مشكاة الأنوار

Kitab adab, dzikir, dan penyucian jiwa karya أبو حامد الغزالي (w. 505 H).

Bagian 1 dari 3 86 halaman

— Bagian 1 · تصدير عام —

Disusun dari indeks kitab digital SantriOnline.

Bagian 1

تصدير عام

١- نحن في أمسّ الحاجة إلى نشر علمى دقيق لأصول تراثنا العربى القديم، فإنه عن طريق هذا النوع من النشر تحيا النصوص وتستبين، ويسهل على المشتغلين بموضاعاتها قراءتها والإفادة منها. وليس أجدى على الباحث من أن تكون بين يديه الوثائق الأولى مضبوطة محققة خالية من شوائب التحريف والتصحيف. وقد ابتليت كتبنا القديمة بأن قام على نشر الكثير منها والإشراف على إخراجها ناشرون من غير العلماء المتخصصين، لا همّ لهم سوى جنى الربح المادى من طبعها. ونحن نعانى من نشراتهم ما نعانى من أخطاء مطبعية ولغوية، ونقص في النصوص هنا وزيادة هناك، وخلو تام من التحقيق والتعليق والتفسير والفهارس العلمية بشتى أنواعها. وكثيراً ما نقف من نص من النصوص حيارى مكتوفي الأيدى لا نفهم له معنى ولا نستطيع له توجيهاً، أو نوجهه توجيهاً خاطئاً لم يخطر للمؤلف ببال، لا لسبب سوى أن في النص تحريفاً أو نقصاً أو إضافة من ناسخ، أو خلطاً بين متن النص وشرح وضع عليه. ويكفى أن يسقط حرف النفى "لا" من جملة من الجمل، أو توضع كلمة "إذ" بدلاً من "إذا" أو العكس، أو تكتب كلمة "العارفين" بدلاً من "العراقيين" أو نحو ذلك من التحريفات، لكى يضطرب النص ويفسد معناه؛ وكثيراً ما يؤدى بالباحث إلى فهم خاطئ قد يفضى إلى رأى باطل أو نظرية لا أساس لها. ولا يختلف حظ رسالة "مشكاة الأنوار" التى ننشرها اليوم كثيراً عن حظ غيرها من الكتب التى نشرت على النحو غير العلمى الذى أشرنا إليه. فقد طبعت في مصر عدة طبعات: سنة ١٣٢٢ هـ، ١٣٢٥ هـ، ١٩٢٩ م،

تى ننشرها اليوم كثيراً عن حظ غيرها من الكتب التى نشرت على النحو غير العلمى الذى أشرنا إليه. فقد طبعت في مصر عدة طبعات: سنة ١٣٢٢ هـ، ١٣٢٥ هـ، ١٩٢٩ م،

١٣٥٢ هـ وضمن مجموعة "الجواهر الغوالى من رسائل حجة الإسلام الغزالى" سنة ١٣٤٣ هـ. وقد قابلتُ هذه الطبعة - التى هى الآن أكثر الطبعات تداولاً - على المخطوطات التى تيسر لى الاطلاع عليها، فوجدتها حافلة بالأخطاء والتحريفات الخطيرة؛ كما وجدت فيها إضافات كثيرة على النص الأصلى، ونقصاً يبلغ الصفحة في موضع من المواضع: وذلك من قوله "بمنزلة البهائم بل أخس" إلى قوله: "بمحض الظلمة وهى نفوسهم المظلمة". يظهر أن الأصل الذى أخذت عنه هذه النسخة كان مختلطاً ببعض الشروح والتعليقات، فنقل الناسخ كل ذلك ولم يفرق بين المتن وغيره. ويكفى أن أذكر بعض نماذج من التحريفات التى وقعت في هذه النسخة ليظهر ما فيها من خطورة: ١- ورد في ص ١٢٩ "سر الكلبية" بالسين: والصحيح "شر الكلبية" بالشين. ٢- ورد في ص ١٣٠ "وقس عليه الضوء والنهار": والصحيح "وقس عليه الطوُّر والنار" لأن الكلام عن موسى الذى آنس من جانب الطور ناراً. ٣- ورد في ص ١٣١: "وهذا الحظ من الوحى"، والصحيح: "وهذا النمط من الوحى". ٤- ورد في ص ١٤٣: "وهو الذى يكتب ما أوردته الحواس". والصحيح: "وهو الذى يستثبت ما أوردته الحواس". ٥- ورد في ص ١٣٤: "أجلى وأسنى"، والصحيح: "أجل وأسنى".

٤- ورد في ص ١٤٣: "وهو الذى يكتب ما أوردته الحواس". والصحيح: "وهو الذى يستثبت ما أوردته الحواس". ٥- ورد في ص ١٣٤: "أجلى وأسنى"، والصحيح: "أجل وأسنى".

٦- وفي ص ١٣٤: "فلنرجع إلى غرض الأمثلة"، والصحيح: "إلى عرض الأمثلة" بالعين المهملة. ٧- وفي ص ١٣٥: "كون الأنبياء سراجاً منيراً"، والصحيح: "سُرُجاً منيرة". ٨- وفي ص ١٣٧: "والحوادث الرديئة"، والصحيح: والأشغال المُردِية". ٩- وفي ص ١٣٨: "وأصناف هذه الأقسام كثيرة"، والصحيح: "وأقسام هذه الأصناف كثيرة". ١٠- وفي ص ١٣٩: "فأحاله الطبع": والصحيح: "فأحاله إلى الطبع". هذا قليل من كثير من أمثلة الأخطاء التى لاحظتها في هذه الطبعة بالإضافة إلى العيوب الأخرى التى أشرت إليها؛ ولذلك كانت إعادة نشر هذه الرسالة ونشر غيرها من مؤلفات الغزالى واجباً تقتضيه الأمانة العلمية كما يقتضيه إنصاف المؤلف الذى من حقه علينا أن نفهم مؤلفاته على النحو الصحيح الذى قصد إليه. وهذا ما اعتزم المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية القيام به عندما قرر نشر مؤلفات الغزالى ما طبع منها وما لا يزال مخطوطاً. ٢- اسم الرسالة ومنزلتها من مؤلفات الغزالى: ١- أطلق عليها اسم "مشكاة الأنوار" كما ورد في "كشف الظنون" لحاجى خليفة وفي النسخ المطبوعة. ٢- وأطلق عليها كذلك اسم "مشكاة الأنوار ومصفاة الأسرار" كما ورد في مخطوطة باريس وفي آخر مخطوطة بلدية الإسكندرية. ٣- وسميت باسم "كتاب المشكاة والمصباح" كما هو وارد في مخطوطة شهيد على باشا. وينسب للغزالى كتاب آخر بعنوان "مشكاة الأنوار في لطائف الأخبار"

لإسكندرية. ٣- وسميت باسم "كتاب المشكاة والمصباح" كما هو وارد في مخطوطة شهيد على باشا. وينسب للغزالى كتاب آخر بعنوان "مشكاة الأنوار في لطائف الأخبار"

لا صلة له بهذه الرسالة؛ وإنما هو كتاب ضخم توجد منه مخطوطات بدار الكتب المصرية؛ وفي صفحة عنوان المخطوطة رقم ٢٣٧ تصوف يرد اسم المؤلف الحقيقى وهو علاء الدين على بن محمد الشهير بابن الفقيه الحافظ المصرى المتوفي سنة ٨٧٧. ولا شك في أن رسالة مشكاة الأنوار من مؤلفات الغزالى المتأخرة التى تمثل عصر النضج الفكرى والروحى؛ ولكنا لا نستطيع أن نضع تاريخاً محدوداً لتأليفها كما فعل الأستاذ ماسنيون في كتابه "مجموع نصوص غير منشورة خاصة بتاريخ التصوف في الإسلام: باريس ١٩٢٩" حيث يقول إنها ألفت في الفترة ما بين ٤٩٥ ب ٥٠٥، وهى الفترة التى قضاها الغزالى في طوس وعكف فيها على التأليف والعبادة. ويذكر ماسنيون من مؤلفات الغزالى في هذه الفترة كتاب "معيار العلم" وكتاب "محك النظر" وكتاب "المقصد الأسنى" ورسالة "مشكاة الأنوار". ولكنا نرى في "مشكاة الأنوار" إحالات على هذه الكتب جميعها مما يدل على أن الغزالى ألفها قبل المشكاة، ولا ندرى إذا كان ألفها كلها في نفس الفترة التى يحددها ماسنيون. ولا نظن أن للأستاذ ماسنيون من السند التاريخى ما يعتمد عليه في تحديد سنوات تأليف كتب الغزالى على النحو الذى رسمه. ٣- مخطوطات الرسالة: يوجد للرسالة ما لا يقل عن ست وثلاثين مخطوطة مبعثرة في جميع أنحاء العالم؛ نذكر منها ما يلى: (١) بلدية الإسكندرية وتاريخها ٩٠٧هـ (٢) قوله حـ ١ ص ٢٦٢. (٣) الموصل ١٧٦ [٨] (٤) بتنا ٢: ٤١٢ [برقم ٢٥٨٠ (٨) ] (٥) برلين رقم ٣٢٠٧ (٦) ليدن رقم ١٩٨٨. (٧) مخطوطات بريل ٢: ١٠٥٣ (٨) الأمبروزيانا (RSO III ٥٧٣) A ٦٤. V (٩)

الفاتيكان بورجيرى ٦٥. Vat. Borgh (١٠) مانشستر i ٧١ (١١) برنستون، مجموعة جارت رقم ١٨٩٢ وتاريخه ٩٣٧ هـ (١٢) المكتب الهندى بلندن رقم ١٢٣٧ فهرس آربرى بتاريخ ١٠٩٦؛ ورقم ١٢٣٨ بتاريخ ١١٠٧. (١٣) طهران: مجلس شوراى ملىّ رقم ٩٠١٥ بتاريخ ١٣٢٠. (١٤) آصفية ١: ٣٨٨ [١٤ (٥) تصوف عربى] (١٥) طهران ٢: ٧٧. (١٦) رامفور ١: ٦٩٧. (١٧) الظاهرية: عام ٧٦٢١. وفي استانبول: (١٨) شهيد على ١٧١٢، ١٣٧٧. (١٩) بشير أغا ٦٥٠ (٢٠) السليمانية ٧٣٤. (٢١) كوبرلى برقمى ٨٦٠، ١٦٠٣: (٢٢) أياصوفيا ٢٠٧٥، ١٧١١ [٣] ، ٤٨٠١. (٢٣) جار الله ١٠٩٢ [١] ، ٢٠٧٥. (٢٤) ولى الدين ١٨٢٩. (٢٥) سليم أغا: المجموع رقم ١٠٨. (٢٦) أسعد ١٧١٧ر١٨. وفي دار الكتب المصرية، (٢٧) ٢٦٧٣ تصوف: بتاريخ ١٠٦٥، (٢٨) برقم ١٨٤ تصوف (ضمن مجموعة) ، (٢٩) مجاميع طلعت بأرقام ٢٧٤، ٥١٣، ٣٢٦، ٨٢٢، ٨٢٦. وفي باريس (٣٠) برقم ١٣٣١. (٣١) وفي الأسكوريال ٢ برقم ٦٣١. (٣٢) جوتا (فهرس برتش ق ٣ حـ ٢ ص ٣٧٨) برقم ١١٦٦ بتاريخ ١١٨٨. ٤- مخطوطتا شهيد على وبلدية الإسكندرية اللتان اتخذتا أساساً لهذه النشرة: (ا) مخطوطة شهيد على. رقم ١٧١٢ بمكتبة شهيد على باستانبول، وتوجد منها صورة شمسية بدار الكتب المصرية تحت رقم ٣٦٦٢ تصوف. تقع في ٢٢ ورقة في ٤٣ صفحة مسطرتها ٢٣ سطراً بخط كبير واضح. وفي صفحة العنوان:

ى باستانبول، وتوجد منها صورة شمسية بدار الكتب المصرية تحت رقم ٣٦٦٢ تصوف. تقع في ٢٢ ورقة في ٤٣ صفحة مسطرتها ٢٣ سطراً بخط كبير واضح. وفي صفحة العنوان:

"كتاب المشكاة والمصباح صنفه الشيخ الإمام الزاهد حجة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالى قدس الله روحه". وتحت ذلك اسم الناسخ وهو "عبد المجيد بن الفضل الفزارى الطبرى". وأول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم. رب أنعمت فزد بفضلك. الحمد لله فائض الأنوار الخ. وأكبر ميزة لهذه المخطوطة أنها - فيما نعلم - أقدم مخطوطة موجودة للرسالة؛ إذ أنها كتبت سنة ٥٠٩هـ أى بعد وفاة الغزالى بأربع سنوات. يقول ناسخها في آخرها: "نجز الكتاب وصادف فراغ صاحبه عبد المجيد بن الفضل الفزارى الطبرى ليلة الجمعة وهى الليلة التاسعة من شهر رمضان سنة تسع وخمسمائة. وهو يحمد الله تعالى كثيراً على نعمته، ويصلى على محمد النبى وزمرته". وعلى الرغم من هذه الميزة التى تجعل مخطوطة شهيد على أقرب النسخ من نسخة المؤلف الأصلية، لاحظنا فيها - لسوء الحظ - كثيراً من الأخطاء والتحريفات والأغلاط النحوية حتى في اسم الغزالى، مما يدل على أن الناسخ لم يكن على حظ كبير من الثقافة اللغوية. (ب) مخطوطة بلدية الإسكندرية: رقم ١٧٨٢- د بقلم فارسى دقيق جميل؛ نسخت سنة ٩٠٧ هـ وهى تقع في ١٧ ورقة من ٣٤ صفحة، ومسطرتها ١٩ سطراً. وهى على الجملة أدق من نسخة شهيد على، وبها كلمات، وأحيانا جمل قصيرة، هامة ساقطة من المخطوطة الأخرى. وفي صفحة العنوان "كتاب مشكاة الأنوار للإمام الغزالى رحمه الله تعالى". والصفحة مملوءة بأدعية وآيات قرآنية وأحاديث مكتوبة بخط ناسخ الرسالة.

طة الأخرى. وفي صفحة العنوان "كتاب مشكاة الأنوار للإمام الغزالى رحمه الله تعالى". والصفحة مملوءة بأدعية وآيات قرآنية وأحاديث مكتوبة بخط ناسخ الرسالة.

وتبدأ المخطوطة بأول الرسالة وهو "الحمد لله فائض الأنوار وفاتح الأبصار وكاشف الأسرار الخ. وتنتهى بقول الناسخ: "تمت كتابة مشكاة الأنوار ومصفاة الأسرار. اللهم اغفر لنا مع الأبرار. يسر العسر يا ميسر الأعسار ويا خارق الأستار بحرمة محمد سيد شفيع الأشرار وقامع الكفار. تاريخه سبع وتسعمائة من هجرة النبوة". وقد اعتمدنا في تحقيق هذه الرسالة على هاتين المخطوطتين، واعتبرنا مخطوطة شهيد على أصلاً، وسجلنا القراءات المخالفة الواردة في مخطوطة بلدية الإسكندرية في الهوامش. ولكن هذا لم يمنعنا في كثير من الأحيان أن نأخذ بقراءات مخطوطة بلدية الإسكندرية ونثبتها في المتن ونذكر ما يخالفها من قراءات مخطوطة شهيد على في الهامش؛ فقد كان رائدنا في تحقيق النص الأخذ بأفضل القراءات. ٥- ترجمات المشكاة والدراسات التى وضعت حولها: لم تلق رسالة "مشكاة الأنوار" من عناية الباحثين ما لقيه بعض كتب الغزالى الأخرى على الرغم من أهميتها ومنزلتها العالية بين كتب المؤلف التى كتبها في عصر نضجه. والرسالة جديرة بالدراسة والتحليل العميق لما تلقيه من ضوء على بعض المسائل التى عالجها الغزالى في كتب سابقة عليها، ولأنها تصور الموقف النهائى الذى وقفه من هذه المسائل. وقد جرؤ فيها على ما يجرؤ بالتصريح بمثله في أى مؤلف آخر: فقد أشرف فيها على القول بوحدة الوجود، وخلص بعد مناقشات طويلة إلى القول بأنه ليس في الوجود موجود حقيقى إلا الله؛ لأن كل ما سواه مستمد وجوده منه؛ وما كان وجوده عارية فهو في حكم المعدوم. فالعالم في حقيقته لا وجود له. وأقصى ما صرح به في كتبه الأخرى قوله "إنه ليس في الوجود إلا الله وآثاره والكون كله من آثاره". ولعل السر في عدم إقبال الباحثين على دراسة هذه الرسالة أنها تدور حول موضوع خاص ضيق في مظهره وإن كان واسعاً عميقاً في حقيقته.

فقد يتوهم الناظر فيها نظرة عابرة أنها ليست إلا تفسيراً لآية قرآنية خاصة هي آية النور، ولا يدرك أن الغزالى قد لخص في هذا التفسير فلسفة إشراقية كاملة، ونظرية في حقيقة الوجود كما يتصوره. ويتجلى في الرسالة إلى جانب هذا المنهجُ الذى التزمه الغزالى في تأويله للقرآن وتخريجه للمعانى الباطنية فيه، وهو المنهج الذى لا شك في أن ابن عربى قد حاكاه فيه عندما استخلص مذهبه الفلسفى الصوفى كاملاَ من طائفة محدودة من الآيات القرآنية، وإن كان الغزالى قد قصر منهجه التأويلى في الأغلب على الآيات التى يضرب فيها الله الأمثال للناس في حين أن ابن عربى التزم هذا المنهج في تفسيره للقرآن برمته. ويستوى في عدم العناية بدراسة المشكاة الباحثون العرب والغربيون. أما الباحثون العرب فقد شغلوا أنفسهم بموقف الغزالى من الفلاسفة ورده عليهم؛ أو بالرد عليه في نقده للفلاسفة كما فعل ابن رشد في تهافت التهافت، وكأنه لم يخطر ببالهم أن الغزالى الذى حارب الفلسفة وحاول هدمها فيلسوف من طراز آخر غير طراز الفارابى وابن سينا؛ وأن المصادر الخصبة في فلسفته هى رسائله القصار كالمشكاة والرسالة اللدنية وبعض أجزاء كتبه المطولة كالإحياء ومقدمة المستصفى. وأما علماء الغرب فقد جذبتهم في الغزالى شخصيته العالمية فعنوا بدراسة كتبه من حيث صلتها بعلم الأديان المقارن، وبالغزالى الصوفي لا الغزالى الفيلسوف. ولا تزيد البحوث المطولة التى وضعها الغربيون حول "مشكاة الأنوار" على ثلاثة: الأول: مقال كتبه فنسنك في ليدن سنة ١٩٤٤ في عشر صفحات. الثاني: بحث نشره جيردنر بمجلة "الإسلام" Der Islam بالإنجليزية بعنوان "مشكاة الأنوار ومشكلة الغزالى" سنة ١٩١٤. الثالث: بحث نشره مونتجومرى وات بمجلة الجمعية الملكية الآسيوية J R. A. S سنة ١٩٤٥.

وقد عرضنا لهذه البحوث وناقشناها في تحليلنا للكتاب. وكذلك لم تحظ المشكاة من الترجمات إلى اللغات الأوروبية إلا بثلاث: الأولى ترجمة إلى اللاتينية قام بها إسحاق بن يوسف الفاسى؛ والثانية إلى اللاتينية أيضاً وقد قام بها مترجم مجهول؛ والثالثة إلى الإنجليزية قام بها جيردنر سنة ١٩٢٤.

تحليل نقدى للرسالة الفصل الأول

يوسف الفاسى؛ والثانية إلى اللاتينية أيضاً وقد قام بها مترجم مجهول؛ والثالثة إلى الإنجليزية قام بها جيردنر سنة ١٩٢٤.

تحليل نقدى للرسالة الفصل الأول

يبدأ الفصل الأول بمناقشة معنى "النور" فى عرف العامة وعرف الخاصة، ثم فى عرف خاصة الخاصة وذلك تمهيداً لبيان أن الله تعالى هو نور الأنوار أو النور الأعلى الأقصى، وأنه النور الحق والحقيقى الذى تنبعث منه سائر

الأنوار التى لا تسمى أنواراً إلا على طريق المجاز. فكأن الغزالى بدأ بقضية اعتبرها بديهية أو مسلمة، وهى أن للعالم أصلاَ مغايراً له وأن هذا الأصل هو النور الحقيقي أو النور بالذات، ثم اتخذ خطوات تدريجية لا لإثبات وجود ذلك النور بل لتقرير وجوده. والنور بالمعنى العامى هو ما يُبْصَر بنفسه ويبصر به غيره كنور الشمس والقمر والسراج والنار المشتعلة. ولكن لما كان هذا النور لا يُبصَر ولا يُدرَك إلا إذا وجدت عَيْن تبصره، اعتُبِر الروح الباصر ركناً في إدراكه وكان أولى بأن يطلق عليه اسم النور من النور الظاهر. هذه أول خطوة خطاها الغزالى في الترقى في معنى النور وفي تجريده، إذ انتقل من النور الظاهر المحسوس إلى نور آخر غير ظاهر وغير محسوس: وهذا النور الآخر هو النور في عرف الخاصة. ثم نظر الغزالى في "نور العين" فإذا به موسوم بأنواع كثيرة من النقصان: فهو يبصر غيره ولا يبصر نفسه، وهو لا يبصر من الأشياء إلا ظاهرها، ولا يبصر الأشياء المفرطة في القرب والبعد، ولا يبصر إلا المتناهى؛ ويرى الصغير كبيراً والكبير صغيراً، والساكن متحركاً والمتحرك ساكناً وهكذا. ولكن في الإنسان "عيناً" ليس فيها شىء من هذه النقائص وهى "العقل" أو الروح أو النفس الإنسانية: لذلك كانت أولى باسم النور من العين الباصرة. هذه هى الخطوة الثانية التى خطاها الغزالى في تجريد النور حيث وصل إلى نور عقلى به يبصر الإنسان نفسه وغيره، ويدرك المتناهى واللامتناهى، والأشياء المفرطة في البعد والقرب، ويدرك ما وراء الحجب، وينفذ إلى بواطن الأمور وأسرارها وحقائقها، والعالم أعلاه وأسفله؛ بل يدرك الخالق جل شأنه ويدرك نسبته إليه.

لمفرطة في البعد والقرب، ويدرك ما وراء الحجب، وينفذ إلى بواطن الأمور وأسرارها وحقائقها، والعالم أعلاه وأسفله؛ بل يدرك الخالق جل شأنه ويدرك نسبته إليه. إلا أن العقل على الرغم من كل هذه الكمالات التى من أجلها استحق اسم النور أكثر مما استحقه نور البصر لا يدرك مدركاته على درجة واحدة؛ فمن الأشياء ما يدركه إدراكاً مباشراً في جلاء ووضوح، وبعضها مالا يدركه إلا إذا نُبّه إليه من مصدر حَكيم. والقرآن أعظم منبه للعقل لأنه أعظم حكمة.

ومن هنا كان القرآن أولى باسم النور من العقل، وورد وصفه بالنور في قوله تعالى: ﴿والنور الذي أَنزَلْنَا﴾ ، وفي قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً﴾ . هذه هى الخطوة الثالثة في تجريد النور إذ نحن الآن بإزاء نور ليس من أنوار هذا العالم، بل من أنوار عالم الملكوت الذى منه القرآن. وعالم الملكوت هو العالم العلوى الذى تسكنه الملائكة وتعرج إليه نفوس السالكين. وهو عالم الغيب الذى يعتبر عالم الشهادة أثراً من آثاره وظلاً له ومسبّباً عنه. وهو عالم مشحون بالأنوار. ثم إن أنوار عالم الملكوت التى تقتبس منها الأنوار الأرضية مرتَّبة بحسب قربها وبعدها من منبع النور الأول الذى يمثله الغزالى بضوء القمر عندما يدخل في كوة بيت فيقع على مرآة منصوبة على حائط، ثم ينعكس منها على مرآة على حائط آخر، ثم ينعطف إلى الأرض فينيرها. فهو نور واحد ظهر عنه بواسطة الانعكاسات أنوار كثيرة مستعيرة وجودها منه لأنه لا يمكن أن يشتق بعضها من بعض إلى غير نهاية، بل لا بد أن ترتقى إلى منبع النور الأول الذى هو النور بالذات أو النور الحقيقى أو النور المحض (الله) الذى لا يسمى غيره باسم النور إلا مجازاً. هذا النور الحق هو الذى بيده الخلق والأمر، ومنه الإنارة أولاً وإدامة الإنارة ثانياً، ولا شركة لنور غيره في حقيقة اسم النور ولا استحقاقه. ويقابل النور الظلمة. وإذا كان النور هو الوجود المحض، فالظلمة هى العدم المحض، لأن المعدوم ليس موجوداً لنفسه ولا لغيره. ولكن الغزالى لا يستعمل كلمتى النور والظلمة كما يستعملان في مذهب الثنوية الفارسية بمعنى مبدأين متعارضين متصارعين. وإنما النور عنده هو الوجود الإيجابى والعدم هو سلب الوجود. ولما كان الوجود ينقسم إلى ما له هذه الصفة من ذاته وإلى ما هى له من غيره؛ ولما كانت نسبة الوجود إلى هذا الأخير إنما هى من حيث إضافته إلى غيره لا من حيث ذاته، اعتبر في حكم

إلى ما له هذه الصفة من ذاته وإلى ما هى له من غيره؛ ولما كانت نسبة الوجود إلى هذا الأخير إنما هى من حيث إضافته إلى غيره لا من حيث ذاته، اعتبر في حكم

العدم المحض. وهذا هو شأن العالم أو كل ما يطلق عليه اسم "ما سوى الله". فهو في ذاته عدم محض، والوجود الحق هو الله تعالى كما أنه هو النور الحق. وليس هذا الكلام ضرباً من المجاز في التعبير في نظر الغزالى، بل هو الحق الصريح؛ كما أنه ليس نتيجة لمقدمات نظرية وضعها العقل، بل هو حقيقة يشاهدها العارفون مشاهدة عيانية عندما يرقون في معراجها الروحي "من حضيض المجاز إلى يفاع الحقيقة" فيدركون ذوقاً معنى قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ لا بمعنى أن كل شىء سوى الله يصير هالكاً في وقت من الأوقات، بل بمعنى أن كل شىء سوى الله هالك أزلاً وأبداً ولا يتصور إلا كذلك. أما الموجود فهو وجه الحق وحده؛ والله تعالى هو المتفرد بالملك أزلاً وأبداً، في هذه الدنيا وفي الآخرة. وليس نداء الله في المخلوقات يوم القيامة بقوله ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ قاصراً على يوم القيامة، بل إنه لا يفارق سمع المخلوقات أبداً في هذه الدنيا.

في المخلوقات يوم القيامة بقوله ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ قاصراً على يوم القيامة، بل إنه لا يفارق سمع المخلوقات أبداً في هذه الدنيا. وهكذا وصل الغزالى في نهاية تفكيره إلى نظرية أشبه ما تكون بنظرية وحدة الوجود؛ ومن العسير صرفها عن هذا المعنى إلا إذا اعتبرت أقواله من قبيل الشطح الصوفي، ولم يؤثر عن الغزالى أنه كان من أصحاب الشطحات. فهو يقرب قرباً عجيباً من أصحاب وحدة الوجود حينما يقول "إن العالم بأسره مشحون بالأنوار.. ثم ترقي جملتها إلى نور الأنوار ومعدنها ومنبعها الأول؛ وأن ذلك هو الله تعالى وحده لا شريك له، وأن سائر الأنوار مستعارة، وإنما الحقيقى نوره فقط، وأن الكل نوره، بل هو الكل؛ بل لا هوية لغيره إلا بالمجاز.. بل كما أنه لا إله إلا هو، فلا هو إلا هو، لأن "هو" عبارة عما إليه إشارة كيفما كان، ولا إشارة إلا إليه". إنه لا يقول صراحة إن الحق هو الخلق وإنهما وجهان لحقيقة واحدة لا فرق بينهما إلا بالاعتبار كما قال ابن عربى من بعده، ولكنه يقول لا موجود على الحقيقة إلا الله، وإن العالم لا وجود له إلا من حيث انعكاس وجود الحق فيه كانعكاس ضوء القمر على صفحة المرايا المتعددة. وهذه في نظره حقيقة يقرها العقل ويؤيدها الكشف الصوفي. وهو يفرّق في نهاية المطاف بين

انعكاس وجود الحق فيه كانعكاس ضوء القمر على صفحة المرايا المتعددة. وهذه في نظره حقيقة يقرها العقل ويؤيدها الكشف الصوفي. وهو يفرّق في نهاية المطاف بين

توحيد العوام وهو القول بلا إله إلا الله، وتوحيد الخواص وهو لا إله إلا هو، و "هو" - كما قلنا - هو كل ما يشار إليه. وتوحيد الخواص عنده "أتم وأخص وأشمل وأحق وأدق وأدخل بصاحبه في الفردانية المحضة والوحدانية الصرفة. ومنتهى معراج الخلائق مملكة الفردانية". ولم نجد في كتب الغزالى الأخرى - فيما نذكر - مثل هذا التصريح بالوحدة الوجودية؛ وكل ما قاله في الإحياء "ليس في الوجود إلا الله وآثاره والكون كله من آثاره" وفي ذلك اعتراف منه بوجود الكون إلى جانب وجود الله، وفيه إغلاق للباب في وجه وحدة الوجود. فهل نرى في "المشكاة" تحولاً في موقف الغزالى من الحقيقة الوجودية، وميلاً واضحاً نحو نزعة الصوفية القائلين بوحدة الوجود؟ إننا إذا أخذنا بمثال ضوء القمر والمرايا التى ينعكس عليها ضوؤه، قد نسلم له بأن الأنوار المنعكسة على المرايا لا وجود ولا حقيقة لها في ذاتها، مع أنها موجودة ونراها رؤيا العين، وإنما هى في الحقيقة انعكاسات للنور الأول الذى هو نور القمر. ولكن ما قوله في المرايا نفسها، وأي شىء يقابلها في تمثيله؟ هل يفكر الغزالى في شىء أشبه بالهيولى الأولى التى قال بها الفلاسفة لكى تنعكس عليها الأنوار الإلهية؟ ولكن الغزالى ينكر كل الإنكار وجود مادة قديمة للعالم ويقرر أن العالم مخلوق حادث من عدم.

الأولى التى قال بها الفلاسفة لكى تنعكس عليها الأنوار الإلهية؟ ولكن الغزالى ينكر كل الإنكار وجود مادة قديمة للعالم ويقرر أن العالم مخلوق حادث من عدم. والظاهر لى أن الغزالى باستعماله هذا التمثيل (تمثيل ضوء القمر والأنوار المنعكسة منه) يعقّد مشكلة صدور العالم عن الله ولا يحلها على أساس عقلى، فهل أسعفته التجربة الصوفية في حلها؟ إنه يذكر العارفين الذين لا يرون في الوجود إلا الواحد الحق لأنهم يشعرون في حال وجدهم أو فنائهم بوحدة شاملة لا يشهدون فيها إلا الله، ولا يكون في تجربتهم متسع لذكر غير الله ولا لذكر أنفسهم؛ ولذلك يصيح بعضهم بقوله "أنا الحق" كما فعل الحلاج، ويصيح الآخر بقوله "سبحانى ما أعظم شانى! ". ولكن هذه "وحدة شهود" لا وحدة وجود. والشعور بوحدة الشهود حال عارضة سرعان ما تزول عند ما يرد الصوفي إلى سلطان العقل ويعرف "أن

ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد بل شبه الاتحاد مثل قول العاشق في حال فرط عشقه: "أنا من أهوى ومن أهوى أنا". ويقول الغزالى إن شعور العارف في حال فنائه عن نفسه وعن الخلق وبقائه بالحق يسمى اتحاداً مجازاً وتوحيداً على الحقيقة: أى توحيداً بمعنى أنه لا يشهد في الوجود إلا الله وحده. ولعل مما يرفع عن الغزالى شبهة القول بوحدة الوجود ما يذكره في نهاية هذا الفصل في معنى قولنا "إن الله مع كل شىء كالنور مع الأشياء" حيث يقرر أنه "مع كل شىء" بمعنى أنه قبل كل شىء، وفوق كل شىء ومظهر لكل شىء. فقوله "قبل كل شىء" إقرار بقدم الله تعالى؛ وقوله "فوق كل شىء" معناه تنزيهه تعالى، والتنزيه بمعناه الدينى الحقيقى لا يتفق مطلقاً مع القول بوحدة الوجود. هذا وقد أثار "فنسنك" موضوع الصلة بين هذا الفصل من المشكاة وتساعات أفلوطين في مقال له نشر سنة ١٩٤١ في Semietische Studien uit de nalatenschap ذهب فيه إلى أن الغزالى استمد مادة هذا الفصل من الفصل الخامس من التساع الرابع، وهو الفصل الذى يعالج فيه أفلوطين موضوع الإبصار. وقد نشر الدكتور عبد الرحمن بدوى في كتابه "أفلوطين عند العرب: ص ١٨٩ - ١٩٢" شذرات من ترجمة عربية قديمة لهذا الفصل منسوبة إلى الشيخ اليونانى (أفلوطين) وقال إن هذا يدل على أن الفصل قد ترجم إلى اللغة العربية وأن في الإمكان اطلاع الغزالى عليه. ولكن فصل أفلوطين يعالج نظريته في الرؤية البصرية وكيفية انتقال الصورة المرئية إلى العين، ويناقش فكرة الوسيط الذى تنتقل الصورة بواسطته، ولا صلة لهذا كله بمسائل الفصل الأول من المشكاة. أما الدكتور عبد الرحمن بدوى فيرى أن المصدر الذى يمكن أن يكون الغزالى قد تأثر به هو الفصل الخامس من التساع الخامس لأفلوطين؛ وأن هذا الفصل قد ورد ملخصاً في "رسالة العلم الإلهى" المنسوبة إلى الفارابى وهى في نظره مقتطفات من هذا التساع.

الفصل الخامس من التساع الخامس لأفلوطين؛ وأن هذا الفصل قد ورد ملخصاً في "رسالة العلم الإلهى" المنسوبة إلى الفارابى وهى في نظره مقتطفات من هذا التساع. وقد نشر الدكتور بدوى رسالة الفارابى المزعومة في كتابه "أفلوطين عند العرب". وبالرجوع إليها لم أجد ما يدل على انتفاع الغزالى بها في رسالة المشكاة فيما عدا فقرة قصيرة تشير إلى أن فعل الفاعل الأول هو العقل، وأن العقل ضوء سائح من ذلك الجوهر كما يسيح ضوء الشمس على الأشياء من الشمس. على العكس وجدت أن برسالة العلم الإلهى ما يتعارض تعارضاً صريحاً مع آراء الغزالى، لأنها تنزع نزعة واضحة نحو مذهب الفيوضات الذى قال به أفلوطين، والغزالى ينكر نظرية الفيوضات في كتاب "تهافت الفلاسفة" ويصف القائلين بها بالخبل العقلى. وقد بينت كيف يصور الغزالى الصلة بين نور الأنوار (الله) و "المطاع"، ثم بين "المطاع" وسائر الموجودات، وأوضحت أن هذه الأخيرة صلة خلق لا صلة فيض بالمعنى الأفلوطينى. نعم يستعمل الغزالى كلمات النور والانبثاق والفيض ونحوها في تصوير عملية الخلق، ولكن الأنوار التى ترقي في جملتها إلى نور الأنوار ومعدنها ومنبعها الأول أنوار مستعارة من هذا النور الأول ولا حقيقة لها في ذاتها في حين أن الفيوضات الأفلوطينية موجودات حقيقية لكل منها وجوده الخاص. ولا يقول أفلوطين إنها على الحقيقة هى الواحد الأول. وأى مبرر يحملنا على القول بأن الغزالى قد تأثر في لغته الفلسفية في المشكاة برسالة "العلم الإلهى" المنسوبة إلى

الفارابى أكثر من تأثره بكتاب أثولوجيا أرسطاطاليس وقد كان المصدر الأول لعلم الإسلاميين بالفلسفة الأفلاطونية الحديثة؟. إن الغزالى وكثيرين غيره من فلاسفة المسلمين يستعملون مصطلحات الأفلاطونية الحديثة ولكنهم يقرءون فيها معانى جديدة ويوجهونها توجيهاً جديداً يخرجها عن معناها الأصلى. وفي هذا كان ابتكار المسلمين وأصالتهم لا تبعيتهم.

الفصل الثانى

ديثة ولكنهم يقرءون فيها معانى جديدة ويوجهونها توجيهاً جديداً يخرجها عن معناها الأصلى. وفي هذا كان ابتكار المسلمين وأصالتهم لا تبعيتهم.

الفصل الثانى

يشرح الغزالى في هذا الفصل بعض الألفاظ الواردة في آية النور: ﴿الله نُورُ السماوات والأرض﴾ الخ. وهذه الألفاظ هى "المشكاة"، و"المصباح" و "الزجاجة" و "الشجرة" و "الزيت" و "النار" باعتبارها رموزاً تشير إلى معان مستترة وراءها. ويمهد لهذا الشرح بمبحثين: الأول في طبيعة الرمز أو (التمثيل) ومنهاج استعماله، والثانى فى درجات الأرواح البشرية ومراتب أنوارها، وينتهى إلى أن الألفاظ السبعة المذكورة رموز لهذه الأرواح البشرية. "تقوم نظريته في طبيعة الرمز على افتراض وجود موازاة تامة بين عالم الشهادة وعالم الغيب: العالم الجسمانى والعالم الروحانى؛ وأنه ما من شىء في عالم الشهادة إلا وهو رمز (أو مثال) لشىء في عالم الملكوت؛ وأن عالم الشهادة مرقاة إلى عالم الغيب، وإلا استحالت معرفتنا بالعالم العلوى وتعذر السفر إلى الحضرة الربوبية والقرب من الله. والله وحده هو الذى لا مثال له لأن شرط المماثلة المطابقة بوجه مّا، والله تعالى لا يطابقه شىء فلا يماثله شىء. وإذا كان الأمر كذلك، يجب أن نعتبر ألفاظ التمثيل الواردة في القرآن بمثابة مفاتيح أسرار الغيب فنؤولها كما تؤول رموز الأحلام. فكما أن الشمس في علم تعبير الرؤيا مثال لصاحب السلطان، والقمر مثال للوزير المنفذ لرغبات السلطان، كذلك للموجودات العالية الروحانية أمثلة في العالم المحسوس. وهنا يسرد الغزالى طائفة من الأمثال المقتبسة من القرآن الكريم ليوضح بها نظريته. "فالطور" مثال للموجودات العظيمة الثابتة في عالم الملكوت و"الوادى" مثال للموجودات العلوية التى تتلقى المعارف الغيبية، ومنها تجرى هذه المعارف إلى النفوس البشرية. و"الوادى الأيمن" مثال للمنبع الأول للمعرفة. و"النار" مثال لروح النبى الذى وصفه القرآن بأنه سراج منير. و "الجذوة والقبس والشهاب" أمثلة لمن يتبع النبى على استبصار لا على مجرد تقليد. و "الاصطلاء" مثال للمشاركة بين النبى

وتابعيه. و"الوادى المقدس" مثال لأول منزلة من منازل ترقي النبى: و"خلع النعلين" مثال لهجر الدارين: الدنيا والآخرة. و"القلم" مثال لانتقاش علم الغيب في النفوس القابلة، و"اللوح المحفوظ والرق المنشور" مثال للنفس التى يسجل فيها هذا العلم. و"اليد" مثال للملك المسخر لكتابة العلوم، و"الصورة" مثال لمجموع اليد والقلم واللوح، وهى في الإنسان صورة الرحمن لأن رسول الله يقول "خلق الله آدم على صورة الرحمن". و"الماء" الذى قال الله فيه ﴿أَنْزَلَ مِنَ السماء مَآءً﴾ مثال للمعرفة؛ و"الأودية" الواردة في نفس الآية في قوله ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ مثال للقلوب وهكذا. هنا يشعر الغزالى أن منهجه في التأويل على هذا النحو قد يدخله في عداد الباطنية الذين يصرفون الآيات القرآنية عن معانيها الظاهرة. فيبادر إلى القول بأنه ليس باطنياً يبطل الظاهر ولا حشوياً يبطل أسرار الباطن ولكنه يجمع بين الظاهر والباطن، ويأخذ بالمعنى المحسوس كما يراقب "السر" المختفى وراءه. فموسى ﵇ رأى "ناراً" في "الوادى المقدس" وناداه ربه بقوله ﴿فاخلع نَعْلَيْكَ﴾ و "خلع بالفعل نعليه"؛ ولكنه أدرك في الوقت نفسه أنه في ابتداء معراجه النبوى وأن الله يطلب منه أن يتجه إليه وحده فيخلع من قلبه حب الدنيا والآخرة أى كل ما سوى الله. فالمثال في نظر الغزالى حق وأداؤه إلى السر الباطن حقيقة. والأمثلة "تنبيهات" تستخدم في إثارة الحس والخيال اللذين هما طبيعيان في الإنسان؛ ولكنها تنبيهات إلى أسرار وراءها، أو إلى أنوار يحجبها الحس والخيال. ولسائل أن يسأل عمن لهم الحق في هذا التأويل الذى لا يخضع لقاعدة لغوية ولا لعرف خاص؟ وهل هو ميدان للتكهنات والتخمينات يقول فيه العقل ما بدا له أن يقول؟ إذا كان الأمر كذلك فالمسألة جد خطيرة، إذ يصبح التأويل بابا يتسرب منه إلى الإسلام كل أنواع البدع والضلالات. وقد كان كذلك في أيدى الباطنية ومن نحا نحوهم. ولكن الذى يفهم من كلام الغزالى أنه يقصر هذا التأويل على أصحاب البصيرة من الأنبياء والأولياء فإن فيهم

ت. وقد كان كذلك في أيدى الباطنية ومن نحا نحوهم. ولكن الذى يفهم من كلام الغزالى أنه يقصر هذا التأويل على أصحاب البصيرة من الأنبياء والأولياء فإن فيهم

وحدهم "القوة" التى يبصرون بها المعانى المستترة وراء الصور المحسوسة، كما وقع للنبى ﵇ من أنه رأى عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة "حبواً". رأى ذلك ببصره، ولكنه رأى ببصيرته أن عبد الرحمن بن عوف ومن على شاكلته قد وجد عسراً وهو يغالب نفسه ويجاهدها لكى يتغلب إيمانه على شهواته ويدخل العالم الروحى الخالص المعبر عنه بالجنة، ولكنه يدخله "حبوا" بعد طول الجهاد والمقاومة. ويسمى الغزالى هذا النوع من الرؤية وحياً قد يحصل في اليقظة وقد يحصل في النوم: فإذا حصل في اليقظة احتاج إلى التأويل، وإن حصل في النوم احتاج إلى التعبير. والبحث الثانى الذي يضعه الغزالى تمهيداً لتأويل آية النور هو المراتب الروحية البشرية وهى عنده خمس مراتب: أولاً: الروح الحساس الذى يدرك المحسوسات، وهو موجود في الصبى والبالغ. والثانى: الروح الخيالى وهو الذى يتلقى ما تورده الحواس ويخزنه في خزانته، وهذا لا يوجد للصبى الرضيع ويوجد له بعد ذلك، وقد يوجد لبعض الحيوانات. الثالث: الروح العقلى الذى يدرك المعانى المجردة عن الحس والخيال. وهو جوهر الإنسان، ومدركاته المعلومات الضرورية الكلية. الرابع: الروح الفكرى أو النظرى وهو الذى يدرك العلاقات المنطقية بين الأفكار وينتقل من المقدمات إلى النتائج. الخامس: الروح القدسى النبوى، وهو للأنبياء والأولياء خاصة، وفيه تتجلى لوائح الغيب؛ وهو المشار إليه في قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ . هذه الأرواح الخمسة أنوار تظهر بها أصناف الموجودات المحسوسة، والمعقولة، وهى في نظر الغزالى في موازاة الأشياء الخمسة التى ورد ذكرها في الآية: أعنى "المشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت". فالروح

ات المحسوسة، والمعقولة، وهى في نظر الغزالى في موازاة الأشياء الخمسة التى ورد ذكرها في الآية: أعنى "المشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت". فالروح

الحساس في موازاة المشكاة لأن أنواره تنفذ من خلال ثقوب الحواس كما ينفذ النور من المشكاة. والروح الخيالى في موازاة الزجاجة لأن كلا منهما من أصل كثيف ولكنه قابل للتصفية والترقيق والتهذيب؛ ولأن الخيال يضبط المعارف العقلية بحيث لا تضطرب ولا تنتشر على غير هدى. كما تضبط الزجاجة نور المصباح وتحفظه من الانطفاء بالرياح وغيرها. والروح العقلى في موازاة المصباح لأنه مركز الإشعاع العقلى كما أن المصباح مركز الإشعاع النورانى الحسى. والروح الفكرى في موازاة الشجرة لأن الحياة الفكرية بمثابة الشجرة متعددة الأغصان كثيرة الثمر، تنمو كلها من أصل واحد هو بمثابة الجذر من الشجرة. وقد ذكرت شجرة الزيتون خاصة لأن زيتها أنقى الزيوت وأصفاها وأكثرها اشتعالاً، فهو بذلك أصلح الزيوت للمصابيح. والروح القدسى النبوى في موازاة الزيت الذى بلغ من الصفاء مبلغاً يجعله يكاد يضىء ولو لم تمسسه نار. وكذلك نفوس بعض الأنبياء والأولياء قد بلغت من الصفاء مبلغاً بحيث تستغنى عن مدد علمى خارجى يأتيها بواسطة الملائكة أو غيرهم.

يكاد يضىء ولو لم تمسسه نار. وكذلك نفوس بعض الأنبياء والأولياء قد بلغت من الصفاء مبلغاً بحيث تستغنى عن مدد علمى خارجى يأتيها بواسطة الملائكة أو غيرهم. والآن ما صلة كل هذا بالآية التى تصف الله بأنه نور السماوات والأرض وتمثل هذا النور بهذه الصورة الرمزية المعقدة؟ إن هذا التأويل الذى وضعه الغزالى لا يستقيم في نظرى إلا إذا فهم الآية فهماً خاصاً فقرأها على النحو الآتى: "الله نور السماوات والأرض، مثل نوره (المتجلى في الإنسان) كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة" الخ.. وبدون هذه الإضافة تنقطع الصلة بين تأويل الغزالى والآية الكريمة. وعلى أساس هذا الافتراض نستطيع أن نفهم ما يذكره الغزالى من مراتب الأرواح في الإنسان وهى - المراتب الخمس السالفة الذكر - لأنه يعتبرها أنواعاً من الأنوار الإلهية المختلفة الدرجات، مقتبسة من نور الأنوار (الله) ، وأن الله تعالى قد ضرب لها أمثلة من العالم المحسوس بالمشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت. أما لماذا قصر الغزالى التشبيه الوارد في الآية على النور الإلهى الظاهر في الإنسان دون سائر المخلوقات مع أنها تنص على أن الله نور السماوات

والأرض، أى نور كل ما في الوجود من أعلاه إلى أسفله، فذلك لأن الإنسان في نظره هو الموجود الوحيد الذى يتجلى فيه النور الإلهى في جميع مراتبه في حين أنه لا يتجلى في غير الإنسان إلا في بعض المراتب. من أجل هذا اختص الله الإنسان من بين الخلق بأنه الموجود الذي خلقه الله على صورته وأنه وحده الذى استحق الخلافة عن الله. وهكذا يكشف الغزالى عن الجانب الإلهى في الإنسان ويصله بصلة مباشرة بالعالم العلوى ويضع نظرية جديدة في طبيعة النبوة والولاية تستغنى في تفسير وصول الوحى إلى الإنسان عن وساطة ملك الوحى، أو أى مدد خارجى آخر خارج عن النفس الإنسانية ذاتها. ولماذا يحتاج النبى أو الولى إلى مَلَك الوحى وهو يحمل مصباح النور الإلهى في قلبه؟ هكذا يتبين أن هذا الفصل من رسالة مشكاة الأنوار متمم الفصل الأول لأن الله الذى صوره الغزالى في الفصل الأول تصويراً انطولوجياً باعتباره نور الأنوار الذى هو أصل الوجود، قد صوره في هذا الفصل تصويراً إبستمولوجياً باعتبار ذلك النور نفسه أصل المعرفة، وأنه يبلغ غاية الظهور في الإنسان، وفي طبقة الأنبياء والأصفياء بوجه خاص، وهى الطبقة المعنية بالإنسان في حديث "خلق الله الإنسان على صورة الرحمن".

الفصل الثالث

هذا الفصل تتمة طبيعية للفصلين الأول والثانى وليس مقحماً على الرسالة غير متصل بها كما ذهب إليه بعض الكتاب على نحو ما سنشير إليه فيما بعد. وذلك أن الغزالى بعد أن قرر في الفصلين السابقين أن أولى الأنوار وأحقها باسم النور هو النور الإلهى، وأن هذا النور متجل بجميع مراتبه في الإنسان، أخذ يشرح في هذا الفصل الحجب التى قد تستر هذا النور وتحول دون معرفة الله وحقيقة الوجود، وأدار محور كلامه حول الحديث القائل "إن لله سبعين حجابا من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل من أدركه بصره". وهو يحصر المحجوبين في ثلاثة أنواع:

وأدار محور كلامه حول الحديث القائل "إن لله سبعين حجابا من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل من أدركه بصره". وهو يحصر المحجوبين في ثلاثة أنواع:

(ا) المحجوبين بالظلمة المحضة،. (ب) المحجوبين بنور مقرون بظلمة. (ج) المحجوبين بمحض الأنوار. والظاهر أنه يقصد بالحجاب الظلمانى كل ما كان مادياً أو متصلاً بالمادة من طريق مّا؛ وبالحجاب النورانى كل ما كان عقلياً. ولذلك يدخل تحت المحجوبين بالحجب الظلمانية البحتة الملاحدة والدهرية الذين استولى عليهم سلطان الحس فأنكروا الأديان والبعث، وفسروا وجود العالم على أساس مادى بحت؛ كما يدخل معهم المحجوبون بنفوسهم الكثيفة الكدرة وشهواتهم وملاذهم مما جعلهم يتخذون الهوى إلها من دون الله ويعتبرون اللذة البهيمية ونيل الشهوات الغاية القصوى من الحياة، فإذا ارتفعوا عن هذا الحضيض درجة اعتبروا التسلط والغلبة والاستيلاء، أو ذيوع الصيت واتساع الجاه غايتهم. هذه كلها من الحجب الظلمانية البحتة. أما المحجوبون بالنور المشوب بظلمة فيدخل فيهم كل من غلب على تفكيره الدينى نزعة حسية، أو خيالية تحول بينه وبين رؤية الحقيقة خالصة. من هؤلاء عبدة الأوثان الذين يفكرون في صفات الألوهية ولكنهم يخلعونها على المخلوقات المادية المحسوسة. ومنهم من يرتفع بإلهه عن معنى الحصر والتقييد في صورة معينة ويعبد الجمال المطلق في أي صورة من صوره: الجمال المطبوع لا المصنوع. ومنهم عبدة النار الذين يرون فيها معنى القهر والسلطان والقوة والبهاء، وهى كلها من صفات الله وأنواره، ولكنهم يصفون بها مخلوقاً مادياً محسوساً. ومنهم عبدة الكواكب كالشّعَرى، والمشترى والشمس. أو عبدة النور المطلق وهم ثنوية الفرس. هؤلاء جميعاً محجوبون بظلمة ممزوجة بنور؛ أما الظلمة فراجعة إلى ماديتهم في تصورهم للألوهية، وأما النور فراجع إلى الصفات الإلهية التى يخلعونها على معبودهم المادى. ومن هذه الطائفة أيضاً من غلب على تفكيرهم ظلمة الخيال كالمجسمة والكرامية الذين قالوا بوجود إله متجسم جالس على العرش؛ أو الذين

نها على معبودهم المادى. ومن هذه الطائفة أيضاً من غلب على تفكيرهم ظلمة الخيال كالمجسمة والكرامية الذين قالوا بوجود إله متجسم جالس على العرش؛ أو الذين

يثبتون لله الجهة - وجهة فوق بوجه خاص. وهنالك صنف ثالث محجوب بالأنوار الإلهية مقرونة بأدلة عقلية فاسدة؛ وهؤلاء هم الصفاتية الذين يثبتون لله صفات كالكلام والسمع والبصر ونحوها، ويقيسونها على الصفات الإنسانية، فيقولون إن لله كلاماً هو صوت، أو هو حديث نفس مثل كلامنا النفسى. أما المحجوبون بالأنوار المحضة فمنهم الفلاسفة الذين تحاشوا إطلاق اسم الكلام والسمع والبصر والإرادة على الله على نحو إطلاقها على البشر، ونزهوه عن هذه الصفات فلم يعرّفوه بها بل عرفوه بالإضافة إلى أثره في الكون بأن قالوا "إنه محرك السماوات". ومنهم من أدركوا أن وصف الله بأنه محرك السماوات يقتضى كثرة في ذاته لتعدد الأفلاك وتنوعها، فنسبوا حركة الأفلاك إلى عقول (ملائكة) كل منها خاص بفلكه، ولكنها كلها تتحرك بحركة الفلك الأقصى الذي يحركه الله تحريكاً مباشراً. ولكن من هذه الطبقة من المحجوبين من ترقوا عن هؤلاء وزعموا أن تحريك الأفلاك بطريق المباشرة ينبغى ألاَّ يكون من فعل الله، بل من فعل عقل أو ملك يقوم بهذا الفعل طاعة لله وعبادة. وعلى زعمهم هذا يصح أن يسمى الله باسم "المطاع" من جهة أنه يحرك الكل بطريق الأمر لا بطريق المباشرة. هذه هى أصناف المحجوبين التى عددها الغزالى، وهى تشمل - على نحو ما ذكرنا - الوثنيين والدهريين والماديين وغيرهم من الملاحدة، كما تشمل المجسمة والمشبهة والصفاتية من المتكلمين وتشمل الفلاسفة الذين أخذوا بمذهب أرسطو أو بمذهب أرسطو ممزوجاً بمذهب أفلوطين.

يين وغيرهم من الملاحدة، كما تشمل المجسمة والمشبهة والصفاتية من المتكلمين وتشمل الفلاسفة الذين أخذوا بمذهب أرسطو أو بمذهب أرسطو ممزوجاً بمذهب أفلوطين. أما الرأى الذى يرتضيه الغزالى نفسه، وهو الرأى الذى يقول به "الواصلون" كما يسميهم، فهو أن "المطاع" على الحقيقة هو "الأمر الإلهى" الذى ورد ذكره في القرآن في قوله تعالى: ﴿أَلاَ لَهُ الخلق والأمر﴾ وقوله ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . فهو ليس ملكاً من الملائكة (بالمعنى الدينى) ولا هو العقل الأول الذى قال به فلاسفة الأفلاطونية الحديثة، ولا هو الله نفسه، ولا هو شىء من العالم، بل هو

واسطة بين الله والعالم، تعمل الإرادة الإلهية عن طريقه. "ونسبة هذا المطاع إلى الوجود الحق (الله) نسبة الشمس إلى النور المحض". أما قول الغزالى "إن "المطاع" موصوف بصفة تنافي الوحدانية المحضة" فذلك لأن الأمر الإلهى مبدأ الكثرة والتعدد في الوجود؛ والوحدانية المحضة لا تعدد فيها وهى من صفات الله وحده. وهنا يلتقى الغزالى في وصفه للمطاع مع أفلوطين في وصفه للعقل الأول مع الاختلاف الجوهرى بين نظريتى هذين المفكرين: إذ الأمر الإلهى عند الغزالى قديم قدم الله لأنه من كلام الله القديم، والعقل الأول عند أفلوطين موجود فاض عن الواحد الأول وليس من الواحد الأول في شىء. ونظرية الغزالى في "المطاع" امتداد لنظرية الأشاعرة في الكلام الإلهى وفي القرآن من حيث هو كلام الله، إلا أن الغزالى تجاوز نظرية الأشاعرة البسيطة وعمّقها ووضعها في صورة نظرية جديدة من نظريات الإسلاميين في "الكلمة" Iogos ووجد لها أصولاً مقررة في نصوص القرآن. لم يرض الغزالى عن قول من قال إن الرب المقدس عن معانى الصفات هو "المطاع"، ولا عن قول من قال إن المطاع هو الرب المحرك للفلك الأقصى والمسيطر على العقول المحركة للأفلاك الأخرى؛ ولا عن قول من قال إن الله هو المحرك على الحقيقة، ولكن لا على سبيل المباشرة، بل بوساطة ملك (عقل) محرك للأفلاك. وإنما رضى بقول الواصلين، وهو أن المطاع شىء غير الذات الإلهية، متصف بصفات تنافي الوحدانية المحضة والكمال البالغ الذى لا يتصف به غير الله؛ وأن هذا "المطاع" يحرك الأفلاك ويدبر الكون وعن طريقه يتوجه الواصلون من الذي يحرك السموات ومن الذى أمر بتحريكها إلى الذى فطر السماوات؛ أى أنه عن طريق معرفة الأمر الإلهى يصل الواصلون إلى الله.

ن وعن طريقه يتوجه الواصلون من الذي يحرك السموات ومن الذى أمر بتحريكها إلى الذى فطر السماوات؛ أى أنه عن طريق معرفة الأمر الإلهى يصل الواصلون إلى الله. وهكذا نرى الغزالى في سبيل محافظته على تنزيه الله تنزيهاً مطلقاً ووصفه بالوحدانية المحضة التى لا تتضمن أى معنى من معانى التعدد، يشخص "الأمر الإلهى" كما شخص الأشاعرة الكلام الإلهى، وينسب إليه دور تحريك الأفلاك وتدبير الكون. إن الغزالى بهذا قد بالغ في التنزيه إلى الحد الذى جعل من الله جوهراً مجرداً عن كل نسبة إلى خلقه، أى مجرداً عن صفات الإلهية، وهذا ما لا أظنه يرضاه وإن ساق إليه منطق كلامه. ويستبعد الأستاذ نيكولسون أن يكون "المطاع" في نظرية الغزالى هو قطب الصوفية على أساس أن هذا من أقوال الاسماعيلية الباطنية والغزالى يرفض مذهبهم جملة: ويقول في مقال له عن فكرة الشخصية في الإسلام: "أما أنا فأميل إلى الاعتقاد بأن نظرية الغزالى في "المطاع" تتفق مع نظرية المتأخرين من الصوفية، وأن "المطاع" يمثل الصورة المثالية التى يسمونها "الحقيقة المحمدية" أو "الروح المحمدى" -الإنسان السماوى الذى خلقه الله على صورته - ويعتبرونه قوة كونية يتوقف عليها نظام العالم وحفظه". ولعل الذى أوحى إلى الأستاذ نيكولسون بهذه الفكرة ما ورد في القرآن من آيات عن "المطاع" في مثل قوله تعالى ﴿مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١] وقوله: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ [النساء: ٨٠] وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول﴾ [النساء: ٥٩] . ولكن الذى أراه هو أنه ربما كان لهذه الآيات مغزاها الفلسفى في نظريات الصوفية المتأخرين التى تأثرت بالأفلاطونية الحديثة، ولكن لا أثر لها في نظرية الغزالى. وأغلب الظن أن الغزالى كان يفهم من إطاعة رسول الله المعنى الدينى لا أى معنى فلسفى، وأنه أراد بالمطاع "الأمر الإلهى" الذى به تنفذ الإرادة الإلهية وبه يحدث الخلق. نظرية المطاع ومشكلة الصفات الإلهية:

لله المعنى الدينى لا أى معنى فلسفى، وأنه أراد بالمطاع "الأمر الإلهى" الذى به تنفذ الإرادة الإلهية وبه يحدث الخلق. نظرية المطاع ومشكلة الصفات الإلهية: اتخذ الغزالى في الفصل الثالث مسألة الصفات الإلهية محوراً لتفكيره ورفض أقوال عدد كبير من الفرق الإسلامية وأصحاب المذاهب الأخرى غير الإسلامية ممن أطلق عليهم اسم المحجوبين، فظهر له أن منهم من قال بالتشبيه أو بالغ فيه حتى وقع في التجسيم الصريح، ومنهم من جنح إلى التنزيه المطلق كالمعتزلة وبعض فلاسفة الإسلام. والغزالى أشعرى المذهب؛ والأشاعرة يثبتون لله الصفات التى وصف بها نفسه ولكنهم يقولون إنها مغايرة لذاته وقديمة قدم ذاته كما أنها مختلفة الواحدة عن الأخرى. وينتهون من ذلك إلى تقرير أن صفات الله لا هى هو ولا هى غيره. فالله عالم بعلم وقادر بقدرة ومتكلم بكلام، ولكن علمه وقدرته وكلامه غير ذاته، وهى في الوقت نفسه ليست أموراً منقطعة الصلة تماماً بذاته؛ بل هى بوجه من الوجوه متصلة بالذات غير منفكة عنها. والذى يعنينا من مشكلة الصفات هنا هو صفة "الكلام" التى نشأ عن الخوض فيها خلاف عنيد بين المعتزلة وأهل السنة ثم بينهم وبين الأشاعرة: وذلك لأن البحث عن صفة الكلام جرهم إلى البحث في "الأمر الإلهى" الذى فسرنا به "المطاع" في نظرية الغزالى. فالأشاعرة يذهبون إلى القول بقدم كلام الله - ومنه "الأمر الإلهى" ويستندون في ذلك إلى آيات وردت في القرآن مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السمآء والأرض بِأَمْرِهِ﴾ وقوله: ﴿أَلاَ لَهُ الخلق والأمر﴾ وقوله ﴿لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ . وهذه الآيات صريحة في أن أمر الله "المطاع" قديم قدم الله، وأنه سابق على الخلق، وأن به تقوم السماوات والأرض. والأمر الإلهى ليس هو الله، ولا هو غيره على حد قولهم. كل هذا من مذهب الأشاعرة الذى ظل الغزالى أميناً عليه لا يتعداه في رسالة المشكاة أو في غيرها من كتبه. غير أنه أضاف إليه إضافة جوهرية في الفقرة الأخيرة من المشكاة، وهى فقرة صوفية النزعة لا صلة لها بالمشكلة الكلامية سابقة الذكر: وذلك حين يقرر أن "الواصلين" يدركون الله

إدراكاً آخر غير إدراك المحجوبين: إذ يدركونه مقدساً منزهاً عن جميع ما وصفه به المحجوبون، عندما يتجلى لهم الحق بذاته فتحرق سبحات وجهه الأعلى كل ما أدركه بصر الناظرين وبصيرتهم. وهذه منزلة في التصوف شبيهة بما يسميه ابن عربى "منزلة تنزيه التوحيد"، وهى منزلة يتعالى فيها الحق عن أن يوصف بأية صفة حتى صفة التوحيد، لأن الوصف حتى بالتوحيد تقييد، والتقييد مناف للتنزيه المطلق. الظاهر أن الفقرات الأخيرة من مشكاة الأنوار قد أثارت شيئاً من الحيرة في فهم نظرية الغزالى في المطاع، بل أثارت الشك في عقيدته: يدل على ذلك أن ابن طفيل يقول في رسالته حى بن يقظان: "وقد توهم بعض المتأخرين من كلامه (أى كلام الغزالى) الواقع في آخر كتاب المشكاة أمراً عظيماً أوقعه في مهواة لا مخلص له منها: وهو قوله بعد أن ذكر أصناف المحجوبين بالأنوار ثم انتقاله إلى ذكر الواصلين "إنهم وقفوا على أن هذا الموجود العظيم متصف بصفة تنافي الوحدانية المحضة، فأراد أن يلزمه من ذلك بأنه يعتقد أن الأول الحق سبحانه في ذاته كثرة مّا، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً" والظاهر أن ابن طفيل يقصد ببعض المتأخرين ابن رشد، ويتهمه بالوهم وعدم فهم المقصود من عبارة الغزالى؛ إذ أنه فهم من "الموجود العظيم المتصف بصفة تنافي الوحدانية المحضة" الله ﷾، مع أن الغزالى يقصد به "المطاع" لا الذات الإلهية المنزهة عن كل وصف. أما ابن رشد نفسه فيتهم الغزالى بأنه أورد في فصل المحجوبين كلاماً يتناقض مع ما قرره في كتبه الأخرى في مسألة حركة الأفلاك وموقف الله منها. يقول: "ثم جاء في كتابه المعروف بمشكاة الأنوار فذكر فيه مراتب العارفين بالله فقال: إن سائرهم محجوبون إلا الذين اعتقدوا أن الله سبحانه غير محرك

منها. يقول: "ثم جاء في كتابه المعروف بمشكاة الأنوار فذكر فيه مراتب العارفين بالله فقال: إن سائرهم محجوبون إلا الذين اعتقدوا أن الله سبحانه غير محرك

السماء الأولى، وهو الذى صدر عنه هذا المحرك. وهذا تصريح منه باعتقاد مذاهب الحكماء في العلوم الإلهية. وهو قد قال في غير ما موضع إن علومهم الإلهية تخمينات بخلاف الأمر في سائر علومهم. وأما في كتابه "المنقذ من الضلال" فأنحى فيه على الحكماء وأشار إلى أن العلم إنما يحصل بالخلوة والفكرة، وأن هذه المرتبة هى من جنس مراتب الأنبياء. وكذلك صرح بذلك بعينه في كتابه الذى سماه "كيمياء السعادة". وليست هذه الجملة نصاً من نصوص المشكاة، وإنما هى تلخيص لما فهمه ابن رشد وأورده بعبارته، فإن الغزالى لم يذكر صراحة أن المحرك لجرم الفلك الأقصى صدر عن الله وإنما ذكر أن "نسبة هذا المحرك (المطاع) إلى الوجود الحق نسبة الشمس في الأنوار"، فهل فهم ابن رشد من هذا معنى الصدور؟ إن الشمس لا يقال إنها صادرة عن النور المحض، وإنما يقال إنها تعيّن من تعيناته، أو مجلى من مجاليه. وكذلك يقال في المطاع (المحرك للأفلاك الذى فهمناه على أنه الأمر الإلهى) : أنه ليس صادراً عن الواحد الحق، وإنما هو مجلى من مجاليه. وعلى هذا لا يقول الغزالى بنظرية الصدور التى يقول بها الحكماء. ثم إن الغزالى يرفض فكرة المحرك الأول الذى يقول به الفلاسفة استناداً إلى أن الطبيعة لا تعمل بنفسها عملاً، بل هى مسخرة ومستعملة من جهة فاطرها. وإذا قيل إنها تفعل شيئاً، فذلك على سبيل المجاز: لأن "الفاعل" في نظر الغزالى لا يسمى فاعلاً بمجرد كونه سبباً، بل لوقوع الفعل منه على وجه الإرادة والاختيار. وإذن فلا محل للقول بأن الغزالى يأخذ بفكرة المحرك الأول بالمعنى الفلسفى في المشكاة وينكرها في غيرها من كتبه. وإنما المحرك الأول عنده هو "المطاع" (الأمر الإلهى) وهو ليس محركاً طبيعياً ولا هو عين ذات الواحد الأول.

الفلسفى في المشكاة وينكرها في غيرها من كتبه. وإنما المحرك الأول عنده هو "المطاع" (الأمر الإلهى) وهو ليس محركاً طبيعياً ولا هو عين ذات الواحد الأول.

هذا وقد ذهب الأستاذ "مونتجومرى وات" في مقال له نشر في المجلة الآسيوية الملكية سنة ١٩٥٤ إلى أن الفصل الثالث من مشكاة الأنوار فصل منتحل، وأن مؤلفه كان أحد الكتاب المتأثرين بفلسفة ابن سينا في إثبات وحدة الأول على نحو ما فسرها ابن سينا في كتاب النجاة؛ وذلك على أساس أن الإسلام السنى كان يفهم "التوحيد" دائماً بمعنى نفى الشريك لله لا بمعنى الوحدة الذاتية، وأن هذا المعنى الأخير هو ما ذهب إليه أصحاب الأفلاطونية الحديثة الذين نفوا كل معنى من معانى التعدد في ذات الواحد: وبذلك نفوا الصفات الإلهية. وهذه كلها مقدمات لا أرى فيها ما يبرر استنتاج الأستاذ مونتجومرى وات أن فصل الحجب في جملته منحول ومقحم على رسالة المشكاة، لأن الغزالى لم ينكر صفات الله في هذا الفصل وإنما أنكر كيفية إطلاقها على الله عند مختلف فرق المتكلمين والفلاسفة. فهو لم ينكر أن الله عالم قادر مريد متكلم.. الخ، ولكنه أنكر إطلاق هذه الصفات على الله على النحو الذى يطلقها عليه المشبهة. ولم ينكر أن الله نور، ولكنه أنكر أن يطلق هذا الوصف على معبود آخر كالشمس أو القمر أو الكواكب الأخرى؛ ولم ينكر أن الله قهار ولكنه أنكر أن تطلق هذه الصفة الإلهية على موجود مادى كالنار عند من يعبدونها. ولم يكن هم الغزالى وهو يتكلم عن تنزيه الله أن ينفى الشريك للبارى فقط، بل كان همه أيضاً أن يقرر الوحدة الذاتية لله. ومشكلة الصفات عند متكلمى الإسلام وفلاسفتهم هى مشكلة الوحدة الذاتية الإلهية. ثم إن "وات" لم ينتبه إلى أن الغزالى في هذا الفصل حاول أن يحل مشكلة الصفات على أساس صوفي بعد أن بحثها من الوجهة الكلامية والفلسفية. "فالواصلون" في اصطلاح الغزالى هم الصوفية أصحاب الذوق الذين يدركون الله إدراكاً مباشراً، ويرونه مقدساً ومنزهاً عن جميع ما يخطر ببالنا

وصفه به. أما "وات" فيقول إن الواصلين الذين يتكلم عنهم الغزالى لا يمتازون عن غيرهم من المحجوبين إلا في أنهم يأخذون بنظرية "المطاع". ثم يقول إن فصل الحجب ليس له توطئة تمهد له في الرسالة: وأى توطئة للكلام عن الحجب أقوى من ذكر النور وأنواعه ودرجاته: لأن الحجب التى تكلم عنها الغزالى حواجز تخفى هذا النور وتحول دون ظهوره وجلائه. فإذا ارتفعت الحجب بجميع أنواعها ظهر النور الإلهى القاهر وأحرقت سبحات وجه الله كل ما أدركه بصر الناظرين وبصيرتهم كما يقول الحديث. وفيم الشك في نسبة الفصل الثالث من الرسالة إلى الغزالى وهو يقرر فيها أنها مؤلفة من ثلاثة فصول - لا من فصلين، ويشير صراحة إلى حديث الحجب الذى هو موضوع الفصل الثالث، ويحيل في الفصلين الأول والثانى على الفصل الثالث، وفي الفصل الثالث عليهما؟ ومما يثبت صحة نسبة الفصل الثالث إلى الرسالة أنه ورد برمته في مخطوطة شهيد على التى كتبت سنة ٥٠٩ أى بعد وفاة المؤلف بأربع سنوات. وأخيراً نرى ابن طفيل يقتبس فقرة طويلة هامة من هذا الفصل في رسالة "حى بن يقظان" من غير أن يثير شكاً أو إشكالاً حول صحة نسبته إلى الغزالى. فالشواهد كلها مجمعة على أن فصل الحجب في رسالة المشكاة جزء أصيل منها متمم للفصلين السابقين عليه، وأنه من حيث المادة والأسلوب متمش مع بقية الرسالة غير مقحم عليها.

خاتمة

على أن فصل الحجب في رسالة المشكاة جزء أصيل منها متمم للفصلين السابقين عليه، وأنه من حيث المادة والأسلوب متمش مع بقية الرسالة غير مقحم عليها.

خاتمة

ظهر مما ذكرنا من تحليل لمضمون رسالة "مشكاة الأنوار" أننا بإزاء عمل فلسفى له قيمته وطابعه المميز، وأنها بمثابة اللّبنة التى يمكن أن يضاف إليها لَبِنات أخرى ليتألف منها مذهب فلسفى كامل ومتناسق. ومعنى هذا أن الغزالى الذى كثيراً ما وصف بأنه هادم الفلسفة، كانت له فلسفة - كما كان لغيره ممن ظهروا بعده فلسفة، ولكنها كانت من نوع جديد. كانت الفلسفة المشائية العربية - أى الفلسفة الأرسطية المنصبغة بصبغة الأفلاطونية الحديثة - قد استنفدت جميع أغراضها قبل الغزالى. وكانت قد بلغت ذروتها في مؤلفات الشيخ أبى على بن سينا ومدرسته بحيث لم يكن مقدراً لها إلا الهبوط والتراجع، والتخلى عن مكانها لغيرها من المذاهب في الميدان الفكرى الإسلامى. ولم تكن الطعنة التى وجهها الغزالى لهذه الفلسفة - ممثلة في كتابات ابن سينا خاصة - إلا عاملاً جديداً زاد من سرعة هذا الهبوط. كان لا بد للفكر الفلسفى الإسلامى أن يشق لنفسه طريقاً آخر غير الطريق المشائى؛ طريقاً يمكن أن ينفذ المفكر من خلاله إلى صميم نفسه ودينه، ويتحول فيه من النظر إلى العالم نظرة موضوعية إلى النظر إلى النفس نظرة ذاتية؛ ويتحول من عالم المادة والأجرام الكثيفة إلى عالم النور والأكوان اللطيفة. وكان هذا الطريق هو طريق الإشراق الذى وضع أفلاطون اليونانى وفلاسفة إيران أصوله الأولى. في هذا الطريق الجديد سارت الفلسفة الإسلامية وأنتجت نتاجاً خصباً رائعاً لا يقل في هاتين الصفتين عن إنتاجها في العصر المشائى. ولا ينكر هذا الجانب من التفكير الإسلامى، ويدعى أن الفلسفة الإسلامية لم تقم لها قائمة بعد ابن سينا، إلا من يقصر الفلسفة الإسلامية -

في العصر المشائى. ولا ينكر هذا الجانب من التفكير الإسلامى، ويدعى أن الفلسفة الإسلامية لم تقم لها قائمة بعد ابن سينا، إلا من يقصر الفلسفة الإسلامية -

دون مبرر - على الفلسفة المشائية التى يمثلها الفارابى وابن سينا. وهو إذ يفعل ذلك، لا يعترف بالخصب والعمق والأصالة التى يتميز بها التفكير الفلسفى الصوفى الذى نراه واضحاً في مؤلفات الغزالى وشهاب الدين السهروردى الحلبى ومحيي الدين بن عربي وأمثالهم. ولعل الغزالى كان أسبق فيلسوف إسلامى إلى الأخذ بمذهب الإشراق الذى نرى أثره واضحاً في رسالة "مشكاة الأنوار"؛ فإن تمييزه بين النور والظلمة، وبين عالم الأنوار وعالم الظلمات، هو المحور الذى تدور حوله هذه الرسالة؛ وهو تمييز أساسى في فلسفة إيران القديمة على نحو ما وردت في كتاب الأبستاق Avesta، وكذلك في الفلسفة الأفلاطونية الحديثة. ولكن الغزالى لم يبن على هذه التفرقة مذهباً ثنوياً في طبيعة الوجود كما بنى ثنوية الفرس؛ بل على العكس نقض مذهبهم في المشكاة وغيرها، واعتبرهم في جملة المحجوبين. ولعله ومن سبقه من كبار متصوفة الإسلام كانوا أكثر تأثراً فيما قالوه عن النور والإدراك الذوقي المنبعث من العالم النورانى بالأفلاطونية الحديثة التى وردت إليهم ملخصة في كتاب الربوبية المنسوب خطأ إلى أرسطو. وفي رسالة "مشكاة الأنوار" نواة لمذهب فلسفى إشراقي أهم جوانبه الجانب الأنطولوجى الذى يشرح ماهية الوجود، والأبستمولوجى الذى يشرح ماهية المعرفة. والسيكولوجى الذى يشرح ماهية النفس، وإن كان الجانب الأول هو الغالب عليها. بهذا سبق الغزالى كبار فلاسفة الإشراق المتأخرين من أمثال السهروردى الحلبى وقطب الدين الشيرازى ومهد أمامهم الطريق إلى فلسفة إشراقية كاملة مفصلة؛ وعلى الأخص في النواحى التى تتصل بالمعرفة والنفس كما تدل عليه عبارة قطب الدين الشيرازى في مقدمة شرحه على "حكمة الإشراق" للسهروردى فإنه يقول إن حكمة الإشراق هى "الحكمة المؤسسة على الإشراق الذى هو الكشف، أو حكمة المشارقة الذين هم أهل فارس، وهو أيضاً يرجع إلى

الأوَل: لأن حكمتهم كشفية ذوقية فنسبت إلى الإشراق الذى هو ظهور الأنوار العقلية ولمعانها وفيضانها بالإشراقات على النفوس عند تجردها. وكان اعتماد الفارسيين في الحكمة على الذوق والكشف. وكذا قدماء يونان خلا أرسطو وشيعته فإن اعتمادهم كان على البحث والبرهان لا غير".

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم. رب أنعمت فزدْ بفضلك الحمد لله فائض الأنوار وفاتح الأبصار. وكاشف الأسرار ورافع الأستار. والصلاة على محمد نور الأنوار وسيد الأبرار وحبيب الجبار وبشير الغفّار ونذير القهاّر، وقامع الكفار وفاضح الفجّار؛ وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين الأخيار. أما بعد فقد سألتنى أيها الأخ الكريم قيّضك الله لطلب السعادة الكبرى، ورشحك للعروج إلى الذروة العليا، وكحَّل بنور الحقيقة بصيرتك، ونقّى عمّا سوى الحق سريرتك، أن أبث إليك أسرار الأنوار الإلهية مقرونة بتأويل ما يشير إليه ظواهر الآيات المتلوة والأخبار المروية مثل قوله تعالى ﴿الله نُورُ السماوات والأرض﴾ ومعنى تمثيله ذلك بالمشكاة والزجاجة والمصباح والزيت والشجرة، مع قوله ﵇ "إن لله سبعين حجاباً من نور وظلمة وأنه لو كشفها لأحرقت سبحاتُ وجهه كل من أدركه بصره". ولقد ارتقيت بسؤالك مرتقىً صعباً تنخفض دون أعاليه أعين الناظرين؛ وقرعْت باباً مغلقاً لا يُفتَح إلا للعلماء الراسخين. ثم ليس كل سر يُكشَف ويُفشى، ولا كل حقيقة تعرض وتُجلَى؛ بل صدور الأحرار قبور الأسرار. ولقد قال بعض العارفين "إفشاء سر الربوبية كفر". بل قال سيد

سخين. ثم ليس كل سر يُكشَف ويُفشى، ولا كل حقيقة تعرض وتُجلَى؛ بل صدور الأحرار قبور الأسرار. ولقد قال بعض العارفين "إفشاء سر الربوبية كفر". بل قال سيد

الأولين والأخرين صلى الله عليه [وسلم] "إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله. فإذا نطقوا به لم ينكره إلا أهل الغِرّة بالله، ومهما كثر أهل الاغترار وجب حفظ الأسرار على وجه الإسرار". لكنى أراك مشروح الصدر بالله بالنور، منزه السر عن ظلمات الغرور (و ٢ - ا) فلا أشح عليك في هذا الفن بالإشارة إلى لوامع ولوائح؛ والرمز إلى حقائق ودقائق. فليس الخوف في كف العلم عن أهله بأقل منه في بثه إلى غير أهله. فمن مَنَحَ الجّهال علماً أضاعه ... ومن مَنَع المستوجبين فقد ظلم فاقنع بإشارات مختصرة وتلويحات موجزة؛ فإن تحقيق القول فيه يستدعى تمهيد أصول وشرح فصول ليس يتسع الآن لها وقتى، وليس ينصرف إليه همى وفكرتى. ومفاتيح القلوب بيد الله يفتحها إذا شاء كما شاء بما يشاء. وإنما الذى ينفتح في الوقت فصول ثلاثة.

الفصل الأول: في بيان أن النور الحق هو الله تعالى وأن اسم النور لغيره مجاز محض لا حقيقه له

وبيانه بأن يعرف معنى النور بالوضع الأول عند العوام، ثم بالوضع الثانى عند الخواص، ثم بالوضع الثالث عند خواص الخواص. ثم تعرف درجات الأنوار المذكورة المنسوبة إلى خواص الخواص وحقائقها لينكشف لك عند ظهور درجاتها أن الله تعالى هو النور الأعلى الأقصى، وعند انكشاف حقائقها أنه النور الحق الحقيقى وحده لا شريك له فيه. أما الوضع الأول عند العامى فالنور يشير إلى الظهور، والظهور أمر إضافي: إذ يظهر الشىء لا محالة لإنسان ويبطن عن غيره: فيكون ظاهراً بالإضافة وباطناً بالإضافة. وإضافة ظهوره إلى الإدراكات لا محالة. وأقوى الإدراكات وأجلاها عند العوام الحواسُّ، ومنها حاسة البصر. والأشياء بالإضافة إلى الحس البصرى ثلاثة أقسام: منها ما لا يبصر بنفسه كالأجسام المظلمة. (و ٢ـ ب) ومنها ما يبصَر بنفسه ولا يبصَر به غيره كالأجسام المضيئة كالكواكب وجمرة النار إذا لم تكن مشتعلة.

ام: منها ما لا يبصر بنفسه كالأجسام المظلمة. (و ٢ـ ب) ومنها ما يبصَر بنفسه ولا يبصَر به غيره كالأجسام المضيئة كالكواكب وجمرة النار إذا لم تكن مشتعلة.

ومنها ما يبصَر بنفسه ويبصَر به أيضاً غيره كالشمس والقمر والسراج والنيران المشتعلة. والنور اسم لهذا القسم الثالث. تم تارة يطلق على ما يفيض من الأجسام على ظواهر الأجسام الكثيفة، فيقال استنارت الأرض ووقع نور الشمس على الأرض ونور السراج على الحائط والثوب. وتارة يطلق على نفس هذه الأجسام المشرقة لأنها أيضاً في نفسها مستنيرة. وعلى الجملة فالنور عبارة عما يبصَر بنفسه ويبصَر به غير كالشمس. هذا حده وحقيقته بالوضع الأول. دقيقة لما كان سر النور وروحه هو الظهور للإدراك، وكان الإدراك موقوفاً على وجود النور وعلى وجود العين الباصرة أيضاً: إذ النور هو الظاهر المظهِر؛ وليس شىء من الأنوار ظاهراً في حق العميان ولا مظهراً. فقد تساوى الروح الباصرة والنور الظاهر في كونه ركناً لا بد منه للإدراك ثم ترجّح عليه في أن الروح الباصرة هى المدركة وبها الإدراك. وأما النور فليس بمدرك ولا به الإدراك، بل عنده الإدراك. فكان اسم النور بالنور الباصر أحق منه بالنور المبصَر. وأطلقوا اسم النور على نور العين المبصرة فقالوا في الخفّاش إن نور عينه ضعيف، وفي الأعمش إنه ضعيف نور بصره، وفي الأعمى إنه فقد نور البصر، وفي السواد إنه يجمع نور البصر ويقويه، وإن الأجفان إنما خصتها الحكمة الإلهية بلون السواد وجعل العين محفوفة بها لتجمع ضوء

العين. وأما البياض فيفرق ضوء العين ويضعف نوره، حتى إن إدامة النظر إلى البياض المشرق، بل إلى نور الشمس يبهر نور العين ويمحقه كما ينمحق الضعيف في جنب القوى. فقد عرفت بهذا أن (و ٣ـ ا) الروح الباصر سمى نوراً، وأنه لم سمّى نوراً، وأنه لِمَ كان بهذا الاسم أولى. وهذا هو الوضع الثانى وهو وضع الخواص. دقيقة إعلم أن نور بصر العين موسوم بأنواع النقصان: فإنه يبصر غيره ولا يبصر نفسه، ولا يبصر ما بَعُد منه، ولا يبصر ما هو وراء حجاب. ويبصر من الأشياء ظاهرها دون باطنها؛ ويبصر من الموجودات بعضها دون كلها. ويبصر أشياء متناهية ولا يبصر ما لا نهاية له. ويغلط كثيراً في إبصاره: فيرى الكبير صغيراً والبعيد قريباً والساكن متحركاً والمتحرك ساكناً. فهذه سبع نقائص لا تفارق العين الظاهرة. فإن كان في الأعين عين منزهة عن هذه النقائص كلها فليت شعرى هل هو أولى باسم النور أم لا؟ واعلم أن في قلب الإنسان عيناً هذه صفة كمالها وهى التى يعبّر عنها تارة بالعقل وتارة بالروح وتارة بالنفس الإنسانى. ودعْ عنك العبارات فإنها إذا كثرت أوهَمَت عند ضعيف البصيرة كثرة المعانى. فنعنى به المعنى الذى يتميز به العاقل عن الطفل الرضيع وعن البهيمة وعن المجنون. ولنسمه "عقلاً" متابعة للجمهور في الاصطلاح فنقول:

البصيرة كثرة المعانى. فنعنى به المعنى الذى يتميز به العاقل عن الطفل الرضيع وعن البهيمة وعن المجنون. ولنسمه "عقلاً" متابعة للجمهور في الاصطلاح فنقول:

العقل أولى بأن يسمى نوراً من العين الظاهرة لرفعة قدره عن النقائص السبع وهو أن العين لا تبصر نفسها، والعقل يدرك غيره ويدرك صفات نفسه: إذ يدرك نفسه عالماً وقادراً: ويدرك علم نفسه ويدرك علمه بعلم نفسه وعلمه بعلمه بعلم نفسه إلى غير نهاية. وهذه خاصية لا تتصور لما يدرك بآلة الأجسام. ووراءه سر يطول شرحه. والثانى أن العين لا تبصر ما بَعُد منها ولا ما قرب منها قرباً مفرطاً: والعقل يستوى عنده القريب والبعيد: يعرج في تطريفة إلى أعلى السماوات رقياً، وينزل في لحظة إلى تخوم الأرضين هوِياً. بل إذا حقت الحقائق (و ٣ـ ب) يكشف أنه منزه عن أن تحوم بجنبات قدسه معانى القرب والبعد الذى يفرض بين الأجسام، فإنه أنموذج من نور الله تعالى، ولا يخلو الأنموذج عن محاكاة، وإن كان لا يرقي إلى ذروة المساواة. وهذا ربما هزك للتفطن لسر قوله ﵇ "إن الله خلق آدم على صورته" فلست أرى الخوض فيه الآن. الثالث أن العين لا تدرك ما وراء الحجب، والعقل يتصرف في العرش والكرسى وما وراء حجب السماوات، وفي الملأ الأعلى والملكوت الأسمى كتصرفه في عالمه الخاص ومملكته القريبة أعنى بدنه الخاص. بل الحقائق كلها لا تحتجب عن العقل. وأما حجاب العقل حيث يحجب فمن نفسه لنفسه

Bagian 1 dari 3