— Bagian 5 · عادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدًا؛ وأن… —
Bagian 5
عادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدًا؛ وأنا الأحد الصمد، الذي لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوًا أحد". فيفقر بين هذا السب وذاك السب بما ذكرناه.
وأيضًا فالساب طاعن في الدين، وضرره يسري إلى غيره، فكان كالحرابة، وضرر اعتقاد التثليث ونحوه قاصر عليه. ومن يفرق بين سب الله وسب الرسول يقول: إن سب الله تعالى لا يدعو إليه طبع أحد من العقلاء، وسب الرسول طبع الكافر يدعو إليه، فناسب أن يرتب عليه زاجرا، على أن الذي فرق إنما فرق في قبول التوبة، وأما إيجاب القتل به فلا فرق بين سب الله وسب الرسول، كل منهما موجب للقتل. ثم قول الخصم: "إن ما هم عليه من الشرك أقبح" لو سلم إنما يلزم منه أن عقوبته في الأخرة تكون أعظم، أما في الدنيا فنحن نرى الكفار يقرون على الشرك ولا يقرون على الزنا وإن كان الشرك أقبح. ثم هذه الاعتراضات كلها مخالفة للسنة الصريحة التي بيانها في قتل الساب، وكل قياس في مقابلة النص باطل.
- تنبيهات: أحدهما: كان المقصود قتل الذمي إذا سب، وقد تبين أن الذمي والمهادن والمستأمن والحربي في ذلك سواء. الثاني: أن الذي بلغ من اليهود والنصارى في هذه البلاد ولم يعقد له ذمة ـ كما هو الواقع ـ فأحد الوجهين من مذهب الشافعي ﵀ أن جزيته جزية أبيه، وأن العقد مع أبيه يجري حكمه عليه ولا يحتاج إلى استئناف عقد، وقال أبو حامد الإسفرايني ﵀:/ يستأنف معه
عقدها عن مراضاته. ورد عليه ذلك؛ لأنه لم يفعله أحد من الأئمة في عصر من الأعصار، وعلى تقدير صحة قوله فلا شك أنه لا يجوز اغتيالهم، بل يكون حكمهم حكم من دخل دار الإسلام بأمان، وعلى كل تقدير فحكم من سب منهم القتل كما تقرر، والله أعلم. فائدة: قال ابن حزم في "المحلى": "من قال من أهل الكفر مما سوى اليهود والنصارى والمجوس: "لا إله إلا الله) أو قال: (محمد رسول الله) كان بذلك مسلمًا، وأما اليهود والنصارى والمجوس فلا يكون مسلمًا بقول: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) حتى يقول: وأنا مسلم، أو: أسلمت، أو: بريء من كل دين حاشى الإسلام". وذكر أحاديث منها من مسلم عن ثوبان قال: كنت قائمًا عند رسول الله ﷺ فجاء حبر من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمد. فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول: يا رسول الله؟! فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول الله ﷺ: "إن اسمي محمدًا الذي سماني به أهلي"، ثم ذكر الحديث، وفي آخره أن اليهودي قال: لقد صدقت وإنك لنبي، ثم انصرف.
قال: ففي هذا الحديث ضرب ثوبان اليهودي إذ لم يقل: رسول الله، ولم ينكر عليه رسول الله ﷺ، فصح أنه حق واجب، إذ لو كان غير جائز لأنكره ﵇ عليه. وفيه أن اليهودي قال: إنك لنبي، ولم يلزمه النبي ﷺ بذلك ترك دينه. ومن طريق البخاري عن ابن عمر: قال رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس .. " الحديث. قال: وهذا كله قول الشافعي وداود. قال: ولا يقبل من يهودي ولا نصراني ولا مجوسي جزية إلا بأن يقروا بأن محمدًا رسول الله إلينا، وأن لا يطعنوا فيه ولا في شيء من دين الإسلام، لحديث ثوبان، وهو قول مالك في "المستخرجة": من قال من أهل الذمة: إنما أرسل محمد إليكم لا إلينا؛ فلا شيء عليه، قال: فإن قال: لم يكن نبيًا قتل. انتهى.
وما استدل به من التقرير على أن ضرب اليهودي حق: صحيح، وإذا كان هذا في قوله: يا محمد، فما ظنك بالسب؟! وما قاله من أنه لا يقر الكتابي بالجزية حتى يعترف بالرسالة إلينا غريب! وكذلك الحكم بعدم الإسلام في غير العيسوي إذا قال: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله).
اله من أنه لا يقر الكتابي بالجزية حتى يعترف بالرسالة إلينا غريب! وكذلك الحكم بعدم الإسلام في غير العيسوي إذا قال: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله).
الفصل الخامس: في أنه لا تصح توبته مع بقائه على الكفر لا أعلم في ذلك خلافًا بين القائلين بقلته من المذاهب الثلاثة: المالكية والشافعية والحنبلية إلا ما أشار إليه كلام "الخلاصة"، وليس محققًا، بل غايته ـ إن ثبت ـ وجه ضعيف، ومثله في مذهب أحمد وجه مضطرب غير محقق، والمشهور الذي هو كالمقطوع به في المذهب أن توبته مع الكفر لا تفيد. فإن قلت: أليس له انتقض عهده بالامتناع من الجزية ثم انقاد إليها مع بقائه على الكفر يجاب؟ قلت: الفرق بينهما أن مفسدة الامتناع عن أداء الجزية زال بأدائها والانقياد إليها، ومفسدة السب لا تزول بقوله: "إني تائب" مع كفره، ولا يعجز أحد من الكفار أن يفعل ذلك في كل وقت ويتخذ ذلك ذريعة وملعبة بالمسلمين وإغاظة لقلوبهم، وللطعن في الدين وإغراء غيره من الكفار أن يفعل كفعله، ولا يردهم عن ذلك إلا السيف.
فإن قلت: قال تعالى: (حتى يعطوا الجزية) [التوبة: ٢٩]، فمتى أعطى الجزية حصلت الغاية. قلت: إعطاء الجزية غاية للمقاتلة، لقوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله) [التوبة: ٢٩] الآية، ولم يجعل غاية للقتل؛ بل قال تعالى: (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) [التوبة: ٥]، ولم يقيدها، ونحن وإن قلنا إنها مقيدة فلا شك أن القتل بما يصدر منهم من الجرائم ـ كالزنا والقتل والمحاربة ـ لا يرتفع بالجزية، والسب مثله لما تقدم من الأدلة، ولأنه لا بد له من عقوبة زاجرة عنه، ولا يليق بعقوبته غير القتل. فإن قلت: هل هذا على القول بانتقاض عهده أو مطلقًا؟ قلت: بل مطلقًا، أما إذا لم نقل بانتقاض/ عهده فلأنه حد من الحدود، والحد لا يسقط بالتوبة، ومن قال من الفقهاء إنه يسقط بالتوبة فذاك في حق المسلم، لأنها التوبة الصحيحة، أما الكافر فلا. وأيضًا فإن السب لا تكون توبته بغير الإسلام، لأنه المضاد له.
قال من الفقهاء إنه يسقط بالتوبة فذاك في حق المسلم، لأنها التوبة الصحيحة، أما الكافر فلا. وأيضًا فإن السب لا تكون توبته بغير الإسلام، لأنه المضاد له.
وأما إذا قلنا بانتقاض عهده به ـ وهو الحق ـ فيقتل إما حدا على الجريمة السابقة كما يرجم بالزنا السابق، وإما كما يقتل الأسير الذي اقتضت المصلحة قتله، وعلى كلا التقديرين لا تفيد التوبة مع الكفر. فإن قلت: لم لا يلحق بمأمنه؟ قلت: معاذ الله! فإن الإلحاق بالمأمن ـ وإن قال به بعض الفقهاء على ضعفه ـ إنما يحتمل فيما إذا كان انتقاض العهد بشيء لا ضرر على المسلمين فيه يوجب قتله، فإنه حينئذٍ يصير كغيره من الكفار الحربيين لا يضر إلا نفسه، ولا جريمة له غير الكفر، والكفر الأصلي لا يوجب القتل ولكن يجوزه، ويوجب المقاتلة للدخول في الإسلام لمصلحة من يقاتله. وأما الانتقاض بما فيه ضرر عام كالسب والزنا بمسلمة ونحوه من المفاسد العامة التي توغر صدور المؤمنين وتغري السفهاء والملحدين وتحصل الشبه في القلوب الضعيفة: فالقتل به من باب الزواجر المشروعة في الحدود، لئلا يسري ضررها ويتشبه غيره به، فلا جزاء له إلا القتل، سواء أكان في مأمنه أم في غير مأمنه، فكيف نمكنه من الرجوع إلى مأمنه مع ذلك وقد تعين علينا قتله وفارقت حالته حالة المحارب الذي لا ضرر علينا منه إلا بامتناعه بشوكته؟! فإذا حصل في أيدينا ضرره؟! وهذا الكلب حصل ضرره علينا وهو في أيدينا. واستقراء أحوال النبي ﷺ في سيره يدل على أنه كان لا يعفو عن الكفار الذين يحصل منهم ضرر عام من سب أو غيره، كقتله النضر بن الحارث، وأبا عزة في المرة الثانية، وغيرهما.
وإنما كان يمن على من لا ذنب له غير الكفر الذي جزاؤه النار يوم القيامة، فإن الدنيا لم تجعل جزاء على الذنوب، وإنما شرع فيها زواجر عن الذنوب التي تحصل بها مفاسد عامة أو/ استجلاب إلى مصالح، وأخرت عقوبة الكفر إلى الدار الآخرة. فإن قلت: قد أطلق أصحابنا الخلاف في إبلاغ الذمي ـ إذا انتقض عهده ـ المأمن ولم يقيدوه بما قتل! قلت: نعم، والفقيه يقيد ما يطلقه الأصحاب بحسب ما يقوم الدليل عليه، وغاية الأمر إذا سلم أن يكون فيه قول ضعيف بتبليغه المأمن، والصحيح خلافه، ولنذكر هنا ما قاله الفقهاء فيمن انتقض عهده، وهو على قسمين: أحدهما: أن يكون في قبضة الإمام ولم ينتصب لقتال ولا شوكة له، فمثل هذا لا ينتقض عهده عند أبي حنيفة، ومذاهب الأئمة الثلاثة أنه ينتقض إذا فعل شيئًا مما قدمنا أنه ناقض، فعلى هذا قال أصحابنا: هل
نبلغه المأمن؟ فيه قولان: أحدهما: نعم، لأنه دخل دار الإسلام بأمان فيبلغ المأمن، كمن دخل بأمان صبي. وأصحهما: المنع: بل يتخير الإمام فيمن انتقض عهده بين القتل والاسترقاق والمن والفداء، كالأسير الحربي، وهذا هو المشهور عن أحمد أيضًا، وعنه رواية أخرى أنه يقتل، واستدل بأن عمر صلب رجلاً من اليهود فجر بمسلمة. قيل لأحمد: ترى أن عليه الصلب مع القتل؟ قال: إن ذهب رجل إلى حديث عمر. كأنه لم يعب عليه. وقال مهنا: سألت أحمد عن يهودي أو نصراني فجر بمسلمة؟
ر بمسلمة. قيل لأحمد: ترى أن عليه الصلب مع القتل؟ قال: إن ذهب رجل إلى حديث عمر. كأنه لم يعب عليه. وقال مهنا: سألت أحمد عن يهودي أو نصراني فجر بمسلمة؟
قال: يقتل. فأعدت عليه، قال: يقتل. قلت: الناس يقولون غير هذا. قال: كيف يقولون؟ قلت: يقولون عليه الحد. قال: لا، ولكن يقتل. فقلتك له: في هذا شيء؟ قال: نعم، عن عمر أنه أمر بقتله. والمشهور عن أحمد وغيره ما قدمناه من التخيير. وأما الرد إلى المأمن فضعيف:
-
لقوله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) [التوبة: ٥]، وذلك يعم المأمن وغير المأمن، وقوله: (وإن نكثوا أيمانهم ..) [التوبة: ١٢]، وغير ذلك من الآيات.
-
ولقول النبي ﷺ صبيحة قتل كعب بن الأشرف: "من وجدتموه من رجال يهود فاقتلوه".
-
ولأنه أجلى بني النضير على أن لا ينقلوا إلا ما حملته الإبل إلا الحلقة، وإبلاغ المأمن أن يؤمن على نفسه وأهله وماله حتى يبلغ مأمنه.
-
ولأن عمر/ وأبا عبيدة ومعاذًا وعوف بن مالك قتلوا النصراني الذي أراد أن يفجر بمسلمة وصلبوه ولم يردوه إلى مأمنه، ولم ينكره منكر.
-
ولقول ابن عمر في الراهب: "لو سمعته لقتلته".
-
ولأن مقتضى شروط عمر حل دمهم إذا نقضوا، وعن أبي بكر وابن عباس وخالد أنهم قتلوا ناقض العهد ولم يبلغوه مأمنه. القسم الثاني: أن ينتصب ناقض العهد للقتال، قال أصحابنا: فلا بد من دفعهم والسعي في استئصالهم، وهذه العبارة توهم أنهم في دار الإسلام إنما يقاتلون للدفع حتى لو أسروا لا يقتلون بل يبلغون المأمن على أحد القولين، وهذا يخالف ما فعله النبي ﷺ في بني قريظة، فإنه قتلهم بعد الأسر، فإما أن يجعل هذا دليلاً على ضعف القول بإلحاقهم بالمأمن من أصله، وإما أن يكون هذا القول لا جريان له في هذا القسم. وحيث صاروا حربًا إما في دار الإسلام وإما بالتحاقهم بدار الحرب؛ فإذا أسروا فيتخير الإمام فيهم كما يتخير في غيرهم من الأسرار بين القتل والمن والمفاداة والاسترقاق، هذا مذهب جمهور العلماء، وإذا بذلوا الجزية جاز قبولها منهم ويردون إلى الذمة، لأن أصحاب رسول الله ﷺ عقدوا الذمة لأهل الكتاب من أهل الشام مرة ثانية وثالثة بعد أن نقضوا
لعلماء، وإذا بذلوا الجزية جاز قبولها منهم ويردون إلى الذمة، لأن أصحاب رسول الله ﷺ عقدوا الذمة لأهل الكتاب من أهل الشام مرة ثانية وثالثة بعد أن نقضوا
العهد، لكن هل نقول إن ذلك واجب كما يجب ابتداء إذا بذلوا الجزية ـ على الأصح ـ أو جائز غير واجب لما حصل من غدرهم؟ فيه نظر، قد يتمسك للثاني بإجلاء النبي ﷺ بني النضير وبقتل بني قريظة ولم تؤخذ منهم جزية، وجوابه: أنهم لم يعطوها ولا يجب علينا إرشادهم إليها، والمشهور عند المالكية أن من نقض العهد ولحق بدار الحرب ثم أسر كان فيئًا يسترق ولا يرد إلى الذمة، وعن أحمد رواية أن من نقض عهده وقدر عليه بعد أن لحق بدار الحرب يرد إلى الجزية ولا يسترق، وعلى هذه الرواية يجب ردهم إلى الذمة، وهو بعيد، لأن النبي ﷺ قتل أسرى بني قريظة وأسرى خيبر ولم يدعهم إلى إعطاء الجزية،/ والظاهر أنه لو دعاهم إليها لأجابوه، فدل على التخيير. ومما يدل على جواز المن على الناكث أن النبي ﷺ وهب الزبير بن باطا القرظي لثابت بن قيس بن شماس هو وأهله وماله على أن يسكن
الحجاز، وكان من أسرى بني قريظة الناكثين، وذلك قبل أن يحرم إسكانهم في الحجاز ويجب إخراجهم، وقد خرجنا عن المقصود في هذا المحل لتعلقه به. والمقصود أنه ما دام على الكفر لا تقبل توبته، وحكم القتل بالسب جار عليه، ولا يجوز المن عليه، لأن النبي ﷺ لم يمن على من هذا حاله من الأسراء، ولو فعل ذلك كان لحقه، ونحن لا يجوز لنا ترك حقه هذا ما دام على الكفر، ولا حاجة للإطالة في ذلك، فإنه مما لم يقل به أحد إلا إن كان وجهًا ضعيفًا جدًا لا يجوز الأخذ به ولا التعويل عليه.
الفصل السادس: فيما إذا أسلم وفي كل من المذاهب الثلاثة خلاف، أما المالكية: فعن مالك روايتان مشهورتان في سقوط القتل عنه بالإسلام وإن قالوا في المسلم لا يسقط القتل عنه بالإسلام بعد السب. وأما الحنابلة فكذلك عندهم في الساب ثلاث روايات، إحداها: يقتل مطلقًا، والثانية: لا يقتل مطلقًا، والثالثة: أن توبة الذمي بالإسلام مقبولة، وتوبة المسلم إذا سب ثم أسلم غير مقبولة، والمشهور عندهم عدم القبول مطلقًا.
وأما الشافعية: فالمشهور عندهم القبول مطلقًا على ما حررته فيما تقدم من النقل. ومن كلام المالكية والحنابلة يتبين لك أن سقوط القتل عن الذمي إذا أسلم أولى من الساب المسلم إذا أسلم، وسبب ذلك ما قدمناه من أن للقتل في المسلم مأخذين، أحدهما: الزندقة، والثاني: كونه حق آدمي، والمأخذ الأول إنما يصح في الذي يخفي الكفر ويظهر الإسلام، وصدور السب من المسلم يدل على ذلك بخلاف الكافر، فإنه متظاهر به، فلم يبق إلا كونه حق آدمي وكونه طعنًا في الدين، فلذلك كان القائلون/ بالسقوط عن الكافر بإسلامه أكثر من القائلين بالسقوط في المسلم. وقد يعكس ويستند إلى أن المسلم قد يصدر ذلك منه على سبيل الغلط وسبق اللسان، بخلاف الكافر، فظاهر حاله يدل على أنه يصدر من عن اعتقاد وقصد. ولكن الفقهاء نظروا إلى اللفظ في الموضعين، ولعمري إنه متى ظهر ذلك في الموضعين ودلت القرائن على أنه قال ذلك ـ مسلمًا كان أو كافرًا ـ عن حنق، وحرج، وبادرة حمله عليها نزغة شيطان: فيقوى هنا سقوط القتل بالإسلام في الموضعين، ولا سيما إذا دلت القرائن على أنه إسلام صحيح لم يقصد به التقية.
ن حنق، وحرج، وبادرة حمله عليها نزغة شيطان: فيقوى هنا سقوط القتل بالإسلام في الموضعين، ولا سيما إذا دلت القرائن على أنه إسلام صحيح لم يقصد به التقية.
وإن دلت القرائن على أنه قال ذلك عن عقدٍ، وبصيرة، وسوء طوية، وروية: فيقوى هنا عدم قبول توبته بالإسلام وأنه يقتل، لا سيما إذا دلت القرائن مع ذلك على أنه قصد التقية بالإسلام ورفع السيف عنه، ولكنا لا نقدر على الحكم بالقتل عليه، أما أولا: فلأنه خلاف المشهور عن الشافعي، وأما ثانيًا: فلما قدمناه في توبة المسلم، فكل ما دل على سقوط القتل هناك أو على التوقف فيه فهو دال على ذلك هنا، وقد أتقنا ذلك في المسألة الأولى من الفصل الأول. ومما ينبه عليه هنا أن سب الله تعالى في سقوط القتل به بالإسلام خلاف يلتفت على المأخذين، إن عللنا بالزندقة فلا يسقط، وإن عللنا بحق الآدمي سقط. ويتحرر في التعليل في حق النبي ﷺ أمور: أحدها: دلالة السب على زندقة الساب، والثاني: الطعن في الدين، والثالث: كونه حق آدمي، والرابع: كون طباع الكفار تدعو إليه، فيشرع له زاجر وهو القتل، كالزنا، ولا يسقط بالإسلام./ والمعنى الأول: يختص بالمسلم، والرابع يختص بالكافر في حق النبي ﷺ دون حق الله تعالى، والثاني موجود فيهما في الموضعين، والثالث موجود فيهما في حق النبي ﷺ دون حق الله تعالى. وإذا فهمت هذا نزلت الخلاف في السقوط في سب الله تعالى إذا أسلم: على ذلك.
وجود فيهما في الموضعين، والثالث موجود فيهما في حق النبي ﷺ دون حق الله تعالى. وإذا فهمت هذا نزلت الخلاف في السقوط في سب الله تعالى إذا أسلم: على ذلك.
من علل بالطعن في الدين قال: لا يسقط، ومن علل بحق الآدمي قال: يسقط، ومن علل بالزندقة قال: يسقط في الكافر دون المسلم، ومن علل بأن طبع الكافر يدعو إليه قال: يسقط، لأن سب الله لا يدعو إليه طبع أحد. هذا كله عند من يرى بالقتل بعد الإسلام، وأما نحن فلم نجسر على قتل مسلم بدون الثلاثة المذكورة في الحديث، ونصبر عليه إلى أن يلقى الله تعالى العالم بسريرته فيفعل به ما شاء. هذا فيمن حسنت حالة ودلت قرائن الأحوال على صدق سريرته وأن الذي صدر منه كان فلتة، وأما من دلت قرائن حاله على خلاف ذلك من سوء عقيدة وتقاة بكلمة الشهادة فلا أتكلم فيه بشيء إن شاء الله، وأرى أن أتوقف فيه، فإن تقلده حاكم كان حسابه عليه أو أجره له، وأنا أرضى بالسلامة ولا ألقى الله تعالى بدم مسلم ولا بإسقاط حق لله ولرسوله، إلا أن يتبين لي علم بعد ذلك يقتضي الجزم بقتله أو بعدم قتله، فإني كل وقت أترقب زيادة علم، وإنما كان مقصودي بهذا التصنيف قتله ما لم يسلم كافرًا كان أو مسلمًا وإبطال القول بإبقائه إذا كان كافرًا. ومما ينبه عليه أيضًا أن القتل بالسب ـ وإن قلنا هو حد لله تعالى ـ ينبغي أن يجري في سقوطه بالإسلام ما جرى في حد الزنا، وقد حكي عن
قائه إذا كان كافرًا. ومما ينبه عليه أيضًا أن القتل بالسب ـ وإن قلنا هو حد لله تعالى ـ ينبغي أن يجري في سقوطه بالإسلام ما جرى في حد الزنا، وقد حكي عن
الشافعي أنه قال إذ كان بالعراق: إن الذمي إذا زنا ثم أسلم سقط الحد عنه، وقال أبو ثور: لا يسقط، فينبغي أن يجيء في سقوط القتل بالسب عن الذمي إذا أسلم هذا الخلاف وإن قلنا إنه حد الله تعالى، فإن قلنا هو حق آدمي فالقتل أظهر، أما إذا قلنا يقتل كفرًا فيظهر السقوط بالإسلام. وقد وقفت على تصنيف لأبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية سماه "الصارم المسلول على شاتم الرسول"، استدل على تعين قتله بسبع وعشرين طريقة أطال فيها وأجاد ووسع القول في الاستدلال والآثار وطرق النظر والاستنباط، ومجموع الكتاب مجلد، ولكني لم ينشرح صدري لموافقته على القول بالقتل بعد الإسلام، ولكنه من محال الاجتهاد،/ فإن انشرحت له نفس عالم فلا حرج عليه، ومبنى الاجتهاد والتقليد على انشراح الصدر.
ولقد استحسنت فتيا من الشيخ أبي الفتح محمد بن علي بن وهب القشيري المعروف بابن دقيق العيد رأيتها بخطه، سئل عن تقليد المذاهب هل يجوز وما ضابطه؟ فكتب: "الضابط عندي شيئان: أحدهما: أن لا يكون في المسألة التي يريد أن يقلد فيها حديث صحيح يقتضي خلاف مذهب من يقلده. والثاني: أن ينشرح صدره لذلك ولا يعتقد أنه متساهل في دينه، وإنما اعتبرت هذا لقوله ﷺ: "الإثم ما حاك في نفسك"، فإذالم يكن في المسألة نص وكان الشخص ـ كما ذكرنا ـ منشرح الصدر جاز التقليد لمن شاء، والله أعلم". نقلته من خطه. وقوله: "أن لا يكون في المسألة نص" يريد به: أو نحوه. وتحريره: أن لا يكون في المسألة ما ينقض به قضاء القاضي من نص أو إجماع أو قياس جلي، وقد نبه أبو محمد ابن عبد السلام على أن كل ما ينقض قضاء القاضي فيه لا يجوز التقليد فيه، وكذلك غيره، فإنا إذا كنا ننقضه بعد الحكم فقبل الحكم أولى.
وانشراح الصدر لا بد منه ليكون معتقدًا فيعمل بما يعتقده، أما من أقدم على فعل وهو يعلم اختلاف العلماء فيه ولم يعتقد جوازه لا اجتهادًا ولا تقليدًا بل مجرد علمه أن بعض الناس قال بتحريمه وبعضهم قال بتحليله: فالذي أراه أنه آثم، لكونه أقدم مع الشك في حكم الله تعالى، وإن كان قد وقع في كلام الغزالي وغيره ما يقتضي عدم الإثم في ذلك وأنه يصير كالمخير، وإنما يتجه جعله كالمخير ـ على قول ـ إذا انسد عليه باب الترجيح لا بالاجتهاد ولا بالتقليد، فحينئذ قال بعض العلماء بتخييره، أما قبل ذلك وهو يمكنه أن يسأل ليظهر له الراجح فلا، وإذا سأل ودل على الراجح ولكن لم يترجح في نفسه فهذا هو الذي قصدته أولاً وحكيت كلام ابن دقيق العيد فيه. والذي يتجه فيه أنه لا يقدم عليه أيضًا حتى يترجح في نفسه وينشرح صدره له، للحديث الذي ذكره: "الإثم ما حاك في نفسك .. "./
حكيت كلام ابن دقيق العيد فيه. والذي يتجه فيه أنه لا يقدم عليه أيضًا حتى يترجح في نفسه وينشرح صدره له، للحديث الذي ذكره: "الإثم ما حاك في نفسك .. "./
تذييل ملحق في شوال المبارك سنة إحدى وخمسين وسبعمئة حين وقع نصراني حصل منه قذف بشع فظيع، وحيل بني المسلمين وبينه فلم يقتلوه، ثم بعد ثلاث عشرة سنة وقع وأخذوه فتلفظ بالشهادتين المعظمتين، فلم ينشرح صدري للحكم بحقن دمه ورأيت قتله، لأن هذه الواقعة ما أظن وقع مثلها، ولا شك أن درجات الشتم والسب والقذف متفاوتة، ودرجات من يصدر منه ذلك في: السهو وسبق اللسان، والغلط الناشئ عن حدة في بعض الأوقات من متحفظ في غالبها، والتعمد الناشئ عن خبث باطن، والجرأة والقحة، وقصد الأذى: متفاوتة، وليس من اللازم إذا حصل اختلاف من العلماء في أدنى الدرجات أو أوسطها أن يحصل في أعلاها، فإذا حصل مثل هذا القذف البشع ممن عرفت جرأته واستهزاؤه يبعد القول بقبول توبته وأنها تسقط ما وجب، لا سيما وحد القذف لا يسقط إلا بالإسقاط، ومن يسقط هذا الحد الناشئ عن لفظ لا يحتمل المسلمون سماعه ولا التفوه بحكايته؟! والحد في مثل هذا إنما هو بالقتل لا بجلد ثمانين.
ف لا يسقط إلا بالإسقاط، ومن يسقط هذا الحد الناشئ عن لفظ لا يحتمل المسلمون سماعه ولا التفوه بحكايته؟! والحد في مثل هذا إنما هو بالقتل لا بجلد ثمانين.
فرأيت أن آخذ في هذا بما حكاه الفارسي من الإجماع ووافقه القفال واستحسنه إمام الحرمين ـ وناهيك بهم ـ غيره للنبي ﷺ وصيانة لمنصبه العلي: لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم وإن كان كرم الله ورحمة رسول الله ورأفته تقتضي قبول إسلام هذا الكلب فينفعه في الآخرة، ونحمي حوزة الشرف الرفيع عن بقاء لسان تفوه في حقه بذلك، وقلب خطر ذلك عليه. فقوي عندي أني أحكم بقتله تقربا إلى الله وإلى رسوله، وخفت من جاهل أو ذي ضغن يعترض علي ويقول: المشهور من مذهب الشافعي خلافه، والأستاذ أبو إسحاق يقول بسقوط القتل وغيره، والصيدلاني يقول بسقوط القتل ولكن يجب جلد ثمانين، وعلمي محيط بذلك، ولكني أقول: إن الأستاذ والصيدلاني قد يكونان لم يطلعا على الإجماع الذي نقله الفارسي، لا سيما والفارسي متقدم، فإن وفاته في سنة خمس وثلاثمئة، ووفاة الأستاذ سنة ثماني عشرة وأربعمئة، والصيدلاني إما في وقت الأستاذ وإما بعده، فنقل الإجماع من الفارسي قبلهما بأكثر من مئة سنة، فلا يسمع خلافهما حتى يبينا خلافًا متقدمًا. ولو فرضنا أنه لا إجماع وأنها من محال النظر فالنظر يقتضي القتل، لأن حد القذف لا يسقط بالإسلام والتوبة، ولا يسقط إلا بإبراء صاحبه أو وراثه، وإبراء صاحبه هنا متعذر.
لا إجماع وأنها من محال النظر فالنظر يقتضي القتل، لأن حد القذف لا يسقط بالإسلام والتوبة، ولا يسقط إلا بإبراء صاحبه أو وراثه، وإبراء صاحبه هنا متعذر.
ونحن أيها المسلمون وإن قمنا مقام علمائه فلا نرى إسقاط حق نبينا من ذلك، والإرث متعذر لأن الأنبياء إنما ورثوا العلم، ولو فرضنا أن هذا الحق يورث عنهم فبنو عمه منتشرون غير منحصرين، ولا يعرف الأقرب منهم الذي يصح الإبراء منه. وحد القذف في هذا إنما هو القتل، بدليل الإجماع على أنه الواجب قبل الإسلام، وإعلاء لقدر النبي ﷺ أن يكون التجري عليه كالتجري على غيره. وهذا الذي رأيته في هذه الواقعة الخاصة لا أطرده في كل صورة، لما أشرت إليه هنا من تفاوت الدرجات. وقد أشرت في أثناء الفصل المتقدم إلى هذا التفصيل، وذكرت ما يدل على عدم اعتماده هناك، ولكني هنا أبديت ما يدل على اعتماده، وهو الأولى، ولا شك أن النوع الواحد قد تختلف أحكام أفراده باختلاف مراتبها، فالفقيه الحاذق يعطي كل فرد حقه من النظر إذا لم يكن ضابط من الشارع يسوي بين أفراد ذلك النوع./ وقد حصل النظر مرات في أنه إذا كان في مسالة قولان في المذهب وأحدهما هو المشهور الراجح هل للحاكم الذي ليس من أهل الاجتهاد أن يحكم بخلافه؟ أو للحاكم الذي من أهل الاجتهاد أن يحكم بخلافه إذا ظهر له مصلحة في الحكم به وإن لم يترجح دليله عنده؟ والذي أراه في الحالة الأولى أنه لا يجوز، وعندي في الحالة الثانية توقف.
وقد روي أن ابن عبد الرحمن بن القاسم حنث في غير اللجاج فأتاه أبوه بكفارة يمين وقال: أفتيتك بقول الليث، وإن عدت أفتيتك بقول مالك!. وهذا فيه عندي توقف، وهو في الفتيا أسهل منه في الحكم، وعلى كل حال ليس هو مثل مسألتنا، لأنه هو في أمر واحد لا يتصور اختلاف الحكم فيه، وإنما هو اعتماد المصلحة في آحاد الوقائع مع استواء حكم الشرع في جميعها، أما مسألتنا هذه فأنا أمنع استواء الحكم، وأقول: إنه يختلف باختلاف مراتب تلك الآحاد لاختلافها، فجاز أن يكون لكل منها حكم يخصه، ففي بعضها يقوي القتل، وفي بعضها لا يقوي، وفي بعضها يحتمل إجراء الخلاف، وفي بعضها لا يحتمل. وأما كون المشهور في مذهب الشافعي عدم القتل فهو بحسب ما اشتهر عند المتأخرين، ولم أر من كلام الشافعي تصريحًا بذلك، ونصه على قتل الذمي الساب مطلق لم يستبن فيه إذا أسلم، بخلاف نص مالك وأحمد، فإنهما قالا: إلا إذا أسلم.
ولكني الذي أقوله في المسلم ما قدمته من التفصيل، وأرى للقاضي جواز اجتهاده في آحاد الصور. هذا رأيي الآن وإن كان فيه مخالفة لما قدمته في أثناء الفصل المتقدم، ولكن على الحاكم التيقظ لتقوى الله تعالى لئلا يداخله هوى أو حظ نفس، فيحترز في شيئين: أحدهما: المدارك الفقهية والاجتهاد فيما يقتضيه حكم الشرع في تلك الواقعة بخصوصها. والثاني: تفقد خواطره ونفسه ودسائسها، وتجريد الخواطر الربانية عن الخواطر النفسانية، ويسال الله العصمة والتوفيق. فلما رأيت ذلك في هذه الواقعة وخفت ـ كما قلت ـ من جاهل أو ذي ضغن: فوضت الأمر إلى حنبلي فيما بيني وبين الله، وهو عند الناس مستقل، فحكم بإراقة دمه، ونفذه المالكي، ثم
الحنفي نفذ حكم المالكي، ثم نفذت أنا تنفيذ الحنفي، ثم قتل الشخص المذكور في يوم الإثنين خامس شوال سنة إحدى وخمسين وسبعمئة. وسألني سائل: أيما أعظم: هذا أو الشرك بالله؟ قلت: الشرك بالله عظيم، ولكن المشرك يتدين به ويعتقده دينًا، وأما هذا ففيه من الجرأة والقحة على الله ورسوله وأذاه ما ليس في الشرك، فلذلك يجب الإسلام الشرك ولا يجب هذا.
عظيم، ولكن المشرك يتدين به ويعتقده دينًا، وأما هذا ففيه من الجرأة والقحة على الله ورسوله وأذاه ما ليس في الشرك، فلذلك يجب الإسلام الشرك ولا يجب هذا.
خاتمة لما حضرنا عند قتل هذا الشخص ورأيت اجتماع الناس حوله وما هو فيه: خفت أن يكون ذلك سببًا لارتداده عن الإسلام، فحصل عندي من ذلك شيء، ثم ارتأيت واستقر رأيي بعد أيام على أني لا ألقى الله بدم مسلم أبدًا، وأن كل من أسلم عصم دمه ويقبل ذلك منه في الظاهر، وأمره في الباطن إلى الله، وذلك لأن النبي ﷺ بالمؤمنين رؤوف رحيم، فإذا ثبت الإيمان لشخص ولو تقدم منه ما عسى أن يتقدم فالنبي ﷺ به رؤوف رحيم بالنص القاطع، ومن رأفته به ورحمته محافظتنا على بقاء إيمانه، وعدم تعريضه للفتن. ولا شك أن هذا الشخص وأمثاله حديث عهد بالإسلام، فإذا رأى نفسه وقد أسلم إسلامًا صحيحًا قد أحيط به ولم ينجه ذلك: ربما ـ والعياذ بالله ـ جمع في نفسه بغضًا لهذا الدين أو لأهله فيكفر! ولأن يهدي الله بنا رجلاً واحدًا خير لنا من حمر النعم، ونحن نتحقق من النبي ﷺ رغبته في الهداية لجميع الخلق، وأنه لم يكن يجزي بالسيئة السيئة، بل يعفو ويصفح.
ولا سبيل إلى أن نقول: إن إسلام هذا ما صح، فإذا صح وجب دخوله في الرأفة والرحمة، وإن احتمل عدم صحة إسلامه: فإذا دار الأمر بين شفقتنا عليه حتى يهتدي وبين تعريضنا له للكفر وأيها أولى لا شك أن الهداية أولى، فلذلك استقر رأيي وفهمت من نفس الشريعة عدم قتله. قال لي قائل: يكون شهيدًا؟ قلت: لو وثقنا بطمأنينة قلبه كان جيدًا، ولكن من هو الذي يصبر في ذلك؟! ومن هو الذي ما يسول له الشيطان ويزلزله ويحمله على إساءة الظن فيكفر؟! وأين القوي؟ فالشفقة على خلق الله والرأفة بهم والرحمة تقتضي إبقاء هذا وحمله على الاهتداء وعدم قتله، والله أعلم. كتبته يوم التاسع والعشرين من شوال سنة إحدى وخمسين وسبعمئة./
ى خلق الله والرأفة بهم والرحمة تقتضي إبقاء هذا وحمله على الاهتداء وعدم قتله، والله أعلم. كتبته يوم التاسع والعشرين من شوال سنة إحدى وخمسين وسبعمئة./
الفصل السابع: في أنه هل يستتاب بالإسلام ويدعى إليه أو يهجم على قتله ابتداء؟ إن قلنا لا يسقط القتل عنه بالإسلام فلا يستتاب، وإن قلنا يسقط فقد ذهب بعض العلماء أيضًا إلى أنه لا يستتاب، ويكون كالأسير الحربي يقتل قبل الاستتابة، فإن أسلم سقط عنه القتل، وهذا وجه في مذهب أحمد على الرواية بسقوط القتل بالإسلام، وقريب منه في مذهب مالك. وأما أصحابنا فلم يصرحوا بذلك، وقد تقدم عنهم في المسلم أنه يُستتاب، وبحثنا فيه، وأما هنا فترك الاستتابة أقوى، لأن المسلم يظهر منه أنه لا يقدم على ذلك إلا عن شُبْهةٍ أو حَرَج، والكافرُ بخلافه، فالوجه القطع فيه بأنَّ الاستتابة لا تجب، أما استحبابها فلا يبعُدُ القولُ به.
الفصل الثامن: في أنه هل يصح حكم الحاكم بسقوط القتل عنه مع بقائه على الكفر ؟ والجواب: إن كان الحاكم شافعيًا أو مالكيًا أو حنبليًا لم يصح حكمه بذلك، لأنه خلاف مذهبه، وفي هذا الزمان الحكام مقلدون، والسلطان يوليهم على مذاهب معروفة، فكأنه بلسان الحال يقول للشافعي: أذنت لك أن تحكم بمذهب الشافعي، وللمالكي: احكم بمذهب مالك، وللحنفي: احكم بمذهب أبي حنيفة، وللحنبلي: احكم بمذهب أحمد، فلا يجوز لأحدٍ منهم أن يتجاوز مذهبه في الحكم. ولو فرضنا أن واحدًا منهم ظهر له في مسألة بالدليل خلاف مذهبه، أو قلد غير إمامه فيها: لا يجوز له أن يحكم في تلك المسألة بما اعتقده من اجتهاد أو تقليد، لأنه غير مأذون له فيه، ولا بمذهبه لأنه لا يعتقده وإن كان مأذونًا له فيه. فطريقه أن يراجع السلطان إن شاء حتى يأذن له أن يحكم بما يعتقده. وفيه أيضًا خلاف في أن الشافعي هل له أن يولي غير شافعي؟ والتقيد بهذه المذاهب في هذا الزمان بحسب تولية السلطان لا بد منه،/ إلا أن يولي السلطان رجلاً مجتهدًا ويعلم منه ذلك، فيكون إذنًا له أن يحكم بما يراه، وبدون ذلك لا يجوز أن يخرج عن مذهبه.
فإن كان مقلدًا ـ كما هو الغالب في قضاة الزمان ـ فليس له أن يخرج عن مشهور مذهبه الذي عليه الفتوى في ذلك المذهب. وإن كان مجتهدًا في المذهب فيجوز له أن يخالف ذلك إذا رأى غيره أولى بمذهب الشافعي واقتضت عنده قواعد الشافعي ترجيحه، وكان قاصدًا للحق والدليل لا للهوى، ويكون ذلك غير خارج عن مذهب الشافعي، ولا يفترق الحال عنده بين ذي الجاه وغيره، والسلطان والرعية، فإن حكم الله واحد في الجميع. فأي حاكم حكم من حكام الزمان من غير الحنفية ببقاء هذا الكافر نقض حكمه وأبطل وحكم بخلافه.
الجاه وغيره، والسلطان والرعية، فإن حكم الله واحد في الجميع. فأي حاكم حكم من حكام الزمان من غير الحنفية ببقاء هذا الكافر نقض حكمه وأبطل وحكم بخلافه.
ثم إن كان إقدام الحاكم على ذلك لجهل منه بأن اعتقد أنه مذهب إمامه فتبين له ذلك فيستغفر الله تعالى من تقصيره في السؤال ممن هو أعلم منه، وهو باقٍ على ولايته. وإن كان إقدامه على ذلك مع علمه بأن مذهب إمامه خلافه وقلد فيه أبا حنيفة لاعتقاده قوة مذهبه فكذلك يبين له أنه لم يكن يجوز له أن يحكم بغير مذهب إمامه وإن اعتقده، ويستغفر الله تعالى من الحكم بذلك، وهو باق على ولايته. وإن كان إقدامه على ذلك عالمًا بمخالفته لمذهب إمامه أو للمشهور منه، والحامل له على ذلك محاباة ذي جاه أو طمع في شيء من الأمور الدنيوية فقد خان الله تعالى ورسوله والمؤمنين، وانعزل من جميع ما بيده من المناصب الدينية، القضاء وغيره، وفسق ولم تحل ولايته بعد ذلك حتى يتوب إلى الله تعالى وينصلح حاله. ويخشى عليه في دينه إن كان الحامل له على ذلك التهاون بهذا الحق العظيم، لكنا لا نظن بمسلم الوقوع في ذلك. وأما إن كان الحاكم الذي حكم بسقوط القتل عنه حنيفًا وقد حكم بذلك مقلدًا لأبي حنيفة ﵁/ فيحتمل أن يقال بنقض حكمه بذلك، لأن الأدلة الدالة على وجوب قتله واضحة جلية، فهي مما ينقض قضاء القاضي بخلافها، ويحتمل أن يتوقف في ذلك لأن الحديث الوارد فيه ليس بذلك القوي، ولا إجماع.
ومحل النظر: في كون مجموع ما ذكرناه من الأدلة واستقراء السير والأقيسة هل تتنزل منزلة الحديث الصحيح الصريح، وفي كون الأقيسة جلية أو لا، والأقرب عندي أنها كذلك حتى ينقض قضاء القاضي الحنفي بخلافها ما لم يقترن به حكم آخر بتنفيذه، فإذ ذاك يمتنع نقضه، لأن جواز نقضه ليس بينا عندنا؛ بل هو في محل الاجتهاد، فإذا قضى به قاض كان كالحكم بالمختلف فيه، فلا ينقض. هذا كله في حكم الحنفي، أما الشافعي والمالكي والحنبلي فلا ريبة في نقض حكمهم بذلك.
الباب الثالث: في بيان ما هو سب من المسلمين والكفار وفيه فصلان: الفصل الأول: في المسلمين. الفصل الثاني: فيما هو سب من الكافر.
يبة في نقض حكمهم بذلك.
الباب الثالث: في بيان ما هو سب من المسلمين والكفار وفيه فصلان: الفصل الأول: في المسلمين. الفصل الثاني: فيما هو سب من الكافر.
الفصل الأول: في المسلمين أجمعت الأمة على أن الاستخفاف بالنبي ﷺ أو بأي نبي كان من الأنبياء أو قتله أو قتاله: كفر، سواء أقال فاعل ذلك إنه استحله أم فعله معتقدًا تحريمه، ليس بين العلماء خلاف في ذلك، والذين نقلوا الإجماع فيه وفي تفاصيله أكثر من أن يحصوا. وممن نقل الإجماع في القتل إسحاق بن راهويه، وممن نقل الإجماع في الاستخفاف ونحوه إما الحرمين وغيره. وقال القاضي عياض: اعلم أن جميع من سب النبي ﷺ أو عابه أو ألحق به نقصًا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرض به أو شبهه بشيء على طريق السب له أو الإزراء عليه أو التصغير لشأنه أو الغض منه أو العيب له: فهو ساب له، والحكم فيه حكم الساب يقتل، ولا نستثني فصلاً من فصول هذا الباب على هذا المقصد، ولا نمتري فيه تصريحًا كان أو تلويحًا. وكذلك/ من لعنه أو دعا عليه أو تمنى مضرة له، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام
وهجر ومنكر من القول وزور، أو عيرة بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه، وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة ﵃ وإلى هلم جرا. وروى ابن وهب عن مالك: من قال إن رداء النبي ﷺ ويروى: زر النبي ﷺ وسخ أراد بذلك عيبه، قتل. قال عياض: وقال بعض علمائنا: أجمع العلماء على أن من دعا على نبي من الأنبياء بالويل أو بشيء من المكروه أنه يقتل بلا استتابة. وأفتى أبو الحسن القابسي فيمن قال في النبي ﷺ: الجمال يتيم أبي طالب، بالقتل. وأفتى أبو محمد ابن أبي زيد بقتل رجل سمع قومًا يتذاكرون صفة النبي ﷺ إذ مر بهم رجل قبيح الوجه واللحية فقال: تريدون تعرفون
صفته؟ هي في صفة هذا المار في خلقه ولحيته. قال: يقتل ولا تُقبل توبته، وقد كذب لعنه الله، وليس يخرج من قلب سليم الإيمان. وقال أحمد بن [أبي] سليمان صاحب سحنون: من قال إن النبي ﷺ كان أسود يقتل. وقال في رجل قيل له: لا وحق رسول الله، فقال: فعل الله برسول الله كذا وكذا؛ كلامًا قبيحًا، فقيل له: ما تقول يا عدو الله؟! فقال أشد من كلامه الأول، ثم قال: إنما أردت برسول الله العقرب!، فقال ابن أبي سليمان للذي سأله: اشهد عليه وأنا شريكك في قتله وثواب ذلك. قال حبيب بن الربيع: لأن ادعاءه التأويل في لفظ صراح لا يقبل، لأنه امتهان، وهو غير معزر لرسول الله ﷺ ولا موقر له، فوجب إباحة دمه. وأفتى أبو عبد الله/ ابن عتاب في عشار قال لرجل: أد واشك إلى النبي، وقال: إن سألت أو جهلت فقد جهل وسأل النبي، [بالقتل].
وأفتى فقهاء الأندلس بقتل ابن حاتم المتفقه الطليطلي وصلبه بما شهد عليه به من استخفافه بحق النبي ﷺ وتسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم وختن حيدرة، وزعه أنه زهده لم يكن قصدًا، ولو قدر على الطيبات أكلها، إلى أشباه هذا. وأفتى فقهاء القيروان وأصحاب سحنون بقتل إبراهيم الفزاري، وكان شاعرًا مفننًا في كثير من العلوم، وكان ممن يحضر مجلس القاضي ابن طالب للمناظرة، فرفعت عليه أمور منكرة من هذا الباب، فأمر بقتله وصلبه، فطعن بالسكين، وصلب منكسًا، ثم أنزل وأحرق بالنار.
وكان ممن يحضر مجلس القاضي ابن طالب للمناظرة، فرفعت عليه أمور منكرة من هذا الباب، فأمر بقتله وصلبه، فطعن بالسكين، وصلب منكسًا، ثم أنزل وأحرق بالنار.
وقال القاضي أبو عبد الله ابن المرابط: من قال إن النبي ﷺ هزم يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وقال حبيب بن ربيع القروي: مذهب مالك وأصحابه أن من قال فيه ﵇ ما فيه نقص قتل دون استتابة. وقال ابن عتاب: الكتاب والسنة موجبان أن من قصد النبي ﷺ بأذي أو نقص معرضًا أو مصرحًا وإن قل فقتله واجب. فهذا الباب كله مما عده العلماء سبًا وتنقصًا يجب قتل قائله، لم يختلف في ذلك متقدمهم ولا متأخرهم وإن اختلفوا في حكم قتله كما أشرنا إليه، وكذلك أقول: من غمضه أو عيره برعاية الغنم أو السهو أو
النسيان أو السحر أو ما أصابه من جرح أو هزيمةٍ لبعض جيوشه أو أذى من عدوه أو شدة من زمنه أو بالميل إلى نسائه: فحكم هذا كله ـ لمن قصد به [نقصه]ـ القتل. هذا كلام القاضي عياض ﵀، وقد تقدم كثير منه، ولكنا أحببنا نجمعه في هذا الباب، فإنه محله. ونصوص الشافعية والحنفية والحنابلة متفقة موافقة على أن ذلك سب وردة موجب للقتل وإن اختلفوا في قبول التوبة منه. فإن قلت: لا إشكال في هذا إذا كان عن سوءِ عقيدة، أما إذا صدر من مصدق بالله/ ورسله فكيف يستقيم جعله كفرًا؟ ولا سيما عند من يقول: الإيمان: التصديق أو المعرفة، والكفر: الجحود أو الجهل، وهو المشهور، وإنما يستقيم ذلك عند من يجعل الأعمال جزءًا من مسمى الإيمان وبزوالها يزول. قلت: أورد إمام الحرمين في "الشامل" هذا السؤال من جهة الخوارج، فقال: "ومما كثر تشغيب الخوارج به أن قالوا: لو كان الإيمان تصديقًا على زعمكم لوجب الحكم بإيمان من يقتل نبيًا أو يستخف به أو يسجد بين يدي وثن! فإن هذه الأعمال لا تضاد المعرفة والعقيدة، فلما أجمعنا على
الإيمان تصديقًا على زعمكم لوجب الحكم بإيمان من يقتل نبيًا أو يستخف به أو يسجد بين يدي وثن! فإن هذه الأعمال لا تضاد المعرفة والعقيدة، فلما أجمعنا على
الحكم بتكفير من صدرت منه هذه الأفعال دل على أن الإيمان لا يرجع إلى تصديق القلب". قال: "والجواب عن ذلك أن نقول: لسنا ننكر في قضية العقل مجامعة هذه الفواحش للمعرفة على ما قلتم، فإن أفعال الجوارح لا تناقض عقد القلوب، ولكن أجمع المسلمون على أن من بدر منه شيء من ذلك فهو كافر، فعلمنا بالإجماع أن الله تعالى لا يقضي على شيء بشيء مما وصفناه إلا وقد قضى بانتزاع المعرفة منه، والدليل على ذلك أن من قارف معصية فالخوارج لا يسلبونه اسم العارف وإن لم ينعتوه بكونه مؤمنًا، ومن قتل نبيًا أو استخف به فالأمة مجمعة على أنه لا يوصف بكونه عارفًا بالله تعالى، وهذا كإجماعهم على أن من جحد نبوة محمد ﵇ فهو غير عارف بالله، وليس ذلك لمضادة الجهل بالنبوة للمعرفة بالله تعالى، ولكن الله تعالى قضى بانتزاع معرفة من جحد نبوة الأنبياء ولم يؤمن بهم". انتهى كلام الإمام هنا. وذهب النجار إلى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب والإقرار باللسان وإلزام الأركان الخضوع لله تعالى وترك الاستكبار، وزعم أن إبليس ـ لعنه الله ـ إنما كفر باستكباره، وإلا فقد كان عارفًا بقلبه مقرًا بلسانه.
ومذهب الأشعري وأكثر أصحابه أن الإيمان هو التصديق، واختلف/ جوابه في معنى التصديق: هل هو المعرفة أو هو قول النفس على تحقيق ومن ضرورته المعرفة؛ وهو الذي ارتضاه القاضي ابن الباقلاني؟. ومذهب السلف أن الإيمان معرفة بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، وأنه يزيد وينقص، وأنه لا ينتفي بانتفاء الأعمال، ومذهب السلف في هذا هو الحق، ولتقريره مكان غير هذا.
............................
وما ذكره الإمام في جواب السؤال من القضاء بانتفاء المعرفة قد يتوقف فيه! فإنا إذا فرضنا المعرفة موجودة حسًا كيف نقضي بانتفائها؟ فإن قال: "المراد انتفاؤها شرعًا" عاد إلى تفسير الإيمان بمعنى شرعي، ويحتاج إلى بيانه. والحاصل أن التصديق لا بد أن يقترب به أمر آخر حال في القلب وعمل له، وهو: تعظيم الرسول وإجلاله وتوقيره ومحبته والطمأنينة لقبول الأوامر والنواهي والانقياد بالقلب لذلك، فمن استكبر أو استخف أو استهان فقد ضاد ذلك، فانتفى التصديق لوجود ضد أثره وإن كانت صورة التصديق موجودة، لكن لما لم يترتب عليها أثرها ووجد المعارض لعملها صارت كالمعدومة. فالكفر كفران: كفر للجهل والجحود، وكفر مع المعرفة والتصديق ووجود ما يعارضهما ويضادهما، مثل كفر اليهود وإبليس، وإذا نفينا المعرفة والتصديق في مثل هذا فالمراد: المعتد به من ذلك. وكفر الساب الذي يزعم أنه مصدق عارف من هذا القبيل، فلا شك في كفره واستحل أو لم يستحل، جهل أو عرف، ومن توقف من الفقهاء
فيما إذا لم يستحل فقد خفي عليه مأخذ التكفير وأن الاستخفاف يضاد التوقير الذي هو شرط الإيمان. ولذلك ضرب عمر ﵁ رقبة الذي لم يرض بحكم رسول الله ﷺ، وإنما لم يقتل النبي ﷺ الذي قال له: "أن كان ابن عمتك" وأضرابه من الأعراب لما قدمناه من المعاني التي ترك لأجلها قتل المنافقين. وما روي من أن الذي قال: "أن كان ابن عمتك" كان من البدريين إن صح فيحمل أنه كان بعد ذلك وأن/ الواقعة كانت قبل بدر، فإن من
تي ترك لأجلها قتل المنافقين. وما روي من أن الذي قال: "أن كان ابن عمتك" كان من البدريين إن صح فيحمل أنه كان بعد ذلك وأن/ الواقعة كانت قبل بدر، فإن من
شهد بدرًا مغفور لهم، ومثل هذا كفر لا يغفر، اللهم إلا أن يقال: معنى المغفرة له أن يختم له بالإسلام فيغفر له. واعلم أن الألفاظ الموجبة للكفر منها ما هو سب يختلف العلماء في قبول التوبة منه، ومنها ما هو ردة محضة ليس بسب، تقبل التوبة منه ما لم يكن زنديقًا يستر به، فيختلفون في قبول توبته أيضًا، والمرجع فيما يسمى سبًا وما لا يسمى سبًا إلى العرف. وما دل عليه كلام العلماء الذي حكيناه يستدل به على ما يشبهه.
فرع: [في سب أم النبي ﷺ]: من قذف أم النبي ﷺ فهو ساب، لأنه طاعن في نسبه، نص الحنابله على ذلك واتفقوا عليه، وغيرهم لا يخالفهم فيه، ولو سبها بغير القذف فقد أطلق بعض الحنابلة أن من سب أم النبي ﷺ يقتل مسلمًا كان أو كافرًا. قال ابن تيمية: وينبغي أن يكون مرادهم بالسب هنا القذف، كما
صرح به الجمهور، لما فيه من سب النبي ﷺ.
فرع: [في سب عائشة ﵂]: قال مالك: من سب عائشة قُتل. قيل له: لم؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن. وقال ابن شعبان عنه: لأن الله تعالى يقول: (يعظم الله أن تعودوا لمثله أبدًا إن كنتم مؤمنين) [النور: ١٧]، فمن عاد لمثله فقد كفر. وحكى أبو الحسن الصقلي أن أبا بكر ابن الطيب قال: إن الله تعالى إذا ذكر في القرآن ما نسبه إليه المشركون سبح نفسه، كقوله: (وقالوا اتخذ الله ولدًا سبحانه) [البقرة: ١١٦]، وذكر تعالى ما نسبه المنافقون إلى عائشة فقال: (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانه) [النور: ١٦]، سبح نفسه في تنزيهها من السوء. وهذا يشهد لقول مالك، ومعنى هذا أن الله لما عظم سبها وكان سبها سبا لنبيه، وقرن سب نبيه وأذاه بأذاه تعالى، وكان حكم مؤذيه تعالى القتل؛ كان مؤذي نبيه كذلك.
وذكر أبو يعلى من الحنابلة، وقال ابن تيمية إنه حكى الإجماع فيه غير واحد.
سب نبيه وأذاه بأذاه تعالى، وكان حكم مؤذيه تعالى القتل؛ كان مؤذي نبيه كذلك.
وذكر أبو يعلى من الحنابلة، وقال ابن تيمية إنه حكى الإجماع فيه غير واحد.
فرع: [في سب أزواج النبي ﷺ غير عائشة]: أما غير عائشة من أزواج النبي ﷺ فحكى القاضي عياض فيمن سبها قولين، أحدهما: يقتل، لأنه سب النبي ﷺ بسب حليلته، والآخر: أنها كسائر الصحابة يجلد حد المفتري. قال: وبالقول الأول أقول. وقيل إنه ورد معنى ذلك عن ابن عباس، لأن فيه عارًا وغضاضة على النبي ﷺ. وقال أبو بكر ابن زياد النيسابوري: سمعت القاسم بن محمد يقول لإسماعيل بن إسحاق وأتي المأمون .....................
بالرقة برجلين شتم أحدهما فاطمة والآخر عائشة، فأمر بقتل الذي شتم فاطمة وترك الآخر الذي شتم عائشة، فقال إسماعيل: ما حكمهما إلا أن يقتلا، الذي شتم عائشة رد القرآن. وعلى هذا مضت سيرة أهل الفقه والعلم من أهل البيت وغيرهم. وقال أبو السائب: كنت يومًا بحضرة الحسن بن زيد الداعي بطبرستان، وكان يلبس الصوف, ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويوجه في كل سنة بعشرين ألف دينار إلى مدينة السلام تفرق على أولاد
الصحابة، فكان بحضرته رجل ذكر عائشة بقبيح من الفاحشة، فقال: يا غلام! اضرب عنقه، فقال له العلويون: هذا رجل من شعيتنا! فقال: معاذ الله! هذا رجل طعن على النبي ﷺ، قال الله تعالى: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون) [النور: ٢٦]، فإن كانت عائشة خبيثة فالنبي ﷺ خبيث! هو كافر فاضربوا عنقه. فضربوا عنقه وأنا حاضر. رواه اللالكائي. وعن محمد بن زيد أخي الحسن بن زيد أنه قدم عليه رجل من العراق، فذكر عائشة بسوء، فقام إليه بعمود فضرب به دماغه فقتله.
فرع: [في سب سائر الصحابة ﵃]: أما سائر الصحابة فمن سبهم جلد باتفاق العلماء.
قال أحمد: القتل/ أجبن عنه، ولكن أضربه ضربًا نكالاً. ولأصحاب الشافعي خلاف في تكفير الرافضة الذين يسبون أبا بكر وعمر. وروى أبو مصعب عن مالك أنه من سب من انتسب إلى بيت النبي ﷺ يضرب ضربًا وجيعًا ويشهر ويحبس طويلاً حتى تظهر توبته، لأنه استخفاف بحق الرسول. وأفتى أبو المطرف الشعبي فقيه مالقة في رجل أنكر تحليف امرأة بالليل وقال: لو كانت بنت أبي بكر الصديق ما حلفت إلا بالنهار. وصوب قوله بعض المتسمين بالفقه، فقال أبو المطرف: ذكر هذا لابنة أبي بكر في مثل هذا يوجب عليه الضرب الشديد والسجن الطويل، والفقيه الذي صوب
إلا بالنهار. وصوب قوله بعض المتسمين بالفقه، فقال أبو المطرف: ذكر هذا لابنة أبي بكر في مثل هذا يوجب عليه الضرب الشديد والسجن الطويل، والفقيه الذي صوب
قوله هو أخص باسم الفسق من اسم الفقه، فيتقدم إليه في ذلك ويزجر ولا تقبل فتواه ولا شهادته، وهي جرحة ثابتة فيه، ويبغض في الله. ولا يجوز للسلطان أن يعفو عن أحد وقع في أحد من الصحابة، بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب قبل منه، وإن لم يتب أعاد عليه العقوبة وخلد عليه الحبس حتى يموت أو يرجع. وأتى عمر بن عبد العزيز برجل سب عثمان، فقال: ما حملك على أن سببته؟ قال: أبغضه، قال: وإن أبغضت رجلاً سببته؟!، فأمر به فجلد ثلاثين سوطًا. وضرب إنسانًا شتم معاوية أسواطًا. وقال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا يوجب القتل عن سب من بعد النبي ﷺ. وهذا الإطلاق في كلام ابن المنذر يشمل عائشة وغيرها، فلينظر فيه، فإن كان الكلامان صحيحين فالجواب أن ذلك لأجل النبي ﷺ. وقال أبو يعلي الحنبلي: الذي عليه الفقهاء في سب الصحابة إن كان مستحلا لذلك كفر، وإن لم يكن مستحلا فسق ولم يكفر. قال: وقد قطع
طائفة من الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم بقتل من سب الصحابة وكفر الرافضة. وقال محمد بن يوسف الفريابي وسئل عمن شتم أبا بكر قال: كافر. قيل: تصلي عليه؟ قال: لا. وممن كفر الرافضة أحمد بن/ يونس، وأبو بكر ابن هانئ، وقالا: لا تؤكل ذبائحهم لأنهم مرتدون. وكذا قال عبد الله بن إدريس أحد أئمة الكوفة: ليس لرافضي شفعة، لأنه لا شفعة إلا لمسلم.
وقال أحمد في رواية أبي طالب: شتم عثمان زندقة. وأجمع القائلون بعدم تكفير الذين يسبون الصحابة أنهم فساق. ومن محاسن مالك ﵀ أنه استنبط أنه لا حق لهم في الفيء من قوله تعالى: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذي سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين أمنوا ربنا إنك رءوف رحيم) [الحشر: ١٠].
الى: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذي سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين أمنوا ربنا إنك رءوف رحيم) [الحشر: ١٠].
وممن قال بوجوب القتل على من سب أبا بكر وعمر: عبد الرحمن بن أبزي الصحابي. وروي أن عبيد الله بن عمر وقع بينه وبين المقداد كلام، فشتم عبيد الله المقداد، فقال عمر: علي بالجلاد، أقطع لسانه لا يجترئ أحد بعده يشتم أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ، فهم عمر بقطع لسانه، فكلمه فيه أصحاب محمد ﷺ فقال: ذروني أقطع لسان ابني حتى لا يجترئ أحد من بعدي يسب أحدًا من أصحاب محمد ﷺ. ولعله إنما ترك ذلك لأجل شفاعة الصحابة، ولعل المقداد عفا.
أما من ادعى في علي الإلهية ونحوه فلا شك في كفره.
فرع: من كذب على النبي ﷺ: اختلف العلماء في كفره ووجوب قتله وقبول توبته، وليس هذا موضع بسط القول في ذلك.
الفصل الثاني: فيما هو سب من الكافر ليس كل كفر سبًا، فلذلك الألفاظ التي تصدر من الذمي إذا كانت كفرًا غير سب لا تنقض عهده ولا توجب قتله، لأنا أقررناه عليها، وإذا كانت سبًا تنقض عهده وتوجب قتله، لأنا لم نقره عليها، وقد تقدم أن هذا الفرق أيضًا معتبر في المسلم في قبول التوبة من الأول/ والاختلاف في قبولها من الثاني. وقدمنا في الباب الثاني في الفصل الثاني منه اختلاف أصحابنا: هل يفترق الحال بين ما يعتقدونه ويتدينون به وغيره أو لا فرق، واخترنا أنه لا فرق وإن كان الصيدلاني وغيره رجح الفرق. وعلى كل حال لا شك أن الشتم سب موجب للقتل سواء أتكرر أم لم يتكرر، كان في ملأ من الناس أو في خلوة إذا شهد به شاهدان أو أقر، لأن إقراره وتلفظه بحضرة الشاهدين إظهار، إلا أن يفرض أن الشتم صدر من الكافر سرًا في بيته وهو يرى أنه لا يسمعه أحد فسمعه جيرانه المسلمون أو من استرق السمع منهم وشهدوا عليه فإن في كلام الحنابلة
إشارة إلى أنه لا يؤاخذ به، ولم أجد ذلك في كلام غيرهم، فلعل إطلاقهم محمول عليه. قالت الحنابلة ـ القاضي أبو يعلى وابن عقيل: ما أبطل الإيمان فإنه يبطل الأمان إذا أظهروه، فإن الإسلام أكد من عقد الذمة، فإذا كان من الكلام ما يبطل حقن الإسلام فأن يبطل حقن الذمة أولى، مع الفرق بينهما من وجه آخر، فإن المسلم إذا سب الرسول دل على سوء اعتقاده في رسول الله ﷺ، فلذلك كفر، والذمي قد علم أن اعتقاده ذلك وأقررناه على اعتقاده، وإنما أخذنا عليه كتمه وأن لا يظهره، فبقي تفاوت بين الإظهار والإضمار. قال ابن عقيل: فكما أخذ على المسلم أن لا يعتقد ذلك أخذ على الذمي أن لا يظهره، فإظهار هذا كإضمار ذاك، وإضمارة لا ضرر على الإسلام ولا إزراء فيه، وفي إظهاره ضرر وإزراء على الإسلام، ولهذا ما بطن من الجرائم لا نتبعها في حق المسلم، ولو أظهرها أقمنا عليه حد الله. وطرد القاضي وابن عقيل هذا القياس في كل ما ينقض الإيمان من الكلام ـ كقول النصارى إن الله ثالث ثلاثة ونحو ذلك ـ أن الذمي متى
أظهر ما يعلم من دينه من الشرك نقض العهد، كما أنه إن أظهر ما يعتقده في نبينا ﷺ بزعمه ينتقض عهده. وسئل أحمد عن يهودي مر بمؤذن وهو يؤذن فقال له: كذبت، فقال: يقتل لأنه شتم. وهذا قول جمهور المالكيين أنه يقتل بكل سب سواء استحله أم لم يستحله. قال أبو مصعب في نصراني/ قال: "والذي اصطفى عيسى على محمد": اختلف علي فيه، فضربته حتى قتلته أو عاش يومًا وليلة، وأمرت من جر برجله وطرح على مزبلة فأكلته الكلاب. وقال أبو مصعب في نصراني قال: عيسى خلق محمدًا، قال: يقتل. وأفتى سلف الأندلسيين بقتل نصرانية استهلت بنفي الربوبية وبنوة عيسى لله. وقال ابن القاسم فيمن سبه فقال: ليس بنبي، أو: لم يرسل، أو: لم ينزل عليه قرآن وإنما هو شيء تقوله، ونحو هذا؛ فيقتل، وإن قال: إن محمدًا لم يرسل إلينا إنما أرسل إليكم، وإنما نبينا موسى أو عيسى، ونحو هذا؛ لا شيء عليهم، لأن الله أقرهم على مثله.
تقوله، ونحو هذا؛ فيقتل، وإن قال: إن محمدًا لم يرسل إلينا إنما أرسل إليكم، وإنما نبينا موسى أو عيسى، ونحو هذا؛ لا شيء عليهم، لأن الله أقرهم على مثله.
قال ابن القاسم: وإذا قال النصراني: ديننا خير من دينكم، إنما دينكم دين الحمير، ونحو هذا من القبيح، أو سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله فقال: كذلك يعطيكم الله؛ ففي هذا الأدب الموجع والسجن الطويل. وهذا قول محمد بن سحنون، وذكره عن أبيه. ولهم قول آخر أنه إذا سبه بالوجه الذي به كفر لا يقتل. قال سحنون عن ابن القاسم: من شتم الأنبياء من اليهود والنصارى بغير الوجه الذي به كفر ضربت عنقه إلا أن يسلم. فهذه نقول المذاهب الثلاثة، والخلاف فيها: هل يفرق بين ما يتدينون به وغيره أو لا، والصحيح المختار أنه لا فرق، وهو مذهب جمهور العلماء، فإن أكثر الذين كانوا يقعون في النبي ﷺ إنما يقولون ما يعتقدونه من قولهم: ساحر وكاهن ونحو ذلك، ولم ينقل عن أحد منهم أنه طعن في نسبه ولا نسبه إلى فاحشة ولا عيب، ولا كان أحد يعتقد فيه ذلك، فالذين وقعوا فيه وأهدرت دماؤهم إنما هم من القسم الأول. ولأن السب بالقذف ونحوه إنما أوجب القتل لكونه طعنًا في النبوة ووسيلة إليها، وإذا كانت الوسيلة توجب انتقاض العهد فالمقصد أولى.
إنما هم من القسم الأول. ولأن السب بالقذف ونحوه إنما أوجب القتل لكونه طعنًا في النبوة ووسيلة إليها، وإذا كانت الوسيلة توجب انتقاض العهد فالمقصد أولى.
ولو لم نقتلهم بما يعتقدونه لما أمكن القتل بالسب أصلاً، لأنهم يمكنهم دعواه/ في كل سب أنه معتقدهم. وملاحظة الفرق بين ما يعتقدونه وغيره يجر إلى موافقة أهل الرأي في أن العهد لا ينتقض بشيء من السب، فالأولى موافقة الجمهور والتسوية بين ما يعتقدونه وغيره، لكن بشرط أن يسمى سبًا، وهو أمر يرجع فيه إلى العرف، فإن كل ما ليس له حد في الشرع ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف والعادة، فما عدة أهل العرف سبًا قلنا هو سب، وما لا فلا. ولا بد من ذكر جزئيات تبين للفقيه ما يعتمده فيها، وينشأ له منها قاعدة كلية يحكم فيها، وإن الكلام في ذلك أو إجراءة على اللسان على سبيل الحكاية وتصوره بالقلب لشديد، ولكن الضرورة تلجئ إلى بيان الأحكام، فنذكره لا في محل خاص، بل نتكلم في السب مطلقًا من غير تعيين المسبوب، والفقيه يأخذ حظه منه، فنقول: السب نوعان: دعاء وخبر، فالدعاء: باللعن، والخزي، والقبح، وعدم الرحمة والرضوان، وقطع الدابر، وعدم الصلاة والتسليم ورفع الذكر، ونحو ذلك كله سب، سواء أصدر من مسلم أم من كافر، ولا فرق في المسلم بين أن يخفيه وتقوم البينة عليه أو يظهره.
ع الدابر، وعدم الصلاة والتسليم ورفع الذكر، ونحو ذلك كله سب، سواء أصدر من مسلم أم من كافر، ولا فرق في المسلم بين أن يخفيه وتقوم البينة عليه أو يظهره.
فإن أظهر الكافر الدعاء للنبي وأبطن فيه الدعاء للنبي وأبطن فيه الدعاء عليه مثل: "السام عليكم" إذا أخرجه مخرج التحية، اختلف العلماء فيه، منهم من قال: هو سب يقتل به، وإنما عفى النبي ﷺ عن اليهود فيه في حال ضعف الإسلام، أو لأنه كان له أن يعفو، ومنهم من قال: ليس من السب الذي ينقض العهد، لأنه لم يظهروه، وإنما تفطن له بعض السامعين. النوع الثاني: الخبر، كالتسمية باسم قبيح، والإخبار بما فيه نقص واستهزاء، والصوف بالمسكنة، والإخبار بأنه في العذاب والإثم، وإظهار التكذيب على وجه الطعن، ووصفه بالسحر والخداع والاحتيال وأن ما جاء به زور وباطل، ونحو ذلك، فإن نظم ذلك شعرًا كان أقبح، فإن الشعر يحفظ ويروى ويؤثر في النفوس، فإن غني به بين الناس فقد تفاقم أمره. وأما إن أخبر عن معتقده بغير طعن فيه مثل أن/ يقول: أنا لست متبعه، أو: لست مصدقه، أو: لا أحبه، أو لا أرضى دينه، ونحوه، فإنما أخبر عن اعتقاده ولم يتضمن انتقاصًا، لأن عدم التصديق والمحبة قد يصدر عن الجهل والعناد والحسد. وإذا قال: لم يكن رسولاً ولا نبيًا ولم ينزل عليه شيء؛ فهو تكذيب متضمن النسبة إلى الكذب بواسطة علمنا أنه كان يقول إنه رسول الله،
فاختلف العلماء في هذا فلم يلحقوه بقوله: هو كذاب؛ لأن ذاك سب صريح وهذا بواسطة.
فرع: الكافر إذا سب الله تعالى ثم أسلم صح إسلامه وسقط قتله، وإذا سب النبي ﷺ ثم أسلم فعلى الخلاف السابق لكونه حق آدمي. والمسلم إذا سب الله تعالى ثم أسلم في قبول إسلامه وسقوط القتل عنه خلاف في مذهب مالك وغيره، لدلالة التلفظ بذلك بعد الإسلام على الزندقة. فرع: سب سائر الأنبياء والملائكة كسب النبي ﷺ بلا خلاف.
فرع: في ميراث الساب إذا قتل أو مات على سبه: أما المسلم إذا مات أو قتل على سبه فحكمه حكم سائر المرتدين، وإن تاب ورجع إلى الإسلام فمن قبل توبته فحكمه عنده حكم سائر المسلمين، ومن لم يقبل توبته وقال إن قتله حد يقول: ميراثه كميراث سائر المسلمين لورثته كالزاني المحصن. واختلف عن مالك في ميراث الزنديق هل هو لورثته إذا أنكر أو تاب أو لجماعة المسلمين، لأن ميراثه تبع لدمه. وأما الكافر إذا سب وقتل بذلك فقال ابن القاسم إن ميراثه
للمسلمين ليس على جهة الميراث، لأنه لا توارث بين أهل ملتين، ولكن لأنه فيؤهم لنقضه العهد، وهذا معنى قوله واختصاره. كذا حكاه القاضي عياض، وهو مقتضى قول الشافعي إنه ينتقض عهده، وقد قدمنا أنه يحتمل أن يقال بقتله ـ مع بقاء عهده ـ حدًا، فعلى هذا يكون ميراثه روثته الكفار، لكن الأول مقتضى قول الشافعي/ ومقتضى الدليل، وهو الذي صرح به ابن القاسم، فليكن هو الأصح.
الباب الرابع: في شيء من شرف المصطفى ﷺ وما يجب من حقه نختم به الكتاب وفيه أربعة فصول: [الأول: في تعظيم الله تعالى وثنائه عليه في القرآن. الثاني: في أنه ﷺ جمع المحاسن كلها. الثالث: فيما ورد في الأحاديث من تعظيم الله تعالى وثنائه عليه والآيات والمعجزات الظاهرة على يديه.]
عليه في القرآن. الثاني: في أنه ﷺ جمع المحاسن كلها. الثالث: فيما ورد في الأحاديث من تعظيم الله تعالى وثنائه عليه والآيات والمعجزات الظاهرة على يديه.]
الفصل الأول: في تعظيم الله له وثنائه عليه في القرآن قال تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليكم ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم) [التوبة: ١٢٨]. وقال تعالى: (كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون) [البقرة: ١٥١]. وقال تعالى: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم) [آل عمران: ١٤]. وقال تعالى: (وما أرسلناك إلى رحمة للعالمين) [الأنبياء: ١٠٧]. وقال تعالى: (إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا (٤٥) وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا (٤٦)) [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦].
وقال تعالى: (ألم نشرح لك صدرك (١) ووضعنا عنك وزرك (٢) الذي أنقض ظهرك (٣) ورفعنا لك ذكرك (٤)) [الشرح: ١ - ٤]. قال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. وقال تعالى: (وأطيعوا الله والرسول) [آل عمران: ١٣٢]، و (أمنوا بالله ورسوله) [النساء: ١٣٦]، فقرن طاعته بطاعته وجمع بينهما بواو العطف، ولا يجوز جمع هذا الكلام في حق غيره. وقال تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا) [الأحزاب: ٥٦]. وقال تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) [النساء: ٨٠]. وقال تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) [آل عمران: ٣١]. وقال تعالى: (قل أطيعوا الله والرسول) [آل عمران: ٣٢]. وقال تعالى: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ..) [الأحزاب: ٤٥] الآية، فلم يخاطبه باسمه في شيء من القرآن، بل قال: (يا أيها النبي) (*يا أيها الرسول)، وخاطب غيره باسمه: (يا أدم)، (يا نوح)،
ومبشرًا ..) [الأحزاب: ٤٥] الآية، فلم يخاطبه باسمه في شيء من القرآن، بل قال: (يا أيها النبي) (*يا أيها الرسول)، وخاطب غيره باسمه: (يا أدم)، (يا نوح)،
(يا موسى)، (يا عيسى). وقال تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي) [الأعراف: ١٥٧] الآية. وقال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) بالبقرة: ١٣٤]. وقال تعالى: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) [النساء: ٤١]. وقال تعالى: (وبشر الذين أمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم) [يونس: ٢]، قال قتادة والحسن وزيد بن أسلم: (قدم صدق) هو محمد ﷺ يشفع لهم. وقال تعالى: (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) [الحجر: ٧٢]، اتفق أهل
التفسير أنه قسم من الله بمدة حياة النبي ﷺ. قال أبو الجوزاء: ما أقسم الله بحياة أحد غير محمد ﷺ، لأنه أكرم البرية عنده. وعن كعب: (يس) قسم أقسم الله تعالى به قبل أن يخلق السماء والأرض بألفي عام. وقال النقاش: لم يقسم الله تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلا له، وقيل: معناه يا سيد، ولا يخفى ما فيه من التعظيم أيضًا، وقد قال ﷺ: "أنا سيد ولد آدم". وقال تعالى: (لا أقسم بهذا البلد (١) وأنت حل بهذا البلد) [البلد: ١ - ٢]، وقال تعالى: (والضحى (١) والليل إذا سجى) [الضحى: ١ - ٢] إلى آخر السورة، ولا يخفى ما فيها من التنويه والتعظيم.
وقال تعالى: (والنجم إذا هوى) [النجم: ١]، عن جعفر بن محمد أنه محمد ﷺ، وقال: هو قلب محمد. ولا يخفى ما في هذه السورة من أولها إلى آخرها من عظيم قدر النبي ﷺ وما شاهده مما لم يتفق ذلك لغيره من الأنبياء، ومشاهدته من عجائب الملكوت ما لا تحيط به العبارات، وتقدمه على الملائكة وسائر الخلق، وما حصل له من الخصائص. وقال تعالى: (ن والقلم وما يسطرون) [القلم: ١] إلى آخرها وما فيها من الثناء عليه وعلى خلقه وبيان عظيم قدره. وقال تعالى: (إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا) [الفتح: ١] السورة كلها، وكذلك السورة التي تليها سورة الحجرات، فليتأمل اللبيب ما فيهما من التعظيم لهذا النبي الكريم ـ مما لو بسط لكان مجلدات ـ ولزوم الأدب معه والتوقير والإجلال. وقال تعالى: (طه (١) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (٢)) [طه: ١ - ٢]، ولا يخفى ما فيه من الشفقة عليه والإكرام له، وكذلك قوله تعالى: (فلعلك باخع نفسك على أثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا) [الكهف: ٦]، وقوله تعالى: (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين) [الشعراء: ٣]، وقوله: (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون) [الحجر: ٩٧]، وقوله: (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) [الأنعام: ٣٣]، أي: لست عندهم ممن يكذب،
لأنهم يعلمون صدقك وأمانتك، وإنما جحدهم بآيات الله حملهم على التكذيب. وقال تعالى: (ولقد استهزئ برسل من قبلك)، قال مكي: سلاه تعالى وهون عليه وأعلمه أن من تمادى على ذلك يحل به ما حل بمن قبله. والقرآن محشو بذلك طافح به. وقال تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما أتيتكم من كتب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه) [آل عمران: ٨١] الآية، قال أبو الحسن القابسي: اختص الله محمدًا ﷺ بفضل لم يؤته غيره، وهو ما ذكره في هذه الآية. قال المفسرون: أخذ الله الميثاق بالوحي فلم يبعث نبيًا إلا ذكر محمدًا وبعثه وأخذ عليه ميثاقه إن أدركه ليؤمنن به وأن يبينه لقوهم ويأخذ ميثاقهم أن يبينوه لمن بعدهم.
: أخذ الله الميثاق بالوحي فلم يبعث نبيًا إلا ذكر محمدًا وبعثه وأخذ عليه ميثاقه إن أدركه ليؤمنن به وأن يبينه لقوهم ويأخذ ميثاقهم أن يبينوه لمن بعدهم.
قال علي بن أبي طالب: لم يبعث الله نبيًا من آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد ﷺ لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأخذ العهد بذلك على قومه. ونحوه عن السدى وقتادة. وقال تعالى: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح) [الأحزاب: ٧]. وقال تعالى: (*إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح) [النساء: ١٦٣] الآية. عن عمر بن الخطاب قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عند الله أن بعثك آخر الأنبياء وذكرك في أولهم، لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أهل النار يودون أن يكونوا أطاعوك وهم بين أطباقها يعذبون، يقولون: (يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا) [الأحزاب: ٦٦]. وعن الكلبي في قوله تعالى: (*وإن من شيعته لإبراهيم) [الصافات: ٨٣] أن الهاء عائدة على محمد ﷺ./
وقال تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) [الأنفال: ٣٣]، قال ﷺ: "أنزل الله أمانين لأمتي، فإذا مضيت تركت فيكم الاستغفار". وقال بعضهم: الرسول ﷺ هو الأمان الأعظم ما عاش، وما دامت سنته باقية فهو باق، فإذا أميتت سنته فانتظر البلاء والفتن. وقال تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) [الإسراء: ١]، وما تضمنته هذه القصة: من العجائب. وقال تعالى: (والله يعصمك من الناس) [المائدة: ٦٧] وقال تعالى: (إلا تنصروه فقد نصره الله) [التوبة: ٤٠]. وقال تعالى: (فأنزل الله سكينته عليه) [التوبة: ٤٠]. وقال تعالى: (إنا أعطيناك الكوثر (١) فصل لربك وانحر (٢) إن شانئك هو الأبتر (٣)) [الكوثر: ١ - ٣]. وقال تعالى: (ولقد أتيناك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم) [الحجر: ٨٧].
عطيناك الكوثر (١) فصل لربك وانحر (٢) إن شانئك هو الأبتر (٣)) [الكوثر: ١ - ٣]. وقال تعالى: (ولقد أتيناك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم) [الحجر: ٨٧].
وقال تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) [الأحزاب: ٦]. وقال تعالى: (عفا الله عنك لم أذنت لهم) [التوبة: ٤٣]، وفي هذه الآية من الملاطفة والأدب ما يظهر لأولى البصائر، فإنه كان مخيرا ﷺ، فاختار إحدى الخصلتين الجائزتين، وهي الإذن، فأتت الآية الكريمة ببيان ما كان يظهر من حالهم لو لم يأذن لهم، وصدرت بالعفو لئلا يحمل ﷺ على قلبه من ذلك، وفي ذلك ما لا يخفى من الملاطفة والأدب. وكم في القرآن من آية لا نستطيع حصرها مما فيه تصريح وإشارة إلى علو قدره ﷺ أكثر مما ذكرناه بكثير، فسبحان من شرفه وكرمه وعظمه على سائر الخلق، وصلى الله على هذا النبي الكريم، وحشرنا في زمرته ومن نحب بمنه وكرمه.



