المنهاج في شعب الإيمان

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya الحليمي (w. 403 H).

Bagian 15 dari 42 1512 halaman

— Bagian 15 · ك والنواصي كلها بيده، لا يملك أحد من دونه ضرا ول… —

Bagian 15

ك والنواصي كلها بيده، لا يملك أحد من دونه ضرا ولا نفعا. وقد يقصد الواحد من عباده أن يسيء إلى مثله، فيصرف قلبه عنه، إما إلى الإساءة وإما إلى الحرمان.

قال الله ﷿ حاكيا عن هود صلوات الله عليه أنه قال لقومه: ﴿إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم﴾. وقال: ﴿وإياي فارهبون﴾ وقال: ﴿وإياي فاتقون﴾. وقال: ﴿هو أهل التقوى وأهل المغفرة﴾ فقيل تفسيره هو أهل التقوى، هو أهل أن يتقى فلا يعفي وهو أهل لن يغفر لمن اتقى أي لا أحد يستحق أن يتقى غيره. وقال جل ثناؤه ﴿فلا تخشوا الناس واخشوني﴾ وقال ﴿فلا تخافوهم- يعني الشيطان- وخافوني إن كنتم مؤمنين﴾ وذم قوم يهشون غيره فقال ﴿فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية﴾ فذم هؤلاء كما ذم الذين يتخذون أندادا من دونه فيحبونهم كحب الله. فإن ما ذكرنا أن الخوف من الله تعالى جده وحده، فمن خاف غيره فإنما صرف إليه حقا من حقوق ربه، فأما من أخلص للخوف له، فإنه جل جلاه مدحه وأثنى عليه ووعده إلا من يوم الفزع، فقال: ﴿أن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير﴾. وقال: ﴿ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون﴾. وقال: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى﴾. وقال: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا﴾. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: "لن يلج النار حتى يكتب من خشية الله حتى يعود اللبن إلى الضرع".

ا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا﴾. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: "لن يلج النار حتى يكتب من خشية الله حتى يعود اللبن إلى الضرع".

وأما ما يخص قولنا أن الخوف من الله تعالى إيمان فالدلالة عليه قوله: ﴿وخافوني إن كنتم مؤمنين﴾. فلما كانت طاعة الله ورسوله إيمانا كان خوف الله إيمانا. وقوله ﷻ: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق﴾ فإنه تعالى طالب الخشوع من قد آمن واستطابه فيه لأجل ما قدم من الإيمان. فدل ذلك على أنه طاعة من الطاعات التي يحرك عليها الإيمان، فوجب أن يكون إيمانا كأمثاله. ويقدر بهذا أن ضد الخوف الأمن، والأمن من الله تعالى من غير إيمان منه كفر، لأن ذلك لا يقع من صاحبه إلا على أحد أوجه: أما أن يقدر به عجوزا عن مؤاخذته ويظن به إغفالا وتصنعا لأمره. أو يرى أنه راض عنه غير مفكر ما يفعله أو يتركه، إذ كان لا يفعل إلا ما أمر به ولا يتركه إلا ما نهاه عنه، أو يحسب أن ما يفعله يخفى عليه، فلا يعلمه. وكل هذه الأوجه ترجع إلى إضافة النقص إلى الله تعالى وإجازته عليه وذلك كفر. ولعل قائلا يقول في هذا الموضع: ما في ظن العبد أنه إذا أقام الطاعات وتجنب المعاصي، فلا ينبغي أن يكون عليه خوف ما ينبغي أن يلام عليه. فيقال له: موضع الخلاص في هذا أن الله ﷿ على العبد سلطانا من غير وجه الأمر والنهي، وهو أنه يملك أن يسلبه ويعرضه للمصائب والمكاره من غير ذنب يكون منه كما يفعل ذلك بغيره وأحد من رسله صلوات الله عليهم. وقال نبينا ﷺ: أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل". فإذا اعتقد العبد أنه إذا أدى الطاعة في أمره ونهيه فلا ينبغي أن يخافه، فإذا اعتقد أن لا سلطان له عليه للأمر قبل التكليف، وهذا كفر. ثبت أن الأمر من الله تعالى بلا نص إيمان يكون منه جل ثناؤه وكفر، فوجب أن يكون ضده وهو الخوف إيمانا وبالله التوفيق.

الثاني عشر من شعب الإيمان وهو باب في الرجاء من الله ﷻ وهو على وجوه: أحدها: رجاء الظفر بالمطلوب والوصول إلى المحبوب. والثاني: رجاء دوامه بعدما قد حصل. والثالث: رجاء دفع المكروه وصرفه لئلا يقع. والرابع: رجاء الدفع والإماطة لما قد وقع. وكل ذلك حسن جميل على التفضيل الذي بينا ذكره للدعاء، وإذا استحكم الرجاء حدث عنه من التخشع والتذلل نحو ما يحدث عن الخوف إذا استحكم لأن الخوف والرجاء متناسبان إذ الخائف في حال خوفه يرجو إخلاف ما يخافه ويدعو الله به ويسله صرفه، فلا خائف إلا وهو راجي، ولا راجي إلا هو خائف، ولذلك كانت طريقتهما في الدعاء والاستكانة واحدة فالراجي بقوة رجائه وشدة رغبته فيما يرجو لا يبقى شيئا أو يرى أنه يقرب مراده إلا وينتهي إليه، والتذلل لمن وقعت الحاجة أولى سبب لتقريب المراد، لأن من إليه حاجة إذا كان كريما- أي لصاحبها- يتذلل لله حقا، وأوجب له به ثوابا، وقد لعم أنه لا ثواب أحسن موقعا عنده من نيله ما يريد، وهو يجيبه ولا يخيب رجاءه. والدعاء والجملة من جملة التخشع والتذلل، لأن كل من سأل ودعا فقد أظهر الحاجة وباح بها واعترف بالذلة والفقر والفاقه لمن يدعوه ويسأله، فكان ذلك في العبد نظير العبادات التي يتقرب بها إلى الله عز اسمه، ولذلك قال الله ﷿: ﴿أدعوني أستجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ فأبان الدعاء عباده، والخائف فيما وصفنا كالراجي لأنه إذا خاف خشع وذل لمن يخافه، وتضرع إليه في طلب التجاوز عنه.

ستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ فأبان الدعاء عباده، والخائف فيما وصفنا كالراجي لأنه إذا خاف خشع وذل لمن يخافه، وتضرع إليه في طلب التجاوز عنه.

فإذا وقع ذلك من العبد لله جل ثناؤه، كان ذلك في الاعتراف بالحاجة إليه والذلة له، نظر عباداته التي يتقرب بها إليه، ولأجل تناسب الأمرين جمع الله تعالى بينهما في غير آية من كتابه فقال: ﴿وادعوه خوفا وطمعا أن رحمة الله قريب من المحسنين﴾ فالخوف للإشفاق، والطمع للرجاء. وقال في قوم مدحهم وأثنى عليهم: ﴿يرجون رحمته ويخافون عذابه﴾. وقال: ﴿ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين﴾. فالرغبة والرجاء والرهبة والخوف، وإنما كان الرجاء من شعب الإيمان لأنه من إمارات التصديق، وإمارات التصديق كلها إيمان فكذلك الرجاء. وبين ما قلنا أن من لا يصدق بأن له ربا أمره بهذه وهو على ما يشاء قدير، لا يرجوه، فإن من الموجود بيننا إن كل عبد فإنما يأمل الخير من قبل مالكه ولا يأمله حتى يعلم مالكه أنه قادر على إبطاله، فدل ذلك على أن تعليق العبد أمله بالله تعالى تصديق منه به وبملكه وقدرته موجودة. فوجب أن يكون ذلك إيمانا كسائر ما تحرك عليه التصديق. وقد ضرب بعض العلماء الآيات: إن التصديق قد يكون بالفعل كما يكون بالقول مثلا. فقال: لو أن رجلا قال لرجل في يوم تسفر السماء فيه مصحية والشمس طالعة. أنا نظر الساعة فقال الآخر: صدقت فسميناه مصدقا. ولو أنه بعد قوله قام يجمع ثيابه ويكنس سطحه ويفتح مجاري الماء لما عد الصلاة هذه الأفعال دون قوله صدقت. بل أجروه مجراه وجعلوه تصديق مثله. فإن هذا على أن كل ما كان من إجازات التصديق بالله تعالى فهو إيمان كالإقرار والله أعلم. فإن قيل: فإن ضد الرجاء اليأس، أتقولون أن اليأس كفر كما قلتم أن الرجاء إيمان. قيل: الرجاء يوقع الخير من الله تعالى للعلم بأنه بيده لا مالك له غيره ولا مانع لما أعطاه لا معطي لما منه، وضده صرف الأهل عن الله تعالى.

الرجاء إيمان. قيل: الرجاء يوقع الخير من الله تعالى للعلم بأنه بيده لا مالك له غيره ولا مانع لما أعطاه لا معطي لما منه، وضده صرف الأهل عن الله تعالى. أما التكذيب به أو بأنه الرازق والمعطي والمانع والمدبر والمقدم والمؤخر، والرجاء على الوجه الذي ذكرت إيمان، واليأس على وجه الذي وصفت كفر، قال الله ﷿ حكاية عن يعقوب ﷺ: ﴿إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾.

وأما إذا كان اليأس على وجه الاستبعاد للمأمون، وترجح أنه لا يكون، على أنه يكون في النفس فذلك خطأ وضلال. وقال الله ﷿: ﴿ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون﴾. ويدخل في الرجل يسرق على نفسه، وينهمك في المعاصي ويغرق في الذنوب ثم لا ينزع عنها ولا يتوب ما يطأ من أن تنفعه التوبة مع عظم ذنوبه وطول أيامها فهذا مثل جهل وخطأ، لأنه لو لم يكن في النزوع إلا قلة الذنوب لكان ينبغي له أن يختار على التمادي والإصرار فكيف وفيه تمحيص ما مغني وتكفيير؟ وفي هذا يدل قوله ﷿: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾. ويدخل فيها الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها. قال: ﴿أنى يحي هذه الله بعد موتها، فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال، كم لبثت، قال: لبثت يوما أو بعض يوم قال: بل لبثت مائة عام. فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه، وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما، فلما تبين له قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير﴾، أي لا تستبعدن مع علمك بقدرته أصلا. وبالله التوفيق. والقول في الخوف نظير القول في الرجاء: فلو سأل سائل فقال: إذا كان الخوف من الله جل ثناؤه إيمانا، أتقولن أن الأمن منه كفر؟ قيل له: الذي ينشأ عن المعرفة بالله حل ثناؤه إيمان، والأمن الذي ينشأ هن الجهل به كفر، وأما ما يشبه الأمن من الانهماك إلى المعاصي، وترك أخطار العقبى بالقلب من غير جهل بالله تعالى، فإنه غفلة وضلال وليس بكفر. وهذا يقع من العبد على وجهين:

وأما ما يشبه الأمن من الانهماك إلى المعاصي، وترك أخطار العقبى بالقلب من غير جهل بالله تعالى، فإنه غفلة وضلال وليس بكفر. وهذا يقع من العبد على وجهين: أحدهما: أن يرى نفسه قد ركب من المعاصي رأسه، ولا يرى من الله ﷻ تغييرا عاجلا فيغفل عن المؤاخذة وينساها أصلا، ولا يرى من الله ﷻ كالماشين، إذا استمرت بهم أيام الحر وتطاولت عليهم بسوء البرد، وغفلوا عنه فلم يذكروه ولم يخطر بقلوبهم أنه آيتهم، فيستعدوا إلى أن يهجم عليهم بغتة.

والآخر: أن يركن إلى حسنات يعملها لنفسها خلال السيئات، فيقول في نفسه لئن كنت أسيء فلقد أحسن قبل بتلك، فإن هذا الحكم وهذا التعديل يكون أعظم ذنوبه إذ الحكم لله جل ثناؤه ولا للعبد، والله ﷿ لم يأمره إلا بالإحسان، ولم يأذن له، فليس إذا أحسن في شيء أن يسيء في غيره، ثم يزيد على ذلك أن يحكم لنفسه ويعدل إساءته بإحسانه من غير علم منة، بقدر حسنة ولا بقدر سيئة، فإنما علم ذلك عند الله ﷿ دون غيره وبالله التوفيق. وقال بعض أهل العلم: الرجاء واسطة بين المعرفة والطلب فإن من لا معرفة له بالمرتجى لا خيرا له فيه على الطلب لمعرفة تبعث على الرجاء، والرجاء على الطلب، والخوف واسطة بين المعرفة والهرب، والمرتجى هو الخير أو ما يظن به أنه خير، والمخوف هو الشيء، أو ما يظن به أنه شر. وكل ما ذكرته في باب الخوف من أنه لا ينبغي أن يكون الرجاء إلا لله ﷻ إذا كان المنفرد بالملك والدين، ولا يملك أحد من دونه نفعا ولا ضرا، فمن رجا ممن لا يملك ما لا يملك هو من الجاهلين، وإذا علق رجاءه به جل ثناؤه فينبغي أن يسأله ما يحتاج إليه صغيرا وكبيرا، لأن الكل بيده لا قاضي للحاجات غيره، وسؤاله إنما يكون بالدعاء على ما سنبينه. قال ﷿: ﴿أدعوني استجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ ولم يزل الدعاء دأب الأنبياء الذين خلفوا أئمة وأمر أن يقتدي بهم فهداهم ذكر الله ﷿: إن أبانا آدم صلوات الله عليه لما ابتلي بالخطيئة، فرغ إلى الدعاء، وأمنا ﵉ معه كذلك فقالا: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾. وإن نوحا ﷺ لما طال عليه الأذى من قومه لجأ إلى الدعاء فقال: ﴿ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم﴾ ولعل بدله كان قوله: ﴿إني مغلبوب فانتصر﴾.

ال عليه الأذى من قومه لجأ إلى الدعاء فقال: ﴿ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم﴾ ولعل بدله كان قوله: ﴿إني مغلبوب فانتصر﴾.

وقوله: ﴿لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾ أو غير ذلك مما دعاه ولم يحكه عنه. وإن أيوب ﷺ لما أبح عليه البلاء دعاه فقال: ﴿إني مسني الشيطان بنصب وعذاب﴾ ﴿إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين﴾ فاستجاب له ربه، فكشف الضر عنه وأتاه أهله ومثلهم معهم. وإن ذا النون نادى في الظلمات: ﴿أن لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ فاستجاب له ونجاه من الغم. وإن زكريا ﷺ دعاه لما تمنى أن يكون له ابن يرثه فقال: ﴿رب لا تذرني فردا﴾ ﴿فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب، واجعله ربي رضيا﴾ فاستجاب له بيحيى. ثم إن ﷿ أبان أنه جعل إجابة دعوات المذكورين صلوات الله عليهم أجمعين ثوابا لها بأعمالهم الصالحة، فقال: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين﴾ متذللين بالطاعة خائفين حذرين، فجعلنا إجابتهم إذا دعونا ثوابا لهم بطاعتهم، إذ أمرنا وتعجيل ما سألونا جزاء لمسارعتهم إلا ما كلفنا. وفي ذلك تحريك على الطاعة وزجر عن المعصية وحث على البدار إلى فعل المأمور، ومجانبة التفريط والتقصير. والله أعلم.

ا سألونا جزاء لمسارعتهم إلا ما كلفنا. وفي ذلك تحريك على الطاعة وزجر عن المعصية وحث على البدار إلى فعل المأمور، ومجانبة التفريط والتقصير. والله أعلم.

ذكر فصول في الدعاء يحتاج إلى معرفتها الدعاء: قول القائل يا الله، يا رحمن يا رحيم، وما أشبه ذلك وهو أيضا نداء، قال الله ﷿: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم، كهيعص، ذكر رحمة ربك عبده زكريا، إذ نادى ربه نداء خفيا﴾. وقال ﴿وزكريا إذ نادى ربه، رب لا تذرني فردا﴾ وقال في آية أخرى ﴿هنالك دعا زكريا ربه قال: رب﴾ ومعنى رب، يا رب. فثبت أن النداء دعاء. ثم إن له أركانا وآدابا، فأما أركانه فمنها: أن يكون المرغوب فيه مما يبلغ فكر السائل إن سأله. ومنها: أن لا يكون عليه في سؤال ما يسل حرج. ومنها: أن يكون في السؤال غرض صحيح. ومنها: أن يكون حسن الظن بالله جل ثناؤه عند الدعاء فتكون الإجابة أغلب في قلبه من الرد. ومنها: أن يدعو الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى. ومنها: أن لا يسل ما يسأل إلا بجد وحقيقة، ولا يأخذ دعاء مؤلفا فيسرده سردا أو من حقائقه غافل. ومنها: أن لا يشغله الدعاء عن فريضة الله تعالى حاضرة فيفوتها. ومنها: أن يكون دعاؤه سرا لا بالحقيقة، لا اختبارا بربه جل ثناؤه. ومنها: أن يصلح لسانه، إذا دعا، ولا يخاطب ربه جل ثناؤه بما لو خاطب به كفؤه وقريبه ينسبه إلى قلة الحياء وسوء الأدب أو ركاكة العقل. ومنها: أن لا يدعو ضجرا مستعجلا يضمر، إنه إذا في الوقت الذي يريده. وإلا

ؤه بما لو خاطب به كفؤه وقريبه ينسبه إلى قلة الحياء وسوء الأدب أو ركاكة العقل. ومنها: أن لا يدعو ضجرا مستعجلا يضمر، إنه إذا في الوقت الذي يريده. وإلا

يدعو متعمدا خاشعا يضمر أنه لا يزال يدعو أو يتضرع إلى أن يجاب، وكلما زادت الإجابة عنه تراخيا زاد الدعاء تتابعا وتراكنا. ومنها: أن حاجته إذا عظمت لم يسألها الله تعالى مستعظما إياها في ذات الله، بل يسأله الصغيرة والكبيرة سؤالا واحدا، ويرى منه الله تعالى في إجابته إليها عظيمة، فتلك فيما تبلغه معرفتي أحد عشر. فأما آدابه: فمنها: أن يقدم التوبة أمام الدعاء. ومنها: الجد في الطلب والإلحاح. ومنها: المحافظة على الدعاء في الرخاء دون تخصيص حال شدة والبلاء. ومنها: إن يعزم إذا سأل. ومنها: أن يدعو أملا فاته. ومنها: أن يقتصر على جوامع الدعاء ما لم تعرض له حاجة بعينيها فينص عليها. ومنها: افتتاح الدعاء وختمة بالصلاة على رسول الله ﷺ. ومنها: أن يدعو وهو طاهر. ومنها: أن يدعو مستقبلا القبلة. ومنها: أن يدعو دبر الصلاة. ومنها: أن يرفع اليدين حتى يجاري بها النكبين إذا دعا. ومنها: أن يخفض صوته بالدعاء. ومنها: أن يمسح بيدي وجهه إذا فرغ من الدعاء. ومنها: أن يحمد اله إذا عرف الإجابة. ومنها: أن يخلى يوما وليلة من الدعاء ويتحرى للدعاء الأوقات والأحوال والمواطن التي ترجى فيها الإجابة. فأما الأوقات: فمنها: ما بين الظهر والعصر ومن يوم الأربعاء. ومنها: ما بين زوال الشمس من يوم الجمعة إلى أن تغرب الشمس. ومنها: الدعاء في الأسعار. ومنها عند الأفياء. ومنها: الدعاء يوم عرفة إلى أن تغرب الشمس. وأما الأحوال: فمنها حال النداء للصلاة. ومنها: حين فطر الصائم. ومنها: عند نزول الغيث. ومنها: عند التقاء الصفين.

ومنها: عند اجتماع المسلمين على الدعاء. ومنها: إدبار المكتوبات. ومنها: عند القيام من المجلس. وأما المواطن: فالموقفان والحرمان وعند البيت والملتزم خاصة وعلى الصفا والمروة. فأما الفصل الأول فتفسيره أنه ليس لأحد أن يتشبه بإبراهيم صلوات الله عليه وسلم، فيدعو الله جل ثناؤه أن يريه كيف يحيي الموتى. ولا أن يتشبه بموسى صلوات الله عليه فيقول: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ ولا أن يتشبه بعيسى صلوات الله عليه فيقول: ﴿ربنا أنزل علينا مائدة من السماء﴾. ولا لأحد أن يسأل الله جل ثناؤه إنزال ملك عليه فيسله عن خبر من أخبار السماء، إحياء أبوية وإحياء ولده، لأن بعض العادات إنما تكون من أمر الله تعالى، التأييد من يدعو إلى ذنبه لشهوات العبادات ومناهم إلا أن يكون السائل نبيا، فيجمع إجابته أثناء نبوته وتأييده بما يصدق دعوته، ولكنه إن دعا كما دعا نوح ﷺ فقال: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾ جاز لأن الله ﷿ إنما فرض الجهاد ليقاتل المشركين. فإما أن يسلموا وإما أن يستأصلوا، فمن دعا بهذا الدعاء فإنما يسأل تيسير ما أمر الجهاد لأجله، وليس ذلك من شهوات النفوس وأمانيها، وإنما يبعث عليه نقص من الله تعالى، فكان دعا النبي ﷺ وغير النبي واحد والله أعلم. وليس لأحد أن يدعو فيقول: اللهم اجعل لي الصفا ذهبا، أو احبس لي الشمس، أو برد لي النار، لأن هذه أشياء خص الله لكل شيء منها نبيا، ليظهر بذلك محله وقدره عند عباده. فكان تحويل الصفا ذهبا مما ورد الخبر، بأن جبريل ﷺ نزل على بينا ﷺ يخبره عن الله تعالى في ذلك. فقال: "بل أكون عبدا نبيا". وحبس ليوشع بن نون صلى الله عليه الشمس، وتبريد النار إبراهيم الخليل صلوات الله عليه. فمن سأل الله تعالى لنفسه شيئا من (هذا) فإنما يسأل الله أن يسوي بينهم وبينه ويلحقه فيما أهلهم له من ذلك بهم، فلا فرق بينه وبين من يقول: رب اسجد لي ملائكتك،

ل الله تعالى لنفسه شيئا من (هذا) فإنما يسأل الله أن يسوي بينهم وبينه ويلحقه فيما أهلهم له من ذلك بهم، فلا فرق بينه وبين من يقول: رب اسجد لي ملائكتك،

كما أسجدتهم لك، أو رب كلمني كما كملت موسى، أو أسر بي هذه الليلة إلى المسجد الأقصى كما أسريت بمحمد ﷺ. فإذا كانت هذه الدعوات مما لا يجوز الاجتراء على الله بها، فالأولى أمثالها والله أعلم. وقد يجوز أن تحدث للعبد حاجة وضرورة فيسأل الله ﷿ كشفها عنه سؤالا مطلقا، إلا أن الله ﷿ عند الإجابة ينقص له عادة أو يفعل ذلك به من غير مسكنة جزاء له لتوكله وقوة إيمانه، مثل أن يكون في بادية لم يدخلها إلا في ثواب الله ﷿ على وجه ما دون له فيه، فتصيبه مخمصة شديدة، وليس معه ولا قربه أحد. فيقول: اللهم ادفع عني الجوع بما شئت فيحدث الله مكانه طعاما فيأكله. وإن أصابه برد شديد خاف على نفسه منه ولم يكن له ما يتدثر به، فيقول: اللهم اصرف عني البرد بما شئت، فيحدث له كسوة ليلبسها. أو يشبع الأول بلا طعام، ويدفئ الثاني بلا كسوة. ومثل هذا أن يسأل الله تعالى أعمى لا قائد له، ولا أحد يسعى في حوائجه أن يرحمه ويكفيه بما شاء في وجوه كفاياته فيرد البصر عليه مكانه. لأن هذه ضرورات واقعة لا كاشف عنها إلا الله جل ثناؤه. فمن رغب عن هذه المسألة مع حدوث الضرورة فلم يوف العبودة حقها. وإذا صح السؤال من العبد ووقع موقع الجوار، فكثر ما أجاب الله به دعوته، فهو داخل في حد المحكمة، وليس يثني منه تخارج عنه والله أعلم. وأما الفصل الثاني: فهو أن ليس لأحد أن يسأل الله ﷾ خمرا يشربها، وامرأة يزني بها أو الظفر على غير حرج ليقطع عليها ونحو ذلك. قال الله تعالى لو أجاب دعاءه، ويسر له ما يسأله لكان قد أباحه ذلك، وأطلقه له ولم يكن عليه فعل شيء من ذلك ما تم، ولما كان بموقع التحليل من الله تعالى لذلك محالا صح أن دعاءه ومسألة تيسيره وتسهيله محال غير جاز والله أعلم. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من مسلم يدعو الله ليس بشيء فيها قطيعة رحم ولا إثم

لذلك محالا صح أن دعاءه ومسألة تيسيره وتسهيله محال غير جاز والله أعلم. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من مسلم يدعو الله ليس بشيء فيها قطيعة رحم ولا إثم

إلا أعطاه الله إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وأما أن يدخرها له في الآخرة، وأما أن يدفع عنه مثلها). فصح أن الدعاء بما فيه من غير جائز، إذ كان جزاؤه على الله تعالى، وتوقع إجابته والله أعلم. ويدخل في هذا الباب أن يدعو أحد بالشر على من لا يستحقه أو على بهيمة، يروى عن رسول الله ﷺ أنه سمع رجلا في سفره يلعن بعيره، فقال: (من هذا اللاعن بعيره؟ فقال: أنا يا رسول الله. فقال انزل عنه، فإنه لا يصحبنا ملعون) فعاجله بالإنزال عنه وهو في الحاجة إليه قائمة، عقوبة له بلعنه. ومعنى لا يصحبنا ملعون مدعو عليه باللعن، لأن الذي أدركته اللعنة. ثم قال ﷺ (لا تدعو على أف=نفسكم ولا على أولادكم ولا على أموالكم، لا تواقعوا من الله ﷿ ساعة عطاء فيستجاب لكم) ومعنى هذا النهي عن أن يدعو الرجل على فنسه أو على ماله بالهلاك، فيعطى ما سأل عقوبة له على دعائه لا إكراما بالإجابة والنهي عن أن يلعن البهيمة فتهلك أو يبيد غيرها، أو أن تقع بيد الأعداء فيقاتلوه عليها، وكل ذلك عقوبة له بدعائه لا إكرام له بالإجابة والله أعلم. وأما الفصل الثالث: فتفسيره أن يدعو الله تعالى مريض بالعافية، فينبغي أن يكون غرضه في ذلك أن يبرأ، فيصل ويصوم. أو يدعوه فقير فيسأله ما لا ينبغي أن يكون ذلك ليسقط مؤونته عن المسلمين ويبرأ فيتصدق ويواسي. أو يدعوه فرد فيسأله ولدا. فينبغي أن يكون ذلك ليخرج من صلبه من يوحد الله تعالى ويعبده ويعمل بشريعته. أو يسأله سائل عمرا طويلا فينبغي أن يرغب في ذلك لتكثر طاعاته وحسناته. فأما طلب المال للتفاخر والتكاثر والإستعانة على قضي الشهوات، وطلب البر والتمكن به مما منع المريض عنه من الأمور التي تبعث عليها الأهواء، وكان ذلك غير جائز، والدعاء به جرأة على الرب ﷿.

وأما الفصل الرابع: فإن أصل الدعاء هو أن الرجاء يبعث عليه إذا الدعاء طلب، ولا طلب إلا بعد الرجاء فإذا كان الأغلب على قلبه والداعي أنه لا يجاب لم يكن رجاؤه صدقا فلم يخلص الدعاء ولم يتحقق منه الطلب إلا بعد الرجاء. فإذا كان الأغلب على قلبه الداعي أنه لا يجاب لم يكن رجاؤه صدقا فلم يخلص الدعاء ولم يتحقق منه الطلب كما لا يتحقق الباعث عليه، والداعي إنما يجاب تصديقا لرجائه، فإذا لم يصدق رجاءه ولم يستوجب أن يجاب والله أعلم. وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة) والأشبه أن يكون معناه وأنتم لا تظمون الرد، ولا يكون هو الغالب على قلوبكم لأنه أراد: ادعوه معتقدين أن الإجابة إلى غير ما يسألون واقعة لأن الرد ممكن، والنبي ﷺ لا يأمر أن يعتقد الشيء على خلاف ما هو عليه. وأما الفصل الخامس: وهو أن يدعوا الله بأسمائه الحسنى ولا يدعوه بما لا يخص بنا وإن كان في نفسه حقا. قال الله ﷿: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ قيل في تفسيره: الله، والرحمن والرحيم، وهي قراءة في أول آية في القرآن، وجاء عن النبي ﷺ أنه كان إذا اجتهد في الدعاء قال: (يا حي يا قيوم). وعنه ﷺ: (يا ذا الجلال والإكرام). وروي عنه ﷺ أنه كان إذا رجع من سفر فابصر المدينة قال: (اللهم رب السموات وما أقللن، والشياطين وما أضللن، والرياح وما ذرين، أنا نسألك من خير هذه البلدة وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها). وكان ينبغي أن يدعي وإن قال: رب السموات ورب العرش. أو قال: ملك يوم الدين. أو قال: له الأولين والآخرين- أو قال: ربنا ورب آبائنا الأولين أو قال: رب محمد وإبراهيم، فإنه كان من أعظم دعاء بني إسرائيل، إله إبراهيم واسحق ويعقوب وكل ذلك حسن.

الأولين والآخرين- أو قال: ربنا ورب آبائنا الأولين أو قال: رب محمد وإبراهيم، فإنه كان من أعظم دعاء بني إسرائيل، إله إبراهيم واسحق ويعقوب وكل ذلك حسن.

ولا يقال في الدعاء ولا الثناء المميت حتى يقال معه المحيي، ولا الضار حتى يقال معه المقدم. لأن المعنى أن يعترف له بالقدرة على الشيء وخلافه ليسل خيرها ويستعاذ من شرها، والاقتصار على المستعاذ منه في النداء والثناء ليس بتمجيد ولا تحميد والدعاء به ليس بدعاء. ولا ينبغي أن يقال: يا خالق القردة والخنازير، ويا خالق الحيات والعقارب لأن هذه كلها ضارة مؤذية، فمن قال من ذكرنا فكأنما يقول: يا ضار أو مسلط الضرار، وليس ذلك لأن الدعاء بدعاء تعبد وتذلل وليس الإعراض عن دعاء الله بما توجبه نعمه العارضة منه على عباده له من الأسماء والتجريد لذكر ما خلق فتنة للناس من التعيذ في شيء فلذلك لا ينبغي أن يعيذ به في الدعاء. وبالله التوفيق. وأما الفصل السادس: فغنه يروي عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سألتم الله فأعظموا الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه اعطاؤه) وليس معنى هذا أنه لا ينبغي لأحد أن يسل الله تعالى إلا شيئا عظيما، وإنما هو على أن من عظمت حاجته فلا يمنعه عظمها عنده من أن يسلها الله جل ثناؤه فإنها وإن تعاظمت فلا يتعاظم الله ولا يكبر عليه شيء. والعظيم والصغير من حاجات العباد في اتساع قدرته لقضائها. وأما عوارض الحاجات فإن صغيرها وكبيرها متفقان في أن سبيلهما أن يرفعا إلى الله جل ثناؤه ويتوقع نجاحهما من عنده. قال رسول الله ﷺ (اسألوا الله حوائجكم كلها حتى شسع نعالكم إذا انقطع وحتى الملح). وأما الفصل السابع: فإن الدعاء سؤال في عمد إلى سؤال غيره، فسرد يسرد أو هو لا يحيط بمعناه، وإن أحاط به كان مصروف الهم عنه إلى لفظه، وكان اختياره ذلك الدعاء على غيره لأجل الذي نظمه وإعجابه به لم يكن داعيا ولا سائلا وإنما يكون كالقاضي دعا غيره. والمنشد شعر غيره إلا أن تكون استعانته بدعاء غيره لأن يجب أن يكون ما يسأل

جل الذي نظمه وإعجابه به لم يكن داعيا ولا سائلا وإنما يكون كالقاضي دعا غيره. والمنشد شعر غيره إلا أن تكون استعانته بدعاء غيره لأن يجب أن يكون ما يسأل

الله تعالى بألفاظ حسنة، والثناء عليه أمام المسألة بليغا لا يقصد فيه فئة ولا يهتدي مع ذلك إلى تأليف ونظم، ويجد لغيره في مثل ما أنعمه من السؤال دعاء مستحسنا أو يكن عن تسبب الدعاء إليه ممن يقتدي به ويترك بكلامه، فيستعين به لهذا المعنى ويحضر عند السرد قبله وتوفيه من إخلاص الطلب حقه، فيكون عند ذلك والمنشئ للدعاء من عنده سواء بل أفضل من بعض الوجوه والله أعلم. وأما الفصل الثامن: هو أن لا يشغله الدعاء عن فريضة الله حاضرة، فلأنه إذا اشتغل بالدعاء عن فريضة حاضرة صار عاصيا فلم يستحق أن يعطيه الله من إذا سأله يمنع مراده، ولأن الدعاء بعد أن يكون تصاحبه الإجابة، والله أعلم. وأما الفصل التاسع هو أن يكون الدعاء لا على وجه الاختبار، فلان الرب مختبر العبد فيجزيه بما يظهر عنه، وليس العبد أن يختبر الرب، لأن الطاعة له لازمة أساء أو أحسن إليه، ولأن الاختبار ليس باستنجاح، وإنما الدعاء طلب واستنجاح فما خلا عنهما فليس بدعاء والله أعلم. وأما الفصل العاشر: وهو التحفظ من الخطأ في الدعاء، فلأن تعظيم الله تعالى واجب على العبد بكل حال، وهو في حال مسألته والرغبة أوجب والزم، فلذلك ينبغي للعبد إذا دعا أن لا يخرج في دعائه إلى ما هو في العبادات فجة وركاكة. كما يروى عن بعض السلف كانوا يدعون به للتقوية على غشيان النساء، لكنه إذا أراد ذلك. قال: اللهم متعني بأعضائي وجوارحي. وإن كان يشتهي الطعام ولا يقدر على أن يصيب منه صاحبه فلا يقول. اللهم قوني فأصيب من الطعام حاجتي، وليقل. اللهم أجزل من رزقك فارزقني وزدني به قوة ازد ذلك طاعة وعبادة. إن نفرت عليه امرأته فلم تحضر فراشهن فلا يقولن: اللهم ألهما أن تحضر فراشي، ولا: اللهم اسكنها ونحو ذلك. وليقل. اللهم أصلحها لي، كما قال الله ﷿ في زكريا صلوات الله عليه. ﴿وأصلحنا له زوجة﴾ أي جعلناها تلد بعد أن كانت عاقرا، واسم الإصلاح يأتي على ذلك وغيره مما ذكرت.

وقد جرت عادة المسلمين بأن يدعوا الله تعالى بإصلاح واليهم لأنهم رأوا اسم الصلاح منتظما عمة ما فيه النفع له ولهم. فأمر المرأة أقل من ذلك. وأما الفصل الحادي عشر: وهو أن لا يدعو ضجرا مستعجلا، فإن ذلك فعل من له حق عند آخر يقتضيه. وليس لأحد من الله حق حاصل عنده، متأخر عنه، فيستعجل به ويضجر من تأخره، فلا عتب ولا اعتراض عليه ولأن الدعاء عبادة واستكانة والضجر والاستعجال به إقصاء بهما فدل ذلك على أنهما من الحوائل بينهما وبين الإجابة كما يرجى أن يكون خلافهما من مقربات الإجابة والله أعلم فهذه الأركان. وأما الآداب فالفصل الأول منها: تقديم التوبة أمام الدعاء، لما روى عن النبي ﷺ (إن الله تعالى أوحى إلى نبي من الأنبياء ﵈، أخبر قومك أنه لا يغرب علي شيء، فلا يدعوني أحد منهم وهو مقيم على ذنبه، فإنه لا يزداد مني إلا بعدا، ولا أزداد عليه إلا غضبا، ولكن ليتب ثم ليدعي). وليس معنى هذا الحديث عندي. أن المذنب لا تجاب دعوته بحال، فإنه لو كان هكذا لأشبه أن لا يجاب إذا قال: اللهم بغض إلى معاصيك ووفقني لما تحب وترضى، أو قال: اللهم تب علي ومعلوم أن له أن يقول هذا، ويأمل الإجابة. فوجه الحديث إذا- والله ألعم- أن لا يدعني أحد بأسمائي الحسنى ولا يتقرب إلي بالثناء على إتمام حاجة يستقضيها وهو مقيم على ذنبه، فإني وإن قضيت حاجته، فلا أعد دعاءه عادة، لأنه إنما أدخلته فيه حاجته لا تعظيمه إياي، وحبه إلي، إذ لو كان كذلك لم يعصني ولم يرتكب ما يهينه عنه، ولا يزداد مني إلا بعدا، لأني أرد عليه ثناءه ولا أقبله منه، ولا أزداد عليه غضبا لأني ابتليته بالحاجة التي لا يحملها دعائي فلم ير في حق جلالي وعظمتي أن يتقدس بالتوبة أمام دعائي، لكنه لزم خطيئته، ولم يفارق فيها عاداته. ولئن كان هذا الوعيد مع الإجابة فكأنه يقول: لا ازداد عليه إلا غضبا لأنه عرف الحاجة، فلم يتذلل بالتوبة، ثم رأى الإجابة فلم يشكر بالتوبة، فتغلظت ذنوبه السالفة بذلك، واستحق لها زيادة الغضب من الله تعالى.

عليه إلا غضبا لأنه عرف الحاجة، فلم يتذلل بالتوبة، ثم رأى الإجابة فلم يشكر بالتوبة، فتغلظت ذنوبه السالفة بذلك، واستحق لها زيادة الغضب من الله تعالى.

وفي هذا الحديث معنى آخر: وهو أن إجابة الدعاء للمصر على الذنب يكون تعريضا عاجلا له من الثناه على الله، فيخرج دعاؤه كذلك من جملة العبادات التي يثاب عليها في الآخرة، وينزل ذلك منزلة رد بنائه عليه التي يتداعى فإن دعاءه يكتب له عبادة حسنة، وأقل جزاء: الحسنة عشر أمثالها، يتعجل منها الإجابة ثم يكون ما وراءها مدخرا له إلى يوم القيامة. وأما الفصل الثاني: فقد جاء عنه فيه عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يحب الصالحين في الدعاء) وأنه ﷺ قال: (إن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل أو ساهي) وإنه ﷺ قال (إن الله إذا أحب عبدا ابتلاه لكي يسمع تضرعه) أي يجيب دعاءه، ويثيبه بتضرعه. وفي هذا بيان التضرع من آداب الدعاء والله أعلم. وأما الفصل الثالث: فقد جاء فيه عن النبي ﷺ أنه قال: (من سره أن يستجاب له عند الشدائد والكرب، فليكثر الدعاء في الرخاء). ويحتمل أن يكون الدعاء في الرخاء بدل الثناء والشكر والاعتراف بالمنن ومسألة التثبت والتوفيق والمعونة والتأييد والاستغفار لغواهم، والتقصير فإن العبد وإن جهد لم يوف ما عليه من حق الله تعالى بتمامه. وأما الفصل الرابع: فقد جاء فيه عن النبي: (إذا دعا أحدكم فليعزم في الدعاء. فإن الله لا يشكره له) وجاء أنه قال: (فليعزم في الدعاء ولا يقبل اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم اعطني إن شئت، وليسل مسألته عزما، فإن الله يشكره). ومعنى هذا: إن من سأل آدميا مثله فإنما يقول: إن رأيت وإن أملت وليتك، فقلت لا تقدر في المسؤول كراهيه، ويخش إن عزم عليه أن يحمله الحياء، أو معنى سؤاله على إجابة، وهذا لا يليق بالباري ﷿، لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

فقلت لا تقدر في المسؤول كراهيه، ويخش إن عزم عليه أن يحمله الحياء، أو معنى سؤاله على إجابة، وهذا لا يليق بالباري ﷿، لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

وإذا كان كذلك، وكان الدعاء سؤالا وطلبا وجب تجريد الطلب لأنه أخشع من خلافه فإن الطلب إذا كان تدللا، فكل ما كان منه أخلص وأبين كان التذلل فيه أشد والله أعلم. وأما الفصل الخامس: فقد جاء فيه عن النبي ﷺ أنه كان إذا سأل سأل ثلاثا، وإذا دعا دعا ثلاثا. وقد يجوز أن يدخل في هذا الباب الإلحاح، ولكن لأن الدعاء اوله وآخره على الله ﷿ وذكر له بمدائحه، وهو جل ثناؤه قال: ﴿اذكروا الله ذكرا﴾ وأقل الكثير ثلاث والله أعلم. وأما الفصل السادس: وهو أن لا يستشعر البأس إذا دعا فلم يظهر الإجابة ولكنه يدعو ما دامت الحاجة قائمة ولا يقطع الرجاء. فإن هذا يروى عن النبي ﷺ أنه قال: (يستجاب لأحدكم ما يعجل يقول: دعوت فلم يستجب لي فيخسر عند ذلك الدعاء) وهذا لأنه قد جاء في حديث آخر: (إن الله تعالى إذا أحب عبدا أخر إجابته ليسمع صوته، وإذا أبغض عبدا عجل إجابته أو ألقى البأس في صدره). فلا ينبغي للعبد أن يقطع الدعاء إذا لم ير له إجابة عاجلة، بل يحسن الظن بالله تعالى ويرجو أن يكون تأخيره إجابة دعائه لأنه ممن يحبه، فأراد أن يسمع تضرعه، فإن لم يقدر على هذا ولم تطاوعه نفسه عليه، واستشعر بأسا فأمسك عن الدعاء خيف أن يكون ممن كره الله صوته عن الدعاء بالإقناط. وأما الفصل السابع: وهو الاقتصاد في الدعاء على الجوامع، فلأنه يروى عن النبي ﷺ، أنه قال: (أحب الدعاء إلى الله وأعجبه إليه الجوامع) والله أعلم- مثل أن يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وأن يقول: اللهم إني أسألك خيرا من خير ما سألك به محمد عبدك ونبيك، ومثل أن يقول. (اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل. وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل). وما أشبه هذا.

لأنه إذا دعا بالجوامع فقد سأل الله تعالى من كل خير، وإذا اقتصر على حسنة بعينها، فقد قصر في النظر لنفسه، فلا ينبغي له أن يععدل عن الجوامع إلا أن تعرض له حاجة بعينها. فينبغي في المسألة عليها مثل أن يمرض له من يعز عليه أو يغيب أو يصل إليه قال أو يخاف أحدا، فيدعو الدعاء الجامع ويضم إليه الفرد الذي وجب الحال إلى مسألته والله أعلم. وأما الفصل الثامن: فهو الصلاة على رسول الله ﷺ، روي عنه ﷺ أنه قال: (إذا دعا أحدكم فليحمد الله ثم ليصلي على نبيه ثم ليسل) وقال: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله أقطع) والدعاء أمر ذو بال وقد يجوز أن يكون المعنى في حمد الله مدحه والثناء عليه وهذا شيء لا يخلو الدعاء منه. وقد يجوز أن يكون المعنى شكره على سوالف نعمه، رجاء أن يجعل الله ذلك الشكر سببا للمزيد، وأن تكون إجابة الدعاء مما تزيد، وإذا صلى على النبي ﷺ في أول الدعاء صلى الله عليه في آخر الدعاء، كما أنه يثني على الله تعالى ويذكره بمدائحه في طرفي الدعاء جميعا، وذلك إرجاء أن لا يميز الله تعالى دعاءه فيجب ويرد بعضه، وقد يكون لأن الدعاء وأركانه وآدابه إنما أخذ عن النبي ﷺ، وعلى لسانه علمنا الله تعالى ما علم. فيقضي ختمه عند الدعاء فرحا بما علمناه منه واعتدادا بالنعمة وجزيل الحظ فيه بأن يدعوا له قبل الدعاء الذي يكون في نفوسنا وبعده لما تدعوا له في صلاتنا بعد ذكر الله تعالى لهذا المعنى والله أعلم. وأما الفصل التاسع: هو الدعاء في حال الطهارة، فإنه يروى أن النبي ﷺ "توضأ حين دعا لأهل المدنية، وأمر عائشة أن تتوضأ ثم تدعو وهذا لأن الدعاء ذكر يراد به العبادة فهو كقراءة القرآن والأذان والخطبة، وكل منها تستحب له الطهارة، فاستحب للدعاء". وأما الفصل العاشر: وهو استقبال القبلة، فإنه يروى عن النبي ﷺ أنه استقبل القبلة حين دعا لأهل المدينة وحين دعا يوم بدر وهذا لأن استقبال القبلة في كل مجلس مستحب، لأن النبي ﷺ قال: "أشرف المجالس ما استقبل به القبلة" فهو باب

ل القبلة حين دعا لأهل المدينة وحين دعا يوم بدر وهذا لأن استقبال القبلة في كل مجلس مستحب، لأن النبي ﷺ قال: "أشرف المجالس ما استقبل به القبلة" فهو باب

يستحب الدعاء أحق، ولأن الدعاء ذكر يراد به العادة، فهو كالأذان وقراءة القرآن والله أعلم. وأما الفصل الحادي عشر: فهو الصلاة أما الدعاء، ولأن النبي ﷺ، كذلك فعل حين دعا لأمته بقباء، وقد قال الله ﷿ لنبيه ﷺ ﴿فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب﴾ فقيل معناه: فأجهد نفسك بالدعاء، وإليه فارغب وسله ما عنده من الخير، فإنه لا يمكنه ولا يمكن به غيره وفي هذا بيان. أن الدعاء ينبغي أن يكون بعد الصلاة والله أعلم. وأما الفصل الثاني عشر: وهو رفع اليدين بالدعاء لما يروى عن النبي ﷺ: "إن الله يستحيي من العبد أن يرفع إليه يديه فيردهما خائبتين" ومعنى يستحي لا يفعل، لأن في العادات أن من استحيا من شيء، تركه. ومعنى لا يفعل: أي لا ينبغي أن يكون الظن به أن لا يفعل لأن ذلك هو الأحسن، وحسن الظن بالله في الجملة أولى، ولأنه يؤثر عنه ﷻ أنه قال: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني". فالذي يليق بهذه المقدمة أن يكون الظن الداعي بالله ﷻ حين دعائه إياه أنه داخل في هذا الوعد، وإن كان ذلك خيرا يحتمل إطلاقه من الخصوص، والتقييد بالشروط ما يحتمله الأمر والنهي والله أعلم. وغاية رفع اليدين أن يحاذي بهما المنكبين، لما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "الدعاء هكذا، ورفع يديه حذو منكبيه، وجهل ظهورهما مما يلي السماء، والابتهال هكذا، ورفع يديه إلى السماء مدا. والإخلاص هكذا، ورفع إصبعه التي تلي الإبهام من اليد اليمنى ليشير بها" والابتهال أشد الدعاء فكذلك تمد اليدان به نحو السماء. وروي أن النبي ﷺ كان إذا أصابته شدة رفع يديه في الدعاء حتى يرى بياض إبطيه، وهذا- والله أعلم- على أن الداعي يمد يديه أشد ما يقدر عليه رفعا لهما نحو السماء، كالحريص على شيء يراد إلقاؤه إليه، لتكون يده أقرب إليه. فإن أصل

بطيه، وهذا- والله أعلم- على أن الداعي يمد يديه أشد ما يقدر عليه رفعا لهما نحو السماء، كالحريص على شيء يراد إلقاؤه إليه، لتكون يده أقرب إليه. فإن أصل

ورفع اليدين هكذا، وهو أن يكون الداعي كالمتكفف المتعرض، وإن يملأ كفيه مما يسل، وكذلك إذا جد به الأمر مدهما لما ذكرت. وأما الفصل الثالث عشر: وهو خفض الصوت بالدعاء، فإن الله ﷿ قال: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر في القول﴾ ومعنى ذلك أنه أخشع وأخضع، وذلك بحال الداعي أليق وأشبه. وأما الفصل الرابع عشر: وهو مسح الوجه باليدين بعد الدعاء، فلما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "ما يمنع أحدكم إذا عرف الإجابة في نفسه، فشفي من مرض أو قدم من سفر أن يقول الحمد لله الذي بعزته وجلاله تتم الصالحات، وإذا أبطأ عليه شيء من ذلك أن يقول: الحمد لله على كل حال وهذا أيضا على حسن الظن بالله ﷻ وأنه لم يؤخر الإجابة إلا لحين علمه لعبده، وأراد به ولم يستشعر به، ولا بأسا يمنعه عن الدعاء في المستقبل. وقال اللهم لك الخلق والأمر. تفعل ما تريد وأنت على كل شيء قدير". وأما الفصل الخامس عشر: وهو أن لا يخلي يوم وليلة من الدعاء لما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "لكل مسلم ومسلمة في كل يوم وليلة دعوة مستجابة". وأيضا فقد جاء عن النبي ﷺ: "من لم يدع غضب الله عليه" وقال ﷿ بعد قوله: ﴿أدعوني استجب لكم. إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾. فإذا كان هذا هكذا، فما ينبغي لأحد أن يخلي يوما وليلة من الدعاء لأن الزمان يوم وليلة وما وراءهما تكرار فإذا كان ترك الدعاء أصلا موجب الغضب، فأدنى ما في تركه يوم وليلة والله أعلم. وأما الفصل السادس عشر: فهو تحري الأوقات والأحوال والمواطن أرجى من بعض والدعاء طلب واستنجاح، فينبغي أن يتحرى له ما يقرب منه النجاح والإجابة. فالأوقات التي تقدم ذكرها خمسة:

أولها: بين الظهر والعصر من ظهر الأربعاء، قال جابر بن عبد الله دعا رسول الله ﷺ في مسجد ثلثا يوم الاثنين ويوم الثلاثاء فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين، فعرفت البشر في وجهه، قال جابر فلم يزل في أمرهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة، فأدعو فيها فأعرف الإجابة. وقد يحتمل ما جاء في هذا الحديث أن وجهه ما جاء في خبر يرويه عن النبي ﷺ أنه قال: "أتاني جبريل فقال أن الله يأمرك أن تقشي باليمين مع الشاهد" وقال: يوم الأربعاء يوم نحس مستمر" ومعلوم أنه لم لذلك أنه نحس على المصلحين بل أراد به نحس على الفجار المفسدين. كما كانت الأيام النحسات المذكورة في القرآن نحس على الكافرين من قوم عاد لا على نبيهم، والمؤمنين منهم. وإذا كذلك أن تمهل الظالم من يوم الأربعاء إلى نزول الشمس، فإذا أدبر النهار ولم تحدث رجفة استجيب دعاء المظلوم عليه، فكان اليوم نحسا على الظالم. ودعاء النبي ﷺ إنما كان على الكفار قول جائز لم يترك أمر غائظ فيه إشارة إلى ما ذكرت والله أعلم. والثاني: ما بين زوال الشمس من يوم الجمعة إلى أن تغرب الشمس، فإن النبي ﷺ قال: "في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه" ثم روي عنه: "أن تلك الساعة قبل غروب السمي أغفل ما يكون الناس". وروي عنه ﷺ أنه أخبر: "أن الساعة ما بين أن يجلس إلى أن يقضي الصلاة" وهذا إما أن يكون إذا جلس الإمام قبل أن يفتتح الخطبة وإما بين خطبته، وإما بين الخطبة والصلاة، وأما في الصلاة بعد التشهيد. وروي عنه ﷺ أنه كان في صلاة العصر من يوم الجمعة، فلما صلى ركعتين جاء كلب ليمر بين يديه، فدعا عليه رجل من القوم فوقع ميتا، فصلى رسول الله ﷺ الركعتين الأخريين، فلما قضى صلاته قال: "من الداعي على هذا الكلب؟. قال سعد بن مالك:

ليمر بين يديه، فدعا عليه رجل من القوم فوقع ميتا، فصلى رسول الله ﷺ الركعتين الأخريين، فلما قضى صلاته قال: "من الداعي على هذا الكلب؟. قال سعد بن مالك:

أنا يا رسول الله. قال: بأي شيء دعوت؟ قال: قلت: سبحانك لا إله إلا أنت بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، أهلك هذا الكلب. فقال: "والذي بعثني بالحق، لقد دعوت في ساعة لو دعوت فيها على ما بين السماء والأرض لاستجيب لك". وقال بعض العلماء: هذه الأخبار في يوم الجمعة غير متنافية، لأنه أخبر أن فيها ساعة، ثم أجاز أن تكون كل ساعة من الساعات المذكورة تلك الساعة، كما أخبر ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، ثم أجاز أن يكون كل وتر من أوتارها تلك الليلة والله أعلم. والثالث: الأسحار، روي أن النبي ﷺ سئل لما أخر يعقوب بنيه إلى السحر فقال ﷺ: "لا دعاء السحر مستجاب"، وقد أثنى الله ﷿ على المتهجدين بالأسحار فقال: ﴿كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون﴾. وقال: ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾ قبلت بذلك فضيلة هذا الوقت. والرابع في الافياء روي عن النبي ﷺ أنه قال: "تحروا الدعاء في الافياء" فقيل معناه أن يتحول الظلال عن الزوال من جانب إلى جانب. وقيل معناه: إذا فات الافياء وذلك قبل غروب الشمس بيسير. والخامس. يوم عرفة. وروي عن النبي صلى الله عيه وسلم قال: أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك ولع الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير". وقد يجوز أن تكون تسمية النبي ﷺ هذا الذكر، وإن لم يكن ندا ولا سؤالا، لأن الغرض منه ذلك اليوم، وفي ذلك الوقت خير يعود من الله ﷿ على الذاكر، فكان بالحقيقة سائلا، وإن كان لا يأتي بلفظ السؤال كالذي يطوف على بعض الأبواب والأسواق، ليدعو الناس يكون سائلا، وإن حذف لفظ السؤال، وعلى أن الذاكر قد يثني على الله ﷿ بمحامده، ويظهر حاجته فلا يبوح بها، علما بأن الله تعالى يعلمها مني ويشتغل

دعو الناس يكون سائلا، وإن حذف لفظ السؤال، وعلى أن الذاكر قد يثني على الله ﷿ بمحامده، ويظهر حاجته فلا يبوح بها، علما بأن الله تعالى يعلمها مني ويشتغل

بالذكر مكان التكلم بحاجته اعتمادا على ما بلع الرسول عن ربه ﷿: (من شغله ذكري عن مسألتي أعطلته أفضل ما أعطي السائلين) وبالله التوفيق. وأما الأحوال التي سبق ذكرها فسبع أولها: حال النداء للصلاة، وبين الأذان والإقامة، وعند الإقامة لما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا نودي للصلاة فتحت أبواب السماء، وأبواب الجنان واستجيب الدعاء" ومعنى هذا- والله أعلم- أن الله يستجيب الذين يسمعون النداء للصلاة فيأتونها ويقيمونها كما أمروا به إذا دعوه وسألوه، لتكون إجابته- جل ثناؤه- إياهم إلى ما سألوه ثوابا عاجلا بمسارعتهم إلى ما أمرهم به. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: "الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد" وعنه ﷺ: "إنه إذا أقيمت الصلاة لم تر دعوة" وعنه ﷺ: "تفتح أبواب السماء عند الإقامة، ويستجاب الدعاء". والثانية فطر الصائم. يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "للصائم عند فطره دعوة لا ترد". والثالثة. نزول الغيث. جاء عن النبي ﷺ. (إن أبواب السماء تفتح عنده) وقال الله ﷿: ﴿وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته﴾ فبان بهذه الآية أن حال نزول الغيث حال رحمته، والاسترحام في حال الرحمة إرجاء فيه حال لا يعرف حقبها. والرابعة: التقاء الصفين. وفي هذه أيضا جاء النبي ﷺ: "أن أبواب السماء تفتح عندها، وأحد ما تفتح السماء أن يكون مثلا لإجابة الدعاء". أي أنه لا يحجب، ومعنى لا تحجب تجاب ولا ترد. والخامسة: اجتماع المسلمين على الدعاء. فإنه يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "لا

يجتمع أربعون رجلا من المسلمين يدون في أمر واحد إلا استجاب لهم حتى لو دعوا على جبل لزلزلوه" وقد يحتمل أن يكون هذا، لأن الأربعين عدد من يلزمهم الجمعة وتنعقد بهم، وعدد المسلمين الذين لما بلغوه أظهروا الإسلام، فيرجأ إذا بلغ عدد الدعاة هذا إن يلحقهم الله تعالى بجماعة المسلمين الذين لو أمكن أن يجتمعوا على دعاء فاجتمعوا عليهم لاستجاب لهم وبالله التوفيق. والسادسة: أدبار المكتوبات. يروى أن النبي ﷺ سئل. أي الدعاء أسمع؟ قال: "شطر الليل الآخر، وأدبار المكتوبات". وهذا قد يلتحق بقول الله ﷿. ﴿فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب﴾ وقد تقدم الكلام فيه. وقد يحتمل أن يكون المعنى في أدبار المكتوبات أن القوم لما أوفوا ما عليهم منها طالبين به رضوان الله تعالى. وقد يرجى أنهم دفعوا في تلك الحال حاجة أجيبوا، لأن الإجابة في حال كأن منهم فيها ما يوجب الرضى عنهم أرجئ منها في حال سواها والله أعلم. والسابعة: القيام في المجلس. وهذه الحال إنما يدعي فيها الكفارة المجلس دون غيرها. وروي عن رسول الله صلى الله عليها وسلم أنه قال: "كفارة المجلس أن يقول: إذا أردت أن تقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارت اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك" وقل سبحانك اللهم وبحمدك، استغفرك وأتوب إليك، لأن النبي ﷺ كان يكثر أن يقول بعد نزول سورة الفتح: فلقصيري عليه، وذلك لأن نفسه نعيت إليها بها، فينبغي لكل من ظن أنه لا يعيش مثل ما قد عاش أو قام من مجلس يظن أن لا يعود إليه أن يستعمل الذكر والله أعلم. وأما المواطن فسبعة: الموقفان والجمرتان وعند البيت وعلى الصفا، وعلى المروة. جاء عن النبي ﷺ أنه قال: "لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن فذكرها" والمعنى. لا ترفع الأيدي بالدعاء إلا في هذه المواطن، لأنها ترفع فيها بالدعاء لفضلها، ولما يرجى من الإجابة عندها.

ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن فذكرها" والمعنى. لا ترفع الأيدي بالدعاء إلا في هذه المواطن، لأنها ترفع فيها بالدعاء لفضلها، ولما يرجى من الإجابة عندها.

فصل وكل ما ذكرت من الأوقات والأحوال والمواطن فإنها أسباب تقوي الرجاء بالله جل ثناؤه، وفي إجابة الدعاء، لأن الدعاء لا يقبل إلا عندها، فمن عرضت له حاجة في غيرها، فلا ينبغي له أن يمتنع من الدعاء خيفة الرد، بل يدعو قوي الرجاء، حسن الظن بالله تعالى، فإنه يستجيب دعاءه بجودة وكرمه. فصل إن قال قائل: إذا كان الله تعالى قد قدر التقادير ودبر الأمور وميز السعداء من الأشقياء، وأجرى العلم بمن هو صائر إلى الجنة أو صائر إلى النار، فما فائدة الاجتهاد في العبادات. ما نقول له؟ فإن قال: العبادات مأمور بها وإنما على العبد الطاعة والتدبير إلى الله تعالى. قيل له: فإن إحدى العبادات الدعاء وهو مأمور به، وسئل العبادات يسمعوا ويطيعوا ويدعو الله تعالى في الشدة والرخاء والتدبير إلى الله تعالى. وإن قال: إنما ينبغي الاجتهاد في العبادات لأنه قد أبان أن المطيع يدخل الجنة والعاصي يدخل النار، فكل يجتهد برجاء أن يدخل الجنة قيل، وقد أمر بالدعاء، وقال حكاية عن نبي من أنبيائه ﵈ أنه قال: ﴿لا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا الثوم الكافرون﴾ وقال: ﴿ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾. وجاء عن النبي ﷺ: "من لم يدع غضب الله عليه". فينبغي للعبد أن يدعو أو يرجو إنجاح حاجاته من الله تعالى، فإنه إن لم يفعل كان إما قانطا وإما مستكبرا، وكل واحد من الأمرين موجب للغضب. ويقال له: أليس العبد وإن اجتهد فقد كان ممكنا أنه يجتهد أن يدخله الجنة بفضله فما معنى الاجتهاد؟ فإن قال: يجوز أن يكون عند الله تعالى انه إن اجتهد ثبته بالقول الثابت في الحياة

اجتهد فقد كان ممكنا أنه يجتهد أن يدخله الجنة بفضله فما معنى الاجتهاد؟ فإن قال: يجوز أن يكون عند الله تعالى انه إن اجتهد ثبته بالقول الثابت في الحياة

والدنيا وفي الآخرة فأدخله الجنة، وإن ساهل نفسه واتبع الشهوات سلبه الإيمان وأدخله النار. قيل: وقد يجوز أن يكون عند الله تعالى أن العبد إن سأله خيرا من خير الدنيا والآخرة أتاه إياه، وإن لم يسأله لم يؤته، وأنه إن استعاذ به من النار أعاذه، وإن لم يستعذ به منها لم يعذه. فينبغي لهذا أن يدعوه. ويقال له: أليس الله ﵎، قد قدر الأعمال والآجال والصحة والسقم فما فائدة التداوي من الأمراض؟. فإن قال: قد أمر رسول الله ﷺ بالتداوي. قيل له: قد أمر الله بالدعاء، وأنه قال يجوز أن يكون عند الله تعالى في بعض المرضى أنه إن تداوى سلم فعاش، وإن أهمل أمره أفسده المرض فهلك. قيل: ويجوز أن يكون عند الله أن بعض المرضى إن دعاه وسأله العافية أو دعا وسأل له عزة عافاه. وإن لم يدع لنفسه ولا دعا غيره أهلكه، فليحسن الدعاء بمثل ما أحسن له الدواء وبالله التوفيق. فصل إن سأل سائل: عن قول الله ﷿: ﴿ادعوني استجب لكم﴾ وقال: قد يدعي فلا يستجيب، فما وجه هذا؟ قيل: أمره ﷻ بالدعاء للإجابة كالأمر بالتداوي للعافية، وخلقه الدواء لإماطة الداء ثم قد يتداوى فلا تكون العافية، وقد يتداوى من الداء بدوائه فلا يزول، ولا سؤال يؤخذ هناك فكذلك هاهنا. ونقول: معنى قوله جل ثناؤه ادعوني استجب لكم، أي بحسب نظري لكم ورحمتي لكم، لا بحسب أهوائكم وأمنيكم، صحت أو فسدت وخفت أو بطلت لأن هذه الآية غير مفردة في القرآن عن أخرى فيها بينا بها، وهو قوله ﷿: ﴿ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض﴾ وقوله: ﴿ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير،

وكان الإنسان عجولا﴾ وذلك والله أعلم- على معنى أنه ربما دعا بما هو شر له ولا يدري، فيحسبه خيرا له. فدلت الآيتان جميعا على أن الله تعالى إنما يستجيب الدعاء بالمستجمع شرائطه إذا علم للداعي فيما سأل خيرا. فأما إذا علم أن له فسادا أو شرا فإنه لا يستجيب له دعاءه إكراما وثوابا له بدعائه. ولكنه إذا كان عليه ساخطا فقد يفعل ذلك به عقوبة له والله أعلم. وقيل: ليس بشيء من دعاء المؤمنين إذا استجمع شرائطه غير مستجاب لأنهما منزلتان الإجابة أو الرد. فإذا لم يكن رد فليس إلا الإجابة. والرد أن لا يعطي بدعائه شيئا فتكون منزلته بعد ما دعا كمنزلته قبل أن يدعو، أو ما عدا هذا فليس يرد وإنما هو إجابة. إلا أن الإجابة تختلف كما قال النبي صلى الله عيه وسلم: "ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليست فيها قطيعة رحم، ولا إثم، إلا أعطاه إحدى خصال ثلاث: إما يقبل دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يدفع عنه مثلها، قال يا رسول الله. إذا نكبر. قالوا الله تعالى أكثر أتي الله أكثر خيرا وفضلا لا يعجزه اعطاؤكم وإن كثر سؤالكم". فبأن بهذا الحديث أن الإجابة تنقسم ستة أقسام أحدها عطاء السائل عما سأل، ثم قد يكون ذلك قريبا، وقد يكون بعيدا. والآخر: تعويضه منه مثله أما خيرا بعطائه، أما شرا يصرف عنه وهذا أعظم ما تكون معنى للإجابة، وإذا كان الله جده أوجب على عبده غير حق ثم رضي منه بالبدل والفدية ويجعله بها مؤديا حقه، فكيف لا يجيب العبد ما يعوضه الله تعالى من دعائه ومسألته إجابة له وتصريفا لأمله. بل يرى أن ذلك رد وتحبيب. والثالث. أن يعوضه في الآخرة. ومعنى ذلك أن يغفر له، فكان ما سأل في الدنيا دينا أو ذنوبا في الآخرة، فيعود هذا إلى صرف بلية بقدر ما سأل بدعائه لأنه لا بلية أعظم من النار، فإذا أشرق عليها، ثم صرف عنها كان سروره بذلك أشد من سروره في الدنيا بما سأله لو كان أعطاه. وفي هذا أيضا إجابة دعائه لأنه لا يخلو من أن أعطى به شيئا كان لا يعطاه ولا دعاؤه

رف عنها كان سروره بذلك أشد من سروره في الدنيا بما سأله لو كان أعطاه. وفي هذا أيضا إجابة دعائه لأنه لا يخلو من أن أعطى به شيئا كان لا يعطاه ولا دعاؤه

وليس هذا من الرد بمستحيل. فأما قول الله عز. ﴿بل أياه تدعون﴾ فيكشف ما تدعون إليه إن شاء، وهذا للكفار كقوله. ﴿وتنسون ما تشركون﴾ وهو كقوله هز وجل: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما أنجاهم إلى البر إذا هم يشركون﴾. إن انه قد يحرمهم ويرد دعاءهم بكفرهم، قد يجبهم عين ما يسألون تأكيدا للحجة عليهم. أما المؤمنون فإن دعاءهم لا يرد إذا استجمع شروطه، ولكنه يجاب، ثم الإجابة على ما كشفت وبالله التوفيق. فصل فأما الفرق بين دعاء الرجل لغيره بالخير وبين الشفاعة له، فهو أن الدعاء إنما يكون قبل ظهور حال المدعو أو لعله حسن الحال عند الله تعالى، وما يراد له حاصل بلا دعاء أحد، فيكون الدعاء لمن يدعو له محافظة على حق الإسلام الجامع بينهما، أو حق المدعو له قبله ولم يكن شفاعة. أما الشفاعة فإنها تكون بعد أن يظهر سوء حال المشفوع له، معناها استهاب العقوبة أو استحاط المتعة، فلا تحل إلا لمن كان حسن الحال عند الله تعالى، ومن لم يعلم ذلك لنفسه، فمن المحال أن يشفع لغيره، ولعله محتاج إلى من يشفع له. فلهذا لم تكن الشفاعة مطلقة لا تكون إلا من عن المذنب للمذنب، فدل ذلك على تباينها والله أعلم. نجز الجزء الأول من كتاب الحليمي وبالله التوفيق. يتلوه في الجزء الثاني إن شاء الله تعالى الثالث عشر من شعب الإيمان، وهو باب في التوكل على الله جل ثناؤه .. على يد العبد الفقير إلى الله تعالى الراجي عفوه وامتنانه أحمد بن محمد الشافعي البتنوي الكناني نسبا غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين آمين آمين ...

الثالث عشر من شعب الإيمان

  • وهو باب في التوكل على الله جل ثناؤه - قال الله ﷿:﴾ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيمانًا، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ﴿. وقال لنبيه ﷺ:﴾ إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده، وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴿. وقال ﷿﴾ والله يكتب ما يبيتون، فاعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ﴿. وقال ﷿:﴾ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم، إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم، فكف أيديهم عنكم واتقوا الله، وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴿. وقال:﴾ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون ﴿. وقال:﴾ ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون ﴿. وقال:﴾ هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب ﴿وقال:﴾ وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده. وكفى به بذنوب عباده خبيرًا﴾.

وقال:﴾ وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم، وتقلبك في الساجدين ﴿. وقال:﴾ فتوكل على الله إنك على الحق المبين ﴿وقال:﴾ يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليمًا حكيمًا، واتبع ما يوحي إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرًا وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ﴿.

لله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليمًا حكيمًا، واتبع ما يوحي إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرًا وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ﴿. وقال:﴾ قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا ﴿وقال﴾ رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا ﴿. وقال:﴾ الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴿. وقال:﴾ ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرًا ﴿وقال:﴾ والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوءنهم في الدنيا حسنة، لأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون، الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ﴿وقال:﴾ إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئًا إلا بإذن الله، وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴿. وقال حكاية عن إبراهيم ﷺ أنه قال:﴾ ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ﴿وقال حكاية عن نوح ﵇ أنه قال لقومه:﴾ يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله. فعلى الله توكلت فاجمعوا أمركم وشركاءكم، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة، ثم افضوا إلي ولا تنظرون. إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم ﴿. وقال حكاية عن يعقوب ﵇.﴾ يا بني لا تدخلوا من باب واحد، وادخلوا من أبواب متفرقة، وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت، وعليه فليتوكل المتوكلون ﴿. وقال حكاية عن شعيب أنه قال لقومه لما أرادوه أن يعود في ملتهم.﴾ وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شيء علماً، على الله توكلنا، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ﴿. وقال حكاية عن موسى ﵇ أنه قال

ها إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شيء علماً، على الله توكلنا، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ﴿. وقال حكاية عن موسى ﵇ أنه قال

لقومه: ﴿إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين. فقالوا على الله توكلنا، ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين ﴿وقال في قصة موسى صلوات الله عليه.﴾ قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما، ادخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ﴿. وقال حكاية عن رسل قالوا لقومهم:﴾ إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون، وما لنا إلا أن نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون ﴿. وجملة التوكل تفويض الأمر إلى الله ﷿ والثقة بحسن النظر فيما أمر به وأباحه، واحده من وكل يكل، إلا أنه يقال: وكل الأمر إلى فلان وقد توكل على الله. لأن المعنى يحمل ذلك ويكله اعتمادًا على الله جل ثناؤه وهو من باب الاختصار. واختلف أهل المصائر في ذلك. فقال قائلون: التوكل الصحيح ما كان من قطع الأسباب، فإذا جاء السبب إلى المراد ارتفع التوكل وقال آخرون: كل أمر بين الله تعالى لعباده فيه طريقًا ليسلكوه إذا عرض لهم والتوكل يقع منهم في سلوك تلك السبيل والتسبب به إلى المراد، فإن فعلوا ذلك متوكلين على الله في أن ينجح سعيهم ويبلغهم مرادهم كانوا آتين الأمر من بابه، ومن جرد التوكل عن السبب بما جعله الله سببًا، فلم يفعل ما أمر به ولم يأت الأمر من بابه واحتج الأولون بالآيات المطلقة التي فيها أمر بالتوكل ومدحه، وبما روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: (يدخل من أمتي سبعون ألفًا من غير حساب، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون). وبما جاء عنه ﷺ من قوله: (لو أنكم تتوكلون على الله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا

خماصًا وتروح بطانًا،. وبأنه قال: (الذي عرض أن يعالجه من زيادة رآها بظهره طيبها الذي خلقها). وبأنه ﷺ قال: (أبي الله أن يجعل أرزاق عباده المؤمنين من حيث يحتسبون). وبأنه ﷺ قال: (إن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تكمل رزقها فاتقوا الله واجملوا في الطلب). وبأنه ﷺ قال لعبد الله بن مسعود: (لا تكثر همك، فما تقدر يكن وما ترزق يأتك). وبأن رسول الله ﷺ قال: حكاية عن الله ﷿. (أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما يشاء إن خيرًا أو شرًا). واحتجوا أيضًا بقصة مريم ﵍، وقول الهل جل ثناؤه:﴾ كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا. قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴿. وإن النبي ﷺ قال:) انتظار الفرج من عند الله عبادة) وبأن أبا بكر الصديق ﵁ مرض فقيل له: ألا ندعو لك طبيبًا؟ فقال: قد رآني الطبيب، فقالوا ما قال؟ قال لي. إني فعال لما أريد، وإن أبا الدرداء ﵁ مرض فقيل له، ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي. فقيل له: ما تشتهي؟ قال: الجنة. فقالوا: ألا ندعوا لك الطبيب، فقال: هو أضجعني. واحتجوا أيضًا بأنا وجدنا كثيرًا من الصابرين المتعففين يفعلون، وكثيرًا من المرضى يعالجون فيموتون، وكثيرًا منهم لا يعالجون فيبرأون، وكثيرًا من الناس يدخلون المفازة بلا زاد فيرزقون، وكثيرًا منهم يدخلونها بأزواد فتذهب ويرقأون. وكثير من الناس

يموتون، وكثيرًا منهم لا يعالجون فيبرأون، وكثيرًا من الناس يدخلون المفازة بلا زاد فيرزقون، وكثيرًا منهم يدخلونها بأزواد فتذهب ويرقأون. وكثير من الناس

يبتلون بالسلطان الجائر والسبع فيسلمون، وكثيرًا منهم يضطرون في طلب الخلاص فلا يجدون. فعلمنا مدار هذه الأمور على مشيئة الله تعالى وحدها، فكان التوكل فيها أحق من غيره، وأولى بالسلم مما سواه. واحتج الآخرون بأن الله تعالى قال للحجاج وهم زواره ووفوده:﴾ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ﴿أي فإن خير الزاد ما عاد على صاحبه بالتقوى. وهو أن لا يتكلوا على ازواد الناس ويضيقون عليهم، ومن دخل البادية بلا زاد متوكلاً، فإنما يرجو أن يقبض الله تعالى له من يواسيه من زاده، وهذا عين ما أشارت الآية إلى المنع منه. فبان أنه لا معنى لاستحبابه، وإنما المستحب هو التزود، والحارس إذا لم يكن زاد حتى يكون. وأيضًا قال رسول الله ﷺ: (وجعل رزقي تحت ظلال رمحي) فلو كان انتظار الرزق بالصبر، والصمت أفضل من طلبه بما أذن الله تعالى فيه لما حرم الله تعالى رسوله أفضل الوجهين وعرضه لإرغامه. وجاء في الأخبار، قال أبو هريرة ﵁ بينا أبو بكر وعمر ﵄ جالسان، إذ جاء النبي ﷺ فقال لهما: (ما أخرجكما؟ قال: الجوع، خرجنا نبغي شيئًا، فقال: والذي بعثني بالحق أنه الذي أخرجني فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن نبهان وهو من الأنصار فرحب بهم وقدم إليهم رطبًا باردًا وماء باردًا). فدل هذا الحديث على أن من احتاج إلى طعام فلم يجده ولم يعلم أحد حاله كان عليه أن يخبر بحاله من يظن أن عنده وقاء بغيرها لا أن يسكت ويتصبر. وقال أصحاب الصفة لرسول الله ﷺ: (لقد لبثت أنا وصاحبي بضعة عشر يوماً بلا طعام إلا البربير، والله لو أجد الخمر واللحم لأطعمنكم، ولكن لعلكم تدركون أو من يدرك منكم، يلبسون مثل استار الكعبة وتروح الخفان، وتغدو عليكم وأنتم اليوم خير

لا البربير، والله لو أجد الخمر واللحم لأطعمنكم، ولكن لعلكم تدركون أو من يدرك منكم، يلبسون مثل استار الكعبة وتروح الخفان، وتغدو عليكم وأنتم اليوم خير

منكم يومئذ أنتم اليوم أخوان، وأنتم يومئذ يضرب بعضكم رقاب بعض). ففي هذا الحديث أن أصحاب الصفة لم يصبروا على المجاعة حتى اعلموا من أملوا أن يغير أحوالهم. فلم ينكر ذلك رسول الله ﷺ، ولكنه أجابهم بما سئل عنه. فدل ذلك على أن طلب ما تقع الحاجة إليه ليس بمضاد للتوكل إذا كان الطالب لا يطلب إلا متوكلا على الله تعالى في أن إظفاره بمطلوبه إن شاء الله في حديث آخر عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (أقام رسول الله ﷺ أيامًا لم يطعم الطعام حتى شق ذلك عليه، فطاف على منازل أزواجه فلم يصب عند واحدة منهن شيئًا، فأتى فاطمة ﵂ فقال: يا بنية، هل عندك شيء آكله فإني جائع. فقالت: لا والله بأبي أنت وأمي. فلما خرج رسول الله ﷺ من عندها بعثت لها جارة برغيفين وبضعة لحم. فأخذته منها ووضعته في جفنة لها وغطت عليها. وقالت: والله لأوثرن بهما رسول الله ﷺ على نفسي من عندي، وكانوا جميعًا محتاجين شبعة طعام، فبعثت حسنًا أو حسينًا إلى رسول الله ﷺ، فرجع إليها. فقالت بأبي أنت وأمي، قد أتانا الله تعالى بشيء فخبأته لك، فقال: هلمي، فأتته فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزًا ولحمًا، فلما نظرت إليها بهتت، وعرفت أنها بركة من الله ﷿، فحمدت الله جل ثناؤه وصلت على نبيه ﷺ. فقال: من أين لك يا بنية. فقالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فحمد الله ﷿ وقال (الحمد لله الذي جعلك الله يا بنية شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل، فإنها كانت إذا رزقها الله تعالى شيئًا فسئلت عنه، قالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب. فبعث رسول الله ﷺ إلى علي ثم أكل وفاطمة والحسن والحسين وجميع أزواج النبي ﷺ وأهل بيته حتى شبعوا. قالت فاطمة وبقيت الجفنة كما هي، فأوسعت منها على جيراني، وجعل الله ﷿ فيها بركة وخيرًا كثيرًا). فأما ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب، هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) فقد يحتمل

أن يكون أراد بهم العاطين عن أحوال النار، وما فيها من الأسباب المعدة لدفع الآفات والعوارض، فهم لا يعرفون الاكتواء ولا الاسترقاء، ولا يعرفون فيما ينزل بهم ملجأ إلا الدعاء والاعتصام بالله ﷿. وقد روى عن النبي ﷺ أنه قال: (أكثر أهل الجنة البله عن شهوات الدنيا وزينتها، والحبائل التي الشيطان فيها) وقال الله ﷿:﴾ إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات ﴿فقيل: أراد الغافلات لما يرمين به من الفحشاء لا يتفكرون فيها ولا تخطر بقلوبهن، فلا تكون من همهن. فكذلك هؤلاء الذين أثنى عليهم رسول الله ﷺ في هذا الخبر هم الغافلون من طب الأطباء ورقي الرقاة فلا يحسنون منها شيئًا إلا الذين يحسنونها فلا يستعملونها. والدليل على صحته إن سيد المتوكلين رسول رب العالمين يروى عنه أنه اكتوى من الكلم الذي وقع بوجهه يوم أحد، وكوى سعد بن زرارة من الشوكة، وأمر أبي بن كعب أن يكتوي من سهم أصابه يوم بدر، فدل ذلك على أن الاكتواء الذي وصفه الله تعالى فلا يستشفى به مع التوكل على الله في أن موقعه موقع النفع. ويشفى به. أفضل من التوكل بلا اكتواء ولا غيره من صروف المعالجات. وأما ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لو تتوكلون على الله يرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانا) فأول ما فيه: أن الطير إذا غدت فإنما تغدو بطلب الرزق، ومعروف من عاداتها أنها لا تقع إلا حيث تبصر لقطا، وإنها لا تزال تسبح في الهواء حتى ترى ماء فتنزل عليه، وكل ذلك ابتغاء منها للرزق. فثبت أن الأولى بالحديث أن يحمل على أن الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل المال، ولو توكلوا على الله جل ثناؤه في ذهابهم وصحبهم وتصرفهم، ورأوا أن الخير بيده ومن عنده، ولم يتصرفوا قط إلا سالمين غانمين كالطير الذي يغدو خماصا وتروح بطانا ولكنهم يعتمدون على قوتهم وحذرهم، فيفتنون ويكذبون، ويحلفون على الباطل ولا ينالون وكل هذا خلاف التوكل ونقيضه، فلذلك يخفقون. فتارة تقطع عليهم الطريق، وتارة يكسد المتاع وينخفض السعر،

م، فيفتنون ويكذبون، ويحلفون على الباطل ولا ينالون وكل هذا خلاف التوكل ونقيضه، فلذلك يخفقون. فتارة تقطع عليهم الطريق، وتارة يكسد المتاع وينخفض السعر،

وتارة يفلس المشترون إلى غير ذلك من وجوه الخسران. ومثل هذا إن الخرابين يتركون التوكل على الله فيظلمون الكثير. إن اللائي يخربون عليها ويعيدون على شركائهم في الماء، وعسى أن لا يؤدوا حق الله تعالى فيما تخرجه الأرض، فلذلك بعث عليهم بالجراد والبرد، ويقطع عنهم الماء، ويزاد على الحاجة حتى يكون منه الغرق والضياع. والآخر: يخربون ولا ينفتحون، وذلك منهم ترك للتوكل، فلذلك لا يرزقون ما يريدون. فهذا أشبه بمعنى هذا الحديث مما سواه وبالله التوفيق. وأما ما جاء عن النبي ﷺ الذي عرض عليه أن يعالجه من الزيادة التي رأتها بظهره طبيبها الذي خلقها، فيحتمل أن يكون لم يثق بالذي يعرض لمعالجته فدفعه بأحسن وجه وأجمله. والدليل على ذلك أنه قد عالج وداوى كما سنبينه بعد انقضاء الكلام في هذه المنزلة إن شاء الله ﷿. فأما ما روى عنه ﷺ من قوله: (إن الله يرزق عباده المؤمنين من حيث لا يحتسبون) فمعناه. أبى الله أن يجعل أرزاقهم من حيث يحتسبون وهو كذلك، ولكنه قد جعل كثيرًا من أرزاقهم من حيث يحتسبون. كالتاجر رزقه من تجارته والحراث رزقه من حراثته، والصانع يرزقه من صناعته، والمحتاجين يرزقهم من صدقات المسلمين هذا هو الأصل العام. وقد تخرج منه أمور نادرة كالرجل يصيب معدنا أو ركازًا من حيث لا يحتسب أو يموت له قريب فيرثه أو نحو ذلك. ونحن لم نقل إن الله تعالى لا يوصل أحدًا إلى خير إلا بجهد وسعى وتكلف، وإنما قلنا إنه قد بين لخلقه وعباده طرقا جعلها أسبابا لهم إلى ما يريدون، فالأولى بهم أن يسلكوها متوكلين على الله تعالى في بلوغ ما يؤملونه دون أن يعرضوا عنها ويجردوا التوكل منها. وليس في الحديث ما يفسد قولنا والله أعلم. وأما قوله ﷺ: (إن روح القدس نفث في روعي إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله واجملوا في الطلب). فأول ما فيه أنه أمر بالطلب وأذن فيه، إلا أنه أمر بإجماله، وإجمال الطلب هو المقرون منه بالتوكل. فإنه إذا خلا منه وكان

فاتقوا الله واجملوا في الطلب). فأول ما فيه أنه أمر بالطلب وأذن فيه، إلا أنه أمر بإجماله، وإجمال الطلب هو المقرون منه بالتوكل. فإنه إذا خلا منه وكان

الطالب ملاحظا في طلبه قواه ومكائده وحيله لم يكن مجملاً للطلب، وكان ذلك منفيا عنه والله أعلم وأما قوله ﷺ لابن مسعود: (لا تكثر همك فما تقدر يكن وما ترزق يأتك) فليس فيه المنع من الطلب، وإنما فيه المنع من الهم، وذلك على أصل الحرص الشديد، لا يزال أحدهم جده واجتهاده مهموما قلقا يخشى أن يضيع ما عنده، ولا يأتيه ما ليس عنده، وذلك خلاف التوكل، وإنما نهى رسول الله ﷺ عنه لا عن الطلب، فمن طلب من الوجه المأذون فيه، وفوض أمره في اتجاه طلبه وأرباح تجارته، وإحسان عقبى حراثته إلى الله تعالى، وآمل منه الخير والبركة فلا عتب عليه والله اعلم. وأما قوله ﷺ: (أنا عند ظن عبدي بي فليظن ما شاء إن خيرًا أو شرًا). فلا دليل منه على كراهية السعي والطلب، ألا ترى أنه لا يدخل في هذه الجملة أن يكون الطعام جاهزًا والحاجة واقعة، فيمتنع المحتاج إلى الأكل ظنًا أن يصير إليه الطعام إلى جوفه من غير مس منه، ولا إيصال إليه. ولا من يريد بدلاً لحاجة عرضت له فيه، ومعه الزاد والراحلة، والطريق آمن مسلوك خصب فلا ينهض مع السيارة إليه، ولكنه يلزم مكانه، ظنًا أن يلقيه الله تعالى ذلك البلد من غير كلفة منه. فكذلك لا يدخل فيها من لا يكسب ما يصيبه من مال غيره، وهو قادر على الكسب، والدليل على صحة ذلك قول النبي ﷺ: (لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي). وفي رواية. (ولا لذي مرة مكتسب محرم عليه الصدقة لقدرته على الكسب فلو لم يلزم الكسب لوقى على نفسه حاجتها، لما حرمت عليه الصدقة، إذا كان قادرًا على الكسب والله أعلم. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يحب المؤمن المحترف) وقال عقبة بن عامر قال لي رسول الله ﷺ: (إن الله ﷿ يلوم بالعجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا

عليك، فقل حسبي الله ونعم الوكيل). وقال معاوية بن قرة ﵁ أتى عمر ابن الخطاب ﵁ على قوم فقال: ما أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون. قال: بل أنتم المتآكلون، إلا أخبركم بالمتوكلين، رجل ألقى حبة في بطن الأرض ثم توكل على ربه، وأما قوله (المتآكلون) أي على أموال الناس. وقال عمر بن الخطاب ﵁: يا معشر القراء، ارفعوا رؤوسكم، فإن الطريق وضح، من لم يعمل منكم اتهمناه، ومن عمل حمدناه، وقال: عمر بن الخطاب ﵁: لما فتح الفتوح على رسول الله ﷺ، ادخر لأهله قوت سنة وجعل ما بقي من الكراع والسلاح، واشترى غلمان ﵀ وسقاء من طعام، فقيل له في ذلك فقال: إن النفس إذا أحرزت القوت اطمأنت. وقال سعيد بن المسيب ﵁. ومن لزم المسجد وليس له ما يقينه، فقد الحف في السؤال بقي أنه شغل قلوب الذين يأتون المسجد للصلاة بنفسه واضطرهم إلى مواساته، فكأنما سأل فألحف، أن ينبغي له أن يعمل ويكسب إلى أن يلزم المسجد. وفي بعض الأخبار جاء رجل من الأنصار إلى النبي ﷺ، فسأله فقال النبي ﷺ: (في منزلك شيء؟ فقال: نعم. ملس نلبس بعضه ويبسط بعضه، وقدح نشرب فيه. فقال النبي ﷺ: ائتني بهما. فأخذه النبي ﷺ فقال: من يشتري هذا؟ فقال رجل: أنا آخذه بدرهم فقال النبي ﷺ من يزيد على درهم مرتين أو ثلاثًا؟ فقال رجل أ، اآخذه بدرهمين. فأعطاه إياه، وأخذ الدرهمين، فدفعهما إلى الرجل، وقال: اشتر بواحد طعامًا فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوما وائتني به. فاشترى قدوما وأتاه به، فسوى النبي ﷺ بيده عودًا، فقال: انطلق واحتطب وبع. ولا تقربني خمسة عشر يوما. فذهب واحتطب حتى أصاب عشرة دراهم، فعاد إلى النبي، فاشترى ببعضه طعاما وببعضه ثوبا. فقال النبي ﷺ: هذا خير من أن تأتي بالمسألة تكنه في وجهك، ثم قال: إن المسألة لا تحل إلا لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مقطع، أو لذي دم موجع). وأما قصة مريم ﵍، فإنما كانت ارهاصا لأمر عيسى ﵇، وإكراما

Bagian 15 dari 42