السيف المسلول على من سب الرسول

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya تقي الدين السبكي (w. 756 H).

Bagian 4 dari 6 419 halaman

— Bagian 4 · تقدم فتقاتلنا". —

Bagian 4

تقدم فتقاتلنا". ولما رجع النفر الذين قتلوه وبلغو البقيع كبروا وقد قام رسول الله ﷺ تلك الليلة يصلي، فلما سمع تكبيرهم كبر وعرف أن قد قتلوه. ثم انتهوا

إلى رسول الله ﷺ، فقال: "أفلحت الوجوه"، فقالوا: [و] وجهك يا رسول الله، ورموا برأسه بين يديه، فحمد الله على قتله، فلما أصبح قال: "من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه"، فخافت اليهود فلم يطلع منهم أحد ولم ينطقوا، وخافوا أن يبيتوا كما بيت ابن الأشرف. كذا ذكره ابن سعد في "الطبقات" وغيره. ولما قال النبي ﷺ ذلك وثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة ـ رجل من تجار يهود كان يلابسهم ـ فقتله، وكان حويصة إذ ذاك لم يسلم، جعل يقول: أي عدو الله قتلته! لرب شحم في بطنك من ماله، قال محيصة: والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك ضربت عنقك. قال حويصة: والله إن دينا بلغ بك هذا لعجب. وأسلم حويصة يومئذ. وقال الواقدي: "كان ابن الأشرف شاعرًا، وكان يهجو النبي ﷺ وأصحابه ويحرض عليهم، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة يؤذون رسول الله ﷺ وأصحابه أذى شديدًا، فأمر الله ﷿ نبيه والمسلمين بالصبر على ذلك، فلما أبى ابن الأشرف أن ينزع عن أذى النبي ﷺ وأذى المسلمين .. "، وساق الواقدي القصة إلى آخرها، ثم قال: ففزعت يهود ومن معها من المشركين، فجاؤوا إلى النبي ﷺ حين أصبحوا فقالوا:

قد طرق صاحبنا الليلة وهو سيد من ساداتنا، قتل غيلة بلا جرم ولا حدث علمناه، فقال رسول الله ﷺ: "إنه لو قر كما قر غيره ممن هو على مثل رأيه ما اغتيل، ولكنه نال منا الأذى وهجانا بالشعر، ولم يفعل هذا أحد منكم إلا كان السيف". ودعاهم رسول الله ﷺ إلى أن يكتب بينهم كتابًا ينتهون إلى ما فيه، وكتبوا بينهم وبينه كتابًا تحت العذق في دار رملة بنت الحارث، فحذرت يهود وخافت وذلت من يوم قتل ابن الأشرف. انتهى. وقول النبي ﷺ: "إنه لو قر كما قر غيره .. " إشارة إلى حيي بن أخطب. قال قتادة في قوله: "ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب) الآية [النساء: ٥١] نزلت في ابن الأشرف وحيي بن أخطب، وكذا قال عكرمة. فكلا الرجلين كعب وحيي خرجا إلى مكة وحرضا، وقتل كعب ولم يقتل حيي إلى أن نقض بنو النضير العهد فأجلاهم النبي ﷺ، فلحق بخيبر، ثم جمع عليه الأحزاب، فلما انهزموا دخل مع بني قريظة حصنهم حتى قتله الله معهم.

وذكر الواقدي في قصة ابن الأشرف أنه لما قدم خبر بدر قال كعب بن الأشرف لقومه: ويلكم! والله لبطن الأرض خير لكم من ظهرها اليوم! هؤلاء سراة الناس قد قتلوا وأسروا، فما عندكم؟ قالوا: عداوته ما حيينا. وهذا يدل على أنهم نقضوا معه، ولهذا قال النبي ﷺ: "من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه". فهذه قصة كعب بن الأشرف اختصرناها من متفرقات كلام الناس. وقيل: إن المشركين لما سألوا ابن الأشرف قال: دينكم خير وأقدم، ودين محمد حديث. وإنه اعتزل النبي ﷺ وقال: لا أعين عليه. فإن صح هذا كان أولى في الاستدلال، وإن لم يصح فالاستدلال بغيره صحيح، وقد ذكره البيهقي في "دلائل النبوة" من حديث جابر بن عبد الله قال: لما كان من أمر النبي ﷺ ما كان اعتزل كعب بن الأشرف ولحق بمكة، وكان بها وقال: لا أعين عليه ولا أقاتله. وفي "دلائل النبوة" أن محمد بن مسلمة وأصحابه أتوا كعب بن الأشرف عشية وهو في مجلسه بالعوالي. وقيل: إن الكتاب الذي وادع فيه اليهود كلها كان لما قدم المدينة قبل بدر، ولعل هذا هو الذي أشار إليه الشافعي، ويكون الكتاب الذي ذكرناه عن الواقدي كتابًا ثانيًا جدده بعد قتل ابن الأشرف.

هود كلها كان لما قدم المدينة قبل بدر، ولعل هذا هو الذي أشار إليه الشافعي، ويكون الكتاب الذي ذكرناه عن الواقدي كتابًا ثانيًا جدده بعد قتل ابن الأشرف.

وكانت اليهود الموادعون بالمدينة وما حولها ثلاث طوائف: بني النضير، وبني قريظة، وبني قينقاع. ولقد عرض لبعض السفهاء شبهة في قتل ابن الأشرف، فروى الواقدي عن إبراهيم بن جعفر عن أبيه قال: قال مروان بن الحكم وهو على المدينة وعنده ابن يامين النضيري: كيف كان قتل ابن الأشرف؟ قال ابن يامين: كان غذرًا. ومحمد بن مسلمة جالس شيخ كبير، فقال: يا مروان! أيغدر رسول الله ﷺ عندك؟! والله ما قتلناه إلا بأمر رسول الله، والله لا يؤويني وإياك سقف بيت إلا المسجد، وأما أنت يا ابن يامين فلله علي لا قدرت عليك وفي يدي سيف إلا ضربت به رأسك. فكان ابن يامين لا ينزل من بني/ قريظة حتى يبعث رسولاً ينظر محمد بن مسلمة، فإن كان في بعض ضياعه نزل فقضى حاجته ثم صدر، وإلا لم ينزل. فبينا محمد في جنازة وابن يامين بالبقيع، فرأى محمد نعشًا عليه جرائد رطبة لامرأة، جاء فحله، فقام إليه الناس فقالوا: يا أبا عبد الرحمن ما تصنع؟ فنحن نكفيك. فقام إليه، فلم يزل يضربه بها جريدة جريدة حتى كسر ذلك الجريد على وجهه ورأسه حتى لم يترك فيه مصحًا ثم أرسله ولا طباخ به، قال: والله لو قدرت على السيف لضربتك.

يه، فلم يزل يضربه بها جريدة جريدة حتى كسر ذلك الجريد على وجهه ورأسه حتى لم يترك فيه مصحًا ثم أرسله ولا طباخ به، قال: والله لو قدرت على السيف لضربتك.

وروى غير الواقدي أن هذه القصة جرت عند معاوية وأن ابن مسلمة قال: يا معاوية، أيغدر عندك رسول الله ﷺ ثم لا تنكر؟! والله لا يظلني وإياك سقف بيت أبدًا، ولا يخلو لي دم هذا إلا قتلته. وهذا ابن يامين هو السفيه الذي أشرنا إليه، ولا أدري هل كان يهوديًا أو متظاهرًا بالإسلام، إلا أن المدينة لم يكن فيها في زمن مروان أحد من اليهود، ولعل مروان أو معاوية ـ إن ثبت أن القصة كانت عنده ـ إنما سكت عن قتله لتجويزه أن يكون ابن يامين إنما نسب الغدر إلى ابن مسلمة وأصحابه، ولو تحقق منه أنه نسبه إلى رسول الله ﷺ لم يتوقف في قتله، فقد اتفق الكفار والمسلمون على أنه لا يغدر، ألا ترى إلى قصة أبي سفيان ـ وهو كافر ـ مع هرقل، فمن نسب إلى النبي ﷺ غدرًا يقتل مسلمًا كان أو كافرًا. وذكر الخطابي قصة ابن يامين عند معاوية. وقال الخطابي: "أبعد الله ابن يامين وقبح رأيه هذا، كان كعب بن الأشرف يهجو رسول الله ﷺ ويحرض عليه وعاهده ألا يعين عليه، ولحق بمكة، ثم نقض مع كفره؛ فاستحق القتل لغدره ولنقضه العهد مع كفره".

وذكر غيره أن محمد بن مسلمة لم يصرح لكعب بن الأشرف بتأمين في شيء من لفظه، وقيل: من آذى الله ورسوله لا أمان له، والنبي ﷺ إنما قتله بوحي، فصار/ قتله أصلاً في هذا الباب. ولا يحل أن يُقال: إن كعبًا قتل غدرًا، وقد قال ذلك قائل في مجلس علي بن أبي طالب فأمر به علي فضربت عنقه. حكى ذلك الشيخ زكي الدين عبد العظيم المنذري ﵀ في "حواشي السنن". وقال الخطابي: "مثل هذا الصنع جائز في الكافر الذي لا عهد له كما جاز البيان والإغارة عليهم أوقات الغرة وأوان الغفلة، وكان كعب هذا قد لهج بسب رسول الله ﷺ في هجائه، فاستحق القتل مع كفره بسبه رسول الله ﷺ، وقد حرم رسول الله ﷺ الفتك وقال: "الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن". قال: "إنما هو فجأة قتل من له أمان، وكان كعب ممن خلع الأمان ونقض العهد".

وذكر البيهقي في "دلائل النبوة" كلام ابن يامين. وقال البيهقي: "ما ذكرنا وما نذكره من غدر كعب بن الأشرف ونقضه عهده وهجائه رسول الله ﷺ والمسلمين وعداوته إياهم وتحريضه عليهم يكذب هذا القائل ويدل على سوء رأيه وقبح قوله، وأن كعب بن الأشرف كان مستحقًا لقتله لما ظهر من غدره ونقضه العهد مع كفره". هذه قصة ابن الأشرف وما يتعلق بها، ووجه الاستدلال بها من وجوه: أحدها: الاقتصار على ما في "الصحيحين" من قول النبي ﷺ: "من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله"، وهو يقتضي التعليل بالأذى، فكل من آذاه وظهر آذاه يقتل، ولا شك أن الأذى أخص من

الكفر، كما قال تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي) [التوبة: ٦١]، فالتعليل في الحديث يقتضي أن كل من آذى النبي ﷺ يُقتل. الثاني: أنه يقتضي أن كعبًا إنما قتل لأذاه، فيثبت الحكم في غيره من الكفار الذين هم في مثل حاله، لأن حكمه على الواحد حكم على الجماعة. والفرق بين هذا والوجه الأول أن الوجه الأول يقتضي ثبوت الحكم في كل من آذى النبي ﷺ مسلمًا كان أو كافرًا، وثبوته فيه من القياس المستفاد من التعليل في محل النص وهو قتل كعب، والوجه الثاني يقتضي أن كعبًا قتل لأذاه، فيثبت الحكم في كل من هو في مثل حاله في الكفر والأذى، لا بالقياس ولكن بالإجماع على أن حكمه على الواحد حكمه على الجماعة، وهذا الوجه ساكت عن تعديته إلى المسلم، بخلاف الوجه الأول/ ناطق بتعدية الحكم لكل كافر موادع آذى النبي ﷺ. الوجه الثالث: أن الكافر الموادع إذا قتل بأذاه للنبي ﷺ فلأن يقتل الكافر الذمي بذلك أولى، لأن الذمي التزم أحكام الإسلام، والموادع لم يلتزم، ولذلك أشار الشافعي فيما قدمنا نقله عنه أن محل التخيير في الحكم: بين الموادعين، أما أهل الذمة فيجب الحكم بينهم، وحمل الآية على ذلك، وهذا هو الصحيح، أعني في وجوب الحكم بين أهل الذمة وعدم وجوبه بين المعاهدين والموادعين. وهذا الوجه يشارك الوجهين الأولين في الاقتصار على ما في "الصحيحين" واعتبار لفظ الحديث في الدلالة على التعليل بالأذى، ويشارك الوجه الثاني

والموادعين. وهذا الوجه يشارك الوجهين الأولين في الاقتصار على ما في "الصحيحين" واعتبار لفظ الحديث في الدلالة على التعليل بالأذى، ويشارك الوجه الثاني

خاصة في حال كعب بن الأشرف وإثبات الحكم في كل من هو في مثل حاله في الموادعة بالإجماع، ويزيد عليه في تعديته إلى الذمي بالقياس بطريق الأولى، وساكت عن تعديته إلى المسلم كما سكت عنه الوجه الثاني. الوجه الرابع: مجاوزة ما في "الصحيحين" والنظر فيما دلت عليه السير من حال كعب بن الأشرف، وقد دلت على أنه غدر وحض المشركين على قتال المسلمين، ورثى قتلاهم، وشبب بنساء المسلمين، فإما أن يكون انتقض عهده بذلك أو لا، فإن لم يكن انتقض فيكون قتله حدًا بإجراء حكم الإسلام عليه، لأنا مخيرون في الحكم على المعاهدين، وإن كان انتقض ـ وهو الصواب كما صرح به المحدثون وأهل السير والشافعي، وكذا يقتضيه كلام الفقهاء؛ فإنه لم يكن ذميًا وإنما كان موادعًا، والفقهاء وإن اختلفوا في انتقاض عقد الذمي بذلك فلم يختلفوا في انتقاض عقد المعاهد، لأنه أضعف، بل ينتقض بلا خلاف، وهذا كان حال كعب بن الأشرف، لا خلاف في انتقاض عهده، وحينئذ يقتل،

قاض عقد الذمي بذلك فلم يختلفوا في انتقاض عقد المعاهد، لأنه أضعف، بل ينتقض بلا خلاف، وهذا كان حال كعب بن الأشرف، لا خلاف في انتقاض عهده، وحينئذ يقتل،

فظهر أنه لا إشكال في قتله على التقديرين، ولكن التقدير الثاني هو الصواب، وهو المنقول عن الشافعي. وقد زاد بعض الناس في الاستدلال لقتله بالسب على ما قلناه أن ما فعله محمد بن مسلمة وأصحابه مع كعب بن الأشرف قريب من شبهة الأمان، فلو لم يكن/ قتله للسب لما جاز، ولكن هذا الذي قاله هذا القائل ليس بصحيح، لأن هذا ليس بأمان ولا شبهة أمان، إذ ليس فيه إشعار بشيء من ذلك، وابن الأشرف نقض عهده باختياره وصار حربيًا، ومخادعة الحربي لأجل قتله بذلك جائز، ليس ذلك تأمينًا، ولكنه يوصل إلى القتل الواجب. وما ذكرناه من كون الهدنة تنتقض بالسب بلا خلاف وليست كالذمة أشار إليه إمام الحرمين، ولا نعرف خلافًا فيه في مذهبنا، وقدمنا عن الماوردي أن أبا حنيفة خالف فيه أيضًا، وهذا في غاية البعد، لأن هدنة قريش مع النبي ﷺ انتقضت بإغارة حلفائهم من بني بكر على خزاعة حلفاء النبي ﷺ وتبييتهم، ولا شك أن ذلك دون السب، لأنه كقتل بعض المسلمين وليس كنصب القتال معهم، وقتل المسلم دون سب الرسول، ولهذا كان الخلاف فيه في الذمة أقوى، والحنفية يقولون إن هدنة قريش لم

ن السب، لأنه كقتل بعض المسلمين وليس كنصب القتال معهم، وقتل المسلم دون سب الرسول، ولهذا كان الخلاف فيه في الذمة أقوى، والحنفية يقولون إن هدنة قريش لم

تنتقض بفعلهم، وإنما الإمام له الخيار في نقض الهدنة متى شاء، ويعلمهم أو يتأخر زمانًا يعلمون فيه؛ ومن تأمل قصة فتح مكة استبعد ذلك. وجميع ما صدر من كعب بن الأشرف من رثاء قتلى الكفار وحضهم على قتال المسلمين وتشبيه بنسائهم: دون السب، لأن القائل بأن الذمة لا تنتقض بالسب يقول إنها لا تنتقض بذلك أيضًا. وقد قاس الشيخ أبو إسحاق في "النكت" الذمة على الأمان فقال: "لأنه معنى يحقن به دم الكافر، فانتقض بشتم رسول الله ﷺ كالأمان". فإن كان أبو حنيفة يوافق على انتقاض الأمان بذلك كما يشعر به هذا القياس ـ لأنه بحث معه ـ فلعله يقول إن كعب بن الأشرف كان له أمان لا هدنة، فلذلك انتقض بالسب، ولعله يعتذر عن هدنة قريش بأن الصادر قتال. وإن كان يقول إن الأمان أيضًا لا ينتقض بذلك ـ وهو الذي سمعت بعض الحنفية ينقله عن مذهبه ـ فيشكل عليه قتل كعب بن الأشرف، إلا أن يقول إنه لم يكن له أمان أيضًا وإنما كان محاربًا وإن الموادعة هي

المتاركة ولا يلزم منها الأمان، لكن المعروف من السير وكلام الشافعي وغيره خلاف ذلك، وأن كعبًا كان مهادنًا وانتقض عهده، ولو قال قائل بأنه لا ينتقض عهده ولكن/ يقتل حدًا وإن كعبًا قتل كذلك لسلم من الإشكال وإن خالف ما قاله الناس من انتقاض عهد كعب، وأما القول بأنه لا ينتقض عهده ولا يقتل فلا يستقيم مع الحديث. فإن قلت: قتل كعب بن الأشرف إنما كان لكفره، والكافر الذي بلغته الدعوة يجوز تبييته والإغارة عليه، ولم يكن كعب معاهدًا وإنما كان محاربًا فلذلك قتل كما يقتل غيره من الكفار، غاية ما في الباب أنه بالغ في الأذى، فلذلك اختير قتله على غيره دفعًا لما يتوقع من شره، كما يختار الإمام القتل في بعض الأسرى. قلت: أما كونه لم يكن إلا محاربًا فمخالف لما نقله المحدثون وأهل السير من أنه كان معاهدًا وانتقض عهده بما صدر منه، وبذلك يحصل الرد على من يقول إن عهد الهدنة لا ينتقض بالسب. وأما كونه إنما قتل لكفره فلا شك أنه ليس كذلك، لأن غيره من الكفار الذين ليسوا في مثل حاله لم يقتل كقتله. بقي هنا أمر: وهو أن كعبًا صدر منه أمور: تأليبه على النبي ﷺ، وتهييج الكفار على قتاله، وتوقع شر عظيم يحصل منه، وما أقذع في

في مثل حاله لم يقتل كقتله. بقي هنا أمر: وهو أن كعبًا صدر منه أمور: تأليبه على النبي ﷺ، وتهييج الكفار على قتاله، وتوقع شر عظيم يحصل منه، وما أقذع في

التشبيب بالمسلمات، ورثاؤه لقتلى المشركين؛ ومثل ذلك لو صدر من أسير لتعنت المصلحة في اختيار قتله، فإن الاسترقاق فيه لا يفيد، والمن عليه والمفاداة به يزيد سرًا، وإلحاقه بدار الحرب ـ مع ما علم منه ـ أشد، فلم يبق إلا قتله كما يقتل الأسير على جهة أنه اختيار لأحد الخصال لتعين المصلحة فيها، ويكون القتل حينئذ لأجل الكفر. فقتل كعب يحتمل أن يكون لهذا المعنى، ويحتمل أن يكون لخصوص السب حدًا، وإذا كان لخصوص السب فيحتمل أن يكون مع انتقاض عهده، ويحتمل أن يكون بدونه. فهذه ثلاثة احتمالات في قتل كعب مع القطع بأنه جائز حلال: أحدها: أن لا يكون انتقض عهده، وقتل للسب. والثاني: أن يكون انتقض عهده، وقتل للسب أيضًا لاستحقاقه بالسب المتقدم كما يرجم بالزنا المتقدم قبل انتقاض/ العقد، كحاله لو كان ذميًا. الثالث: أن يكون انتقض عهده، وقتل للكفر كما شرحناه أولاً. ولا يتجاوز أمر كعب هذه الاحتمالات الثلاثة، والاحتمال الأول مخالف لما قاله الشافعي والخطابي وغيره من المحدثين وأهل السير، ولكنه يحتمل أن يقول به قائل. ويحمل قول من صرح بأن كعبًا نقض العهد على أن هذا العالم يرى ذلك فروى على ما رأى، والنبي ﷺ لم يصرح ولا ذكر ما يدل على نقض العهد، فلعل قتله للسب مع بقاء العهد، ولا شك أن هذا محتمل، لكن يبعده قيام الدليل على أن صدور مثل هذه الأشياء يوجب انتقاض العهد، فلا وجه للقول بأن كعبًا لم ينتقض عهده.

للسب مع بقاء العهد، ولا شك أن هذا محتمل، لكن يبعده قيام الدليل على أن صدور مثل هذه الأشياء يوجب انتقاض العهد، فلا وجه للقول بأن كعبًا لم ينتقض عهده.

فلم يبق إلا التردد بين الاحتمال الثاني والثالث، وهما متقاربان، لكن يرجح الثاني على الثالث التمسك بالتعليل الثابت في "الصحيحين" بالأذى وما وافق ذلك من السير. على أن الذي قاله الشافعي أنه ينتقض عهده ويقتل، وذلك مشترك بين الاحتمال الثاني والثالث، ولكن بينهما فرق، فإن على الاحتمال الثاني يكون القتل واجبًا حدًا من الحدود لا خيرة للإمام فيه إلا النبي ﷺ، فإنه يتخير لأن الحق له، وعلى هذا يحمل قتل كعب وترك غيره في ذلك الوقت. وعلى الاحتمال الثالث يحتمل أن يقال: إن الإمام يتخير فيه كما يتخير في كل من انتقض عهده، فإن ظهرت المصلحة في قتِلِه قِتِلَه، وإن ظهرت المصلحة في إبقائه أبقاه بعد استتابته وتعزيره إن قدر عليه. ويحتمل أن يقال: إنه لا خيرة للإمام في ذلك، لأن الإمام إنما يتخير فيما إذا لم ينضم إلى الكفر غيره، وهذا انضم إليه السب، وهو كفر آخر لا يقر عليه، فيتعين قتله إلا أن يسلم. ويتمسك في هذا بأن النبي ﷺ أمر بقتل كعب بن الأشرف كما جاء مصرحًا في الحديث، والأمر للوجوب، ويلحق به من هو مثله. فإن قلت: أمره بقتل هذا كأمره بقتل من يختار قتله من الأسراء. قلت: الأسراء ثبت فيهم أنه من على بعضهم، ولم يثبت لنا في مثل من هذا حاله أنه من عليه مع الكفر، فكان الواجب فيه القتل/ ليس إلا،

يختار قتله من الأسراء. قلت: الأسراء ثبت فيهم أنه من على بعضهم، ولم يثبت لنا في مثل من هذا حاله أنه من عليه مع الكفر، فكان الواجب فيه القتل/ ليس إلا،

وكانت تلك سنة رسول الله ﷺ فيهم، وقد قال ﷺ: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي". فتلخص أن في قتل كعب بن الأشرف معنيين: أحدهما: أن يكون اختيارًا لقتله بالكفر كما يختار قتل الأسارى المخير فيهم. والثاني: أنه لأجل الأذى، ويعضده الحديث وما ذكرناه، وهو أقوى الاحتمالين وأرجحهما، ولذلك ـ والله أعلم ـ اعتمده الشافعي. ومما نذكر هنا من المباحث أن قوله ﷺ: " .. فإنه قد آذى الله ورسوله" تعليل بالأذى، ولكنه تعليل لقتل كعب بأذاه، ولا شك أن ذلك الأذى الخاص الذي حصل منه حامل على اختيار النبي ﷺ قتله، ولا خلاف في ذلك، وإنما الخلاف في أن مسمى الأذى موجب للقتل وليس في التعليل ما يقتضي ذلك؟ والجواب عن ذلك إما اعتبار الأذى الخاص، فلو قلنا به لبطل باب القياس، ونحن في العلل إنما نعتبر مسمى ما نص عليه الشارع أو أومأ إليه وننيط الحكم به. وأما كون المعلل اختيار النبي ﷺ للقتل الجائز لا وجوبه فجوابه ما تقدم من أنه إذا علم أن النبي ﷺ قتله لذلك ثبت أنه سبب في القتل، ولا دليل على سقوط القتل واختيار خصلة أخرى سواه في هذه الصورة.

بل أقول: إن الكافر الحربي الذي لم يحصل له عهد أصلاً لو سب ووقع في قبضة الإمام لم يتخير فيه، بل يتعين قتله إلا أن يسلم، لما ذكرناه من البحث. ألا ترى أن النبي ﷺ لما من على أبي عزة الشاعر يوم بدر وذهب إلى مكة وتكلم، وجاء المرة الثانية وسأله المن عليه فلم يفعل، وقال له: "لا تمسح سبلاتك بمكة وتقول: سخرت بمحمد! "، ثم قال: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين"، وقتله.

فهذا ـ والله أعلم ـ وما أشرنا إليه من أن التخيير إنما يكون في الكفر الذي لم ينضم إليه غيره: يقتضي أن من كان من الأسراء حصل منه ذلك تعين قتله إلا أن يسلم، وإن كنت لم أر ذلك منقولاً إلى طرفًا منه، فقد ذكره أبو العباس ابن تيمية الحنبلي، وقال: إن المتقدمين وطوائف من المتأخرين ـ يعني من أصحابهم ـ قالوا: هذا ـ يعني الساب وغيره من ناقضي العهد ـ يتعين قتلهم كما دل عليه كلام أحمد، وذكر طوائف منهم أن الإمام يتخير فيمن نقض العهد من أهل الذمة كما يتخير في الأسير بين القتل والاسترقاق والمن والفداء بعد أن ذكروه في الناقضين للعهد، فدخل هذا الساب في عموم هذا الكلام وإطلاقه، وأوجب أن يقال فيه بالتخيير إذا قيل به في غيره من ناقضي العهد، لكن قيد محققو أصحاب هذه الطوائف ورؤوسهم ـ مثل القاضي أبي يعلى في كتبه المتأخرة وغيره ـ هذا الكلام وقالوا: التخيير في غير ساب الرسول ﷺ، وأما سابه فإنه يتعين قتله، وإن كان غيره كالاسير، وعلى هذا فإما أن لا يحكى في قتله خلاف لكون الذين أطلقوا التخيير في موضع قالوا في آخر بأن الساب يتعين قتله، وصرح رأس أصحاب هذه الطريقة بأن مستثنى؛ أو يحكى فيه وجه ضعيف. انتهى كلامه. والصواب أنه لا يحكى فيه خلاف، لأن المطلقين لا تنسب إليه مخالفة حتى تتحقق، فإذا قام الدليل على التقييم وجب اتباعه والاقتصار عليه.

ضعيف. انتهى كلامه. والصواب أنه لا يحكى فيه خلاف، لأن المطلقين لا تنسب إليه مخالفة حتى تتحقق، فإذا قام الدليل على التقييم وجب اتباعه والاقتصار عليه.

قال ابن تيمية: واختلف أصحاب الشافعي أيضًا، فمنهم من قال: يجب قتل الساب حتمًا وإن خير في غيره، ومنهم من قال: هو كغيره من الناقضين للعهد، وفيهم قولان: أضعفهما أنه يلحق بمأمنه، والصحيح منهما جواز قتله، قالوا: ويكون كالأسير يجب على الإمام أن يفعل فيه الأصلح للأمة من القتل والاسترقاق والمن والفداء. قلت: ولم أر في كلام الشافعية تصريحًا بما ذكره، وكأنه أخذ ذلك من مقتضى كلامهم كما تصرف في كلام أصحابهم، والصواب أن لا يثبت في ذلك خلاف وإن كان قضية كلام المطلقين التسوية بين الساب وغيره من ناقضي العهد، وأن يؤخذ بكلام من أطلق القتل في الساب. ثم إن هذا كله فيمن كان ذميًا أو معاهدًا ونقض، أما الحربي الذي لم يتقدم له عهد وأسر بعد أن سب أو سب في حال الأسر فهو الذي قلت إنه ينبغي أن يتعين قتله وإنني لم أجده منقولاً. وكذلك لا ينبغي أن يجوز تأمين الحربي الساب، ولو أمنه شخص لا يصح أمانه، وبهذا يجاب عن قول من قال: إن ما صدر من محمد بن مسلمة وأصحابه شبهة أمان، فنقول: على تقدير تسليم ذلك/ هو أمان باطل لا يمنع القتل.

وقوله ﷺ: "إذا أمنك الرجل على دمه فلا تقتله"، ونحو ذلك من الأحاديث محمول على ما إذا لم يكن مستحق القتل بحد أو قصاص، وقتل الساب حد، وبذلك تحصل المحافظة على عموم العلة، ويكون الأذى موجبًا لاستحقاق القتل سواء أكان من مسلم أم من ذمي أم من معاهد أم من مستأمن أم من حربي إذا قدر عليه ولم يسلم. ولا يغتر بما يفهمه كلام بعض الفقهاء من أن الحربي لا تتعلق به الأحكام، وإنما مراده أنه إذا أسلم تسقط. فإن قلت: قد قال أصحابنا إن المهادن لا يجب عليه حد الزنا والشرب، وفي حد السرقة والمحاربة قولان، أصحهما عدم الوجوب أيضًا، فإذا كان هذا في المحاربة، وهي حق آدمي، فكيف تدعي قتل

إن المهادن لا يجب عليه حد الزنا والشرب، وفي حد السرقة والمحاربة قولان، أصحهما عدم الوجوب أيضًا، فإذا كان هذا في المحاربة، وهي حق آدمي، فكيف تدعي قتل

الساب وهو إن كان حق آدمي فمثل المحاربة، وإن كان حق الله تعالى فمثل حد الزنا؟ قلت: حق القطع في السرقة وحق المحاربة وحد الزنا كلها أمور جزئية فروعية، وأما سب الله ورسوله والقرآن فإنه طعن في الدين، فلا يلزم من عدم إقامة الحد في حقوق الله ـ التي هي من فروع الشريعة ـ عدم إقامته في التعرض لأصل الدين، وقد قال تعالى: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر) [التوبة: ١٢]، فلا يجوز الصبر على السب كما لا يجوز الصبر على الطعن في الدين، فلا شك أن السب موجب لاستحقاق القتل من كل من صدر منه معاهدًا كان أو مستأمنًا أو غيره لما فيه من الطعن في الدين وضرر المسلمين كلهم، وما فيه من غيظ قلوب جميع المؤمنين والتجري على أنبياء الله تعالى بالنقيصة التي تؤثر في قلوب أهل الزيغ، فأين هذا من الزنا والسرقة والمحاربة التي هي أمور مختصة ببعض الآحاد؛ بل أين هو من الكفر الذي ضرره على صاحبه ولا فيه ثلم عرض أنبياء الله تعالى وإدخال الريب على القلوب الضعيفة؟! وإذا ثبت أن السب موجب لاستحقاق القتل في المعاهد والحربي ففي الذمي أولى لالتزامه الأحكام. وبه ظهر احتجاج الشافعي بقصة كعب بن الأشرف وإن لم يكن ذميًا ولا كان له ذمة قط، فإن يهود المدينة وما حولها لم يكن عليهم جزية،

والفقهاء إنما يطلقون عقد الذمة على ما كان في جزية، فيهود المدينة على قولهم كانوا مهادنين لا ذميين. على أن عندي في قصر الذمة على ما يقتضي أداء الجزية نظرًا! لأن إعطاء الجزية نزل في سورة براءة، وهي من آخر ما نزل، بل نص العلماء صريحًا على أن آية الجزية إنما نزلت في غزاة تبوك، وهي في سنة تسع من الهجرة، وهي آخر الغزوات، فكان اليهود كلهم قبل ذلك بغير جزية، ولا شك أن بعضهم كانوا ملتزمين الكف عن المسلمين وأحكامًا أخرى. والذمة معناها الالتزام، فينبغي إذا التزموا إجراء الأحكام عليهم والتزمنا لهم الذب عنهم: انعقدت الذمة وإن لم تكن جزية في ذلك الوقت، لعدم مشروعيتها، وبحمل كلام الفقهاء على هذا الزمان بعد شرعية الجزية ليس لنا أن نعقد الذمة إلا بها. إذا عُرف هذا: فقد يكون يهود المدينة كانوا ذميين بلا جزية، وحينئذ تكون قصة كعب بن الأشرف نصًا في الذمي وفي أنه تنتقض ذمته بذلك، ولكن ما حكيناه عن الشافعي يقتضي أن يهود المدينة مهادنون فقط لا أهل ذمة. ثم إن كعب بن الأشرف كان موضعه في العوالي كما تقدم في الروايات، والعوالي خارج المدينة، وهي تبع لها، والظاهر أن يهودها

المدينة مهادنون فقط لا أهل ذمة. ثم إن كعب بن الأشرف كان موضعه في العوالي كما تقدم في الروايات، والعوالي خارج المدينة، وهي تبع لها، والظاهر أن يهودها

كانوا في حكم يهودِ المدينة، وأصحابنا يقولون إن المهادن إذا نقض الهدنة فإن كان في بلده جاز قصده والإغارة عليه في موضعه، وإن كان دخل دارنا بأمان أو مهادنةٍ فلا يغتال وإن انتقض عهده، بل يبلغ المأمن. كذا نقله الرافعي عن نقل القاضيين ابن كج والروياني وغيرهما، وقالوا: في الذمي إذا نقض قولان، أحدهما: يبلغ المأمن، وأصحهما ـ على ما في "التهذيب" وغيره ـ: المنع، بل يتخير الإمام فيه بين القتل والاسترقاق/ والمن والفداء. وكعب بن الأشرف لم يكن في شيء من هذه المثابة، لأنه نقض العهد والتحق بدار الحرب لما ذهب إلى مكة، وقدم إلى العوالي بغير أمان، فلا يقولُ أحد فيه إن حكمه حكم أهل الذمة الذين ينقضون وهم في دارنا تحت يدنا قبل بلوغهم المأمن، ولا أن حكمه حكم أهل العهد إذا كانوا دخلوا لنا بأمان، فلذلك جاز تبييته والإغارة عليه قولاً واحدًا، إما لأنه في العوالي، والعوالي ليست في حكم المدينة، وإما لأن العوالي في حكم المدينة ـ وهو الصحيح ـ ولكنه جاء إليها ناقضًا بغير أمان بعد أن لحق بدار الحرب، فلا شبهة في قتله. ولو سلم أن كعب بن الأشرف كان حربيًا محضًا لم يسبق له عهدٌ ولا أمانٌ فقتله جائز كقتل غيره من الكفار الذين بلغتهم الدعوة، والتعليل في الحديث بالأذى يقتضي أن القتل لذلك لا للكفر وحدَه، وحينئذ يكون دليلاً على أنَّ ذلك إذا صدر من الحربي يستحق به القتل، وإنما قلت هذا

لدعوة، والتعليل في الحديث بالأذى يقتضي أن القتل لذلك لا للكفر وحدَه، وحينئذ يكون دليلاً على أنَّ ذلك إذا صدر من الحربي يستحق به القتل، وإنما قلت هذا

لأن المحقق في حال كعبٍ وغيرِهِ من يهود المدينة الموادعة، وهي التي قالها الشافعي، ومعناها المتاركة، ولا يلزم من ذلك أن يكون بعقد يستحق به الأمان، فقد يكونُ باقيًا على أحكام الحرابة مع الكف عنه، وذلك لا يضرنا فيما قصدناه من الاحتجاج بترتيب الشارع القتل على الأذى؛ بل ينفع ويزيد في المقصود. وقد قدمنا من كلام الروياني والماوردي ما يقتضي أن سب الرسول والقرآن من المعاهد إن كان جهرًا ينقض الهدنة ولا يتوقف على الحاكم، وإن كان سرًا كان كالخيانة، فللإمام نقضها به، ولا شك أن سب كعب بن الأشرف كان جهرًا، فلذلك كان منتقض العهد يجوز تبييته وشن الغارة عليه بلا خلاف. فإن قلت: في الروايات المتقدمة ما يقتضي أن الله تعالى أوحى إلى نبيه حال كعب بن الاشرف، فلعله لما اطلع الله تعالى من قلبه أمر بقتله، وذلك لا يوجد في غيره. قلت: نحن متعبدون ببناء الأحكام على أسبابها الظاهرة، ولم يكن النبي ﷺ يبني الأحكام على الأمور الباطنة وإن جاء بها الوحي، بل على الأسباب التي نصبها في الشريعة، ألا ترى إلى المنافقين مع إعلام الله له بحالهم/ لم يقتلهم لعدم قيام البينة أو الإقرار اللذين نصبهما حجة شرعية؟ وإن كان قد علل ترك قتلهم بغير ذلك مثل قوله ﷺ: "لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" أو غير ذلك.

عدم قيام البينة أو الإقرار اللذين نصبهما حجة شرعية؟ وإن كان قد علل ترك قتلهم بغير ذلك مثل قوله ﷺ: "لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" أو غير ذلك.

وبما ذكرناه يتبين لك أن الاستدلال بقصة كعب بن الأشرف لا يتوقف على ثبوت كونه كان معاهدًا، بل سواء أكان حربيًا أم لا الاستدلال بها صحيح بضميمة التعليل المذكور في الحديث. وقد سبق أنه قيل إن النبي ﷺ كان كتب كتاب موادعة أول قدومه المدينة قبل قتل ابن الأشرف، ويكون الكتاب الذي كتبه بعد قتله ثانيًا لانتقاض العهد بنقض ابن الأشرف، إما لأنه كان كبيرًا، ونقض الكبير يتبعه الانتقاض في حق الأتباع ما لم يعتزلوه، وإما لأنهم نقضوا أيضًا كما يدل عليه ما قدمنا من الروايات وقولهم له إن ما عندهم إلا عدواة النبي ﷺ. وعلى كلا التقديرين يتخرج قتل محيصة ابن سنينة، لأن العهد انتقض في حقه بأحد الطريقين المذكورين وبطريق ثالث، وهو أنه جاء منتصرًا لقتل كعب بن الأشرف، فكان بذلك ناقضًا، وقوله ﷺ: "من وجدتموه من رجال يهود فاقتلوه" دليل على انتقاض العهد في حقهم.

الدليل الثاني: قصة قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق اليهودي قال ابن إسحاق: حدثني الزهدي: عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: كان مما صنع الله لرسوله ﷺ أن هذين الحيين من الأنصار الأوس والخزرج كانا يتصاولان معه تصاول الفحلين لا يصنع أحدهما شيئًا إلا صنع الأخر مثله، فلما قتلت الأوس كعب بن الأشرف تذكرت الخزرج رجلاً هو في العداوة لرسول الله ﷺ مثله، فذكروا ابن أبي الحقيق بخيبر، فاستأذنوا رسول الله ﷺ في قتله، فأذن لهم. وقصة قتله مشهورة ثابتة في البخاري، وإنما ذكرناها عن ابن إسحاق لذكره أن أبا رافع مثل كعب بن الأشرف.

وقال غير ابن إسحاق: كان في حصن له بأرض الحجاز. فإن كان موادعًا كابن الأشرف فالاستدلال به مثله، وإلا بالطريق المتقدم من التعليل بالأذى.

الدليل الثالث: قصة قتل أبي عفك اليهودي ذكرها أهل السير، وهي وإن لم يحتج بها بمفردها ففيها تأكيد لقصة كعب بن الأشرف. قال الواقدي بإسناده: إن شيخًا من بني عمرو بن عوف يقال له أبو عفك، وكان شيخًا كبيرًا قد بلغ عشرين ومئة سنة حين قدم النبي ﷺ المدينة، وكان يحرض على عداوة النبي ﷺ، ولم يدخل في الإسلام، فلما خرج رسول الله ﷺ إلى بدر رجع وقد ظفره الله بما ظفره، فحسده وبغا فقال: قد عشت [حينا] وما إن أرى ... من الناس دارًا ولا مجمعا أجم عقولا وآتى إلى ... منيب سراعًا إذا ما دعا فسلبهم أمرهم راكب ... حرامًا حلالاً لشتى معا فلو كان بالملك صدقتم ... وبالنصر تابعتم تبعا فقال سالم بن عمير، وهو أحد البكائين من بني النجار: علي نذر

فسلبهم أمرهم راكب ... حرامًا حلالاً لشتى معا فلو كان بالملك صدقتم ... وبالنصر تابعتم تبعا فقال سالم بن عمير، وهو أحد البكائين من بني النجار: علي نذر

أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه. فأمهل وطلب له غرة حتى كانت ليلة صائفة، فنام أبو عفك بالفناء في الصيف في بني عمرو بن عوف، فأقبل سالم بن عمير فوضع السيف على كبده حتى خش في الفراش، فصاح عدو الله، فثار إليه ناس ممن هم على قوله، فأدخلوه منزله وقبروه، وقالوا: من قتله؟ والله لو نعلم من قتله لقتلناه به. وكان قتل أبي عفك في شوال على رأس عشرين شهرًا من الهجرة عقب بدر، قبل قتل كعب بن الأشرف بزمان. وممن نص على أن أبا عفك كان يهوديًا ابن سعد، وقد سبق أن يهود المدينة كلهم كانوا موادعين، وهذا دليل على أن اليهودي الموادع إذا سب يقتل غيلة، وأن ذلك من القربات التي تلزم بالنذر، وأن ذلك كان معلومًا عند الصحابة.

الدليل الرابع: قصة أنس بن زنيم الديلي ذكرها أهل السير أن أنس بن زنيم الديلي ـ وكان ممن دخل في عهد قريش وهدنتهم مع رسول الله ﷺ هجا رسول الله ﷺ، فسمعه غلام من خزاعة فشجعه، فثار الشر مع ما/ كان بين الحيين، وجاءت خزاعة إلى رسول الله ﷺ يستنثرونه، وأنشدوه القصيدة المشهورة التي أولها: لاهم إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيك الأتلدا فلما فرغ الركب قالوا: يا رسول الله، إن أنس بن زنيم الديلي قد هجاك. فندر رسول الله ﷺ دمه، فبلغ ذلك أنس بن زنيم فقدم معتذرا إلى رسول الله ﷺ، ومدحه بقصيدة أولها:

لركب قالوا: يا رسول الله، إن أنس بن زنيم الديلي قد هجاك. فندر رسول الله ﷺ دمه، فبلغ ذلك أنس بن زنيم فقدم معتذرا إلى رسول الله ﷺ، ومدحه بقصيدة أولها:

ءأنت الذي تهدي معد بأمره ... بل الله يهديها وقال لك أشهد وفيها: فما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمد تعلم رسول الله أنك قادر ... على كل سكن من تهام ومنجد تعلم رسول الله أنك مدركي ... وأن وعيدًا منك كالأخذ باليد ونبي رسول الله أني هجوته ... فلا رفعت سوطي إلى إذا يدي سوى أنني قد قلت يا ويح فتية ... أصيبوا بنحس يوم طلق وأسعد فإني لا عرضًا خرقت ولا دمًا ... هرقت ففكر ـ عالم الحق ـ وأقصد وتعلم أن الركب ركب عويمر ... هم الكاذبون المخلفو كل موعد وبلغت قصيدته رسول الله ﷺ، وكلمه نوفل بن معاوية الديلي، فقال: يا رسول الله، أنت أولى الناس بالعفو، ومن منا لم يعادك ويؤذك، ونحن في جاهلية لا ندري ما نأخذ وما ندع حتى هدانا الله بك وأنقذنا بك من الهلك، وقد كذب عليه الركب وكثروا عندك، فقال: "دع الركب عنك، فإنا لم نجد بتهامة أحدًا من ذي رحم ولا بعيد الرحم كان أبر من خزاعة".

له بك وأنقذنا بك من الهلك، وقد كذب عليه الركب وكثروا عندك، فقال: "دع الركب عنك، فإنا لم نجد بتهامة أحدًا من ذي رحم ولا بعيد الرحم كان أبر من خزاعة".

فأسكت نوفل، فلما سكت قال رسول الله ﷺ: "قد عفوت عنه"، قال نوفل: فِداك أبي وأمي. وهذه القصة ـ إذا صحت ـ من أقوى الأدلة ـ بل فيها دليل على أن القتل لا يسقط بالإسلام حتى يعفو، فإن ظاهر القصيدة يدل على إسلام أنس بن زنيم، وكان حين هجائه مهادنًا، ونوفل الذي شفع فيه كان ممن نقض العهد ثم أسلم وصار يشفع فيه، فدل على أن السب أعظم من نقض العهد، وأن/ ناقض العهد إذا أسلم سلم، والساب إذا أسلم لا يسلم، ولهذا إن النبي ﷺ لم يهدر دم أحد من بني بكر الذين أغاروا على خزاعة، وإنما سلط خزاعة على قتالهم، وأهدر دم هذا بعينه حتى أسلم واعتذر، هذا مع أن العهد عهد موادعة وهدنة لا عقد جزية وذمة، والمهادن في بلده لا يتوقف فيما شاء من المنكرات، فإذا أخذ بذلك فالذمي أولى. فهذه القصة لا شك في دلالتها على قتل الساب المعاهد، وأما إذا أسلم فنحن نختار سقوط القتل عنه، ونحمل ما صدر في هذه القصة من سؤال العفو على قبول توبته كما في قبول توبة كعب بن مالك حين تخلف عن تبوك، حيث تأخرت خمسين ليلة مع ندمه وصدقه كما نبهنا عليه من قبل، ليتحقق رضى الله تعالى عنه وقبوله توبته، كذلك هنا المقصود

رضى النبي ﷺ عنه، وهو أمر مقصود، فليس نصًا في أنه لو لم يعف عنه لقتله بعد إسلامه، بل لعلة كان له أن يعاقبه بغير القتل أو مجرد إعراضه عنه عقوبة، وكيف يطيب قلب المسلم إذا لم يكن النبي ﷺ راضيًا عنه، بخلاف الكافر الحربي أو المعاهد الذي نقض العهد بغير ذلك، كالقتال ونحوه، فإنه بمجرد الإسلام لا يبقى عليه تبعة أخرى، لأن دينه الذي كان: هو الكفر والمحاربة، وقد زال بالإسلام، وذنب الساب زائد على الكفر.

الدليل الخامس استدل به أيضًا جماعة من العلماء منهم أحمد بن حنبل، وذكره أبو داود في "سننه" في باب الحكم فيمن سب النبي ﷺ. قال أبو داود: ثنا عثمان بن أبي شيبة وعبد الله بن الجراح، عن جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، عن علي ﵁ أن يهودية كانت تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول الله ﷺ دمها. ورواه أحمد بن جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، عن علي قال: كان رجل من المسلمين أعمى يأوي إلى امرأة يهودية، فكانت/ تطعمه وتحسن إليه، فكانت لا تزال تشتم النبي ﷺ وتؤذيه، فلما كانت ليلة من الليالي خنقها فماتت، فلما أصبح ذكر ذلك لرسول الله ﷺ فنشد الناس في أمرها، فقام الأعمى فذكر له أمرها؛ فأبطل رسول الله ﷺ دمها.

وهذا الإسناد لا يرتاب في صحته واتصاله إلا من جهة سماع الشعبي من علي، ولا شك أنه أدركه وأدرك خلائق من الصحابة، فإن مولده ـ على ما ذكره ابن منجويه ـ لست سنين خلت من خلافة عمر بن الخطاب، فيكون ـ عند وفاة علي بن أبي طالب ﵁ عمره عشرين سنة، وأكثر الأقوال في وفاته تدل على هذا، أعني الشعبي، فإنه قيل إنه توفي سنة ثنتين ومئة وعمره ثنتان وثمانون سنة، وقيل فيه أقوال أخرى، ومن جملتها أنه توفي سنة ست أو سبع ومئة وعمره سبع وسبعون سنة، وعلى هذا يكون أدرك من حياة علي عشر سنين، والمشهور الأول، وعلى كل قول فالإدراك محقق، وكذا إمكان السماع، فإنه كوفي وعلي كان بالكوفة، فلا مانع من لقائه والسماع منه، وروايته عن علي معروفة

مشتهرة، ومن جملة روايته عنه حديث شراحة الهمدانية.

ذا إمكان السماع، فإنه كوفي وعلي كان بالكوفة، فلا مانع من لقائه والسماع منه، وروايته عن علي معروفة

مشتهرة، ومن جملة روايته عنه حديث شراحة الهمدانية.

وذكر بعضهم أنه سمع من علي، وهذا تصريح، فإن ثبت ذلك وإلا فالمشهور عند المحدثين الاكتفاء باللقاء والإمكان وحمل الأمر على السماع، فالحديث حينئذ صحيح، وبتقدير أن يكون مرسلاً فإن مرسلات الشعبي من أصح المراسيل، ومع ذلك قد عضده حديث ابن عباس الذي سنذكره في الدليل السادس، فإن القصة إما أن تكون واحدة كما تشعر به رواية أحمد التي ذكرانها، وإما أن يكون المعنى واحدًا. وعلى تقدير أن لا يكون عاضدًا له فإن أكثر أهل العلم قائلون به، وجاء ما يوافقه عن أصحاب رسول الله ﷺ، وكل واحد من هذه الأمور الثلاثة

إذا اعتضد به المرسل كان حجة بلا خلاف، فإن الشافعي يقبله معها، وكذلك من وافقه، وغيرهم يقبله/ مطلقًا معها وبدونها، فقبوله معها مما اتفق عليه العلماء. وهذا الحديث من أقوى الأدلة، ويصعب على الحنفية الجواب عنه، فإن المرأة لا تقتل بالكفر الأصلي بإجماع العلماء، ولا تقتل بالردة

عندهم، على أن هذه لم تكن مرتدة بل يهودية، وقتلها عندهم ـ سواء أكان من مسلم أم من غيره ـ موجب للقصاص، فإبطال رسول الله ﷺ دمها أدل دليل على أن السب أوجب قتلها، وترتيب الراوي الإبطال على الشتم بالفاء دليل على أن الشتم علة للإبطال، وأيضًا حكم النبي ﷺ بالإبطال عقب ذكر الشتم دليل على أن الشتم علة، وكل واحد من هذين الأمرين دليل العلية على ما هو مقرر في أصول الفقه، وذلك مما يبطل قول الخصم إن المرأة كانت حربية، وإن ذلك هو علة الإبطال لا الشتم. ومما يبين فساد هذا القول أن الإهدار إنما يكون لما انعقد سبب الضمان فيه، ولهذا لما رأى النبي ﷺ امرأة مقتولة في بعض مغازيه نهى عن قتل النساء والصبيان، ولم يقل إنه أهدر دمها، لأنها لم ينعقد فيها

ون لما انعقد سبب الضمان فيه، ولهذا لما رأى النبي ﷺ امرأة مقتولة في بعض مغازيه نهى عن قتل النساء والصبيان، ولم يقل إنه أهدر دمها، لأنها لم ينعقد فيها

سبب الضمان، بخلاف هذه، فإنها من أهل العهد، والعهد سبب لكون دمها مضمونًا لولا الشتم. ومما يبين فساده أيضًا أن هذه اليهودية من يهود المدينة، وقد قدمنا أن يهود المدينة كلهم موادعون وقول الشافعي في ذلك وقول الواقدي: إن النبي ﷺ كتب لهم كتابًا، وكذلك قاله ابن إسحاق أيضًا: إن رسول الله ﷺ يعني في أول قدومه المدينة ـ كتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار وداع فيه يهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم، وكان عند آل عمر ابن الخطاب مقرونًا بكتاب الصدقة الذي كتب عمر للعمال، كتب:

﷽ هذا كتاب من محمد النبي بين المسلمين والمؤمنين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم: أنهم أمة واحدة، يتعاقلون بينهم معاقلهم .. وفيه: وأن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم. وفيه: أن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن اليهود/ بني عوف ذمة من المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته، وأن ليهود بني النجار وبني الحارث وبني ساعدة وبني جشم مثل ما ليهود بني

عوف، وأن ليهود الأوس مثل ما ليهود بني عوف، وأن ليهود بني ثعلبة ولجفنة ـ بطن من ثعلبة ـ ولبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف، وأن موالي ثعلبة كأنفسهم، وأن بطانة يهود كأنسهم، وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخشى فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد ﷺ، وأن يهود الأوس ومواليهم وأنفسهم على مثل ما في هذه الصحيفة مع البار المحسن .. "، وفيها أشياء أخر. وذكر أبو عبيد في كتاب "الأموال" هذا الكتاب أيضًا عن يحيى بن بكير وعبد الله بن صالح قالا: ثنا الليث: حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال: "بلغني .. "، وقال أبو عبيد: إنه مقدم النبي ﷺ المدينة. وفسر أبو عبيد قوله: "وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين" قال: فهذه النفقة في الحرب خاصة، شرط عليهم المعاونة له

على عدوه، ونرى أنه إنما كان يسهم لليهود إذا غزوا مع المسلمين لهذا الشرط الذي شرط عليهم من النفقة، ولولا هذا لم يكن لهم في غنائم المسلمين سهم. وفي كتاب أبي عبيد أن يهود بني عوف أمة من المؤمنين، وفسره بأنه إنما أراد نصرهم المؤمنين ومعاونتهم إياهم على عدوهم بالنفقة التي شرطها عليهم. وفي "صحيح مسلم" عن جابر: "كتب رسول الله ﷺ على كل بطن عقوله". ومعنى قوله: "إن كل من تبع المسلمين من اليهود فإن له النصر". معنى الاتباع هنا: المسالمة وترك المحاربة. ولم يكن أحد بالمدينة من اليهود إلا وله حلف، إما مع الأوس أو بعض بطون الخزرج، وكان بنو قينقاع ـ وهم المجاورون بالمدينة، وهم رهط عبد الله بن سلام ـ حلفاء بني عوف بن الخزرج رهط ابن أبي، وهم البطن الذي بدئ بهم في هذه الصحيفة.

رج، وكان بنو قينقاع ـ وهم المجاورون بالمدينة، وهم رهط عبد الله بن سلام ـ حلفاء بني عوف بن الخزرج رهط ابن أبي، وهم البطن الذي بدئ بهم في هذه الصحيفة.

وكان في المدينة وفيما حولها ثلاثة أصناف من اليهود: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، فبنو قينقاع والنضير حلفاء الخزرج، وقريظة حلفاء الأوس. وأول من نقض العهد بنو قينقاع، وحاربوا فيما بين بدر وأحد، وهم الذين كانوا بالمدينة، والنضير وقريظة كانوا خارجًا من المدينة. وهذه المرأة يظهر أنها من بني قينقاع، لأن الظاهر أنها كانت في المدينة، وسواء أكانت منهم أم من غيرهم فهي مهادنة ولها عهد كسائر يهود المدينة وما حولها. فإذا كان سبها يقتضي القتل فالذمية التي تلتزم أحكام الإسلام أولى أو مثلها. ومما يدل على أنها كانت معصومة قبل السب أن النبي ﷺ/ نشد الناس في أمرها، ولو لم تكن معصومة لما فعل ذلك. فإن قلت: الساب وإن وجب قتله لا يجوز لآحاد الناس قتله بغير إذن الإمام، وكذا المرتد، فلو كان القتل للسب لأنكر النبي ﷺ عليه لكونه فعل ما لا يجوز، فلما لم ينكر دل على أن القتل لغير ذلك.

قلت: أما كون القتل لغير السب فلا يمكن، إذ لا محمل له غيره، لما بيناه من كون المرأة لا تقتل بالكفر الأصلي، فتعين أن يكون للسب. وأما كون آحاد الناس ليس له ذلك إلا بإذن الإمام وأن النبي ﷺ لم ينكر: فلعل ترك الإنكار خشية أن يتوهم عدم استحقاق القتل، وللإمام أن يترك الإنكار بمثل ذلك. أو يقال: بأن ذلك إنما يحرم خوف الفتنة أو حيث يمكن الرفع إلى الإمام، ولم تكن هذه الواقعة كذلك. أو يقال: بأن الكافر لا يحتاج في قتله إلى إذن الإمام إذا وجد فيه ما يقتضي قتله بغلظ كفره بالسب، ألا ترى أن الغزو بغير إذن الإمام جائز، فالمرأة السابة بمنزلة الرجل المقاتل. أو يقال إن كانت هذه القصة هي قصة أم الولد وأنها رقيقة: إن للسيد إقامة الحد على عبده كما هو أحد قولي العلماء. وبالجملة: فالمجاز إهدار دمها، وأما كون المتعاطي لذلك الإمام أو غيره فليس الكلام فيه.

ها رقيقة: إن للسيد إقامة الحد على عبده كما هو أحد قولي العلماء. وبالجملة: فالمجاز إهدار دمها، وأما كون المتعاطي لذلك الإمام أو غيره فليس الكلام فيه.

فإن قلت: قد يكون قتلها ولا عهد لها، والكافرة إذا قتلت كذلك دمها هدر. قلت: الإشكال في عدم الإنكار باق؛ مع إبطال ما دل عليه الحديث من وجوه كثيرة على أن القتل للشتم لا لغيره، مع أن القتل في النساء لأجل الكفر قد تغيظ النبي ﷺ عليه لما حصل في بعض مغازيه، واشتد إنكاره له، وهاهنا لم يفعل ذلك، فدل على الفرق بين الواقعتين.

الدليل السادس ما صدر به أبو داود باب الحكم فيمن سب النبي ﷺ، قال: ثنا عباد ابن موسى الختلي: ثنا إسماعيل بن جعفر المدني، عن إسرائيل، عن عثمان الشحام، عن عكرمة قال: ثنا ابن عباس، أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فينهاك فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فأخذ المغول فوضعه في بطنها وأتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل فلطخت ما هناك بالدم. فلما أصبح ذكر/ ذلك لرسول الله ﷺ، فجمع الناس فقال: "أنشد الله رجلاً فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام"، قال: فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل، حتى قعد بين يدي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاك فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليها حتى قتلتها. فقال النبي ﷺ: "ألا اشهدوا أن دمها هدر". ورواه النسائي أيضًا، وهذا إسناد جيد على شرط الصحيح،

واستدل به أحمد أيضًا، ورواه عن روح عن عثمان الشحام. واقتضى كلام الخطابي أنه فهم أن هذه المرأة كانت مسلمة، فتكون واقعة غير التي رواها علي، وهو بعيد، والظاهر أنهما واقعة واحدة، وأنها تلك اليهودية، ويجوز أن تكون أمته، لأنه يجوز وطئ الأمة الكافرة الكتابية بملك اليمين، ويجوز أن تكون زوجته، وكل من الأمة والزوجة تبع للسيد والزوج في العهد، مع ما سبق أن جميع يهود المدينة

مهادنون، فلم يكن قتلها إلا للسب كما سبق، سواء أكانتا واقعتين أم واقعة واحدة. فإن قيل: لعل قتلها إنما كان لانتقاض عهدها بالسب، فتصير كما لو قاتلت فتقتل أو يتخير فيها. قلت: إذا قاتلت تقتل للدفع، وأما التخير فيها فلا يجيء هنا، لا سيما إذا كانت رقيقة، وهو ظاهر لفظ الحديث، لأن الرق حاصل، والمن والفداء كل منهما خير منه، فتعين القتل، ومتى تعين القتل فهو المقصود، سواء أكان حدًا كحد الزنا مع بقاء العهد، أم كان لأجل الانتقاض، ولأنه لو تخير فيها لكانت الخيرة للإمام لا لآحاد الرعية. والمغول بكسر الميم وسكون الغين المعجمة، قال الخطابي: شبه المشمل، ونصله دقيق ماض. وقال غيره: شبه سيف قصير يشتمل به الرجل تحت ثيابه. وقيل: هو سوط في جوفه سيف دقيق يشده القاتل على وسطه ليغتال به الناس. وقيل: هو حديدة دقيقة لها حد ماض. والمشمل بكسر الميم وسكون الشين المعجمة: سيف قصير يشتمل عليه الرجل، أي يغطيه بثوبه. فأما المِعْوَلُ بالعين المهملة: فالفأس العظيمة التي ينقر بها الصخر.

وقوله في حديث علي: "خنقها" روي بالنون والفاء، فإن كان بالفاء فالجمع بين الروايتين إن كانت واقعة واحدة ظاهر، وإن كان بالنون فلعله خنقها ثم بعج بطنها بالمغول./ هذا إن كانت واقعة واحدة، ويحتمل أن تكونا واقعتين في يهوديتين أو في يهودية ومسلمة، والاستدلال على كل تقدير حاصل، وإنما أدخلناهما جميعًا في هذا الباب لعدم قيام الدليل على إسلام متقدم لواحدة منهما.

ين في يهوديتين أو في يهودية ومسلمة، والاستدلال على كل تقدير حاصل، وإنما أدخلناهما جميعًا في هذا الباب لعدم قيام الدليل على إسلام متقدم لواحدة منهما.

الدليل السابع: قصة العصماء بنت مروان اليهودية وهي غير القصتين المتقدمتين، وذلك ما روي عن ابن عباس قال: هجت امرأة من خطمة النبي ﷺ، فقال: "من لي بها؟ "، فقال رجل من قومها: أنا يا رسول الله. فنهض فقتلها، فأخبر النبي ﷺ بذلك، فقال: "لا ينتطح فيها عنزان".

وذكرها الواقدي في آخر غزوة بدر فيما قيل في أشعار بدر، قال: حدثني عبد الله بن الحارث [عن أبيه] أن عصماء بنت مروان ـ من بني أمية بن زيد ـ كانت تحت يزيد بن زيد بن حصن الخطمي، وكانت تؤذي النبي ﷺ، وتعيب الإسلام، وتحرض على النبي، وقالت شعرًا. وقال عمير بن عدي بن خَرَشة بن أمية الخطمي حين بلغه قولها وتحريضها: اللهم إن لك علي نذرًا لئن رد رسول الله ﷺ إلى المدينة لأقتلنها. ورسول الله ﷺ يومئذٍ ببدر. فلما رجع رسول الله ﷺ من بدر جاءها عمير بن عدي في جوف الليل، حتى دخل عليها في بيتها وحولها نفر من ولدها نيام، منهم من ترضعه في صدرها، فجسها بيده فوجد الصبي ترضعه، فنحاه عنها، ثم وضع سيفه على صدرها حتى أنفذه من ظهرها، ثم خرج حتى صار الصبح مع النبي ﷺ بالمدينة، فلما انصرف النبي ﷺ نظر إلى عمير فقال: «أقتلت بنت مروان؟» قال: نعم بأبي أنت يا رسول الله. وخشي عمير أن يكون افتأت على النبي ﷺ بقلتها فقال: هل علي في ذلك شيء يا رسول الله؟ قال: «لا ينتطح فيها عنزان»؛ فإن أول ما سمعت هذه الكلمة من النبي ﷺ.

وخشي عمير أن يكون افتأت على النبي ﷺ بقلتها فقال: هل علي في ذلك شيء يا رسول الله؟ قال: «لا ينتطح فيها عنزان»؛ فإن أول ما سمعت هذه الكلمة من النبي ﷺ.

قال عمير: فالتفت النبي ﷺ/ إلى من حوله فقال: "إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب فانظروا إلى عمير بن عدي"، فقال عمر بن الخطاب: انظروا إلى هذا الأعمى الذي يسري في طاعة الله، فقال: "لا تقل الأعمى، ولكنه البصير". فلما رجع عمير من عند رسول الله ﷺ وجد في بيتها جماعة يدفنونها، فأقبلوا إليه حين رأوه مقبلاً من المدينة، فقالوا: يا عمير أنت قتلتها؟ فقال: نعم، فكيدوني جميعًا ثم لا تنظرون، فوالذي نفسي بيده لو قلتم بأجمعكم ما قالت لضربتكم بسيفي هذا حتى أموت أو أقتلكم. فيومئذٍ ظهر الإسلام في بني خطمة، وكان منهم رجال يستخفون بالإسلام خوفًا من قومهم، وقال حسان شعرًا يمدح عمير بن عدي. وكان قتل عصماء لخمس ليال بقين من رمضان، مرجع النبي ﷺ من بدر. وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب":

"عمير الخطمي القارئ، من بني خطمة من الأنصار، [روي عنه زيد ابن إسحاق]، كان أعمى، كانت له أخت تشتم النبي ﷺ فقتلها، فقال رسول الله ﷺ: أبعدها الله". ثم قال: "عمير بن عدي الخطمي، إمام بني خطمة وقارئهم الأعمى، روى عنه ابنه عدي بن عمير، فإن كان الذي روى عنه زيد بن إسحاق فهو الذي قتل أخته لشتمها رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: أبعدها الله". وذكر ابن سعد هذه القصة عن الواقدي مختصرة، وذكرها شيخنا أبو محمد الدمياطي في "قبائل ...............................

الأوس" عن ابن سعد كما ذكرناها، ونسب عميرًا: عمير بن عدي بن خرشة بن أمية بن عامر بن خطمة ـ وهو عبد الله، ضرب رجلاً على خطمه فسمى خطمة ـ ابن جشم بن مالك بن الأوس. ثم قال شيخنا: وقال ابن القداح: العصماء بنت مروان بن الحارث ابن عبيد بن عمرو، من بني يزيد من بلي، حلفاء لبني أمية بن زيد،

هي أم يزيد بن زيد بن حصن التي قامت عنه، وولدها يقولون: اسمها الكلفاء بنت أوفى من قيس من بني خطمة، وذلك باطل. ولم يشهد عمير ابن عدي بدرًا ولا أحدًا ولا الخندق لضر بصره، ولكنه/ كان قديم الإسلام، صحيح النية فيه، يغضب لله ولرسوله. ونظر النبي ﷺ إلى عمير ابن عدي بن خرشة يتوضأ، وكان أعمى، فجعل النبي ﷺ يقول: "بطن القدم"، ولا يسمعه الأعمى، حتى غسل بطن القدم، فسمي البصير بهذا. وكان عمير بن عدي وخزيمة بن ثابت يكسران أصنام بني خطمة، وكان النبي ﷺ يقول لأصحابه: "اذهبوا بنا نزور البصير في بني خطمة". انتهى كلام شيخنا. وذكر هذه القصة غير هؤلاء أيضًا، فثبت بهذه القصة وبغيرها أن هؤلاء النسوة إنما قتلن بشتمهن وسبهن. وعلم بذلك أن السب لا يجوز التقرير عليه سواء أكان الساب معاهدًا أم حربيًا أم ذميًا، وليس كالكفر المجرد، فإن الكفر المجرد قد أباح الله ترك القتل به، بل أوجب الكف عن القتل به في كثير من الأوقات قبل الهجرة ـ حتى نسخ بآية السيف إما إيجابًا، أو إباحةً ثم إيجابًا ـ وفي أعصار كثيرة من أعصار الأمم المتقدمة الذين لم يبعث الأنبياء فيها بالقتال.

قات قبل الهجرة ـ حتى نسخ بآية السيف إما إيجابًا، أو إباحةً ثم إيجابًا ـ وفي أعصار كثيرة من أعصار الأمم المتقدمة الذين لم يبعث الأنبياء فيها بالقتال.

وأما السب فلا يعلم عصر من الأعصار جاز التقرير عليه ـ فضلاً عن وجوب التقرير عليه ـ واحتمال هذا الضيم العظيم، فالقول بأنه لا يجوز قتل الساب من أهل الذمة في غاية الفساد والبعد عن نفس الشريعة وسير النبي ﷺ والصحابة. وقد يقول قائل: كيف يحتج بهذه القصص التي يذكرها أهل السير ـ مثل الواقدي وغيره ـ ولم يرد بها حديث صحيح؟ فاعلم أن المقصود تأكيد الأدلة، وقد ذكرنا الحديث الصحيح أولاً، وبانضمام هذه الأمور إليه يزداد تأكيدًا، بل الأمور التي ينفرد بها أهل السير إذا اشتهرت وعرفت في بعض الأوقات تكون أقوى من الحديث الذي ينفرد به ثقة، والواقدي إمام أهل السير بلا مدافعة، منه تستفاد وإن كان فيه كلام كثير، ربما حمل عليه كونه يجمع الأسانيد الكثيرة ورواياتها في لفظ واحد يقصد به الجمع والاختصار، فكثير الكلام فيه لذلك، وأما علمه فلا منازعة فيه، وإذا/ ذكر قصة وشرحها تقوى بها ورودها من جهة غيره، وتبين الحال فيها، والأحاديث الضعيفة إذا اجتمعت قربت من رتبة الاحتجاج أو وصلت، فكيف إذا كان معها صحيح؟! فكيف إذا اتفقت السير عليها؟!

الدليل الثامن: قصة قينته ابن خطل وسارة مولاه بني عبد المطلب ونحوهن ممن أهدى النبي ﷺ ومن يوم فتح مكة ممن لم يكن السلم قبل ذلك وقد ذكرنا ذلك في الباب الأول عند ذكر عبد الله بن أبي سرح وابن خطل، ولم يكن قتلهن إلا للسب والأذى، فإن المرأة لا تقتل، فإن النبي ﷺ نهى قبل يوم الفتح بسنين عن قتل النساء والصبيان، لا سيما والقينتان أمتان، والعبد لا يقتل بالكفر، فلم يكن إهدار دمهما لأجل الكفر، إنما كان للسب، فإن كن معاهدات في عهد قريش دل على قتل الساب المعاهد، والذمي بطريق الأولى، وإن لم يكن لهن عهد فبطريق الأولى، لأنه إذا قتل من لا عهد له بالسب فالذي له عهد أو الذمي الملتزم للأحكام أولى.

تل الساب المعاهد، والذمي بطريق الأولى، وإن لم يكن لهن عهد فبطريق الأولى، لأنه إذا قتل من لا عهد له بالسب فالذي له عهد أو الذمي الملتزم للأحكام أولى.

وأما ابن خطل فقد ذكرناه في الباب الأول، وكان استعمله النبي ﷺ على الصدقة فقتل رفيقه وارتد ولحق بمكة وصار يقع في النبي ﷺ، فله ثلاث جرائم: الردة، والقتل، والسب. قال بعضهم: لو كان قتله للردة لاستتيب، ولو كان للقتل لسُلم إلى أولياء المقتول، فإنما كان للسب.

الدليل التاسع: أن النبي ﷺ يوم الفتح أمن أكثر الكفار وأهدر دم ابن الزبعري ونحوه ممن كان يهجو، حتى لحق ابن الزبعري بكل وجه ثم جاء وأسلم . ولا فرق بين ابن الزبعري وغيره من الكفار إلا ما كان منه من الشعر والهجو، وإذا كان ذلك وهو حربي فالذمي أولى. وأبو سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب كان منه شيء ثم أسلم وعفا عنه النبي ﷺ. وروي أن النضر بن الحارث/ عندما استشعر من النبي ﷺ أنه يقتله قال لمصعب بن عمير: كلم صاحبك أن يجعلني كرجل من أصحابي، هو والله قاتلي، لم تفعل، قال مصعب: إنك كنت تقول في كتاب الله كذا وكذا، وتقول في نبيه كذا وكذا. ولما أراد قتل عقبة بن أبي معيط جعل عقبة يقول: علام أقتل من بين هاهنا؟ قال رسول الله ﷺ: "لعداوتك لله ورسوله"، قال: يا محمد منك أفضل، فاجعلني كرجل من قومي، يا محمد من للصبية؟ قال رسول الله ﷺ: "النار، قدمه يا عاصم فاضرب عنقه"، فقدمه عاصم فضرب عنقه،

فقال رسول الله ﷺ: "بئس الرجل كنت، والله ما علمت كافرًا بالله وبكتابه وبرسوله، مؤذيًا لنبيه؛ فأحمد الله الذي هو قتلك واقر عيني منك". رواه الواقدي. ولم يُقتل من الأسرى أحد غير هذين الرجلين: النضر وعقبه، أعني أسرى بدرٍ بعد الانصراف من بدر. فاختصاص هؤلاء بالقتل دليل على أن الحربي المؤذي للنبي ﷺ إذا أسر لا يمكن عليه بل يقتل إلا أن يسلم، وقد تقدم في الباب الأول قطعة من هذا.

الدليل العاشر روى سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في "مغازيه": ثنا أبي قال: أخبرني عبد الملك ابن جريج، عن رجل أخبره عن عكرمة عن عبد الله بن عباس أن رجلاً من المشركين شتم رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "من يكفيني عدوي؟ " فقام الزبير بن العوام فقال: أنا. فبارزه؛ فأعطاه رسول الله ﷺ سلبه، ولا أحسبه إلا في خيبر. وروي أن رجلاً كان سب النبي ﷺ فقال: "من يكفيني عدوي؟ " فقال خالد: أنا. فبعثه النبي ﷺ إليه فقتله.

وهذان الحديثان يدلان على أن السب موجب للقتل ولإطلاق العداوة، ولكون العداوة موجبة للقتل.

الدليل الحادي عشر أن الصحابة كانوا/ إذا سمعوا من يسبه ﷺ قتلوه وإن كان قريبًا، فيقرهم ﷺ على ذلك ولا ينكره؛ بل يرضاه، وربما سمى من فعل ذلك ناصر الله ورسوله، وقد تقدم جملة ذلك. وروى أبو إسحاق الفزاري عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن سميع، عن مالك بن عمير قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لقيت أبي في المشركين، فسمعت منه مقالة قبيحة لك، فما صبرت أن

طعنته بالرمح فقتلته. فما شق ذلك عله. وجاءه آخر فقال: إني لقيت أبي في المشركين فصفحت عنه. فما شق ذلك عليه. وروى أبو إسحاق الفزاري أيضًا عن الأوزاعي: عن حسان بن عطية قال: بعث رسول الله ﷺ جيشًا فيهم عبد الله بن رواحة وجابر، فلما صافوا المشركين أقبل رجل منهم يسب رسول الله ﷺ، فقام رجل من المسلمين فقال: أنا فلان بن فلان، وأمي فلانة، فسبني وسب أمي وكف

د الله بن رواحة وجابر، فلما صافوا المشركين أقبل رجل منهم يسب رسول الله ﷺ، فقام رجل من المسلمين فقال: أنا فلان بن فلان، وأمي فلانة، فسبني وسب أمي وكف

عن رسول الله ﷺ. فلم يزده ذلك إلا إغراء، فأعاد مثل ذلك، وأعاد الرجل مثل ذلك، فقال في الثالثة: لئن عدت لأرحلنك بسيفي. فعاد فحمل عليه الرجل؛ فولى مدبرًا، فاتبعه الرجل حتى خرق صف المشركين فضربه بسيفه، وأحاط به المشركون فقتلوه، فقال رسول الله ﷺ: "أعجبتم من رجل نصر الله ورسوله". ثم إن الرجل برئ من جراحه فاسلم، فكان يسمى: الرحيل. وقد ذكروا أن الجن الذين آمنوا به كانوا يقصدون من يسبه من الجن الكفار فيقتلونه قبل الهجرة وقبل الإذن في القتال له وللإنس. قال سعيد بن يحيى الأموي في "مغازيه": حدثني محمد بن سعيد ـ يعني عمه ـ قال: قال محمد بن المنكدر إنه ذكر له عن ابن عباس قال: هتف هاتف من الجن على أبي قبيس فقال:

قبح الله رأيكم آل فهر ... ما أدق العقول والأحلام حين تغضي لمن يعيب عليها ... دين آبائها الحماة الكرام/ في أبيات أخرى، فأصبح هذا الشعر حديثًا لأهل مكة، فقال رسول الله ﷺ: "هذا شيطان يكلم الناس في الأوثان يقال له مسعر، والله مخزيه"، فمكثوا ثلاثة أيام، فإذا هاتف يهتف على الجبل يقول: نحن قتلنا في ثلاث مسعرا ... إذا سفه الحق وسن المنكرا قنعته سيفا حساما مبترا ... بشتمه نبينا المطهرا

فقال النبي ﷺ: "هذا عفريت من الجن اسمه سمحج آمن بي وسميته عبد الله، أخبرني أنه في طلبه منذ ثلاثة أيام"، فقال علي: جزاه الله خيرًا يا رسول الله. انتهى. فقد جرت أوامر النبي ﷺ وسننه وسيره على قتل الساب، وكذلك سنة الله تعالى أنه يهلك من سبه ولا يؤخره، وهكذا عرف واشتهر في حصار القلاع أنه متى وقع منهم السب أخذوا عاجلاً، حتى صار ذلك معروفًا بين المسلمين يعلمون به قرب النصرة إذا تعرض الكفار لذلك.

الدليل الثاني عشر العمومات المتقدمة في الباب الأول، مثل حديث: "من سب نبيًا فاقتلوه" والآيات والأحاديث الدالة على قتل من يؤذيه مطلقًا من غير تفصيل بين المسلم والكافر.

العمومات المتقدمة في الباب الأول، مثل حديث: "من سب نبيًا فاقتلوه" والآيات والأحاديث الدالة على قتل من يؤذيه مطلقًا من غير تفصيل بين المسلم والكافر.

الدليل الثالث عشر في الذمي الأدلة الدالة على أن لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين، وإن خص ذلك فيبقى فيما عدا التخصيص على مقتضى العموم. ثم إن قلنا بعدم انتقاض العهد فالقتل واجب كما هو على المسلم، وإن قلنا بانتقاض العهد فهو قد وجب في حالة الالتزام واستحق، فلا يرتفع بالنقض كسائر الحدود، والمختار أنه ينتقض عهده لما سبق، ويقتل للاستحقاق الماضي.

الدليل الرابع عشر إجماع العلماء على أن ذلك موجب للعقوبة، إما القتل عند جمهورهم، وإما التعزير عند الحنفية، ولم يقل أحد إن ذلك يجوز التقرير عليه ويسكت لهم عنه، وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، وهذا يقدح في تمسك الحنفية بأن ما/ هم عليه من الشرك أقبح، فإنه لو كان كذلك لما تعرضنا لهم بسببه كما لا نتعرض لهم بسبب الشرك إذا بذلوا الجزية. ومما يبين فساد قولهم في ذلك أن الشرك قبيح للجهل بالله تعالى، والسب كفر قبيح للافتراء على الله ورسله والطعن فيهم، فهو أمر زائد على الجهل، فكان أقبح، ولذلك لا يصبر لهم عليه بخلاف الشرك المجرد، وإذا ثبت أنه أقبح من الشرك المجرد فيكون موجبًا للقتل ضرورة. وأيضًا فإنه كفر وإساءة على أهل الكمال، فلو أوجب التعزيز فقط لساوى سب غيره من الناس، وهذا باطل بالضرورة، فثبت أنه موجب للقتل. وقد اعترض بأمور: أحدها: قوله تعالى: (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور (١٨٦)) [آل عمران: ١٨٦].

وجوابه ـ بعد تسليم أن ذلك في أهل الذمة وأن الصبر ينافي القتل ـ: بأنه منسوخ بآية السيف، فقد ورد أن ذلك كان قبل بدر، وكانت سيرة النبي ﷺ قبل بدر الإمساك عن جميع الكفار، وبعد بدر عز الإسلام فصار لا يمسك عمن يؤذيه وغيرهم بقتل من يؤذيه، وربما عفى عن بعضهم إلى أن نزلت "براءة" وفتحت مكة وكمل الدين، فلم يجسر أحد من المنافقين بعد تبوك ينبز بكلمة. الاعتراض الثاني: أن اليهود كانوا يقولون: السام عليك ولم يقتلهم. وجوابه: قيل إن ذلك في حال ضعف الإسلام وخشية الفتنة من الانتقام، وقيل لأنهم أخفوه ولم يظهروه، فكان كالأشياء التي تصدر من المنافقين ويطلع النبي ﷺ من غير ظهورها للصاحبة، وذلك لا يقتضي القتل كما سبق، وإن كانت عائشة تفطنت لذلك فأكثر الصحابة لم يتفطنوا له حتى تقوم السنة بذلك، وأيضًا فإن الحق له ﵇ فله أن يتركه. الاعتراض الثالث: عدم قتل من تعرض لشيء من ذلك من الأعراب يوم حنين وغيره، وقد تقدم شيء منه، وهي وقائع كثيرة وإن كان فيمن ظاهره الإسلام، وإذا جاز ترك المسلم فترك الذمي أولى.

وجوابه: أما في الكفار فلأن الحق للنبي ﷺ،/ فله أن يعفو وأن يؤخر، وأما في المسلم فلما قدمناه في الباب الأول وجهل من يصدر منه، وكما كان يعفو عن المنافقين الذين يتحقق نفاقهم. الاعتراض الرابع: أن أهل الذمة أقررناها على دينهم، ومن دينهم استحلال سب النبي ﷺ. وجوابه: أن من دينهم استحلال قتال المسلمين، ولو فعلوه انتقض العهد قطعًا، ودعوى أنا أقررناهم على دينهم مطلقًا ممنوعة، لأن من دينهم هدم المساجد، وإحراق المصاحف، وقتل العلماء والصالحين، وأخذ أموال المسلمين، وإظهار الطعن في الدين، والمحاربة، ولا خلاف أنهم لا يقرون على شيء من ذلك، ففي دينهم أن الجزية لا تجب عليهم ولا سائر ما نوجبه عليهم؛ وإنما أقررناهم على اعتاقدهم، ولا نعترض عليهم فيما يخفونه منه ولا فيما يظهرونه مما لا ضرر فيه على المسلمين أو مخالفة لشرطهم، فإن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صحابها، وإذا أعلنت ضرت العامة.

ض عليهم فيما يخفونه منه ولا فيما يظهرونه مما لا ضرر فيه على المسلمين أو مخالفة لشرطهم، فإن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صحابها، وإذا أعلنت ضرت العامة. ودعوى أن من دينهم استحلال سب النبي ﷺ مطلقًا ممنوعة، إنما ذلك قبل العهد، أما بعد العهد فلا، كما أن من ديننا استحلال أذاهم قبل العهد لا بعده، لأن الوفاء بالعهد واجب في جميع الملل، فإن قدر أن من دينهم أن الوفاء بالعهد لا يجب ولا يلزم الوفاء بالشرط فلا يصح عقد الهدنة معهم، لأنه لا يوثق بها، ونحن قد عاهدناهم على أن يكفوا عن أذانا بألسنتهم وأيديهم، وأن لا يظهروا شيئًا من أذى الله ورسوله، وأن

يخفوا دينهم الذي هو باطل في حكم الله ورسوله، وإذا عاهدوا على هذا كانت مخالفته حرامًا عليهم في كل الأديان، لأن الغدر والخيانة حرام عند كل أحد، ونحن إنما نتعرض لهم إذا سبوا ظاهرًا بأن ثبت ذلك عليهم، فيكونوا قد خالفوا العهد، أما إذا فرض سب في خفية لم يطلع عليه أحد من المسلمين ولا أقر صاحبه به فلا نقول إن العهد ينتقض به، بل إذا استشعره الإمام له نبذ العهد، كالخيانة إذا خيفت، كما تقدم عن الروياني. وبهذا يظهر لك أنه لا فرق في السب أن يكون مما يعتقده الكافر أو لا، وهو الصحيح من المذاهب، خلافًا لما قاله بعض أصحابنا./ وكذلك إظهار كلمة التثليث، فإنا إنما نقرهم عليها إذا أخفوها، والعهد والشرط اقتضى تحريم إظهارها، فكان إظهارها نقضًا، على خلاف فيه بين العلماء، ومن لا يقول بأنه نقض يفرق بينه وبين السب بأن الساب منتقص بخلاف معتقد التثليث فإنه متدين به، وإن كان الحق أنه سب أيضًا، لما في البخاري عن الله تعالى: "كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون على الله من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدًا؛ وأنا الأحد الصمد، الذي لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوًا أحد". فيفقر بين هذا السب وذاك السب بما ذكرناه.

Bagian 4 dari 6