصارى على ترتيب هذه الأمانة / (٢/٢٧/أ) - الملقبة٢ أيضاً بالتسبيحة والشريعة ولعن من يخالفها منهم وحرمه - هو أن أريوس٣ أحد أوائلهم، كان يعتقد هو وطائفته توحيد الباري ولا يشرك معه غيره، ولا يرى في المسيح ما يراه
النصارى؛ بل يعتقد نبوته ورسالته، وأنه مخلوق بجسمه وروحه، ففشت مقالته في النصرانية فتكاتبوا واجتمعوا بمدينة نيقية١ عند الملك قسطنطين٢ وتناظروا فشرح آريوس مقالته فردّ عليه الأكصيدروس٣ بطريك الإسكندرية وشنع مقالته عند الملك قسطنطين ثم جلس الأكصيدروس وجماعة من حضر
فتناظروا، فطال تنازعهم، فتعجب الملك من انتشار مقالاتهم وكثرة اختلافهم وأقام لهم [النّزل] ١ وأمرهم أن يبحثوا عن القول المرضي، فاتّفق رأي الإكصيدروس وجماعة٢ على نظم هذه الأمانة بعد أن أفسدوها دفعات وزادوا ونقصوا٣ وهي هذه: "نؤمن بالله الواحد الأبّ ضابط الكلّ، مالك كلّ شيء، صانع ما يرى وما لا يرى، وبالرّبّ الواحد يسوع المسيح ابن الله الواحد بكر الخلائق / (٢/٢٧/ب) كلّها، الذي ولد من أبيه قبل العوالم كلّها، وليس بمصنوع، إله حقّ من إله حقّ من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم، وخلق كلّ شيء، الذي من أجلنا معشر الناس ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد من روح
س بمصنوع، إله حقّ من إله حقّ من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم، وخلق كلّ شيء، الذي من أجلنا معشر الناس ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد من روح
القدس وصار إنساناً. وحبل به وولد من مريم البتول١، [وأوجع] ٢ وصلب أيام فيلاطس النبطي، ودفن وقام في اليوم الثّالث - كما هو مكتوب - وصعد إلى السّماء، وجلس عن يمين أبيه، وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء، ونؤمن بروح القدس الواحد روح الحقّ الذي يخرج من أبيه روح محبته وبمعمودية واحدة لغفران الخطايا وبجماعة واحدة قديسية جاثليقية٣ وبقيامة أبداننا وبالحياة الدائمة إلى أبد الآبدين٤.
قال المؤلِّف - عفا الله عنه -: هذه الأمانة التي أجمع عليها اليوم سائر فرق النصارى من اليعاقبة والملكية والنسطورية، وهي التي يزعمون أنهم لا يتمّ لهم عيد ولا قربان إلاّ بها، وهي مع كونها لا أصل لها في شرع الإنجيل ولا١ مأخوذة من قول المسيح ولا أقوال تلاميذه مضطربة متناقضة / (٢/٢٨/أ) متهافتة٢ يكذب بعضها بعضاً ويعارضه ويناقضه٣. وبيان ذلك من وجوه: أحدها: قولهم: "نؤمن بالله الواحد الأب ضابط الكلّ مالك كلّ شيء صانع ما يرى ولا يرى". فهذا أوّل الأمانة قد أثبتوا فيه الانفراد لله٤ بالألوهية والربوبية والوحدانية. وأنه المستبد بالخلق والاختراع. وأنه مالك كلّ شيء وضابطه وخالقه. فدخل في هذه المخلوقات المسيح روح القدس وغير ذلك. وذلك أنهما إن كانا مرئيين كالأجسام والأعراض فالأب الواحد خالقهما، وأن كانا غير مرئيين كالأرواح والعقول فالأب خالقهما وصانعهما، فهذا كلام حسن لو ثبتوا عليه ولم يشوشوه بالتشريك، غير أنهم نقضوا٥ ذلك على الفور
خالقهما، وأن كانا غير مرئيين كالأرواح والعقول فالأب خالقهما وصانعهما، فهذا كلام حسن لو ثبتوا عليه ولم يشوشوه بالتشريك، غير أنهم نقضوا٥ ذلك على الفور
فقالوا: "ونؤمن أيضاً أن مع هذا الإله الواحد المستبد بخلق ما يرى وما لا يرى [رباً آخر١ واحداً٢ أتقن العوالم بيده وخلق كلّ شيء". وفي أوّل الأمانة بأن الله هو خالق كلّ شيء. ثم لم يلبثوا أن قالوا: كلا ولكن المسيح ابن مريم هو خالق كلّ شيء ومتقنه. وهذا غاية التناقض. وفيه عبادة رجل من بني آدم مع الله سبحانه. لأن يسوع المسيح اسم / (٢/٢٨/ب) للإنسان المنفصل من مريم، وذلك مناقض لاعتقاد الماضين من أسلافهم وأكابر دينهم ومُدوِّني إنجيلهم كما قدمناه في مواضعه. ومناقض لما اشتملت عليه التوراة والمزامير وسائر النبوات من توحيد الله وإفراده بالربوبية والألوهية.
- الوجه الثّاني: قول الأمانة: "إن يسوع المسيح ابن الله بكر الخلائق الذي ولد من أبيه". وذلك مشعر بحدوث المسيح إذ لا معنى لكونه ابنه إلاّ تأخره عنه وتقدم والده عليه في الوجود. إذ الولد والوالد لا يكونا معاً في الوجود. إذ كونهما معاً مستحيل ببداية العقول. وكذلك قولهم: "إن يسوع بكر الخلائق كلّها". مع ما في لفظه من الزيادة، لا يفهم منه إلاّ أن المسيح خلقه الله قبل خلق كلّ الخلائق؛ لأن باكورة الشيء أوّله. وذلك مناقض لقولهم في الأمانة: "وليس المسيح بمصنوع بل هو إله حقّ". فبينا هو في الأمانة مولود مصنوع إذ نعتوه بكونه غير مصنوع، فصار حاصل هذا الكلام أن المسيح مخلوق غير مخلوق، وكفى بذلك تجاهلاً وخذلاناً؛ لأن الأب لا [يخلو] ٣ أن يكون / (٢/٢٩/أ) ولد وَلَداً لم يزل. أو وَلَدَ ولداً لم يكن. فإن قالوا: ولد ابناً لم يزل.
قلنا لهم: فما ولد شيئاً إذ كان الابن لم يزل. وإن ولد ابناً لم يكن فالولد١ حادث مخلوق. وذلك مكذب لقول الأمانة: "إنه إله حقّ من جوهر أبيه. وإنه أتقن العوالم بيده وخلق كلّ شيءٍ".
- الوجه الثّالث: قول الأمانة في المسيح: "إله حقّ من إله حقّ من جوهر أبيه". ينقضه قول المسيح في الإنجيل وقد سئل عن يوم القيامة، فقال: "لا أعرف ذلك، ولا يعرفه إلاّ الأب وحده"٢. فلو كان من جوهر الأب لعلم ما يعلمه الأب، لكنه إنسان حقّ من إنسان حقّ من جوهر أبيه داود. إذ سئل داود وغيره من الأنبياء عن القيامة وأشياءكثيرة فقالواكقول المسيح هذا: لا نعلم ذلك، ولا يعلمه إلاّ الله وحده. ولو قال قائل: إن جوهر الماء من جوهر النار لكان [أحمق] ٣. فكذلك من يقول: إن جسم إنسان وهو مركب من لحم ودم٤ وشعر وظفر وأقذار وأسنان من جوهر الإله الذي يستحيل عليه هذه الأمور. ثم لو جاز أن يكون إله يأتي من إله أوّل لجاز أن يكون ثالث من ثاني ورابع من ثالث ولما وقف الأمر على غاية. وإذ٥ أبطل / (٢/٢٩/ب) ذلك من أصله وجب الرجوع إلى قول المسيح: "إن أوّل الوصايا: الرّبّ واحد٦. وقوله في إنجيل
ني ورابع من ثالث ولما وقف الأمر على غاية. وإذ٥ أبطل / (٢/٢٩/ب) ذلك من أصله وجب الرجوع إلى قول المسيح: "إن أوّل الوصايا: الرّبّ واحد٦. وقوله في إنجيل
يوحنا: "الله الإله الحقّ هو الذي أرسل يسوع المسيح١. وإلى قوله في إنجيل مرقس وغيره: "لا صالح إلاّ الله وحده"٢. وإلى أوّل الأمانة: "إن الله واحد مالك كلّ شيء صانع ما يرى وما لا يرى".
- الوجه الرّابع: قول الأمانة: "إن يسوع المسيح أتقن العوالم وخلق كلّ شيء". وذلك مناقض للإنجيل ومكذب له إذ يقول متى: "هذا مولد يسوع المسيح ابن داود"٣. ومن أتقن العوالم وخلق كلّ شيء لا يكون متأخراً عن العوالم وتكون العوالم سابقة له. ثم مِن العالَم أمه مريم فكيف يوصف بأنه خالق أمه قبل أن تلده؟ ! ومِنَ العالَم الثياب التي لُفَّ بها والمعلف الذي أَكنَّه وهو طفل والطعام الذي نمَّى أعضاءه. وذلك من الغلوّ الذي لا يخفى فساده عن لبيب. أما كان في شيوخ الأمانة من تصفح فساد هذا الكلام قبل تسطيره؟ ألم يسمعوا إلى قول الإنجيل: "إن إبليس قال للمسيح: اسجد لي وأعطيك جميع ما في العالم وأملكك كلّ شيء"٤. وإبليس بزعمهم / (٢/٣٠/أ) من جملة مَنْ خلقه المسيح، فكيف بقي خالق العوالم محصوراً في يد بعض العَالَم يسحبه من مكان ويحول بينه وبين مراده ويطمع في تعبده له وجعله من جملة أتباعه؟!. أعوذ بالله من العماء والضلال والغلوّ في الرجال.
- الوجه الخامس: قول الأمانة: "إن المسيح الإله الحقّ الذي خلق كلّ شيء، نزل من السماء لخلاص الناس، وتجسد من روح القدس إنساناً وحبل به وولد".
ي الرجال.
- الوجه الخامس: قول الأمانة: "إن المسيح الإله الحقّ الذي خلق كلّ شيء، نزل من السماء لخلاص الناس، وتجسد من روح القدس إنساناً وحبل به وولد".
في هذا الكلام عدة مفاسد، منها: أن المسيح اسم لا يخص الكلمة على تجردها ولا الجسد على تجرده. بل هو اسم يخص هذا الجسد المأخوذ من مريم والكلمة معاً. ولم تكن الكلمة في الأزل تسمى مسيحاً. فبطل أن يكون هو الذي نزل من السماء. والدليل على ذلك قولهم: "وتجسد من روح القدس". لأنه لو كان الذي نزل هو المسيح لم يكن لتجسده ثانية معنى. وتجسد المتجسد محال. ومنها: قولهم:"إنه نزل من السماء".وهذا الموصوف بالنُّزُول لا يخلو أن يكون الكلمةأوالناسوت، فإن/ (٢/٣٠/ب) زعموا أن الذي هو الناسوت فذلك مكذّب بنصوص الإنجيل إذ صرّحت بأن الناسوت مكتسب من جسد مريم. وإن زعموا أنه اللاهوت، قلنا لهم: أتعنون الأب أم صفته، وهي العلم؟! فإن زعموا أنه الأب نزل وتجسد لزمهم لحوق النقائص [بالباري] ١ من الأكل والشرب والقتل وحصر الشيطان وغير ذلك. ثم ذلك لا يقول به أحد منهم. وإن زعموا أن النازل المتجسد هو العلم المعبر عنه بالكلمة قلنا لهم: لو جاز على ما وصفتموه من التجسد لجاز أَحَدُ مَخذُورَيْن، وهو إما بقاء الباري ولا علم له، أو جعله عالماً بعلم قائم بغيره. ثم النُّزُول والصعود والحركة والانتقال والتفريغ والاشتغال، كلّ ذلك مستحيل على الباري وعلى صفاته٢. وإذا كان ذلك كذلك بطل أن يكون النّازل من السماء هو المسيح؛ لأن المسيح اسم موضوع للمعنيين: الكلمة والجسد عندهم.
لّ ذلك مستحيل على الباري وعلى صفاته٢. وإذا كان ذلك كذلك بطل أن يكون النّازل من السماء هو المسيح؛ لأن المسيح اسم موضوع للمعنيين: الكلمة والجسد عندهم.
ومنها قولهم: "إنه إنما نزل وتجسد وحبل به لخلاص معشر الناس". فهم يريدون أن آدم لما عصى أوثق سائر ذريته في حبالة الشيطان / (٢/٣١/أ) وأوجب عليهم الخلود تحت طباق النيران، فكان خلاصهم بقتل المسيح وصلبه والتنكيل به، فإنهادعوى لا دلالة عليها، وقدأبطلناها فيما تقدم. وهب أنا سلمنا لكم، فأخبرونا عن هذا الخلاص الذي يعني الإله الرّبّ الأزلي وفعل بنفسه ما فعل من الدنايا التي جرت عليه في زعمكم، ما هو؟ أو ممن خَلصكم؟! وبمَ خَلَّصكم؟! وكيف استقل بخلاصكم دون الأب والروح والربوبية بينه وبينهم أثلاثاً؟! وكيف صار مبتذلاً ممتهناً في خلاصكم دون الأب والروح؟!. فهذه عدة أسئلة، فإن زعموا أن الخلاص قد حصل لهم من تكاليف١ الدنيا وهمومها وأمراضها وأعلالها وهرمها وموتها، أكذبهم الحسُّ، فإنا نراهم ولا مزية لهم على سائر البشر. وإن زعموا أنهم قد خلصوا من هموم السعي في طلب الرزق والتكسب للعيال والتبذل في تحصيل ضرورات العيش أكذبهم الحسُّ أيضاً. وإن زعموا أنهم/ (٢/٣١/ب) قد خصلوا من تكاليف الشرع، وأنهم قد حطّ عنهم المسيح بمجيئه الصوم والصلاة وسائر وظائف التكليف، وأنهم غير مؤاخذين بشيء منها، أكذبهم العافرون بما وُظِّف عليهم من الصوم والصلاة والقرابين وغير ذلك. وإن زعموا أنهم خلصوا من أحكام الدار الآخرة، وأن من تعاطى في الدنيا جريرة فزنى منهم وسرق وقتل وقذف لا يؤاخذ يوم القيامة بشيء من ذلك
أكذبهم الإنجيل والنبوات، إذ يقول المسيح في الإنجيل: "إني أقيم الناس يوم القيامة عن يميني وشمالي فأقول لأهل اليمين: فعلتم كذا وكذا فاذهبوا إلى النعيم المعدِّ لكم قبل تأسيس الدنيا، وأقول لأهل الشمال: فعلتم كذا وكذا فاذهبوا إلى العذاب المعدّ لكم قبل تأسيس العالم"١. وإذا كان هذا حالكم في الدنيا والآخرة، فأين الخلاص الذي تدعون أن الإله تعنى ونزل إلى الأرض وأكل وشرب وخامرته الهموم والغموم وذاق الموت ليحصِّله لكم، وسميتموه بسببه: "مخلص العالم". وإذا لم يحصل لكم الخلاص الذي تدعون فقد بطلت الأمانة. فهذا بحثنا عن ماهية الخلاص الذي جاء لأجله فلم / (٢/٣٢/أ) يتهيأ له؛ بل بقيتم مركوسين منكوسين على ما كنتم عليه قبل مجيئه. فأخبرونا ممن خلّصكم؟! هل كان قد غلبه عليكم غالب؟ أو سلبكم من يديه سالب؟ وهل كان معه مزاحم له عليكم أوقع بكم من المكروه ما اضطرّه إلى تجشمه هذه النقائص لخلاصكم؟!. فإن قلتم: إنه كان له عدوّ مناصب، قد عاث في مملكته حتى استولى٢ عليها وحاز أطرافها وجرت٣ فيها أحكامه شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً، فما نرى هذا العدوّ الذي تدعون إلاّ أعظم منه مملكة. وأعزّ جانباً، وأنفذ قدرة، ومن كان هذا حاله فهو لا شكّ أحقّ بالعباد والبلاد منه.



