— Bagian 3 · وأفتى عبيد الله بن يحيى وابن لبابة في جماعة من س… —
Bagian 3
وأفتى عبيد الله بن يحيى وابن لبابة في جماعة من سلف أصحابنا الأندلسيين بقتل نصرانية استهلت بنفي الربوبية ونبوة عيسى وتكذيب محمد في النبوة. هذا ما ذكره القاضي عياض من كلام المالكيين ﵏، وحسبك به./ وأما الحنابلة: فقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: كل من شتم النبي ﷺ أو تنقصه مسلمًا كان أو كافرًا فعليه القتل، وأرى أن يقتل ولا يستتاب. قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: كل من نقض العهد وأحدث في الإسلام حدثًا مثل هذا رأيت عليه القتل، ليس على هذا أعطوا العهد والذمة. وكذلك قال أبو الصقر: سألت أبا عبد الله عن رجل من أهل الذمة شتم النبي ﷺ ماذا عليه؟ قال: إذا قامت البينة عليه يُقتل من شتم النبي ﷺ مسلمًا كان أو كافرًا. رواهما الخلال.
وفي رواية أبي طالب: سُئل أحمد عمن شتم النبي ﷺ، قال: يقتل وقد نقض العهد. وقال حرب: سألت أحمد عن رجل من أهل الذمة [شتم النبي ﷺ]، قال: يقتل. رواهما الخلال. وقال الحلواني من الحنابلة: يحتمل أن لا يقتل من سب الله ورسوله إذا كان ذميًا. وهذا الاحتمال الذي أبداه الحلواني غلط سرى إليه من الكلام في انتفاض عهده، وسأبين أن القول بالقتل واجب سواء أقلنا بالانتفاض أم لا، فلا شك أن هذا الذي قاله الحلواني غلط، ونصوص أحمد وجميع الحنابلة من أولهم إلى آخرهم على خلافه، فلم يكن أحد يتنبه لهذا الاحتمال إلا الحلواني؟!، ولم نجد أحدًا من المذاهب الثلاثة الشافعية والمالكية والحنابلة قال بهذا القول غيره، وهو لم يقله أيضًا ولكن أبداه احتمالاً، وهو لم جزم به لم يلتفت إليه، فكيف بالاحتمال!
لمذاهب الثلاثة الشافعية والمالكية والحنابلة قال بهذا القول غيره، وهو لم يقله أيضًا ولكن أبداه احتمالاً، وهو لم جزم به لم يلتفت إليه، فكيف بالاحتمال!
ومثل هذا لا يجوز عده في اختلافات العلماء ولا في الأقوال ولا الوجوه الشاذة الضعيفة المنكرة فضلاً عن المعتبرة. وأما أصحابنا الشافعية ﵏ فقد تقدم تصريح الشافعي وابن المنذر والخطابي بالقتل. وقال الشيخ أبو حامد الإسفرايني شيخ أصحابنا العراقيين بعد أن قرر ما تنتقض به الذمة وما لا تنتقض، قال: "فمتى ارتكب فعلاً من هذه الأفعال التي قلنا إن الذمة لا تنتفض به فإنا نقيم عليه موجبه، فإن كان يوجب القتل ـ كالقتل، والزنا وهو محصن قتلنا، وإن كان يوجب الجلد ـ كالزنا وهو بكر،/ والقذف ـ جلدنا، وإن كان يوجب التعزيز ـ كأن يفتن مسلمًا عن دينه ـ عزرنا، لأنه التزم أحكام المسلمين، ولا نحده لشرب الخمر لأنها مباحة عندهم، ومن شرب الخمر معتقدًا إباحتها لم يجب عليه الحد، وإن كان ذكر الله بما لا ينبغي أن يذكر أو كتابه أو دينه أو نبيه محمدًا ﷺ وقلنا إن الذمة لا تنتقض بذلك فإنا نقيم عليه الحد لذلك، وحده القتل، لأن من سب الله تعالى أو سب النبي ﷺ يستوجب ذلك، وإن ارتكب ما تنتقض به الذمة حكم بانتقاض ذمته وأقيم عليه الحد الواجب بذلك على ما ذكرناه، لأنه كان قد التزم أن تجري عليه أحكام الإسلام، وهذا من حكم الإسلام، ثم ينظر فإن كان الحد الذي أقمنا عليه القتل فلا كلام، وإن كان جلدًا أو تعزيزًا فالشافعي هاهنا قال:
م أن تجري عليه أحكام الإسلام، وهذا من حكم الإسلام، ثم ينظر فإن كان الحد الذي أقمنا عليه القتل فلا كلام، وإن كان جلدًا أو تعزيزًا فالشافعي هاهنا قال:
"يلحق بمأمنه، وهو أقرب دار الحرب"، وقال في موضع آخر: "إن شاء قتله وإن شاء استرقه"، ففي المسألة قولان: أحدهما: يُلحق بمأمنه، لأنه دخل دار الإسلام بحكم أمان، فهو وإن انتقضت ذمته فحصوله في يدنا بذلك الأصل، فلا يجوز إخفاره، كالذي دخل دار الإسلام بأمان صبي أو ذمي ونحوهما، لا يكون ذلك أمانًا صحيحًا لكن لا يجوز إخفاره، لأن ذلك كسوم الأمان. والقول الآخر: أنه فيه بالخيار بين القتل والاسترقاق، لأن الأمان كان له بعقد الذمة، فإذا انتقضت لم يبق له أمان، فهو كالحربي يدخل دار الإسلام متلصصًا، ويفارق من دخل بأمان صبي أو مجنون ونحوهما، لأنه غير مفرط، وإذا قلنا بالقول الآخر فله أن يقتله وأن يسترقه، فإن أسلم قبل أن يفعل شيئًا من ذلك فقد حقن دمه ولا يجوز الاسترقاق أيضًا. ويخالف الأسير، لأن الأسر سبب لذلك، وإن استرقه ثم أسلم لا يؤثر الإسلام في الرق الذي وجد قبله". هذا كلام الشيخ أبي حامد، وهو صريح في أن السب حده القتل، وأنه يقام عليه سواء أقلنا ينتقض عهده أم لا./
ثم أسلم لا يؤثر الإسلام في الرق الذي وجد قبله". هذا كلام الشيخ أبي حامد، وهو صريح في أن السب حده القتل، وأنه يقام عليه سواء أقلنا ينتقض عهده أم لا./
وقال المحاملي في "التجريد": قال الشافعي: يشرط عليهم أن لا يذكروا الله ﷿ ولا كتابه ولا رسوله ولا دينه، فجرى مجرى اشتراط بذل الجزية وجريان الأحكام، فتفتقر صحة العقد إلى ذكره، فإن لم يذكر لم يصح، ومن أصحابنا من قال إنه بمنزلة ما يتعلق بضرر المسلمين، فأما إذا سب واحد منهم الله ﷿ أو النبي ﵇ فإنه يقتل، لا لأنه نقض ذمته، لكن الحد في هذا هو القتل. ثم قال المحاملي: فكل موضع قلنا ذمتهم لا تنتقض تقام عليهم الحدود فيما يجب به الحد والتعزيز فيما لا حد فيه، وكل موضع قلنا ذمتهم تنتقض قال الشافعي هنا: نردهم إلى مأمنهم، وقال في كتاب النكاح: له أن يسترقهم ويقتلهم. فإن قلنا: يردون إلى مأمنهم فإن الحدود تقام عليهم ثم يردون، وإن قلنا إنه بالخيار بين قتلهم واسترقاقهم فإن اختار القتل أقام الحدود ثم قتل، وهكذا إن اختار الاسترقاق فإنه يقيم الحدود أيضًا، فإن أسلموا قبل الاسترقاق حقنوا دماءهم وأموالهم، فلا يجوز قتلهم ولا استرقاقهم ولا أخذ أموالهم، وإن أسلموا بعد الاسترقاق لم يؤثر ذلك.
انتهى كلام المحاملي، وفيه زيادة على ما قال الشيخ أبو حامد، لأنا حكينا كلام أبي حامد من "تعليقته" التي علقها عنه سليم، وهي في هذا الموضع عندي بخط سليم، و"تجريد" المحاملي من "التعليقة الكبرى"، فلذلك فيه ما ليس في تلك التعليقة. ومضمون كلام المحاملي أن الذمي إذا سب يُقتل قطعًا، ولكن هل قتله لأجل الحد فقط بدون انتقاض العهد أو مع انتقاض العهد؟ كلامه يشير إلى خلاف في ذلك، وهو صحيح على ما سنبينه إن شاء الله، وقد صرح بأنا إذا قلنا يردون إلى مأمنهم أن الحدود تقام ثم يردون، ومن جملة الحدود حد السب، وهو القتل، فيقتلون. وقال سليم الرازي في "المجرد": "وإن ذكر/ الله تعالى أو كتابه أو دينه أو رسوله محمدًا ﷺ بما لا ينبغي فمن أصحابنا من قال: يجري الكف عن ذلك مجرى الجزية
والانقياد لجريان أحكام الإسلام عليهم، ويلزم اشتراطه في العقد نطقًا، ومنهم من قال: يجري مجرى ما فيه ضرر على مسلم في نفسه أو ماله، فلا يلزم اشتراطه في العقد، وإذا ارتكبوا شيئًا منه فإن لم يشترط في العقد لم تنتقض الذمة، وإن شرط فهل تنتقض؟ وجهان، وكل موضع قلنا لم تنتقض الذمة بفعله فإن كان فعله يوجب القتل مثل أن ذكر الله تعالى أو رسوله أو كتابه أو دينه بما لا ينبغي أو يقتل أو يزني وهو محصن: قتل. ثم قال: وكل موضع حكمنا بنقض الذمة بفعله أقيم عليه الواجب". وقال نصر بن إبراهيم بن نصر المقدسي في كتاب "المقصود": "إن ذكر الله تعالى أو كتابه أو دينه أو رسوله محمدًا ﷺ بما لا ينبغي فمن أصحابنا من قال يلزم اشتراطه في العقد نطقًا وتنتقض الذمة بالمخالفة، لأن ذلك أعظم من الإضرار ببعض المسلمين، فينبغي أن نكون فيه أشد، ومنهم من قال: لا تنتقض به الذمة. وكل موضع قلنا لم تنتقض ذمته بما فعله فإن كان ما فعله مما يوجب القتل مثل أن يذكر الله تعالى أو كتابه أو دينه أو رسوله بما لا ينبغي أو يزني وهو محصن فإنه يقتل، لأن المسلم لو ارتكب شيئًا من ذلك كان عليه القتل، فالذمي بذلك أولى".
كر الله تعالى أو كتابه أو دينه أو رسوله بما لا ينبغي أو يزني وهو محصن فإنه يقتل، لأن المسلم لو ارتكب شيئًا من ذلك كان عليه القتل، فالذمي بذلك أولى".
ثم قال: "وكل موضع قلنا انتقضت ذمته بما فعله أقيم عليه الواجب به على ما مضى، ثم إن كان الواجب غير القتل ففيه قولان، أحدهما: يُلحق بمأمنه ويكون حربًا لنا، والثاني: يتخير الإمام بين القتل والاسترقاق". هذا كلامه في "المقصود"، وجزم في "الكافي" بأنه يلزم اشتراطه في العقد وتنقض الذمة بمخالفته. وقال البندنيجي فيما حكاه ابن الرفعة.
"إذا قلنا لا ينتقض العهد بذلك قتلناه بذكر الله تعالى ورسوله وكتابه ودينه بما لا ينبغي، إذ كل هذا يوجب القتل". وقال القاضي أبو الطيب ﵀ في "تعليقه": "ما يشترط على أهل الكتاب في عقد الذمة على ضروب: (١) ضرب لا يجوز ترك اشتراطه، وهو ضمان أداء الجزية والتزام جريان أحكام الإسلام عليهم، وهذان الشرطان لا بد من ذكرهما في عقد الجزية، وإن لم يذكرهما فيه لم يصح العقد.
(٢) وضرب يجوز ترك اشتراطه، وفعله نقض للذمة، وهو قتال المسلمين مع أهل الحرب أو منفردين، فإذا فعلوا هذا فقد نقضوا العهد سواء شرط عليهم ترك القتال في عقد الذمة أم لم يشترط. (٣) وضرب فيه ضرر على المسلمين، وهو ستة أشياء نص عليها: ١ - أن لا يزني بمسلمة، ٢ - ولا يصيبها باسم نكاح، ٣ - ولا يفتن مسلمًا ولا مسلمة عن الدين، ٤ - ولا يقطع الطريق على مسلم ولا مسلمة، ٥ - ولا يؤوي للمشركين عينا، ٦ - ولا يعين على المسلمين بدلالة. قال أصحابنا: ٧ - ولا يقتل مسلمًا ولا مسلمة، فتكون سبعة أشياء. وينظر فيها: فإن لم تكن مشروطة في عقد الذمة فإن فعلها لا تكون نقضًا، وإن كانت مشروطة فعلى وجهين، أحدهما: لا يكون نقضًا، والوجه الثاني: يكون نقضًا للذمة، لما روي أن نصرانيًا استكره امرأة مسلمة على الزنا، فرفع إلى أبي عبيدة فقال: "ما على هذا صالحناكم! "، وضرب عنقه، وهذا يدل على أنه جعله ناقضًا للعهد، ولأنه معنى يتعلق
نيًا استكره امرأة مسلمة على الزنا، فرفع إلى أبي عبيدة فقال: "ما على هذا صالحناكم! "، وضرب عنقه، وهذا يدل على أنه جعله ناقضًا للعهد، ولأنه معنى يتعلق
بالإضرار بالمسلمين شرط تركه في عقد الذمة، فوجب أن يكون فعله نقضًا للعهد أصله قتال المسلمين. وأيضًا فإن عقوبة هذه الأجرام تستوفى منهم إذا لم تكن مشروطة في عقد الذمة، فوجب أن يكون لها تأثير، ولا تأثير إلا ما قلنا من نقض العهد. (٤) وضرب فيه تنقص من الدين، وهو ذكر الله وذكر رسوله وذكر كتابه ودينه بما لا ينبغي، فهذه أربعة أشياء اختلف أصحابنا فيها، فذهب أكثرهم إلى أنها بمنزلة الأشياء السبعة، إن لم تكن مشروطة لا تكون نقضًا للعهد، وإن كانت مشروطة ففيها وجهان، ومن أصحابنا من قال ـ وهو أبو إسحاق ـ يجب شرطها في عقد الذمة، وترك شرطها يفسد العقد. وكان أبو بكر الفارسي يقول: "من شتم محمدًا ﷺ قتل حدًا كما أمر رسول الله ﷺ بقتل ابن خطل والقينتين/ ولم ينفذ لهما أمانًا"، وادعى أنه إجماع، وهذا ليس بصحيح، لأن الله تعالى قال: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (٢٩)) [التوبة: ٢٩].
(٥) وضرب فيه إظهار منكر في دار السلام، وذلك ستة أشياء: ١ - إحداث بيعة أو كنيسة في دار الإسلام، ٢ - ورفع أصواتهم بقراءة كتبهم، ٣ - والضرب بالنواقيس، ٤ - وإطالة البنيان على أبنية المسلمين أو المساواة فيه، ٥ - ومساواتهم في الزي، ٦ - وإظهار الخمر والخنزير. فهذا كله يجب عليهم الكف عنه شرط في العقد أم لم يشرط، ومن خالف في شيء منه ففعله لم يكن ناقصًا لعهده. واختلف في تعليله، منهم من قال: لأنه لا ضرر على مسلم فيه، ومنهم من قال: لأنه إظهار ما يتدينون به. فكل موضع قلنا لا ينتقض عهده كان على الذمة، ولكن تستوفى منه الحقوق التي وجبت عليه بما ارتكبه من الأجرام، فإن كان فعل ما يوجب القتل قتل، أو كان مما يوجب القطع قطع، وإن كان مما يوجب الجلد أو التعزير فعل.
وكل موضع قلنا انتقض عهده فإنه تستوفى منه الحقوق لأنه التزمها. فإذا استوفيت منه الحقوق فقد اختلف قول الشافعي، فقال في الجزية: "يرد إلى مأمنه"، وقال في النكاح: "يكون الإمام مخيرًا بين أن يسترقه وأن يقتله لأنه حربي لا أمان له"، ومن قال بالأول قال: لأنه حصل في دار الإسلام بأمان فلا يجوز قتله ولا استرقاقه قبل رده إلى مأمنه، كما إذا حصل بأمان صبي، وإذا قلنا لا يجب رده إلى مأمنه فوجهه ما روي عن أبي عبيدة أنه ضرب رقبة النصراني، ولأنه نقض العهد بفعله. هذا كله في أهل الذمة". انتهى كلام القاضي أبي الطيب، وقد استوفيته لأني أريد أتكلم عليه. ومحل المقصود منه: كلامه مع أبي بكر الفارسي، ورده عليه إما أن يكون ردًا لما ادعاه من القتل، أو لكونه حدًا، أو لدعواه الإجماع، أو ليس لشيء من ذلك ولكن لدعواه انتقاض العهد به، ويكون فهم عنه من قوله: "يقتل" أن مراده انتفاض عهده، فإن كان الرابع فليس مما نحن فيه في شيء، والخلاف في انتفاض العهد بذلك ثابت، والترجيح فيه سيأتي، وكون قضية ابن خطل والقينتين دالة لذلك أو لا: لا يضرنا، ويرشد إلى أن مراد القاضي أبي الطيب ذلك أنه إنما ذكر هذا في معرض انتقاض العهد. ولا يرد على هذا أنه يتحد هو وقول أبي إسحاق، لأنا نقول: قول أبي إسحاق في ذكر الله وكتابه ودينه ورسوله، وهذا في الرسول فقط وامتاز بدعوى الإجماع.
لعهد. ولا يرد على هذا أنه يتحد هو وقول أبي إسحاق، لأنا نقول: قول أبي إسحاق في ذكر الله وكتابه ودينه ورسوله، وهذا في الرسول فقط وامتاز بدعوى الإجماع.
فقد يكون الفرق بينهما هذا، فإن صح إرادة هذا لم يبق شيء يوهم جريان خلاف في القتل. وإن لم يكن هذا الاحتمال الرابع مرادًا: فإن كان الثاني أو الثالث فلا يلزم منه إثبات خلاف في المذهب في القتل، لجواز أن يقول: يقتل كفرًا بحكم نقض العهد، أو: يقتل حدًا، لكن لا إجماع فيه لخلاف أبي حنيفة، وإن كان الأول فالكلام مع القاضي أبي الطيب في رده ودليله، أما دليله فلا ينتج المقصود، لأنا نقول بموجبه، لأن/ الله تعالى شرط في إعطاء الجزية الصغار، وأي صغار مع سب الرسول؟!، والصغار إما أن يفسر بجريان أحكام الشرع عليهم وانقيادهم لها، ولا شك أن الساب ليس كذلك، وإما أن يفسر بالذلة، وحال الساب حال المستعلى لا حال الذليل. وأما الرد فإذا لم ينتج دليله فلا عبرة به، ولم يصرح القاضي أبو الطيب بأنه لا يقتل حتى يثبت ذلك وجهًا في المذهب. ثم إن أبا بكر الفارسي نقل الإجماع، ونقل الإجماع إنما يرد بنقل خلاف لا بدليل متنازع في صحته، وكفى بالإجماع دليلا، والإجماع المنقول بالآحاد حجة. وكون أبي حنيفة خالف قد اعتذر عنه عن الفارسي بأحد أمور:
-
إما أن يكون مراده إجماع الصحابة والتابعين،
-
وإما أن يكون مراده من المسلمين، لكن على هذا يخرج عن مسألتنا،
-
وإما أن يكون مراده أنه مسوغ للقتل في الجملة، وأبو حنيفة وإن قال: لا ينتقض عهد الذمي ولا يقتل به فقد قيل إن مذهبه التعزيز بالقتل فيما فحش من الجرائم.
-
وسلمنا أن أبا حنيفة خارج مما ادعاه الفارسي فلا أقل من دلالة كلامه على إجماع الشافعية، وهو من العارفين بمذهب الشافعي، فكيف تسوغ منازعته بغير نقل ولا دليل سالم عن النزاع؟! وقد تبع القاضي أبا الطيب على ما قال جماعة، منهم صاحبه ابن الصباغ، فقال كقوله، قال: "أكثر أصحابنا أنه يجري مجرى السبعة، وقال أبو إسحاق: يجب شرط ذلك: وإذا ترك فسد عقد الذمة. وحكي عن أبي بكر الفارسي أنه
به ابن الصباغ، فقال كقوله، قال: "أكثر أصحابنا أنه يجري مجرى السبعة، وقال أبو إسحاق: يجب شرط ذلك: وإذا ترك فسد عقد الذمة. وحكي عن أبي بكر الفارسي أنه
قال: من شتم منهم رسول الله ﷺ قتل حدًا، لأن النبي ﷺ لم يؤمن ابن خطل والقينتين، وهذا ليس بصحيح، لأن أولئك كانوا من المشركين لا أمان لهم". وهذا الذي قاله ابن الصباغ ليس بصحيح لثلاثة أوجه: أحدها: أن النبي ﷺ ذلك اليوم أمن الناس كلهم كما رواه الدارقطني وغيره إلا أولئك النفر الذين أهدر دماءهم، فقوله: "إن المشركين لا أمان لهم" ليس بصحيح. الثاني والثالث: أن ابن خطل كان أسلم ثم ارتد، والقينتين لا تقتلان/ بالكفر الأصلي، لأن النساء لا يقتلن إذا لم يقاتلن بالإجماع، فلم يكن قتل القينتين إلا للسب، أو لانضمام السب إلى الكفر الأصلي، وقتل ابن خطل: للسب والردة. ومنهم: صاحبه الشيخ أبو إسحاق، قال في "المهذب": "قال أبو إسحاق: حكمه حكم الامتناع من التزام الجزية وأحكام المسلمين والاجتماع على قتالهم، وقال عامة أصحابنا: حكمه حكم ما فيه
ضرر بالمسلمين، وهي السبعة، ومن أصحابنا من قال: من سب رسول الله ﷺ وجب قتله، لما روي أن رجلاً قال لعبد الله بن عمر: سمعت راهبًا يشتم رسول الله ﷺ، فقال: لو سمعته لقتلته، إنا لم نعطه الأمان على هذا". وهكذا البغوي في "التهذيب"، فيه مثل ما في "المهذب" حرفًا بحرف، وزاد: يقتل حدًا.
واستدلالهما بقول ابن عمر يقتضي أنه يقول: يقتل كفرًا لنقض العهد لقول ابن عمر: "إنا لم نعطه الأمان على هذا". والنقل عن الصاحب المذكور أنه يقتل حدًا و"بعض أصحابنا" المبهم في "المهذب" و"التهذيب" هو أبو بكر الفارسي كما يدل عليه ما في "تعليقة أبي الطيب" و"الشامل". وبما يتقدم تنبيه على التوقف في إثبات الخلاف في ذلك، بل نجزم أن القاطعين بالقتل لا يعارض كلامهم شيء. وقال صاحب "البيان". "قال أبو بكر الفارسي: من أصحابنا من قال: من سب الرسول ﷺ وجب قتله حدًا لأنه انتقضت ذمته. ولم يذكر الشيخ أبو حامد في "التعليق" غيره، لأن النبي ﷺ لم يؤمن ابن خطل ومقيسًا لأنهما كانا يسبانه". وذكر أثر ابن عمر. قال: "والأول أصح، لأن ابن خطل ومقيسًا كانا مشركين لا أمان لهما قبل هذا". قلت: ابن خطل ومقيس كانا مسلمين قبل ذلك وارتدا، وكل المشركين كان له أمان إلا من أهدر دمه، فإن كان القتل للشرك فقد فغيرهما من المشركين لم يقتل، وإن كان لسب مع الشرك الذي لم يتقدم له أمان فيقتضي أن الحربي الساب يقتل، فالذمي أولى، لأنه ملتزم أحكام الإسلام.
لشرك فقد فغيرهما من المشركين لم يقتل، وإن كان لسب مع الشرك الذي لم يتقدم له أمان فيقتضي أن الحربي الساب يقتل، فالذمي أولى، لأنه ملتزم أحكام الإسلام.
وقول صاحب "البيان"/: إن الفارسي قال: "من أصحابنا من قال .. " يقتضي أن الفارسي ناقل لا قائل، وهو خلاف المشهور. وتعليله بأنه انتقضت ذمته يخالف قوله: "حدا .. " بعض مخالفة. وقوله: ولم يذكر الشيخ أبو حامد في "التعليق" غيره ليس بصحيح، فقد ذكرنا أنه ذكر أنه يقتل سواء أقلنا ينتقض عهده أم لا، وإنما مراد صاحب "البيان" وجوب قتله، وهو صحيح. وفهم صاحب "البيان" أنه على الأول لا يقتل وأنه الأصح، وهو معذور في هذا الفهم، لأن كلام "المهذب" يوهمه، ولكن ذلك لا يمكن نقله عن أحدٍ من الأصحاب، ولا له دليل صحيح. وأفحش من هذا وأقبح تصريح يعقوب بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عصرون في "مسائل جمعها على المهذب" بهذا الفهم، فقال: "قوله: وإن ذكر الله تعالى أو كتابه أو رسوله أو دينه ولم يشترط في العقد الكف عنه لم ينتقض العهد، ويستوفى موجبه، وهو التعزيز، وقول ابن عمر محمول على أنه كان مشروطًا"!
لله تعالى أو كتابه أو رسوله أو دينه ولم يشترط في العقد الكف عنه لم ينتقض العهد، ويستوفى موجبه، وهو التعزيز، وقول ابن عمر محمول على أنه كان مشروطًا"!
وهذا التصريح من أقبح ما يقع للمصنفين، ويجب على المصنف أن يحافظ على أنه لا يصرح بمقتضى لفظ محتمل إلا إذا تتبع أصوله وعرف صحته، وإلا فيأتي به على وجهه، ومتى لم يفعل ذلك كان غير مؤد للأمانة، ولا قائم بالإرشاد للخلق، وكل هذه الفهوم أصلها بحث القاضي أبي الطيب مع الفارسي، وقد بينا أنه ليس بنقل صريح، ولا دليل صحيح، ويعقوب بن أبي عصرون هذا ليس بعمدة، وإذا كان خفي على من هو أكبر منه فهو بطريق الأولى. وقال الرافعي ﵀ بعد أن حكى الخلاف في انتقاض العهد، قال: "وفي "الشامل" وغيره أن أبا بكر الفارسي قال: من شتم منهم النبي ﷺ قتل حدًا، لأن النبي ﷺ قتل ابن خطل والقينتين ولم يؤمنهم. وزيفوه وقالوا: إنهم كانوا مشركين لا أمان لهم". قلت: وقد سبق تزييف هذا التزييف، وقد أدى الرافعي ﵀ الأمانة في النقل على صورته، ولم يذكره هو وغيره إلا في ضمن الكلام على انتقاض العهد، وكأنهم يريدون أن هؤلاء مشركون لم يكن لهم عهد، وهذا صحيح/ في بعضهم، مثل القينتين ومثل الحويرث بن نقيد، ولكنا نقول: إذا جاز قتل الحربي والمرأة اللذين لا أمان لهم بالسب فلأن يقتل الذمي أولى.
م عهد، وهذا صحيح/ في بعضهم، مثل القينتين ومثل الحويرث بن نقيد، ولكنا نقول: إذا جاز قتل الحربي والمرأة اللذين لا أمان لهم بالسب فلأن يقتل الذمي أولى.
وقال الروياني في "البحر": "ذكر أبو بكر الفارسي أن الأمة أجمعت على أن من شتم رسول الله ﷺ فحدة القتل، بخلاف ما لو قذف غيره يحد ثمانين. قال أصحابنا: معناه أن بقذفه يكفر فيقتل بالردة، وقتل المرتد حد يسقط بإسلامه، وإذا أسلم هاهنا بقي حد القذف عليه ثمانون، وقيل: أراد به أنه يقتل حدا، لأن النبي ﷺ أمر بقتل ابن خطل، وهذا الاستدلال لا يصح، لأن ذاك كان مشركًا لا أمان له، فلهذا قتل، بخلاف هذا". قلت: مراد الفارسي أنه أمن غيره من المشركين وقتله، فصار وصف الشرك في هذا الموضع لا أثر له، وعلة عدم التأمين إنما هو السب، وهي موجودة في الذمي، وإذا سلم على مقتضى كلامه أنها علة في المشرك الذي لا أمان له ففي الملتزم الأحكام أولى. وقد استوفيت ما وجدته من كلام العراقيين، والروياني ينحو نحوهم، فذكرته معهم، وكذلك البغوي لكونه تبع أبا الطيب في هذا. وأما المراوزة:
فقال القاضي حسين: "إن ذكر كتاب الله تعالى بسوء كأن قال: ليس من عند الله، أو: ليس بمعجز، إن لم يكن شرط لم يصر ناقضًا، وإن شرط صار ناقصًا. وإن ذكر النبي ﷺ بسوء إن كان لا يعتقد ذلك فيه كأن نسبه إلى زنا أو طعن في نسبه صار به ناقصًا، شرط أو لم يشرط، وإن كان يعتقده كأن نسبه إلى الكذب وقتل اليهود بغير حق فكالقسم الثاني". ثم قال: "فإذا قلنا ينتقض العهد في هذه المواضع، فلو ارتكب ما يوجب الحد نقيم عليهم الحد، ثم إما أن نقتلهم أو نسترقهم أو نلحقهم بالمأمن، وإذا قلنا: لا ينتقض فنقيم الحد". وقال صاحبه البغوي في "التهذيب" بعد أن ذكر الخلاف في الانتقاض، قال: "وعلى القولين يقام عليهم موجباتها، فما كان موجبًا للحد يقام حده، وما يوجب التعزيز يعزر به، لأنه ارتكبه حين كان يجري عليه حكم الإسلام". وقال الفوراني في "العمد":
"ما يكون خلافه نقضًا شرط أو لم يشرط، وهو: جريان حكم الإسلام، والكف عن قتالنا، وبذل الجزية، وذكر نبينا ﷺ بسوء لا يعتقدونه، مثل إن نسبوه إلى زنا أو طعنوا في نسبه. وقال الفارسي: من سب نبينا ﷺ نقتله حدًا، يعني: نقتله/ بالردة، لا أنه لا تقبل توبته كما لو سب الله تعالى". وذكر الإمام الغزالي في أكثر كتبه الخلاف في انتقاض العهد بذلك، وزاد في "الخلاصة" فقال: "يشترط عليهم أن يكونوا صاغرين لا يذكرون ديننا ونبينا وكتاب الله، ولا يتجسسوا للمشركين، ولا يؤوا جاسوسهم، وما أشبه ذلك، ثم لا يختلف القول أنهم إن امتنعوا عن الجزية فقد نقضوا عهدهم، وكذلك إن ذكروا رسول الله ﷺ أو كتاب الله ﷿ بسوء، والمذهب أنه لا تقبل في ذلك توبتهم وأن يقتلوا على مكانهم، إلا في الامتناع من الجزية فإن توبتهم مقبولة، والامتناع من جريان الأحكام عليهم مثل الامتناع من الجزية، وإنما القتل عاجلا ـ على الصحيح ـ بذكر الله أو رسوله أو كتابه بسوء". هذا كلام الغزالي في "الخلاصة"، وحسبك به بيانًا وتصريحه بأن المذهب أنه لا تقبل توبتهم ويقتلوا على مكانهم، والظاهر أن مراده بعدم قبول توبتهم أي ما داموا كفارًا، ولا يريد به الإسلام فإنه مقبول منهم كما سنذكره.
ن المذهب أنه لا تقبل توبتهم ويقتلوا على مكانهم، والظاهر أن مراده بعدم قبول توبتهم أي ما داموا كفارًا، ولا يريد به الإسلام فإنه مقبول منهم كما سنذكره. وقوله: "المذهب .. " يشير إلى خلاف أنه تقبل توبتهم في ذلك، ولم أر من صرح به إلا أن يكون ما قاله القاضي أبو الطيب، مع أن الظاهر أن
هذا غيره، فإن مقتضى هذا أنه تنتقض ذمته قولا واحدًا، فإن تابوا مع بقائهم على الكفر يقرون بالجزية على وجه ولا يقتلون ولا يلحقون بمأمنهم كما بذلوا الجزية، وأن المذهب بخلاف ذلك، وأنهم يقتلون، فلم يحك الغزالي خلافًا في كون السب موجبًا لنقض الذمة والقتل في الجملة، بخلاف ما يشير إليه كلام القاضي أبي الطيب، فهو غيره بلا شك. ولعل مراد الغزالي أنه يقتل على المذهب حدًا كما قال الفارسي. وعلى الوجه الذي أشار إليه يتخير الإمام بين قتله واسترقاقه أو يرده إلى مأمنه لأنه انتقض عهده، وثبوت هذا الوجه أيضًا بعيد. واعلم أن هذه الوجوه التي يشار إليها بقول الأصحاب: "المذهب .. " ونحوه ينبغي أن يتوقف في ثبوتها، لأنه يحتمل أن يكون مراده أن هذا هو مذهب الشافعي وإن لم يستحضر خلافه، فالمحقق من نقل/ الغزالي أن المذهب أن الساب الذمي يقتل ما لم يسلم، وأما إثبات خلاف فيه فلم يتحقق. وقال أبو الحسن علي بن محمد الطبري المعروف بإلكيا في كتابه المسمى "شفاء العليل في أحكام التنزيل" في قوله تعالى: "وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم ...) الآية [التوبة: ١٢]:
لمعروف بإلكيا في كتابه المسمى "شفاء العليل في أحكام التنزيل" في قوله تعالى: "وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم ...) الآية [التوبة: ١٢]:
" .. إن مذهب الشافعي أن المعاهد إذا طعن في الدين وجاهر بسب رسول الله ﷺ فإنه يحل قتله وقتاله، وإن أبا حنيفة قال: إن مجرد الطعن في الدين لا ينقض العهد". قال: "ولا شك أن دلالة الآية قوية في تحقيق ما قاله الشافعي". هذا كلام إلكيا ﵀. فقد ثبت التصريح بقتل الساب الذمي من كلام الشافعي، وابن المنذر، والخطابي، والشيخ أبي حامد، والمحاملي، وسليم الرازي، ونصر المقدسي، وإلكيا، والغزالي ونسبته إياه إلى المذهب، وأبي بكر الفارسي وحكايته الإجماع فيه، وأبي بكر القفال على ما نقل الإمام أنه وافقه، وإن كان الإمام ذكره في المسلم، وإن كان الغزالي خالف إمامه في النقل، فنقل عن القفال موافقة الصيدلاني وعن القاضي حسين موافقة الفارسي، واعتماد نقل الإمام أولى. ولم نجد أحدًا قط من أصحاب الشافعي يتحقق منه أنه يقول: لا يجب عليه القتل، إلا ما ذكرناه من ألفاظ لا صريحة ولا ظاهرة. ثم لو ثبت ذلك عن أحد من الأصحاب كان نص إمامه الذي حكيناه رادًا عليه، والأدلة التي سنذكرها أيضًا، وكل من توهم خلافًا في هذه المسألة إنما حمله عليه كلام الرافعي، والرافعي تبع أتباع القاضي أبي الطيب، وقد تكملنا على كلامه وبينا الاحتمالات التي فيه. ثم لو صرح القاضي أبو الطيب: أهو أحق أن يتبع أم الشافعي والدليل؟! وأما الإشارة التي ذكرناها عن "الخلاصة" فقد أجبنا عنها بحمد الله تعالى.
الفصل الثاني: في نقل كلام العلماء في انتقاض عهده قد تقدمت قطعة صالحة منه في الفصل الأول لاختلاطها بالكلام في القتل، وتقدم من نقل الخطابي عن الشافعي أنه تبرأ منه الذمة. وقال المارودي: "سب رسول الله ﷺ تنتقض به الهدنة كالذمة خلافًا لأبي حنيفة فيهما". ونقله الرافعي عن الماوردي. وقال الروياني في "البحر" في باب نقض العهد: "قيل: عقد الهدنة موجب لثلاثة أمور: ١ - الموادعة في الظاهر، ٢ - وترك الخيانة في الباطن،
٣ - والمجاملة في الأقوال والأفعال، فإن عدلوا عن الموادعة انتقضت هدنتهم ولا تفتقر إلى حكم الحاكم بنقضها، وأما ترك الخيانة فأن لا يستسروا بفعل ما ينقض الهدنة لو أظهروه، فإذا ظهر ذلك حكم الإمام بنقض هدنتهم ولم تنتقض بمجرد خيانتهم، ويجوز أن يبدأ بقتالهم مجاهرة، ولا يشن عليهم الغارة ولا البيات في الابتداء، ويفعل ذلك في الانتهاء، فصار هذا مخالفًا لما قبله. وأما المجاملة بالأقوال والأفعال فهي في حقوق المسلمين أعظم منها في حقوقهم، فإن عدلوا عنها سألهم الإمام، فإن ذكروا عذراً قبل وكانوا على هدنتهم، وإلا أمرهم بالرجوع، فإن لم يرجعوا نقضها بعد إعلامهم بنقضها، فصارت مخالفة للقسمين. فأما سب الرسول فمما ينتقض به عقد الهدنة وعقد الذمة، وكذلك سب القرآن، فإن كان جهرًا فهو من القسم الأول، وإن كان سرًا فهو من القسم الثاني، وهكذا". قاله الماوردي أيضًا. وقال الماوردي أيضًا في باب نقض العهد: "فأما سب رسول الله ﷺ فهو مما ينتقض به عقد الهدنة وعقد الذمة، وكذلك سب القرآن، فإن كان جهرًا فهو من القسم الأول، وإن كان سرًا
أيضًا في باب نقض العهد: "فأما سب رسول الله ﷺ فهو مما ينتقض به عقد الهدنة وعقد الذمة، وكذلك سب القرآن، فإن كان جهرًا فهو من القسم الأول، وإن كان سرًا
فهو من القسم الثاني، وقال أبو حنيفة: لا ينتقض بها عقد الهدنة ولا عقد الذمة، لأن اليهود قالوا: "السام عليك .. "، فلم يجعل نقضًا للعهد، ولأن قولهم: "ثالث ثلاثة" أعظم. ودليلنا قول ابن عمر لما قيل له عن راهب سب: "لو سمعته أنا قتلته، إنا لم نعطه الأمان على هذا"، وليس يعرف له من الصحابة مخالف، فكان إجماعًا. وأما الخبر فعنه جوابان: أحدهما: أنهم قالوه ذمًا لا شتمًا، والثاني: أنه كان في ضعف الإسلام. والجواب عن قولهم: "ثالث ثلاثة"، من وجهين: أحدهما: أنهم قالوه اعتقادًا للتعظيم، والشتم اعتقاد للتحقير، والثاني: أقررناهم عليه، ولم نقرهم على شتم الرسول". وذكر الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب ومن بعدهما الخلاف في انتقاض الذمة بذلك، ولا بد من مقدمة، وهي: أن الأشياء المشترطة عليهم في عقد الذمة منها: ما لا تنتقض الذمة بمخالفتها قطعًا، بل يعزرون عليه، ويُلزمون بعدم المخالفة، كإظهار الخمر
من مقدمة، وهي: أن الأشياء المشترطة عليهم في عقد الذمة منها: ما لا تنتقض الذمة بمخالفتها قطعًا، بل يعزرون عليه، ويُلزمون بعدم المخالفة، كإظهار الخمر
والخنزير، وإسماع المسلمين شركهم واعتقادهم والناقوس وأعيادهم وقراءتهم التوراةَ والإنجيل، وإحداثِهم الكنائس في بلادنا، وإطالتهم البناء وتركهم المخالفة في الغيار: فلا ينتقض عهدهم/ بهذا شرط أم لم يشرط، وفي النفس منه شيء، لأن مُقتَضى الشرط في سائر العقود أن يثبت الخيار بمخالفته كشرط الرهن في البيع ونحوِه، ولعل المدرك هاهنا وجوب قبول الجزية إذا بذلوها مع هذه الأمور وإن منعوا منها وعزروا عليها، ولو قلنا تنتقض بها لأدى إلى أنا لا نقبل الجزية، وذلك مخالف لقوله تعالى: (حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون) [التوبة: ٢٩]، ويكون تعاطي هذه الأمور لا ينافي الصغار، وأما المنع عليها والتعزيز عليها فللمبالغة في إهانتهم وإذلالهم. ومنها: ما تنتقض به قطعًا، هو الامتناع من التزام الجزية وإجراء الأحكام، والمقاتلة. ومنها: فيه خلاف، وهو قسمان: أحدهما: الزنا بمسلمة أو إصابتها باسم نكاح، أو تطلع على عورة المسلمين ونقلها إلى دار الحرب، أو فتنة مسلم أو مسلمة عن دينه، أو يقطع الطريق على مسلم أو مسلمة، أو يؤوي عينًا للمشركين، أو يعين على المسلمين بدلالة، أو يقتل مسلمًا أو مسلمة، ففي هذه الخصال طرق، أصحها ـ وهي التي قالها الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب
والأكثرون ـ أنه إن لم يجر لها ذكر في العقد لم ينتقض، وإن جرى فوجهان، ويقال قولان: أحدهما: ينتقض لمخالفة المشروط ولما فيه من الضرر الظاهر على المسلمين، ولقصة أبي عبيدة ابن الجراح، ولم ينكر عليه، وبالقياس على منع الجزية. وهذا قال ابن الصباغ إنه الذي نص عليه، وقال القاضي الحسين: إنه المذهب. وممن رجحه الفوراني، وصاحب "الكافي"، وابن أبي عصرون، وقال الرافعي في "المحرر": إنه الأقرب، وصححه النووي في "المنهاج" و"تصحيح التنبيه"، وهو اختيار القفال.
رجحه الفوراني، وصاحب "الكافي"، وابن أبي عصرون، وقال الرافعي في "المحرر": إنه الأقرب، وصححه النووي في "المنهاج" و"تصحيح التنبيه"، وهو اختيار القفال.
والثاني: لا ينتقض، لأن ما لم ينتقض العهد إذا لم يشرط لم ينتقض مع الشرط، كإظهار الخمر، ولأن هذه الأمور بالإضافة إلى عقد الذمة كالكبائر بالإضافة إلى الإسلام. قال الرافعي: وينسب هذا إلى اختيار القاضي أبي الطيب، ورجحه صاحب/ "التهذيب" وجماعة. واغتر النووي في "الروضة" بهذا، فقال: إنه الأصح، وليس كما قال. والطريق الثاني عن الشيخ أبي محمد: إن جرى الشرط انتقض، وإلا فوجهان. والطريق الثالث: حكى القاضي ابن كج عن بعضهم القطع بأنه لا ينتقض العهد بهذه الأسباب.
ويخرج من الطرق ثلاثة أوجه، ذكرها صاحب "الإفصاح" وصاحب "التقريب" والغزالي، ثالثها: الفرق بين أن يجري شرط في الابتداء فينتقض بمخالفته وبين أن لا يجري فلا ينتقض، وهو الأصح، والقول بعدم الانتقاض مطلقًا اقتضى كلام "الروضة" تصحيحه، وليس بجيد. وذكر القاضي أبو الطيب إيواء عيون الكفار من جملة هذه الخصال، وقال الرافعي: إنه ملحق بالخصال الثلاث، وذكر في قطع الطريق طريقين أظهرهما أنه كالزنا. القسم الثاني: ذكر الله وكتابه ودينه ورسوله بسوء، فيه طريقان: أحدهما: ينتقض العهد به بلا خلاف كالقتال، وأظهرهما عند الرافعي أنه كالزنا بالمسلمة ونحوه، فيجيء فيه الخلاف، هكذا قال الرافعي.
وقال الشيخ أبو إسحاق في "النكت": "إذا ذكر الذمي كتاب الله بما لا ينبغي أو شتم رسول الله ﷺ انتقضت ذمته، ومن أصحابنا من قال: إن شرط أن لا يذكر ولا يسب انتقض وإلا فلا، وقال أبو حنيفة: لا ينتقض". فخرج من هذا أن في السب أيضًا ثلاثة أوجه: أحدها: ينتقض العهد به مطلقًا، وهو قول أبي إسحاق المروزي والشيخ أبي إسحاق الشيرازي في "النكت". والثاني: لا ينتقض به مطلقًا، وكلا الوجهين موجود في كلام الشيخ أبي حامد والقاضي أبي الطيب والرافعي وغيرهم. والثالث: أنه إن شرط انتقض وإلا فلا. وقد نظرت كلام الشافعي ﵀ في "الأم" فوجدته على ما أحكيه لك، فقال في باب تحديد الإمام مما يأخذ من أهل الذمة في الأمصار: "ينبغي للإمام أن يحدد بينه وبين أهل الذمة جميع ما يعطيهم ويأخذ منهم، ويرى أنه ينوبه وينوب الناس منهم، ويسمى الجزية، وأن يؤديها على ما وصفت، ويسمى شهرًا تؤخذ منهم فيه، وعلى أن يجري عليهم إذا طلبهم طالب حكم الإسلام أو أظهروا ظلمًا لأحد، وعلى أن لا يذكروا رسول الله ﷺ إلا بما هو أهله، ولا يطعنوا في دين الإسلام ولا يعيبوا من حكمه شيئا، فإن فعلوه فلا ذمة لهم، ويأخذ عليهم أن لا يسمعوا
د، وعلى أن لا يذكروا رسول الله ﷺ إلا بما هو أهله، ولا يطعنوا في دين الإسلام ولا يعيبوا من حكمه شيئا، فإن فعلوه فلا ذمة لهم، ويأخذ عليهم أن لا يسمعوا
المسلمين شركهم وقولهم في عزير وعيسى، فإن وجدهم فعلوا بعد التقدم إليهم عاقبهم على ذلك عقوبة لا تبلغ حدًا". ثم ذكر الشافعي الشروط كلها ولم يذكر في شيء منها أنهم إذا فعلوه كان نقضًا للعهد، وذكر قطع الطريق وغيره ولم يذكر الزنا بالمسلمة في هذا الباب، فانظر كيف لم ينص على الانتقاض إلا في ذكر الرسول والطعن في الدين، وهو يدل لأبي إسحاق في أنه لا بد من شرطه، وفي أن بالمخالفة ينقض العهد. وقال في باب ما أحدث أهل الذمة الموادعون مما لا يكون نقضًا: "إذا أخذت الجزية من قوم فقطع قوم منهم الطريق أو قاتلوا رجلاً مسلمًا فضربوه، أو ظلموا مسلمًا أو معاهدًا، أو زنا منهم زانٍ أو أظهر فسادًا في مسلم أو معاهد: حد فيما فيه الحد، وعوقب عقوبة منكلة فيما فيه عقوبة، ولم يقتل إلا بأن يجب عليه القتل، ولم يكن هذا نقضًا للعهد يحل دمه، ولا يكون النقض للعهد إلا بمنع الجزية أو الحكم بعد الإقرار والامتناع بذلك". وهذا الكلام من الشافعي يحتمل أن يكون محله إذا لم يشرط، ويدل له أنه في هذا الباب لم يذكر شرطًا وإنما ذكر الموادعة وإعطاء الجزية، فيصح الكلام حينئذ، وليس فيه تعرض لما إذا ذكروا الله ورسوله بسوء، فمن أين يؤخذ أنه لا ينتقض عهدهم بذلك لا عند الشرط ولا عند عدمه؟!
دعة وإعطاء الجزية، فيصح الكلام حينئذ، وليس فيه تعرض لما إذا ذكروا الله ورسوله بسوء، فمن أين يؤخذ أنه لا ينتقض عهدهم بذلك لا عند الشرط ولا عند عدمه؟!
وقال في باب إذا أراد الإمام أن يكتب كتاب صلح على الجزية كتب، فذكر الشافعي شروطًا ثم/ قال: "وعلى أن أحدًا منكم إن ذكر محمد ﷺ أو كتاب الله ﷿ أو دينه بما لا ينبغي أن يذكر به فقد برئت منه ذمة الله، ثم ذمة أمير المؤمنين وجميع المسلمين، ونقض ما أعطى [عليه] الأمان، وحل لأمير المؤمنين ماله ودمه كما تحل أموال أهل الحرب ودماؤهم، وعلى أن أحدًا من رجالهم إن أصاب مسلمة بزنا أو اسم نكاح أو قطع الطريق على مسلم أو فتن مسلمًا عن دينه أو أعان المحاربين على المسلمين بقتال أو دلالة على عورة المسلمين أو إيواء لعيونهم فقد نقض عهده وأحل دمه وماله". ثم ذكر باقي الشروط ولم يذكر في شيء منها نقض العهد إلا فيما تقدم، ثم قال في آخر هذا الكتاب: "وأيهم قال أو فعل شيئًا مما وصفته نقضًا للعهد وأسلم لم يقتل إذا كان قولاً، وكذلك إذا كان فعلاً لم يقتل، إلا أن يكون في دين المسلمين أن من فعله قتل حدًا أو قصاصًا، فيقتل بحد أو قصاص لا نقض عهد، وإن فعل ما وصفنا وشرط أنه نقض لعهد الذمة فلم يسلم ولكنه قال: "أتوب وأعطي الجزية كما كنت أعطيها أو على صلح أجدده" عوقب ولم يقتل إلا أن يكون فعل فعلاً يوجب القصاص أو القود، فأما ما دون هذا من الفعل أو القول: فكل قول فيعاقب عليه ولا يقتل".
قال الشافعي: "فإن فعل أو قال ما وصفنا وشرط أنه يحل دمه فظفرنا به فامتنع من أن يقول: "أسلم أو أعطي جزية" قتل وأخذ ماله فيئا". انتهى. وهذا الكلام أيضًا صريح في انتقاض العهد بذلك عند الشرط، وكذلك في الزنا بالمسلمة ونحوه، وأنه بعد انتقاض العهد إن أسلم سقط ما ليس بقصاص، ويعاقب على غيره إن أذعن لإعطاء الجزية، وإلا فيقتل ويؤخذ ماله فيئًا، وإطلاقه في القول: "إنه يعاقب عليه ولا يقتل": عام قابل للتخصيص، فينبغي أن يخص منه سب النبي ﷺ للنقل الصريح عنه أنه يقتل، ولعل ما أشار إليه الغزالي في "الخلاصة" راجع إلى ذلك وأنه تقبل توبتهم على وجه ضعيف قبل الإسلام ويعزرون،/ ولست أثق بهذا، والتمسك بنقل الخطابي الصريح وابن المنذر أولى من التعلق بهذا الإطلاق. والتصريح بأن حد السب القتل قاض على ذلك، ومقتض لأن يلحق بالقصاص الذي نص الشافعي عليه، يخرج عنه فيما بعد الإسلام لما سيأتي، فيبقى قتله على مقتضاه. هذا بالنسبة إلى القتل، أما انتقاض العهد بذلك فنصوص الشافعي متفقة عليه إذا كان مشروطًا كما نقلناه من باب "تحديد الإمام ما يأخذ من أهل الذمة"، ومن باب "إذا أن يكتب كتاب صلح"، وساكتة عنه إذا لم يشرط كما اقتضاه نصه في باب "ما أحدث أهل الذمة الموادعون"، وكذلك قول المزني في "المختصر"، فإنه قال: "ويشرط عليهم أن من ذكر كتاب الله أو محمدًا رسول الله ﷺ أو دين الله بما لا ينبغي أو زنا بمسلمة أو أصابها باسم نكاح أو فتن مسلمًا عن
مختصر"، فإنه قال: "ويشرط عليهم أن من ذكر كتاب الله أو محمدًا رسول الله ﷺ أو دين الله بما لا ينبغي أو زنا بمسلمة أو أصابها باسم نكاح أو فتن مسلمًا عن
دينه أو قطع عليه الطرق أو أعان أهل الحرب بدلالة على المسلمين أو آوى عينًا لهم: فقد نقض عهده، وأحل دمه، وبرئت منه ذمة الله وذمة محمد ﷺ". ثم ذكر الشروط بعدها، ولم يذكر فيها نقض العهد، ولكن كلام "الأم" أصرح، فإنه ظاهر في الحكم بانتقاض العهد بذلك ومؤيد لقول ابن الصباغ: "إنه المنصوص"، وقول القاضي الحسين في الزنا بالمسلمة ونحوه: "إنه المذهب"، ومبطل لقول البغوي: "إن الأصح أنه لا يكون نقضًا شرط أو لم يشرط". وجعل البغوي ذكر الله أو كتابه أو رسوله أو دينه كالزنا بالمسلمة وأن الأصح عدم الانتقاض به شرط أو لم يشرط: في غاية البعد، ولم أر من صرح بهذا غيره، حتى شيخه القاضي حسين، فقد تقدم عنه خلاف ذلك، ولقد تعجبت من البغوي فإنه رجل كبير وما عادته أن يسقط هذا السقوط! ثم ظهر لي جواب عنه وأنه ليس مخالفًا لكلام الشافعي،
والحق ما قاله الشافعي من غير خلاف، وبيان ذلك بمقدمة/ نبه عليها الرافعي، وهو أن المعتبر هل هو شرط الامتناع عن هذه الأفعال أو شرط انتقاض العهد بها إذا ارتكبها؟ صرح الإمام بأن المعتبر الثاني، وعلى ذلك جرى الغزالي، وكثير من الأصحاب لم يتعرضوا إلا للأول. قال الرافعي في الزنا بمسلمة ونحوه: "ولا يبعد أن يتوسط فيقال: إن شرط الانتقاض فالظاهر الانتقاض كما حُكي عن اختيار القفال، وإلا فالظاهر خلافه كما نسب إلى اختيار القاضي أبي الطيب". وقال ابن الرفعة: "إن كلام غير الإمام طافح بأن المراد بالشرط شرط الانكفاف لا شرط الانتقاض، وذلك ظاهر من كلام الماوردي وغيره، وبه صرح صاحب "المرشد" والبندنيجي وابن ...................................
داود وغيرهم، حتى صاحب "الإبانة"، فإنه حيث حكى الأوجه الثلاثة قال في الوجه الثالث: إن كنا شرطنا عليهم أن لا يفعلوا ذلك كان نقضًا وإلا فلا". قلت: إذا عرفت هذه المقدمة فالبغوي ﵀ إنما صحح عدم الانتفاض شرط أم لم يشرط، لأنه صرح بشرط الامتناع فقال هكذا:
هم أن لا يفعلوا ذلك كان نقضًا وإلا فلا". قلت: إذا عرفت هذه المقدمة فالبغوي ﵀ إنما صحح عدم الانتفاض شرط أم لم يشرط، لأنه صرح بشرط الامتناع فقال هكذا:
"إن لم يكن شرط الإمام عليهم في العقد الامتناع عنها لم ينقض ذلك عهدهم، وإن شرط فعلى قولين: الأصح لا ينتقض". والذي دلت عليه نصوص الشافعي بالانتقاض هو إذا شرط الانتقاض بها، فهما مسألتان، وهذا شاهد للتوسط الذي قاله الرافعي. لكني أقول: إذا شرط الانتقاض بذكر الله أو رسوله أو كتابه أو دينه انتقض بارتكابه قولاً واحدًا لدلالة نصوص الشافعي على ذلك، ولم يوجد في كلام الأصحاب ما يخالفه، والأدلة تقتضيه، وإذا شرط الامتناع ولم يشرط الانتقاض فهذا محل الخلاف وترتيب الأصحاب المراتب الثلاثة، ولهذا أكثر الأصحاب ذكروا شرط الامتناع، ولعل الحامل للإمام على شرط الانتقاض ما رآه في "المختصر"، ولكن الشافعي لم يعله محل خلاف، وبهذا يزول اللوم عن البغوي وإن كان الأصح خلاف ما قاله، لكنه محل خلاف في الجملة. وأما عند شرط/ الانتقاض فلا يعرف فيه خلاف صريح، وقد رأينا الذي شرط الشافعي الامتناع عنه فقط دون الانتقاض به في كلام الشافعي لم يحكم بالنقض به كالغيار ونحوه، فلا يبعد جريان خلاف في الزنا بمسلمة ونحوه أيضًا عند شرط الامتناع وإن أمكن الفرق بزيادة الضرر. هذا في الزنا بمسلمة ونحوه، أما ذكر الله ورسوله ودينه وكتابه ففيه زيادة أخرى، وهو أن الأصحاب اختلفوا في وجوب اشتراط ذلك في العقد، ولم يختلفوا في أنه لا يشترط ذكر الانكفاف عن الزنا ونحوه فكان
أقوى، فلا يلزم من جريان الخلاف في الزنا بمسلمة إذا شرط: جريانه في السب إذا شرط، وإما إذا لم يشرط فالخلاف في الزنا ونحوه يتجه. وأما في السب فإن قلنا يجب شرط الانكفاف عنه فللأصحاب خلاف إذا لم يشرط: هل يفسد العقد أو يتأبد ويكون كما لو شرط لأنه مشروط شرعًا؟ وإن قلنا لا يجب شرط الانكفاف عنه في العقد فلا شك أنه أعظم من الزنا، فلا يلزم من جريان الخلاف في الزنا الخلاف فيه، إلا أن الأصحاب ذكروه، فيحتمل على هذا التقدير، وأما تصحيحه فبعيد، وهذا إذا تحققنا عدم الشرط، ونحن في مسألتنا هذه لا ندري أشرط أم لا. وقد نبه ابن أبي عصرون في "الانتصار" على فائدة عظيمة حيث تكلم في الزنا بالمسلمة ونحوه والفرق بين ما إذا شرط تركه وما لم يشرط، فقال إنه إذا لم يعلم كيف عقد معه وجب تنزيله على أنه مشروط، لأن مطلق العقد يحمل على المتعارف، وهذا العقد في مطلق الشرع كان مشتملاً على هذه الشرائط، ولهذا قال ابن عمر: "ما على هذا أعطيناكم الأمان"، وقال أبو عبيدة: "ما على هذا صالحناكم" حين وجد منهم الزنا بالمسلمة والسب، فإذا كان هذا قولهم في الزنا فما ظنك بالسب؟! ثم إن الأصحاب لما ذكروا الخلاف في الانتقاض بذكر الله ورسوله اختلفوا في محل الخلاف على طريقين:
لمة والسب، فإذا كان هذا قولهم في الزنا فما ظنك بالسب؟! ثم إن الأصحاب لما ذكروا الخلاف في الانتقاض بذكر الله ورسوله اختلفوا في محل الخلاف على طريقين:
إحداهما: أن الخلاف فيما إذا ذكر النبي ﷺ/ بسوء يعتقده ويتدين به، فأما إذا ذكره بما لا يعتقده ولا يتدين به فهو كما إذا نسبه إلى الزنا أو طعن في نسبه، فيلحق ذلك بالقتال وينتقض به العهد شرط عليهم الكف عنه أو لا. قال الرافعي: وهذا قضية ما في تعليقة إبراهيم المروروذي وما حكاه القاضي الروياني عن بعض أئمة خراسان. قلت: ويشهد له أن الشافعي إنما ذكر ذكر النبي والدين والكتاب ولم يتعرض لذكر الله، لأن أحدًا لا يتدين بذكر الله بسوء. والطريقة الثانية ـ قال الرافعي: وهي أظهر عند الصيدلاني وغيره ـ: أن الخلاف فيما إذا طعنوا بما لا يتدينون به، أما ما هو من قضية دينهم فلا ينتقض العهد بإظهاره بلا خلاف، كقولهم في القرآن: إنه ليس من عند الله، وهذا الذي أورده الغزالي. قلت: وهذه الطريق وإن رجحها الصيدلاني وغيره فهي ضعيفة، وكلام الشافعي الذي حكيناه يشير إلى خلافها، وأي ضرورة تدعو إلى
احتمال إظهارهم لذلك وقد شرط عليهم الصغار، وفي إظهار ذلك استعلاء وامتهان للمسلمين. فتلخص أن هذا الشخص الذي سب بصريح اللعن منتقض العهد حلال الدم، وأن الخلاف في انتقاض عهده بعيد، وأما الخلاف في حل دمه سواء انتقض عهده أم لم ينتقض فلا يعرف محققًا في مذهب الشافعي ولا في مذهب أحمد ولا هو في مذهب مالك. ومما نذكره هنا أن شرط الامتناع يصح العقد معه قطعًا، وشرط الانتقاض مقتضى كلام الشافعي الذي ذكرناه صحة العقد معه، وهو الصوابب. وقد ذكر الإمام فيما إذا شرط عليهم في إظهار الخمر ونحوه أنهم إذا فعلوها انتقض عهدهم فقال: إنه يبني على أن عقد الذمة هل يصح مؤقتًا؟ إن صححناه صح العقد وينتقض إذا أظهروا، وإن لم نصححه فسد العقد من أصله، والحكاية عن الأصحاب أنه لا ينتقض، بل يفسد الشرط ويتأبد العقد، ويحمل ماجرى على تخويفهم وإذلالهم، ووجه ذلك بأن الربط بوقت/ معين هو الذي ينافي التأبيد، والفعل قد لا يوجد، فيتم العقد، وإذا لم يكن التوقيت بالفعل منافيًا للتأبيد فيلغى ويؤبد العقد. انتهى كلامه.
أن الربط بوقت/ معين هو الذي ينافي التأبيد، والفعل قد لا يوجد، فيتم العقد، وإذا لم يكن التوقيت بالفعل منافيًا للتأبيد فيلغى ويؤبد العقد. انتهى كلامه.
جئنا إلى هذه الصورة: إذا شرط فيها الانتقاض بالسب فعلى ما قاله الإمام لا ذمة لهم إذا سبوا، لأنا إن صححناه مؤقتًا فقد انقضى، وإلا فهو فاسد، وعلى ما حكى عن الأصحاب من فساد الشرط وتأبد العقد في تلك الصور لا يجري هنا، لأن تلك الصور من إظهار الخمر وغيره لم يشرع شرط الانتقاض بها في العقد، فلذلك يُلغى ويتأبد العقد، وأما هنا فشرط الانتقاض بالسب مشروع فلا يجوز إلغاؤه، والأولى الحكم بصحة العقد مؤقتًا وإن كان الوقت مجهولاً كما اقتضاه كلام الشافعي، ويحتمل أن يجري فيه خلاف بعيد أنه يفسد. وأما القول بتأبيده ولا ينتقض بالسب فهذا يستحيل القول به من فقيه يتأمل ما يقول. وينبغي أن نذكر هنا شروط عمر ﵁، فإنه العمدة في هذا الباب، فإنه الذي أجلى اليهود إلى أراضي الشام وأخذ العهد عليهم وعلى النصارى بمحضر من الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ الذين هم صدر الأمة وسلفها، وليس لأحدٍ من الأئمة بعده أن يصالحهم بدون شيء من الشروط التي شرط عمر ﵁، وجميع أهل الذمة إنما هم جارون على شروط عمر ﵁، لأنا لا نعرف أحدًا بعده من الأئمة عقد لهم عقدًا يخالف عقده، بل كل الأئمة يعتمدون شروطه ويجرون عليها، ولهذا نقول: إنا متى جهلنا الحال في تلك الشروط هل شرطت أو لا: يحمل الأمر على أنها شرطت؛ لأن العرف الشرعي صار قاضيًا في ذلك بالحمل على شروط، وجميع أهل الذمة اليوم لا يعرف أن إمامًا عقد لهم، فهم إما أن نقول: إنهم جارون على عقد آبائهم الذين تناقلوه من عهد عمر إليهم، وإما أن نقول: لا ذمة لهم، ولم يكن لغير عمر من الأئمة شرط يعرف ولا عقد يعتمد.
وشروط عمر ﵁ مروية بالإسناد المتصل الصحيح،/ وذكرها العلماء في كتبهم بأسانيد صحيحة إلى عبد الرحمن بن غنم الصحابي قال: كتبنا لعمر حين صالح نصارى أهل الشام:
﷽
"هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا: إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا، وشرطنا لكم على أنفسنا أن لا نحدث على مدائننا ولا فيما حولها ديراً ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة راهب، ولا نجدد ما خرب منها .. "، وذكر شروطًا إلى أن قال: " .. ولا نظهر شركًا ولا ندعو إليه أحدًا .. "، وقال في آخره: " .. شرطنا ذلك على أنفسنا وأهلينا وقبلنا عليه الأمان، فإن نحن
خالفنا عن شيءٍ شرطناه لكم وضمناه على أنفسنا فلا ذمة لنا، وقد حل لكم منا ما حل من أهل المعاندة والشقاق". وفيه أن هذا الكلام الأخير كان بأمر عمر ﵁. وفي هذا دليل على صحة هذا الشرط، وأن القول بأن العقد لا يصح مؤقتًا بذلك: ضعيف، وفيه دليل على انتقاض العهد بإظهار الشرط، ولا شك أن السب أقبح.
وعن أبي مشجعة ابن ربعي قال: لما قدم عمر بن الخطاب ﵁ الشام قام قسطنطين بطريق الشام، وذكر معاهدة عمر له وشروطه عليهم، قال: أكتب بذلك كتابًا؟ قال عمر: "نعم"، فبينما هو يكتب الكتاب إذ ذكر عمر فقال: إني استثني عليك معرة الجيش مرتين، قال: "لك ثنياك". فلما فرغ من الكتاب قال: يا أمير المؤمنين، قم في الناس فأخبرهم الذي جعلت لي وفرضت علي ليتناهوا عن ظلمي، قال عمر: "نعم". فقال في الناس فحمد الله وأثنى عليه فقال: "الحمد لله أحمده وأستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له"، فقال النبطي: إن الله لا يضل أحدًا، فقال عمر: "ما يقول؟ " قالوا: لا شيء. وعاد النبطي، فقال: "أخبروني ما يقول"، قالوا: يزعم أن الله لا يضل أحدًا، قال عمر: "إنا لم نعطك الذي أعطيناك لتدخل علينا في ديننا، والذي نفسي بيده لئن عدت لأضربن الذي فيه عيناك".
ما يقول"، قالوا: يزعم أن الله لا يضل أحدًا، قال عمر: "إنا لم نعطك الذي أعطيناك لتدخل علينا في ديننا، والذي نفسي بيده لئن عدت لأضربن الذي فيه عيناك".
فهذا/ من عمر بمحضر المهاجرين والأنصار من غير إنكار يدل على أن الاعتراض في الدين موجب للقتل وانتقاض العهد، فالسب أولى بذلك. وروى حرب في "مسائله" عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال: أتي عمر برجل سب النبي ﷺ، فقتله، ثم قال عمر: "من سب الله أو سب أحدًا من الأنبياء فاقتلوه". قال ليث: وحدثني عن ابن عباس قال: "أيما مسلم سب الله أو سب أحدًا من الأنبياء فقد كذب برسول الله ﷺ، وهي ردة، يستتاب، فإن رجع وإلا قتل، وإيما معاهد عاند فسب الله أو سب أحدًا من الأنبياء أو جهر به فقد نقض العهد فاقتلوه". فإن قلت: لم لا قتل عمر ذلك النبطي؟ قلت: لأن الكلام الذي قاله قد يكون قاله على سبيل الجهل ولم يقصد به الطعن في الدين، فكثير من الجهال يقع في ذلك، فأراد عمر أن يبين له ذلك، حتى إن عاد وهو يعلم أنه طعن في الدين انتقض عهده. وقول ابن عمر في راهب قيل له إنه يسب النبي ﷺ: "لو سمعته لقتلته، إنا لم نعطهم الذمة على أن يسبوا نبينا"؛ فهذا وغيره من كلام الصحابة يدل على أن عليهم من الشروط أن لا يذكروا نبينا ﷺ بسوء، فمن خالف ذلك فقد خالف شرط الذمة، فلا ذمة له.
ة على أن يسبوا نبينا"؛ فهذا وغيره من كلام الصحابة يدل على أن عليهم من الشروط أن لا يذكروا نبينا ﷺ بسوء، فمن خالف ذلك فقد خالف شرط الذمة، فلا ذمة له.
ومن الدليل على انتقاض العهد بذلك قوله تعالى: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر) [التوبة: ١٢]، ولا شك أن الساب ناكث لأيمانه طاعن في الدين. وقوله تعالى: (ألا تقتلون قومًا نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول) [التوبة: ١٣]، فجعل الهم بإخراج الرسول محرضًا على القتال المقتضى انتقاض العهد، فالسب بطريق الأولى. وتسميتهم أئمة الكفر لأنهم يقتدى بهم فيه، والطاعن الساب كذلك. وقوله: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين (١٤) ويذهب غيظ قلوبهم) [التوبة: ١٤ - ١٥]، وهذه صفات تقتضي أنه صدر منهم زيادة على الكفر، وهو الطعن والسب،/ ولذلك ضمن النصرة عليهم، وغيرهم من الكفار الحرب بينهم وبينهم سجال كما جاء: "ندال عليهم ويدالون علينا". وقوله: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر ..) إلى قوله: (.. حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون (٢٩)) [التوبة: ٢٩]، والصغار: الذل والضيم، وحال الساب ليس كذلك.
لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر ..) إلى قوله: (.. حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون (٢٩)) [التوبة: ٢٩]، والصغار: الذل والضيم، وحال الساب ليس كذلك.
الفصل الثالث: في بيان أن لا يلزم من القول بانتقاض عهده ولا بعدم انتقاضه عدم قتله قد تقدم من كلام الشيخ أبي حامد أنه يقتل على التقديرين، وكذلك من كلام غيره، وهو صحيح، لأنه حد على السب لخصوصه كحد الزنا وحد القذف والقصاص، فإذا لم ينتقض عهده أقيم عليه كما يقام على المسلم، وإذا انتقض أقيم عليه أيضًا لأنه كان التزمه. فإن قلت: المسلم إذا أقيم عليه إنما أقيم عليه لكفره، وهذا كافر لا يزداد كفرًا آخر، فقتله مع القول بعدم انتقاض عهده بعيد، وقتله مع القول بالانتقاض أيضًا بعيد، لأن الذمي إذا انتقض عهده لنا فيه خلاف: هل يلحق بمأمنه أو يتخير الإمام فيه؟ وتعين قتله مخالف لذلك. قلت: قد بينا في المسلم أنه حد، وأنه لا يلزم من ذلك عدم سقوطه بالإسلام، وأنه اجتمع فيه علتان، إحداهما: عموم الردة، والثانية: خصوص السب، والعلة الثانية موجودة هاهنا، ثم إنه لا يلزم من تبقية الكافر الأصلي الذي لم يوجد فيه إلا الكفر تبقيته إذا انضاف إليه السب.
وقول السائل: إنه لا يزداد كفرًا ممنوع، وقد قال الله تعالى: (ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا) [النساء: ١٣٧]، والسب كفر جديد لم يكن الكافر أقر عليه قبل ذلك، ولا يجوز تقريره عليه، فلا بد من استيفاء حده، وحده إنما هو القتل، للإجماع الذي نقله الفارسي، ولأن النبي ﷺ أعلى قدرًا من سائر الخلق، فلا يليق أن يكون سبه كسب غيره، ألا ترى أنه روي أن قذفة عائشة ﵂ حدوا حدين! وأن ذلك لأزواج النبي ﷺ خاصة دون/ غيرهن من المؤمنات، وإن كانت الرواية في ذلك مختلفة، فإذا كانت أزواجه يعظم الحد لأجلهن فما ظنك به؟! والمعتمد الأدلة التي سنذكرها في فصل الدليل على القتل. وقول السائل: "إن الذمي إذا انتقض عهده لنا فيه خلاف: هل يلحق بمأمنه أو يتخير الإمام فيه" هذا: إذا لم يصدر منه إلا مجرد الكفر الذي أقر عليه، أما إذا صدر منه ما يوجب القتل فإنه يستوفى حدًا. وأيضًا: فهذا كفر آخر غير الذي قررناه عليه وأعطيناه الأمان معه، فلا يلزمنا تأمينه مع هذا الكفر الذي لا يجوز التقرير به ولا إلحاقه بمأمنه ولا اختيار خصلة فيه غير القتل ـ إن لم يسلم ـ لغلظ كفره.
أعطيناه الأمان معه، فلا يلزمنا تأمينه مع هذا الكفر الذي لا يجوز التقرير به ولا إلحاقه بمأمنه ولا اختيار خصلة فيه غير القتل ـ إن لم يسلم ـ لغلظ كفره.
وحاصله: أن الأدلة الدالة على قتله تدل على أن قتله إما حد وإما لغلظ كفره بحيث لا يصح فيه الاسترقاق والمن والمفاداة، ومثل هذا لا يلحق بالمأمن ولا يتخير فيه. ولهذا إن العلماء ﵃ الذين قالوه بالإلحاق بالمأمن أو بالتخيير قالوا في هذه الصورة بالقتل من غير التفات إلى غيره، هذا كلام أهل المذاهب الثلاثة، فكان كلامهم في هذه المسألة الخاصة قاضيًا على إطلاقهم في غيرها، ومنبها على المأخذ، وهو إما غلظ الكفر جدًا بحيث لا جزاء له إلا القتل، وإما مراعاة خصوص السب، والفرق بين المأخذين أن على المأخذ الأول يكون خصوص السب جزء علة، والجزء الآخر الكفر، ففي المسلم: الردة مع السب، وفي الذمي الكفر الأصلي مع السب. وعلى المأخذ الثاني: خصوص السب وحده هو العلة في الموضعين، حتى لو أمكن تجرده عن الكفر لاقتضى القتل، وقد أشرت إلى شيء من هذا البحث في المسألة الأولى من الفصل الثاني من الباب الأول في أواخرها. وعلى المأخذين يصح القول بوجوب قتله قبل الإسلام سواء أقلنا انتقض عهده أم لا، ولا يدخل في قوله: "من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة"،
ولا في قوله: "ولا ذو عهد في عهده"،/ لأن ذاك إذا كان بغير حق. وهذا إن قلنا لا ينتقض فهو كالقتل بالزنا والقصاص، وإن قلنا ينتقض فليس بمعاهد. وبالجملة: قد بينا ذلك من كلام العراقيين والخراسانيين، وإنما أردنا هذا التنبيه على دفع إشكال يعرض فيه، ودفع كلام من توهم ذلك.
الفصل الرابع: في الأدلة الدالة على قتل الساب الذمي وهي أربعة عشر دليلاً: أحدها، وهو الذي احتج به الشافعي ﵁ وكثير من العلماء بعده:
قصة كعب بن الأشرف وهي ما روى البخاري ومسلم رحمهما الله في "صحيحيهما" من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "من لكعبب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله"، فقام محمد بن مسلمة فقال: أنا يا رسول الله، أتحب أن أقتله؟ قال: "نعم"، قال: فأذن لي أقول شيئًا، قال: "قل". قال: فأتاه وذكره
فإنه قد آذى الله ورسوله"، فقام محمد بن مسلمة فقال: أنا يا رسول الله، أتحب أن أقتله؟ قال: "نعم"، قال: فأذن لي أقول شيئًا، قال: "قل". قال: فأتاه وذكره
ما بينهم، قال: إن هذا الرجل قد أراد الصدقة وإنه قد عنانا، فلما
سمعه قال: وأيضًا والله لتملنه، قال: إنا قد اتبعناه الآن ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره، وقد أردت أن تسلفني سلفًا، قال: فما ترهنوني؟ أرهنوني نساءكم، قال: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال: ترهنوني أولادكم، قال: يسب ابن أحدنا فيقال: رهنت في وسقين من تمر! ولكن نرهنك اللأمة، يعني السلاح، قال: نعم. وواعده أن يأتيه بالحارث وأبي عبس وعباد بن بشر، فجاؤوه ليلاً فدعوه فنزل إليهم، وقالت له امرأته: إني لأسمع صوتًا كأنه صوت دم! قال: إنما هذا محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعي لطعنةٍ بليل لأجاب. قال محمد: إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه، فإذا استمكنت منه فدونكم، فلما نزل نزل وهو متوشح، قالوا: نجد منك ريح الطيب، قال: نعم، تحتي فلانة أعطر نساء العرب، قال: أفتأذن/ لي أن أشم منه؟ قال: نعم. فشم، ثم قال: أتأذن لي أن أعود؟ قال: فاستمكن منه ثم قال: دونكم. فقتلوه. وروى هذه القصة جميع أهل السير، قالوا: إن كعب بن الأشرف
كان شاعرًا، وكان يهجو النبي ﷺ وأصحابه ويحرض عليهم كفار قريش في شعره، ويؤذيهم، وكان مهادنًا ممن وادعه النبي ﷺ لما قدم المدينة. ولا خلاف بين أهل العلم بالسير أن كعب بن الأشرف كان له هدنة وموادعة، ومن ادعى أنه كان حربيًا فلا علم له، هذا متفق عليه بين أهل السير. نعم: قيل إنه انتقض عهده، وسنذكر ذلك، وإنما كلامنا الآن في أنه تقدمت له هدنة وموادعة، فإنه من يهود المدينة، وكان عربيًا من بني طيء، وأمه من بني النضير، فلذلك كان فيهم ويعد معهم. ويهود المدينة كلهم موادعون باتفاق أهل السير، وممن ذكر ذلك الشافعي، قال في "الأم" في باب المهادنة: "إن رسول الله ﷺ وادع حين قدم المدينة يهود على غير خرج أخذه منهم".
وقال في "الأم" أيضًا في باب الحكم بين أهل الذمة: قال الشافعي: لم أعلم مخالفًا من أهل العلم بالسير أن رسول الله ﷺ لم انزل بالمدينة وادع يهود كافة على غير جزية، وأن قول الله تعالى: (فأحكم بينهم أو أعرض عنهم) [المائدة: ٤٢] إنما نزلت في اليهود الموادعين الذين لم يعطوا الجزية ولم يقروا أن يجري عليهم حكم: انتهى كلام الشافعي. وقال الواقدي عن ابن كعب القرظي: لما قدم النبي ﷺ المدينة وادعته يهود كلها، فكتب بينه وبينها كتابًا، وألحق رسول الله ﷺ كل قوم بحلفائهم، وجعل بينه وبينهم أمانًا، وشرط عليهم شروطًا، وكان فيما شرط أن لا يظاهروا عليه عدوًا، فلما أصاب رسول الله ﷺ أصحاب بدر وقدم المدينة بغت يهود وقطعت ما كان بينها وبين رسول الله ﷺ من العهد. انتهى. وجعل الواقدي هذا سبب غزوة بني قينقاع، وأنها متقدمة على قتل كعب بن الأشرف، وغيره يجعل قتل ابن الأشرف قبل غزوة بني قينقاع. ونعود إلى كلام أهل السير في كعب بن الأشرف بعد أن ثبت أنه كان من ملة الموادعين، والموادع دون الذمي، فإذا قتل الموادع بالسب فلأن يقتل الذمي أولى، لأن الذمي التزم بجريان الأحكام عليه بخلاف الموادع كما أشار إليه الشافعي في هذا الكلام في أن التخيير في الحكم: في الموادع، يعني بخلاف الذمي، وليس هذا موضع تحقيق ذلك، إنما المقصود أن ابن الأشرف ما كان حربيًا.
إليه الشافعي في هذا الكلام في أن التخيير في الحكم: في الموادع، يعني بخلاف الذمي، وليس هذا موضع تحقيق ذلك، إنما المقصود أن ابن الأشرف ما كان حربيًا.
قال أهل السير: فلما كان يوم بدر وانتصر النبي ﷺ/ والمسلمون غاظ ذلك كعب بن الأشرف، ولحق بمكة، ورثى من قتل من المشركين ببدر، وحرص المشركين على قتال النبي ﷺ، وفضل دين الجاهلية على دين الإسلام، ونزل فيه قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين أمنوا سبيلا (٥١) أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا (٥٢)) [النساء: ٥١ - ٥٢]، ولهذا لم ينصر، بل خذل وقتل. وأعلن بعداوة النبي ﷺ وبهجائه، وقدم المدينة قال النبي ﷺ: "اللهم اكفني ابن الأشرف بما شئت"، فانتدب له محمد بن مسلمة وأصحابه. وروي في معاهدة ابن الأشرف بخصوصه رواية عن جابر بن عدب الله أن كعب بن الأشرف عاهد رسول الله ﷺ أن لا يعين عليه ولا يقاتله، فلحق بمكة ثم قدم المدينة معلنًا لمعاداة النبي ﷺ، فكان أول ما خزع عنه قوله: أذاهب أنت لم تحلل بمرقبة ... وتارك أنت أم الفضل بالحرم في أبيات يهجوه بها، فعند ذلك ندب رسول الله ﷺ إلى قتله، رواه الخطابي وغيره.
ل ما خزع عنه قوله: أذاهب أنت لم تحلل بمرقبة ... وتارك أنت أم الفضل بالحرم في أبيات يهجوه بها، فعند ذلك ندب رسول الله ﷺ إلى قتله، رواه الخطابي وغيره.
وقوله: "خزع" معناه: قطع عهده، يقال: خزع فلان عن أصحابه، أي: قطع، ومنه سميت خزاعة؛ لأنهم انخزعوا عن أصحابهم وأقاموا بمكة. وكان قتل ابن الأشرف لأربع عشرة ليلة مضت من ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرًا من مهاجر رسول الله ﷺ. وقيل إن قوله تعالى: (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا) [آل عمران: ١٨٦] نزل في كعب بن الأشرف، وإن قوله: (وإن تصبروا وتتقوا ..) [آل عمران: ١٨٦] كان قبل ذلك، فلما لحق بمكة وبالغ في الأذى وهجا أمر بقتله. وروي أن رسول الله ﷺ قال: "من لنا من ابن الأشرف، قد استعلن بعداوتنا وهجائنا، وقد خرج إلى قريش فأجمعهم/ على قتالنا، وقد أخبرني الله بذلك، ثم قدم على أخبث ما كان، ينتظر قريشًا أن تقدم فتقاتلنا". ولما رجع النفر الذين قتلوه وبلغو البقيع كبروا وقد قام رسول الله ﷺ تلك الليلة يصلي، فلما سمع تكبيرهم كبر وعرف أن قد قتلوه. ثم انتهوا



