الإعلام بقواطع الإسلام

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya ابن حجر الهيتمي (w. 974 H).

Bagian 1 dari 4 221 halaman

— Bagian 1 · مقدمة المؤلف —

Disusun dari indeks kitab digital SantriOnline.

Bagian 1

مقدمة المؤلف نحمدك أن أطلعت لعلم الفتوى في سماء التحقيق شموساً وبدوراً, وجعلت علماء علم الشريعة الغراء أرفع الناس في الدارين مكانة وحبوراً

وسروراً, واخترتهم لحفظ فرائض الإسلام وسننه, وأقمتهم نجوماً يُهتدى بها في ظلمات الجهالات إلى منهجك القويم وسننه. ونشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك شهادة يلوح عليها أمائر الإخلاص, وينجو مدخرها من أهوال قبائح المفترين عليك حين لا مناص, ونشهد أن سيدنا محمداً عبدك ونبيك أفضل من أوذي فيك فصبر, وأجلّ من ابتليته فرضي وشكر, وأرسلته لخير أمة أخرجت للناس، فهديت به كل حائر، وأرديت به كل جائر، ومحوت به ظلم البدع والكفر لا سيما من بلدك الحرام, وقصمت ببراهين دينه الطغاة من الطغام, وأمرته بأن يورثها من بعده من الأئمة الأعلام حتى يردّوا بها على من عاندهم في واقعة من وقائع الأحكام, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين نصروا الحق وأشادوا فخره, ودمغوا الباطل وأهله الكثيرين وأماتوا ذكره, صلاة وسلاماً دائمين ما قام بنصرة دينه القويم بعض وارثيه, وبذل نفسه في الله تعالى رجاء لما أعده لعارفيه. أما بعد: فهذا تأليف جامع، ومجموع إن شاء الله نافع, دعاني إليه وقوع غلط فاحش في مسألة أفتيت بها فأحببت بيانها مع ما يتعلق بها؛ لأن الحاجة ماسة إلى جميع ذلك. سيما وقد توعرت هذه المسالك حتى صار الغلط في الواضحات فضلاً عن المشكلات أقرب إلى المنسوبين إلى العلم من حبل الوريد, ولسان حالهم يعلن أنه ليس لهم عنها من محيد, لما جبلوا عليه من مخالفة سنن الماضين, والخلود إلى أرض الشهوات والطمع فيما بأيدي

الظلمة والمتمردين, نسأل الله تعالى أن يعافينا من ذلك، وأن ينجينا من ظلم هذه المهالك, وأن يوفقنا إلى ما كان عليه أئمتنا من صالح العمل، وأن يجنبنا الزلل، إنه أكرم مسؤول وأرجى مأمول.

الى أن يعافينا من ذلك، وأن ينجينا من ظلم هذه المهالك, وأن يوفقنا إلى ما كان عليه أئمتنا من صالح العمل، وأن يجنبنا الزلل، إنه أكرم مسؤول وأرجى مأمول.

هذا, وقد لوّحت لك ب القضية الحاملة على هذا التأليف , وبيانها: أني لما كنت بمكة في مجاورتي الثالثة سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة، رفعت إليّ فتوى صورتها: ما قولكم رضي الله عنكم في من تزوج غير بالغة ثم أشهد عليها أنه أقبضها حالّ صداقها، فهل يصح هذا الإشهاد؟ وهل للوصي مطالبته بالمهر، والدعوى به عليه؟ وهل له ولو حاكما أن يقول له: يا كلب يا عديم الدين أم لا؟ فماذا يلزمه في ذلك؟ فأجبت بما صورته: إن بلغت مصلحة لدينها ومالها صح قبضها والإشهاد عليها، ولم يكن للوصي مطالبته ولا الدعوى عليه, وقوله له ما ذكر محرم التحريم الشديد, بل ربما يكون قوله: يا عديم الدين كفراً، فيعزر التعزير الشديد اللائق به والزاجر له ولأمثاله، والله ﷾ أعلم بالصواب، وكتبه فلان. ثم دفعتها إلى صاحبها، فوقعت في أيدي جماعة أصدقاء للصادر منه ذلك، فقصدوا التقرب إليه بالكذب على الله (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) الشعراء/٢٢٧, فاعترضوا ما كتبته وشنعوا به عند العوام وموّهوا عليهم حتى

لكذب على الله (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) الشعراء/٢٢٧, فاعترضوا ما كتبته وشنعوا به عند العوام وموّهوا عليهم حتى

قال بعض مجازفيهم لعوامه: هذا الإفتاء كفر, وعلله بأنه يقتضي أنّ قائل هذا اللفظ يكفر مطلقاً وليس كذلك، ومن كفّر مسلماً فقد كفر, ثم اعترضوه بأمور أخرى، منها: كيف يُفرع التعزير على الحكم بأنه كفر، ومنها: كيف يكتب المفتي التعزير الشديد، والتعزير راجع إلى رأي الإمام في الشدة والضعف. ومنها أن من صدر منه ذلك مثله لا يفتى عليه, ومنها أن الجواب غير مطابق للسؤال، هذا ما نُقل إلي، وسمعته من اعتراضاتهم، وهي لدلالتها على غباوة قائلها غنية عن التعرض لها بردّ أو إبطال, لكن أحببت في هذا التأليف تحرير الألفاظ المكفرة التي ذكرها أصحابنا وغيرهم، فإن هذا باب منتشر جداً، وقد اضطربت فيه أفكار الأئمة وعباراتهم، وزلت فيه أقدام كثيرين, ولخطر أمره وحكمه كان حقيقاً بالإفراد بالتأليف, ولم أر أحداً عرج على ذلك، فقصدت تسهيل جمعه وبيان ما وقع للناس فيه بحسب ما اطلعت عليه، وضممت إلى ذلك فوائد عثر عليها فكري الفاتر، واستنتجها نظري القاصر. أسأل الله أن يجعلني ممن هداه، وهدى به، وأن يصيّرني ممن وصل الخير لهذه الأمة بسببه، إنه جواد كريم رؤوف رحيم، غافر الزلات وراحم العثرات, فعليه التكلان ومنه التأييد والامتنان، وإليه المفزع في المهمات، ومن فيض فضله يغترف أسباب السداد والعصمة في الملمات.

ولنتكلم أولاً على الحكم الذي أبديناه في "يا عديم الدين " مقدمين عليه الكلام على من قال لمسلم: "يا كافر" فإنه الأصل الذي أخذت منه ما أشرت إليه في الجواب من التفصيل, ثم نعقبه برد ما ذكروه من الشُبه، ثم بتحرير بقية الألفاظ التي تقع بين الناس مما اتفق على أنها كفر أو اختلف فيه, فنقول: عبارة

الرافعي في العزيز نقلاً عن التتمة: أنه إذا قال لمسلم: "يا كافر" بلا تأويل كفر؛ لأنه سمى الإسلام كفراً، وقد صح عنه ﷺ: (إذا قال الرجل لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا)، والذي رماه به مسلم فيكون هو كافراً. انتهى. وتبعه النووي في الروضة وعبارته: قال المتولي: ولو قال لمسلم: يا كافر بلا تأويل كفر؛ لأنه سمى الإسلام كفراً. انتهى.

واعتمد ذلك المتأخرون: كابن الرفعة والقمولي، والتتائي والإسنوي

والأذرعي وأبي زرعة وصاحب الأنوار وشارح الأنوار, بل كثير منهم كالتتائي والقمولي وصاحب الأنوار وغيرهم جزموا به من غير عزو, ولم ينفرد المتولي بذلك، بل سبقه إلى ذلك ووافقه عليه جمع من أكابر الأصحاب، منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني

والحليمي والشيخ نصر المقدسي، وكذا الغزالي وابن دقيق العيد، بل

قضية كلام هؤلاء: أنه لا فرق بين أن يؤول أو لا، كما سيتضح لك من كلامهم الذي أذكره عنهم. فإن قلت: قد خالف ذلك النووي نفسه في الأذكار، فقال: يحرم تحريماً غليظاً. قلت: لا مخالفة، فإن إطلاق التحريم في لفظ لا يقتضي أنه لا يكون كفراً في بعض حالاته، فعبارة الأذكار لا تنافي عبارة الروضة وغيرها, على أن الكفر يحرم تحريماً غليظاً فتكون عبارة الأذكار شاملة للكفر أيضاً، ونكتة التعبير بالتحريم الغليظ قصد الشمول للحالة التي يكون فيها كفراً وغيرها. وإذا تأملت هذا التقرير ظهر لك حسن ما فعلته في الجواب المذكور من قولي: فيعزر إلى آخره ... ، حيث فرّعت على التحريم ولم أفرّع على الكفر, لأن التحريم هو الأمر المحقق, وأما الكفر فقد يوجد عند عدم التأويل، وقد لا يوجد، ولم نعلم أن قائل ذلك لم يؤول, فتعيّن التفريع على الأمر المحقق، وطرح الأمر المشكوك فيه, وبهذا اندفع الاعتراض السابق، وهو: كيف يفرع التعزير على الحكم بالكفر؟ وسيأتي لذلك مزيد. فإن قلت: يؤيد ما في الأذكار قول ابن المنذر في الإشراف في باب

وبهذا اندفع الاعتراض السابق، وهو: كيف يفرع التعزير على الحكم بالكفر؟ وسيأتي لذلك مزيد. فإن قلت: يؤيد ما في الأذكار قول ابن المنذر في الإشراف في باب

القذف: وأجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا قال لرجل من المسلمين: يا يهودي، يا نصراني، عليه التعزير ولا حد عليه. ثم قال: ويشبه ذلك مذهب الإمام الشافعي. قلت: قد علمت مما تقرر في عبارة الأذكار أن عبارته كهذه العبارة مطلقة، وعبارة الشيخين وغيرهما السابقة عن المتولي مفصلة، والمطلق لا ينافي المفصل. ثم رأيت الأذرعي ذكر ما هو صريح في ذلك حيث قال عقب كلام ابن المنذر: وقياس ما تقدم أي: عن المتولي أنه إذا قاله بلا تأويل أنه يكفر، لأنه جعل الإسلام يهودية أو نصرانية، فتأمله. انتهى, فجعله مطلقا وجعل كلام الشيخين عن المتولي مفصلا، وحمل هذا الإطلاق على هذا التفصيل أخذاً بالقاعدة الأصولية الشهيرة. فإن قلت: عبارة النووي في شرح مسلم قد تنافي ما تقرر

وحاصلها: أن هذا الحديث مما عده العلماء من المشكلات من حيث إن ظاهره غير مراد, فإن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر المسلم بالمعاصي كالقتل والزنا وكذا قوله لأخيه: يا كافر. من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام، ثم حكى في تأويل الحديث وجوهاً: أحدها: أنه محمول على المستحل "ومعنى باء بها أحدهما": بكلمة الكفر، وكذا "حار عليه" في رواية أي: رجعت عليه كلمة الكفر، فباء وحار ورجع بمعنىً. الثاني: رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره. الثالث: أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين, وهذا نقله القاضي عياض عن مالك

فباء وحار ورجع بمعنىً. الثاني: رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره. الثالث: أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين, وهذا نقله القاضي عياض عن مالك

وهو ضعيف؛ لأن المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع. الرابع: معناه أنه يؤول إلى الكفر فإن المعاصي -كما قالوا- بريد الكفر, ويخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر, ويؤيده رواية أبي عوانة في مستخرجه على مسلم: (فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَه وَإِلَّا فَقَدْ بَاءَ بِالْكُفْرِ) وفي رواية: (إِذَا قَالَ لأخيه: يَا كَافِرُ فَقَدْ وَجَبَ الْكُفْرُ عَلَى أَحَدِهِمَا). الخامس: معناه فقد رجع عليه تكفيره، فليس الراجع حقيقة الكفر، بل التكفير لكونه جعل أخاه المؤمن كافراً فكأنه كفر نفسه, إما لأنه كفر من هو مثله، وإما لأنه كفر من لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام انتهى. ومنازعة السبكي في بعض فتاويه, مبنية على رأي انتحله مذهبا واعترف

بأنه خارج عن قواعد الشافعي وهو أن من كفر أحداً من العشرة المشهود لهم بالجنة كفر، وإن كان مؤولا, وقد بسطت الكلام على ذلك في كتابي [الصواعق المحرقة] في الرد على الروافض وغيرهم. قلت: لا تنافي عبارته المذكورة ما مرّ؛ لأن قوله من غير اعتقاده بطلان دين الإسلام هو من التأويل الذي مرّ عن المتولي أنه إذا سلكه لا يكفر. نعم في الوجه الأول تقييد لما قاله المتولي بالمستحل، كذا قيل. وأقول: إن أريد أنه تقييد للمفهوم فظاهر أو للمنطوق فليس كذلك, وبيانه: إذا قيل: يا كافر، مؤولا بكفر النعمة أو نحوه كان مع ذلك حراماً إجماعاً أخذاً مما مرّ عن ابن المنذر, فإن اعتقد حله حينئذ انبنى القول بكفره على الخلاف الآتي في مستحل الحرام المجمع عليه. فإن قلنا باشتراط أن يكون معلوما من الدين بالضرورة احتمل أن نقول بالكفر هنا، وندعي أن حرمة ذلك معلومة من الدين بالضرورة؛ لأن أحداً لا يجهل تحريم إيذاء المسلم، سيما بهذا اللفظ القبيح, وإن قلنا بعدم اشتراط ذلك فالكفر بهذا اللفظ واضح.

أن حرمة ذلك معلومة من الدين بالضرورة؛ لأن أحداً لا يجهل تحريم إيذاء المسلم، سيما بهذا اللفظ القبيح, وإن قلنا بعدم اشتراط ذلك فالكفر بهذا اللفظ واضح. وإن ذكر هذا اللفظ من غير تأويل، فإن قصد مع ذلك أن دينه الذي هو متلبس به وهو الإسلام كفر، فلا نزاع بين أحد في أنه يكفر بذلك، وإن أطلق فلم يؤول

ولا قصد ذلك اتجه ما أفاده كلام شرح مسلم من أنه إن استحل ذلك كفر وإلا فلا. وإذا تأملت هذا التقرير علمت أن كلام شرح مسلم لا ينافي كلام الشيخين عن المتولي إلا من حيث أن قضية كلامهما التكفير مطلقا في حال الإطلاق, وهو وإن كان له وجه لكن التفصيل بين الاستحلال وغيره أوجه, هذا ما يتعلق بالوجه الأول من الوجوه التي ذكرها في شرح مسلم، وأما الوجه الثاني: فهو لا ينافي ما مر عن المتولي؛ لأن رجوع نقيصته إليه صادقة بالكفر في بعض الحالات. وأما الثالث: فاعترضه الزركشي بأن ما حكاه عن الأكثرين من عدم تكفير الخوارج ممنوع. قال: بل هو الحق لما سنذكره في كتاب "الشهادات" وينبغي حمل كلامه على ما إذا لم يصدر منهم سبب مكفر كما إذا لم يحصل إلا مجرد الخروج والقتال ونحوه، أما مع تكفير منهم لمن تحقق إيمانه من الصحابة المشهود لهم بالجنة فلا. انتهى. وأقول: الخوارج لم يكفروا غيرهم إلا بتأويل, ولم يسموا الإسلام كفراً وحينئذٍ فالمعتمد ما في شرح مسلم وغيره من عدم تكفيرهم, نعم إن أنكروا صحبة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، أو كفروا الصحابة أو ضللوا الأمة

ا الإسلام كفراً وحينئذٍ فالمعتمد ما في شرح مسلم وغيره من عدم تكفيرهم, نعم إن أنكروا صحبة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، أو كفروا الصحابة أو ضللوا الأمة

فسيأتي مع ما شاكله. وأما الرابع والخامس فلا ينافيان ما مر أيضا نظير ما سبق من أنهما محمولان على من أوّل, ووقع في الحديث روايات لا بأس بالإشارة إليها فروى مسلم: (إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا). وفي رواية له: (أَيُّمَا رجل قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ). وفي رواية له أيضا: (لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ. وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ: عَدُوُّ اللهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ). ومرّ في رواية أبي عوانة: (فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلَّا فَقَدْ بَاءَ بِالْكُفْرِ). وفي رواية: إِذَا قَالَ لأخيه: يَا كَافِرُ فَقَدْ وَجَبَ الْكُفْرُ عَلَى أَحَدِهِمَا). ومعنى كفّر الرجل أخاه: نسبته إياه إلى الكفر بصيغة الخبر نحو أنت كافر, أو بصيغة النداء نحو: يا كافر, أو اعتقد فيه ذلك كاعتقاد الخوارج تكفير المؤمنين بالذنوب, وليس من ذلك تكفير جماعة من أهل السنة أهل الأهواء، لما قام عندهم من الدليل على ذلك, ومعنى: (باء بها أحدهما) أي: رجع بكلمة الكفر كما مر, والجزم بأنه لا بدّ أن يبوء بها أحدهما، بيّنه قوله في الرواية الأخرى: (إن كان كما قال وإلا رجعت

, ومعنى: (باء بها أحدهما) أي: رجع بكلمة الكفر كما مر, والجزم بأنه لا بدّ أن يبوء بها أحدهما، بيّنه قوله في الرواية الأخرى: (إن كان كما قال وإلا رجعت

عليه). ومن ثم كانت هذه الرواية في قوة قضية منفصلة أقيم البرهان على صدقها بخلاف الأولى، إذ معناها كل مكفر أخاه: فدائماً إما أن يكفر القائل أو المقول له، وبرهن على صدق ذلك في الرواية الثانية، بأنه إن كان كما قال وإلا كفر القائل أي: بالمعنى السابق بيانه. وقوله: (أو قال: عدو الله) نص كما قاله بعض الشارحين في أن نسبة الرجل غيره إلى عداوة الله تعالى تكفير له، وكذا نسبة نفسه إلى ذلك, ويوافقه قوله تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ) الآية. البقرة/٩٨, وسيأتي آخر الكتاب ما لو قال: إنه عدو للنبي ﷺ, ومر أن معنى (حار): رجع، والاستثناء قيل: معنوي، أي: لا يدعوه أحد إلا حار عليه؛ لأن القصد الإثبات ولو لم يقدر النفي لم يثبت ذلك, ويحتمل عطفه على ليس من رجل فيكون جارياً على اللفظ. وقد فسر الحليمي في المنهاج الحديث بما يوافق كلام المتولي فقال: إن أراد به أن الدين الذي يعتقده كفرٌ كفرَ هو دون أخيه إن كان أخوه مسلماً حقيقياً, وإن كان يُبطن الكفر ولا يظهره فذلك غير مراد بالحديث إذ لا يبوء واحد منهما بالكفر, وحينئذٍ يعذر القائل. انتهى. فتأمله تجده صريحا فيما مر عن المتولي وأن التعزير إنما يجب عند كون المقول له ذلك كافراً باطناً. فإن قلت: كيف يكون كافراً باطناً ويبقى؟ قلت: يمكن بقاؤه لاستتابته إن قلنا: إن المرتد يمهل ثلاثة أيام، أو لإزالة شبهة أو تغلب أو غير ذلك. فان قلت: قضيته أن من قال لمرتد: يا كافر يعزر.

يبقى؟ قلت: يمكن بقاؤه لاستتابته إن قلنا: إن المرتد يمهل ثلاثة أيام، أو لإزالة شبهة أو تغلب أو غير ذلك. فان قلت: قضيته أن من قال لمرتد: يا كافر يعزر.

قلت: قد يلزمه ذلك لأنه إيذاء, وإيذاؤه إنما يجوز للإمام بالقتل إن لم يتب، ويمكن الفرق بأن المرتد لم يُظهر الإسلام فلم يكن له احترام أصلاً بخلاف من أظهر الإسلام، وإن كان كافراً باطناً, ومع ذلك فالموافق للقواعد أنه حيث ثبت كفره باطناً كان حكمه حكم المرتد، ولا تعزير على من قال له: يا كافر. وفسر الغزالي في الإحياء الحديث بما يوافق كلام المتولي أيضا حيث قال: معناه أنه يكفره وهو يعلم أنه مسلم، أي: فيكفر بدليل قوله، فإن ظن أنه كافر ببدعة أو غيرها كان مخطئاً لا كافراً انتهى. وقد يؤخذ من كلامه حمل كلام الحليمي السابق على غير ما مرّ, بأن يقال: معنى قوله: إن كان أخوه مسلماً حقيقياً أي: في اعتقاده, وقوله: وإن كان يُبطن الكفر ولا يُظهره أي: في اعتقاده وحينئذٍ فاتضح قوله: وحينئذٍ يعزر القائل، وهذا التأويل متعين لا ينبغي العدول عنه. وقد فسر ابن رشد من أكابر أئمة المالكية الحديث بما يوافق كلام المتولي أيضا، حيث قال: حُمِل الحديث على أن من قال ذلك كفر حقيقة, لكن فيمن كفر أخاه حقيقة؛ لأنه إن كان المقول له كافراً فقد صدق، وإلا كفر القائل؛ لأنه اعتقد ما عليه المؤمن من الإيمان كفراً، واعتقاد الإيمان كفراً كفر, قال الله تعالى: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) المائدة/٥. وقال غيره من أئمتهم: لا يبعد حمل الحديث على ظاهره من تكفير القائل على القول بأن الدعاء على غيره بالكفر كفر. واعترضه بعضهم بأن الداعي إنما كفر على

القول بذلك من جهة أنه لما دعا بالكفر كأنه رضيه، والرضا بالكفر كفر بخلاف هذا. وظاهر كلام الحليمي والغزالي الذي ذكرته عنهما أن القائل حيث اعتقد أن المقول له مسلم كفر مطلقا وإن أوّل، لكن ما مر عن المتولي أوجه. قال ابن دقيق العيد في قوله ﵊: (وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ). أي: رجع. وهذا وعيد عظيم لمن كفر أحداً من المسلمين وليس هو كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق من العلماء اختلفوا

في العقائد وحكموا بكفر بعضهم بعضاً، وخرق حجاب الهيبة في ذلك جماعة من الحشوية وهذا الوعيد لاحقٌ بهم، ثم نقل عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني من أكابر أصحابنا أنه قال: لا أكفر إلا من كفرني، قال: وربما خفي هذا القول على بعض الناس وحمله على غير محمله الصحيح، والذي ينبغي أن يحمل عليه أنه لمح هذا الحديث الذي يقتضي أن من دعا رجلاً بالكفر وليس كذلك رجع عليه الكفر، وكذا قوله ﵊: (من قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا) وكان الأستاذ أبو إسحاق يقول: الحديث دلّ على أنه يحصل الكفر لأحد الشخصين إما المُكَفِّر أو المُكَفَّر، فإذا كفرني بعض الناس فالكفر واقع بأحدنا، وأنا قاطع بأني لست بكافر، فالكفر راجع إليه، انتهى. فتأمله تجده صريحاً فيما مرّ عن المتولي، وفي أن ابن دقيق العيد موافقه على ذلك، وفي أنه لا فرق بين التأويل وعدمه. وكلام الشيخ نصر المقدسي في تهذيبه في كتاب الصلاة صريح في ذلك، فإنه لم يقيد التكفير إلا بما إذا كان المقول له ظاهر العدالة، لكن الأوجه ما مرّ عن المتولي من التفصيل. وفي كافية الخوارزمي لو قال: لست من أُمة محمد أو لا أعرف الله

لتكفير إلا بما إذا كان المقول له ظاهر العدالة، لكن الأوجه ما مرّ عن المتولي من التفصيل. وفي كافية الخوارزمي لو قال: لست من أُمة محمد أو لا أعرف الله

ورسوله أو أنا كافر، أو بريء من الإسلام كفر. انتهى. والحكم فيه ظاهر إلا أن يزعم أنه أراد أنه ليس منهم قطعاً بل ظناً وأنه لا يعرف الله ورسوله على طريقة أهل الأصول ونحو ذلك فيما يظهر. وللفتى تلميذ ابن المقري اعتراض على الروضة أحببت ذكره مع التنبيه على رده، وعبارته: قال في الروضة: قال المتولي: لو قال للمسلم: يا كافر بلا تأويل كفر لأنه سمى الإسلام كفراً. انتهى. ذكر القمولي مثله ولم يعلله ولم يعزه إلى أحد، قال: فإن أراد كفر النعمة والإحسان فلا. انتهى. ولا نسلم قول الروضة: لأنه سمى الإسلام كفراً، فإن هذا المعنى لا يفهم من لفظه ولا هو مراده، ومعنى لفظه: أنك لست على دين الإسلام الذي هو حق، وإنما أنت كافر، دينك غير الإسلام وأنا على دين الإسلام، هذا مراده بلا شك؛ لأنه إنما وصف بالكفر الشخصَ، لا دين الإسلام، فنفى عنه كونه على دين الإسلام فلا يكفر بهذا القول، وإنما يعزز بهذا السبّ الفاحش بما يليق به، ويلزم على ما قاله أن من قال لعابد: يا فاسق كفر؛ لأنه سمى العبادة فسقاً، ولا

ن الإسلام فلا يكفر بهذا القول، وإنما يعزز بهذا السبّ الفاحش بما يليق به، ويلزم على ما قاله أن من قال لعابد: يا فاسق كفر؛ لأنه سمى العبادة فسقاً، ولا

أحسب أحداً يقوله، وإنما يريد أنك تَفْسق وتفعل مع عبادتك ما هو فسق، لا أن عبادتك فسق، وأيضاً فكيف يحكم عليه بالكفر بإطلاق هذه الكلمة المحتملة للكفر واحتمال غيره أكثر وأظهر؟ وإنما يصح المعنى الذي ذكره لو قال يهودي أو نصراني لمسلم: "يا كافر" فهذا بلا شك لا يريد إلا أن دينك وهو دين الإسلام كفر، وأما المسلم فلا يريد هذا أصلاً. انتهى كلام الفتى. ولك ردّه بأنه مبني على ما زعمه من أن معنى لفظه ما ذكره، وليس معناه ما زعم، بل معناه: يا متصفاً بالكفر، وهذا كما ترى صادق بأن ما اتصفت به من الإسلام يسمى كفراً، وبأنك لم تتصف بالإسلام من أصله، وهو الذي زعمه، ولا أثر لكون هذا الثاني هو الذي يغلب قصده بهذه الكلمة؛ لأن وصفه له بالكفر مع مشاهدة الإسلام منه وعدم تأويله قرينة ظاهرة على تسمية الإسلام كفراً، فعلمنا بما دل عليه لفظه صريحاً بواسطة القرينة المذكورة، وألغينا النظر إلى ما يُقصد بهذه الكلمة بين الناس؛ لأن هذا لا تعويل عليه في هذا الباب. وقلنا له: أنت حيث أطلقت هذا اللفظ ولم تؤول كنت كافراً لتضمن لفظك تسمية الإسلام كفراً، وإن كنت لم تقصد ذلك لأنا إنما نحكم بالكفر باعتبار الظاهر، وقصدك

قلنا له: أنت حيث أطلقت هذا اللفظ ولم تؤول كنت كافراً لتضمن لفظك تسمية الإسلام كفراً، وإن كنت لم تقصد ذلك لأنا إنما نحكم بالكفر باعتبار الظاهر، وقصدك

وعدمه إنما ترتبط به الأحكام باعتبار الباطن لا الظاهر، فاندفع زعمه أن هذا المعنى لا يُفهم من لفظه، وقوله: إنما مراده ومعنى لفظه إلى آخره، بل ذكره المراد لا وجه له هنا البتة، لما قررناه بأن حكمنا إنما هو باعتبار الظاهر، فلا يبحث عن المراد ولا ندير عليه حكماً ظاهراً، واندفع حصره بقوله: إنما وصف بالكفر الشخص لا دين الإسلام. وأما ما زعمه من اللزوم المذكور فغير صحيح، بل لا يلزم عليه ذلك؛ لأن العبادة لا تنافي الفسق لإمكان اجتماعهما في آن واحد؛ إذ من ارتكب كبيرة فاسق، وإن كان أعبد الناس، بخلاف الكفر والإسلام فإنه لا يمكن اجتماعهما في شخص واحد في حالة من الأحوال، فلا يلزم من القول لعابد: يا فاسق تسمية العبادة فسقاً، بخلاف القول لمسلم: يا كافر فإنه ظاهر في الوصف بالكفر، ولو مع ما هو عليه من الإسلام، فلزم تسمية الإسلام كفراً، وما تعجب منه يُردّ بأن اللفظ إذا كان محتملاً لمعانٍ فإن كان في بعضها أظهر حمل عليه، وكذا إن استوت ووجد لأحدها مرجح وهو هنا ما مرّ من وصفه بالكفر مع علمه بما هو عليه من الإسلام، فقوله: "واحتمال غيره أكثر" ظاهر، وقوله: "وأظهر" ليس في محله كما تقرر، وقوله: وإنما يصح المعنى الذي ذكره إلى آخره، يُرد بما علمته مما هو غني عن الإعادة. وقوله: "وأما المسلم فلا يريد هذا أصلاً" ليس في محله أيضاً؛ لأن الإرادة وعدمها لا شغل لنا بها.

وإذا تقرر لك حكم: يا كافر بما لم تجده في كتاب، وعلمت أن ما ذكره الشيخان فيه نقلاً عن المتولي هو الحق الذي لا محيد عنه، وأن كلام جمع من الأصحاب صريح في كفر قائله مطلقاً، وأن ما مرّ من عبارة الأذكار وشرح مسلم وغيرهما لا يخالفه، وظهر لك أن ما أفتيت به في: يا عديم الدين حق ظاهر لا يسع أحداً إنكاره، وأن من أنكره فقد أنكر على هؤلاء الأئمة الذين هم آباؤنا في الدين، لكِنْ المعترضون عليّ لا يحترمون أحداً من المتأخرين ولا من المتقدمين، فلي بهم أسوة ولله الحمد على ذلك. فمن قال لآخر: يا عديم الدين، نقول له: ما الذي أردته بذلك؟ فإن قال: أردت أن ما هو عليه من الدين لا يسمى ديناً، قلنا له: قد كفرت، فإن لم تسلم، وإلا ضربنا عنقك، وإن قال: أردت أنه لا دين له في المعاملات ونحوها، قلنا: لا كفر عليك، لكن عليك التعزير الشديد اللائق بك، وإن قال: لا نية لي، قلنا له: فهل تعتقد أنه يحل لك أن تقول له ذلك؟ فإن قال: نعم، قلنا له: كفرت إن كان ذلك مما لا يخفى عليك بناء على ما مرّ، وإن قال: لا أستحل ذلك أو كان ممن تخفى عليه ذلك قلنا: عليك التعزير لأنك ارتكبت معصية ليست كفراً، وإلى هذا التفصيل كله المستفاد مما قررته في يا كافر أشرت بقولي في الجواب السابق: بل ربما يكون قوله: يا عديم الدين كفراً.

وإذا تمهّدت حقيقة ما أجبت به، فلترجع إلى رد كلام المعترضين ، وهو لركاكته وكونه بالخيال أشبه غَنِيٌّ عن الرد، لكن في ضمن رده فوائد، فأما قول من قال: هذا الإفتاء كفر لاقتضائه أن قائل هذا اللفظ يكفر مطلقاً وليس كذلك، ومن كفَّر مسلماً فقد كفر، فيُردّ عليه بأمور: منها: أن دعواه اقتضاء قولي: ربما إلى آخره الكفر مطلقاً مجازفة وجهل بمدلولات الألفاظ، فإن مدلول "ربما" أنه له حالة يكون فيها كفراً، وحالة لا تكون

ور: منها: أن دعواه اقتضاء قولي: ربما إلى آخره الكفر مطلقاً مجازفة وجهل بمدلولات الألفاظ، فإن مدلول "ربما" أنه له حالة يكون فيها كفراً، وحالة لا تكون

فيها كفراً، وهذا جلي واضح فلا نطيل فيه؛ لأن الكلام فيه لا يليق بهذا المصنَّف المبني على غاية من الإتقان والتحرير. ومنها: أن احتجاجه بما ذكر مكفر له صريحاً، فإنه كفّر مسلماً من غير تأويل؛ لأن المفتي إذا أفتى بحكم فلا يخلو إما أن يكون حقاً أو خطأً، فإن كان حقاً فلا كلام في تكفير مكفره، وإن كان خطأ فكذلك، وإن تعمد الخطأ؛ لأنه لم يتعمد تكفير أحد بعينه، إذ المفتي لا يفتي على أحد معين. والعجب من جرأته كيف يكفر غيره، ويستدل بما يكفر به نفسه؟ فإن قلت: فلمَ ذكرتَ هذه الإشارةَ الخفية ولم تفصل في الجواب، كما فصّلت هنا، ولا أطلقت القول بالحرمة كما في الأذكار؟ قلت: إيثاراً للاختصار، وحذراً من الوقوع في ورطة الإطلاق، فإنه قال في آداب المفتي من الروضة: وإذا كان في المسألة تفصيل لم يطلق الجواب فإنه خطأ بالاتفاق، وليس له أن يكتب الجواب على ما يعلمه من صورة الواقعة إذا لم يكن في الواقعة تعرّض له. انتهى. وليس الإطلاق في المصنفات كالإطلاق في الفتاوى، فإن الناظر في المصنفات لا يقتصر على مصنف واحد وإلا كان مقصّراً، بخلاف المستفتي، فإنه لا أهلية له في النظر في المصنفات حتى يعلم حكم الواقعة، وإنما الواجب عليه دفعها للمفتي، فمتى أفتاه وأطلق له في محل التفصيل ألجأه إلى الوقوع في الخطأ، فكان المفتي مخطئاً اتفاقاً. وأيضاً فالمصنفات تكثر مسائلها، فلو كلف المصنفون إلى استيعاب سائر التفاصيل في كل مسألة لشق عليهم، بل عجزت عن ذلك قدرتهم، فساغ لهم ذكر أصول المسائل، والإطلاق في بعض الأبواب اتِّكالاً على فهم التفصيل من محل آخر، وغير ذلك مما لا يخفى على ناظر في كتبهم. وأيضاً فإنما لم أفصّل في الجواب تفصيلاً واضحاً قصداً لستر المعنى المكفر عن العامة حتى لا تتطرق إليه أفهامهم، فإن غالب فطرهم سليمة، ولا يقصدون بقولهم لبعضهم: يا كافر يا عديم الدين إلا كفر النعمة، أو: يا من فعله كفعل

لمكفر عن العامة حتى لا تتطرق إليه أفهامهم، فإن غالب فطرهم سليمة، ولا يقصدون بقولهم لبعضهم: يا كافر يا عديم الدين إلا كفر النعمة، أو: يا من فعله كفعل

الكافر ونحو ذلك مما لا يقتضي الكفر، فأبرزت لهم أن هذا اللفظ قد يكون كفراً ليحذروه ويبعدوا عنه، ولم أبين لهم الوجه المكفر ستراً له عليهم لئلا يسمعه أحدهم فيكون سبباً له في أنه ربما يقصده، فكان ما فعلته من الإشارة إلى التفصيل به بـ: "ربما"، ومن ترهيبهم بأن ذلك كفر أبلغ وأولى، والله ﷾ يوفق من شاء لما يشاء. وأما الاعتراض على التفريع بالفاء بما مرّ فسببه الجهل بالأحكام وبمدلولات الألفاظ أيضاً؛ لأن الحكم المحقق هو الحرمة، وأما التكفير فأمر أخص يشترط له ما مرّ، فكيف يعدل عن الأمر المحقق وهو الحرمة ولا يفرّع عليه، ويفرّع على الأمر الذي لم يعلم وجوده لإناطته بقصد المتكلم ولم يطلع عليه، بل ويندر وقوع المعنى المكفر من أحد من المسلمين كما مرّ، وذِكْر الفقهاء له إنما هو خشية من وقوعه، وإذا كان وقوعه في غاية الندور، فعلم أن التفريع على الحرمة هو الصواب الذي لا مرية فيه. وأما الاعتراض بأن المفتي كيف يكتب التعزير الشديد، والتعزير راجع إلى رأي الحاكم في الشدة والضعف. فجوابه وإن كان لا يستحق جواباً لولا ما في جوابه من الفوائد التي لا تخفى على ذي لب: أن الحكام والقضاة أسرى المفتين لغلبة الجهل عليهم، وعدم معرفتهم بظواهر الأحكام فضلاً عن دقائقها. وقد قال الأذرعي عن قضاة زمنه: ولا تغتر بقضاة زماننا فإنهم كقريبي عهد بالإسلام، هذا في قضاة زمنه، فما بالك بغيرهم، وقد أشار إلى ذلك الفارقي أيضا في قضاة زمنه مع تقدمه على زمن الأذرعي بكثير.

ولما أن كان غالب قضاة زماننا بلغوا إلى ما لم يبلغه غيرهم، صنفت كتاباً في قبائحهم، وصدرته بأربعين حديثاً فيه مزيد الذم وشديد الوعيد على أكثر القضاة، وسميته: "جمر الغضا لمن تولى القضا" ولئن سلمنا أن القضاة فيهم المفتون، فللمفتي أن يكتب أن التعزير شديد أو غير شديد، ولا مانع من ذلك عند من له أدنى بصيرة. على أن لأصحابنا وجهاً أن القاضي ليس له أن يفتي في الأحكام، فعليه: صار المفتي من القضاة كغيره، والاستدلالُ للاعتراض المذكور بأن التعزير راجع إلى أمر الحاكم في الشدة والضعف ناشئٌ عن الجهل بكلام الفقهاء وقواعدهم؛ لأنه ليس راجعاً إليه في الشدة والضعف، بل يجب عليه أن يفعل بالمُعَزَّر ما يناسب معصيته من التغليظ والتخفيف، وإنما الراجع إليه تعيين نوع من الأنواع التي يحصل بها ذلك، فتأمل هذا الإبهام الذي أوقع المعترضين في الاعتراض بذلك عليّ، إن للمفتي أن يغلظ في الجواب ولو بغير الواقع، حيث لا مفسده. ففي المجموع والروضة وأصلها: للمفتي أن يشدد في الجواب بلفظ متأوَّل عنده زجراً وتهديداً في مواضع الحاجة. زاد في الروضة: قلت: المراد ما ذكره الصيمري وغيره قالوا: إذا رأى المفتي المصلحة أن يقول للعامي ما فيه تغليظ وهو لا يعتقد ظاهره وله فيه تأويل جاز زجراً، كما روي عن ابن عباس

مراد ما ذكره الصيمري وغيره قالوا: إذا رأى المفتي المصلحة أن يقول للعامي ما فيه تغليظ وهو لا يعتقد ظاهره وله فيه تأويل جاز زجراً، كما روي عن ابن عباس

رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عن توبة القاتل؟ فقال: لا توبة له. وسأله آخر فقال: له توبة، ثم قال: أما الأول فرأيت عليه إرادة القتل فمنعته، وأما الثاني فجاء مسكيناً قد قتل فلم أقنطه، قال الصيمري: وكذا إن سأله فقال: إن قتلتُ عبدي فهل عليَّ قصاص؟ فواسع أن يقول: إن قتلته قتلناك، فعن النبي ﷺ: (مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ)، ولأن القتل له معنيان وهذا كله إذا لم يترتب على الإطلاق مفسدة والله أعلم. انتهى كلام الروضة، وهو حريّ أن يتأمله المعترضون ويفهموه، فإنهم بمكان سحيق عنه وعن غيره من كلام الأئمة وإلا لما صدرت منهم هذه الخرافات. وأما الاعتراض بأن القاضي لا يُفْتَى عليه فقد مرّ ما يتكفل برده، بل لا يصدر ذلك إلا ممن ترك الشريعة الغراء وراءه ظِهرياً ونسياً منسياً؛ لأن القاضي إما أن يكون محقا فالإفتاء يؤيده وينصره، وإما أن يكون مُبطلاً فهو ليس بقاضٍ، فإن فُرض أنه قاضٍ ضرورةً وجب رفعه إلى مُستنيبه ليقيم عليه الأحكام الشرعية، فإن فرض أنه لا يفعل، فوض الأمر إلى الله تعالى حتى يحكم الله وهو خير

الحاكمين، على أن القاضي في صورة السؤال خصم مدعٍ على آخر ما يتعلق بالوصاية التي ذكر أنها فوضت إليه، فليس متحاكماً إليه حتى يكون له أدنى شبهة في نوع من الشتم أو السب، وإنما الحامل على ذلك استطالته على أعراض المسلمين وشتمهم بالألفاظ القبيحة التي لا تصدر من أدنى العوام. وأما الاعتراض بأن الجواب ليس مطابقاً للسؤال فكلام مهمل لا معنى له بوجه حتى يتكلم عليه، ومزيد المقت والغضب من الله سبحانه يُلجئ الشخص إلى أن يقول ما لا يعقله ولا يفهمه نعوذ بالله من ذلك، ونسأله العفو عما اقترفنا من الزلات والجهالة إنه جواد كريم، رؤوف رحيم.

ن الله سبحانه يُلجئ الشخص إلى أن يقول ما لا يعقله ولا يفهمه نعوذ بالله من ذلك، ونسأله العفو عما اقترفنا من الزلات والجهالة إنه جواد كريم، رؤوف رحيم.

وإذ قد أنهينا الكلام على هذه القضية فلننتقل إلى الكلام على بقية الألفاظ والأفعال التي توقع في الكفر عندنا أو عند غيرنا اعتناءً بهذا الباب لخطره، وفي الحقيقة هذا هو المقصود بالكتاب، وما مرّ كالمقدمة له أو السبب الباعث عليه، فنقول: هذا باب واسع وأكثر من اعتنى به الحنفية، ثم أصحابنا كما ستعلمه. فمن ذلك العزم على الكفر في زمن بعيد أو قريب، أو تعليقه باللسان أو القلب على شيء ولو محالاً عقلياً فيما يظهر، فيكون ذلك كفراً في الحال، كما نقله الشيخان عن التتمة، وجزم به البغوي وغيره كالحليمي وصححه الروياني، وقول الشافعي رضي الله تعالى عنه في الأم: كل ما لم يحرك به لسانه هو حديث النفس الموضوع عن بني آدم لا يخالف ذلك، خلافاً لمن وهم فيه؛ لأنه محمول على الخاطر الذي لا يستقر كما حمل الأئمة الحديث عليه، وقول أبي نصر القشيري: عندنا لا يتصور العزم على الكفر الذي هو

لك، خلافاً لمن وهم فيه؛ لأنه محمول على الخاطر الذي لا يستقر كما حمل الأئمة الحديث عليه، وقول أبي نصر القشيري: عندنا لا يتصور العزم على الكفر الذي هو

الجهل بالله، إذ لا يصح من العالم بالله أن يعزم على الجهل به. يجاب عنه: بأن المراد بالكفر في هذا الباب ما أشعر بالجهل وإن كان قلب من صدر منه شيء مما ذكر، وما يأتي ممتلئاً إيماناً. ألا ترى أن الاستهزاء أو الهزل كغيرهما وكذلك الفعل الآتي، فإن أراد أبو نصر أنه وإن عزم لا يكون كافراً فغير مُسَلَّمٍ له ذلك، بل لا وجه لكلامه حينئذ، وإن أراد أن حقيقة الكفر الذي هو الجهل لا يجامع حقيقة العلم فَمُسَلَّمٌ، لكن لا مدخل لذلك فيما نحن فيه، وفارق ذلك عزم العدل على مقارفَة كبيرة فإنه لا يفسق بأن نية الاستدامة على الإيمان شرط فيه بخلاف نية الاستدامة على العدالة فإنها ليست شرطاً فيها، وكأن وجه ذلك أن الإيمان: التصديق، وهو منتف مع العزم، والعدالة اجتناب الكبائر مع عدم غلبة المعاصي، والنية لا تنافي ذلك وهو ظاهر لا غبار عليه، ومن ثم قال البغوي: لو قال الكافر: آمنت بالله إن شاء الله لم يكن إيماناً؛ لأن الإيمان لا يتعلق بالشرط، ولو قال المسلم: كفرت إن شاء الله كفر في الحال. انتهى. ونقل الإمام عن الأصوليين أن من نطق بكلمة الردة، وزعم أنه أضمر توريةً كفر ظاهراً وباطناً، وأقرهم على ذلك، فتأمله ينفعك في كثير من المسائل، وكأن معنى قصده التورية أنه اعتقد مدلول ذلك اللفظ، وقصد أن يورّي على السامع، وإلا فالحكم بالكفر باطناً فيه نظر، ولو حصل له وسوسة فتردد في الإيمان أو الصانع أو تعرض بقلبه لنقص أو سب وهو كاره لذلك كراهة شديدة ولم يقدر على دفعه لم يكن علية شيء ولا إثم، بل هو من الشيطان فيستعين بالله

على دفعه، ولو كان من نفسه لما كرهه. ذكره ابن عبد السلام وغيره، ومن ذلك اعتقاد ما يوجب الكفر، وإن لم يظهر بقول أو فعل. ومنها: كل فعل صدر عن تعمد واستهزاء بالدّين صريح، كالسجود للصنم أو الشمس، سواء كان في دار الحرب أم دار الإسلام، بشرط أن لا تقوم قرينة على عدم استهزائه وعذره، وما في الحلية عن القاضي عن النص أن المسلم لو سجد للصنم في دار الحرب لا نحكم بردته، ضعيف، وواضح أن الكلام في المختار. واستشكل العز بن عبد السلام الفرق بين السجود للصنم وبين ما لو سجد الولد لوالده على جهة التعظيم حيث لا يكفر, والسجود للوالد كما يقصد به التقرب إلى الله تعالى كذلك يقصد بالسجود للصنم كما قال تعالى: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ) الزمر/٣. ولا يمكن أن يقال: إن الله شرع ذلك في حق العلماء والآباء دون الأصنام.

قال القرافي في قواعده: كان الشيخ يستشكل هذا المقام ويعظم الإشكال فيه، ونقل هذا الإشكال الزركشي وغيره، ولم يجيبوا عنه، ويمكن أن يجاب عنه بأن الوالد وردت الشريعة بتعظيمه, بل ورد شرع غيرنا بالسجود للوالد كما في قوله تعالى: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) يوسف/١٠٠، بناء على أن المراد بالسجود ظاهره، وهو وضع الجبهة على الأرض كما مشى عليه جمع. وأجابوا عنه بأنه كان شرعا لمن قبلنا, ومشى آخرون على أن المراد به الانحناء, وعلى كل فهذا الجنس قد ثبت للوالد ولو في زمن من الأزمان أو شريعة من الشرائع, فكان شبهة دارئة للكفر عن فاعله بخلاف السجود لنحو الصنم أو الشمس فإنه لم يرد هو ولا ما شابهه في التعظيم في شريعة من الشرائع, فلم يكن لفاعل ذلك شبهة لا ضعيفة ولا قوية فكان كافراً، ولا نظر لقصده التقرب فيما لم ترد الشريعة بتعظيمه بخلاف من وردت بتعظيمه, فاندفع الإشكال واتضح الجواب عنه كما لا يخفى.

ة لا ضعيفة ولا قوية فكان كافراً، ولا نظر لقصده التقرب فيما لم ترد الشريعة بتعظيمه بخلاف من وردت بتعظيمه, فاندفع الإشكال واتضح الجواب عنه كما لا يخفى. وفي المواقف وشرحها: من صدّق بما جاء به النبي ﷺ ومع ذلك سجد للشمس كان غير مؤمن بالإجماع؛ لأن سجوده لها يدل بظاهره على أنه ليس بمصدق ونحن نحكم بالظاهر, فلذلك حكمنا بعدم إيمانه؛ لأن عدم السجود لغير الله تعالى داخل في حقيقة الإيمان حتى لو علم أنه لم يسجد لها على سبيل التعظيم واعتقاد الإلهية، بل سجد لها وقلبه مطمئن بالتصديق لم يحكم بكفره فيما بينه وبين الله تعالى, وإن أُجري عليه حكم الكافر في الظاهر. انتهى.

ثم ما اقتضاه كلامه -أعني الشيخ عز الدين- من أن العلماء كالوالد في ذلك يدل عليه ما في الروضة آخر سجود التلاوة، وعبارته: وسواء في هذا الخلاف وفي تحريم السجود ما يفعل بعد صلاة وغيرها، وليس من هذا ما يفعله كثيرون من الجهلة والظالمون من السجود بين يدي المشايخ, فإن ذلك حرام قطعاً بكل حال سواء أكان إلى القبلة أو لغيرها وسواء قصد السجود لله تعالى أو غفل, وفي بعض صوره ما يقتضي الكفر عافانا الله تعالى منه. فأفهم أنه قد يكون كفراً بأن قصد به عبادة مخلوق أو التقرب إليه, وقد يكون حراماً بأن قصد به تعظيمه أو أطلق, وكذا يقال في الوالد. فإن قلت: ما ذكرته من الجواب عن الإشكال في الوالد لا يأتي في العلماء؛ لأنه لم ينقل صورة السجود لهم. قلت: بل يأتي فيهم؛ لأن تعظيمهم ورد به الشرع على أنه ثبت لجنسهم السجود كما في قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا) البقرة/٣٤، وآدم صلوات الله عليه وعلى نبينا وعلى سائر الأنبياء والمرسلين كان بالنسبة للملائكة ﵈ هو العالم الأكبر, فثبت لجنس العلماء السجود، فكان شبهة وإن كان المراد في الآية بالسجود الانحناء عند جماعة, وأن آدم ﵊ لم يكن هو المسجود له، وإنما كان قبلة لسجودهم كما أن الكعبة قبلة لسجودنا لصلاتنا. ومن المكفرات أيضا السحر الذي فيه عبادة الشمس ونحوها, فإن خلا عن ذلك كان حراماً لا كفراً، فهو بمجرده لا يكون كفراً ما لم ينضم إليه مكفر.

ودنا لصلاتنا. ومن المكفرات أيضا السحر الذي فيه عبادة الشمس ونحوها, فإن خلا عن ذلك كان حراماً لا كفراً، فهو بمجرده لا يكون كفراً ما لم ينضم إليه مكفر. ومن ثم قال الماوردي: مذهب الشافعي ﵁ أنه لا يكفر بالسحر ولا يجب به قتله ويسأل عنه, فإن اعترف معه بما يوجب كفره كان كافراً

بمعتقده لا بسحره, وكذا لو اعتقد تأثير السحر كان كافراً باعتقاده لا بسحره، فيقتل حينئذ بما انضم إليه السحر هذا مذهبنا. وأطلق مالك وجماعة سواه الكفر على الساحر, وأن السحر كفر، وأن الساحر يقتل ولا يستتاب سواء أسحر مسلماً أو ذمياً كالزنديق. لكن قال بعض أئمة مذهب المالكية: والصواب لا نقضي بهذا حتى يبين معقول السحر إذ هو يطلق على معان مختلفة, وسيأتي بيانها في الخاتمة مع بيان أن الصواب في هذه المسألة مذهبنا كما اعترف به كثير من أصحاب مالك. ومذهب أحمد في الساحر أقرب إلى مذهب مالك فيه, وسيأتي في الخاتمة أيضا كلام أهل مذهبه في ذلك.

ومنها: إلقاء المصحف في القاذورات لغير عذر ولا قرينة تدل على عدم الاستهزاء وإن ضعفت, والمراد بها النجاسات مطلقاً، بل والقذر الطاهر أيضاً كما صرح به بعضهم. قال الروياني: وكالمصحف في ذلك أوراق العلوم الشرعية، ويؤيده ما يأتي فيمن قال: قصعة ثريد خير من العلم وكتب الحديث, وكل ورقة فيها اسم من أسمائه تعالى أولى بذلك في كون إلقائه في القذر مكفراً, وهل مراد الروياني بالعلوم الشرعية الحديث والتفسير والفقه وآلاتها كالنحو وغيره، وإن لم يكن فيها آثار السلف، أو يختص بالحديث والتفسير والفقه؟ الظاهر الإطلاق وإن كان بعيد المدرك في ورقة من كتاب نَحوٍ مثلاً ليس فيها اسم معظم. وعبارة الزركشي في هذا المحل: ما ذكره: الرافعي في إلقاء المصحف في القاذورات لا يختص بالمصحف، بل كتب الحديث في معناه, وقد ألحق الروياني به أوراق العلوم الشرعية، ولا شك أن الحديث وما اشتمل عليه اسم من أسماء الله تعالى أعظم. انتهى. وفهم بعض المتأخرين من هذه العبارة أنها مضعفة لكلام الروياني, وأنت خبير إذا تأملتها رأيت أن الأمر ليس كذلك، وأنه إنما ذكر ذلك تقوية لما ذكره من إلحاق كتب الحديث بالمصحف، فكأنه يقول: هو أولى بالحكم مما ذكره الروياني فتَعين ذكرها كما ذكر الروياني أوراق بقية العلوم الشرعية، وإن كانت داخلة في كلامه, ومن ذلك يعلم أن كل ورقة فيها اسم معظم من أسماء الأنبياء والملائكة يكون كذلك, وأن المراد بالمصحف ونحوه كل ورقة فيها شيء من القرآن أو الحديث أو نحوهما سواء أكتب القرآن للدراسة أم غيرها، وأن هذا المحل فارق فساد بيع ذلك من كافر والدخول به للخلاء لفحش ما هنا. فإن قلت: الفرق ينافي ما تقرر قولهم: يحرم الاستنجاء بيد فيها خاتم عليه معظم، ولم يجعلوه كفراً. قلت: الفرق أن تلك حالة حاجة، وأيضاً فالماء يمنع ملاقاة النجاسة للمعظم,

نافي ما تقرر قولهم: يحرم الاستنجاء بيد فيها خاتم عليه معظم، ولم يجعلوه كفراً. قلت: الفرق أن تلك حالة حاجة، وأيضاً فالماء يمنع ملاقاة النجاسة للمعظم,

فإن فرض أنه قصد تضمّخه بالنجاسة يأتي فيه ما هنا، على أن الحرمة لا تنافي الكفر كما مر. وكإلقاء المصحف ونحوه في القذر تلطيخ الكعبة أو غيرها من المساجد بنجس, ولو قيل: إن تلطيخ الكعبة بالقذر الطاهر كذلك لم يبعد إلا أن كلامهم ربما يأباه. قال إمام الحرمين: وفي بعض التعاليق عن شيخي أن الفعل بمجرده لا يكون كفراً، قال: وهذا زلل عظيم من المُعلّق ذكرته للتنبيه على غلطه انتهى. وأقره الشيخان على ذلك وهو جدير بالغلط, وإن نقل عن الشيخ أبي محمد أيضا وعن غيره، خلافاً لمن نظر فيه بذلك, وقول الأذرعي: لم لا يؤوّل ويحمل على محمل صحيح لا يخفى على الفقيه استخراجه كأنه يشير به إلى أن حقيقة الفعل لا يمكن أن يكون كفراً, وإنما الكفر ما استلزمه من التهاون بالدين ونحوه, وهذا تأويل صحيح، وبه يندفع الغلط إلا أن المراد لا يدفع الإيراد.

ومنها: القول الذي هو كفر سواء صدر عن اعتقاد أو عناد أو استهزاء, فمن ذلك اعتقاد قدم العالم أو حدوث الصانع أو نفي ما هو ثابت للقديم بالإجماع المعلوم من الدين بالضرورة ككونه عالماً أو قادراً, أو كونه يعلم الجزئيات، أو إثبات ما هو منفي عنه بالإجماع كذلك كالألوان أو إثبات الاتصال أو الانفصال له. فإن قلت: المعتزلة ينكرون الصفات السبعة أو الثمانية ولم تكفروهم. قلت: هم لا ينكرون أصلها وإنما ينكرون زيادتها على الذات حذراً من تعدد القدماء فيقولون: إنه تعالى عالم بذاته قادر بذاته وهكذا. فالجواب عن شبهتهم المذكورة أن المحذور تعدد ذوات قدماء لا تعدد صفات قائمة بذات واحدة قديمة, وكذا يقال في اختلاف الأشاعرة في نحو البقاء والقدم والوجه واليدين. وبهذا إن تأملته تعلم الجواب عن قول العز بن عبد السلام، والعجب أن الأشعرية اختلفوا في كثير من الصفات كالقدم والبقاء والوجه واليدين, وفي الأحوال كالعالمية والقادرية وفي تعدد الكلام واتحاده، ومع ذلك لم يكفر بعضهم بعضاً. واختلفوا في تكفير نفاة الصفات مع اتفاقهم على كونه حياً قادراً

وفي الأحوال كالعالمية والقادرية وفي تعدد الكلام واتحاده، ومع ذلك لم يكفر بعضهم بعضاً. واختلفوا في تكفير نفاة الصفات مع اتفاقهم على كونه حياً قادراً

متكلماً واتفقوا على كماله بذلك، واختلفوا في تعليله بالصفات المذكورة انتهى, فأخذ عدم تكفير المعتزلة وغيرهم الذي هو الأصح وإن جرى عليه جماعة، بل نقل عن الأئمة الأربعة أنهم لم يسلكوا اعتقاد بعض في الذات, بل زعموا بذلك أنهم الموحدون المعظمون دون غيرهم. وأما القدم والبقاء فأمور اعتبارية فلا يلزم على نفيها نقص أيضاً، وكذا نفي الوجه واليدين ونحوهما فاتضح ما مشى عليه الأكثر، وعدم تكفير بعض الأشعرية لبعض, وقد أشار ابن الرفعة إلى مدرك القول بالكفر والقول بعدمه بما حاصله: أن المخالفين لصفات الباري تعالى الذي هو متصف بها إنما لم يحكم بكفرهم؛ لأنهم يعترفون بإثبات الربوبية لذات الله تعالى وهي واحدة, والقول بالكفر نظر إلى أن تغيير الصفات بما لا يعتبر فيه النظر، والعبارة بمنزلة تغيير الذات، فكفروا لأنهم لم يعبدوا الله تعالى المنزه عن النقص؛ لأنهم عبدوا من صفته كذا وكذا, والله ﷾ منزه عن ذلك، فهم عابدون لغيره بهذا الاعتبار. قال: وهذا ما يحكى عن اختيار شيخ الإسلام ابن عبد السلام قدس الله تعالى روحه انتهى. وميل كلام ابن الرفعة إلى عدم التكفير، وهو كذلك، وإن لزم على هذا الاعتقاد نقص, لأن لازم المذهب غير مذهب كما يأتي, ومن ثم قال الإسنوي: المجسمة ملزمون بالألوان وبالاتصال والانفصال، مع أنا لا نكفرهم على المشهور، كما دل عليه كلام الشرح

والروضة في الشهادات. انتهى. وسيأتي الجمع بين هذا وقول النووي في شرح المهذب بكفرهم. فالحاصل أن من نفى أو أثبت ما هو صريح في النقص كفر أو ما هو ملزوم للنقص فلا, ومعنى إثبات الاتصال والانفصال يرجع إلى قول من قال: الباري تعالى لا داخل العالم ولا خارجه، ومن ثم قال الغزالي: معناه أن مصحح الاتصال والانفصال الجسمية والتحيز وهو محال فانفك عن الضدين, كما أن الجماد لا هو عالم ولا جاهل؛ لأن مصحح العلم هو الحياة فإذا انتفت

الحياة انتفى الضدان، وهذا كما ترى ظاهر في تكفير القائلين بالجهة, لكن مشى الغزالي في كتابه: التفرقة بين الإسلام والزندقة، والعز بن عبد السلام في فتاويه الموصلية وغيرهما على عدم كفرهم. قال ابن عبد السلام: لأن علماء الإسلام لم يخرجوهم عن الإسلام, بل حكموا لهم بالإرث من المسلمين وبالدفن في مقابرهم وتحريم دمهم وأموالهم. قال الزركشي: وهذا بناه الشيخ على تفسير المتكلمين بالإيمان بما علم من دين محمد ﷺ بالضرورة وعلى هذا العلم بكونه عالماً بالعلم أو عالماً بذاته أو كونه مرئياً أو غير مرئي ليس بداخل في مسمى الإيمان, وكذلك كونه في جهة أو ليس في جهة انتهى. وبه يتأيد ما قدمته في وجه عدم تكفير المعتزلة ونحوهم. قال الشيخ: ومن زعم أن الإله ﷾ يحل في شيء من آحاد الناس أو غيرهم فهو كافر, لأن الشرع إنما عفا عن المجسمة لغلبة التجسيم على الناس, وأنهم لا يفقهون موجوداً إلى غير جهة بخلاف الحلول, فإنه لا يعم الابتلاء به، ولا يخطر على قلب عاقل فلا يعفى عنه أ. هـ. وكالحلول الاتحاد كما يأتي: والحاصل, أن في كفر سائر الفرق خلافاً بين أئمة السلف والخلف، حرره القاضي عياض آخر الشفاء، ومذهبنا أنه لا يكفر إلا نافي العلم

الحلول الاتحاد كما يأتي: والحاصل, أن في كفر سائر الفرق خلافاً بين أئمة السلف والخلف، حرره القاضي عياض آخر الشفاء، ومذهبنا أنه لا يكفر إلا نافي العلم

بالجزئيات أو بالمقدور, وزاعم قدم العالم أو بقائه أو الشاك في ذلك, ومنكر البعث أو شيء من متعلقاته كما يعلم مما يأتي عن الروضة عن القاضي عياض, وزاعم الحلول أو الاتحاد ونحوهم كالقائلين بالتناسخ وغيرهم من الطوائف المذكورة في الشفاء وغيرهم، وإنما تركت ذكرهم لأن كفرهم معلوم مما قررته في هذا الكتاب. ومن ذلك جحد جواز بعثة الرسل أو إنكار نبوة نبي من الأنبياء المتفق على نبوتهم صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين لا كالخضر وخالد بن سنان ولقمان وغيرهم، وكإنكار ذلك الشك فيه, قال الخوارزمي في "كافيه": أو إنكار رسالة واحد من الأنبياء المعروفين. انتهى.

وينبغي حمل قوله: المعروفين، على من أجمع المسلمون على رسالتهم، وأراد نفي الرسالة على سائر الأقوال, فإنه قد وقع خلاف في تعريف الرسول. ومن ذلك أيضاً تكذيب نبي أو نسبة تعمد كذب إليه أو محاربته أو سبه أو الاستخفاف به, ومثل ذلك كما قاله الحليمي ما لو تمنى في وقت نبي من الأنبياء أنه هو النبي دون ذلك النبي, أو في زمن نبينا ﷺ أو بعده أن لو كان نبياً أو أنه ﷺ لم تكن النبوة به فيكفر في جميع ذلك, والظاهر أنه لا فرق بين تمني ذلك باللسان أو القلب. تنبيه: قضية قولهم: "أو تكذيب نبي" أنه لا فرق بين تكذيبه في أمر ديني أو غيره, وهو ما يصرح به كلام العراقي شارح المهذب, لكن كلام غيره ينازع فيه،

لقلب. تنبيه: قضية قولهم: "أو تكذيب نبي" أنه لا فرق بين تكذيبه في أمر ديني أو غيره, وهو ما يصرح به كلام العراقي شارح المهذب, لكن كلام غيره ينازع فيه،

وأصل ذلك أنهم صرّحوا بأن من خصائصه ﷺ أن يتزوج بلا شهود, لأن اعتبارهم لأمن الجحد وهو مأمون في حقه ﷺ, ثم قالوا: والمرأة لو كذبته لم يلتفت إليها. وقال العراقي المذكور: بل تكفر بتكذيبه. فقضية كلام غيره عدم كفرها لكن كلامه أوجه؛ لأن تكذيبه ولو في الأمر الدنيوي صريح في عدم عصمته عن الكذب وفي إلحاق النقص به وكلاهما كفر, ولا ينافي ذلك ما وقع من بعض جفاة الأعراب مما يقرب من ذلك، لأنهم كانوا معذورين لقرب إسلامهم, وصريح كلامهم هنا أن كون الاستخفاف بالنبي كفراً لا يختص بنبينا ﷺ. ومنه يؤخذ إشكال في عد أصحابنا كون الاستخفاف به كفراً من خصائصه ﷺ. وقد يجاب أخذاً من استقراء كلامهم بأنهم كثيراً ما يعدون شيئا من خصائصه ويكون المراد به ما اختص به عما عدا الأنبياء من بقية الأمم, وقد عدوا من خصائصه أيضاً أن من زنى بحضرته ﷺ كفر، ونظر فيه في "الروضة", ويجاب بأن هذا ظاهر في الاستخفاف فكان كفراً، ومنه يؤخذ أن غيره من الأنبياء كذلك، ويعود الإشكال والجواب المذكوران. ومن ذلك أيضاً جحد آية أو حرف من القرآن مجمع عليه كالمعوذتين بخلاف البسملة، أو زيادة حرف فيه مع اعتقاد أنه منه.

فإن قلت: قد أنكر ابن مسعود كون المعوذتين قرآناً فكيف تكفرنا فيهما؟ قلت: قال النووي في المجموع: إن نسبة ذلك لابن مسعود كذب عليه. فإن قلت: فهل فيه جواب على تقدير الصحة؟ قلت: الجواب عنه أنه لم يستقر الإجماع عند إنكاره على كونهما قرآناً, وأما الآن فقد استقر وصارت قرآنيتهما معلومة من الدين بالضرورة فكفرنا فيهما، عالماً كان أو عامياً مخالطاً للمسلمين أم لا، على أن ما روي من إنكاره إنما هو إنكار

لرسمهما في مصحفه لا لكونهما قرآنا كما قاله الشيخ أبو علي بن أبي هريرة, والقاضي أبو بكر الباقلاني؛ لأنه كانت السنة عنده أن لا يثبت في المصحف إلا ما أمر النبي ﷺ بإثباته أو كتبه، ولم يجده كتب ذلك ولا سمع أمره به. وفي وجه حكاه القاضي حسين في تعليقه أنه يلحق بسبّ النبي ﷺ سبّ الشيخين

وعثمان

وعلي رضي الله تعالى عنهم أجمعين فقال: من سب الصحابة فسق, ومن سب الشيخين أو الحسنين

يكفر أو يفسق وجهان كذا في النسخة وصوابهما الختنين بمعجمة ففوقية فنون يعني عثمان وعلياً رضي الله تعالى عنهما, وعبارة البغوي: من أنكر

خلافة أبي بكر يبدع ولا يكفر, ومن سب أحداً من الصحابة ولم يستحل يفسق. واختلفوا في كفر من سب الشيخين: قال الزركشي، كالسبكي: وينبغي أن يكون الخلاف إذا سبهما لأمر خاص به, أما لو سبهما لكونهما صحابيين فينبغي القطع بتكفيره, لأن ذلك استخفاف بحق الصحبة وفيه تعريض بالنبي ﷺ. وقد روى الترمذي: أنه ﷺ رَأَى أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ: (هَذَانِ السَّمْعُ وَالبَصَرُ). وهكذا القول في شأن غيرهما من الصحابة, وقد ثبت عنه ﵊ أنه قال: (يقول اللَّهَ تعالى: مَنْ آذى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بالمحاربة أو بِالحَرْبِ) وفي رواية: (فَقَدْ اسْتَحَلَّ مُحَارَبَتِي).

ولا شك أنا نتحقق ولاية العشرة، فمن آذى واحداً منهم فقد بارز الله تعالى بالمحاربة, فلو قيل: يجب عليه ما يجب على المحارب لم يبعد، ولا يلزم هذا في غيرهم إلا من تحققت ولايته بإخبار الصادق انتهى. وما بحثه من القطع بالتكفير ظاهر نقلاً ومعنى، ومن الإلحاق بالمحارب ظاهر دليلاً لا نقلاً, وسيأتي لذلك بسط آخر. ومن ذلك أن يستحل محرماً بالإجماع كالخمر واللواط ولو في مملوكه, وإن كان أبو حنيفة لا يرى الحدَّ به؛ لأن مأخذ الحرمة عنده غير مأخذ الحد, أو يحرّم حلالاً بالإجماع كالنكاح، أو ينفي وجوب مجمع على وجوبه كركعة من الصلوات الخمس, أو يعتقد وجوب ما ليس بواجب بالإجماع كصلاة سادسة بأن يعتقد

لحد, أو يحرّم حلالاً بالإجماع كالنكاح، أو ينفي وجوب مجمع على وجوبه كركعة من الصلوات الخمس, أو يعتقد وجوب ما ليس بواجب بالإجماع كصلاة سادسة بأن يعتقد

فرضيتها كفريضة الخمس ليخرج معتقد وجوب الوتر ونحوه، وكصوم شوال. هذا ما ذكره الرافعي، زاد النووي في الروضة أن الصواب تقييده بما إذا جحد مجمعاً عليه يعلم من دين الإسلام ضرورة، سواء أكان فيه نص أم لا, بخلاف ما لم يعلم ذلك بأن لم يعرفه كل المسلمين، فإن جحده لا يكون كفراً انتهى. وما زاده ظاهر، وخرج بالمجمع عليه الضروري استحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب، وتحريم نكاح المعتدة, فلا يكفر جاحدهما، كما بينته في شرح الإرشاد، مع بيان أنه هل الكلام في جاحدهما جهلاً أو عناداً, ومع بيان ردِّ قول البلقيني أن نكاح المعتدة معلوم من الدين بالضرورة وأنه قيد استحلال الدماء والأموال بما لم ينشأ عن تأويل ظني البطلان كتأويل البغاة. وللضرورة أمثلة كثيرة استوعبتها في الفتاوى. ومن ذلك أيضاً ما لو أجمع أهل عصر على حادثة فإنكارها لا يكون كفراً، ومحل هذا كله في غير من قرب عهده بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة عن العلماء وإلا عُرّف الصواب فإن أنكر بعد ذلك كفر فيما يظهر، لأن إنكاره حينئذٍ فيه

راً، ومحل هذا كله في غير من قرب عهده بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة عن العلماء وإلا عُرّف الصواب فإن أنكر بعد ذلك كفر فيما يظهر، لأن إنكاره حينئذٍ فيه

تضليل للأمة، وسيأتي عن "الروضة" عن القاضي عياض أن كل ما كان فيه تضليل الأمة يكون كفراً, ثم ما ذكره الشيخان كالأصحاب في استحلال الخمر استبعده الإمام بأنا لا نكفر من ردّ أصل الإجماع, ثم أوَّل ما ذكروه بما إذا صدق المجمعين على أن التحريم ثابت في الشرع ثم حلله فإنه يكون رداً للشرع, قال الرافعي: وهذا إن صح فليجر مثله في سائر ما حصل الإجماع على افتراضه أو تحريمه فنفاه. وأجاب عنه أبو القاسم الزنجاني بأن ملحظ التكفير ليس مخالفة الإجماع، بل استباحة ما علم تحريمه من الدين بالضرورة, ولهذا قال ابن دقيق العيد: مسائل الإجماع إن صحبها التواتر كالصلاة كفر منكرها لمخالفة التواتر لا لمخالفة الإجماع، وإن لم يصحبها التواتر فلا يكفر نافيها, وفرّق الزركشي بين تكفير منكر الإجماع أي المجمع عليه وعدم تكفير منكر أصل الإجماع بأن منكر الحكم وافق على كون الإجماع حجة، ثم أنكر أثره المترتب عليه فكفرناه, بخلاف منكر الأصل فإنه لم يوافق على شيء البتة انتهى. وفي فرقه نظر لاقتضائه أن منكر الحكم لا بد أن يسبق منه اعتراف بحجية الإجماع وهو خلاف قضية إطلاقهم, وأن من سبق منه الاعتراف بذلك يكفر وإن لم يكن الحكم ضرورياً أو ليس كذلك, فالذي يتجه هو ما أشار إليه الجواب الأول من أن ملحظ التكفير إنكار الضروري سواء أسبق منه الاعتراف بحجية الإجماع أم لا.

فإن قلت: هل بقي من فرق آخر بين إنكار أصل الإجماع حيث لم يكن كفراً، وإنكار الحكم المجمع عليه الضروري حيث كان كفراً؟ قلت: نعم, وتقدم قبله مقدمة، وهي أن النظام وغيره إنما أنكروا كون الإجماع حجة زعماً منهم أنه لا يستحيل الخطأ على أهل الإجماع وأنه لا دليل على عصمتهم قطعاً، إذ ما أستدل به على ذلك يحتمل التأويل, فالإجماع الذي أنكروه هو تطابق العلماء على تفرقتهم وكثرتهم على رأي نظري، وهذا ليس كإنكار الضروري الذي هو تطابقهم على الإخبار عن محسوس على نقل التواتر وذلك قطعي لحصول العلم الضروري به، والقدح فيه يسري إلى إبطال الشريعة من أصلها فتطابق العلماء على رأي واحد نظري لا يوجب العلم القطعي إلا من جهة الشرع فلم يكن إنكار كونه من أصله حجة, ولا إنكار إفادته القطع مع الاعتراف بحجيته مكفراً على الأصح فإنه بخلاف إنكار الضروري فإنه يجر إلى إنكار الشرع بل الشرائع كلها، فمن ثم كان كفراً كما تقرر, فاتضح الفرق بين إنكار أصل الإجماع أو كونه حجة قطعية وبين إنكار الضروري, وبما قررته يعلم رد تنظير الغزالي في كفر جاحد المجمع عليه, بأن النظام أنكر كون الإجماع حجه فيصير مختلفا فيه، ووجه رده أن النظام لا ينكر الحكم كما مر, وعلى التنزل فهو بهذا الإنكار مبتدع ضال، فلا نظر لإنكاره ولا لخلافه. فإن قلت: نافي حكم الإجماع أخف حالاً من جاحد المجمع عليه, لأن الأول ليس معه اعتقاد مخالف بخلاف الثاني فإن الجاحد يقتضي سبق الاعتراف والاعتقاد. قلت: إذا تأملت ما سبق من التقرير علمت أن الملحظ في التكفير إنما هو

الأول ليس معه اعتقاد مخالف بخلاف الثاني فإن الجاحد يقتضي سبق الاعتراف والاعتقاد. قلت: إذا تأملت ما سبق من التقرير علمت أن الملحظ في التكفير إنما هو

إنكار الضروري المستلزم لإنكار الإجماع بخلاف إنكار الإجماع من أصله أو حجيته أو المجمع عليه غير الضروري, فإنه لا يكون كفرا، خلافا لما يوهمه كلام بعض المتأخرين. ومما يوضح هذا المقام أن من أنكر ما عرف بالتواتر فإن لم يرجع إنكاره إلى إنكار شريعة من الشرائع كإنكاره غزوة تبوك أو وجود أبي بكر وعمر وقتل عثمان وخلافة علي وغير ذلك مما علم بالنقل ضرورة وليس في إنكاره جحد شريعة لا يكون إنكار ذلك كفراً. إذ ليس فيه أكثر من الكذب والعناد كإنكار هشام وعباد وقعة الجمل ومحاربة علي من خالفه. نعم إن اقترن بذلك اتهامه للناقلين، وهم المسلمون أجمع، كفر كما في "الشفاء" وغيره لسريانه إلى إبطال الشريعة, وليس هذا كمنكري أصل الإجماع، لأنه لا يتهم جميع المسلمين بل ولا بعضهم, وإنما ينكر اجتماعهم وتوافقهم على شيء، وإن رجع إنكاره إلى إنكار قاعدة من قواعد الدين أو حكم من أحكامه, كإنكار الخوارج حديث الرجم فإن كان لإنكارهم الرجم كفروا،

ر اجتماعهم وتوافقهم على شيء، وإن رجع إنكاره إلى إنكار قاعدة من قواعد الدين أو حكم من أحكامه, كإنكار الخوارج حديث الرجم فإن كان لإنكارهم الرجم كفروا،

لأنه حكم من أحكام الشريعة مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة, وإن أنكروا واقعته واعترفوا بأن الرجم ثابت في هذه الشريعة بدليل آخر لم يكفروا، ما لم يقترن بذلك اتهامهم للناقلين وهم المسلمون أجمع. وإذا تدبرت هذا الذي قررته واستحضرت قواعدهم ظهر لك أنه أحق بالاعتماد والتصويب مما ذكره بعض المتأخرين وغيرهم في هذا المحل, وسيأتي بهذا المبحث زيادة تحقيق وتنقيح. وفي تعليق البغوي: من أنكر السنن الراتبة أو صلاة العيدين يكفر, والمراد إنكار مشروعيتها لأنها معلومة من الدين بالضرورة, لو أنكر هيئة الصلاة زعماً منه أنها لم ترد إلا مجملة وهذا الصفات والشروط لم ترد بنص جلي متواتر كفر أيضا إجماعا كما يؤخذ من كلام الشفاء. قال القمولي: ومن ذلك أي جحد الضروري أن يعتقد في شيء من المكوس أنه حق. قال: ويحرم تسميتها بذلك انتهى. وقضيته أن مجرد تسمية الباطل حقاً لا يطلق أنه كفر، وهو ظاهر في نحو هذه المسألة مما فيه ضرب من التأويل، وهو أخذ الإمام له على نية الزكاة, أما فيما لا تأويل فيه بوجه فينبغي أن يكون تسميته حقاً كفراً.

، وهو ظاهر في نحو هذه المسألة مما فيه ضرب من التأويل، وهو أخذ الإمام له على نية الزكاة, أما فيما لا تأويل فيه بوجه فينبغي أن يكون تسميته حقاً كفراً.

ومن المكفرات أيضاً أن يرضى بالكفر ولو ضمناً كأن يسأله كافر يريد الإسلام أن يلقنه كلمة الإسلام فلا يفعل, أو يقول له: اصبر حتى أفرغ من شغلي أو خطبتي لو كان خطيباً, أو كأن يشير عليه بأن لا يسلم وإن لم يكن طالباً للإسلام فيما يظهر, وكلام الحليمي الآتي قريباً قد يدل على أن إشارته عليه بأن لا يسلم إذا كانت لكونه عدوه فيشير عليه بما يكرهه، وهو الكفر، ويمنعه عما يحبه وهو الإسلام لم يكفر، وفيه نظر, والذي يظهر أنه يكفر بذلك، وإن قصد ما ذكر بأنه كان متسبباً في بقائه على الكفر، وليست هذه كمسألة الحليمي الآتية خلافاً لما توهمه؛ لأن تلك فيها مجرد تمنٍ فقط. وهذه فيها تسبب إلى البقاء على الكفر أو يشير على مسلم بأن يرتد، وإن كان مريداً للردة، كما هو ظاهر, أو يكرهه على الكفر على الأصح أو يطلب منه أو من كافر الكفر كما صرح به الإمام حيث قال في يهودي تنصر: ففي قول يطالب بالإسلام, أو العود إلى ما كان عليه, والتعبير عن هذا القول يحتاج إلا تأنق, فلا ينبغي أن يقال هو مطالب بالإسلام أو بالعود إلى التهود فإن طلب الكفر كفر. انتهى. بخلاف ما لو قال لمسلم: سلبه الله الإيمان، أو لكافر: لا رزقه الله الإيمان، فإنه لا يكون كفراً على الأصح، لأنه ليس رضاً بالكفر, وإنما هو دعاء عليه بتشديد الأمر والعقوبة عليه. هذا ما ذكره الشيخان, وأنت خبير من قولهما: لأنه ليس رضاً بالكفر إلى آخره أن محل ذلك ما إذا لم يذكر ذلك رضاً بالكفر وإلا كفر قطعاً, والذي يظهر من فحوى كلامهما أنه لو أطلق، ولم يقله على جهة الرضا بالكفر، ولا على جهة تشديد العقوبة عليه لا يكون كافراً وهو ظاهر. ولو رضي كافر بالإسلام أو أكره كافراً آخر عليه أو عزم عليه في المستقبل لم يكن بذلك مسلماً، ويفرق بما مر في العزم على الكفر والعزم على فعل كبيرة. وليس من الرضا بالكفر أن يدخل دار الحرب ويشرب معهم الخمر ويأكل لحم الخنزير؛ إذ ارتكاب كبائر المحرمات ليس كفراً ولا ينسلب بها

اسم الإيمان، بل اسم المدح كتقي أو ديّن وولي ومخلص وموفق على الإطلاق, فإذا مات فاسقاً لم يخلد في النار، خلافاً للخوارج، فأنهم يحكمون بكفره، وللمعتزلة فإنهم يقولون: إنه فاسق ليس بمؤمن ولا كافر, والفسوق عندهم منزلة بين الإيمان والكفر، ومنعا وصفه باسم مدح مما ذكر مطلقاً أو مقيداً. تنبيه: ما ذكر في مسألة عدم التلقين، وفي الإشارة هو ما نقله الشيخان في "الروضة" وأصلها عن المتولي وأقره، وهو المعتمد، وبه جزم البغوي. وأما ما في باب الغسل من المجموع من أن الصواب أنه ارتكاب معصية عظيمة، فضعيف, بل الصواب الأول، كما قاله الزركشي خلافاً لقول الأذرعي، والتصويب ظاهر في ما سوى إشارته بأن لا يسلم, وممن جزم أيضاً بالكفر في ذلك الفخر الرازي.

ونقل عن بعض العلماء أنه ينبغي له أن لا يطول المدة في كلمة لا, ليحصل الانتقال من الكفر إلى الإيمان على أسرع الوجوه. وما ذكر في مسألة: لا رزقه الله الإيمان استشكل بما إذا قال لمسلم: يا كافر بلا تأويل. ويجاب بأن الكفر ثم إنما جاء من تسمية الإسلام كفراً كما مر، وهذا ليس فيه ذلك, وبهذا يزيد اتجاه ما قدمته من أنه لو طلب ذلك رضا بالكفر كان كافراً، ويؤديه أيضاً ما دل عليه كلام الحليمي من أنه لو تمنى مسلم كفر مسلم فإن كان ذلك كما يتمنى الصديق لصديقه ما يستحسنه كفر، لأن استحسان الكفر كفر, وإن كان كما يتمنى العدو لعدوه ما يستعظمه لم يكفر, فإذا أسلم عدوه الكافر فحزن المسلم لذلك، وتمنى أنه لم يسلم وود لو عاد إلى الكفر، لا يكفر لأن استقباحه الكفر هو الذي يحمله على أن يتمناه له، واستحسانه الإسلام هو الذي يحمله على أن يكرهه له, وإنما يكون تمني الكفر كفرا على وجه الاستحسان له, وقد تمنى موسى على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين الصلاة والسلام ألا يؤمن فرعون وزاد على التمني فدعا الله بذلك بقوله: (رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) يونس/٨٨،

لُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) يونس/٨٨، فلم يضره ذلك ولا عاتبه الله تعالى عليه ولا زجره عنه انتهى, لكن في الاستدلال نظر, لأن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا, ولأنه يجوز أن موسى

صلى الله على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة والسلام على عدم إيمانهم فسأله قصداً, والكلام فيمن انطوت عاقبته. وقد يجاب: بأنه وإن كان شرعاً لمن قبلنا إلا أنه لم يرد في شرعنا ما يخالفه فيكون حجة على الخلاف, وبأن الأصل في السؤال طلب حصول ما ليس بحاصل، فلا نظر للاحتمال المذكور، على أنه ورد في القصة ما يخالفه وهو أن الإجابة لم تقع إلا بعد أربعين سنة من السؤال, فقوله تعالى: (قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا) يونس/٨٩ امتنان عليهما بالإجابة، وما كان واقعاً قبل الإجابة في علم السائل لا يمتن عليه بأنه استجيب له فيه.

فإن قلت: ما تقرر أولاً في مسألة سلبه الإيمان أو: لا رزقه الله الإيمان ينافيه ما اقتضاه كلام الإحياء من أنه لو لعن كافراً معيناً في وقتنا كفر, ولا

يقال: يلعن لكونه كافراً في الحال، كما يقال للمسلم: ﵀ لكونه مسلماً

في الحال وإن تصور أن يرتد, لأن معنى: ﵀، ثبته الله على الإسلام الذي هو سبب الرحمة، ولا يقال: ثبت الله الكافر على الكفر الذي هو سبب اللعنة؛ لأن هذا سؤال الكفر الذي هو سبب اللعنة وهو في نفسه كفر انتهى. قال الزركشي عقبه: فتفطن لهذه المسألة فإنها غريبة، وحكمها متجه، وقد زلّ فيه جماعة انتهى. قلت: لا منافاة لما قررته ثانياً من التفصيل الذي ينبغي أن يجري مثله هنا, كما أنه ينبغي أن يجري مثل هذا ثمَّ، فيقال: إن أراد بلعنة الله الدعاء عليه بتشديد الأمر أو أطلق لم يكفر, وإن أراد سؤال بقائه على الكفر أو الرضا ببقائه عليه كفر، وفي: سلبه الله الإيمان لمسلم، ولا رزقه الله الإيمان لكافر إن

Bagian 1 dari 4