— Bagian 2 · لى والملكوت الأسمى كتصرفه في عالمه الخاص ومملكته… —
Bagian 2
لى والملكوت الأسمى كتصرفه في عالمه الخاص ومملكته القريبة أعنى بدنه الخاص. بل الحقائق كلها لا تحتجب عن العقل. وأما حجاب العقل حيث يحجب فمن نفسه لنفسه
بسبب صفات هى مقارنة له تضاهى حجاب العين من نفسه عند تغميض الأجفان. وستعرف هذا في الفصل الثالث من الكتاب. الرابع أن العين تدرك من الأشياء ظاهرها وسطحها الأعلى دون باطنها؛ بل قوالبها وصورها دون حَقائقها. والعقل يتغلغل إلى بواطن الأشياء وأسرارها ويدرك حقائقها وأرواحها، ويستنبط سببها وعلتها وغايتها وحكمتها، وأنها ممّ خلق، وكيف خلق، ولِم خلق، ومِن كم معنى جمع وركّب، وعلى أى مرتبة في الوجود نزل، وما نسبته إلى خالقها وما نسبتها إلى سائر مخلوقاته، إلى مباحث أُخر يطول شرحها نرى الإيجاز فيها أولى. الخامس أن العين تبصر بعض الموجودات إذ تقصر عن جميع المعقولات وعن كثير من المحسوسات: إذ لا تدرك الأصوات والروائح والطعوم والحرارة والبرودة والقوى المدركة: أعنى (و ٤ـ ا) قوة السمع والبصر والشم والذوق، بل الصفات الباطنة النفسانية كالفرح والسرور والغم والحزن والألم واللذة والعشق والشهوة والقدرة والإرادة والعلم إلى غير ذلك من موجودات لا تحصى ولا تعد؛ فهو ضيق المجال مختصر المجرى لا تسعه مجاوزة الألوان والأشكال وهما أخس الموجودات: فإن الأجسام في أصلها أخس أقسام الموجودات، والألوان والأشكال من أخس أعراضها. فالموجودات كلها مجال العقل؛ إذ يدرك هذه الموجودات التى عددناها
لموجودات: فإن الأجسام في أصلها أخس أقسام الموجودات، والألوان والأشكال من أخس أعراضها. فالموجودات كلها مجال العقل؛ إذ يدرك هذه الموجودات التى عددناها
وما لم نعدّها، وهو الأكثر: فيتصرف في جميعها ويحكم عليها حكماً يقينياً صادقاً. فالأسرار الباطنة عنده ظاهرة، والمعانى الخفية عنده جلية. فمن أين للعين الظاهرة مساماته ومجاراته في استحقاق اسم النور؟ كلا إنها نور بالإضافة إلى غيرها؛ لكنها ظلمة بالإضافة إليه. بل هى جاسوس من جواسيسه؛ وكله بأخس خزائنه وهى خزانة الألوان والأشكال لترفع إلى حضرته أخبارها فيقضى فيها بما يقتضيه رأيه الثاقب وحكمه النافذ. والحواس الخمس جواسيسه. وله في الباطن جواسيس سواها من خيال ووهم وفكر وذكر وحفظ؛ ووراءهم خدم وجنود مسخرة له في عالمه الخاص يستسخرهم ويتصرف فيهم استسخار الملك عبيده بل أشد. وشرح ذلك يطول. وقد ذكرناه في كتاب "عجائب القلب" من كتب الإحياء. السادس أن العين لا تبصر ما لا نهاية له، فإنها تبصر صفات الأجسام والأجسام لا تتصور إلا متناهية. والعقل يدرك المعلومات؛ والمعلومات لا يتصور أن تكون متناهية. نعم إذا لاحظ العلوم المفصلة فلا يكون الحاضر الحاصل عنده إلا متناهياً. لكن في قوته إدراك ما لا نهاية له. وشرح ذلك يطول. (و ٤ـ ب) فإن أردت له مثالاً فخذه من الجليات، فإنه يدرك الأعداد ولا نهاية لها؛ بل يدرك تضعيفات الاثنين والثلاثة وسائر الأعداد ولا يتصور لها نهاية. ويدرك أنواعاً من النسب بين الأعداد لا يتصور التناهى عليها: بل يدرك علمه بالشىء وعلمه بعلمه بالشىء،
وعلمه بعلمه بعلمه. فقوته في هذا الواحد لا تقف عند نهاية. السابع أن العين تبصر الكبير صغيراً. فترى الشمس في مقدار مَجنّ والكواكب في صور دنانير منثورة على بساط أزرق. والعقل يدرك أن الكواكب والشمس أكبر من الأرض أضعافاً مضاعفة؛ والعين ترى الكواكب ساكنة، بل ترى الظل بين يديه ساكناً. وترى الصبى ساكناً في مقداره، والعقل يدرك أن الصبى متحرك في النشوء والتزايد على الدوام. والظل متحرك دائماً، والكواكب تتحرك في كل لحظة أميالاً كثيرة كما قال صلى الله عليه لجبريل ﵇: "أزالت الشمس"؟ فقال لا: نعم! قال كيف؟ قال "منذ قلت، لا إلى أن قلت، نعم،: قد تحرك مسيرة خمسمائة سنة". وأنواع غلط البصر كثيرة، والعقل منزه عنها. فإن قلت: نرى العقلاء يغلطون في نظرهم فاعلم أن فيهم خيالات وأوهاماً واعتقادات يظنون أحكامها أحكام العقل؛ فالغلط منسوب إليها. وقد شرحنا مجامعها في كتاب "معيار العلم" وكتاب "محك النظر". فأما العقل إذا تجرد عن غشاوة الوهم والخيال لم يتصور أن يغلط؛ بل رأى الأشياء على ما هى عليه، وفي تجريده عسر عظيم. وإنما يكمل تجرده عن هذه النوازع بعد الموت، وعند ذلك ينكشف الغطاء وتنجلى الأسرار
م يتصور أن يغلط؛ بل رأى الأشياء على ما هى عليه، وفي تجريده عسر عظيم. وإنما يكمل تجرده عن هذه النوازع بعد الموت، وعند ذلك ينكشف الغطاء وتنجلى الأسرار
ويصادف كل أحد ما قدم من خير أو شرُ محضّراً؛ ويشاهد كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وعنده يقال (و ٥ـ ا) ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ﴾ . وإنما الغطاء غطاء الخيال والوهم وغيرهما؛ وعندما يقول المغرور بأوهامه واعتقاداته الفاسدة وخيالاته الباطلة ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فارجعنا نَعْمَلْ صَالِحاً﴾ الآية. فقد عرفت بهذا أن العين أولى باسم النور من النور المعروف، ثم عرفت أن العقل أولى باسم النور من العين. بل بينهما من التفاوت ما يصح معه أن يقال إنه أولى بل الحق أنه المستحق للاسم دونه. دقيقة اعلم أن العقول وإن كانت مبصرة، فليست المبصرات كلها عندها على وتيرة واحدة، بل بعضها يكون عندها كأنه حاضر كالعلوم الضرورية مثل علمه بأن الشىء الواحد لا يكون قديماً حادثاً ولا يكون موجوداً معدوماً، والقول الواحد لا يكون صدقاً وكذباً، وأن الحكم إذا ثبت للشىء جوازه ثبت لمثله، وأن الأخص إذا كان موجوداً كان الأعم واجب الوجود: فإذا وجد السواد فقد وجد اللون، وإذا وجد الإنسان فقد وجد الحيوان. وأما عكسه فلا يلزم في العقل، إذ لا يلزم من وجود اللون وجود السواد ولا من وجود الحيوان وجود الإنسان إلى غير ذلك من
وإذا وجد الإنسان فقد وجد الحيوان. وأما عكسه فلا يلزم في العقل، إذ لا يلزم من وجود اللون وجود السواد ولا من وجود الحيوان وجود الإنسان إلى غير ذلك من
القضايا الضرورية في الواجبات والجائزات والمستحيلات. ومنها ما لا يقارن العقلَ في كل حال إذا عرض عليه بل يحتاج إلى أن يهز أعطافه ويستورى زناده وينبه عليه بالتنبيه كالنظريات. وإنما ينبهه كلام الحكمة. فعند إشراق نور الحكمة يصير العقل مبصراً بالفعل بعد أن كان مبصراً بالقوة. وأعظم الحكمة كلام الله تعالى. ومن جملة كلامه القرآن خاصة، فتكون منزلة آيات القرآن عند عين العقل منزلة نور الشمس عند العين الظاهرة إذ به يتم الإبصار. فبالحرِىّ أن يسمى القرآن نوراً كما يسمى نور الشمس نوراً (و ٥ـ ب) فمثال القرآن نور الشمس ومثال العقل نور العين. وبهذا نفهم معنى قوله: ﴿فَآمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ والنور الذي أَنزَلْنَا﴾ ، وقوله: ﴿قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً﴾ . تكملة هذه الدقيقة فقد فهمت من هذا أن العين عينان: ظاهرة وباطنة: فالظاهرة من عالم الحس والشهادة، والباطنة من عالم آخر وهو عالم الملكوت. ولكل عين من العينين شمس ونور عنده تصير كاملة الإبصار إحداهما ظاهرة والأخرى باطنة؛ والظاهرة من عالم الشهادة وهى الشمس المحسوسة. والباطنة من عالم الملكوت وهو القرآن وكتب الله تعالى المنزلة. ومهما انكشف لك هذا انكشافاً تاماً فقد انفتح لك أول باب من أبواب الملكوت. وفي هذا العالم عجائب يستحقر بالإضافة إليها عالم الشهادة. وإن من لم يسافر إلى هذا العالم، وقعد به القصور في حضيض
د انفتح لك أول باب من أبواب الملكوت. وفي هذا العالم عجائب يستحقر بالإضافة إليها عالم الشهادة. وإن من لم يسافر إلى هذا العالم، وقعد به القصور في حضيض
عالم الشهادة فهو بهيمة بعدُ، محروم عن خاصية الإنسان؛ بل أضل من البهيمة إذا لم تسعد البهيمة بأجنحة الطيران إلى هذا العالم. ولذلك قال الله تعالى: ﴿أولائك كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ . واعلم أن الشهادة بالإضافة إلى عالم الملكوت كالقشر بالإضافة إلى اللب، وكالصورة والقالب بالإضافة إلى الروح، وكالظلمة بالإضافة إلى النور، وكالسّفل بالإضافة إلى العلو. ولذلك يسمى عالم الملكوت العالم العلوى والعالم الروحانى والعالم النورانى. وفي مقابلته السفلى والجسمانى والظلمانى. ولا تظن أنّا نعنى بالعالم العلوى السماوات فإنها علو وفوق في حق عالم الشهادة والحس، ويشارك في إدراكه البهائم. وأما العبد فلا يفتح له باب الملكوت ولا يصير ملكوتياً إلا (و ٦ـ ا) ويبدل في حقه الأرض غير الأرض والسماوات فيصير كل داخل تحت الحس والخيال أرضه ومن جملة السماوات، وكل ما ارتفع عن الحس فسماؤه. وهذا هو المعراج الأول لكل سالك ابتدأ سفره إلى قرب الحضرة الربوبية. فالإنسان مردود إلى أسفل السافلين، ومنه يترقي إلى العالم الأعلى. وأما الملائكة فإنهم جملة عالم الملكوت عاكفون في حضرة القدوس، ومنها يشرفون إلى العالم
الأسفل. ولذلك قال ﵇ "إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم أفاض عليهم من نوره" وقال: "إن لله ملائكة هو أعلم بأعمال الناس منهم". والأنبياء إذا بلغ معراجهم المبلغ الأقصى وأشرفوا منه إلى السفل ونظروا من فوق إلى تحت اطلعوا أيضاً على قلوب العباد وأشرفوا على جملة من علوم الغيب: إذ من كان في عالم الملكوت كان عند الله تعالى - ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب﴾ - أى من عندها تنزل أسباب الموجودات في عالم الشهادة؛ وعالم الشهادة أثر من آثار ذلك العالم، يجرى منه مجرى الظل بالإضافة إلى الشخص، ومجرى الثمرة بالإضافة إلى المثمر، والمسبب بالإضافة إلى السبب. ومفاتيح معرفة المسببات لا توجد إلا من الأسباب؛ ولذلك كان عالم الشهادة مثالاً لعالم الملكوت كما سيأتى في بيان المشكاة والمصباح والشجرة: لأن المسبب لا يخلو عن موازاة السبب ومحاكاته نوعاً من المحاكاة على قرب أو على بعد. وهذا لأن له غوْراً عميقاً. ومن اطلع على كنه حقيقته انكشف له حقائق أمثلة القرآن على يسر. دقيقة ترجع إلى حقيقة النور فنقول إن كان ما يبصر نفسه وغيره أولى باسم النور، فإن كان من جملة ما يبصر (به) غيره أيضاً مع أنه يبصر نفسه وغيره، فهو أولى، باسم النور من (و ٦ـ ب) الذى لا يؤثر في غيره أصلاً، بل بالحرِىّ أن يسمى سراجاً منيراً لفيضان أنواره على غيره. وهذه الخاصية توجد
نفسه وغيره، فهو أولى، باسم النور من (و ٦ـ ب) الذى لا يؤثر في غيره أصلاً، بل بالحرِىّ أن يسمى سراجاً منيراً لفيضان أنواره على غيره. وهذه الخاصية توجد
للروح القدسى النبوى إذ تفيض بواسطته أنواع المعارف على الخلائق. وبهذا نفهم معنى تسمية الله محمد ﵇ سراجاً منيراً. والأنبياء كلهم سُرُج، وكذلك العلماء، ولكن التفاوت بينهم لا يحصى. دقيقة إذا كان اللائق بالذى يستفاد منه نور الإبصار أن يسمى سراجاً منيراً فالذى يقتبس منه السراج في نفسه جدير بأن يكنى عنه بالنار. وهذه السرج الأرضية إنما تقتبس في أصلها من أنوار علوية. فالروح القدسى النبوى يكاد زيته يضىء ولو لم تمسسه نار. ولكن إنما يصير نوراً على نور إذا مسته النار. وبالحرِىّ أن يكون مقتَبَس الأرواح الأرضية هى الروح الإلهية العلوية التى وصفها على وابن عباس رضى الله عنهما فقالا: "إن لله ملَكاً له سبعون ألف وجه في كل وجه سبعون ألف لسان يسبح الله بجميعها" وهو الذي قوبل بالملائكة كلهم فقيل يوم القيامة ﴿يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً﴾ فهى إذا اعتبرت من حيث يقتبس منها السّرُج الأرضية لم يكن لها مثال إلا النار، وذلك لا يؤانس إلا من جانب الطور.
﴿يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً﴾ فهى إذا اعتبرت من حيث يقتبس منها السّرُج الأرضية لم يكن لها مثال إلا النار، وذلك لا يؤانس إلا من جانب الطور.
دقيقة الأنوار السماوية التى تقتبس منها الأنوار الأرضية إن كان لها ترتيب بحيث يقتبس بعضها من بعض، فالأقرب من المنبع الأول أولى باسم النور لأنه أعلى رتبة. ومثال ترتيبه في عالم الشهادة لا تدركه إلا بأن يفرض ضوءُ القمر داخلاً في كوة بيت واقعاً على مرآة منصوبة على حائط، ومنعكساً منها إلى حائط آخر في مقابلتها، ثم منعطفاً منه إلى الأرض بحيث تستنير الأرض. فأنت تعلم أن ما على الأرض من النور تابع لما على الحائط (و ٧ـ ا) وما على الحائط تابع لما على المرآة، وما على المرآة تابع لما في القمر، وما في القمر تابع لما في الشمس: إذ منها يشرق النور على القمر. وهذه الأنوار الأربعة مرتبة بعضها أعلى وأكمل من بعض، ولكل واحد مقام معلوم ودرجة خاصة لا يتعداها. فاعلم أنه قد انكشف لأرباب البصائر أن الأنوار الملكوتية إنما وجدت على ترتيب كذلك، وأن المقرّب هو الأقرب إلى النور الأقصى. فلا يبعد أن تكون رتبة إسرافيل فوق رتبة جبريل، وأن فيهم الأقرب لقرب درجته من حضرة الربوبية التى هى منبع الأنوار كلها، وأن فيهم الأدنى، وبينهما درجات تستعصى على الإحصاء. وإنما المعلوم كثرتهم وترتيبهم في مقاماتهم وصفوفهم، وأنهم كما وصفوا به أنفسهم إذا قالوا: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصآفون * وَإِنَّا لَنَحْنُ المسبحون﴾ .
. وإنما المعلوم كثرتهم وترتيبهم في مقاماتهم وصفوفهم، وأنهم كما وصفوا به أنفسهم إذا قالوا: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصآفون * وَإِنَّا لَنَحْنُ المسبحون﴾ .
دقيقة إذا عرفت أن الأنوار لها ترتيب فاعلم أنه لا يتسلسل إلى غير نهاية، بل يرتقى إلى منبع أول هو النور لذاته وبذاته، ليس يأتيه نور من غيره. ومنه تشرق الأنوار كلها على ترتيبها. فانظر الآن اسم النور أحق وأولى بالمستنير المستعير نوره من غيره، أو بالنّير في ذاته المنير لكل ما سواه؟ فما عندى أنه يخفى عليك الحق فيه. وبه يتحقق أن اسم النور أحق بالنور الأقصى الأعلى الذى لا نور فوقه، ومنه ينزل النور إلى غيره. حقيقة بل أقول ولا أبالى إن اسم النور على غير النور الأول مجاز محض: إذ كل ما سواه إذا اعتبر ذاته فهو في ذاته من حيث ذاته لا نور له: بل نورانيته مستعارة من غيره ولا قوام لنورانيته المستعارة بنفسها، بل بغيرها. ونسبة المستعار إلى المستعير مجاز محض. أفَتَرَى أن من استعار ثياباً وفرساً ومركباً وسرجاً، وركبه في الوقت الذى أركبه المُعيِر، وعلى الحد الذى رسمه، غنى بالحقيقة أو بالمجاز؟ وأن المعير هو الغنى أو المستعير؟ كلا، بل المستعير فقير في نفسه (و ٧ـ ب) كما كان. وإنما الغنى هو المعير الذى منه الإعارة والإعطاء، وإليه الاسترداد والانتزاع. فإذن النور الحق هو الذى بيده الخلق والأمر، ومنه الإنارة أولاً والإدامة ثانياً. فلا شركة لأحد معه في حقيقة هذا الاسم ولا في استحقاقه إلا من حيث يسميه به ويتفضل عليه بتسميته تفضل المالك على عبده إذا أعطاه مالاً ثم سماه مالكاً. وإذا انكشف للعبد الحقيقة علم أنه وماله لمالكه على التفرد لا شريك له فيه أصلاً وألبتة.
حقيقة مهما عرفت أن النور يرجع إلى الظهور والإظهار ومراتبه، فاعلم أنه لا ظلمة أشد من كتم العدم: لأن المظلم سمى مظلماً لأنه ليس للإبصار إليه وصول، إذ ليس يصير موجوداً للبصير مع أنه موجود في نفسه. فالذى ليس موجوداً لا لغيره ولا لنفسه كيف لا يستحق أن يكون هو الغاية في الظلمة؟ وفي مقابلته الوجود فهو النور: فإن الشىء ما لم يظهر في ذاته لا يظهر لغيره. والوجود ينقسم إلى ما للشىء من ذاته وإلى ماله من غيره. وماله الوجود من غيره فوجوده مستعار لا قوام له بنفسه. بل اعتُبر ذاته من حيث ذاته فهو عدم محض. وإنما هو موجود من حيث نسبته إلى غيره، وذلك ليس بوجود حقيقى كما عرفت في مثال استعارة الثوب والغِنَى. فالموجود الحق هو الله تعالى، كما أن النور الحق هو الله تعالى. حقيقة الحقائق من هنا ترقي العارفون من حضيض المجاز إلى يفاع الحقيقة، واستكملوا معراجهم فرأوا بالمشاهدة العيانية أن ليس في الوجود إلا الله تعالى، وأن ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ لا أنه يصير هالكاً في وقت من الأوقات؛ بل هو هالك أزلاً وأبداً لا يتصور إلا كذلك؛ فإن كل شىء سواه إذا اعتُبِر ذاته من حيث ذاته فهو عدم محض؛ وإذا اعتبر من الوجه الذى
كاً في وقت من الأوقات؛ بل هو هالك أزلاً وأبداً لا يتصور إلا كذلك؛ فإن كل شىء سواه إذا اعتُبِر ذاته من حيث ذاته فهو عدم محض؛ وإذا اعتبر من الوجه الذى
يسرى إليه الوجود من الأول الحق رؤى موجوداً لا في ذاته لكن من الوجه الذى يلى موجده (و ٨ـ ا) ، فيكون الموجود وجه الله تعالى فقط. فلكل شىء وجهان: وجه إلى نفسه ووجه إلى ربه؛ فهو باعتبار وجه نفسه عدم وباعتبار وجه الله تعالى موجود. فإذن لا موجود إلا الله تعالى ووجهه. فإذن كل شىء هالك إلا وجهه أزلاً وأبداً. ولم يفتقر هؤلاء إلى يوم القيامة ليسمعوا نداء البارى تعالى ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ . بل هذا النداء لا يفارق سمعهم أبداً. ولم يفهموا من معنى قوله "الله أكبر" أنه أكبر من غيره، حاش لله، إذ ليس في الوجود معه غيره حتى يكون أكبر منه؛ بل ليس لغيره رتبة المعية، بل رتبة التبعية. بل ليس لغيره وجود إلا من الوجه الذى يليه. فالموجود وجهه فقط. ومحال أن يقال إنه أكبر من وجهه. بل معناها أنه أكبر من أن يقال له أكبر بمعنى الإضافة والمقايسة، وأكبر من أن يدرك غيره كنه كبريائه، نبّياً كان أو مَلَكاً. بل لا يعرف الله كنه معرفته إلا الله. بل كل معروف داخل في سلطة العارف واستيلائه دخولاً مّا؛ وذلك ينافي الجلال والكبرياء. وهذا له تحقيق ذكرناه في كتاب "المقصد الأسنى في معانى أسماء الله الحسنى".
عروف داخل في سلطة العارف واستيلائه دخولاً مّا؛ وذلك ينافي الجلال والكبرياء. وهذا له تحقيق ذكرناه في كتاب "المقصد الأسنى في معانى أسماء الله الحسنى".
إشارة العارفون - بعد العروج إلى سماء الحقيقة - اتفقوا على أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق. لكن منهم من كان له هذه الحال عرفاناً علمياً، ومنهم من صار له ذلك حالاً ذوقياً. وانتفت عنهم الكثرة بالكلية واستغرقوا بالفردانية المحضة واستوفيت فيها عقولهم فصاروا كالمبهوتين فيه ولم يبق فيهم متسع لا لذكر غير الله ولا لذكر أنفسهم أيضاً. فلم يكن عندهم إلا الله، فسكروا سكراً دفع دونه سلطان عقولهم، فقال أحدهم "أنا الحق" وقال الآخر "سبحانى ما أعظم شانى! " وقال آخر "ما في الجبة إلا الله". وكلام العشاق في حال السكر يُطوَى ولا يحكى. فلما خف عنهم سكرهم وردوا إلى سلطان العقل الذى هو ميزان الله في أرضه، عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد بل شبه الاتحاد مثل قول العاشق في حال فرط عشقه "أنا من أهوى ومن أهوى أنا" (و ٨ـ ب) ولا يبعد أن يفاجىء الإنسان مرآة فينظر فيها ولم ير المرآة قط، فيظن أن الصورة التى رآها هى صورة المرآة متحدة بها، ويرى الخمر في الزجاج فيظن أن الخمر لون الزجاج. وإذا صار ذلك عنده مألوفاً ورسخ فيه قدمه استغفر وقال: رق الزجاج وراقت الخمر ... فتشابها فتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر وفرق بين أن يقول: الخمر قدح، وبين أن يقول: كأنه قدح. وهذه الحالة إذا غلبت سميت بالإضافة إلى صاحب الحالة "فناء"، بل "فناء
الفناء": لأنه فنى عن نفسه وفنى عن فنائه، فإنه ليس يشعر بنفسه في تلك الحال ولا بعدم شعوره بنفسه. ولو شعر بعدم شعوره بنفسه لكان قد شعر بنفسه. وتسمى هذه الحالة بالإضافة إلى المستغرق به بلسان المجاز اتحاداً أو بلسان الحقيقة توحيداً. ووراء هذه الحقائق أيضاً أسرار يطول الخوض فيها.
د شعر بنفسه. وتسمى هذه الحالة بالإضافة إلى المستغرق به بلسان المجاز اتحاداً أو بلسان الحقيقة توحيداً. ووراء هذه الحقائق أيضاً أسرار يطول الخوض فيها.
خاتمة لعلك تشتهى أن تعرف وجه إضافة نوره إلى السماوات والأرض؛ بل وجه كونه في ذاته نور السماوات والأرض، فلا ينبغى أن يخفى ذلك عليك بعد أن عرفت أنه النور ولا نور سواه وأنه كل الأنوار، وأنه النور الكلى، لأن النور عبارة عما ينكشف به الأشياء، وأعلى منه ما ينكشف به وله، وأعلى منه ما ينكشف به وله ومنه، وأن الحقيقى منه ما ينكشف به وله ومنه وليس فوقه نور منه اقتباسه واستمداده: بل ذلك له في ذاته من ذاته لذاته لا من غيره. ثم عرفت أن هذا لن يتصف به إلا النور الأول. ثم عرفت أن السماوات والأرض مشحونة نوراً من طبقتى النور: أعنى المنسوب إلى البصر والبصيرة: أى إلى الحس والعقل. أما البصرى فما نشاهده في السماوات من الكواكب والشمس والقمر، وما نشاهده في الأرض من الأشعة المنبسطة على (و ٩ـ ا) كل ما على الأرض حتى ظهرت به الألوان المختلفة خصوصاً في الربيع، وعلى كل حال في الحيوانات والمعادن وأصناف الموجودات. ولولاها لم يكن للألوان ظهور، بل وجود. ثم سائر ما يظهر للحس من الأشكال والمقادير يدرَك تبعاً للألوان ولا يتصور إدراكها إلا بواسطتها. وأما الأنوار العقلية المعنوية فالعالم الأعلى مشحون بها، وهى جواهر الملائكة، والعالم الأسفل مشحون بها وهى الحياة الحيوانية ثم الإنسانية. وبالنور الإنسانى السفلى ظهر نظام عالم السفل كما بالنور الملكى ظهر نظام عالم العلو. وهو المعنىّ بقوله ﴿أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض واستعمركم فِيهَا﴾ وقال تعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض﴾ وقال: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الأرض﴾ ، وقال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً﴾ .
فإذا "عرفت هذا عرفت أن العالم بأسره مشحون بالأنوار الظاهرة البصرية والباطنة العقلية، ثم عرفت أن السفلية فائضة بعضها من بعض فيضان النور من السراج وأن السراج هو الروح النبوى القدسى، وأن الأرواح النبوية القدسية مقتبسة من الأرواح العلوية اقتباس السراج من النور؛ وأن العلويات بعضها مقتبسة من البعض، وأن ترتيبها ترتيب مقامات. ثم ترقي جملتها إلى نور الأنوار ومعدنها ومنبعها الأول؛ وأن ذلك هو الله تعالى وحده لا شريك له، وأن سائر الأنوار مستعارة، وإنما الحقيقى نوره فقط؛ وأن الكل نوره، بل هو الكل، بل لا هوية لغيره إلا بالمجاز. فإذن لا نور إلا نوره، وسائر الأنوار أنوار من الذى يليه لا من ذاته. فوجه كل ذى وجه إليه ومولّ شطره: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ . فإذن لا إله إلا هو: فإن الإله عبارة عما الوجه موليه نحوه بالعبادة والتأله: أعنى وجوه القلوب فإنها الأنوار. بل كما لا إله إلا هو، فلا هو إلا هو: لأن "هو" عبارة عما إليه إشارة كيفما كان، ولا إشارة إلا إليه. (و ٩ـ ب) بل كل ما أشرت إليه فهو بالحقيقة إشارة إليه وإن كنت لا تعرفه أنت لغفلتك عن حقيقة الحقائق التى ذكرناها. ولا إشارة إلى نور الشمس بل إلى الشمس. فكل ما في الوجود فنسبته إليه في ظاهر المثال كنسبة النور إلى الشمس. فإذن "لا إله إلا الله" توحيد العوام، "ولا إله إلا هو" توحيد الخواص، لأن هذا أتم وأخص وأشمل وأحق وأدق وأدخل بصاحبه في الفردانية المحضة والوحدانية الصرفة. ومنتهى معراج الخلائق مملكة
عوام، "ولا إله إلا هو" توحيد الخواص، لأن هذا أتم وأخص وأشمل وأحق وأدق وأدخل بصاحبه في الفردانية المحضة والوحدانية الصرفة. ومنتهى معراج الخلائق مملكة
الفردانية. وليس وراء ذلك مرقي: إذ الترقي لا يتصور إلا بكثرة: فإنه نوع إضافة يستدعى ما منه الارتقاء وما إليه الارتقاء. وإذا ارتفعت الكثرة حقت الوحدة وبطلت الإضافات وطاحت الإشارات ولم يبق علو وسفل ونازل ومرتفع: واستحال الترقي فاستحال العروج. فليس وراء الأعلى علو، ولا مع الوحدة كثرة، ولا مع انتفاء الكثرة عروج. فإن كان من تغير حال. فالنزول إلى سماء الدنيا: أعنى بالإشراف من علو إلى سفل لأن الأعلى له أسفل وليس له أعلى. فهذه هى غاية الغايات ومنتهى الطِّلبْات: يعلمه من يعلمه وينكره من يجهله. وهو من العلم الذى هو كهيئة المكنون الذى لا يعلمه إلا العلماء بالله. فإذا نطقوا به لم ينكره إلا أهل الغِرّة بالله. ولا يبعد أن قال العلماء إن النزول إلى السماء الدنيا هو نزول مَلَك: فقد توهم العلماء ما هو أبعد منه؛ إذ قال هذا المستغرق بالفردانية أيضاً له نزول إلى السماء الدنيا: فإن ذلك هو نزوله إلى استعمال الحواس أو تحريك الأعضاء. وإليه الإشارة بقوله "صرت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ولسانه الذى ينطق به". فإذا كان هو سمعه وبصره ولسانه، فهو السامع والباصر والناطق إذن لا غيره؛ وإليه الإشارة بقوله: "مرضت فلم تعدنى" الحديث. فحركات هذا الموحّد (و ١٠ـ ا) من السماء الدنيا، وإحساساته كالسمع والبصر من سماء فوقه، وعقله فوق ذلك. وهو يترقي من سماء العقل إلى منتهى معراج الخلائق. ومملكة الفردانية تمام سبع طبقات ثم
ماء الدنيا، وإحساساته كالسمع والبصر من سماء فوقه، وعقله فوق ذلك. وهو يترقي من سماء العقل إلى منتهى معراج الخلائق. ومملكة الفردانية تمام سبع طبقات ثم
بعده يستوى على عرض الوحدانية، ومنه يدبّر الأمر لطبقات سماواته. فربما نظر الناظر إليه فأطلق القول بأن الله خلق آدم على صورة الرحمن، إلى أن يمعن النظر فيعلم أن ذلك له تأويل كقول القائل "أنا الحق" و"سبحانى" بل كقوله لموسى ﵇: "مرضت فلم تعدنى" و"كنت سمعه وبصره ولسانه". وأرى الآن قبض البيان فما أراك تطيق من هذا القدْر أكثر من هذا القدْر. (مساعدة) لعلك لا تسمو إلى هذا الكلام بهمتك، بل تقصر دون ذروته همتك، فخذ إليك كلاماً أقرب إلى فهمك وأوفق لضعفك. واعلم أن معنى كونه نور السماوات والأرض تعرفه بالنسبة إلى النور الظاهر البصرى. فإذا رأيت أنوار الربيع وخضرته مثلاً في ضياء النهار فلست تشك في أنك ترى الألوان. وربما ظننت أنك لست ترى مع الألوان غيرها، فإنك تقول لست أرى مع الخضرة غير الخضرة. ولقد أصر على هذا قوم فزعموا أن النور لا معنى له، وأنه ليس مع الألوان غير الألوان، فأنكروا وجود النور مع أنه أظهر الأشياء، وكيف لا وبه تظهر الأشياء، وهو الذى يبصَر في نفسه ويبصَر به غيره كما سبق. لكن عند غروب الشمس وغيبة السراج ووقوع الظل أدركوا تفرقة ضرورية بين محل الظل وبين موقع الضياء فاعترفوا بأن النور معنى وراء الألوان يدرك مع الألوان حتى كأنه لشدة انجلائه لا يدرك، ولشدة ظهوره يخفى. وقد كان الظهور سبب الخفاء. والشىء إذا جاوز حده انعكس على ضده.
فإذا عرفت هذا فاعلم أن أرباب البصائر ما رأوا شيئاً إلا رأوا الله معه. وربما زاد على هذا بعضهم فقال "ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله قبله" لأن منهم من يرى الأشياء به (و ١٠ـ ب) . ومنهم من يرى الأشياء فيراه بالأشياء. وإلى الأول الإشارة بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ؛ وإلى الثانى الإشارة بقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق﴾ فالأول صاحب مشاهدة، والثانى صاحب الاستدلال عليه: والأول درجة الصديقين، والثانى درجة العلماء الراسخين، وليس بعدهم إلا درجة الغافلين المحجوبين. وإذ قد عرفت هذا فاعلم أنه كما ظهر كل شىء للبصر بالنور الظاهر، فقد ظهر كل شىء للبصيرة الباطنة بالله. فهو مع كل شىء لا يفارقه ثم يظهر كل شىء، كما أن النور مع كل شىء وبه يظهر. ولكن بقى ها هنا تفاوت: وهو أن النور الظاهر يُتَصور أن يغيب بغروب الشمس ويحجب حتى يظهر الظل، وأما النور الإلهى الذى به يظهر كل شىء، لا يتصور غيبته بل يستحيل تغيره. فيبقى مع الأشياء دائماً، فانقطع طريق الاستدلال بالتفرقة. ولو تصوّر غيبته لانهدت السماوات والأرض. ولأدرك به من التفرقة ما يضطر معه إلى المعرفة بما به ظهرت الأشياء. ولكن ما تساوت الأشياء كلها على نمط واحد في الشهادة على وحدانية خالقها ارتفع
الأرض. ولأدرك به من التفرقة ما يضطر معه إلى المعرفة بما به ظهرت الأشياء. ولكن ما تساوت الأشياء كلها على نمط واحد في الشهادة على وحدانية خالقها ارتفع
التفريق وخفى الطريق: إذ الطريق الظاهر معرفة الأشياء بالأضداد؛ فما لا ضد له ولا تغير له تتشابه الأحوال في الشهادة له. فلا يبعد أن يخفى ويكون خفاؤه لشدة جلائه والغفلة عنه لإشراق ضيائه. فسبحان من اختفى عن الخلق لشدة ظهوره، واحتجب عنهم لإشراق نوره. وربما لم يفهم أيضاً كنه هذا الكلام بعض القاصرين، فيفهم من قولنا "إن الله مع كل شىء كالنور مع الأشياء" أنه في كل مكان؛ تعالى وتقدس عن النسبة إلى المكان. بل لعل الأبعد عن إثارة هذا الخيال أن نقول إنه قبل كل شىء؛ وإنه فوق كل شىء؛ وإنه مُظهِر كل شىء. والمظهِر لا يفارق المظهَر في معرفة صاحب البصيرة. فهو الذى (و ١١ـ ا) نعنى بقولنا إنه مع كل شىء. ثم لا يخفى عليك أيضاً أن المظهِر قبل المظهَر وفوقه مع أنه معه بوجه: لكنه معه بوجه وقبله بوجه. فلا تظنن أنه متناقض، واعتبر بالمحسوسات التى هى درجتك في العرفان؛ وانظر كيف تكون حركة اليد مع حركة ظل اليد وقبلها أيضاً. ومن لم يتسع صدره لمعرفة هذا فليهجر هذا النمط من العلم، فلكل علم رجال؛ وكلّ ميسّر لما خلق له.
الفصل الثاني: في بيان مثال المشكاة والمصباح والزجاجة والشجرة والزيت والنار
رفة هذا فليهجر هذا النمط من العلم، فلكل علم رجال؛ وكلّ ميسّر لما خلق له.
الفصل الثاني: في بيان مثال المشكاة والمصباح والزجاجة والشجرة والزيت والنار
ومعرفة هذا يستدعى تقديم قطبين يتسع المجال فيهما إلى غير حد محدود. لكنى أشير إليهما بالرمز والاختصار: أحدهما في بيان سر التمثيل ومنهاجه ووجه ضبط أرواح المعانى بقوالب الأمثلة، ووجه كيفية المناسبة بينها، وكيفية الموازنة بين عالم الشهادة التى منها تتخذ طينة الأمثال، وعالم الملكوت الذى منه تستنزل أرواح المعانى. والثانى في طبقات أرواح الطينة البشرية ومراتب أنوارها؛ فإن هذا المثال مسوق لبيان ذلك؛ إذ قرأ ابن مسعود "مثل نوره في قلب المؤمن كمشكاة" وقرأ أُبّى بن كعب: "مثل نور قلب من آمن". الأول في سر التمثيل ومنهاجه. اعلم أن العالم عالمان: روحانى وجسمانى: وإن شئت قلت: حسى وعقلى؛ وإن شئت علوى وسفلى. والكل متقارب، وإنما تختلف باختلاف الاعتبارات: فإذا اعتبرتهما في أنفسهما قلت جسمانى وروحانى، وإن اعتبرتهما بالإضافة إلى العين المدركة لهما قلت حسى وعقلى. وإن اعتبرتهما بإضافة أحداهما إلى الآخر قلت علوى وسفلى. وربما سميت أحدهما عالم الملك والشهادة والآخر عالم الغيب والملكوت. ومن نظر إلى الحقائق من
قلى. وإن اعتبرتهما بإضافة أحداهما إلى الآخر قلت علوى وسفلى. وربما سميت أحدهما عالم الملك والشهادة والآخر عالم الغيب والملكوت. ومن نظر إلى الحقائق من
الألفاظ ربما تحير عند كثرة الألفاظ تخيّل كثرة المعانى. والذى تنكشف له الحقائق (و ١١ـ ب) يجعل المعانى أصلاً والألفاظ تابعاً. وأمر الضعيف بالعكس؛ إذ يطلب الحقائق من الألفاظ. وإلى الفريقين الإشارة بقوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً على وَجْهِهِ أهدى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ؟. وإذ قد عرفت معنى العالمَين فاعلم أن العالم الملكوتى عالم غيب؛ إذ هو غائب عن الأكثرين. والعالم الحسى عالم شهادة إذ يشهده الكافة. والعالم الحسى مَرْقاة إلى العقل. فلو لم يكن بينهما اتصال ومناسبة لانسدَّ طريق الترقي إليه. ولو تعذر ذلك لتعذر السفر إلى حضرة الربوبية والقرب من الله تعالى. فلم يقرب من الله تعالى أحد ما لم يطأ بحبوحة حظيرة القدس. والعالم المرتفع عن إدراك الحس والخيال هو الذى نعنيه بعالم القدس. فإذا اعتبرنا جملته بحيث لا يخرج منه شىء ولا يدخل فيه ما هو غريب منه سميناه حظيرة القدس. وربما سمينا الروح البشرى الذى هو مجرى لوائح القدس "الوادى المقدس". ثم هذه الحظيرة فيها حظائر بعضها أشد إمعاناً في معانى القدس. ولكن لفظ الحظيرة يحيط بجميع طبقاتها. فلا تظنن أن هذه الألفاظ طامات غير معقولة عند أرباب البصائر.
واشتغالى الآن بشرح كل لفظ مع ذكره يصدنى عن المقصد. فعليك التشمير لفهم هذه الألفاظ. فأرجع إلى الغرض وأقول: لما كان عالم الشهادة مرقاة إلى عالم الملكوت، وكان سلوك الصراط المستقيم عبارة عن هذا الترقي؛ وقد يعبر عنه بالدين وبمنازل الهدى - فلو لم يكن بينهما مناسبة واتصال لما تصور الترقي من أحدهما إلى الآخر - جعلت الرحمة الإلهية عالم الشهادة على موازنة عالم الملكوت: فما من شىء من هذا العالم إلا وهو مثال لشىء من ذلك العالم. وربما كان الشىء الواحد مثالاً لأشياء من عالم الملكوت. وربما كان للشىء الواحد من الملكوت (و ١٢ـ ا) أمثلة كثيرة من عالم الشهادة. وإنما يكون مثالاً إذا ماثله نوعاً من المماثلة، وطابقه نوعاً من المطابقة. وإحصاء تلك الأمثلة يستدعى استقصاء جميع موجودات العالِمين بأسرها، ولن تفى به القوة البشرية وما اتسع لفهمه القوة البشرية. فلا تفى بشرحه الأعمار القصيرة. فغايتى أن أعرّفك منها أنموذجاً لتستدل باليسير منها على الكثير، وينفتح لك باب الاستعبار بهذا النمط من الأسرار فأقول: إن كان في عالم الملكوت جواهر نورانية شريفة عالية يعبّر عنها بالملائكة، منها تفيض الأنوار على الأرواح البشرية، ولأجلها قد تسمى أرباباً، ويكون الله تعالى رب الأرباب لذلك، ويكون لها مراتب في نورانيتها متفاوتة، فبالحرِىّ أن يكون مثالها من عالم الشهادة الشمس والقمر والكواكب. والسالك للطريق أولاً ينتهى إلى ما درجته درجة الكواكب فيتضح له إشراق نوره وينكشف له أن العالم الأسفل بأسره تحت سلطانه وتحت إشراق نوره؛ ويتضح له من جماله وعلو درجته ما يبادر فيقول: "هذا ربى"
درجة الكواكب فيتضح له إشراق نوره وينكشف له أن العالم الأسفل بأسره تحت سلطانه وتحت إشراق نوره؛ ويتضح له من جماله وعلو درجته ما يبادر فيقول: "هذا ربى"
ثم إذا اتضح له ما فوقه مما رتبته رتبة القمر، رأى دخول الأول في مغرب الهُوِىّ بالإضافة إلى ما فوقه فقال: ﴿لا أُحِبُّ الآفلين﴾ وكذلك يترقي حتى ينتهى إلى ما مثاله الشمس فيراه أكبر وأعلى، فيراه قابلا للمثال بنوع مناسبة له معه. والمناسبة مع ذى النقص نقص وأفُول أيضاً. فمنه يقول: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السماوات والأرض حَنِيفاً﴾ . ومعنى "الذى" إشارة مبهمة لا مناسبة لها: إذ لو قال قائل ما مثال مفهوم "الذى" لم يتصور أن يجاب عنه. فالمنتزه عن كل مناسبة هو الأول الحق. ولذلك لما قال بعض الأعراب لرسول الله ﷺ: "ما نسب الإله؟ " نزل في جوابه ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ * الله الصمد * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ إلى آخرها (و ١٢ـ ب) معناه أن التقديس والتنزه عن النسبة نسبته. ولذلك لما قال فرعون لموسى: "وما رب العالمين" كالطالب لماهيته، لم يجب إلا بتعريفه بأفعاله، إذ كانت الأفعال أظهر عند السائل، فقال: ﴿رَبُّ السماوات والأرض﴾ ، فقال فرعون لمن حوله ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾ كالمنكر عليه في عدوله في جوابه عن طلب الماهية، فقال موسى: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين﴾ ، فنسبة فرعون إلى الجنون إذ كان مطلبه المثال والماهية؛ وهو يجيب عن الأفعال، فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ .
لأولين﴾ ، فنسبة فرعون إلى الجنون إذ كان مطلبه المثال والماهية؛ وهو يجيب عن الأفعال، فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ .
ولنرجع إلى الأنموذج فنقول. علم "التعبير" يعرفك منهاج ضرب المثال؛ لأن الرؤيا جزء من النبوة. أما ترى أن الشمس في الرؤيا تعبيرها السلطان، لما بينهما من المشاركة والمماثلة في معنى روحانى - وهو الاستعلاء على الكافة مع فيضان الآثار على الجميع. والقمر تعبيره الوزير لإفاضة الشمس نورها بواسطة القمر على العالم عند غيبتها كما يفيض السلطان أنواره بواسطة الوزير على من يغيب عن حضرة السلطان. وأن من يرى أنه في يده خاتم يختم به أفواه الرجال وفروج النساء فتعبيره أنه مؤذن يؤذن قبل الصبح في رمضان. وأن من يرى أنه يصب الزيت في الزيتون فتعبيره أن تحته جارية هى أمه وهو لا يعرف. واستقصاء أبواب التعبير يزيدك أنساً بهذا الجنس، فلا يمكننى الاشتغال بعدّها: بل أقول: كما أن في الموجودات العالية الروحانية ما مثاله الشمس والقمر والكواكب، فكذلك فيها ما له أمثلة أخرى إذا اعتبرت منه أوصاف أخر سوى النورانية. فإن كان في تلك الموجودات ما هو ثابت لا يتغير (و ١٣ـ ١) وعظيم لا يستصغر، ومنه ينفجر إلى أودية القلوب البشرية مياه المعارف ونفائش المكاشفات فمثاله "الطّور"؛ وإن كان ثمّ موجودات تتلقى تلك النفائس بعضهم أولى من بعض فمثالها الوادى. وإن كانت تلك النفائس بعد اتصالها بالقلوب البشرية تجرى من قلب إلى قلب، فهذه القلوب أيضاً أودية. ومفتتح الوادى قلوب الأنبياء ثم العلماء ثم مَنْ بعدهم. فإن كانت هذه الأودية دون الأول وعنها تغترف، فبالحرِىّ أن يكون الأول هو الوادى الأيمن لكثرة يمْنه وعلو درجته. وإن كان الوادى الأدون يتلقى
من آخر درجات الوادى الأيمن فمغترفه شاطئ الوادى الأيمن دون لجته ومبدئه. وإن كان روح النبى سراجاً منيراً، وكان ذلك الروح مقتبساً بواسطة وحى كما قال: ﴿أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ فما منه الاقتباس مثاله النار، وإن كان المتلقنون من الأنبياء بعضهم على محض التقليد لما سمعه، وبعضهم على حظ من البصيرة، فمثال حظ المقلد الخبر، ومثال حظ المستبصر الجذوة والقبس والشهاب. فإن صاحب الذوق مشارك للنبى في بعض الأحوال. ومثال تلك المشاركة الاصطلاء. وإنما يصطلى بالنار من معه النار، لا من يسمع خبرها. وإن كان أول منزل الأنبياء الترقي إلى العالم المقدس عن كدورة الحس والخيال، فمثال ذلك المنزل الوادى المقدس. وإن كان لا يمكن وطء ذلك الوادى المقدس إلا باطّراح الكونين - أعنى الدنيا والآخرة - والتوجه إلى الواحد الحق، ولأن الدنيا والآخرة متقابلتان متحاذيتان (و ١٣ـ ب) وهما عارضان للجوهر النورانى البشرى يمكن اطراحهما مرة والتلبس بهما أخرى، فمثال اطّراحهما عند الإحرام للتوجه إلى كعبة القدس خلع النعلين. بل نترقي إلى حضرة الربوبية مرة أخرى ونقول: إن كان في تلك الحضرة شىء بواسطته تنتقش العلوم المفصّلة في الجواهر القابلة لها فمثاله "القلم". وإن كان في تلك الجواهر القابلة ما بعضها سابق إلى التلقى، ومنها تنتقل إلى غيرها، فمثالها "اللوح المحفوظ"
فصّلة في الجواهر القابلة لها فمثاله "القلم". وإن كان في تلك الجواهر القابلة ما بعضها سابق إلى التلقى، ومنها تنتقل إلى غيرها، فمثالها "اللوح المحفوظ"
و"الرق المنشور". وإن كان فوق الناقش للعلوم شىء هو مسخر فمثاله "اليد". وإن كان لهذه الحضرة المشتملة على اليد واللوح والقلم والكتاب ترتيب منظوم فمثاله "الصورة". وإن كان يوجد للصورة الإنسية نوع ترتيب على هذه الشاكلة، فهى على صورة الرحمن. وفرق بين أن يقال "على صورة الرحمن" وبين أن يقال "على صورة الله" لأن الرحمة الإلهية هى التى صورت الحضرة الإلهية بهذه الصورة. ثم أنعم على آدم فأعطاه صورة مختصرة جامعة لجميع أصناف ما في العالم حتى كأنه كل ما في العالم أو هو نسخة من العالم مختصرة. وصورة آدم - أعنى هذه الصورة - مكتوبة بخط الله. فهو الخط الإلهى الذى ليس برقم حروف، إذ تنزه خطه عن أن يكون رقماً وحروفاً كما تنزه كلامه (عن) أن يكون صوتاً وحرفاً، وقلمه عن أن يكون خشباً وقصباً، ويده عن أن تكون لحماً وعظماً. ولولا هذه الرحمة لعجز الأدمى عن معرفة ربه: إذ لا يعرف ربه إلا من عرف نفسه. فلما كان هذا من آثار الرحمة صار على صورة الرحمن لا على صورة الله: فإن حضرة الإلهية غير حضرة الرحمة وغير حضرة الملك وغير حضرة الربوبية. ولذلك أمر بالعياذ (و ١٤ـ ا) بجميع هذه الحضرات فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس * مَلِكِ الناس * إلاه الناس﴾ ولولا هذا المعنى لكان ينبغي أن يقول "على صورته" واللفظ الوارد في (الحديث) الصحيح (على صورة الرحمن) . ولأن تمييز حضرة الملك عن الإلهية والربوبية يستدعى شرحاً طويلاً،
فلنتجاوزه، ويكفيك من الأنموذج هذا القدر، فإن هذا بحر لا ساحل له. فإن وجدت في نفسك نفوراً عن هذه الأمثال فآنسْ قلبك بقوله تعالى: ﴿أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الآية، وأنه كيف ورد في التفسير أن الماء هو المعرفة والقرآن، والأودية القلوب.
له تعالى: ﴿أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الآية، وأنه كيف ورد في التفسير أن الماء هو المعرفة والقرآن، والأودية القلوب.
خاتمة واعتذار لا تظنن من هذا الأنموذج وطريق ضرب المثال رخصة منى في رفع الظواهر واعتقاداً في إبطالها حتى أقول مثلاً لم يكن مع موسى نعلان، ولم يسمع الخطاب بقوله ﴿فاخلع نَعْلَيْكَ﴾ . حاش لله! فإن إبطال الظواهر رأى الباطنية الذين نظروا بالعين العوراء إلى أحد العالمين ولم يعرفوا الموازنة بين العالمين، ولم يفهموا وجهه. كما أن إبطال الأسرار مذهب الحشوية. فالذى يجرد الظاهر حشوى، والذى يجرد الباطن باطنى. والذى يجمع بينهما كامل. ولذلك قال ﵇: "للقرآن ظاهر وباطن وحدٌّ ومطلع" وربما نقل هذا عن علىّ موقوفاً عليه. بل أقول فهم موسى من الأمر بخلع النعلين اطِّراح الكونين فامتثل الأمر ظاهراً بخلع نعليه، وباطناً باطراح العالمين. وهذا هو "الاعتبار" أى العبور من الشىء إلى غيره، ومن الظاهر إلى السر. وفرق بين من يسمع قول رسول الله ﷺ: "لا يدخل الملائكة بيتاً فيه كلب" فيقتنى الكلب من البيت ويقول ليس الظاهر مراداً، بل المراد تخلية بيت القلب عن كلب الغضب لأنه يمنع المعرفة التى هى من أنوار الملائكة: إذ الغضب غول العقل، (و ١٤ـ ب) وبين من يمتثل الأمر في الظاهر ثم يقول: الكلب ليس كلباً لصورته بل لمعناه - وهو السبعية والضراوة - وإذا كان حفظ البيت الذى هو مقر الشخص والبدن
واجباً عن صورة الكلب، فبأن يجب حفظ بيت القلب - وهو مقر الجوهر الحقيقى الخاص - عن شر الكلبية أولى. فأنا أجمع بين الظاهر والسر جميعاً، فهذا هو الكامل: وهو المعنىّ بقولهم "الكامل من لا يطفىء نور معرفته نور ورعه". ولذلك ترى الكامل لا تسمح نفسه بترك حد من حدود الشرع مع كمال البصيرة. وهذه مَغْلطة منها وقع بعض السالكين إلى الإباحة وطى بساط الأحكام ظاهراً، حتى أنه ربما ترك أحدهم الصلاة وزعم أنه دائماً في الصلاة بسره. وهذا سوى مغلطة الحمقى من الإباحية الذين مأخذهم ترَّهات كقول بعضهم "إن الله غنى عن عملنا"، وقول بعضهم إن الباطن مشحون بالخبائث ليس يمكن تزكيته، ولا يطمع في استئصال الغضب والشهوة؛ لظنه أنه مأمور باستئصالهما: وهذه حماقات. فأما ما ذكرناه فهو كبوة جواد وهفوة سالك حسده الشيطان فدلاَّه بحبْل الغرور. وأرجع إلى حديث النعلين فأقول: ظاهر خلع النعلين منبه على ترك الكونين. فالمثال في الظاهر حق وأداؤه إلى السر الباطن حقيقة. وأهل هذا التنبيه هم الذين بلغوا درجة الزجاجة كما سيأتى معنى الزجاجة؛ لأن الخيال الذى من طينته يتخذ المثال صلب كثيف يحجب الأسرار ويحول بينك وبين الأنوار؛ ولكن إذا صفا حتى صار كالزجاج الصافى غير حائل عن الأنوار، بل صار مع ذلك مؤدياً للأنوار، بل صار مع ذلك حافظاً للأنوار عن الانطفاء بعواصف الرياح. وستأتيك قصة الزجاجة. فاعلم (و ١٥ـ ا) أن العالم الكثيف الخيالى السفلى صار في حق الأنبياء زجاجة ومشكاة للأنوار ومصفاة للأسرار، ومرقاة إلى العالم الأعلى. وبهذا
قصة الزجاجة. فاعلم (و ١٥ـ ا) أن العالم الكثيف الخيالى السفلى صار في حق الأنبياء زجاجة ومشكاة للأنوار ومصفاة للأسرار، ومرقاة إلى العالم الأعلى. وبهذا
يعرف أن المثال الظاهر حق ووراءه سر. وقس على هذا "الطّور" و"النار" وغيرهما. دقيقة إذا قال الرسول ﵇: "رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حَبْواً" فلا تظنن أنه لم يشاهده بالبصر كذلك، بل رآه في يقظته كما يراه النائم في نومه؛ وإن كان عبد الرحمن مثلاً نائماً في بيته بشخصه، فإن النوم إنما أثر في أمثال هذه المشاهدات لقهره سلطان الحواس عن النور الباطن الإلهى، فإن الحواس شاغلة له وجاذبة إياه إلى عالم الحس، وصارفة وجْهَه عن عالم الغيب والملكوت. وبعض الأنوار النبوية قد يستعلى ويستولى بحيث لا تستجره الحواس إلى عالمها ولا تشغله، فيشاهد في اليقظة ما يشاهد غيره في المنام. ولكنه إذا كان في غاية الكمال لم يقتصر إدراكه على محض الصورة المبصرة، بل عَبر منها إلى السر فانكشف له أن الإيمان جاذب إلى العالم الذى يعبر عنه بالجنة؛ والغنى والثروة جاذب إلى الحياة الحاضرة وهى العالم الأسفل. فإن كان الجاذب إلى أشغال الدنيا أقوى أو مقاوماً للجاذب الآخر صُدَّ عن المسير إلى الجنة. وإن كان جاذب الإيمان أقوى أورث عسراً وبطئاً في سيره؛ فيكون مثاله من عالم الشهادة "الحبْو". فكذلك تتجلى له أنوار الأسرار من وراء زجاجات الخيال. ولذلك لا يقتصر في حكمه على عبد الرحمن وإن كان إبصاره مقصوراً عليه، بل يحكم به على كل من قويت
و". فكذلك تتجلى له أنوار الأسرار من وراء زجاجات الخيال. ولذلك لا يقتصر في حكمه على عبد الرحمن وإن كان إبصاره مقصوراً عليه، بل يحكم به على كل من قويت
بصيرته واستحكم إيمانه، وكثرته ثروته كثرة تزاحم الإيمان لكن لا تقاومه لرجحان قوة الإيمان. فهذا يعرِّفك كيفية إبصار الأنبياء الصور وكيفية مشاهدتهم المعانى من وراء الصور. والأغلب أن يكون المعنى سابقاً إلى المشاهدة الباطنة (و ١٥ـ ب) ثم يشرق منها على الروح الخيالى فينطبع الخيال بصورة موازنة للمعنى محاكية له. وهذا النمط من الوحى في اليقظة يفتقر إلى التأويل، كما أنه في النوم يفتقر إلى التعبير. والواقع منه في النوم نسبته إلى الخواص النبوية نسبة الواحد إلى ستة وأربعين. والواقع في اليقظة نسبته أعظم من ذلك. وأظن أن نسبته إليه نسبة الواحد إلى الثلاثة. فإن [الذى] انكشف لنا من الخواص النبوية ينحصر شعبها في ثلاثة أجناس، وهذا واحد من تلك الأجناس الثلاثة. القطب الثانى في بيان مراتب الأرواح البشرية النورانية. إذ بمعرفتها تعرف أمثلة القرآن. فالأول منها الروح الحساس، وهو الذى يتلقى ما تورده الحواس الخمس، وكأنه أصل الروح الحيوانى وأوله، إذ به يصير الحيوان حيواناً. وهو موجود للصبي الرضيع. الثانى الروح الخيالى، وهو الذى يستثبت ما أورده الحواس ويحفظه مخزوناً عنده ليعرضه على الروح العقلى الذى فوقه عند الحاجة إليه. وهذا لا يوجد للصبى الرضيع في بداية نشوئه: ولذلك يولع بالشىء ليأخذه، فإذا غاب عنه ينساه ولا تنازعه نفسه إليه إلى أن يكبر قليلاً فيصير بحيث إذا غُيِّب عنه بكى وطلب [ذلك] لبقاء صورته محفوظة في خياله. وهذا قد يوجد لبعض الحيوانات دون بعض، ولا يوجد للفراش المتهافت على النار لأنه يقصد النار
لشغفه بضياء النهار: فيظن أن السراج كوة مفتوحة إلى موضع الضياء فيلقى نفسه عليه فيتأذى به. ولكنه إذا جاوزه وحصل في الظلمة عاوده مرة بعد مرة. ولو كان له الروح الحافظ المستثبت لما أداه الحس إليه من الألم لما عاوده بعد أن تضرر مرة به. (و ١٦ـ ا) فالكلب إذا ضرب مرة بخشبة، فإذا رأى الخشبة بعد ذلك من بعد هرب. الثالث الروح العقلى الذى به تدرك المعانى الخارجة عن الحس والخيال، وهو الجوهر الإنسى الخاص، ولا يوجد لا للبهائم ولا للصبيان. ومدركاته المعارف الضرورية الكلية كما ذكرناه عند ترجيح نور العقل على نور العين. الرابع الروح الفكرى، وهو الذى يأخذ العلوم العقلية المحضة فيوقع بينها تأليفات وازدواجات ويستنتج منها معارف شريفة. ثم إذا استفاد نتيجتين مثلاً، ألف بينهما مرة أخرى واستفاد نتيجة أخرى. ولا يزال يتزايد كذلك إلى غير نهاية. الخامس الروح القدسى النبوى الذى يختص به الأنبياء وبعض الأولياء، وفيه تتجلى لوائح الغيب وأحكام الآخرة وجملة من معارف ملكوت السماوات والأرض، بل من المعارف الربانية التى يقصر دونها الروح العقلى والفكرى. وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان ولاكن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ﴾ الآية. فلا يبعد أيها العاكف في عالم العقل أن يكون وراء العقل طور آخر يظهر فيه ما لا يظهر في العقل، كما لا يبعد كون العقل طوراً وراء التمييز
ِي بِهِ﴾ الآية. فلا يبعد أيها العاكف في عالم العقل أن يكون وراء العقل طور آخر يظهر فيه ما لا يظهر في العقل، كما لا يبعد كون العقل طوراً وراء التمييز
والإحساس تنكشف فيه غرائب وعجائب يقصر عنها الإحساس والتمييز. ولا تجعل أقصى الكمال وقفاً على نفسك. وإن أردت مثالاً مما نشاهده من جملة خواص بعض البشر فانظر إلى ذوق الشعر كيف يختص به قوم من الناس وهو نوع إحساس وإدراك، ويحرم عنه بعضهم حتى لا تتميز عندهم الألحان الموزونة من المنزحفة. وانظر كيف عظمت قوة الذوق في طائفة حتى استخرجوا بها الموسيقى والأغانى والأوتار وصنوف الدستانات (و ١٦ـ ب) التى منها المحزن ومنها المطرب ومنها المنّوم ومنها المضحك ومنها المجنن ومنها القاتل، ومنها الموجب للغشى. وإنما تقوى هذه الآثار فيمن له أصل الذوق. وأما العاطل عن خاصية الذوق فيشارك في سماع الصوت وتضعف فيه هذه الآثار، وهو يتعجب من صاحب الوجد والشغى. ولو اجتمع العقلاء كلهم من أرباب الذوق على تفهيمه معنى الذوق لم يقدروا عليه. فهذا مثال في أمر خسيس لكنه قريب إلى فهمك. فقسْ به الذوق الخاص النبوى واجتهد أن تصير من أهل الذوق بشىء من ذلك الروح: فإن للأولياء منه حظاً وافراً. فإن لم تقدر فاجتهد أن تصير بالأقيسة التى ذكرناها والتنبيهات التى رمزنا إليها من أهل العلم بها. فإن لم تقدر فلا أقل من أن تكون من أهل الإيمان بها: و ﴿يَرْفَعِ الله الذين آمَنُواْ مِنكُمْ والذين أُوتُواْ العلم دَرَجَاتٍ﴾ . والعلم فوق الإيمان، والذوق فوق العلم. فالذوق وجدان والعلم قياس. والإيمان قبول مجرد بالتقليد. وحسّن الظن بأهل الوجدان أو بأهل العرفان. فإذا عرفت هذه الأرواح الخمسة فاعلم أنها بجملتها أنوار لأنها تظهر أصناف الموجودات، والحسى والخيالى منها، وإن كان يشارك البهائم
وجدان أو بأهل العرفان. فإذا عرفت هذه الأرواح الخمسة فاعلم أنها بجملتها أنوار لأنها تظهر أصناف الموجودات، والحسى والخيالى منها، وإن كان يشارك البهائم
في جنسها، لكن الذى للإنسان منه نمط آخر أشرف وأعلى؛ وخلق الإنسان لأجل غرض أجلّ وأسمى. أما الحيوانات فلم يخلق ذلك لها إلا ليكون آلتها في طلب غذائها في تسخيرها للآدمى. وإنما خلق للآدمى ليكون شبكة له يقتنص بها من العالم الأسفل مبادئ المعارف الدينية الشريفة. إذ الإنسان إذا أدرك بالحس شخصاً معيناً اقتبس عقله منه معنى عاماً مطلقاً كما ذكرنا في مثال حبْو عبد الرحمن بن عوف. وإذا عرفت هذه الأرواح الخمسة (و ١٧ـ ا) فلنرجع إلى عرض الأمثلة. بيان أمثلة هذه الآية اعلم أن القول في موازنة هذه الأرواح الخمسة للمشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت يمكن تطويله، لكنى أوجزه وأقتصر على التنبيه على طريقة فأقول: أما الروح الحساس فإذا نظرت إلى خاصيته وجدت أنواره خارجة من ثُقُب عدة كالعينين والأذنين والمنخرين وغيرها. وأوفق مثال له من عالم الشهادة المشكاة. وأما الروح الخيالى فنجد له خواص ثلاثاً: إحداها: أنه من طينة العالم السفلى الكثيف: لأن الشىء المتخيل ذو مقدار وشكل وجهات محصورة مخصوصة. وهو على نسبة من المتخيل من قرب أو بعد. ومن شأن الكثيف الموصوف بأوصاف الأجسام أن يحجب عن الأنوار العقلية المحضة التى تتنزه عن الوصف بالجهات والمقادير والقرب والبعد. الثانية: أن هذا الخيال الكثيف إذا صفىّ ودقق وهذّب وضبط صار موازياً للمعانى العقلية ومؤدياً لأنوارها، غير حائل عن إشراق نورها منها. الثالثة: أن الخيال في بداية الأمر محتاج إليه جداً ليضبط به المعارف العقلية فلا تضطرب ولا تتزلزل ولا تنتشر انتشاراً يخرج عن الضبط. فنعم
المعين المثالات الخيالية للمعارف العقلية. وهذه الخواص الثلاث لا نجدها في عالم الشهادة بالإضافة إلى الأنوار المبصرة إلا للزجاجة: فإنها في الأصل من جوهر كثيف لكن صُفىّ ورقق حتى لا يحجب نور المصباح بل يؤديه على وجهه، ثم يحفظه عن الانطفاء بالرياح العاصفة والحركات العنيفة. فهى أول مثال له. وأما الثالث وهو الروح العقلى الذى به إدراك المعارف الشريفة الإلهية فلا يخفى عليك وجه تمثيله بالمصباح. وقد عرفت هذا فيما سبق من بيان كون الأنبياء سُرُجاً منيرة (و ١٧ـ ب) . وأما الرابع وهو الروح الفكرى فمن خاصيته أنه يبتدئ من أصل واحد ثم تتشعب منه شعبتان، ثم من كل شعبة شعبتان وهكذا إلى أن تكثر الشعب بالتقسيمات العقلية، ثم يفضى بالآخرة إلى نتائج هى ثمراتها. ثم تلك الثمرات تعود فتصير بذوراً لأمثالها: إذ يمكن أيضاً تلقيح بعضها بالبعض حتى يتمادى إلى ثمرات ورائها كما ذكرناه في كتاب القسطاس المستقيم. فبالحرِىّ أن يكون مثاله من هذا العالم الشجرة. وإذ كانت ثمراته مادة لتضاعف أنوار المعارف وثباتها وبقائها فبالحرِىّ ألا تمثل بشجرة السفرجل والتفاح والرمان وغيرها، بل من جملة سائر الأشجار بالزيتونة خاصة: لأن لب ثمرها هو الزيت الذى هو مادة المصابيح، ويختص من سائر الأدهان بخاصية زيادة الإشراق مع قلة الدخان. وإذا كانت الماشية التى يكثر نسلها والشجرة التى تكثر ثمرتها تسمى
زيت الذى هو مادة المصابيح، ويختص من سائر الأدهان بخاصية زيادة الإشراق مع قلة الدخان. وإذا كانت الماشية التى يكثر نسلها والشجرة التى تكثر ثمرتها تسمى
مباركة، فالتى لا يتناهى ثمرتها إلى حد محدود أوْلى أن تسمى شجرة مباركة. وإذا كانت شعب الأفكار العقلية المحضة خارجة عن قبول الإضافة إلى الجهات والقرب والبعد، فبالحرِىّ أن تكون لا شرقية ولا غربية. وأما الخامس: وهو الروح القدسى النبوى المنسوب إلى الأولياء إذا كان في غاية الصفاء والشرف وكانت الروح المفكرة منقسمة إلى ما يحتاج إلى تعليم وتنبيه ومدد من خارج حتى يستمر في أنواع المعارف، وبعضها يكون في شدة الصفاء كأنه يتنبه بنفسه من غير مدد من خارج، فبالحرِىّ أن يعبّر عن الصافى البالغ الاستعداد بأنه يكاد زيته يضيىء، ولو لم تمسسه نار: إذ من الأولياء من يكاد يشرق نوره حتى يكاد يستغنى عن مدد الأنبياء؛ وفي الأنبياء من يكاد يتسغنى عن مدد الملائكة. فهذا المثال موافق لهذا القسم (و ١٨ـ ا) . وإذا كانت هذه الأنوار مترتبة بعضها على بعض: فالحسى هو الأول، وهو كالتوطئة والتمهيد للخيالى، إذ لا يتصور الخيالى إلا موضوعاً بعده؛ والفكرى والعقلى يكونان بعدهما؛ فبالحرى أن تكون الزجاجة كالمحل للمصباح والمشكاة كالمحل للزجاجة: فيكون المصباح في زجاجة، والزجاجة في مشكاة. وإذا كانت هذه كلها أنواراً بعضها فوق بعض فبالحرِىّ أن تكون نوراً على نور.
لمصباح والمشكاة كالمحل للزجاجة: فيكون المصباح في زجاجة، والزجاجة في مشكاة. وإذا كانت هذه كلها أنواراً بعضها فوق بعض فبالحرِىّ أن تكون نوراً على نور.
خاتمة هذا المثال إنما يتضح لقلوب المؤمنين أو لقلوب الأنبياء والأولياء لا لقلوب الكفار: فإن النور يراد للهداية. فالمصروف عن طريق الهدى باطل وظلمة، بل أشد من الظلمة: لأن الظلمة لا تهدى إلى الباطل كما لا تهدى إلى الحق. وعقول الكفار انتكست، وكذلك سائر إدراكاتهم وتعاونت على الإضلال في حقهم. فمثالهم كرجل في ﴿بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ . والبحر واللّجىِّ هو الدنيا بما فيها من الأخطار المهلكة والأشغال المردية والكدورات المعمية. والموج الأول موج الشهوات الداعية إلى الصفات البهيمية والاشغال بالذات الحسية وقضاء الأوطار الدنيوية، حتى [إنهم] يأكلون ويتمتعون كما تأكل الأنعام. وبالحرِىّ أن يكون هذا الموج مظلماً لأن حب الشىء يعمى ويُصم. والموج الثانى موج الصفات السَّبُعِية الباعثة على الغضب والعداوة والبغضاء والحقد والحسد والمباهاة والتفاخر والتكاثر. وبالحرى أن يكون مظلماً لأن الغضب غول العقل. وبالحرى أن يكون هو الموج الأعلى: لأن الغضب في الأكثر مستول على الشهوات حتى إذا هاج أذهل عن الشهوات وأغفل عن اللذات المشتهاة. وأما الشهوة فلا تقاوم الغضب الهائج أصلاً. وأما السحاب فهو الاعتقادات الخبيثة، والظنون الكاذبة، والخيالات
ج أذهل عن الشهوات وأغفل عن اللذات المشتهاة. وأما الشهوة فلا تقاوم الغضب الهائج أصلاً. وأما السحاب فهو الاعتقادات الخبيثة، والظنون الكاذبة، والخيالات
الفاسدة (١٨ـ ب) التى صارت حجباً بين الكافرين وبين الإيمان ومعرفة الحق والاستضاءة بنور شمس القرآن والعقل: فإن خاصية السحاب أن يحجب إشراق نور الشمس. وإذا كانت هذه كلها مظلمة فبالحرى أن تكون ظلمات بعضها فوق بعض. وإذا كانت هذه ظلمات تحجب عن معرفة الأشياء القريبة فضلاً عن البعيدة، ولذلك حجب الكفار عن معرفة عجائب أحوال النبى ﵇ مع قرب متناوله وظهوره بأدنى تأمل، فبالحرى أن يعبر عنه بأنه لو أخرج يده لم يكد يراها. وإذا كان منبع الأنوار كلها من النور الأول الحق كما سبق بيانه، فبالحرى أن يعتقد كل موحد أن ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ . فيكفيك هذا القدر من أسرار هذه الآية فاقنع به.
الفصل الثالث: في معني قوله ﵇: "أن لله سبعين حجاباً من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل من أدركه بصره "
[في بعض الروايات سبعمائة، وفي بعضها سبعين ألفا: فأقول: إن الله تعالى متجل في ذاته لذاته، ويكون الحجاب بالإضافة إلى محجوب لا محالة؛ وإن المحجوبين من الخلق ثلاثة أقسام: منهم من حجب بمجرد الظلمة؛ ومنهم من حجب بالنور المحض؛ ومنهم من حجب بنور مقرون بظلمة. وأصناف هذه الأقسام كثيرة أتحقق كثرتها، ويمكنني أن أتكلف حصرها في سبعين، لكن لا أثق بما يلوح لي من تحديد وحصر، إذ لا أدري أنه المراد بالحديث أم لا. أما الحصر إلى سبعمائة وسبعين ألفا فذلك لا يستقل به إلا القوة النبوية، مع أن ظاهر ظني أن هذه الأعداد مذكورة للتكثير لا للتحديد؛ وقد تجري العادة بذكر عدد ولا يراد به الحصر بل التكثير. والله أعلم بتحقيق ذلك، فذلك خارج عن الوسع. وإنما الذي يمكنني الآن أن أعرفك هذه الأقسام وبعض أصناف كل قسم فأقول:]
القسم الأول
وهم المحجوبون بمحض الظلمة، وهم الملحدة الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر. وهم الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة لأنهم لا يؤمنون بالآخرة أصلاً (و ١٩ـ ا) وهؤلاء صنفان: صنف تشوَّف إلى طلب سبب لهذا العالم فأحاله إلى الطبع: والطبع عبارة عن صفة مركوزة في الأجسام حالّة فيها؛ وهى مظلمة إذ ليس لها معرفة وإدراك ولا خبر لها من نفسها ولا مما يصدر منها؛ وليس لها نور يدرك بالبصر الظاهر أيضاً. والصنف الثانى: هم الذين شغلوا بأنفسهم ولم يفرغوا لطلب السبب أيضاً، بل عاشوا عيش البهائم، فكان حجابهم نفوسهم الكدرة، وشهواتهم المظلمة، ولا ظلمة أشد من الهوى والنفس: ولذلك قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلاهه هَوَاهُ﴾ وقال [رسول الله ﷺ] "الهوى أبغض إله عبد في الأرض". وهؤلاء انقسموا فرقاً: فرقة زعمت أن غاية الطلب في الدنيا هى قضاء الأوطار ونيل الشهوات وإدراك اللذات البهيمية من منكح ومطعم وملبس. فهؤلاء عبيد اللذة، يعبدونها ويطلبونها ويعتقدون أن نيلها غاية السعادات: رضوا لأنفسهم أن يكونوا بمنزلة البهائم بل أخس منها. وأى ظلمة أشد من ذلك؟ فقد حجب هؤلاء بمحض الظلمة.
عبدونها ويطلبونها ويعتقدون أن نيلها غاية السعادات: رضوا لأنفسهم أن يكونوا بمنزلة البهائم بل أخس منها. وأى ظلمة أشد من ذلك؟ فقد حجب هؤلاء بمحض الظلمة. وفرقة رأت أن غاية السعادات هى الغلبة والاستيلاء والقتل والسبى والأسْر، وهذا مذهب الأعراب والأكراد وكثير من الحمقى، وهم محجوبون
بظلمة الصفات السَّبُعية لغلبتها عليهم وكون إدراكها مقصودَها أعظم اللذات. وهؤلاء قنعوا بأن يكونوا بمنزلة السباع بل أخس. وفرقة ثالثة رأت أن غاية السعادات كثرة المال واتساع اليسار لأن المال هو آلة قضاء الشهوات كلها، وبه يحصل للإنسان الاقتدار على قضاء الأوطار. فهؤلاء همتهم جمع المال واستكثار الضياع والعقار والخيل المسوّمة والأنعام والحرث وكنز الدنانير تحت الأرض. فترى الواحد يجتهد طول عمره يركب الأخطار في البوادى والأسفار والبحار ويجمع الأموال ويشح بها على نفسه فضلاً عن غيره: وهم المرادون بقوله ﵇: "تَعِس عبد الدراهم، تعس عبد الدنانير". وأى ظلمة أعظم مما يُلبّس على الإنسان؟. إن الذهب والفضة حجران (و ١٩ـ ب) لا يرادان لأعيانهما. وهى إذا لم يقض بهما الأوطار ولم تنفق فهى والحصباء بمثابة، والحصباء بمثابتها. وفرقة رابعة ترقت عن جهالة هؤلاء وتعاقلت، وزعمت أن أعظم السعادات في اتساع الجاه والصيت وانتشار الذكر وكثرة الأتباع ونفوذ الأمر المطاع. فتراها لا همّ لها إلا المراءاة وعمارة مطارح أبصار الناظرين: حتى إن الواحد قد يجوع في بيته ويحتمل الضر ويصرف ماله إلى ثياب يتجمل بها عند خروجه كى لا ينظر إليه بعين الحقارة. وأصناف هؤلاء لا يحصون، وكلهم محجوبون عن الله تعالى بمحض الظلمة وهى نفوسهم المظلمة.
ف ماله إلى ثياب يتجمل بها عند خروجه كى لا ينظر إليه بعين الحقارة. وأصناف هؤلاء لا يحصون، وكلهم محجوبون عن الله تعالى بمحض الظلمة وهى نفوسهم المظلمة.
ولا معنى لذكر آحاد الفِرَق بعد وقوع التنبيه على الأجناس. ويدخل في جملة هؤلاء جماعة يقولون بلسانهم "لا إله إلا الله"، لكن ربما حملهم على ذلك خوف أو استظهار بالمسلمين وتجمل بهم أو استمداد من مالهم؛ أو لأجل التعصب لنصرة مذهب الآباء. فهؤلاء إذا لم تحملهم هذه الكلمة على العمل الصالح فلا تخرجهم الكلمة من الظلمات إلى النور، بل "أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات". أما من أثرت فيه الكلمة بحيث ساءته سيئته وسرته حسنته فهو خارج عن محض الظلمة وإن كان كثير المعصية.
القسم الثاني
طائفة حجبوا بنور مقرون بظلمة وهم ثلاثة أصناف: صنف منشأ ظلمتهم من الحس، وصنف منشأ ظلمتهم من الخيال، وصنف منشأ ظلمتهم من مقايسات عقلية فاسدة. الصنف الأول المحجوبون بالظلمة الحسية، وهم طوائف لا يخلو واحد منهم عن مجاوزة الالتفات إلى نفسه وعن التأله والتشوف إلى معرفة ربه. وأول درجاتهم عبدة الأوثان وآخرهم الثنوية، وبينهما درجات. فالطائفة الأولى عبدة الأوثان: علموا على الجملة أن لهم رباً يلزمهم إيثاره على نفوسهم المظلمة، واعتقدوا أن ربهم أعز من كل شىء (و ٢٠ ـ ا) ولكن حجبتهم ظلمة الحس على أن يجاوزوا العالم المحسوس فاتخذوا من أنفس الجواهر كالذهب والفضة والياقوت أشخاصاً مصورة بأحسن الصور واتخذوها آلهة. فهؤلاء محجوبون بنور العزة والجمال. والعزة والجمال من صفات الله وأنواره، ولكنهم ألصقوها بالأجسام



