السيف المسلول على من سب الرسول

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya تقي الدين السبكي (w. 756 H).

Bagian 1 dari 6 419 halaman

— Bagian 1 · السيف المسلول على من سب الرسول ﷺ —

Disusun dari indeks kitab digital SantriOnline.

Bagian 1

السيف المسلول على من سب الرسول ﷺ للإمام / تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي ت: ٧٥٦ هـ

تحقيق/ إياد أحمد الغوج

دار الفتح عمان - الأردن

﷽ قال الشيخ الإمام العلامة المجتهد المطلق، شيخ الإسلام، إمام الأئمة، لسان الأمة، حجة الله على أهل زمانه، والداعي إليه في سره وإعلانه، بقلمه ولسانه، قامع المبتدعين، بقية المجتهدين، خصم المناظرين، أحد أولياء الله الصالحين: تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي السُبكي تغمده الله برحمته: الحمد لله المنتصر لأوليائه، المنتقم من أعدائه، المعبود في أرضه وسمائه، المقدس بصفاته وأسمائه، المنفرد بعظمته وكبريائه، القاهر بجبروته وعلائه، الواحد الأحد الذي لا أول لأزليته ولا آخر لبقائه، الرب الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يشركه أحد في قضائه، الحي وقد حكم على كل أحد بفنائه، العالم فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء في حالتي ظهوره وخفائه، القادر فكل الممكنات تحت طوعه مسخرة لأمره ودعائه، الحكيم الذي أتقن ما صنع فسبحانه من إله تحار العقول في بحار آلائه. أحمده على ما أسبغ من نعمائه، وأسبل من عطائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أدخرها وأستودعه إياها ليوم لقائه.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خاتم أنبيائه، وصفوة رسله وأمنائه، نبي الرحمة، وشفيع الأمة، وكاشف الكرب والغمة، المخرج بإذن الله إلى النور من الظلمة، المبتعث بالهدى والحكمة، والمؤيد بما بشر به من الكفاية والعصمة. شرف الله قدره على سائر الخلائق، وأخذ من الأنبياء على نصرته العهود والمواثق. حبيب الله وخليله، وأمينه على وحيه ورسوله، أكرم الخلق على ربه، والموعود النصر لحزبه، لولاه ما خلقت شمس ولا قمر، ولا كان للدنيا عين ولا أثر. الدعي إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، والواجب تعظيمه والصلاة عليه على جميع الألسنة، من وجبت نبوته وآدم بين الروح

، ولا كان للدنيا عين ولا أثر. الدعي إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، والواجب تعظيمه والصلاة عليه على جميع الألسنة، من وجبت نبوته وآدم بين الروح

والجسد، وكان اسمه مكتوبًا على العرش مع الفرد الصمد، ورفع الله ذكره/ فلا يذكر إلا ذكر معه، وجعل شريعته ناسخة لجميع الشرائع، فلو كان موسى وعيسى حيين لاقتدى به كل منهما وتبعه. المنصور بالرعب مسيرة شهر، والباقي كتابه بقاء الدهر، المخصوص بالدعوة العامة وكان النبي يبعث إلى قومه، وصاحب الشفاعة العظمى حين يذهل كل أحد عن والده ووالده وأمه.

بيده لواء الحمد، وآدم ومن دونه تحت لوائه، وأول من تنشق عنه الأرض إذا بعث الأموات، وإمام الأنبياء وخطيبهم إذا خشعت للرحمن الأصوات. صاحب الصدر المشروح، والإمداد بالملائكة والروح، والمعجزات الباهرة، والآيات الظاهرة، المطهر من كل دنس وعيب، والمبجل عن كل شك وريب، لم يزل نورًا يتنقل في الأصلاب والجباه، من لدن آدم إلى أبيه عبد الله، فنسبه أطهر الأنساب وأعظمها، وأرفعها عند الله والخلق وأكرمها، مبرأ من أنكحة الجاهلية الفاسدة والسفاح، محفوظًا بكلاءة الله في عقودها الصحاح، حتى طلع بدرًا منيرًا تنكست الأصنام لطلعته،

وأفل داعي الشرك لبعثته. وأتى كمال دائرة الوجود وقطبه، وصفوة العالم ولبه، من أنفس القبائل وهو أنفسها، وأرأس الشعوب وهو أرأسها، كاملاً في ذاته وصفاته، محفوظًا في حركاته وسكناته، معصومًا في جلواته وخلواته، مدعوًا عند قومه بالأمين، مقبلاً بقلبه وقالبه على عبادة رب العالمين. يسلم عليه قبل مبعثه الحجر ويظلله الغمام، ويتوسم فيه كل من له علم أنه رسول الملك العلام.

عند قومه بالأمين، مقبلاً بقلبه وقالبه على عبادة رب العالمين. يسلم عليه قبل مبعثه الحجر ويظلله الغمام، ويتوسم فيه كل من له علم أنه رسول الملك العلام.

إلى أن كمل الأربعين، فأتاه الروح الأمين، بالكتاب المبين، الذي هو أعظم المعجزات، بله تسبيح الحصا، ونبع الماء، وانشقاق القمر، ورد العين بعد العور، وتكثير القليل/ وإجابة الدعاء، والمعراج والإسراء، وكمال محاسنه في الخُلُقِ والخَلْق، ورأفته ورحمته بكافة الخلق، والصلاة بالأنبياء، وسيادة ولد آدم، ورد الشمس بمشاهدة العالم، وقلب الأعيان، وإبراء الأكمة في العيان، وغير ذلك من المعجزات، والآيات البينات، التي لا تعد ولا تحد، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وذريته، وسلم تسليمًا كثيرًا ما دار فلك، وسبح ملك، وذر شارق وغرب، وغرد حمام وأطرب، وما دامت الدنيا والأخرة، وألبسه من تعظيمه حلله الفاخرة، وآتاه الوسيلة والفضيلة، والدرجة الرفيعة، وبعه مقامًا محمودًا، وأهدى إليه منا كل وقت سلامًا جديدًا.

أما بعد: فإنه لا منة علينا لأحد بعد الله كما لهذا النبي الكريم، ولا فضل لبشر سواه علينا كفضله العميم، إذ به هدانا الله إلى الصراط المستقيم، ووقانا من حر نار الجحيم. قال تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم (١٢٨)) [التوبة: ١٢٨]. به حصلت لنا مصالح الدنيا والأخرة، وأسبغ الله علينا نعمه باطنة وظاهرة، وبصرنا بعد العمى، وهدانا بعد الضلال، وعلمنا بعد الجهل، وبه ـ إن شاء الله ـ نرجو الأمن بعد الخوف. اختبأ لنا دعوته شفاعة لنا يوم القيامة، وسأل الله لنا ما لا تبلغه أمنيتنا من أنواع الكرامة، فكيف نقوم بشكره؟! أو نقوم من واجب حقه بمعشار عشره! فلذلك ـ ولما له عند الله من المرتبة العلية ـ أوجب علينا تعظيمه وتوقيره ونصرته ومحبته والأدب معه، فقال تعالى: (إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا (٨) لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه) [الفتح: ٨ - ٩]. وقال تعالى: (إلا تنصروه فقد نصره الله) [التوبة: ٤٠]. وقال تعالى:/ (النبي أولى بالمؤمنين من أنسهم) [الأحزاب: ٦].

سوله وتعزروه وتوقروه) [الفتح: ٨ - ٩]. وقال تعالى: (إلا تنصروه فقد نصره الله) [التوبة: ٤٠]. وقال تعالى:/ (النبي أولى بالمؤمنين من أنسهم) [الأحزاب: ٦]. وقال تعالى: (يا أيها الذين أمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون (٢) إن الذين

يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم (٣)) [الحجرات: ٢ - ٣]. وقال تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا (٥٦)) [الأحزاب: ٥٦] وقال تعالى: (وإن تظاهروا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرا (٤)) [التحريم: ٤]. وقال تعالى: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم) [آل عمران: ١٦٤]. ومن تأمل القرآن كله وجده طافحًا بتعظيم عظيم لقدر النبي ﷺ. وإن الله تعالى كما أخذ علينا لنفسه ـ مع التصديق به وبوحدانيته ـ واجبات: في قلوبنا: من التعظيم والإجلال والمهابة والخوف والرضى والتوكل والشكر. وفي ألسنتنا: مِنَ الثناء والذكر والحمد والقراءة. وفي جوارحنا: من الصلاة وغيرها من الواجبات. كذلك أوجب لنبيه ـ مع التصديق به وبرسالته ـ واجبات: في قلوبنا: من التوقير والعظيم والمحبة، وفي ألسنتنا: من الصلاة والشهادة في الأذان والصلاة والخطبة، وفي جوارحنا: بأن نقدمه على أنفسنا ونبذل مهجنا بين يديه، إلى غير ذلك مما أوجبه الله له، هذا زيادة على ما يجب بتبليغه من جهة الرسالة،

والصلاة والخطبة، وفي جوارحنا: بأن نقدمه على أنفسنا ونبذل مهجنا بين يديه، إلى غير ذلك مما أوجبه الله له، هذا زيادة على ما يجب بتبليغه من جهة الرسالة،

فإن ذلك عام في كل رسول من حيث الرسالة، وهذا قدر زائد تعظيمًا لخصوصه زيادة على التبليغ. وقال ﷺ: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين". وقال عمر: يا رسول الله، أنت أحب إلي من كل أحد إلا نفسي، قال: "لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك"، قال: أنت أحب إلي من نفسي، قال: "فالآن". وكذلك حرم الله ﷾ علينا أمورًا لتعظيم/ النبي فقال تعالى: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا إن ذالكم كان عند الله عظيما (٥٣)) [الأحزاب: ٥٣]. وقال تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والأخرة وأعد لهم عذابًا مهينا (٥٧) والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا (٥٨)) [الأحزاب: ٥٧ - ٥٨]. فانظر كيف غاير في الجزاء بين أذى الرسول وأذى غيره من المؤمنين، وحرم أزواجه بعده، ولم تحرم أزواج غيره من المؤمنين بعده. وقال تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين أمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم (٦١)) [التوبة: ٦١].

يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين أمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم (٦١)) [التوبة: ٦١].

وقال تعالى: (إن ذالكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق) [الأحزاب: ٥٣]. وحرم ﷾ التقدم بين يدي الله ورسوله، فلا يحل لأحد أن يتقدم بقوله على النبي صلى الله عليه. وحرم التخلف عنه، فقال: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه) [التوبة: ١٢٠]. وحرم نداءه من وراء الحجرات، ونسب من يفعل ذلك إلى عدم العقل. ولا سبيل إلى أن نستوعب هاهنا الآيات الدالة على ذلك وما فيها من التصريح والإشارة إلى علو قدر النبي ﷺ ومرتبته، ووجوب المبالغة في حفظ الأدب معه، وكذلك الآيات التي فيها ثناء الله تعالى عليه وقسمه بحياته، ونداؤه بالرسول والنبي ولم يناده باسمه بخلاف غيره من الأنبياء ناداهم بأسمائهم، إلى غير ذلك مما يشير إلى إنافة قدرة العلي عنده، وأنه لا مجد يساوي مجده. فكان تعظيمنا له وبذلنا النفوس والمهج بين يديه، وتوقيرنا إياه ونصرتنا له: عبادة واجبة علينا لامتثال/ أمر الله تعالى ونفوسنا منقادة إليه لما له علينا من الإحسان، والقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، والمحبة بالقلب، والنصرة باليد واللسان، فإذا عجزت اليد فلا أقل من اللسان.

ا منقادة إليه لما له علينا من الإحسان، والقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، والمحبة بالقلب، والنصرة باليد واللسان، فإذا عجزت اليد فلا أقل من اللسان.

وهذا تصنيف سميته: السيف المسلول على من سب الرسول وكان الداعي إليه أن فتيا رفعت إلي في نصراني سب ولم يُسلم، فكتبت عليها: يقتل النصراني المذكور كما قتل النبي ﷺ كعب بن الأشرف، ويطهر الجناب الرفيع من ولغ هذا الكلب: لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم وكتب معي جماعة من الشافعية والمالكية، فأنكر ذلك بعض الناس محتجًا بقول الرافعي وغيره من الأصحاب: إن في انتقاض عهده بذلك خلافًا، وظن أنه إذا لم ينتقض عهده لا يُقتل، وتعجب من استدلالي بقصة كعب بن الأشرف، وقال: هذه واقعة عين لا يستدل بها لاحتمال أنه قتله بغير السب، وربما زعم بعض المجادلين في ذلك أن كعب بن الأشرف كان حربيًا. وإني لأتعجب من المجادلة في ذلك ممن له أدنى إلمام بالسير أو أنس بالفقه! وأتعجب من شافعي عجبًا آخر وإمامه قد قال ما قلته واحتج

بما احتججت به من خبر كعب بن الأشرف، وكذلك الأكابر من أصحاب مذهبه، ولم يصرح أحد منهم بخلاف ذلك، وقال الغزالي: إن المذهب أنه لا تقبل توبته، فلا وجه لإنكار ذلك إلا المجادلة بالباطل. وحق علي وعلى غيري من أهل العلم القيام في ذلك وتبيين الحق فيه، فإن فيه نصره للنبي ﷺ، والله تعالى يقول: (وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز (٢٥)) [الحديد: ٢٥]. وليس لي قدرة أن أنتقم بيدي من هذا الساب المعلون، والله يعلم أن قلبي كاره/ منكر، ولكن لا يكفي الإنكار بالقلب هاهنا، فأجاهد بما أقدر عليه من اللسان والقلم، وأسأل الله عدم المؤاخذة بما تقصر يدي عنه، وأن ينجيني كما أنجي الذي ينهون عن السوء، إنه عفو غفور.

ورتبت هذا الكتاب على أبواب أربعة: الأول: في حكم الساب من المسلمين. الثاني: في حكم الساب من أهل الذمة وسائر الكفار. الثالث: في بيان ما هو سب. الرابع: في شيء من شرف المصطفى ﷺ نختم به الكتاب؛ ليكون خاتمه مسكا. والله تعالى أسأل أن ينفع به وأن يجعله خالصًا لوجهه، وأن يسدد أقوالنا وأفعالنا ونياتنا، ويجمع لنا ولآبائنا وأمهاتنا وأولادنا وأهلينا خير الدنيا وخير الآخرة، ويصرف عنا شر الدنيا وشر الآخرة، ويحشرنا في زمرة هذا النبي الكريم، بفضله ومنه الجسيم؛ إنه هو الغفور الرحيم.

الباب الأول: في حكم الساب من المسلمين وفيه فصلان: أحدهما: في وجوب قتله إذا لم يتب. والثاني: في توبته واستتابته.

الفصل الأول: في وجوب قتله وذلك مجمع عليه، والكلام في مسألتين، إحداهما: في نقل كلام العلماء في ذلك ودليله، والثانية: في أنه: يُقتل كفرًا أو حدًا مع الكفر؟

المسألة الأولى: في نقل كلام العلماء ودليله أما النقل: فقال القاضي عياض: "أجمعت الأمة على قتل متنقصه من المسلمين وسابه". وقال أبو بكر بن المنذر: "أجمع عوام أهل العلم على أن على من سب النبي ﷺ القتل. وممن قال ذلك مالك بن/ أنس، والليث، وأحمد،

تل متنقصه من المسلمين وسابه". وقال أبو بكر بن المنذر: "أجمع عوام أهل العلم على أن على من سب النبي ﷺ القتل. وممن قال ذلك مالك بن/ أنس، والليث، وأحمد،

وإسحاق، وهو مذهب الشافعي". قال عياض: "وبمثله قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري وأهل الكوفة، والأوزاعي، في المسلم". وقال محمد بن سحنون: "أجمع العلماء أن شاتم النبي ﵇ المتنقص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر".

وقال أبو سليمان الخطابي: "لا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف في وجوب قتله إذا كان مسلمًا". وعن إسحاق بن راهويه أحد الأئمة الأعلام قال: "أجمع المسلمون أن من سبَّ الله أو سبَّ رسوله ﷺ أو دفع شيئًا مما أنزل الله أو قتل نبيًا من أنبياء الله ﷿ أنه كافر بذلك وإن كان مقرًا بكل ما أنزل الله". وهذه نقول معتضدة بدليلها، وهو الإجماع، ولا عبرة بما أشار إليه ابن حزم الظاهري من الخلاف في تكفير المستخف به، فإنه شيء لا يعرف

لأحد من العلماء، ومن استقرأ سير الصحابة تحقق إجماعهم على ذلك، فإنه نقل عنهم في قضايا مختلفة منتشرة يستفيض مثلها، ولم ينكره أحد. روى أبو داود والنسائي عن أبي برزة قال: كنت عند أبي بكر ﵁، فتغيظ على رجل ـ وفي رواية: من أصحابه ـ فاشتد عليه، فقلت: تأذن لي يا خليفة رسول الله أضرب عنقه؟ قال: فأذهبت كلمتي غضبه، فقام فدخل، فأرسل إلىَّ فقال: ما الذي قلت آنفًا؟ قلت: ائذن لي أضرب عنقه. [فقال:] أكنت فاعلاً لو أمرتك؟ قلت: نعم، قال: لا والله، ما كانت لبشرٍ بعد محمد ﷺ.

فهذا الكلام من أبي بكر ﵁ يدل على أن النبي ﷺ له أن يقتل من تغيظ عليه، بخلاف غيره من البشر، ولا شك أن سبه يغيظه. وروى سيف وغيره أن المهاجر بن أبي أمية ـ وكان أميرًا على اليمامة أو نواحيها ـ رفعت إليه امرأتان غنت إحداهما باسم النبي ﷺ فقطع يدها ونزع ثناياها، وغنت الأخرى بهجاء المسلمين فقطع يدها ونزع ثنيتها/، فكتب إليه أبو بكر: بلغني الذي سرت به في المرأة التي تغنت وزمرت باسم النبي ﷺ، فلولا ما قد سبقتني فيها لأمرتك بقلتها، لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود، فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد، أو معاهد فهو محارب غادر.

وزمرت باسم النبي ﷺ، فلولا ما قد سبقتني فيها لأمرتك بقلتها، لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود، فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد، أو معاهد فهو محارب غادر.

فإن قيل: لِمَ لا كتب إليه أبو بكر بقتلها؟ قلنا: لعلها أسلمت، أو لأن المهاجر حدها باجتهاده فلم ير أبو بكر أن يجمع بين حدين. وعن عمر ﵁ أنه أتى برجل سب النبي ﷺ فقلته، ثم قال عمر: من سب الله أو سب أحدًا من الأنبياء فقاتلوه. وعن ابن عباس قال: أيما مسلم سب الله أو سب أحدًا من الأنبياء فقد كذب برسول الله ﷺ، وهي ردة، يستتاب فإن رجع وإلا قتل، وأيما معاهد عاند فسب الله أو سب أحدًا من الأنبياء أو جهر به فقد نقض العهد فاقتلوه. وعن خليد أن رجلاً سب عمر بن عبد العزيز فكتب عمر: أنه لا يقتل إلا من سب رسول الله ﷺ.

والإكثار من ذلك لا حاجة إليه مع العلم بقيام الإجماع عليه. وهكذا ورد عن الشافعي ﵁ أنه سئل عمن هزل بشيء من آيات الله تعالى، فقال: هو كافر، واستدل بقوله تعالى: (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون (٦٥) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) [التوبة: ٥٦ ـ ٦٦]. ونقل القاضي عياض عن إبراهيم بن حسين بن خالد الفقيه أنه احتج بقتل خالد بن الوليد بن نويرة لقوله عن النبي ﷺ: صاحبكم.

قال: وقال ابن القاسم عن مالك ـ في "كتاب ابن سحنون"، و"المبسوط"، و"العتبية"، وحكاه مطرف عن مالك في كتاب ابن حبيب ـ: من سب النبي ﷺ قتل ولم يستتب. وقال ابن القاسم في

"العُتبية": أو شتمه أو عابه أو تنقصه فإنه يقتل، وحكمه عند الأمة القتل كالزنديق. وفي "المبسوط": عن عثمان بن كنانة: من شتم النبي ﷺ من المسلمين قتل أو صلب حيًا/ ولم يستتب، والإمام مخير في صلبه حيًا أو قتله. ومن رواية أبي مصعب وابن أبي أويس: سمعنا مالكًا يقول: منسب رسول الله ﷺ أو شتمه أو عابه أو تنقصه قتل مسلمًا كان أو كافرًا ولا يستتاب. وفي "كتاب محمد": أخبرنا أصحاب مالك أنه قال: من سب النبي ﷺ أو غيره من النبيين من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب. وقال

أصبغ: يقتل على حال أسر ذلك أو أظهره، ولا يستتاب، لأن توبته لا تعرف. وقال عبد الله بن عبد الحكم: من سب النبي ﷺ من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب. وحكى الطبري مثله عن أشهب عن مالك. وروى ابن وهب عن مالك: من قال: إن رداء النبي ﷺ ويروى: زر النبي ﷺ وسخ، أراد به عيبه، قتل. قال القاضي عياض: وقال بعض علمائنا: أجمع العلماء على أن من دعا على نبي من الأنبياء بالويل أو بشيء من المكروه أنه يقتل بلا استتابة، وأفتى أبو الحسن القابسي فيمن قال في النبي ﷺ، يتيم أبي طالب،

لعلماء على أن من دعا على نبي من الأنبياء بالويل أو بشيء من المكروه أنه يقتل بلا استتابة، وأفتى أبو الحسن القابسي فيمن قال في النبي ﷺ، يتيم أبي طالب،

بالقتل. وأفتى فقهاء الأندلس بقتل [ابن] حاتم المتفقه الطليطلي وصلبه باستخفافه بحق النبي ﷺ وتسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم، وزعمه أن زهده لم يكن قصدًا، ولو قدر على الطيبات أكلها. وقال حبيب بن ربيع القروي: مذهب مالك وأصحابه أن من قال فيه ﵇ ما فيه نقص قتل دون استتابة. وقال ابن عتاب: الكتاب والسنة موجبان أن من قصد النبي ﷺ بأذى أو نقص معرضًا أو مصرحًا وإن قل فقلته واجب. قال القاضي عياض: وكذلك أقول حكم من غمصه أو عيره برعاية الغنم أو السهو أو النسيان أو السحر، أو ما أصابه من جرح أو أصاب

بعض جيوشه، أو شدة من زمنه أو عدوه، أو بالميل إلى نسائه، فحكم هذا كله لمن قصد به: القتل./ وقال أحمد بن حنبل في رواية عبد الله: من شتم النبي قُتل، وذلك أنه شتم فقد ارتد عن الإسلام، ولا يشتم مسلم النبي ﷺ. وقال في رواية حنبل: كل من شتم النبي ﷺ أو تنقصه مسلمًا كان أو كافرًا فعليه القتل، وأرى أن يُقتل ولا يستتاب. وقال في رواية أخرى: من شتم النبي ﷺ مسلمًا كان أو كافرًا يُقتل. وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عمن شتم النبي ﷺ: يُستتاب؟ قال: قد وجب عليه القتل ولا يستتاب؛ خالد بن الوليد قتل رجلاً شتم النبي ﷺ ولم يستتبه. وهكذا قال أصحاب أحمد: إن من سب الله كفر سواء أكان مازحًا أم جادًا للآية التي استدل بها الشافعي.

وقال أبو يعلى من الحنابلة: من سب الله أو سب رسوله فإنه يكفر سواء استحل سبه أم لم يستحله، فإن قال: لم أستحل ذلك لم يقبل منه في ظاهر الحكم، رواية واحدة، وكان مرتدا. قال: وليس كالقاتل والشارب والسارق إذا قال: أنا غير مستحل، حيث يصدق، لأن له غرضا في فعل هذه الأشياء مع التحريم، وهو اللذة. قال: وإذا حكمنا بكفره فإنما نحكم به في الظاهر، فأما في الباطن فإن كان صادقًا فيما قال فهو مسلم كما في الزنديق. وذكر أبو يعلي عن بعض الفقهاء: إن كان مستحيلاً كفر، وإن لم يكن مستحيلاً فسق ولم يكفر كساب الصحابة.

ن فإن كان صادقًا فيما قال فهو مسلم كما في الزنديق. وذكر أبو يعلي عن بعض الفقهاء: إن كان مستحيلاً كفر، وإن لم يكن مستحيلاً فسق ولم يكفر كساب الصحابة.

وهذا نظير ما يُحكى أن بعض الفقهاء من أهل العراق أفتى هارون الرشيد فيمن سب النبي ﷺ أن يجلدا، حتى أنكر ذلك مالك ﵁ ورد هذه الفتيا. وهذا نظير ما حكاه ابن حزم، وقد ذكر القاضي عياض بعد أن رد هذه الحكاية عن بعض فقهاء العراق والخلاف الذي أشار إليه ابن حزم بما نقله من الإجماع عن غير واحد، وحمل الحكاية على أن أولئك لم يكونوا ممن شهر بالعلم، أو لم يكونوا ممن يوثق بفتواه لميل الهوى به، أو أن الفتيا كانت في كلمة اختلف/ في كونها سبًا أو كانت فيمن تاب. وما حكي عن بعض الفقهاء من أنه إذا لم يستحل لا يكفر: زلة عظيمة وخطأ صريح لا يثبت عن أحد من العلماء المعتبرين، ولا يقوم عليه دليل صحيح.

وأما الدليل: فالكتاب والسنة والإجماع والقياس. أما الكتاب: فقوله تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والأخرة وأعد لهم عذابًا مهينًا) [الأحزاب: ٥٧]. وقوله تعالى: (والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم) [التوبة: ٦١]. وقال تعالى: (ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا) [الأحزاب: ٦١]. فهذه الآيات كلها تدل على كفره وقتله. والأذى هو: الشر الخفيف، فإن زاد كان ضررًا، كذا قال الخطابي وغيره، ويدل له قول الله تعالى فيما حكى عنه نبيه: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني" مع إثباته الأذى في هذه الآيات، وفي ذلك تعظيم لقدر النبي ﷺ أن نيله بشيء يسير من الشر كفر، والضرر في حق الله تعالى محال، والأذى في حقه وحق رسوله كفر، لأن العذاب المهين إنما يكون للكفار، وكذلك القطع بالعذاب في الدنيا والأخرة إنما يكون للكفار، وكذا العذاب الأليم. وكذلك قوله بعد ذلك: (ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله ...) [التوبة: ٦٣]، الآية، فإنه مع الآية قبله يدل على أن الأذى محادة، وقد قال تعالى: (إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا) [المجادلة: ٥]، وقوله: (أولئك في

) [التوبة: ٦٣]، الآية، فإنه مع الآية قبله يدل على أن الأذى محادة، وقد قال تعالى: (إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا) [المجادلة: ٥]، وقوله: (أولئك في

الأذلين (٢٠) كتب الله لأغلبن أنا ورسلي) [المجادلة: ٢٠ - ٢١]، وقوله: (ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا (٥٢)) [النساء: ٥٢]. وإذا علم هذا فنركب دليلاً، وهو: أن الساب مؤذٍ، والمؤذي محاد، والمحاد مكبوت أذل مغلوب، ومن كان كذلك لا يكون منصورًا، فلو لم يجز قتله لوجب على المسلمين نصرته، وقد ثبت بطلانه. وأيضًا نقول: الساب مؤذ، والمؤذي كافر بالآيات الأول، وغير ذلك من وجوه تركيب الاستدلال. وأما السنة: فقول النبي ﷺ في الحديث الثابت في "الصحيحين" لما خطب في قضية الإفك واستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول فقال: "من يعذرني من رجل بلغني/ أذاه في أهلي"، فقال سعد بن معاذ سيد الأوس: أنا يا رسول الله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. فقول سعد بن معاذ هذا دليل على أن قتل مؤذيه كان معلوما عندهم، وأقره النبي ﷺ ولم ينكره ولا قال له إنه لا يجوز قتله، والمستعذر منه ابن أبي، وكان ظاهره الإسلام، ولم يكن قصد سعد قتله لنفاق، وإنما كان لأذاه لرسول الله ﷺ. فإن قلت: قد كان من جملة من خاض في الإفك مسطح وجماعة من خيار المسلمين ممن يقطع بأنهم لا يحكم عليهم بكفر ولا قتل، ولو كان ما استدللت به على ظاهره لوجب إجراء ذلك عليهم، ولكان سب أزواج النبي ﷺ موجبًا للكفر أو للقتل.

سلمين ممن يقطع بأنهم لا يحكم عليهم بكفر ولا قتل، ولو كان ما استدللت به على ظاهره لوجب إجراء ذلك عليهم، ولكان سب أزواج النبي ﷺ موجبًا للكفر أو للقتل.

قلت: الأذى على قسمين: أذى مقصود، وأذى غير مقصود، فمسطح وحمنة وحسان لم يكن مقصودهم أذى النبي ﷺ، فلذلك لا يجري عليهم كفر ولا قتل، وأما ابن أبي فكان مقصوده بالأذى النبي ﷺ، فلذلك يستحق القتل، ولكن الحق للنبي ﷺ، فله تركه. وهذه القاعدة واعتبار القصد فيما يحصل به الأذى مما يجب التنبيه له، فإن الشخص قد يفعل فعلاً أو يقول قولاً فيحصل لآخر منه أذى لا يكون ذلك الفاعل أو القائل قصد أذاه ألبتة، وإنما قصد أمرًا آخر ولم يحضر عنده أن ذلك يستلزم الأذى لذلك الشخص ولا كان لزومه له بينا، فهذا لا يترتب عليه حكم الإيذاء. وهذا قد وقع لجماعة من جفاة الأعراب ومن لم يتأمل مواقع الكلام، فلم يؤاخذهم النبي ﷺ، وحال مسطح ورفقته يحتمل أن يكون من هذا الضرب، ويحتمل أنه قبل أن يتبين لهم أنها زوجته في الدنيا والأخرة وأن زوجات الأنبياء تجب براءتهن، وجوزوا أنه سيفارقها.

ومما يدلك على هذا قوله تعالى في شأن الذين قعدوا في وليمة زينب: (يا أيها الذين أمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذالكم كان يؤذي النبي ..) [الأحزاب: ٥٣]، فهؤلاء من خيار الصحابة لم يقصدوا الأذى، فلذلك لم يترتب عليه حكمه، وأما/ عبد الله بن أبي فيما حمله على ذلك إلى نفاقه وبغضه للنبي ﷺ وقصده الإيذاء، فلذلك كان يستحق القتل، إلا أن النبي ﷺ حلم عليه. ولهذا قال جماعة من المفسرين: إن قولك تعالى: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والأخرة) [النور: ٢٣] خاصة بأزواج النبي ﷺ خاصة، وليس فيها توبة لما في قذفهن من الطعن على رسول الله ﷺ، بخلاف قذف غيرهن حيث استثنى منه الذين تابوا، وإن كان المختار خلاف هذا القول، وأن الآية التي في أول السورة لبيان الأحكام الدنيوية، وهذه لبيان الأحكام الأخروية، وكلاهما يسقط بالتوبة، وقد أطلنا في هذا الدليل.

ختار خلاف هذا القول، وأن الآية التي في أول السورة لبيان الأحكام الدنيوية، وهذه لبيان الأحكام الأخروية، وكلاهما يسقط بالتوبة، وقد أطلنا في هذا الدليل. ومن السنة أيضًا حديث عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهو في

"سنن أبو داود" من حديث أسباط بن نصر عن السُدى عن مصعب بن سعد عن سعد قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وسماهم وابن أبي سرح .. فذكر الحديث، قال: وأما ابن أبي سرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على رسول الله ﷺ، فقال: يا نبي الله بايع عبد الله، فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثًا، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: "ما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ "، فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك؟ قال: "إنه لا ينبغي لنبي أن تكون خائنة الأعين".

وأخره النسائي أيضًا. وإسماعيل السدي وأسباط بن نصر روى لهما مسلم، وفيهما كلام، لكن الحديث مشهور جدًا عند أهل السير كلهم. وكان ابن أبي سرح يكتب الوحي لرسول الله ﷺ/ ثم ارتد مشركًا وصار إلى قريش بمكة فقال لهم: إني كنت أصرف محمدًا حيث أريد، كان يملي علي: (عزيز حكيم) فأقول: أو (عليم حكيم)، فيقول: نعم كل صواب. فلما كان يوم الفتح أمر رسول الله ﷺ بقلته وقتل عبد الله بن هلال بن خطل، ومقيس بن صبابة، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، وكذلك أمر بقتل الحويرث بن نقيد، وهبار بن الأسود، وابن الزبعري، وعكرمة بن أبي جهل، ووحشي، وقينتي ابن خطل، وهما فرتنا وأرنب، كان يقول الشعر يهجو رسول الله ﷺ ويأمرهما تغنيان به، وسارة

مولاة عمرو بن هاشم، مغنية نواحة بمكة، كانت يُلقى عليها هجاء النبي ﷺ فتغني به، وقتلوا إلا ابن أبي سراح وهبار بن الأسود وابن الزبعرى

تغنيان به، وسارة

مولاة عمرو بن هاشم، مغنية نواحة بمكة، كانت يُلقى عليها هجاء النبي ﷺ فتغني به، وقتلوا إلا ابن أبي سراح وهبار بن الأسود وابن الزبعرى

وعكرمة ووحشي وفرتنا إحدى القينتين، فأسلموا. وقيل إن ابن خطل كان قتل أنصاريًا كان رفيقه، وذكر الواقدي أن ابن أبي سرح لما جاء مع عثمان جاء تائبًا، وظاهر حاله يقتضي ذلك. وهؤلاء الذين أهدر النبي ﷺ دمهم منهم من كان مسلمًا فارتد كابن أبي سرح، وانضاف إلى ردته ما حصل منه في حق النبي ﷺ، فلذلك أهدر النبي ﷺ دمه، حتى جاء به عثمان واستحيا النبي ﷺ فبايعه، وهو بلا شك دليل على قتل الساب قبل التوبة، أما بعد التوبة فسنتكلم عليه، ونتكلم أيضًا هناك ـ إن شاء الله ـ على قول النبي ﷺ: "أما كان منكم رجل رشيد يقول إلى هذا فيقتله". ومنهم مقيس بن صبابة، ارتد وقتل نفسًا، ومنهم ابن خطل أيضا،

ارتد وقتل نفسًا، فقتلهما الله، ومنهم عكرمة بن أبي جهل انضاف إلى كفره الأصلي شدة عداوته للنبي ﷺ، ولا أعلم هل صدر منه سب أو لا، وصار بعد ذلك من سادات المسلمين. ومنهم من كان كافرًا أصليًا ولكن ما كان إهدار دمه لكفره ولا لشدة عداوة بل بما صدر منه من السب، ألا ترى أن النساء لا يقتلن بالكفر! فلم يكن الأمر بقتلهن إلا للوقيعة، ولم يقتل النبي ﷺ يوم الفتح أحدًا لمجرد الكفر، لكن قيل: إنه أذن لخزاعة أن تنتقم من بني بكر الذين أغاروا عليهم، فقتلوا منهم، ثم حرم النبي ﷺ كله بعد ذلك. وقيل: إن الأنصار قاتلوا، وللكلام في تحقيق ذلك محل غير هذا، وأما إذنه لخزاعة فروى أبو عبيد في كتاب "الأموال": ثنا عبد الوهاب

حرم النبي ﷺ كله بعد ذلك. وقيل: إن الأنصار قاتلوا، وللكلام في تحقيق ذلك محل غير هذا، وأما إذنه لخزاعة فروى أبو عبيد في كتاب "الأموال": ثنا عبد الوهاب

  • يعني: ابن عطاء ـ عن حسين المعلم: عن عمرو بن شعيب: عن أبيه: عن جده قال: لما فتحت مكة على رسول الله ﷺ قال: "كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر فإن لهم حقا"، حتى صلى العصر، ثم قال: "كفوا السلاح"، فلقي رجل من خزاعة رجلاً من بني بكر بالمزدلفة فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فلما كان من الغد قام خطيبا مسنداً ظهره إلى الكعبة، فقال: "إن أعتى الناس على الله من عدا في الحرم، ومن قتل غير قاتله، ومن قتل بذحل الجاهلية". وأبو عبيد يرى أن مكة فتحت عنوة، والشافعي ﵀ مع قوله: "فتحت صلحا" قال: إن الذين قاتلوا بها بنو نفاثة فأذن في قتلهم، ولا مال لهم ولا سبي لهم بها فيؤخذ، إنما هم قوم من غير أهلها لجؤوا إليها،

ذكر ذلك في "الأم" جوابًا عن قول أبي يوسف: إن السبي لا يجري على أهل مكة، في الجزء السابع عشر من "الأم". والاستدلال بحديث ابن أبي سرح هذا قوي عند من يرى أن/ استتاببة المرتد واجبة، فإن قتله لو كان للردة لاستتابه على قول هؤلاء، ولم يقع ذلك، وليس بكافر أصلي حتى يقول إن الإمام مخير فيه قبل الإسلام، فلا محمل لقتله إلا السب، وأن الساب يقتل بغير استتابة، أعني: لا نعرض عليه التوبة، أما إذا أنذر فأسلم فسيأتي حكمه. ومن لا يرى الاستتابة واجبة يقول: إنها سنة، فتترك النبي ﷺ إياها يدل على أن هذا القتل عن السب، وأنه أعظم من قتل الردة، إذ يستتاب في ذلك وجوبًا أو استحبابًا ولا يستتاب في هذا. ومما يدل على أن جُرْمَ الساب أعظم من جُرْمِ المرتد ما روى البخاري عن أنس قال: كان رجل نصرانيا فأسلم، وكان يكتب للنبي ﷺ، فعاد نصرانيًا، فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله، فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فِعْلُ محمدٍ وأصحابه نبشوا عن صاحبنا فألقوه، فحفروا له وأعمقوا، فأصبحوا وقد لفظته الأرض، فعملوا أنه ليس من الناس فألقوه.

فانظر عناية الله بإظهار كذب من افترى على نبيه، وعدم قبول الأرض له، حتى يظهر للناس أمره، وإلا فكثير من المرتدين ماتوا ولم تلفظهم الأرض، ولكن الله أراد أن يفضح هذا المعلون ويبين كذبه للناس، ولو لم يسلم ابن أبي سرح لكان كذلك. وقد اختلف الناس فيما قاله ابن أبي سرح وهذا النصراني، فقيل: إن ذلك كذب وافتراء لم يكن منه شيء، وقيل: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ثم نسخت الستة وثبت السابع في العرضة الأخيرة التي عرضها النبي ﷺ على جبريل، وكان في الأول يجوز: (سميع عليم) ونحوه موضع: (عليم حكيم) ونحوه ما لم يختم آية رحمة بعذاب، ولا آية عذاب برحمة، وقيل غير ذلك من التأويلات الصحيحة التي لم يفهمها ابن أبي

سرح ولا النصراني حيث أضلهما الله تعالى، وكان ذلك من أعظم الجُرم، لأنه يؤثر في القلوب المريضة ريبا، فكانت عقوبته أشد. وابن خطل أيضًا كان مسلمًا واستعمله النبي ﷺ على الصدقة، وأصحبه رجلاً من الأنصار يخدمه، فغضب عليه لكونه لم يصنع له طعامًا فقتله، ثم خاف أن يُقتل فارتد، وكان يقول الشعر يهجو به رسول الله ﷺ، ويأمر جاريتيه أن تغنيا به، وقتله لو كان قصاصًا لسُلم إلى أولياء المقتول، ولو كان ردة لاستتيب، فلم يكن إلا للسب. فإن قلت: الهجاء بالشعر من أفحش السب، فلم يعم السب بالكلمة الواحدة؟ قلت: سيأتي عموم الحكم في السب بغير الشعر والتعليل بالأذى، وهو مقتضى العموم، وأيضًا فالمبيح للدم لا فرق في الجنس الواحد منه بين قليله وكثيره. ومن السنة أيضًا: ما اشتهر أن بجير بن زهير بن أبي سلمى كتب إلى أخيه كعب بن زهير أن رسول الله ﷺ قد قتل رجالاً بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه.

ومن السنة أيضًا: حديث الأعرابي الذي قال للنبي ﷺ لما أعطاه: ما أحسنت ولا أجملت، فأراد المسلمون قتله، ثم قال النبي ﷺ: "لو تركتم حين قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار". ولما قسم غنائم حنين قال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، فقال عمر: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي". وفي هذا إشارة إلى أنه كان مستحقًا للقتل بإذن النبي ﷺ لو أذن.

دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي". وفي هذا إشارة إلى أنه كان مستحقًا للقتل بإذن النبي ﷺ لو أذن.

ولما قال ابن أبي: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل": استأمر عمر في قتله، فقال: "إذن ترعد له آنف كثيرة بالمدينة"، وقال "لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه". وفي مغازي سعيد بن يحيى بن سعيد: عن أبيه: عن أبي المجالد: عن الشعبي قال: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة ودعا بمال

العزى فنثره بين يديه، ثم دعا رجلاً قد سماه فأعطاه، ثم دعا رهطا من قريش فأعطاهم، فقام رجل فقال: إنك لبصير حيث تضع التبر. ثم قام الثانية فقال مثله، فأعرض/ عنه النبي ﷺ، ثم قام الثالثة فقال: إنك لتحكم وما نرى عدلاً، قال: "ويحك! إذا لا يعدل أحد بعدي". ثم دعا نبي الله ﷺ أبا بكر فقال: اذهب فاقتله، فذهب فلم يجده، فقال: "لو قتلته لرجوت أن يكون أولهم وآخرهم". ومن السنة أيضًا: ما روى القاضي عياض: ثنا ابن غلبون: عن أبي ذر إجازة قال: ثنا أبو الحسن الدارقطني وأبو عمر بن حيويه: ثنا محمد ابن نوح: ثنا عبد العزيز بن محمد بن الحسن بن زبالة: ثنا عبد الله بن موسى [بن جعفر: عن علي بن موسى]: عن أبيه: عن جده: عن محمد بن علي بن الحسين: عن أبيه: عن الحسين بن علي: عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: "من سب نبيًا فاقتلوه، ومن سب أصحابي فاضربوه".

في هذا الحديث نظر من جهة الراوي عن أهل البيت فيه، وعبد العزيز بن محمد بن الحسن بن زبالة، جرحه ابن حبان وغيره.

وقد رواه أيضًا الخلال والأزجي من حديث علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ: "من سب نبيًا قتل، ومن سب أصحابه جلد". وابن الصلاح قال في كلامه على "الوسيط": "هذا حديث لا يعرف"، وهذا الكلام من ابن الصلاح لأنه لم يقف على إسناده، فينبغي

ب نبيًا قتل، ومن سب أصحابه جلد". وابن الصلاح قال في كلامه على "الوسيط": "هذا حديث لا يعرف"، وهذا الكلام من ابن الصلاح لأنه لم يقف على إسناده، فينبغي

النظر فيه، فإن كان محفوظًا فهو عمدة قوية في المسلم والكافر، وقد أطلنا في الاستدلال في هذا المكان، ولا ضرورة إليه لأنه حكم مجمع عليه. وأما الإجماع: فقد تقدم نقله. وأما القياس: فلأن المرتد ثبت قتله بالإجماع والنصوص المتظاهرة، ومنها قوله ﷺ: "من بدل دينه فاقتلوه"، والساب مرتد مبدل لدينه، فلك أن تدخله في عموم قوله: "من بدل دينه" فيكون ثابتًا بالنص، ولك أن تجعل السب مقيسًا على الردة بطريق الأولى لأنه أفحش.

المسألة الثانية: في أن قتل الساب للكفر أو للحد وأقدم عليه مقدمة، وهي: أن المرتد يقتل للنص والإجماع كما سبق، وتوبته مقبولة بإجماع أكثر العلماء إذا لم يكن زنديقًا، وقال الحسن في رواية: لا تقبل توبته ويُقتل وإن أسلم كالزاني، وقاله أحمد فيمن ولد في الإسلام، وهو قول عطاء وإسحاق. والمشهور من مذاهب الصحابة والتابعين: قبول توبته، ولعل الذي روي عن الحسن لا يثبت، أو يكون في واقعة خاصة. ولا شك أن قتله إذا لم يتب ليس كقتل الكافر الأصلي، لأن الكافر الأصلي الحربي إذا أسر يتخير الإمام فيه بين القتل والاسترقاق والمن والفداء، وإن كان كتابيًا يقر بالجزية ويهادن ويؤمن، وإن كانت امرأة لم

تقتل إلا إن قاتلت، والمرتد بخلاف ذلك في جميع هذه الأحكام، ويجبر على الإسلام رجلاً كان أو امرأة، ولا يقبل منه غيره، فإن لم يسلم قتل. فعلمنا بهذا أن العلة في هذا الحكم ليس هو مطلق الكفر، بل خصوص الردة، ولذلك جعلها الغزالي من الجنايات الموجبة للعقوبة، وهي سبع: البغي، والردة، والزنا، والقذف، والسرقة، وقطع الطريق، والشرب. وفسرها بأنها عبارة عن قطع الإسلام من مكلف، وقال: احترزنا بالقطع عن الكفر الأصلي، وهكذا وقع في كلام القاضي حسين في "تعليقته"، والروياني في "البحر"، حيث حكيا ما سنذكره عن أبي بكر الفارسي أن قتل المرتد حد يسقط بإسلامه، وهكذا في كلام غيرهما، وهذا هو التحقيق، وهو أن القتل عقوبة خاصة رتبها الشرع على خصوص الردة كما رتب الرجم على زنا المحصن.

وبهذا يظهر لك أن قتل المرتد حد، والردة كفر خاص يوجب القتل الذي لا خيرة فيه إلا الإسلام، بخلاف غيرها من أنواع الكفر. وليس يلزم من كون قتل المرتد حدًا أن لا يسقط بالإسلام، ألا ترى أنا اختلفنا في حد الزنا هل يسقط بالتوبة أو لا؟ مع الإجماع على تسميته حدًا، فلا يمتنع أن يكون قتل المرتد حدًا وإن سقط بالإسلام، ومن ظن أنه متى سميناه حدًا لا يسقط بالإسلام فهو غالط. والحد هو: العقوبة المقدرة من جهة الشارع، ولك أن تجعل المعاقب عليه في الردة خصوص الكفر بعد الإسلام، ولك أن تجعله قطع الإسلام بالكفر كما تشير إليه عبارة الغزالي، وهو معنى غير الأول، وهو أحسن. فرتب الشارع/ على قطع الإسلام القتل، ثم يسقط بالإسلام، لقوله: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) [الأنفال: ٣٨]، ولقوله ﷺ: "الإسلام يجب ما قبله"، ولا يلزم من التردد في سقوط الحد بالتوبة التردد في سقوطه بالإسلام، لأن الإسلام أعلى. إذا عرفت هذا فنقول: الساب المسلم مرتد، فالكلام فيه كالكلام في قتل المرتد، فيكون حدًا أيضًا وإن كان كافرًا كالمرتد، وفي هذا بحث زائد، وهو أن القتل هل هو لعموم الردة أو لخصوص السب؟ أو لهما معًا؟ هذا محل نظر الفقيه.

ل المرتد، فيكون حدًا أيضًا وإن كان كافرًا كالمرتد، وفي هذا بحث زائد، وهو أن القتل هل هو لعموم الردة أو لخصوص السب؟ أو لهما معًا؟ هذا محل نظر الفقيه.

أما عموم الكفر فلا، لما قدمناه من اختلاف الآثار، لأن هذا لا يسترق ولا يؤمن ولا يفادي به ولا يقر بجزية، ولا يفترق الحال بين أن يكون رجلاً وامرأة، ولكن النظر: هل هو لعموم الردة أو لخصوص السب؟ أو لمجموعهما؟ ولا شك أن الردة موجبة للقتل بالإجماع والنصوص، وخصوص السب موجب للقتل بحديث: "من سب نبيًا فاقتلوه" وبترتيب الحكم على الأذى، وترتيب الحكم على خصوص الوصف يشعر بأنه هو العلة، وقد وجد في الساب المسلم المعنيان جميعًا، أعنى: الردة والسب، فيكون قد اجتمع على قتله علتان، كل منهما موجبة للقتل، والقتل حد لكل منهما، وقد تجتمع علتان شرعيتان على معلول واحد، ولهذا البحث أثر يظهر فيما إذا صدر السب من كافر، فإنه انفرد فيه السب عن الارتداد، وفيما إذا تاب الساب وأسلم، وسنذكره إن شاء الله تعالى. هذا تحرير البحث في قتل الساب والمرتد. وقد قال القاضي عياض ﵀ بعد أن حكى قتله عن جماعة ثم قال: ولا تُقبل توبته عند هؤلاء، وبمثله قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، وأهل الكوفة، والأوزاعي، في المسلم، كلهم قالوا: هي ردة. وروى مثله الوليد بن مسلم عن مالك.

قبل توبته عند هؤلاء، وبمثله قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، وأهل الكوفة، والأوزاعي، في المسلم، كلهم قالوا: هي ردة. وروى مثله الوليد بن مسلم عن مالك.

وقال بعد ذلك: ذكرنا الإجماع على قتله،/ ومشهور مذهب مالك وأصحابه وقول السلف وجمهور العلماء قتله حدًا لا كفرًا إن أظهر التوبة، ولهذا لا تقبل التوبة عندهم. فأشار القاضي في هذا الكلام إلى أن مأخذ قبول التوبة جعل قتله للكفر، ومأخذ عدم قبولها جعله للحد، وقد بينا أن ذلك غير لازم. ويمكن تأويل كلام القاضي على فرض الخلاف فيما إذا أسلم لا فيما قبل ذلك. وقد نقل القاضي حسين من الشافعية عن أبي بكر الفارسي أنه قال: أجمعت الأمة على أن من سب النبي ﷺ يقتل حدًا. قال: وإنما ذاك لأن من سب النبي ﷺ فقد خرج عن الإيمان، والمرتد يقتل حدًا، فإن تاب يجب أن تقبل توبته. وقال الروياني: ذكر أبو بكر الفارسي أن الأمة أجمعت على أن من شتم رسول الله ﷺ فحدة القتل، بخلاف ما لو قذف غيره يحد ثمانين. قال الروياني: قال أصحابنا: معناه أن بقذفه يكفر فيقتل بالردة، وقتل المرتد حد يسقط بإسلامه، وإذا أسلم هنا بقي حد القذف عليه ثمانون، لأن من قذف غيره ثم ارتد ثم أسلم فحد القذف عليه باقٍ، وقيل: أراد به أنه

بالردة، وقتل المرتد حد يسقط بإسلامه، وإذا أسلم هنا بقي حد القذف عليه ثمانون، لأن من قذف غيره ثم ارتد ثم أسلم فحد القذف عليه باقٍ، وقيل: أراد به أنه

يُقتل حدًا لأن النبي ﷺ أمر بقتل ابن خطل، وهذا الاستدلال لا يصح، لأن ذاك كان مشركًا لا أمان له، فلهذا قتل، بخلاف هذا. انتهى كلام الروياني. وسنعود إلى كلام الفارسي، وإنما قصدنا بذكره هنا قوله: إنه يقتل حدًا، وحكايته الإجماع على ذلك، وموافقة القاضي حسين والروياني والأصحاب له على تسميته حدًا، وإن خالفوه في شيء آخر نذكره في سب الكافر إن شاء الله. فقد تحرر من هذه المسألة أن الساب يُقتل إن لم يتب حدًا مع كفره، والخلاف هنا في كونه حدًا أو كفرًا لفظي لا يكاد يظهر له فائدة في هذا المحل، وإنما تظهر فائدة في البحث وفي سب الكافر، وقد أشرنا إلى أنه لا يظهر له أثر في قبول إسلامه، بل قد يكون حدًا ويقبل/ إسلامه. نعم، إذا أخذ بالنسبة إلى ما قاله الناس وأفهمه كلامهم وإشارة بعضهم إلى أن قتله حدًا مستلزم لعدم سقوطه بالإسلام فقد يظهر أثره، ومحل الكلام على ذلك عند الكلام في قبول توبته، ويظهر أيضًا أثره في هذا المحل في شيء آخر، وهو أنا لا نعلم أحدًا قال فيما إذا كان السب قذفًا إنه يجمع فيه بين الجلد والقتل، وقد يُقال: لِمَ لا جمع بينهما كما لو وجب عليه لشخص قصاص وحد قذف؟ وتحقيق الجواب عن هذا يرجع إلى تحرير ما كنا فيه، فنقول: إن قلنا: القتل لخصوص السب، وإن خصوص السب موجب للقتل من حيث هو سب،

فيكون وجوب حد القذف به مخرجًا على قاعدة، وهي: أن ما أوجب أعظم الأثرين بخصوصه هل يوجب أهونهما بعمومه؟، وعلى قاعدة أخرى، وهي: إذا اجتمع أمران من جنس واحد هل يدخل أحدهما في الآخر؟. وعلى هاتين القاعدتين تتخرج مسائل:

  • منها: أن المني يوجب خروجه الغسل، فهل يوجب مع ذلك الوضوء؟ فيه خلاف، المشهور في المذهب أنه لا يجب للقاعدة الأولى.

  • ومنها: زنا المحصن يوجب الرجم، ولا خلاف عندنا أنه لا يوجب الجلد، عملاً بالقاعدة الأولى أيضًا، وقد قال به بعض العلماء، ويمكن أن يقال بأن موجب الجلد زنا البكر لا عموم الزنا.

  • ومنها: خروج الحيض يوجب الغسل والوضوء معًا، وهو يرد على القاعدة الأولى.

  • ومنها: إذا وجب عليه وضوء وغسل أجزأه الغسل على ظاهر المذهب للقاعدة الثانية. ومنها: إذا أحرم قارنًا بالحج والعمرة دخلت أعمال العمرة في أعمال الحج عندنا وعند جمهور العلماء للقاعدة الثانية. جئنا إلى مسألتنا: يمكن تخريجها على القاعدتين فيُقال: يجب القتل وحده، ويسقط الحد. أما للقاعدة الأولى فإن هذا القذف الخاص أوجب القتل، وهو أعظم الأثرين بخصوص كونه في هذا المحل الخاص، فلا يوجب أهونهما وهو الجلد بعموم كونه قذفًا. أو يقال: إنهما وجبا، ولكن دخل الأصغر في الأكبر كما/ دخل الوضوء في الغسل، وكما دخلت العمرة في الحج.

خاص، فلا يوجب أهونهما وهو الجلد بعموم كونه قذفًا. أو يقال: إنهما وجبا، ولكن دخل الأصغر في الأكبر كما/ دخل الوضوء في الغسل، وكما دخلت العمرة في الحج.

أو يُقال: إن القذف في هذا المحل الخاص حده القتل، فلا حاجة للتمسك بشيء من القاعدتين في إسقاط الجلد، لكن هذا يوجب تخصيص أنه القذف، ولا دليل عليه. هذا كله إذا قلنا: القتل لخصوص السب من حيث كونه سبًا، وإن قلنا: القتل به لكونه ردة فيحتمل أن تسلك المباحث المذكورة. ويحتمل أن يقال: لا وجه حينئذ لسقوط الجلد، لأن المحذور على القاعدة الأولى أن يكون الشيء الواحد موجبًا لشيئين، وهذا مفقود هنا على هذا التقدير، وإنما الموجب للجلد القذف، والموجب للقتل ما اشتمل عليه من الكفر. ومع هذا كله فلا أعلم أحدًا يوجب الجمع بين القتل والجلد في مسألتنا، وإنما الواجب قبل التوبة القتل وحده، وبعد التوبة، قال بعض أصحابنا: سقط القتل وبقي حد القذف، وهذا كأنه أعرض عن القاعدة الأولى ولاحظ الثانية، فيجعل القذف موجبًا لهما، فإن استوفي الأعظم دخل فيه الأصغر، وإلا انفرد الأصغر، والمذهب سقوط الحد، وكأنه نظر إلى القاعدة الأولى وأنه لم يجب من أصله إلا القتل، فتخريج الوجهين على هذين المأخذين. وأما الوجه الثالث القائل بأنه يقتل بعد الإسلام فسنذكر، وحينئذٍ لا يُجلد معه كما قبل التوبة، ولم يقل أحد بإلغاء القاعدتين جميعًا في هذا المحل، لأنه يلزم منه أن يجلد ويقتل قبل التوبة وكذا بعدها على وجه.

الفصل الثاني: في توبته واستتابته وفيه مسألتان، إحداهما: في قبول توبته، والثانية: في استتابته.

المسألة الأولى: في قبوله توبته ولا خلاف أن توبته لا تكون بغير الإسلام، وحيث أطلقنا توبته فالمراد بها إذا أسلم. وقد اختلف العلماء في قبولها مع اتفاقهم أو أكثرهم على قبول توبة المرتد غير الزنديق،/ وقد قدمنا عن القاضي عياض أن مشهور مذهب مالك وأصحابه وقول السلف وجمهور العلماء أنه لا تقبل توبته وأنه يقتل حدًا. قال: وحكمه حكم الزنديق ومسر الكفر في هذا القول، سواء أكانت توبته بعد القدرة والشهادة على قوله أما جاء تائبًا من قبل نفسه، لأنه حد وجب لا تسقطه التوبة، كسائر الحدود.

لزنديق ومسر الكفر في هذا القول، سواء أكانت توبته بعد القدرة والشهادة على قوله أما جاء تائبًا من قبل نفسه، لأنه حد وجب لا تسقطه التوبة، كسائر الحدود.

قال القابسي: إذا أقر بالسب وتاب وأظهر التوبة قتل بالسب، إذ هو حده. وقال ابن أبي زيد مثله. وأما فيما بينه وبين الله تعالى فتوبته تنفعه. وقال ابن سحنون فيمن شتم النبي ﷺ من الموحدين ثم تاب: لم تزل توبته عنه القتل. وكذلك اختلف في الزنديق إذا جاء تائبًا، فحكى ابن القصار قولين، قال: من شيوخنا من قال: أقتله بإقراره، ومنهم من قال: أقبل توبته، بخلاف من أسرته البينة. قال القاضي عياض: وهذا قول أصبغ، ومسألة ساب النبي ﷺ أقوى لا يصور فيها الخلاف على الأصل المتقدم، لأنه حق متعلق للنبي ﷺ ولأمته بسببه لا تسقطه التوبة كسائر حقوق الآدميين. والزنديق إذا تاب بعد القدرة عليه فعند مالك والليث وإسحاق وأحمد لا تقبل توبته، وعند الشافعي تقبل، واختلف فيه عن أبي حنيفة وأبي يوسف، وحكى ابن المنذر عن علي: يستتاب، وقال ابن سحنون: لم يزل القتل عن المسلم

بالتوبة من سبه ﵇، لأنه لم ينتقل من دين إلى دين، وإنما فعل شيئًا حده عندنا القتل لا عفو فيه لأحدٍ، كالزنديق، لأنه لم ينتقل من ظاهر إلى ظاهر. وقال القاضي أبو محمد بن نصر محتجًا لسقوط اعتبار توبته: والفرق بينه وبين من سب الله تعالى على مشهور القول باستتابته أن النبي ﷺ بشر، والبشر جنس تلحقه المعرة إلا من أكرمه الله/ بنبوته، والله تعالى منزه عن جميع المعايب قطعًا، وليس من جنس تلحق المعرة بجنسه، وليس سبه ﵇ كالارتداد المقبول فيه التوبة، لأن الارتداد معنى ينفرد به المرتد لا حق فيه لغيره من الآدميين فقبلت توبته، ومن سب النبي ﷺ تعلق فيه حق لآدمي، فكان كالمرتد يقتل حين ارتداده أو يقذف، فإن توبته لا تسقط عنه حد القتل والقذف. وأيضًا فإن توبة المرتد إذا قبلت لا تسقط ذنوبه من زنى وسرقة وغيرها، ولم يقتل ساب النبي ﷺ لكفره لكن لمعنى يرجع إلى تعظيم حرمته وزوال المعرة به، وذلك لا تسقطه التوبة.

ة المرتد إذا قبلت لا تسقط ذنوبه من زنى وسرقة وغيرها، ولم يقتل ساب النبي ﷺ لكفره لكن لمعنى يرجع إلى تعظيم حرمته وزوال المعرة به، وذلك لا تسقطه التوبة. قال القاضي أبو الفضل: يريد ـ والله أعلم ـ لأن سبه لم يكن بكلمة تقتضي الكفر، ولكن بمعنى الإزراء والاستخفاف، أو لأن بتوبته وإظهار إنابته ارتفع عنه اسم الكفر ظاهرًا، والله أعلم بسريرته، وبقي حكم السب عليه.

وقال أبو عمران الفاسي: من سب النبي ﷺ ثم ارتد عن الإسلام قتل ولم يستتب، لأن السب من حقوق الآدميين التي لا تسقط عن المرتد. وكلام شيوخنا هؤلاء مبني على القول بقتله حدًا لا كفرًا، وهو يحتاج إلى تفصيل، وأما على رواية الوليد بن مسلم عن مالك ومن وافقه على ذلك ممن ذكرناه وقال به من أهل العلم فقد صرحوا به أنه ردة، قالوا: ويستتاب منها، فإن تاب نكل، وإن أبي قتل، فحكم له بحكم المرتد مطلقًا في هذا الوجه، والوجه الأول أشهر وأظهر لما قدمناه، ونحن نبسط الكلام فيه فنقول: من لم يره ردة فهو يوجب القتل فيه حدًا، وإنما يقول ذلك مع فصلين: إما مع إنكاره ما شهد عليه به أو إظهاره الإقلاع والتوبة عنه، فنقتله حدًا لثبات كلمة الكفر عليه في حق النبي ﷺ/ وتحقيره ما عظم الله من حقه، وأجبرينا حكمه في ذلك وغيره حكم الزنديق إذا ظهر عليه وأنكر أو تاب. فإن قيل: كيف تثبتون عليه الكفر ويشهد عليه بكلمة الكفر ولا تحكمون عليه بحكمه من الاستتابة وتوابعها؟

قلنا: نحن وإن أثبتنا له حكم الكافر في القتل فلا نقطع عليه بذلك لإقراره بالتوحيد والنبوة وإنكاره ما شهد به عليه، أو زعمه أن ذلك كان منه وهلا ومعصية وأنه مقلع عن ذلك نادم عليه، ولا يمتنع إثبات بعض أحكام الكفر على بعض الأشخاص وإن لم يثبت له خصائصه، كقتل تارك الصلاة. وأما من علم أنه سبه معتقدًا لاستحلاله فلا شك في كفره، وكذلك إن كان سبه في نفسه كفرا كتكذيبه أو تكفيره ونحوه فهذا ما لا إشكال فيه، ويقتل وإن تاب منه، لأنا لا نقبل توبته ونقتله بعد التوبة حدًا [لقوله] ومتقدم كفره، وأمره بعد إلى الله، المطلع على صحة إقلاعه، العالم بسريرته، وكذلك من لم يظهر التوبة واعترف بما شهد به عليه وصمم عليه فهذا كافر بقوله واستحلاله هتك حرمة الله وحرمة نبيه يقتل كافرًا بلا خلاف، فعلى هذه التفصيلات حمل كلام العلماء. هذا كلام القاضي أبي الفضل عياض ﵀ في كتاب "الشفا بتعريف حقوق المصطفى"، وقد تضمن إشارة إلى أن عدم قبول توبته مبني على أنه حد، وقبولها مبني على أنه ردة، وقد بينا أن هذا البناء لا يحتاج إليه، والصواب أن يذكر الحكم المذكور واختلاف العلماء فيه من غير بناء.

وبته مبني على أنه حد، وقبولها مبني على أنه ردة، وقد بينا أن هذا البناء لا يحتاج إليه، والصواب أن يذكر الحكم المذكور واختلاف العلماء فيه من غير بناء.

وقدم القاضي عياض في أول كلامه أن جميع من سب النبي ﷺ أو عابه أو ألحق به نقصًا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرض به أو شبهه بشيء على طريق السب له أو الإزراء عليه أو التصغير لشأنه أو الغض منه والعيب له: فهو ساب له، والحكم فيه حكم الساب يُقتل/ ولا يمترى فيه، تصريحًا كان أو تلويحًا، وكذلك من لعنه أو دعا عليه أو تمنى مضرة له، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر ومنكر من القول وزورٍ، أو عيره بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه. وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة رضوان الله عليهم وإلى هلم جرا. قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن من سب النبي ﷺ يقتل، وممن قال ذلك: مالك بن أنس، والليث، وأحمد، وإسحاق، وهو مذهب الشافعي. قال القاضي عياض: وهو مقتضى قول أبي بكر الصديق ﵁، ولا تقبل توبته عند هؤلاء، وبمثله قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، وأهل الكوفة، والأوزاعي، في المسلم، لكنهم قالوا: هي ردة، وروى مثله الوليد بن مسلم عن مالك. انتهى كلام القاضي عياض. وإنما قصدت بنقله هنا لكونه نقل عن الشافعي موافقة مالك في القتل ثم قال: ولا تقبل توبته عند هؤلاء، ومقتضى ذلك أن الشافعي لا يقبل

توبته، ولم أرد من أصحابه من صرح عنه بذلك على الإطلاق إلا ما سأحكيه، وهو ما حكاه إمام الحرمين عن أبي بكر الفارسي. قال الإمام في كتاب الجزية بعد أن ذكر حكم الذمي: "نختم الفصل بأمر يتعلق بالمسلمين، قال الأئمة: من ذكر الله تعالى بسوء ـ وكان ذلك مما يوجب التكفير بالإجماع ـ فالذي صدر منه ردة،

بعد أن ذكر حكم الذمي: "نختم الفصل بأمر يتعلق بالمسلمين، قال الأئمة: من ذكر الله تعالى بسوء ـ وكان ذلك مما يوجب التكفير بالإجماع ـ فالذي صدر منه ردة،

فإذا تاب قبلت توبته. ولو سب رسول الله ﷺ بما هو قذف صريح كفر باتفاق الأصحاب. قال الشيخ أبو بكر الفارسي في "كتاب الإجماع": لو تاب لم يسقط القتل عنه، فإن حد من يسب النبي ﷺ القتل، فكما لا يسقط حد القذف بالتوبة كذلك لا يسقط القتل الواجب لسب النبي/ ﷺ بالتوبة. وادعى فيه الإجماع، ووافقه الشيخ أبو بكر القفال، وقال الأستاذ أبو إسحاق: كفر بالسب وتعرض للسيف تعرض المرتد، فإذا تاب سقط القتل عنه. وقال الشيخ أبو بكر الصيدلاني: إذا سب الرسول استوجب القتل للردة لا للسب، فإذا تاب زال القتل الذي هو موجب الردة، وجلد ثمانين". ثم قال الإمام: "ولا يتجه عندنا إلا مسلكان، أحدهما: ما قاله الفارسي، وهو في نهاية الحسن، ولكنه مبهم بعد، فإنه أطلق فقال: حد من يسبه القتل،

وهذا فيه نظر، فإن الحدود لا تثبت بالرأي، وقد ورد في الأخبار: "من سب نبيًا فاقتلوه"، ولكن مع هذا لا يمكن القضاء بأنه حد قذف، ولكنه قتل بسب وهو ردة، وهو متعلق بتعظيم رسول الله ﷺ، ولا تصح التوبة عما يتعلق بحق آدمي، وهذا مراد الفارسي. والثاني: أنه ردة، والتوبة عنها كالتوبة عن الردة، وما ذكر الصيدلاني من بقاء ثمانين جلدة تعرض منهم لقياس جزئي في الفقه، والدليل عليه أنه لو لم يتب للزم أن يجلد ويقتل. ولو تعرض متعرض لرسول الله ﷺ بوقيعة ليست قذفًا صريحًا ولكنها تعريض يوجب مثله التعزيز فالذي أراه أنه كالسب الصريح، فإن الاستهانة بالرسول كفر، ثم ينقدح فيه تحتم القتل حتى لا يسقط بالتوبة". هذا كلام الإمام، وتكلم في أنه لو عفا بعض بني أعمامه ﷺ هل يسقط؟ وهذا ليس بشيء، لأن الأنبياء إنما ورثوا العلم، وكذا في أن استيفاء بتوقف على طلب بعضهم.

فهذا الذي قاله الفارسي واستحسنه الإمام من عدم سقوطه بالتوبة وحكاية الإجماع على ذلك قد يشهد لما اقتضاه كلام عياض من عد الشافعي/ مع القائلين بعدم قبول التوبة، ويقرب منه قول الغزالي في "الخلاصة" في أهل الذمة إذا صدر منهم ذلك أن المذهب عدم قبول توبتهم إذا أخذ على إطلاقه، لكن الأقرب أن مراده بالتوبة غير الإسلام. ولكن المشهور على الألسنة وعند الحُكام ـ وما يزالون يحكمون به ـ أن مذهب الشافعي قبول التوبة، وأما الرافعي، فإنه قال: "المسلم إذا

بالتوبة غير الإسلام. ولكن المشهور على الألسنة وعند الحُكام ـ وما يزالون يحكمون به ـ أن مذهب الشافعي قبول التوبة، وأما الرافعي، فإنه قال: "المسلم إذا

ذكر الله تعالى بما يقتضي التكفير فهو مرتد مدعو إلى الإسلام، وكذا لو كذب رسول الله ﷺ، فإن عاد وتاب قبلت توبته، ومن قذف النبي ﷺ وصرح بنسبته إلى الزنا فهو كافر باتفاق الأصحاب، فإن عاد إلى الإسلام ففيه ثلاث أوجه: أحدها ـ ونظم "الوجيز" يقتضي ترجيحه، وبه قال الأستاذ أبو إسحاق:- أنه لا يلزمه شيء لأنه صار مرتدًا بذلك وقد عاد إلى الإسلام. والثاني ـ وبه قال أبو بكر الفارسي ـ: أنه يقتل حدًا، لأن قذف النبي ﷺ حده القتل، وحد القذف لا يسقط بالتوبة. والثالث: قال الصيدلاني: يجلد ثمانين حدًا، لأن سب النبي ﷺ كفر موجب للقتل، فإذا عاد إلى الإسلام سقط القتل الواجب بالردة ويبقى حد القذف على قياس ما إذا قذف إنسانًا وارتد ثم عاد إلى الإسلام". فصدر كلام الرافعي جازم بقبول توبة المكذب، وآخره متردد في قبول توبة القاذف ترددًا قويًا، بحيث إنه ما نقل ترجيح قبولها إلا عن اقتضاء

عاد إلى الإسلام". فصدر كلام الرافعي جازم بقبول توبة المكذب، وآخره متردد في قبول توبة القاذف ترددًا قويًا، بحيث إنه ما نقل ترجيح قبولها إلا عن اقتضاء

نظم "الوجيز"، فيحتمل أن يقال إن هذا التردد خاص بالقذف، فإن حد القذف في غير النبي ﷺ لا يسقط بالتوبة، ولا يتخير فيه الحاكم، ويفتقر إلى طلب المقذوف، وينتقل لورثته، كل ذلك مما لا خلاف فيه. والسب لغير النبي ﷺ بما سوى القذف إنما يوجب التعزيز، واختلفوا في أن الإمام هل يتخير فيه/ أو لا، فعلمنا بهذا أن الحد أقوى من التعزيز، وموجب الحد أقوى من موجب التعزيز، وهما في حق النبي ﷺ مقتضيان للتكفير، مستويان في ذلك قبل التوبة والإسلام، أما بعده فيجوز أن يظهر أثر اختلافهما، ويكون حكم الأول أنه لا يسقط كسائر الحدود، أعني حد القذف، في غيره لا يسقط إلا بعفو المقذوف أو وارثه، وهو هنا متعذر، أعني العفو، والحد هنا القتل، فلذلك لا تقبل التوبة على وجه، وعلى وجه تقبل بالنسبة إلى القتل، ويحد حد القذف. وحكم الثاني: السقوط. ويحتمل أن يُقال: إن كلاً منهما يسقط بالإسلام، لأنا نعلم من شفقة النبي ﷺ على أمته ورحمته لهم ورأفته بهم ورغبته في هدايتهم أنه لو كان حيًا لقبل إسلامهم وعفا عنهم وأن ذلك يرضيه، ولم يصح أن النبي قتل أحدًا بعد التلفظ بالشهادتين بغير الزنا والقصاص، وحينئذ تكون مسألتان: إحداهما: السب بغير القذف، ولا خلاف بين الشافعية في سقوطه بالإسلام. والثانية: السب بالقذف، وهو محل الخلاف، والراجح فيه السقوط أيضًا. هذا وجه من البحث بحسب ما يقتضيه كلام الرافعي. ويحتمل أن يقال: إن الوجه الثالث القائل بجلد ثمانين لا يأتي في غير القذف بلا إشكال، لكن يأتي بدله أنه يعزر، لأن القتل حق الرسالة المتعلقة

ام الرافعي. ويحتمل أن يقال: إن الوجه الثالث القائل بجلد ثمانين لا يأتي في غير القذف بلا إشكال، لكن يأتي بدله أنه يعزر، لأن القتل حق الرسالة المتعلقة

بالربوبية، فيسقط بالإسلام، والحد والتعزير كلاهما حق البشرية، ويرد على هذا أن هذا البشر الخاص حده والعزيز لأجله إنما هو القتل. والوجهان الآخران مطردان سواء أكان السب قذفًا أم غيره، ومستند السقوط أنه ردة، ومستند عدم السقوط أنه حق آدمي. ألا ترى كلام الإمام حيث استعمل لفظ السب تارة ولفظ القذف أخرى وجرى على حكم واحد ولم يفرق بينهما في الحكم وتعليله بتعظيم قدر النبي ﷺ وأن حق الآدمي لا يسقط بالتوبة! ولهذا اختلفت عبارات الناقلين لكلام الفارسي، فالإمام ذكره بلفظ القذف، وصرح بعدم قبول التوبة، والقاضي الحسين ذكره بلفظ السب، واقتضاء كلامه قبول التوبة، واضطربت عبارة/ الناقلين لعبارة الفارسي، وسأجمعها عند الكلام في الذمي، والذي يتعلق منها بهذا الموضع قد ذكرته. فالمتخلص أن القاذف في قبول توبته خلاف قوي، وليس فيها من حيث النقل ترجيح قوي، لكن الدليل يقتضيه لما ذكرته وأذكره إن شاء الله. والساب غير القاذف أولى بقبول التوبة من القاذف. وحاصل المنقول عند الشافعية أنه متى لم يسلم قتل قطعا، ومتى أسلم: فإن كان السب قذفًا فالأوجه الثلاثة: هل يقتل، أو يجلد، أو لا شيء. إن كان السب غير قذف فلا أعرف فيه نقلاً للشافعية غير قبول توبته. ويتجه تخريج وجهين، أحدهما: القتل، والثاني: التعزيز، ولكني لم أجد من صرح بهما من الشافعية، وقد يفرق بأن التعزيز يدخل في الحد كمقدمات الزنا مع الزنا، وأحد الحدين لا يدخل في الآخر، فلذلك لم يدخل حد القذف في القتل، هذا ما حضرني نقلاً وبحثًا.

ولم أجد في مذهب الشافعي شيئًا غير هذا وغير قول الخطابي في "معالم السنن": إذا كان الساب ذميًا قال مالك: من شتم النبي ﷺ من اليهود والنصارى قتل إلا أن يسلم، وكذا قال أحمد. وقال الشافعي: يقتل الذمي إذا سب النبي ﷺ، وتبرأ منه الذمة. واحتج في ذلك بخبر كعب بن الأشرف، وحكي عن أبي حنيفة قال: لا يقتل الذمي بشتم النبي ﷺ. فهذا الكلام من الخطابي يشعر بأن الشافعي يقول بقتله ولو أسلم، وإذا كان ذلك في الذمي ففي المرتد أولى، إلا أن كلام الخطابي يمكن حمله على أنه أراد حكاية لفظ الشافعي، وهو ساكت عن حكمه إذا أسلم. هذا ما وجدته للشافعية في ذلك، والحنفية في قبول التوبة قريب من الشافعية، ولا يوجد للحنفية غير قبول التوبة، وكلتا الطائفتين لم أرهم تكلموا في مسألة السب مستقلة، بل في ضمن نقض الذمي العهد، وكأن

الحامل على ذلك أن المسلم لا يسب، ولم أرد أحدًا من الشافعية صرح بأن الساب مطلقًا لا تقبل توبته، لأن الإمام حيث صرح عن الفارسي بعدم قبول التوبة إنما نقله في القذف وإن كان في غضون كلامه ما يقتضي تعميمه، وغير الإمام نقله في السب واقتصر على قوله: "يقتل حدا"، وقد قدمت أن قتله حدًا لا ينافي قبول توبته. وأما الحنابلة فكلامهم قريب من كلام المالكية، المشهور عن أحمد عدم قبول توبته، وعنه رواية بقبولها/، فمذهبه كمذهب مالك سواء. هذا تحرير المنقول في ذلك. وأما الدليل فمعتمدنا في قبول التوبة قوله تعالى: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) [الأنفال: ٣٨]، وقوله تعالى: (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (٥٣)) [الزمر: ٥٣]، وقوله تعالى: (كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين (٨٦) أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (٨٧) خالدين فيها لا يخف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (٨٨) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (٨٩)) [آل عمران: ٨٦ - ٨٩]، وهذه نص في قبول توبة المرتد، وعمومها يدخل فيه الساب.

Bagian 1 dari 6