— Bagian 14 · الحسن قال: إذا قضى الرجال شهواتهم في الجنة، علمن… —
Bagian 14
الحسن قال: إذا قضى الرجال شهواتهم في الجنة، علمنا أن النساء لهن مثل ذلك، فلو لم يدرون إلى الرجال لم يجدن غيرهم فثبت أن نساء أهل الجنة أزواج رجالهم.
وجواب أن ذلك يمكن أن يكون ولا يجب عنه أن يكون الرجال مقصورين عليهن، فإنه لا يمنع أن يرددن عليهم. ويراد من الحور العين خيرا منهن، وأيضا فإن الله ﷿ جعل الحور العين من أوصاف الجنان وعدهن في نعيمها، كما ذكر الفواكه والماء والخمر واللبن والفرش واللباس. وليس يجوز أن تكون الثياب بالجنة من نعيم الجنة وأوصافها، فيكو أهل الجنة مسوقين إليها بأنفسهم. فصح أن الحور العين مخلوقات في الجنة وليس من نساء الدنيا والله أعلم. وأما الولدان والغلمان فإن من الناس من قال: لما لم يكن في الجنة ولدان علمنا أنهم من ولادة الدنيا. وروى عن النبي ﷺ قال: (الأطفال خدم أهل الجنة) وعن سلمان: أطفال المشركين خدم هذه الجنة. وعن الحسن في قوله ﷿: ﴿يطوف عليهم ولدان﴾ قال لم تكن لهم حسنا يجزون بها، ولا سيئات يعاقبون عليها، فوضعوا هذا الموضع. وقد يحتمل مع هذا أن يكون الغلمان مخلوقين في الجنة. فيكون ذكور الخدم كآبائهم، وسموا ولدانا من طريق التشبيه لهن في صور الولدان والغلمان، كما قيل في الفرش وعبقري حسان. وليس في الجنة عبقري، كما ليس فيها ولادة، وقيل. ﴿وزر أبي مبثوثة﴾ وليس في الجنة نسخ والله أعلم. ومعنى مخلدون، والخلده الحليه، وقيل مفرطون، وقيل على سن واحد لا يتغيرون عنها أبدا. وقيل مخدلون مع من يحرمونهم ولا يزايلونهم أبدا. وذكر وهب وغيره أن الجنان سبع: دار الجلال- ودار السلام- وجنة عدم- وجنة المأوى- وجنة الخلد- وجنة الفردوس- وجنات النعيم. على الهامش. وفي بعض الأخبار الشائعة جنة نعيم، ويشبه أن تكون الفردوس أسماء لجميع الجنان كلها، كجهنم التي تجمع النيران كلها. لأن الله ﷿ مدح في أول سورة المؤمنين أقواما
وصفهم ثم قال: ﴿أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون﴾ ثم أعاد ذكرهم في سورة المعارج وقال: ﴿أولئك في جنات مكرمون﴾ فعلنا أن الفردوس جنات لا جنة واحدة كما قال وهب والله أعلم. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سألتم الله فسلوه الفردوس) فهذا والله أعلم- أن للجنات مراتب لا يستوي الناس في استحقاقها، فلا ينبغي لأحد أن يتخير أحداهما فيسلمها الله، وإنما أعدها الله تعالى لغيره، فيكون داخلا في جملة قوله تعالى: ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾ بل ينبغي له أن يسل الله الفردوس، فيكون قد سأله الجنة. في الجملة، وليس في شيء من دراجاتها بمرغوب عنه والله أعلم. فصل قال بعض الضلال: أن للثواب والعقاب صورا للناس بصور جسمانية لتقرب إلى إفهامهم. فقيل لهم: إن في الجنة مآكل ومشارب ومناكح وملابس ثم وضعت لهم بأحسن الأوصاف، وأولاها بأن بشوق إليها لأنهم لم يعرفوا اللذة والسرور والغبطة في الحياة الطيبة في العيش، إلا من هذه الوجوه، فضربت مثلا لهم وإلا فالحقيقة أنه لا ألم هناك ولا موت ولا حزن، وإنما هو مسرة دائبة متصلة، ولذة وبهجة وغير منقطعة، كما يلتذا الطاعم بطعم الشيء الطيب اللذيذ، ومجامعة من يميل إليها ويستحسنها، والفرش والملابس الناعمة. قال: ومما يبين ذلك أن الله ﷿ ذكر في أن في الجنة زرابي، وقد علم أنها الطنافس، وإن الطنافس التي يعرفونها أصواف مصبوغة مغزولة منسوجة، وإنه لم يردها بما قال، وإنما جعلها مثلا. وقال: ﴿متكئين على رفرف خضر وعبقري﴾. والعبقري ما كان نسج من عنبر. فصح أنه جعل ذلك مثلا ولم يرد عينه، فكان جميع ما ذكر من المطاعم والمشارب والمناكح مثلا، قياسا على ما ذكرنا.
خضر وعبقري﴾. والعبقري ما كان نسج من عنبر. فصح أنه جعل ذلك مثلا ولم يرد عينه، فكان جميع ما ذكر من المطاعم والمشارب والمناكح مثلا، قياسا على ما ذكرنا.
فالجواب- وبالله التوفيق- أن ما يقال لهذا القائل: وما الذي يلجيء إلى هذا التأويل؟ ويمنع أن يكون في الجنة مآكل ومشارب وملبس ومنكح. فأنا لا نجد في عقولنا لامتنع هذه الأمور وجها: قال: أن الذي يلجيء إليه النفوس هي الصائرة إلى الآخرة دون الأجساد. قيل: وما الذي يمنع من اصارة الأجساد إلى الآخرة وتخليه فلا نجد على ذلك دلالة، وإنما يفرغ في دعواه إلى أن ذلك يبعد في وهمه، وليس كل ما بعد من الوهم لم يكن على أن ذلك قريب من وهم غيره حتى أنه يبعد في وهمه، وليس كل ما بعد من الوهم لم يكن على أن ذلك قريب من وهم غيره حتى أنه لمتسلط على نفسه، فيقطع بأنه هو الأمر الذي لا يجوز غيره. وقد كتبنا في هذا الباب ما نرجو أن تقع به الكفاية، ويقال هل: أن البعث إنما يكون للجزاء بالحسنات والسيئات؛ والنفوس لم تكتسب بانفرادها خيرا ولا شيء، وإنما كان التكسب مشتركا بينها وبين الأجساد، فيجب أن يكون الجزاء مشتركا بينهما وبين الأجساد سواء كان الكسب فعل شيء أو ترك شيء. فإذا اجتمع النفس والبدن على التبع في الدنيا بإتباع الشهوات الممنوعة، فكانت الحكمة أن يؤلما جميعا بأشد الآلام، وليكن ذلك إلا عذاب النار. وإذا جرت الدنيا من مطاعم وملابس ومناكح كان يشبهها من جنس ما أهل الله له غير أنه لم يجدها فلم يتسخط قضاء الله تعالى لحبسها عنه وأحسن الظن به فيه أو من جنس ما حرم الله تعالى جده عليه فتركها أو صبر عنها جاهدا محتسبا، كان أولى ما يعوض عنه في الحكمة أن يوصل من جنسها إلى ما هو أسنى وأجزل وأعظم قدرا وأجل خطرا منها لتصل اللذة إلى ما وصل الألم إليه ويتنعم بالإصابة ما تأذى بالقوت. ثم لا ينكر أن يصير إلى ذلك من غير هذه الأجناس أسباب يتمتع ويفرح ويتلذذ بها، ولكن ما يدخل في جملتها أشبه بمعاني الثواب.
يتنعم بالإصابة ما تأذى بالقوت. ثم لا ينكر أن يصير إلى ذلك من غير هذه الأجناس أسباب يتمتع ويفرح ويتلذذ بها، ولكن ما يدخل في جملتها أشبه بمعاني الثواب. ويبين ما قلنا أن إقامة العبادات في الدنيا لما كان سببا للتعب والنصب، وجب أن تكون الراحة عوضا منها في الآخرة باتفاق. فلذلك تخريج المرادات وقمع الشهوات في الدنيا لوجه الله عالي يقتضي أن يكون التمكين من قضائها على وجه أفضل وأكمل عوضا منها في الآخرة، وبالله التوفيق. هذا والشر لا من بعض الوجوه المعقولة في الدنيا مما لا يتصور فهم ولا هم ولا يكاد إلا
حالة عليه، ويحرك على الطاعة، ولا يقع موقع التبشير، وكذلك الغم لا شيء من الأسباب المعقولة في الدنيا أمر غير معقول، فالإنذار به لا يزجر عن معصية، ولا يقع موقع التحريف وهم أبدا يحاكموننا إلى العقل، فإذا هم في هذا الموضع قد فارقوه، وقالوا بما لا شاهد لهم عليه منه وبالله العصمة. فأما قولهم: أن كل موعود من نعيم الجنة، فمثل مضروب، واستشهادهم بالزرابي والعبقري، فجوابه: إن الزرابي ليس بمثل وإنما أريد بها الزرابي في مناظرها غير أنها ليست من أصواف مصبوغة منسوجة، وغنما هي مخترعة مبتدعة، وهي وأن أشبهت في مناظره الزرابي، فهي أنعم منها والين، واللذة التي تخلص إلى البدن من الجلوس عليها لا تكون في قدر ما يوجد منها في زرابي الدنيا، لكنها تزيد على ذلك زيادة لا يعرف قدرها إلا الله ﷿. وكذلك العبقري إنما أريد به أنه في منظر العبقري إلا أنه ليس الفرش، بل هو فرش غير أنه يزيد في معاني اللذة والنعمة على مثله من فرش الدنيا أضعافا مضاعفة لا يحصيها الناس ولا يقدرونها. ولذلك لبنها لبن إلا انه غير محلوب، وخمرها خمر غير أنها ليست بمعتصرة، وكيف لا تكون خمرا بالحقيقة، والله ﷿ يقول:
ا مضاعفة لا يحصيها الناس ولا يقدرونها. ولذلك لبنها لبن إلا انه غير محلوب، وخمرها خمر غير أنها ليست بمعتصرة، وكيف لا تكون خمرا بالحقيقة، والله ﷿ يقول: ﴿يسقون من رحيق مختوم، ختامه مسك ومزاجه من تسنيم﴾ فهلا جعل مثلا لشيء آخر ليعرفوه به، ومتى كان المجهول يعرف إلا أن هذا كله والثمار وغيرها تكون مخترعة مبدعة، وإن الذي خلق خير منها، وأسنى وأفضل في الدنيا والآخرة. فإن كان الذي سأل السؤال الذي ذكرنا يعرف بالله جل ثناؤه فليس له أن يعجب من هذه الموعودات. فيطلب لها تأويلا ويسميها أمثالها وبالله العصمة. وقد قال من قال من الأوائل: أن جوهر الشمس الذهب، وجوهر الزهرة الزبرجد والزجاج، وجوهر عطارد الألماس جوهر القمر الفضة، ومعلوم أن الناس لا يعرفون الذهب ألا ما يستخرج من المعادن، وكذلك الفضة والحديد والنحاس. وإن الكواكب لا تخلق من المستخرجات من المعادن من هذه الأجناس، فإنها في
جواهرها ليست كالتي في المعادن من هذه الأشياء في الكثافة والصلابة ونحوها، ولكن التباين بينهما شديد. فإن جاز أن يخلق الله تعالى في السماء خلقا من ذهب أو ورق أو نحاس غير مستخرج من معاد الأرض والطف من المعدن أضعافا مضاعفة، فلم لا جاز أن يحدث في الجنة خمرا غير معتصرة من العنب ولبنا غير مستدر من ضرع، وزرابي لا من صوف مجزوز عن ظهر الغنم، وإن كان المعروف في الدنيا أن الخمر من العنب واللبن من الضرع، والزرابي من الأصواف التي على ظهر الغنم وبالله التوفيق. فصل إن سأل سائل فقال: إنكم تزعمون أن للجنة خزنة ورأسهم في رضوان، وللنار خزنة ورأسهم ملك، ويتلو في القرآن: ﴿وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب﴾ فأخبرونا عن هؤلاء الخزنة، ماذا يفعلون؟ وعن من يخزنون والخزن فيما بيننا أن يكون حفظا لما يخشى عليه أن يؤخذ ويفوت على صاحبه، فمن الذي يمكن أن يأخذ من الجنة شيئا، فيفوته؟ ولئن كان ما في الجنة يخزن لأنه نعيم مرغوب فيها، فالذي في النار يخزن منها، وما الذي يدعو إلى خزنه؟ الجواب: أن خزن ملائكة الجنة نعيمها إنما يكون لأهلها، فكل واحد منهم يجعل إليه مراعاة قسط معلوم من تلك النعم لمن أعد له، حتى إذا وافى الجنة كان هو الذي يمكنه منه بأمر الله تعالى بخزنه إياها قبل التسليم هو مقامه على ملاحظة ما جعل بسبيله وانتظار من أهل له، واتصال ذلك إليه إذا حضر، وعرضه عليه على الوجه الذي يكون أسر له والترتيب الذي يكون أوقع بقلبه وأنغم بعينه، وذلك عبارة منه لله تعالى لأنه يأمره بعمل ما يعمل، فهذا خزن نعيم الجنة لاحفظها عن أحد يخاف منه عليها. وأما خزن ملائكة النار فيحتمل أن يجزى كل واحد منهم بعض الأنكال والمقامع والأغلال والسلاسل لمعنى أن ينفرد به، فيكون هو المستعمل والواضع والرافع إلى الذين
ا خزن ملائكة النار فيحتمل أن يجزى كل واحد منهم بعض الأنكال والمقامع والأغلال والسلاسل لمعنى أن ينفرد به، فيكون هو المستعمل والواضع والرافع إلى الذين
يباشرون العذاب ويتولونه، فتكون مراعاة ذلك منه أيضا عبادة له لأنه بأمر الله تعالى يفعل ولا ينتقم لا أن هناك من يخش أن يأخذ شيئا منها ويفوت بها والله أعلم؟ فصل إن سأل سائل عن قول الله ﷿: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها﴾ فقال: إذا لم تكن الدار لا الجنة والنار، وكانت الجنة العالية والنار سافله، وليس في السفل شيء إلا النار، قال أين يريد أهل النار أن يخرجوا؟ قيل له: يحتمل أن يكون المعنى المعذبين منهم في جب من منهم أو موضع أغم من غيره أن قصدوا أن يخرجوا إلى صحصاح يكون الغم والألم فيه أقل، لم يتركوا وأعيدوا أن كانوا قد رجعوا قليلا إليه، وقد قال ﷿ في آية: كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم، أعيدوا فيها، فيقرب أن يكون هذا معنى الآية والله أعلم. فصل إن سأل سائل: عن المعذبين من أهل الكبائر، إذا خرجوا إلى الجنة كيف يصار بهم إلى الجنة؟ والأولون إنما أخبروا إليها على الصراط، أفيكون الصراط باقيا ما بقي في النار من المؤمنين أحدا! أو يعاد الآخرون أو يجعل لهم سبب سواه، فيخلصوا إلى الجنة. قيل له: لم يبلغنا من أمر الصراط، وإن المؤمنين إذا جازوا عليه يرفع أو يترك إلى أن يجوز عليه آخر من يبقي منهم، خبر، وقد يحتمل أن يكون باقيا ما دام من المؤمنين أحد يعرض الجواز عليه، وإن أزيل عن مكانه، فقد يحتمل أن يرفع من يعفو الله عنه إلى السور الذي فيه الأعراف، وذلك بأن يصعد به ملك إليه، أو يجعل الله تعالى له سببا ما شاء بمن يعجزه الاجتياز فيرتقي من قبله إلى السور ثم ينزل منه كما ينزل أصحاب الأعراف وإذا أمر بهم إلى الجنة فيصيروا إليها والله أعلم.
تعالى له سببا ما شاء بمن يعجزه الاجتياز فيرتقي من قبله إلى السور ثم ينزل منه كما ينزل أصحاب الأعراف وإذا أمر بهم إلى الجنة فيصيروا إليها والله أعلم.
فصل إن سأل سائل عن قول الله ﷿: ﴿عليها تسعة عشر، وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة، وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب، ويزداد الذين آمنوا إيمانا، ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون، وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون: ماذا أراد الله بهذا مثلا﴾. وقال: ما تفسير هذه الآية وتأويلها؟ قيل له: إنما قال ﷿: ﴿عليها تسعة عشر﴾ التي هي إحدى دركات النار فإنه قال تعالى: ﴿سأصليه سقر وما أدراك ما سقر. لا تبقي ولا تذر. لواحة للبشر، عليها تسعة عشر﴾ فلا يمكن أن يقطع بأن ملائكة العذاب كلهم تسعة عشر إذا لدركات سبع وقد يمكن أن يكون كل واحد من هذا مثل هذه العدة أو أكثر. فأما قوله: ﴿وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة﴾ فإنه يقال أن أبا جهل لما سمع عليها تسعة عشر هوى وقال لقريش أنا أكفيكم عشرة وأكفوني تسعة فأنزل الله تعالى: ﴿وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة﴾ أي التسعة عشر ليسوا بني آدم فيقاوم أمثالهم أو يقاوم الواحد عشرة منهم، وإنما هم ملائكة غلاظ شداد ينقلون المدائن، وينزلون من السماء إلى الأرض، ثم يرجعون إليها من نومهم، وقال: من قال لا يقاس الملائكة بالحدادين أي بالنحاسين من بين آدم إنكار المبالغة عن أبي جهل. وأما قوله ﷿ ﴿وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن﴾ أي وما جعلنا أخبارك بعد أصحاب سقر إلا فتنة للذين كفروا، وقوله: ﴿ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون. وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا﴾. فيكون أخبارنا إياك بعدهم فتنة للكافرين والمنافقين، واستيقان المؤمن وأهل الكتاب، هو أن علم عدد هؤلاء الملائكة ليس من العام، ولا هو مما يوجد مثله عند العرب.
فإذا أخبرت به أهل الكتاب ووجدوه موافقا لما عندهم، ازداد المؤمنون بك إيمانا لمعرفتهم بأن أحدا لم يخبرك به إلا الله جل ثناؤه واستيقن أهل الكتاب أن ذلك ينزل من الله تعالى عليك كما هو تنزيل من يقدمك، ولا يرتاب المؤمنون وأهل الكتاب بذلك، ولو لم يكن في كتبهم من هذا خبر، لأنهم إذا راجعوا عقولهم، علموا أن الله تعالى قادر على أن يقوي تسعة عشر ملكا ومن دونهم على تعذيب عالم من الناس، وأنه لم يقصرهم على هذه العدة إلا لحكمة كانت له فيها، ولكنه استأثر بها ولم يطلع عليها خلفه فلم يوقع فله العدد الذي أخبرناك به رتبة في قلوبهم. ﴿ويقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا﴾ أي ليقولوا: هذا مثل وليس بحقيقة، فما أراد الله بهذا، وليستعدوا أن يكون الذين يوردون سقر على كثرتهم، بلى يعذبهم تسعة عشر ملكا، فأخبارك بهذه العدة يجري مجرى سائر ما أنزلناه عليك اختبارا لقومك، ليظهر المؤمن المستيقن من المرتاب والمشكك وتثبيتا للذين آمنوا وتقوية لعزائمهم والله أعلم. فصل إن قال قائل: أليس الله بكل شيء عليم؟ قلنا: بلى! قال: أفيعلم مبلغ حركات أهل الجنة وأهل النار؟ قيل: إنها لا مبلغ لها، وإنما يعرف مبلغ ما يكون له مبلغ. فأما ما لا مبلغ له فيستحيل أن يوصف بأنه يعلم لها مبلغا. يقال لهذا القائل هل يعلم الله مقدارها كلها؟ فإن قال: لا كل لها. فيقال: إنه يعلم. قيل له: وكذلك لا كل لحركات أهل الجنة وأهل النار. قيل: إنها لا مبلغ لها وإنما يعرف مبلغ ما يكون له مبلغ. فأما ما لا مبلغ له فيستحيل أن يوصف بأنه يعلم لها مبلغا. يقال لهذا القائل. هل يعلم الله تعالى مقدوراته كلها. فإن قال: لا كل لها. فيقال إنه يعلمه. قيل له: وكذلك لا كل لحركات أهل الجنة وأهل النار معلمه وبالله التوفيق.
القائل. هل يعلم الله تعالى مقدوراته كلها. فإن قال: لا كل لها. فيقال إنه يعلمه. قيل له: وكذلك لا كل لحركات أهل الجنة وأهل النار معلمه وبالله التوفيق.
فصل إن قال قائل: ما أنكرتم أن أهل النار لا يبقون في النار معذبين أبدا، لأن الله ﷿ عدل في حكمه، وليس من العدل تعذيب قوم أنبوا نوبا متناهية بعذاب غير متناه. وإذا لم يجز ذلك، فليس إلا أن يبقوا فيها قدر ما يكون جزاء لهم بأعمالهم، ثم يكونون فيها غير معذبين ولا متألمين. وكذلك أهل الجنة يثابون بأعمالهم، ثم يؤول أمر الفريقين في السكون الدائم. فالجواب: أن مقدار الذنب لا يعرف بالمدة لأنه لو كان كذلك لوجب أن تكون الذنوب كلها أكبر من الكفر، لأنه يقع بالخطرة تسكن النفس إليها، واللحظة واللفظة، ولا ذنب أقل اقتضاء للمدة منه. وفي ثبوت أن لا ذنب أعظم من الكفر، ما أبان أن الذنوب لا تقدر بالمدة، وأيضا فلو كانت أقدار الذنوب تعرف بالمدد لم يجز أن يكون لذنب ساعة إلا عقوبة ساعة، ولما جزا أن يعاقب الكافر على كفره يوما، أكثر من يوم. ولما جاز أن يزيد مقام الكافر الذي لم يكن في يوم الكفر يوما، ثم هلك في النار على قدر يوم من أيام الدنيا. فعلمنا أن الذنوب لا تقدر بالمدد، وإما تقدر بواقعها من سخط الله تعالى جده. ألا ترى أن الزنا بحليلة الجار أعظم من الزنا بالأجنبية، والقتل في الشهر الحرام أغلظ منه في غيره، وضرب الوالد وشتمه أعظم من ضرب الأجنبي وشتمه، وزنا المحصن أغلظ من زنا غير المحصن. ومدة الأغلظ وغير الأغلظ في هذه الذنوب متفقة. وإذا جاز أن يكون هذا هكذا في أحكام الدنيا جاز في أحكام الآخرة مثله. وهو أن لا ينظر إلى مدة الذنب، وإنما ينظر إلى موقعه من هتك الحرمة، وإذا نظر إلى ذلك لم يقدر قدر الكفر، لأن حرمة الله تعالى التي تهتك به، وليس لجلال الله وعظمته مدد تحاط به، ولا لحقوقه على العبد في الوجود قدر يشار إليه، ولا النعمة التي بذاتها عبادة في معاني الإحسان قدر يعبر عنه، فكذلك حرمته لا قدر لها في معنى الإشارة يعرف ولا حد لها يوصف. فجزاؤه إذا عذاب لا يقدر قدره ولا يمكن حده. فمن هذا الوجه إستحق الكفار التخليد في النار، وإن كانت ذنوبهم في الزمان
معنى الإشارة يعرف ولا حد لها يوصف. فجزاؤه إذا عذاب لا يقدر قدره ولا يمكن حده. فمن هذا الوجه إستحق الكفار التخليد في النار، وإن كانت ذنوبهم في الزمان
متناهية. وأما ما عدا الكفار فإن ما فيه من هتك الحرمة أقل لأن فاعله يعتده دينا، ويعتقد أن له تبعية، فيأتيه مترددا بين الخوف والرجاء، فكان في حال الدنيا مراعيا لبعض الحق، فأوجب ذلك أن يكون لجزائه قدر وجد، كما كان لدينه قدر وجد، من حيث كان في الجملة دون الكفر بدرجات كثيرة، فلذلك قلنا أن التخليد لا يقع لها وبالله التوفيق. ويدل على أن نعيم أهل الجنة وشدائد أهل النار غير منقضية، أن نعيم أهل الجنة لو كان منقضيا لكان أهل الجنة أشد خوفا وحزنا لأنهم كانوا يخافون انقضاء نعيمهم فيحزنون له. وقد أخبر الله ﷿ أنهم ﴿لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ ولو كان عذاب أهل النار منقضيا لكان في رجاء الانقضاء والخلاص واحد لهم في الحال، وليس في النار أمن ولا سرور، كما ليس في الجنة خوف ولا حزن. فثبت أن واحدا من الجزائين ليس بمنتقض والله أعلم. ومن العلماء من قال: أن الله ﷿ إنما يدخل النار من يدخلها لأنه خلقهم منها، ويدخل الجنة من يدخلها لأنه خلقهم لها. والطاعة والمعصية علامتان يميز بهما المخلوق للجنة من المخلوق للنار، لأن النبي ﷺ قال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" وقال: "ما أحد يدخل الجنة بعمله، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته". وقال الله ﷿ ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والأنس﴾ ومن ذهب إلى أن هذا لم يلزمه السؤال الذي قدمت ذكره، لأنه يقول: بأنه خلق الكافر للنار، ولا يغني تناهي دينه في الزمان شيئا والله أعلم. فصل وكل معذب في الآخرة من كافر أو مؤمن، فإنه يميز بينه وبين من لا عذاب عليه عند
نزول الملائكة عليه لقبض روحه، وفي حال القبض، وفي الموضع الذي تصار إليه روحه وبعدما تغير. قال الله ﷿: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم فيها تدعون، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم، ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم﴾ فقيل: إن هذا عند حضرة الموت تبشرهم الملائكة بالجنة وتؤمنهم ما كانوا يخافون، ويعلمونهم أنهم كانوا كونهم في الدنيا ويوالونهم في الآخرة. وقال في الكفار: ﴿ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق﴾ ويقولن لهم هذا تعريفا إياهم أنهم يقدمون على عذاب الحريق. وقال ﴿ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم، أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون غير الحق، وكنتم عن آياته تستكبرون﴾. فدلت هذه الآيات على أن الكفار يعرف عليهم في نزع أرواحهم، وإخراج أنفسهم، ويعرفون مع ذلك أنهم قادمون على الهوان والعذاب الشديد، كما يرفق بالمؤمنين، ويبشرون بما هم قادمون عليه من الأمن والنعيم المقيم. وقال الله ﷿: ﴿كلا إن كتاب الأبرار لفي علين، وما أدراك ما عليون، كتاب مرقوم، يشهده المقربون﴾ وقال: ﴿كلا إن كتاب الكفار لفي سجين، وما أدراك ما سجين﴾ فأبان جل ثناؤه: إن الكتاب الذي يشتمل على أن أعمال الأبرار يعلى به فيكون بمشهد المقربين، وذلك- والله أعلم- إشارة إلى أن روحه تعلو به إذا نزع من بدنه ليعرف المقربون أنه روح صاحب الكتاب، فيكون له بذلك شرف وفضل. وإن كتاب الفجار يهوى به إلى أشد المحابس والسجون، وذلك عند جهنم المكتوبة تحت البحار الموارة بها، إلا أن يأذن الله في إبرازها، وذلك- والله أعلم- إشارة إلى
كتاب الفجار يهوى به إلى أشد المحابس والسجون، وذلك عند جهنم المكتوبة تحت البحار الموارة بها، إلا أن يأذن الله في إبرازها، وذلك- والله أعلم- إشارة إلى
روحه تهوي به فيكون حيث يكون كتابه وصحيفة عمله، ويشاهد من آثار ما هو قادم عليه ما يتعجل الغم والله أعلم. وأما ما ينال المقبور فإن أوله ضغط القبر، يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "لو نجا أحد من ضغطه القبر لنجا سعد بن معاذ". وجاء عن أبي سعيد الخدري ﵁: لو سمع أحدكم ضغطة القبر لجزع أو قال يجزع، وقيل في قول الله جل ثناؤه: ﴿ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر﴾ المراد عذاب القبر. وفي قول الله ﷿: ﴿والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون﴾ دليل على أن لهم عذابا وأصلا إليهم يوم الموت. وفي قصة بدر أن النبي ﷺ وقف على القليب الذي قد طرحت فيه جيف القتلى من المشركين، فناداهم "يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، حتى عده. هل وجدتم ما وعدكم ربكم حضا، فقيل له يا رسول الله: أتنادي أقواما موتى. فقال: والذي بعثني بالحق، أو قال: والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم". وفي حديث آخر أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير. أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول". وفي حديث آخر أنه مر بقبر فقال: "لا دريت، فسئل عن ذلك فقال. أنه سئل عني، فقال: لا أدري، فقلت: لا، دريت". وعنه ﷺ أنه قال في حديث ذكره: "ولقد أوحى إلي أنكم تفتنون في قبوركم، يولى أحدكم في قبره، فيقال: ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم. فأما المؤمن فيقول: هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى. فأجبناه واتبعناه، فيقال له: علمنا أنك
ي قبره، فيقال: ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم. فأما المؤمن فيقول: هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى. فأجبناه واتبعناه، فيقال له: علمنا أنك
تقول فيهم صالحاً، فأما المنافق المرتاب فيقول: لا أدري، فيقال له: لا، دريت، ويغلظ له في قبره". فقد أثبتت هذه الأخبار وغيرها أن الموتى يسألون عن دينهم إذا قبروا، وفي بعضها أن ملكين يدعيان منكرا ونكيرا، يأتيان الميت فيسألانه والذي يشبه أن تكون ملائكة السؤال جماعة كثيرة يسمى بعضهم منكرا وبعضهم نكيرا، فيبعثون إلى كل ملك منهما إثنان كما كان الموكل عليه للكتب أعماله في حياته ملكان. فإذا انقضى السؤال، فمن أصاب الجواب أفلح، ولم يكن عليه بأس إلى يوم القيامة، ومن أخطأ وزل، ضرباه بعمود يصير بدنه منها نارا ثم تخمد بإذن الله، بهذا جاءت الرواية. ومن كان من هذه الطبقة، فأمرهم يختلف، لأن الله ﷿ قال في قوم نوح مما ﴿خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا﴾ وظاهر ذلك أنهم عوجلوا بالعذاب، وقال في فرعون: ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا، ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾. هذا دون ما دل ظاهر الكتاب عليه من حال قوم نوح صلوات الله عليه، لأن ذلك إنما يدل على إدخال النار. وهذا على العرض على النار، وقد روينا عن النبي ﷺ أنه قال في المعذبين ما قال، وفي ذلك دلالة على أن أجاب الملكين بجواب المسلمين، فإنه إذا كان مختلطا لم يسلم في القبر من عذاب كان في الآخرة معذبا، وليس يكون في المسلمين مذنب يداني قوم فرعون، فإذا كانوا لا يرادون على العرض على النار وجوبا أن يكون عذاب المسلم المخلط دون ذلك أيضا بدرجات كثيرة والله أعلم. ولم يعلمن أهل السنة خلافا. إن عذاب القبر حق، وإنما تكلم الناس في كيفية التعذيب وفيما يصل إليه العذاب من الشخص المعذب، وإلا ظهر أن السؤال والتعذيب لا تكون إلا مع الأحياء. وقيل في الاحتجاج لهذا أن الله تعالى أخبر عن الكفار، وأنهم يقولون يوم القيامة
﴿ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين، فاعترفنا بذنوبنا، فهل إلى خروج من سبيل﴾ وأنهم أرادوا بإحدى الأماتتين. الموت المعروف، وبالأمانة الثانية الموت بعد الأحياء في القبر للسؤال والتعذيب. وبإحدى الإحيائين، الأحياء في القبر للسؤال والتعذيب، وبالأحياء الثاني الأحياء يوم القيامة. فإن قيل: فإن من تعذب غدوا وعشيا يجيء كل غدو وعشي، وهذا يزيد على الرب فضلا عن اثنتين. قيل له: قد قال بعض العلماء في ذلك أن الأحياء في القبر إنما يكون لأدنى جزاء يحتمل الحياة والعقل، فإن كان ذلك كما قاله هؤلاء فلا حرر من أولى، فهذا الحكم من القلب الذي كان من قبل أن يموت ينبوع حياته، ومحل عقله وفهمه. وقال النبي ﷺ: (إن في الجسد لمضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) فيسيل ويعذب بم يشاء ويعذب أن كان أهلا للتعذيب، ويكرم إن كان أهلا للتكريم، ثم لا يمات ما دام الله يريد تعذيبه، وإنما يمات إذا رفع العذاب عنه إلى يوم القيامة، فلا يكون الموت على هذا أكثر من اثنين والله أعلم. ومن قال هذا، قال: قد يجوز أن يكون قوم نوح اغرقوا ببعض البحار، والبحر نار يوم القيامة، فعل ما غرقوا فيه جفت عليهم نارا، فصلتهم قبل النيران لا قبل المياه والله أعلم. ولا أعلم لهذا القائل في تخصيصه بعض أجزاء الميت بالأحياء غرضا صحيحا، فإن كان إنما فرضى أن جميع الميت إذا أحيي، فلا يخلو من أن يترك حيا، ما دام الله يريد تعذيبه. أو يحيي كلما عذب وأميت، فإن نزل حيا فلا فرق، وإذا بين المقبور بين المنشور، وإنما هو كالذين على ظهر الأرض، إلا أنه لا يطعم ولا يشرب. وإن أحيي ثم أميت ثم أحيي ثم أميت، لم يكن هذا اماتتين ولا إحياءين. ولكنه يبلغ عددا أكثر لا يحصيه إلا الله جل ثناؤه. فهذا كله في البعض موجود، ولأنه إذا أحيى منه أقل خبر يحتمل الحياة والعقل، لم
ذا اماتتين ولا إحياءين. ولكنه يبلغ عددا أكثر لا يحصيه إلا الله جل ثناؤه. فهذا كله في البعض موجود، ولأنه إذا أحيى منه أقل خبر يحتمل الحياة والعقل، لم
يكن هذا الجواب، لأنه ليس كل من يفهم ما يقال له يقدر على الجواب، ولكنه يتاج مع هذا إلى أن يطلق له آلة الكلام كما أطلقت له آلة الفهم ثم إن كل أحيى آلة للفهم وآلة الكلام، لأن السؤال والجواب من دونهما مستحب، فليحيى كله، لأنه إذا جاد في الجواب عن الحق ضرب بعمود يلتهب منه، وفي هذا ما دل على أن الأحياء ينبغي أن يعم جميعه أو يخص بالعذاب قلبه ولسانه وذلك أمر غير معقول والله أعلم. وهذه الطريقة التي شرحناها هي لمن لا يثبت إلا الروح والبدن. فأما من قال: أن الإنسان له أجزاء نفس وروح وبدن، وإنه يقول: إن نفس الحي هي الموصوفة بالعلم والجهل والغم والسرور واللذة والألم، وإذا فارقت البدن مات البدن لأنه يصير بغرض الفساد والبلى بعدما كان بغرض التيسر والنمو. فأما النفس عددها فإنها تبقى حية تعلم وتفهم وتتلذذ وتتألم مما يعمها ويسيرها، وهي في هذه الحالة أشبه بالملائكة منها إذا كانت مجاورة البدن الطاعم الشارب الناكح. فمعنى السؤال في القبر أن يحبس هذه النفس بعد خروجها من البدن، وتورد معه القبر حتى يحضر الملكان فيسألها وهي على صورة بحيال قلبه. فقال: ﴿ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها﴾ فإن ظهر لهما منها الفجور، علما بأن البدن إنما كان يتصرف فيما يأتمره به النفس الفاجرة، فأي شيء فعلا مما يجري مجرى الإهانة، فإنه وإن وقع بالبدن. فإن النفس التي هي تتعذب بما يخلص إليها من الكرب والخوف، ويقع لها من العلم بأنها إذا أعيدت فيه يوم الجزاء تعذبت معه بما يصل إليه من الشدائد كما تنعمت معه في الدنيا بما وصل إليه من الملاذ، وإن ظهر لهما منه البر انصرفا عنه. ألا أنه إن كانت للميت ذنوب يريد الله تعذيبه عليها في الآخرة، فإن النفس هي تعذب وهي محبوسة في القبر، بلى البدن أم لم يبلى، ويعرض على النار أو تجر بما هي لا فيها، فتكون مكروبة مغمومة بذلك ما شاء الله تعالى جده.
، فإن النفس هي تعذب وهي محبوسة في القبر، بلى البدن أم لم يبلى، ويعرض على النار أو تجر بما هي لا فيها، فتكون مكروبة مغمومة بذلك ما شاء الله تعالى جده. وقد يمكن أن تخرج النفس من القبر إذا انقضى السؤال وتورد مورد أمثالها، فتكون في تنعم به من البشارات والاطاعات وتغم به التخوينات والتوبيخات هناك إلا أن
ذلك كله يسمى عذاب القبر، بمعنى أنه العذاب الذي يكون ما دام الميت في القبر لم ينشر منه لم يجمع بينه ويبن ما غاب عنه والله أعلم. ومن قال هذا، قال: إن العذاب لا يسبق الحساب، ولو كان الله ﷿ معذباً قبل الحساب لم يمت بعد، ولينقله عند انتهاء مدته إلى مكان الجزاء الذي أعده له، ويفعل ذلك بالواحد بعد الواحد من غير إمهال وتأخير. فلما أخبر ﷿ أنه: ﴿جامع الناس ليوم لا ريب فيه﴾ ومحييهم وباعثهم ومحاسبهم وجازيهم بما تنطق به كتبهم وصحف أعمالهم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر وذلك بعد أن توزن. وتميز بين (من) ثقلت موازينه وبين من خفت موازينه، علمنا أن الذي سبق هذه الأمور بعد الموت هو السؤال ثم التبشير والإنذار والتخويف والإيمان والإطماع في الجنة، أو العرض على النار. وهذه كلها مما يكفي النفس لها، وليست تحتاج إلى البدن فيها، وإنما تحتاج إليه إذا جاء الوقت الذي يوفى فيه الموعود من تغريق في الهوان، أو تقليب في نعيم الجنان، ويدل على ذلك أن الأخبار وإن جاءت بعذاب القبر فليس في شيء منها إن من لا عذاب عليه يطعم أو يسقى أو يلبس في قبره، فعلمنا أن ما تأجل في ذلك للمحسن، فإن خلافه أيضاً يتأجل للمسيء، وإن التعجيل للفريقين ما ذكر والله أعلم. ومن قال هذا، قال: معنى أمتنا باثنتين وأحييتنا اثنتين، امتنا بارسالنا من اصلاب آبائنا نطفة ميتة، ثم أحييتنا في أرحام أمهاتنا، هم أمتنا في الدنيا ثم أحييتنا يوم القيامة ويحتمل أن يقال أن الميت كلما يحيى للسؤال لأنه إنما يقع في البدن الذي يعم النفس والبدن.
نا في أرحام أمهاتنا، هم أمتنا في الدنيا ثم أحييتنا يوم القيامة ويحتمل أن يقال أن الميت كلما يحيى للسؤال لأنه إنما يقع في البدن الذي يعم النفس والبدن. فإذا انقضى السؤال فالجواب أميت ولعل معنى ذلك- والله أعلم- إن الميت قد حول من ظهر الأرض إلى بطنها الذي هو الطريق إلى الهاوية، فيوقف في قبره ويحيى ثم يسأل، فإن وجده الملكان من الأبرار عرجت الملائكة بنفسه وروحه إلى عليين وكان ذلك نظيرا أن يوقف في المحشر على تشفير جهنم، ويستعرض عمله، فإذا وجد في الأبرار أجيز على الصراط، وإن وجده الملكان من الفجار هوت الملائكة بنفسه وروحه إلى
سجين، وكان ذلك نظير أن يوقف في المحشر على شفير جهنم، فإذا نظر في عمله فوجد من الفجار التي في النار. فأما ما وراء ذلك من عذاب أحداً من المسلمين لا تداني ذنوبه ذنوب آل فرعون، فإذا كان الله ﷿ لم يعاملهم قبل الآخرة بأكثر من العرض على النار دون إحساسها أبدانهم، رجونا من فضله ورأفته أن لا يمس مسلماً ناراً قبل أن يورده الآخرة، وكل ما دون ذلك من إرغاب وتخويف وتعريض للحسرات والندامات، أو خلاف ذلك من أطماع وتبشير وإعلام بالمحاب والمسرات، فإن النفس لا تحتاج في الإجابة إلى البدن فيكون ما يكون لها وعليها والله أعلم. وفي هذا الرأي جمع بين القولين الذين سبق أيضا ضمهما، فيكاد من هذا الوجه أن يكون وسطاً والله أعلم. وإنما نذكر هذه الوجوه إزاحة لما عسى يعترض به الملحدون وينسبون إليه أخبار الديانات وحبيها بالامتناع إليه فيا لعقول، لكن له مكان الوجه الواحد أوجهاً، وإلا فالأولى بالمسلم الإيمان بما يثبت عنده عن النبي ﷺ، والتسليم له دون أن يتوقف في ذلك إلى أن يبين له وجهه. فإن الصحابة قبلوا عن النبي ﷺ ما أخبرهم به وأنذرهم إياه من عذاب القبر وغيره، ولم يراجعه فيه منهم أحد، ولا سأله عن وجهه وكيفيته، فكذلك ينبغي لمن بعدهم أن يفعل فيكون التابعين لهم بإحسان وبالله التوفيق. فصل إن سأل سائل عن معنى ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه). قيل له: هذا حديث رواه عمر بن الخطاب ﵁، وابنه عبد الله يزعم ولما بلغ عائشة ﵂ قولهما، قالت انكم لتحدثون من غير كاذبين، ولكن السمع قد يخطئ، إن الله أضحك وأبكى، ولا تزر وازرة وزر أخرى.
طاب ﵁، وابنه عبد الله يزعم ولما بلغ عائشة ﵂ قولهما، قالت انكم لتحدثون من غير كاذبين، ولكن السمع قد يخطئ، إن الله أضحك وأبكى، ولا تزر وازرة وزر أخرى.
وكذلك قال ابن عباس ﵁ وفي رواية أخرى قالت عائشة: إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية فقال: (إنكم لتبكون عليها، وإنها لتعذب في قبرها) ولكن للحديث وجوهاً إذا حمل عليها خرج خروجاً حسناً. ولم تقع ضرورة إلى تغليط عمر وابن عمر مع فضلهما وكبر محلهما، أحدهما: أن أهل الجاهلية كانوا يوصون بأن يناح عليهم إذا ماتوا وتذكر أحوالهم ومقاماتهم، فكان إذا مات أحدهم بكى عليه أولياؤه، وأقاموا عليه النوح، يذكرون أعماله وعاداته، وحروبه وركوبه المحارم من النساء، وغيرهن، فقل إنما قال النبي ﷺ: (الميت يعذب ببكاء أهله عليه) إذ بكاؤهم عليه بوصيته وعلى الوجه الذي بينته. وقيل قد يجوز أن يكون الميت قد استحق عذاباً بذنوبه غير أن الله تعالى قضى أن أهله إن بكوا عليه عذبه بذنوبه، وإن تركوا البكاء عليه ترك تعذيبه ثواباً بصبرهم، ويبلغ النبي ﷺ: (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) كي إذا سمع أهل الميت هذا وعرفوه تركوا البكاء عليه وارتدعوا كما يكون سبقاً لإيصال العذاب إليه. ويقال يعذب ببكاء أهله عليه، وإن بكاؤهم عليه إن لم يكن مؤمناً لتعذيبه، فقد كان سبباً لتعذيبه بذنبه، فيجوز في الكلام أن يقال عذب ببكاء أهله وهذا تأويل يليق بالمسلمين خاصة، لأن الله تعالى يترك تعذيب الكافر بصبر أهله عليه عن البكاء عليه، ولا يعرض أهل الكفار أيضا من صبرهم أن لا يعذب ميتهم. وقيل: المعنى أن المختصر إذا رأى أهله يبكون عليه البكاء المفرط، فأعجبه ذلك منهم فسكت وأراد عنه ليثيبوا عليه رضاء منهم بصنيعهم، وقد كان قيمهم وصاحب أمرهم فكان عليه زجرهم عما لا يجوز، فلما لم يفعل، قام ذلك مقام لآمر به، فلذلك عذب.
فسكت وأراد عنه ليثيبوا عليه رضاء منهم بصنيعهم، وقد كان قيمهم وصاحب أمرهم فكان عليه زجرهم عما لا يجوز، فلما لم يفعل، قام ذلك مقام لآمر به، فلذلك عذب.
وقيل: سواء كان المعنى هذا، والوصية بالندبة والنياحة، فليس في هذا الحديث إلا أنه يعذب ببكاء أهله عليه، وليس فيه متى يعذب فقد يجوز أن يكون المعنى يوم القيامة، وليس يجب البحث عن معنى هذا الحديث للوقت. فإن التعذيب في القبر ليس بمتنكر. وقد جاء في اليهودية أنهم ليبكون عليها، وإنها لتعذب في قبرها، وإنما يجب الوقوف على معنى تعذيب الميت ببكاء الحي عليه. وقد ذكرنا من ذلك منا ما فيه الكفاية وبالله التوفيق.
العاشر من شعب الإيمان وهو باب في محبة الله جل ثناؤه قال الله تعالى: ﴿ومن الناس يتخذ من دون الله أنداداً، يحبونهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حباً لله﴾. فدل ذلك على أن حب الله تعالى. ويدعو إلأيه. ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فالرجل يحب المرء لا يحبه إلا الله. والرجل إن قذف في النار كان أحب إليه من أن يرجع يهودياً أو نصرانياً" فبان بهذا الحديث أيضاً أن حب الله تعالى جده من الإيمان. وقال الله جل ثناؤه: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ فأبان ﷿ أن اتباع نبيه ﷺ من موجبات محبة الله. فإذا (كان) اتباع النبي ﷺ إيماناً فقد وجب أن يكون حب الله الموجب له إيماناً من العبد، كما أن اتباع النبي ﷺ لما كان من موجبات الإقرار بالله تعالى. فكان بنفسه إيمانا، كان الإقرار الموجب له إيماناً من العبد والله أعلم. فصل فإن قال قائل: ما معنى محبة الله تعالى جده؟ قيل له: إن محبة الله ﵎ ليست اسماً لمعنى واحد ولكنه اسم لمعان كثيرة. أحدهما: اعتقاد أنه- عز اسمه- محمود من كل وجه، لا شيء من صفاته إلا وهو مدح له.
والثاني: اعتقاد أنه محسن إلى عباده بنعم متفضل عليهم. والثالث: أن الإحسان الواقع منه اكبر وأجل من أن يقضي قول العبد وعمله، وإن حسناً وكثرا شكره. والرابع: أن لا يستقل العبد قضاياه ولا يستكبر تكاليفه. والخامس: أن يكون في عامة الأوقات مشفقاً وجلاً من إعراضه عنه، وسلبه معرفته التي أكرمه بها، وتوحيده الذي حلاه وزينه به. والسادس: أن تكون آماله معقودة به، ألا ترى في حال من الأحوال أنه غني عنه. والسابع: أن تجمله يمكن هذه المعاني في قلبه، في أن يديم ذكره بأحسن ما يقدر عليه. والثامن: أن يحرص على أداء الفرائض والتقرب إليه من نوافل الخير بما يطيقه. والتاسع: أنه إن سمع من غيره بني عليه، وعرف منه تقرباً إليه، وجهاداً في سبيله سراً وعلانية مالاه وولاه. والعاشر: أنه سمع من أحد ذكراً له بما يجل عنه، أو عرف عنه عناء عن سبله شراً وعلانية فأنبه وناوأه، فإذا استجرت هذه المعاني في قلب أحد فاستجماعها من المشار إليه باسم محبة الله تعالى جده وهي إن لم تذكر مجتمعة في موضع، فقد جاءت مفرقة عن النبي ﷺ فمن دونه. فما جاء عنه ﷺ مما رواه عنه ابن عباس ﵁ فإنه قال: "أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمة" وهذا يحتمل أن يكون عاملا بالأنعمة كلها، وأن يكون اسم الغذاء في الطعام والشراب حقيقة، ولما عداهما من التوفيق والهداية ونصب أعلام المعرفة، وخلق الحواس والعقل مجازاً، ويكون جميع ذلك بالاسم مراداً. فقد جاء في بعض الأخبار- وقد رويناه- ثلاث من كن فيه، وجد حلاوة الإيمان" وفي بعضها "طعم الإيمان جازت تسميته غذاء" فيدخل الأيمان وجميع نعم الله في هذا الحديث والله أعلم.
خبار- وقد رويناه- ثلاث من كن فيه، وجد حلاوة الإيمان" وفي بعضها "طعم الإيمان جازت تسميته غذاء" فيدخل الأيمان وجميع نعم الله في هذا الحديث والله أعلم.
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: "علامة حب الله تعالى جده، لم يعد المصائب التي يمتضيها عليه إساءة منه إليه، ولم يستقل وظائف عبادته وتكاليفه المكتوبة عليه، كما أن من أحب أحداً من جنسه لم يلد يبصر منه إلا ما يستحسنه ويزيده إعجاباً به ولا يصدق به من خير المخبرين عنه إلا ما يجده سبباً للولوغ به والغلو في محبته" وجاء عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: من ذاق حب الله تعالى شغله ذلك عن حب الدنيا، وهذا لأنه إذا تشاغل بالدنيا عن عمارة السبل التي تؤدي إلى الله تعالى جده لم يأمن أن يقطع الله عنه الطاقة ويكله إلى نفسه. وقد حكى الله ﷻ عن أهل الجنة أنهم يقولون ﴿إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين﴾. فقيل في تفسير: كانوا مشفقين أن يسلبوا الإسلام، وهذا أحد ما تقدم ذكره. وجاء بعض المتقدمين أنه قال: لا يكون العبد محباً لربه حتى يذل نفسه في مرضات الله ظاهراً وباطناً وعن بعضهم أنه قال علامة من أحب الله أن يحب ما أحب الله، ويبغض ما أبغض الله، وعلامة من أحب الله أن يبغض الدنيا ومتاعها ويقال أن في كتاب داود ﵇: من أحب الله لجأ إلى طاعته، ومن أبغض الله لجأ إلى معصيته. وعن سعيد المقبري ﵁ أنه قال: مفتاح حب الله تعالى معرفة منه الله. وقال بعض السلف: أول أحوال المحبة الموافقة والإقفال على من هو مقبل عليه، والإعراض عمن هو معرض عنه، وخوف السقوط من عينيه، قال ومن علامة حب النبي ﷺ حب القرآن فحب القرآن ما احمداه وبعض ما ذماه. قال بعضهم: علامة المحبة استجلاء الطاعة ولزوم الخدمة وإدامة الفكرة. وقال بعضهم: الحب اللزوم، فإن من أحب شيئاً لزم ذكره قلبه فمحبة الله تعالى لزوم ذكرهن وهذا الذي فسر به هذا القول: المحبة من أنه اللزوم وموافق لقول أهل اللسان لأنهم يقولون: أحب وإذا ترك فلزم مكانه. وقيل في قوله ﷿ حكاية عن سليمان ﵇: "إني أحببت، أي كسلت فأقمت مكاني من حب الخيل حتى توارت الشمس بالحجاب، ولم أقم الصلاة. وقد قال عز وجل
رك فلزم مكانه. وقيل في قوله ﷿ حكاية عن سليمان ﵇: "إني أحببت، أي كسلت فأقمت مكاني من حب الخيل حتى توارت الشمس بالحجاب، ولم أقم الصلاة. وقد قال عز وجل
لرسوله ﷺ: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ أي إنكم تحبون الله فإني قائم بالدعاء إلى الله جل ثناؤه، وأداء حقوقه والجهاد في سبيله وإعلاء كلمته وحشر الناس إلى دينه، فلا أحد أشد موافقة لكم مني، فأحبوني تحبوا الله، واتبعوني فإن محبتكم لله تعالى تقتضي اتباعي لا مخالفتي والإزورار عني، فإن أبيتم فاعلموا أنكم غير محبي الله، وإن اسم العداوة والبغض أولى بكم وألزم بكم من اسم المحبة والله أعلم. وقال الله ﷿: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله، فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾. فأعلمهم جل ثناؤه أنهم إذا قعدوا عن الجهاد إشفاقاً من أن يصابوا فيتضرر بذلك قراباتهم أو حسرة على المساكن التي يرضونها، وأسفاً على ما يفوتهم من التنعم بسكناها، أوشحاً بالأموال التي اكتسبوها، وخوفا من نقصانها، لم يكونوا محبين الله ﷿ بل كان ما يتركون لأجله الجهاد في سبيله، ويحملوا بسببه كفر الكفار، وغيهم وانتهاكهم محمارم الله، هو الأحب إليهم والآثر لديهم. فإن واحداً من أمثالهم لو سبهم وأذاهم وأسمعهم في أنفسهم أو في بعض أسلافهم، وحسب لأحدهم امرأة وجارية لقاتلوه ولم ينتفعوا على أموالهم ولا مساكنهم ولا على ما يكسد من تجارتهم. وإذا سمعوا الذين يلحدون في أسماء الله. ويستهزئون بآيات الله، وعرفوا ما قدم أسلافهم من قبل الأنبياء صلوات الله عليهم، وأنهم اليوم لفعلهم راضون، ثم لم يوادوهم إشفاقاً على القرابات والأموال أو على الأنفس لم يكونوا محبين لله تعالى جده حقاً، بل كانوا أحب بغيره منه، أي لا ينبغي أن يكون ذلك كذلك، بل خلاف ذلك هو الأولى بكم والألزم لكم، فثبت بجميع ما يثبت أن حب الله تعالى من الإيمان وبالله التوفيق.
وا أحب بغيره منه، أي لا ينبغي أن يكون ذلك كذلك، بل خلاف ذلك هو الأولى بكم والألزم لكم، فثبت بجميع ما يثبت أن حب الله تعالى من الإيمان وبالله التوفيق. فإن سأل سائل: عن قول الله ﷿: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾ فإذا أريد به: الذين يعترفون بالله جل ثناؤه. فإن ظاهره
يوجب أن يكون الكفار محبين لله جل ثناؤه، ولولا ذلك لم يقل: يحبونهم كحب الله، أي كحبهم لله. قيل له: قد يجوز أن يكون المعنى يحبونهم كالحب الذي ينبغي أن يكون لله ﷿ وقد يحتمل أن يكون أراد به المشركين الذين يعترفون بالله ﷿ ويزعمون أنهم يحبونه، وهو أيضاً يحبهم، غير أنهم مشركون به بعض خلقه، كالنصارى الذين يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه وزعموا مع ذلك أن المسيح ابن الله. ومشركي العرب الذين عبدوا الأوثان وعظموا، وقاتلوا من سبها، هي بعينها، وقالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فأحبوا الله تعالى وأحبوا الأوثان أكثر من حبهم لهم، فحبط بذلك حبهم لله تعالى، ولم يحصلوا على ثواب واستحقوا بإيجادهم الأنداد من دونه أعظم العقاب والله أعلم. فصل فأما ما بدأ بذكره من معاني المحبة وهو في اعتقاد أن الله ﷿ محمود ممدوح من كل وجه، فإنه أبين أركان المحبة إذا كانت العبادة الجارية ماضية به، فإن أحداً لا يحب المذمة تكون فيه، وإنه يحب لمحمده يعرفها له إما بالإطلاق وإما بحسب ما يكون عنده فيها. فإما بالإطلاق: فنحو محبة المسلمين بعضهم بعضاً لأن المواتاة والموافقة من بعض لبعض محمودة عندهم، وإن كانت الموافقة على الخير هي المتسوفية للحمل. فثبت أن الحب لا يكون إلا على ما يحمدون ما يذم بحبة الله تعالى، أولها: اعتقاد أن كلها مدائح، وهي كذلك بالحقيقة، فوجبت لها المحبة عليها وبالله التوفيق. وكذلك اعتقاد المعنيين الآخرين وهما إحسانه وإنعامه، وإلا مجاوزتها حد ما يأتي عليه الشكر، هما باللسان للمعنى الذي تقدم ذكره، لأن أولها يلزم الشكر والآخر يضاعفه والأول يلزمه المنة والآخر يؤنس من إسقاطها، نوكل واحد منهما ينافي البغض لأن من أبغض أحداً لم يستطع حمده ونشر محاسنه، والاعتراف له بالفضل والأفضال.
فه والأول يلزمه المنة والآخر يؤنس من إسقاطها، نوكل واحد منهما ينافي البغض لأن من أبغض أحداً لم يستطع حمده ونشر محاسنه، والاعتراف له بالفضل والأفضال.
ومن أنس من مقابلة منعم إذا شكره علم أن أقل ما يلزمه له أن يعتقد أنه مرتهن بحقه، ويصلح قلبه له حتى لا يتمكن منه ما لو بدأ المنعم يكرهه، ولا بتوطئه إلا ما ظهر له منه كبيرة وأعجبه، والله ﷿ لا يخفى عليه شيء ولا إنعام يعدل إنعامه، ولا إحسان يوازي إحسانه. فهو أحق بأن لا يعتقد العبد في ذاته إلا ما يرضاه، ويعصي في ارتكاب ما يكرهه هواه وبالله التوفيق. وكذلك ما ذكرته في ترك الإشتغال لقضاياه، وتر الاستكثار لتكاليفه، لا استقال القضايا واستشعار ظلم، واستكثار التكاليف واستشعار حمل، وكل واحد منهما حقا وأعيان فمن أضمر هذا للآخر في نفسه فقد سهل لبغضه لأن المظلوم لا يحب الظالم ولا المحمول عليه الحامل. وأما إذا لم يستقل القضايا وعلم ما نفذ فيه قضاؤه فإنما كان ملكه، وكان أولى به منه أو تجاوز ذلك إلى أن يستجلي ما يجزي به القضايا لأجل إنما عرض، فمن قبل المولى من قبل أحد، لقوله: وواحد، فيكون ذلك عائدا عليه بفضاضة وحقارة، فناهيك بالأمرين: أما أولها فإبعاد لما يفسد المحبة عن القلب، والآخر فيوصل إلى اكتساب محبة الله، وكل واحد منهما مما تبعث عليه الرغبة في رضا الله ﷻ، والكراهة تسخطه، وإذا لم ينكر الفرائض علم أن الله تعالى قد أبقى عليه ولم يخرجه، ويساهله ولم يشدد عليه، فدعاه ذلك إلى نعيم طاعته، ويطلب رضاه وموافقته. فإن الإتقاء ممن يملك الاستيفاء اتصال، كما أن الاستيفاء ممن يملك الاتقاء شديدو الإيفاء والإنعام والإفضال عن دواعي المحبة والبواعث عليها. وكذلك للإشفاق من انقطاع نظر الله ﷻ هو اكدار كان المحبة، لأن الإشفاق لا يكون إلا على مظنون به متنافس فيه فمن كان نظره إلى ما أكرمه الله تعالى من معرفته وتوحيده هذا النظر دل ذلك من حاله على علمه بحقه. والعارف بحق سيده والمنعم عليه لا يكون مبغضا له وكذلك تعلق الأمل بالله ﷿، مع العلم بأنه لا غنى عنه، وأنه جواد كريم هو من أسباب المحبة، لأن أحدا لا
ه. والعارف بحق سيده والمنعم عليه لا يكون مبغضا له وكذلك تعلق الأمل بالله ﷿، مع العلم بأنه لا غنى عنه، وأنه جواد كريم هو من أسباب المحبة، لأن أحدا لا
يبغض من لا يصل إلى محبوبه إلا به ومن قلبه، فكذلك يجب من يوصله إليه، ولاسيما إذا لم يكن له إليه موصل غيره، وكان كريما يصدق الأمان ويكثر الأفضال ويحب الدعاء ولا يحب الرجاء. وكذلك هيجان القلب للذكر الحسن والتقرب بنوافل الخير، ومولاة من يجده على طريقته، ومناوأة من لا يجده وتبرئه منه، والغلظة عليه كل ذلك من أركان المحبة في العبادات المعروف، وهو أمر لازم للطباع. وقد قال الله ﷿: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر، يوادون من حاد الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان﴾، ومن يتولهم منكم، فإنه منهم﴾. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾. فدل ذلك على أن ولاية الله تعالى جده لا تفارق موالاة أعدائه من أعلام ولايته ومحبته والله أعلم. فصل فأما إدامة ذكر الله تعالى جده التي ذكرناها أنها من إمارات المحبة، فقد جاء منها قول الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا﴾ وقوله ﷿: ﴿فاذكروني أذكركم﴾. وجاء عن رسول الله ﷺ، وفي الأحوال التي يستحب الذكر فيها وفي فضيلته والحث عليه أخبار، فمنها ما جاء في الحث والاستكثار من الذكر، فإنه ليس شيء أفضل من ذكر الله، ولو اجتمع الناس على ما أمروا به من ذكر الله ما كتب الله الجهاد على عباده وإن الجهاد شعبة من ذكر الله.
وفي هذا الحديث أن المراد بالذكر ليس هو الذكر باللسان وحده ولكنه جامع اللسان والقلب، والذكر بالقلب أفضل لأن الذكر باللسان لا يردع عن شيء، والذكر بالقلب يردع عن التقصير في الطاعات والتهافت في المعاصي والسيئات، وعنه ﷺ، أنه أتى في طريق مكة على جبل فقال: "الله أكبر، هذا حمدان، سبق المؤذنون قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات". وفي بعض الروايات: "الذين اهتزوا بذكر الله". وعنه ﷺ، فيما ذكر عن الله تعالى جده: "أنا مع عبدي ما ذكرني، وتحركت بي شفتاه يعني باسمي وقال- إن أهل الجنة لا يتحسرون على شيء إلا على ساعة مرت بهم ولم يذكروا الله فيها". ومنها ما جاء في لزوم مجالس الذكر ومصاحبة أهله، قال النبي ﷺ: "إذا مررتم برباط الجنة فارتموا، قالوا يا رسول الله، وما رباط الجنة؟ قال: مجالس الذكر، فأعدوا فيها وروحوا في ذكر الله" وعنه ﷺ: (ما لمجتمع قوم يذكرون الله إلا حتفهم الملائكة وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده". ومنها ما جاء في عمارة البيت بذكر الله ﷿، وقال النبي ﷺ: "مثل البيت الذي يذكر الله فيه، والبيت الذي لا يذكر الله فيه كمثل الحي والميت". ومنها: الأحتراز من الشيطان بذكر الله تعالى جده، يروى أن رسول الله ﷺ قال: "أوحى الله إلى يحيى ثم زكريا ﵇ أن الله يأمر الناس بكر الله تعالى". ثم قال: "مثل ذاكر الله كمثل رجل طلبه العدو وسارع في أثره حتى أتى حصنا حصينا فأحرز نفسه فيه، فكذلك العبد لا ينجو من الشيطان إلا بذكر الله". وعنه
لى". ثم قال: "مثل ذاكر الله كمثل رجل طلبه العدو وسارع في أثره حتى أتى حصنا حصينا فأحرز نفسه فيه، فكذلك العبد لا ينجو من الشيطان إلا بذكر الله". وعنه
صلى الله عليه وسلم: "أن الشيطان واضع خطمه في قلب ابن آدم، فإن ذكر الله حبس وإن نسي الله التقم قلبه". ومنها: ما جاء في مفارقة المجلس من غير ذكر الله تعالى جده فيه ثم يفرقوا عنه إلا كان كأنما يفرقوا عن صفة حمار، وكان ذلك عليهم حسرة يوم القيامة. ومنها: "الذكر عند كل اضطجاعه، قال النبي ﷺ: "من اضطجع مضجعا لا يذكر الله فيه كان شره عليه يوم القيامة". ومنها الذكر عند كل مشي، قال رسول الله ﷺ: "من مشى مشيا لم يذكر الله فيه، كان عليه برة يوم القيامة". ومنا ذكر الله ﷿ عند كل حجر ومدر وشجر، قال معاذ بن جبل رضي الله لرسول الله ﷺ، أوصني! قال: "اذكر الله عند كل حجر وشجر، واتق الله ما استطعت". ومنها الذكر في الخلوة، قال رسول الله ﷺ لأبي زرين: "يا أبا زرين، إذا خلو فأكثر ذكر الله" والأغلب أن المراد به في هذا الحديث ذكر القلب، لئلا يكون منه في الخلوة ذنب لا يستطاع منه في الملاء. وعنه ﷺ: "سبعة في ظل الله يوم القيامة منهم رجلا ذكر الله خاليا ففاضت عيناه". ومنها الذكر في الملأ، قال رسول الله ﷺ فيما يحكي عن الله ﷿ "أنا مع عبدي إذا ذكرني، فإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وأطيب". ومنها الذكر الخفي، وهو ضربان: أحدهما الذكر في النفس، وقد قال الله عز وجل
له ﷿ "أنا مع عبدي إذا ذكرني، فإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وأطيب". ومنها الذكر الخفي، وهو ضربان: أحدهما الذكر في النفس، وقد قال الله عز وجل
﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا وخفية﴾ والآخر ما دار به اللسان ولم يسمعه إلا صاحبه. وقال النبي ﷺ: "خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي". وقال: "يفضل الذكر الخفي الذي لم تسمعه الحفظة على الذي سمعته الحفظة سبعين ضعفا". ومنها الذكر عند الشدة قال رسول الله ﷺ: "فيما يؤثر عن الله ﷻ: عبدي الذي هو عبدي حقا الذي يذكرني وهو ملاق﴾. وعنه ﷺ قال: "طوبى لمن أكثر من ذكر الله جل ثناؤه في الجهاد، والكلمة بسبعين ألف". ومنها: الذكر بعد الغداة إلى طلوع الشمس، قال النبي ﷺ: "لأن أجلس إلى قوم يذكرون الله بعد صلاة الغداة إلى أن تطلع الشمس، أحب إلى مما طلعت عليه الشمس". ومنها- الذكر بعد العصر إلى غروب الشمس، قال النبي ﷺ: "لأن أجلس مع قوم يذكرون الله بعد العصر إلى غروب الشمس أحب إلي مما طلعت عليه الشمس". ومنها: الذكر بين الغافلين قال رسول الله ﷺ: "ذاكر الله في الغافلين كالذي يقاتل في الغازين، وذاكر الله في الغافلين مثل المصباح في البيت المظلم، وذاكر الله في الغافلين مثله مثل الشجرة الخضراء وسط الشجر الذي قد تجاف ورقها، وذاكر الله في الغافلين يغفر له بعدد كل فصيح وأبكم، وذاكر الله في الغافلين يعرفه الله مقعده في الجنة". ومنها: الاشتغال بالذكر عن المله، قال رسول الله ﷺ، فيها ذكره الله ﷿:
ن يغفر له بعدد كل فصيح وأبكم، وذاكر الله في الغافلين يعرفه الله مقعده في الجنة". ومنها: الاشتغال بالذكر عن المله، قال رسول الله ﷺ، فيها ذكره الله ﷿:
"من شغله ذكري عن ملتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" ثم الذي شذ عن هذا كله ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من أكثر من ذكر الله بريء من النفاق". وعن معاذ بن جبل رصي الله عنه، قال: سألت رسول الله ﷺ أي الإيمان أفضل؟ قال: "أن تعمل لسانك في ذكر الله" فبان بهذا أن ذكر الله تعالى إيمان وإذا كان الذكر وهو مما يبعث عليه الحب والخوف، وكل واحد منهما كسب العبد، ثبت أنهما إيمان، كما أن عقد القلب لما كان هو الباعث على الإقرار باللسان، وكان الإقرار إيمانا، كان الاعتقاد إيمانا، والله أعلم. وإذا كان محل ذكر الله ﷿ ما وصفت، كان من حق المبد أن يحافظ عليه، ولا يخل به ما استطاع ثم أن يتخري من الأذكار ما طهر فضله وجاء عن رسول الله ﷺ، الحث عليه. فمن ذلك قوله الذي صح منه: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحا الله وبحمده، سبحان الله العظيم". ومن ذلك ما جاء عنه ﷺ أنه قال: "أربع كلمات لا تضرك هذه دابة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر". وقد خصت بهذه الأذكار صلاة شرع التنفل بها لمن أحب، فروي أن النبي ﷺ قال لجعفر بن أبي طالب ﵁ لما قدم من أرض الحبشة: "ألا أخبرك إلا لنجيك" فعلمه هذه الصلاة. وروي عنه صلى الله ﵊ أنه علمها العباسي، وأمره أن يصليها كل يوم مرة فقال لا أستطيع قال ففي كل جمعة. قال: لا أستطيع. قال: في كل شهر. فقال: لا أستطيع. قال: ففي كل سنة مرة تكبر الله وتقرأ الفاتحة وسورة ثم تقول: سبحان الله والحمد لهل ولا إله إلا الله والله أكبر خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقولها عشرا، ثم ترفع فتقولها عشرا. وفي الثانية مثل ذلك، فذلك مائة وخمسون مرة، ومن ذلك الاستغفار.
قال الله ﷿: ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا﴾. وجاء عن النبي ﷺ: أنه قال: "للقلوب صدأ كصدأ النحاس، وجلاؤها الاستغفار" وعنه ﷺ: "من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، وفي كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب" وقال "إن لأستغفر الله في اليوم مائة مرة". وعنه ﷺ: "ما لقي عبد ربه في صحيفته بشيء خير له من الاستغفار". وعنه ﷺ: "من استغفر الله إذا وجبت الشمس سبعين مرة غفر له ذنبه" وشكا إليه ﷺ حذيفة دون اللسان على أهله، وقال إني أخشى أن يدخلني النار: فقال له: "فأين له أنت يا حذيفة من الاستغفار، فإني أستغفر الله كل يوم مائة مرة" وبالله التوفيق.
الحادي عشر من شعب الإيمان -وهو باب في الخوف من الله تعالى - قال الله ﷿: "إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين". وقال تعالى: ﴿فلا تخشوا الناس اخشوني﴾. وقال: ﴿وإياي فارهبون﴾. وقال تعالى: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا وخفية﴾. وأتى على ملائكته يخوفهم فقال: ﴿وهم من خشيته مشفقون﴾. ومدح أنبياءه ﵈ وأولياءه مثل ذلك فقال: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا، وكانوا لنا خاشعين﴾. وقال: ﴿والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب﴾. وعاتب الكفار على غفلتهم، فقال: ﴿ما لكم لا ترجون لله وقارا، وقد خلقكم أطوارا﴾ فقيل في تسفيره ما لكملا تخافون عظمة الله، وذمهم في آية أخرى فقال: ﴿الذين لا يرجون لقاءنا﴾. أراد به لا يخافون. فدل جميع ما وصفنا على أن الخوف من الله من تمام الاعتراف بملكه وسلطانه، ونفاذ مشيئته في خلقه. فإن إغفال ذلك إغفال للعبوده، غذ كان من حق كل عبد ومملوك أن
جميع ما وصفنا على أن الخوف من الله من تمام الاعتراف بملكه وسلطانه، ونفاذ مشيئته في خلقه. فإن إغفال ذلك إغفال للعبوده، غذ كان من حق كل عبد ومملوك أن
يكون راهباً لمولاه لثبوت يد المولى عليه، وعجز العبد عن مقاومته، وترك الانقياد له. والخوف على وجوه: احدها: أما يحدث عن معرفة العبد بذلة نفسه، وهو أنها وقصورها وعجزها عن الامتناع عن الله تعالى، إن أراده بسوء. وهذا نظير خوف الولد والديه، وخوف الناس سلطانهم، وإن كان عادلا محسنا، وخوف المماليك ملاكهم. والثاني: ما يحدث من المحبة، وهو أن يكون العبد في غاية الأوقاف وجلا من أن يكله الله إلى نفسه ويمنعه مواد التوفيق، ويقطع دونه الأسباب. وهذا خلق كل مملوك أحسن إليه سيده يعرف قدره إحسانه واجبه عليه، وإنه لا يزال مشفقا على منزلته عنده، خائفا من السقوط عنها والفقد لها. والثالث: ما يحدث عن الوعيد، وهذا دون هذه الأنواع وتألفها بالأنفس الخسيسة التي لا يأتيها ولا قوي فعلها مريض. ومن كان من هذا النوع فإنه قد يحدث عند الهم بالمعصية، فأما أن يردع عن مواقعها فيكون قد وقع. وأما أن لا يقطع به ارتداع فيصير سببا ليغلظ المعصية، فإن مواقعتها على ذكر من الوعيد، أغلظ من مواقعتها على غفلة وسهو عنه، وقد يحدث بعد المعصية، فأما أن يحدث يوما عاجلا أو آجلا، فيكون قد أفاد خيرا، وأما أن يتبعه سهو نسيان، فيعود الخائف بعده كما كان. وقد نبه الكتاب على هذه الأنواع كلها. فأما الأول فقوله ﷿: ﴿ما لكم لا ترجون لله وقارا﴾ أي تخافون لله عظمة. ولا فرق بين أن يقول السيد لمملوكه: ما لك لا تخاف سلطاني ومملكتي، وبين أن يقول له: ما لا تعرف نفسك قدرها، ولا ينزلها منزلة مثلها. فبين أن الكلامين يراد بهما تقدير حال العبد عند نفسه لئلا يأمن من سطوة سيده، ويدعوه ذله إلى مفارقة طاعته.
لا تعرف نفسك قدرها، ولا ينزلها منزلة مثلها. فبين أن الكلامين يراد بهما تقدير حال العبد عند نفسه لئلا يأمن من سطوة سيده، ويدعوه ذله إلى مفارقة طاعته. وأما ما هو أبين من هذا فقوله ﷿: وإذا مسكن الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفوران أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا. أم أمنتم أن يعيد من فيه تارة أخرى فيرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا. أم أمنتك أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا علينا به تبيعا﴾.
فعرفهم أنه لا ينبغي لهم في حال من الأحوال أن يفارقوا طاعته أو يقصروا فيه مستبشرين منه أمر لما يرونه من نعمه السابغة عليهم مقدرين أنه راض منهم بالتستر من الطاعة التي يوفونه من أنفسهم، فإنه لا يأمن من مكر الله إلا القوم الخاسرون. بل سبيلهم في الأحوال كلها أن يكونوا مشفقين من سخطته ومؤاخذته، محضرين بقلوبهم أنه إن أراد بهم بلاء سوى دونه ما كان لم يجدوا من يدفع عنهم ولا من يمنعه بما يهلكهم منهم. وأما الثاني: فإن الله ﷿ أثنى على الذين يدعونه فيقولون: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب﴾ وسماهم راسخين في العلم. ومعلوم أن أحدا لا يدعو فيقول: رب لا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، إلا وهو خائف على الهدى (الذي) أكرمه الله تعالى به، من أن يسلبه إياه. كما أن أحدا لا يدعو: رب لا تسلبني سمعي وبصري بعدما جعلتهما لي، وهو خائف عليهما، وجل من ذهابهما. فلما أثنى الله تعالى على الداعين إياه بما ذكرنا، كان ذلك الثناء في الحقيقة مما استحقوا بمعرفتهم قدر النعمة عليهم في هداية الله تعالى إياهم، وحبهم بها، لأن دعائهم عنها بشأنها ولأجلها كان وقال ﷿ حكاية عن أهل الجنة أنهم يقولون: إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم﴾.
ها كان وقال ﷿ حكاية عن أهل الجنة أنهم يقولون: إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم﴾. وجاء في التفسير: أنهم كانوا مشفقين من أن يسلبوا الإيمان ثم يوردوا يوم القيامة موارد الأشقياء، وكانوا يدعون الله تعالى بأن لا يفعل بهم ذلك، وهذا عين ما ذكرت، والقول في عامة نعم الله تعالى كالقول في الإسلام، وإن كان الإسلام أعلاها وأعظمها. وجاء عن النبي ﷺ أنه يدعو: "رب لا تكلني إلى نفسي طرفة عين" وهذا أيضا للإشفاق من أنه إذا سلب التوفيق لم يملك نفسه ولا يأمن أن يضيع الطاعات ويتبع الشهوات فينبغي لكل مسلم أن يكون هذا الخوف من همه وبالله التوفيق
وأما الثالث: فما أكثر ما في القرآن من ذكره والبعث عليه. قال الله ﷿ في غير موضع: يا أيها الناس اتقوا ربكم وقال ﴿وإياي فاتقون﴾. وقال: واتقوني يا أولي الألباب وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا، وقودها الناس والحجارة﴾. إلى غير ذلك من الآيات الكثير المجتمعة المعاني ومرجعها إلى الأمر بالتقوى. وهو أن يقي المخاطبون أنفسهم نار جهنم بفعل ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه. ومعنى اتقوني: اتقوا عذابي ومؤاخذتي، والكلام لا يحتمل غيره والله أعلم. ولعل الإخافة بالوعيد إنما هي لأنه ليس كل مخاطب يكمل لأن يلتقي ما يعرفه من ذلة نفسه وعظمة الله تعالى عن التحويل على ما فيه رضى الله تعالى بالوعيد، فكان الوعيد بينها لأهل الغفلة، ودلالة على ما في العصيان من الشقوة. وقد جاء في هذا المعنى أخبار كثيرة مرجعها إلى ما ذكت والله أعلم. فصل وقد يجد الناس في أنفسهم الخوف من أشياء كثيرة مثل خوف الوالد من موت ولده، وذهب ماله والغرق أو الحرق أو الهدم، أو ذهاب السمع أو الوقوع بيد سلطان جائر أو ابتلاء بسبع أو عدو ومن كان وما يشبه ما ذكرنا من أصناف المكاره، إلا أن هذا ينقسم إلى محمود ومذموم: فالمحمود أن يكون الخوف من هذه الأمور مما يمكن أن يكون تحتها من سخط الله جل ثناؤه، فإنها قد تكون عقوبات ومؤاخذات ممن خافها وامتنع لأجلها من المعاصي خيفة النار، وكذلك أن خشي أن يكون أخذ الله تعالى منه ما أعطاه إيلاء واختبارا حتى أن صبروا واحتسب اثابه، وإن جزع واضطرب لم يسلم لقضائه، زاده مثلها، فخاف أن ذلك أن كان لم يملك نفسه، وكان منه بعض من لا يحبه الله تعالى جده. ومن
ا حتى أن صبروا واحتسب اثابه، وإن جزع واضطرب لم يسلم لقضائه، زاده مثلها، فخاف أن ذلك أن كان لم يملك نفسه، وكان منه بعض من لا يحبه الله تعالى جده. ومن
هذا الوجه كان إشفاقه وكراهيته لهذه الأمور. فهذا أيضا محمود، وهذا خوف ينشأ من المحبة والتعظيم جميعا. وأما المذموم فهو أن يكون خوفه بعض هذه الأمور لحرصه على ماله منها من المنافع الدنيوية، وشدة ركونه إليها في مثله إلى التكثر بماله منها، والتوصل بها إلى ما يريد ويهوي، كان في ذلك رضى الله أو سخطه، وإنما كان مذموما للغرض الذي كان ينشأ هذا الخوف، ولأن جميع نعم الله عند العبد من مال وولد وما يشتهيها إنما هي عوادي والركون إلى العوادي ليس من فعل العقلاء والمخلصين. فصل فأما شرائع الخوف فمنها أن يتهيب العبد بآيات الله التي يهب خلقه لخسوف الشمس والقمر والزلازل والرياح والعواصف والرعد والبرق والظلمة في غير وقتها، وانقطاع المطر في وقته ونحو ذلك. فإن الله ﷿ وضع في قلوب عباده الانزعاج لهذه الحوادث، كما وضع فيها السكون والطمأنينة لما يخالفها، فلما كان ضياء الشمس والقمر، وهدوء الأرض وسكون الرياح المؤذية وخلق الحساب من الرعد والبرق وصفاء الهواء ونزول المطر في وقته نعمة. وروحا من الله تعالى ورحمة وجب أن يكون ما بخلافها تهيبا وتخويفا ومؤاخذة. قال الله ﷿: ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفا﴾ فمن غفل عمن يبدو له من ذلك ولم يترك لأجله قبيحا كان فاعله ازداد جرمه وتغلظ ذنبه واستحق من العقاب ما لم يكن مستحقا قبله. وقال النبي ﷺ: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفا لموت واحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله تعالى" وفي رواية أخرى (إلى الصلاة).
النبي ﷺ: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفا لموت واحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله تعالى" وفي رواية أخرى (إلى الصلاة).
وفي حديث آخر: "ولكن الله إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له" فقد يحتمل أن يكون معنى هذا أن الله تعالى إذا ظهرت قدرته على شيء فيه ما يريد، ولم يكن امتناع عليه. وكذلك إذا تجلى لكم بأن خالف بكم ما عودكم وسلب الشمس وضياءها في نهاركم، أو القمر نوره في ليلكم، فأحسنوا له بأن تصلوا وتسبحوا وتقدسوا وتستغفروا ولا يمنعكم عن ذلك أن تقولوا: عن قريب ستجلوا اعتمادا على عادة ألفتموها، فإنه إذا تجلى كان ذلك التجلي ابتداء نعمة منه ينعمها عليه، وليس يجوز أن يكون لتحديد النعمة سببا للإخلال بشكر ما سلف فيها والله أعلم. ومنها التخشع عند قراءة القرآن وسماعه وذكر الجنة والنار كما قال ﷿: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا﴾. وقال جل ثناؤه: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم﴾. وقال جل ثناؤه: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله﴾، أي لو كان حقه أن لا يستقر بل يتصدع من خشية الله فكتب لا تراه أن رأيته إلا متصدعا، فكيف بقلب المؤمن الذي هو ألين من الجبل أنه بالخوف والخشية والتهيب والرهبة أولى وأحق. ويحتمل أن يكون المعنى. إن قلب الكافر الذي إنما هو كمضغة لحم ليس بلين لقبول مواعظ القرآن ولا لنبين إعجازه وما فيه من صدوف حجج الله على عباده، أي فقد كان بأن يخشع أولى من الضجر لولا أن الشقي لا ينقلب سعيدا، والخبيث لا يتبدل طيبا، وما ذكرنا في هذا الفصل فلا يكاد يخفي وجهه، لأن الرهبة من الله تعالى وإن كان حقها أن لا يلزم المؤمن دائما، فإنها عند تجدد العهد بسماع الوحي، والوعد والوعيد، أحق وأخلق. ولهذا كان النبي ﷺ يبكي إذا قرأ بالليل في صلاته حتى يكون لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء، وكان إذا مر بآية رحمة سأل الله رحمته، وإذا مر بآية عذاب استعاذ بالله
من عذابه، فكذلك ينبغي للمؤمن سواه أن يكونوا هم أولى بذلك منه إذا كان الله تعالى غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكانوا من أمرهم على خطر- وبالله التوفيق- لما يرضيه والعياذ مما يسخطه إنه أولى للأمرين ومالكهما برحمته. ومنها إساء الظن من كل أحد بنفسه حتى لا يظن في حال قط إلا أنه مقصر في حق الله تعالى ﷻ وغير موف حق العبودية كما يلزمه، وإن كان مؤديا للفرائض غير مخل بها أمرها وتهتكا لا تبدوا وطاعة ولا مواقع معصية، وذلك أن يعتقد أن ما كلفه الله ﷿ إذا كان لا يستغرب وسعه ولا يستنفذ طرفه. وكان الله ﷿ خلقه لعبده، فهو إذا قد أبقى عليه كثيرا من حقه، ثم إنه إذا كان أمره أن يعبده بما يثبه له وفضله على شرط الإخلاص، فقال: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ وكان لا يصلي إلا وما في قلبه من أشغال الدنيا أكثر من شغل الصلاة، أو لا يخلو من اختلاطها به، ولعله مع ذلك يرابي، ويتصنع ولا يزكي إلا من جزاء الدفع، مماطلا ثم متساهلا بنفسه فيما يعطي وفيمن يعطي. ولا يصوم إلا متبرما بالصيام مستطيلا للنهار، مستعجلا للسماء، ومعرضا للنوم، لئلا يشعر بالصوم، أو مستكثرا من الطعام لئلا يبين عليه أثر الصيام، أو حافظا للإمساك عن الطعام والشراب، ما لو وقع في أعراض الناس وغير ذلك مما لا يجوز ولا يحل. ولا يحج إلا مدافعا بالفرض مستبينا ثم مكدا للطهر محملا إياه ما لا يطيقه ولا يكون في أوله وآخره إلا غافل عما شرع الحج له حتى يدعوه ذلك إلى أن يكون بعده كما كان قبله أو شرا منه. فكيف يجوز له مع هذا كله ومع ما تركناه من أمثاله، فلم يمكنه أن يرى أنه قد وفى حقوق الله تعالى فيؤديه ذلك للأمن وسكون الحساس فالأولى به إذا، أن أهيي له داعيا إليه في العفو والغفران. فإن ذلك أشبه بالعبودية والاستكانة والله أعلم. ومنها أن التخوف لا يحق إلا من الله ﷿ لأنه ملك الملك وولي النفع والضر والأخذ والترك والنواصي كلها بيده، لا يملك أحد من دونه ضرا ولا نفعا. وقد يقصد الواحد من عباده أن يسيء إلى مثله، فيصرف قلبه عنه، إما إلى الإساءة وإما إلى الحرمان.



