المنهاج في شعب الإيمان

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya الحليمي (w. 403 H).

Bagian 13 dari 42 1512 halaman

— Bagian 13 · ﷻ المؤمن منه عوضا فيكون وصول نعمة الثواب إلى الن… —

Bagian 13

ﷻ المؤمن منه عوضا فيكون وصول نعمة الثواب إلى النفس من قبل البدن قديمة وحديثة، فإنما يقام وصوله إليها من قبل الأول لو كان باقيا بحالة لم يفت منه شيء. فكيف يلزمنا عن هذا أن نجيز خلو البدن من التنعم بالثواب أصلا، وانفراد النفس

به دونه، بل الأصل أن نفس المؤمن لما لم تنفرد باكتساب الطاعات عن البدن، لكن جهد العبادة خلص إلى النفس من قبله، فلذلك ينبغي أن تخلص نعمة الثواب إليها من قبل البدن. فإن كان البدن المكتسب للطاعات فإنما تخاله معرضا للإبانة بتنعم الثواب. وإن كان أو بعضه فانيا، قام المثل الذي يبتدئ الله ﷻ خلقه المؤمن مقامه والله أعلم. فإن قيل: كيف يجوز هذا، والعوض المبتدأ خلقه ليس هو الذي كان اكتساب الطاعات به. قيل: يجوز، لأن الذي كان اكتساب الطاعات منه لم يتفق ذلك إلا بحلول النفس المؤمنة إياه، وتصريفهما له، فإذا انقلب بعد، فصار من بدن كافر، وكان إيراده الجنة فتجاوز كل ما يخلق للنفس من مثله ليحله ويخلص من قبل ما يناله من الثواب والنعمة واللذة إليها، فذلك قائم مقام الفائت وعامل عمله. فإن قيل: فما تقول في كافر قتل مؤمنا ومزقه وقطعه ولم يدع منه لحما ولا عظما ولا شيئا قط إلا أكله، كيف يبعث؟ قيل: الأصل الذي ذكرنا، يقتضي أن يخلق الله تعالى لنفسه بدنا جديدا ويصرف الثواب الذي استحقه عليه، فيكون هذا الخلق الجديد عوضا له من بدنه الفائت والله أعلم. فإن قيل: فإن كان هذا هكذا، فأجزاء يحدث الله تعالى عند النشأة الثانية. لكل نفس بدنا جديدا أو لا يعيد البدن الذي كان؟ قيل: ولا هذا يلزمنا لأنا لم نقل أن ما فات من بدن المؤمن، فإن صار بدنا للكافر ولا يعاد، فيلزمنا عن ذلك إجازة أن لا يعاد شيء أصلا.

يعيد البدن الذي كان؟ قيل: ولا هذا يلزمنا لأنا لم نقل أن ما فات من بدن المؤمن، فإن صار بدنا للكافر ولا يعاد، فيلزمنا عن ذلك إجازة أن لا يعاد شيء أصلا. وأما التعويض فإنما يليق بما فات، لأن ما هو قائم بعينه، فكلما أكلته الأرض فإنما هو البدن غير أن أغراضه تبدلت بإعادة الأعراض التي كانت له حتى يصير بدنا كما كان، أولى بها من خلق بدن جديد لينال بالثواب ما أجهده العمل بعينه، حتى إذا كان اتصال الثواب إلى ما أجهده العمل مجالا لانقلاب ما كانت الطاعة اجهدته بدن كافر، كانت إقامة مثله مقامة ما عدل وأمثل، فإنه لم يقم مقامه مثله حلت النفس، ولم تتبع وحدها لتنعم أصلا، ففي ذلك اتصال الثواب وإبطاله يضيع الحسنات.

وقد أخبر الله ﷿: ﴿إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا﴾ وإن كان يتسع للحياة، والاستئناس بمثلها، والفرح بمكانها الذي فيه، ففي ذلك تقليل الثواب، لأنها لو كان معها بدن طاعم وشارب لابس يتمتع بالشهوات، ويتقلب في اللذات لكان بنعمها مما يخلص إليها من النعمة واللذة من قبل البدن أكثر. فعلمنا أن التعويض من الفائت أقرب إلى الإنابة بالحسنات لا عن تعويضه. فإن قيل: النفس العاقلة لا تنتعم بالشهوات. قيل: إنما لا تتنعم بها إذا كان في أتباعها إغفال للطاعات والحسنات والخيرات، والتوغل في المفاسد والسيئات، وهذا إنما يكون في الدنيا. فأما الدار الآخرة فلا تكليف فيها، وإنما هي دار فراغ، والتنعم فيها بالشهوات واللذات هو الخير المحض لن من فاته لا يرجع منه إلى ما يكون له خيرا منه. فبطل قول من قال: إن النفس العاقلة لا تتنعم بالشهوات والله أعلم. فصل فإذا أكمل الله تعالى جسده للأجساد على ما هو أعلم به من صفة إكمالها، إلا أنها بعد تراب. ففيه بعض الأخبار: إن الله تعالى يمطر عليهم من تحت العرش فتنموا به أجسادهم. فقد يحتمل أن كان هذا ثابتا إنه ينبتهم بهذا الطين الذي ينزل عليهم حق يجعلهم بشرا كما روى في قصة الذين يخرجون من النار. وقد صاروا حمما أنهم يغتسلون من نهر يأتي الجنة فينبتون به كما تنبت الحبة في حميل السيل، حتى إذا لم يبق إلا أن يحيوا، أمر إسرافيل ﵇ بنفخ الصور، فإذا وصل ما في الصور إلى هذه الأجساد وصار فيها عادوا أحياء بإذن الله تعالى، وتكون هذه الأجساد من هذا الوجه كالحسل في بطن أمه، ينقلب حالا حتى إذا صار في هيئة البشر فعند ذلك ينفخ فيه أحد الملائكة الروح بأمر الله تعالى. فأما نفخ جبريل ﵇ في مريم، فإنه يحتمل وجهين: أحدهما يحتمل أن يكون الله تعالى وحده، اخترع عند مخاطبة جبريل مريم بأن يكون

ملائكة الروح بأمر الله تعالى. فأما نفخ جبريل ﵇ في مريم، فإنه يحتمل وجهين: أحدهما يحتمل أن يكون الله تعالى وحده، اخترع عند مخاطبة جبريل مريم بأن يكون

عيسى بشرا سويا في رحم مريم، ثم أمر جبريل فنفخ الروح فيها. لكن إذا وصل الروح المنفوخ إلى عيسى يحيى، فكانت فضيلة عيسى بأن الله تعالى جده خلقه لا من تراب. ثم بأن نفخ فيه الروح، كان من الروح الأمين الرسول الكريم، لا من بعض الأملاك الموكلين بالأرحام. والوجه الآخر: إن جبريل ﵇ نفخ في مريم ﵍، وهي غير حامل فحملت عند وصول نفخته إلى رحمها، وتكون نفخة جبريل في هذا الوجه كالرياح التي وصفها الله تعالى بأنها لواقع، فإذا جاز أن تلقح الريح الشجر، فيكون لها منه حمل، جاز أن يجعل الله بنفخة ملك وهي في الحقيقة ريح لاقحة، لا نبيا من ولد آدم، فتكون منها لها حمل. ومن قال هذا، قال: ألا ترى أن الله ﷿ قال بعد اقتصار هبوط جبريل عليها، ومخاطبته إياها فحملته. فدل ذلك على أنها من قبل لم تكن حاملا، فيكون أثر جبريل نفخ الروح في الحمل فقط. ومن قال بالوجه الأول، قال: إنما قال: ﴿حملتهن فانتبذت به مكانا﴾ فأراد إنما حملته من ذلك المكان إلى مكان آخر لأنها حملته وهو في رحمها ولم يرد به الحمل الذي هو المعلق والله أعلم. فصل وإذا أحيى الله ﵎ الناس كلهم، قاموا بمجلس ينظرون ما يراد بهم، لقوله: ﴿ثم نفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون﴾ وقد اخبر الله ﷿ عن الكفار إنهم يقولون: ﴿يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا﴾ وإنهم يقولون: ﴿يا ويلنا هذا يوم الدين﴾ فتقول الملائكة: ﴿هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون﴾. ثم يعرض الجميع إلى موقف العرض والحساب وهو الساهرة. قال الله ﷿: ﴿فإنما هي زجره واحدة، فإذا هم بالساهرة﴾. وجاء

ة: ﴿هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون﴾. ثم يعرض الجميع إلى موقف العرض والحساب وهو الساهرة. قال الله ﷿: ﴿فإنما هي زجره واحدة، فإذا هم بالساهرة﴾. وجاء

عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿عليكم بالشام أرض المحشر والمنشر﴾ ويقال: إن الساهرة أرض معروفة عند بيت المقدس. والساهرة عند أهل اللغة وجه الأرض. ومعنى فإذا هم قد صاروا على وجه الأرض بعد أن كانوا في جوفها. قيل الساهرة صحراء قرب شفير جهنم والله أعلم. وقد جاء في صفة الحشر في قول الله ﷿: ﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا، ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا﴾. أخبر منها ما روى النعمان بن سعد عم علي ﵁ عن النبي ﷺ في قوله ﷿: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا) قال إما أنهم ما يحشرون على أقدامهم ولا يساقون سوقا، ولكنهم يؤتون من فوق ينظر الخلائق إلى مثلها، رحالها الذهب، وزمامه الزبرجد، فيعقدون عليها حتى يقرعوا باب الجنة. وسمي المتقون وفدا لأنهم يسبقون سائر الناس إلى حيث يدعون إليه، فإنهم يكونون على نجائب تسرع بهم، ومع ذلك لم يعلموا أن قدومهم على ما يسرهم فهم المتبطئون، لكنهم يجدون ويسرعون، والملائكة تتلقاهم بالبشارات. كما قال ﷿: ﴿وتتلقاهم الملائكة، هذا يومكم الذي كنتم توعدون﴾ فيزيدهم ذلك إسراعا. وإنما فسرنا الوفد إذ ذكرنا لأن الوافد في الإبل والقطا وغيرها مما سبق سائر الصنوف في طيرانه ووروده. قال كثير من أهل العلم باللسان: وحق للمتقين أن يكونوا سابقين إلى المحشر، لأنهم كانوا يسبقون المخلطين في الدنيا إلى الطاعات، ويفوتون الظالمين فينبغي لهم أن يشعروا إذا خرجوا من قبورهم بشعارهم، فيكونون هم السابقين إلى موضع الحساب والجزاء. كما أخبر النبي ﷺ: إن المحرم إذا مات يبعث يوم القيامة ملبيا ليكون إحرامه الذي عنده لله تعالى على نفسه شعارا له وجمالا في دار الجزاء والله أعلم. وجاء عن النبي ﷺ: "يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين راهبين، إثنان على

بعير، وثلاث على بعير، وأربع على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار، يقيل منهم حيث قالوا، ويبيت منهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث مسوا" فيحتمل أن يكون قول النبي ﷺ: "يحشر الناس على ثلاث طرائق" إشارة إلى الأبرار والمخلصين والكفار. فالأبرار هم الراغبون إلى الله تعالى مما أعد لهم من ثوابه، والراهبون الذين هم بين الخوف والرجاء، فأما الأبرار فإنهم يؤتون بالنجائب كما روي في الحديث الآخر. وأما المخلطون فهم الذين ارتدوا في هذا الحديث. وقيل: إنهم يحملون على الأبعرة. وأما الفجار فهم الذين تحملهم لنار، بأن الله تعالى لا يمهلهم بأن يبعث إليهم الملائكة فيقبض لهم نوقهم، ولم يرد في الحديث إلا ذكر البعير. فأما أن ذلك من إبل الجنة أو من الإبل التي تجيء وتحشر يوم القيامة. فهو مما لم يأت بيانه والأشبه أن لا تكون من نجائب لجنة، لأن من خرج من جملة الأبرار المخلصين كان مع ذلك من جملة المؤمنين، فإنهم بين الخوف والرجاء، لأن من هؤلاء من يغفر الله تعالى له ذنوبه، فيدخل الجنة مع الداخلين، ومنهم من يعاقبه بالنار، ثم يخرجه منها ويدخله الجنة. وإذا كان كذلك لم يلق أن يوردوا موقف الحساب على نجائب الجنة، ثم ينزل عنها بعضهم إلى النار. لأن من أكرمه الله تعالى بالجنة مرة، لم يهنه بعد ذلك بالنار. وفي حديث آخر عن ابن هريرة ﵁ قال: "يحشر الناس ثلاثة أصناف، ثلاث ركبان وثلاث على أقدامهم مشاة، وثلاثة على وجوههم" إلا أنه قال بعد هذا: قلنا يا رسول الله: فكيف يمشون على وجوههم، فقال: "إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، ألا أنهم يتقون بوجوههم خدد وشوك" وهذا إن ثبت مرفوعا، ففيه أن الناس يكونون أثلاثا، ومعنى أصناف ثلاثة إلا أنهم أثلاث

هم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، ألا أنهم يتقون بوجوههم خدد وشوك" وهذا إن ثبت مرفوعا، ففيه أن الناس يكونون أثلاثا، ومعنى أصناف ثلاثة إلا أنهم أثلاث

متساوية. أحدهم الركبان وهم المتقون السابقون الذين يغفر الله تعالى لهم ذنوبهم بعد الحساب، ولا يعذبهم، إلا أن المتقين يكونون على نجائب الجنة. والصنف الثاني الذين يعذبه الله تعالى بذنوبهم ثم يخرجهم من النار إلى الجنة وهؤلاء يكون مشاة على أقدامهم، فقد يحتمل على هذا أن يمشوا وقتا ويكونون ركبانا. فإذا قاربوا المحشر نزلوا فمشوا ليتفق الحديثان والله أعلم. والصنف الثالث المشاة على وجوههم، وهؤلاء هم الكفار، وقد يحتمل أن يكونوا ثلاثة أصناف: صنف وكلهم ركبان لكن على من أتت لهم. وصنفان من الكفار: أحدهما العتاة وأعلام الكفر، فهؤلاء يحشرون على وجوههم، وآخرون الأتباع وهم يمشون على أقدامهم. وقد ذكرت فيما مضى أن مشي الكفار على وجوههم إنما يليق أن تكون حالهم في سبقهم من موقف الحساب إلى جهنم، لأن الله تعالى قال: ﴿الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا﴾ لأن الله تعالى خص أبصارهم فوصفها منهم بالخشوع في حال المعنى إلى موقف الحساب. فقال: ﴿يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون، خاشعة أبصارهم﴾. وقال: ﴿خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر﴾. فلو كانوا في هذه الحال مشاة على وجوههم لم يكن الخشوع من أبصارهم وحدها. وفيما ذكرت دليل على أن المشي من القبر إلى موقف الحساب فيكون على الأقدام. ومن المواقف إلى جهنم تكون على الوجوه. ويؤكد هذا أن الله ﷿ قال فيما وصفهم به: ﴿يوم يسحبون في النار على وجوههم﴾. فلو كان ذلك حالا بهم من حين يبعثون إلى أن يدخلوا جهنم لم يكن لتخصيص حال دخولهم النار. فهذا الوصف معني، إلا أن هذا، وإن كان كما وصفت، فإن حديث أبي هريرة الثاني رويناه، يدل على خلافه، فقد يحتمل أن يخرج ذلك على الكفار بعضهم أغنى من

لنار. فهذا الوصف معني، إلا أن هذا، وإن كان كما وصفت، فإن حديث أبي هريرة الثاني رويناه، يدل على خلافه، فقد يحتمل أن يخرج ذلك على الكفار بعضهم أغنى من

بعض لأن منهم من جحد ربه أصلا، ومنهم من جحد رسله كلهم، ومنهم من أقر بهم إلا بواحد منهم، ولا شك أنهم متفاوتون في العذاب، ولولا ذلك لم يقل الله ﷿: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ فلما قال: علمنا أن للنار دركات، كما أن للجنة درجات. وقد يجوز أن يكون بعض أهلها يحشرون مشاة على الأقدام، وبعضهم مشاة على الوجوه، وجاء شرهم وسابقهم في الحالين النار والله أعلم. وقد قال الله ﷿ فيما ذكرهم به: ﴿ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا﴾ فقيل في تفسير: عطاش. وقيل في تقريب هذا المعنى: إن الإبل لا تورد الماء إلا بعد أن تعطش، فكأنه قال: ونسوق المجرمين إلى جهنم أو زاد الإبل لشدة ما بهم من العطش. وقد يجوز أن يكونوا سموا أورادا، لأنهم يشربون الحميم في جهنم شرب الهيم. وأما العطش الحادث عليهم فهو بشقيق من الله ﷿ عليهم، والأخبار تدل على أن العطش يعم الناس، ذليل كلهم في ذلك اليوم إلا المتقون، يسقون من حوض نبينا محمد ﷺ، ولذلك قال في صفة من شرب منه شربة لم يظمأ أبدا. وأما الكفار فلا يسكن عطشهم، ولكن يزداد عطشهم فوق عطش المؤمن، لأن عطش المؤمن إنما هو تعريض من الله تعالى إياهم، لا يكرمهم بالسقي من حوض المصطفى ﷺ، فيجدوا لذة الماء وطيبه، إذ كان الريان لا يستلذ كما يستلذ العطشان. وعطش الكافر تشديد وتفسير ذلك المشي والوقوف عليهم وتعويض الله تعالى المؤمنين ما ذكرنا زيادة في التشقيق على الكافرين، فإنهم إذا علموا أن هناك ما يمكن منه المؤمنون، ولا يمكن منه الكافرين، كان ذلك أشق عليهم من أن يكون عندهم إلا ما يرده أحد مؤمنا كان أو كافرا والله أعلم. وقد يحتمل أن تكون شدة عطش الكافر يومئذ للجهد الذي يلحقه من المشي على قدميه أو على وجهه مسرعا، من دنو النار العظيمة منه، لأنه سابقة وحاشرة على ما ورد به الحديث عن النبي ﷺ والله أعلم.

فصل إن قال قائل: لم أخبر الله أن الكفار يكونون يوم القيامة مهطعين مقنعي رؤوسهم وقد علم أن اقناعها دمعها، وأنه لا يرتد إليهم طرفهم. وقال في غير هذه الآية: ﴿خاشعة أبصارهم﴾ وقال: ﴿خشعا أبصارهم﴾ فكيف يكون الرافع رأسه، الناظر نظرا طويلا، حتى أن طرفه لا يرتد إليه، خاشع البصر. فالجواب: -وبالله التوفيق-: أنهم يكونون في حال المشي إلى الموقف خاشعة أبصارهم. وفي هذه الحال، وصفهم الله تعالى بخشوع الأبصار وأما إذا توافوا، وضمهم الموقف، وطال القيام عليهم، فإنهم يصيرون من الجناة، كأن لا قلوب لهم، ويرفعون رؤوسهم فينظرون النظر الطويل الدائم فلا يرتد إلهم طرفهم، كأنهم قد نسوا الغمض أو جهلوه، وذلك داخل في جملة التشقيق عليهم إلا أنه في غير ذلك الحال والله أعلم. فصل إن سأل سائل عن قول الله ﷿: ﴿يوم يسمعون الصيحة بالحق، ذلك يوم الخروج﴾ فقال: إنما تكون الصيحة للخروج وهم أموات، فكيف يسمعونها. قيل: إن نفحة الأحياء تميد وتطول، فكانت أوائلها للأحياء وما بعدها للإزعاج من القبور، فما كان للأحياء فإنهم لا يسمعونه. وما كان للإزعاج فهم يسمعونه. ويحتمل أن تتطاول تلك النفخة كما ذكرت، والناس يحسبون منها أولا فأولا، وكلما حيي واحدا سمع ما يحيي به لمن بعده إلى أن يتكامل أحياء الجميع والله أعلم. فصل وإذا حشر الناس بعد ما نشروا وحشروا حفاة عراة غرلا، لأنهم كذلك بدؤا، والله ﷿ يقو: ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده﴾ فلما كانوا بدئوا غرلا بعثوا غرلا،

لم. فصل وإذا حشر الناس بعد ما نشروا وحشروا حفاة عراة غرلا، لأنهم كذلك بدؤا، والله ﷿ يقو: ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده﴾ فلما كانوا بدئوا غرلا بعثوا غرلا،

لئلا يمتد عن الإعادة شيء من أخبارهم، ويحشرون حفاة عراة، لأن الملابس في الدنيا أموال، ولا مال في الآخرة، زالت الأملاك بالموت وبقت الأموال في الدنيا. ولأن كل نفس يومئذ فإنما تثيبها المكاره ثوابا وجب لها بحسن عملها، أو رحمة مبتدأة بما يمن الله تعالى عليها، فأما الملابس فلا غناء فيها يومئذ، ثم أن الأخبار وردت بأن كثيرا من الناس يكسون إذا خرجوا من قبورهم. روى عباد بن كثير عن ابن الزبير عن جابر قال: إن المؤذنين والملبين يخرجون يوم القيامة من قبورهم، فيؤذن المؤذن، ويلبي الملبي، وأول من يكتسي من حلل الجنة إبراهيم خليل الله ثم محمد صلى الله عليهما، ثم النبيون والرسل صلوات الله عليهم، ثم يكس المؤذن، وتتلقاهم الملائكة على نجائب من ياقوت أحمر، أزمتها من زبرجد أخضر رجالها من اللهب، ويشيعهم من قبورهم تسعون ألف ملك إلى المحشرة. وفي رواية أخرى عن النبي ﷺ قال: "إنكم تحشرون حفاة عراة غرلا، فأول من يكس إبراهيم ثم أوتى بحلة لا يقوم بها البشر". فيحتمل أن يكون تقديم إبراهيم صلوات الله عليه بالكسوة لما يروى أنه لم يكن في الأولين والآخرين لله تعالى عبد أخوف له من إبراهيم فيعجل كسوته ما ناله ليطمئن قلبه ويحتمل أن يكون ذلك لما جاء به الحديث أنه أول من يلبس السراويل إذا صلى مبالغة في السير وحفظا لفرجه من أن يماس فضلا، ففعل ما أمر به، فيخرج بذلك أن يكون أول من يستر يوم القيامة. ويحتمل أن يكون الذين ألقوه في النار جردوه ونزعوا عنه ثيابه على أعين الناس كما يفعل بمن أراد قتله. وإن كان ما أصابه في ذلك في ذات الله تعالى، فلما صبر واحتسب وتوكل على الله، دفع عنه شر النار في الدنيا والآخرة أو جزاء بذلك العري أن جعله بأول من يدفع عنه العري يوم القيامة على رؤوس الأشهاد والله أعلم. وإذا بدأ بالكسوة بإبراهيم وثنى بمحمد ﷺ، أتى لمحمد صلى الله عليه مسلم بحلة لا يقوم بها البشر لينجز التأخر بنفاسة الكسوة، فيكون كأنه كسي مع إبراهيم ﵉ ولم يؤخر عنه والله أعلم.

م وثنى بمحمد ﷺ، أتى لمحمد صلى الله عليه مسلم بحلة لا يقوم بها البشر لينجز التأخر بنفاسة الكسوة، فيكون كأنه كسي مع إبراهيم ﵉ ولم يؤخر عنه والله أعلم.

فصل فأما الكوائن يوم القيامة قبل الحساب، فقد قال الله ﷿: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم. يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾. وقال جل ثناؤه ﴿بسم الله الرحمن الرحيم. إذا زلزلت الأرض زلزالها، وأخرجت الأرض أثقالها. وقال الإنسان مالها. يومئذ تحدث أخبارها. بأن ربك أوحى لها. يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾. والذي يثبت بسياق الآيات وشواهدها أن هذه الزلزلة إنما تكون بعد إحياء الناس وبعثهم من قبورهم، لأنه لا يراد بها إلا إرغاب الناس والتهويل عليهم، فينبغي أن يشاهدوها، ويعلموا أنها لهم ليفرغوا منها، ويهولهم أمرها ولا يمكن المشاهدة منهم وهم أموات. ولأنه ﷿ قال: ﴿يومئذ تحدث أخبارها﴾ أي تخبر بما حمل عليها من خير وشر، يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم، فدل ذلك على أن هذه الزلزلة إنما تكون والناس أحياء. واليوم يوم الجزاء، ولأنه ﷿ قال: ﴿فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة، فيومئذ وقعت الواقعة، وانشقت السماء، فهي يومئذ واهية والملك على أرجائها، ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية﴾. فدلت هذه السورة أيضا على أن اصطدام الأرض والجبال الموجب لابد حال زاويتها وبنيانها، وتلالها وجبالها وأشجارها. إنما تكون يوم القيامة، والعرض لا يكون إلا بعد الأحياء، فثبت أن هذه الكوائن إنما تكون بعد النشأة الثانية، والله أعلم. وإذا كان ذلك كذلك، فالمعنى- والله أعلم- إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت

الأرض أثقالها، وفرغت وتجلت وشهد بذلك قوله ﷿: ﴿إن زلزلة الساعة شيء عظيم، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد﴾. فنص على أنهم يرونها ويفزعون منها ويصيرون من الخوف إلى الحال التي وصفها، ثم أبان ذلك، لأن عذاب الله شديد، فصح أن الزلزلة الموصوفة بالعظم إنما تكون يوم التقدير والجزاء والله أعلم. وأما قوله: ﴿تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها﴾. فإنه يحتمل وجهين: أحدهما. أن يكون ذلك مثلا، أن يكون يوما لا يهم أحدا فيه إلا نفسه، والحامل تسقط من مثله كما تسقط الحوامل من الصيحة الشديدة من طلب السلطان ونحوه. فإنما أريد بذلك على أن الهول يكون عظيما والخوف شديدا. والوجه الآخر: أن يكون ذلك حقيقة لا مثلا، ويكون المعنى أن من كانت محشورة مع ولد رضيع، فإنها إذا رأت هذه الزلزلة ذهلت عن ولدها، ومن حشرت حاملا وضعت حملها. ثم يحتمل أن يحيي الله كل حمل كان قد أتم خلقه، ونفخ فيه الروح ويسويه ويعدله، فإن الأم تذهل عنه، ولو لم تذهل ما قدرت على إرضاعه، لأنه لا غذاء لها يومئذ ولا لبن، واليوم يوم الحساب والجزاء لا يقبل من أحد فيه عذر ولا علة، فكيف والاشتغال بالولد ما عليها من الحساب، وهي بصدده من الجزاء. وأما كل حمل لا ينفخ فيه الروح قط، فإنه إذا سقط صار مع الوحوش ترابا، ولم يبدأ حياة، لأن اليوم يوم الإعادة فمن لم يمت في الدنيا لم يحيى يومئذ والله أعلم. وقد قال الله ﷿: ﴿ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا، فيذرها قاعا صفصفا، لا ترى فيها عوجا ولا أمنا﴾. وقال: ﴿ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة، وحشرناهم﴾، ﴿وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب﴾.

ا، فيذرها قاعا صفصفا، لا ترى فيها عوجا ولا أمنا﴾. وقال: ﴿ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة، وحشرناهم﴾، ﴿وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب﴾.

وقال: ﴿وسيرت الجبال فكانت سرابا﴾. وقال: ﴿وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت﴾. وقال: ﴿إذا رجت الأرض رجا، وبست الجبال بسا، فكانت هباء منبثا﴾. وقال: ﴿يوم يكون الناس كالفراش المبثوث، وتكون الجبال كالعهن المنفوش﴾. وقال: ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض﴾. وقال: ﴿وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا﴾. فصل أنها تبدل، بمعنى أن أعراضها وصفاتها تغير، فإنها ذات جبال وتلال وروابي وأكام، وأودية ووهاد، وغدران وأشجار وبنيان، فتزال هذه كلها، ويسوى بعضها ببعض ثم تمد مد الأديم، فتزيد بذلك سعتها، فتتمكن الخلائق من الأولين والآخرين من الوقوف عليها، وعلى هذا معنى قوله ﷿: ﴿وإذا الأرض مدت، وألقت ما فيها وتخلت﴾. فيكون ذلك من جملة تبديلها، لأنها إذا كانت مشرفة على أن تضيق بأهلها، فمدت حتى وسعتهم، فقد غيرت. إلا أن ذلك تغيير الأعراض، دون قلب العين. وأما قوله ﷿: ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض﴾ فليس معناه أنها تجعل شيئا آخر سوى الأرض، فكون مكان الأرض مرفقا ليس بأرض. وإنما هو أنها تهيأ هيئة أخرى، حتى تكون المنظر غير هذه التي تشاهدونها، وهو الرجل بغير خلقه وسيرته مع صديقه، فيقول تبدلت وتغيرت، ولست الرجل الذي كنت، والله أعلم. وأما الجبال فقد وضعها الله تعالى بصفات مختلفة فيما ترجع إلى الجبال منها، ومجتمعة فيما ترجع إلى الأرض، لأنها كلها تعود تفريغ الأرض منها، وإبراز ما كانت تواريه من محلها حتى يبرز وينكشف.

فات مختلفة فيما ترجع إلى الجبال منها، ومجتمعة فيما ترجع إلى الأرض، لأنها كلها تعود تفريغ الأرض منها، وإبراز ما كانت تواريه من محلها حتى يبرز وينكشف.

فأما تلك الصفة فمنها الاندكاك، ومنها تصير كالعهن المنفوش، ومنها أن تصير هباءا منبثا، ومنها أن تنسف، ومنها أن تمر مر السحاب، ومنها أن تسير فتكون سرابا. فيحتمل- والله أعلو- أن يكون أول أحوالها الاندكاك، وذلك من قبل الزلزلة. والحالة الثانية أن تكون كالعهن المنفوش، وذلك إذا صارت السماء كالمهل، وقد جمع الله تعالى بينهما في موضع فقال: ﴿تكون السماء كالمهل، وتكون الجبال كالعهن﴾.والحال الرابعة: أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدمة بارزة في مواضعها، والأرض تحتها غير بارزة، فتنشق عنها لتبرز، فإذا انشقت فبإرسال الرياح عليها، والحال الخامسة أن الرياح ترفعها هن وجه الأرض، فتذرها شعاعا في الهواء كأنها غبار فمن نظر إليها من بعد حسها ليحسبها أجسادا خامدة، وهي بالحقيقة مارة، إلا أن مرورها مرور الرياح مندكة متنقبة. والحال السادسة أن تكون سرابا يعني لا شيء، فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها شيئا منها، كما أن من يرى السحاب من بعد إذا جاء الموضع الذي كان يراه فيه لم يجد شيئا، والله أعلم. فصل قد وصف الله ﵎ هذا اليوم بأن العشار تعطلت فيه، كما وصفه بأن كل مرضعة تذهل فيه عما أرضعت، ومعنى ذلك- والله أعلم- أنهم إذا قاموا من قبورهم وشهدوا بعضهم بعضا ورأوا الوحوش والدواب محشورة، وفيها عشائرهم التي كانت أنفس أموالهم، لم يعبأوا بها ولم يهمهم أمرها، ويحتمل تعطل العشار، وإبطال الله تعالى أملاك الناس عما كان ملكهم إياها في الدنيا وأهل العشار يرونها لا يجدون إليها سبيلا والله أعلم. فصل ووصف الله تعالى هذا اليوم بأن البحار تسجر وتفجر منه، فقال في سورة: ﴿وإذا

البحار فجرت﴾. وقال في آية أخرى: ﴿وإذا البحار سجرت﴾. فقيل: إن معنى سجرت وفجرت واحد. وقبل: معنى سجرت أمحيت. فمن قال معنى سجرت وفجرت واحد، قال يحمل ذلك وجهين: أحدهما أن الأرض والجبال إذا حملتا ودكتا فقد يمكن أن تصير فيها أخاديد عظيمة تفجر إليها مياه البحار. وقيل: معنى فجرت، تفجر بعضها في بعض، وترتفع الحواجز التي بينها اليوم، وأي واحد من هذين، قيل: فإن مرجعه إلى أن البحار إذا أخليت من المياه، أبرز مكانها نار مخلوقة تحتها، ملأت البحار ملء المياه إياها، وذلك هي جهنم. وأرض البحار أطباق لها، فإذا كشف الغطاء برزت، فذلك قوله: ﴿وبرزت الجحيم لمن يرى﴾ وأما من قال: سجرت، أحميت، فإنه يقول: معناه أن البحار تقلب نارا وكذلك عند تكوين الشمس كما سنبينه. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يركبن أحد البحر إلا حاجا أو معتمرا، أو مجاهدا في سبيل الله، فإن تحت البحر نار ثم مجرثم نار حتى عد سبعة أبحر وليس المعنى في السبعة أنها محاذية تحاذي الأطباق، ولكنه أن كل بحر من البحار التي على وجه الأرض تحته نار ثم العطف ها هنا لا للترتيب. وروى يعلى ابن أمية قال: قال رسول الله ﷺ: (البحر هي جهنم) فقيل له في ذلك فقال: "نار (أحاط بهم سرادقها) ثم قال يعلى: لا تصيبني منه قطرة حتى أعرض على الله، ولا أدخله حتى ألقى الله. وهذا إلى قول من يقول: أن البحر تقلب نارا أقرب. وقد قيل في معنى قوله ﷿: ﴿وإذا البحار سجرت﴾ قلبت، وقد يحتمل أن تنشق أرضها الماء، فكان الماء نارا، ويحتمل أن تقلب المياه نيرانا، ويزداد فيها فيزداد أمثلا والله أعلم.

قوله ﷿: ﴿وإذا البحار سجرت﴾ قلبت، وقد يحتمل أن تنشق أرضها الماء، فكان الماء نارا، ويحتمل أن تقلب المياه نيرانا، ويزداد فيها فيزداد أمثلا والله أعلم.

فصل وقد وصف الله ﷿ هذا اليوم بأن السماء تنشف منه، وتكور الشمس فقال ﷿: ﴿ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا﴾. وقال: ﴿فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان. فيومئذ لا يسأل عن ذنبه انس ولا جان. وقال: إذا السماء انشقت. وقال: ﴿إذا السماء انفطرت﴾. وقال: ﴿وإذا السماء فرجت﴾. وقال: ﴿وفتحت السماء فكانت أبوابا﴾. وقال: ﴿إذا السماء كورت، وإذا النجوم انكدرت﴾. وقال: ﴿إذا السماء انفطرت، وإذا الكواكب انتثرت﴾. وقيل أن السماء إنما تنشق لما يخلص إليها من حر جهنم، وذلك إذا بطلت المياه، وبرزت النيران، فأول أنها تصير حمراء صافية كالدهن. وتنشق لما يريده الله تعالى من نقص هذا العالم ورفعه. وقيل: أن السماء تتلون فتصفر ثم تحمر، أو تحمر ثم تصفر كالمهرة الورد في الربيع إلى الصفرة. فإذا اشتد البرد مالت إلى الحمرة، ثم بعد ذلك إلى الصفرة. والله أعلم. وقيل: أن الجبال بعد اندكاكها، أنها تصير كالعهن من حر جهنم، كما تصير السماء من حرة كالمهل. وهذا- والله أعلم- لأن مياه البحر كانت حاجزة بين جهنم وبين السموات والأرضين، فإذا ارتفعت وزيد مع ذلك في إحماء جهنم أقرب في كل واحد من السماء والجبال ما ذكرنا والله أعلم.

ن مياه البحر كانت حاجزة بين جهنم وبين السموات والأرضين، فإذا ارتفعت وزيد مع ذلك في إحماء جهنم أقرب في كل واحد من السماء والجبال ما ذكرنا والله أعلم.

وقد قيل في قوله ﷿: ﴿إذا الشمس كورت﴾ أذهب ضوؤها حتى تصير هي والقمر كالخاسفين، فذلك قوله: ﴿وخسف القمر وجمع الشمس والقمر﴾ وقيل: كورت: لفت. وقيل: تلق ثم تتلقى في البحار، فمنها يحمي وينقلب نارا ويحتمل أن هذا كان هذا هكذا، إن البحار في قوله بين فقد فسر التسجير بالامتلاء. مما هو أن النار حينئذ تكون أكثر ما كان الماء، لأن الشمس أعظم من الأرض مرات كثيرة. فإذا كورت وألقيت في البحار، فصارت نارا، ازدادت امتلاء والله أعلم. وأما الكواكب بعد انتشارها فليس في شيء من أخبار المسلمين ذكر لها يكون من حالها. وفي بعض كتب الأقاويل أن الكواكب في النشأة الثانية تهبط سفلا وتحيط بالأرض كالدائرة، وتلعب فتتلقاها الأنفس الشريرة. فقد يحتمل أن كان ما وصفوه مأخوذ عن شيء، فإن الكواكب إذا انتثرت سقطت في البحار فصير معها سرابا، وإذا ذهبت المياه برزت الجحيم فتناثرت الكواكب، سقطت في النيران والتهب منها. وقد أخبر الله ﷿ ﴿أن السموات يوم القيامة مطويات بيمينه﴾ وقال: ﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب﴾ ويحتمل أنها إذا وهت كما قال ﷿: وانشقت السماء فهي يومئذ واهية، إن الملائكة يطودنها بأمر الله جل ثناؤه طيبا شديدا لئلا تعود فتنشر، كما يطوي الرجل ما يكون مكتوبا فيه من ذكر حكم مبرم أو غير مبالغة في صيانته عن أن ينشر فيلحقه من الانتشار خلل، ولذلك قال ﷿ بيمينه، فإن كل عمل عمله العامل بيمينه كان أشد وأوفى من الذي يعمله بيساره، إذ اليمين أقوى من الشمال فضربت اليمين مثلا لشدة الطي، والله أعلم. وكلما طويت سماء نزلت ملائكتها إلى الأرض كما قال ﷿: ﴿ويوم تشقق السماء بالغمام، ونزل الملائكة تنزيلا﴾. وقيل أن معنى قول الله ﷿: ﴿وفتحت السماء فكانت أبوابا﴾. هو أنها تفرج بعد أن لم يكن لها فرج وتفتح لها أبواب وتنزل فيها الملائكة.

وقيل: أنها تصير الفروج لها والأبواب من قبل السقف والله أعلم. ودل القرآن على أن الملائكة يومئذ يكونون من بين الناس أجمعين، وإنهم يسوقون الكفار إلى النار، ويلقونهم فيها، ويعذبونهم من حيث يرونهم، فإنه ﷿ قال حكاية عنهم: ﴿وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا، لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا، يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين، ويقولون حجرا محجورا﴾ فابان إنهم يرونهم يوم القيامة. ووردت الأخبار بان الناس في قيامهم يعرفون حتى يبلغ الرسخ نصاف آذانهم ويسيل عنهم سبعين ذراعا، فقيل أن ذلك من شدة الحر. فيحتمل أن يكون ذل بثني الأفلاك وانحلالها. وأجمعت الأقاويل على أن الفلك المحيطة بالأملاك نار محضة. وفي أخبار المسلمين أن فوق السموات نارا، وإن لم يكن فيها أنه فلك، وإن اسمها الأثير، كما سماه الذين ذكرناهم به، فإن كان ذلك مأخوذا لهم عن شيء، فتلك النار من جملة هذا العالم، لا فرق بينهما وبين سائر الأفلاك وغيرها من أجزاء السموات والكواكب، فلا يخلو من أن يلحقها ما يغيرها عن حالها الأولى، كما يلحق غيرها من أبعاض العالم. وإذا كانت الكواكب منيرة، فتشبه ولا تبعد بقطع تلك النار وتنزل سفلا، فيجمع بينهما وبين نار جهنم، كما جمع زمن الطوفان، بين ماء السماء وماء الأرض. قال الله ﷿: ﴿ففتحنا أبواب السماء بمار منهمر، وفجرنا الأرض عيونا﴾ فالتقى الماء على أمر قد قدر. وإن كان هذا كما وصفنا، فقد يمكن أن يكون اشتقاق للسماء من أنها إذا وهت وانحلت تدانت ودنت الغالبة منها بعد أن كانت شديدة البعد حدا فتكون بغيرها من هذا الوجه لا من النار التي تكون في السفل والله أعلم. ثم تكون الحمله- والله أعلم- في بعث الناس قبل هذه الكوائن، أن يشاهدوها فيكون ذلك اشد لتكذيب الذين كانوا يقولون في الدنيا أن هذا العالم لم يزل على ما هو عليه، فلا يزال على ذلك أيضا .. وتصديق الذين كانوا يؤمنون بانقضائه وزواله، إذا العلم يقع للفريقين

نوا يقولون في الدنيا أن هذا العالم لم يزل على ما هو عليه، فلا يزال على ذلك أيضا .. وتصديق الذين كانوا يؤمنون بانقضائه وزواله، إذا العلم يقع للفريقين

بذلك ضرورة ثم يكون حجة للمؤمنين على الكافرين، أمر الله ﷿ ثناؤه نبيه ﷺ أن يقول: ﴿قل اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه مختلفون﴾. فصل ووردت الأخبار بأن الناس يطول عليهم القيام في ذلك اليوم، فإنه يوم القيام وقد وصفه الله ﷿ بذلك، فقال: ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾. ويحتمل أن يكون معناه يوم القيام صرعة الموت، ويحتمل أن تكون تسميته للمعنيين جميعا. فإذا ضجروا وجهدوا سألوا أباهم آدم صلوات الله عليه: أن يشفع إلى الله جل ثناؤه، فيقضي فيهم قضاؤه، فيحيلهم على نوح، ونوح على إبراهيم، وإبراهيم على موسى، وموسى على عيسى، وعيسى يحيلهم على محمد ﷺ أجمعين. فيسجد نبينا المصطفى تحت العرش، ويحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ولا يزال ساجدا إلى أن يقال له: ارفع رأسك، وسل تعطى واشفع تشفع. فيسأل الله تعالى أن يحاسب عباده ويقضى فيهم قضاءه. فيأمر الله جل ثناؤه عند ذلك أن يحضر النبيون وكتاب الأعمال، وهم الكرام الكاتبون والمعنيون بالشهداء في قوله تعالى: ﴿وجيء بالنبيين والشهداء﴾، فحوسب الناس، ما تنطق بهم كتبهم ورويت لهم الأعمال، فيقضي بينهم بالحق، وقيل الحمد لله رب العالمين. فصل ثم الذي أوجب أن يكون الاعتراف بالحساب من شعب الإيمان أن الله ﷿ ذم الكفار بإنكارهم إياه، وتكذيبهم به، فقال: ﴿إنهم كانوا لا يرجون حسابا﴾ وقال: ﴿إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب﴾ فكان ذلك نظر ذمة جل ثناؤه إياهم بإنكارهم البعث في قوله: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل:

لذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب﴾ فكان ذلك نظر ذمة جل ثناؤه إياهم بإنكارهم البعث في قوله: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل:

بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما علمتم. وذلك على الله يسير﴾. فلما كان التكذيب بالحساب كفرا، ذلك على أن الاعتراف بالحساب من الإيمان، كما أن التكذيب بالبعث لما كان من الإيمان كان الاعتراف بما كان الخلق لأجله، وهو الطاعة والعبادة والتزام ذلك وتقبله من الإيمان والله أعلم. وإنما عددت الحساب والميزان بيعة واحدة، لأن المحاسبة تكون بالأعمال، وتميز الأقل والأكثر من الطاعة والمعصية، وإنما يكون بالوزن، فلم أر لتمييز الوزن عن الحساب وجها، فعددتها بيعة واحدة. والله أعلم. فصل وقال قائل من السفهاء الملبسين بالحكماء: أخبرونا عن الكرام الكاتبين أين يجلسون، وعلى ماذا يحيطون؟ وماذا يكتبون؟ وإن دخل أحد الخلاء، فهل يدخلون معه؟ وقد رويتم: لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب أو صورة، فإن كان هذا حقا فليربط من يريد أن لا تكتب أعماله في بيته كلبا، أو يعلق سترا فيه صورة، فيأمن بذلك من أن تنسخ أعماله ولا شيء أحب إلى الأحياء من الحياة، وأنتم تتلون: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم﴾. فما الذي يمنع أحدكم من اقتناء الكلب في بيته، لينفر به ملك الموت عن نفسه، فيبقى في الدنيا خالدا ولا يخرج منها أبدا! فالجواب- وبالله التوفيق- أن الملائكة لا يدخلون بيتا فيه كلب أو صورة. هم الذين يدخلون بيوت الأخيار للدعاء لهم والترتيل عليهم والاستماع إلى ذكر يجري فيه، والبيت لقلوبهم في الحال إلى يحتاجون إلى ذلك فيها، فإن هؤلاء إذا وجدوا أخذ من ذكرنا خالف ما يليق بطريقه إلى ما لا يليق بها ازور عنه، ولو وجوده يقني كلبا، وقد نهى عن اقتنائه، لم يدخلوا عليه لأن الكلب فيه شيئان: أحدهما سبع عاد إلى أن يكون

معلماً مطواعاً لصاحبه، واقتناؤه سوء نظر من يقتنيه لنفسه ولجيرانه، ولمن يدخل عليه ويخرج من عنده. والآخر أنه يحبس لا يؤمن أن ينجس إناء أو بساطا أو لباسا أو طعاما أو شرابا من حيث يشعر به صاحب البيت أو من حيث يشعر به، وكذلك ممن يدخل عليه أو يخرج من عنده من بيوت الجيران، وباب البيت والممر كان إمساكه، وفيه هذان المعنيان. فإذا رأت الملائكة ذلك من أحد اجتنبوه، لأنهم يعدون ذلك حدثا أحدثه صاحب البيت مما لا يرضي الله تعالى. وكذلك الصورة لأن تصوير ذوات الأرواح حرام. وجاء عن النبي ﷺ: "أن المصورين يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم"، وذلك لأن المصور يريد أن يضاهي بتصويره خلق الله ﷿، وهذا أعظم والملائكة أخوف لله تعالى من أن يصبروا على مثله. فلذلك ينصرفون عن بيت فيه التصاوير ولا يدخلوه لحط من الخير يكون لصاحب البيت في دخولهم إياه. فأما الملائكة الموكلون بنسخ الأعمال وقبض الأرواح، فإنهم لا يمنعون من دخوله بيت أحد يحدث قبيح يحدثه فيهم، لكنهم ينتهون إلى ما هم ما يتورون به ويبلغون فيه رضي الله جل ثناؤه. ومثل هذا في ما بيننا ما لا يستنكره أحد من العقلاء موجود، فإن الخير من الناس قد يغشاه الخيار متبركين بمجالسته، متكثرين بصداقته، فإن ظهر لهم منه ما يكرهون، انقبضوا عنه وتركوا غشيانه، ولكن المحسنين وإخوانهم يأتونه بل يهجمون عليه، مقومين إياه ورادعين له عن سوء صنيعه، ويدخله أحوال المسلمين، فيخرجونه ليقيموا عليه حدا عن كان لزمه ليحاسبوه. فلذلك الملك لئن لم يدخل بيتا فيه كلب أو صورة لينتفع بدخوله صاحب البيت، فقد دخل بيته ليحصي أعماله، أو ينزع روحه، لا يمنع احد به معصية الله باقتناء الكلب أو نصب الصورة الملك من دخوله بيته لأمر يكون عليه، وإن منع من دخوله لحط عن الخير يكون له ويرجع إليه، كما يمنع إفساد صاحب المنزل، فيلجأ الناس من أن يدخلوا

صب الصورة الملك من دخوله بيته لأمر يكون عليه، وإن منع من دخوله لحط عن الخير يكون له ويرجع إليه، كما يمنع إفساد صاحب المنزل، فيلجأ الناس من أن يدخلوا

منزله مؤاخين إياه، متوددين إليهم. ولا يمنعهم من أن يدخلوه منكرين ومغرين عليه، أو مطالبين بحق ربه وبالله التوفيق. وأما أن الملائكة لا تصحب رفقة فيها كلب أو جرس، فلأن الكلب سبع عاد محرم الاقتناء إلا لصاحب صيد أو ماشية، لا تدفع لصغرها وضعفها السابع عن أنفسها وهي الغنم. فأن أراه الناس أن يحترزوا من عوائل بما هذا سبيله، لم يطلبوا من الله تعالى أن يبعث معهم ملائكة يحرسونهم ويحفظونهم. والجرس تسكن إلى صوته الإبل، ويقال أن الجن كلها تميل إلى أمثاله وتجتمع عليه والإبل فيها مغان من الجن ومن ذلك يكون نفارها في كثير من الأوقات بلا سبب ظاهر يعرف، أو من شيء لا يليق بها على ما هي عليه من الشدة والقوة أن تنفر منه. فإن ما يحمل ذلك منها على أن الشياطين تعرض لها وتستهويها فتنفر وتميل إليها بالمشاكلة التي بينها خاصة دون سائر الدواب. فإن كان هذا هكذا فإن تعليق الأجراس، كاستدعائهم وتآلفهم وجمعهم، وهم بالحقيقة أحد المسلمين، فمن آثر لنفسه هذا في سفره كان حقيقا لكن لا يقيض الله تعالى لحراسته ملائكته وأولياءه إلا أن هذا لا يمنع الموكلين بهؤلاء السفر من ملائكة الله تعالى أن يكتبوا عليهم أعمالهم، لكنهم في حال المعصية أولى بالتضييق عليهم منهم في حال الطاعة، وإن يقبضوا أرواحهم إذا جاءت آجالهم، فإن المقيم على ما يرضاه الله تعالى أولى أن يمهل ولا يؤجل عن أحد أجله من المتمسك بالطاعة والله أعلم. فإن قيل: وما فائدة المسلمين في صحبة الملائكة إياهم. قيل: فائدتهم إذا لزموا الطاعة لله تعالى أن تثبت الملائكة قلوبهم، فلا يحلوا ولا يضيعوا بالحل والترحال والسير بالليل والنهار درعا، ولا تنفر دوابهم لمعارضة الشياطين إياها، ولا يصلوا عن سوار فيه من الهوام والسابع واللصوص، إن حضروا سرا ليعلم بهم، فلا يقدروا على الأضرار بهم أو حضورهم جهدا، فيجهدوا ولا يصلوا إلى مرادهم. ولعل لهم من الخير في ذلك ما لا يحضر ذكره ولا يعلمه إلا الله تعالى وبالله التوفيق.

دروا على الأضرار بهم أو حضورهم جهدا، فيجهدوا ولا يصلوا إلى مرادهم. ولعل لهم من الخير في ذلك ما لا يحضر ذكره ولا يعلمه إلا الله تعالى وبالله التوفيق.

وأما قول القائل: أن الكرام الكاتبين، هل يدخلان الخلاء بدخول وكلائه إياه؟ فجوابه: أنه لا علم لنا بهذا، ونقول في الجملة: إن كانا مأمورين بالدخول معه دخلا، وإن كان الله تعالى يكرمهما عن ذلك ويطلعهما على ما يكون من الداخل مما سبيله أن يكتباه لئلا يغفلا عنه وينسخاه، فعلا ما يؤامران به. وليس في خفاء ذلك عابنا ما يوجب قدحا في ديننا ومقالتنا. وأما قوله: أين يجلسان، فإن الله ﷿ يقول: ﴿وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين، يعلمون ما تفعلون﴾. وقال: ﴿عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عنيد﴾. والمعنى عن اليمين قعيد وقد يعلم في الجملة إن الملائكة حيث هم من السماء والأرض حالا في الاستفزاز يكونون عليها خلاف الحال الذي يكون لهم إذ كانوا مثقلين ذاهبين وحابين أوصافهم حول العرش مستحين قبل الحال التي تكون لهم إذا رحلوا بهم، فيفرقوا في جوانبهم. وتلك الحال إن كان نحوا من قعود الناس، وإلا فأنتم القعود لها، مستعار وبالله التوفيق. وأما قوله: أنهم بماذا يكتبون وعلى ماذا يخطون، فجوابه: أن لا علم لنا بذلك ونقول في الجملة: إنهم يكتبون على شيء يحتمل الطي والنشر، لقوله الله ﷿ ﴿ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا﴾. وإن الله الذي خلقهم وخلق غيرهم لا يعجزه أن يخلق لهم بتنوير الجلود والقراطيس وما يكتب عليه الناس شيئا يخطون عليه، أما بقلم يخلقه بتنوير الأقلام التي يخط بها الناس، وأما بشيء كالقلم بمدام أو بغير مداد، والله أعلم بحقيقة ذلك.

التاسع من شعب الإيمان وهو باب في أن دار المؤمنين ومآبهم الجنة ودار الكافرين ومآبهم النار قال الله جل ثناؤه: ﴿بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئه، فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون﴾. وقال فيما وصف يوم القيامة: ﴿يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه، فمنهم شقي وسعيد. فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق. خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك، فعال لما يريد. وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ﴾. وقوله جل ثناؤه: ﴿إلا ما شاء ربك فيه وجهان: أن الله ﵎ لما اخبر عن اليوم لموعود بأن الذين شقوا ففي النار، والذين سعدوا ففي الجنة. كان الذي يقتضيه هذا الظاهر أن دخول كل واحد من الفريقين الدار المعدة لهم يقترن بإتيان اليوم الموعود. فقال جل ثناؤه: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ من وفقهم حيث كانوا فيه إلى أن حوسبوا ووزنت أعمالهم، وسيق كل فريق منهم إلى حيث قضى له لئلا يعارض الخبر المقدم خلق. ومن قال بهذا قال: أن قوله ما دامت السموات والأرض، لم يرد به أنهم يبقون حيث ذكر وسمي قدر ما بقيت السموات والأرض، لأن التوقيت ينافي الخلود، وإنما ذلك عبارة عن طول مدة بقائهم، فضرب للمخاطبين مثل ذلك بهذه بقاء السموات والأرض، إذا لم يكن فيما يعلمونه من خلق الله جل ثناؤه، ويعرفون حاله أطول بقاء منها، ولم يكن في جملتها شيء، اخبروا أنه ليس بمنقض، فيضرب لهم مثل الجنة والنار.

إذا لم يكن فيما يعلمونه من خلق الله جل ثناؤه، ويعرفون حاله أطول بقاء منها، ولم يكن في جملتها شيء، اخبروا أنه ليس بمنقض، فيضرب لهم مثل الجنة والنار.

فهذا القدر هو المراد لأن بقاء أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار كما يتبين إلى وقت ثم ينقضي، لكنه دائم باق ولا انقضاء له والله أعلم. والوجه الآخر: أن المعنى خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك من الزيادة عليه. ألا ترى أنه قال في أهل الجنة ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ أي غير مقطوع، فلو كان المعنى أنهم يقيمون قدر ما دامت السموات والأرض ثم يخرجون، لكان العطاء مجذوذا فلما أخبر أنه غير مجذوذ علمنا أن معنى الاستثناء ما ذكرنا والله أعلم. قال بهذا، قال إلا بمعنى سوى، وذلك يحسن إذا كان المستمنى أكثر من المستثنى منه كرجل يقول: لفلان علي ألف درهم إلا الألفين التي هي إلى سنة، فيكون المعنى سوى الألفين. وعلى هذا يكون قوله تعالى في أهل النار: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ بمعنى أنهم خالدون في النار ما دامت السموات والأرض سوى ما شاء ربك من الزيادة على ذلك فلا يتعاظمنكم ذلك في أمره، فإنه يفعل ما يريد، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ويحتمل أن يكون ذكر مده السموات والأرض في هذا الوجه إشارة إلى أن الآخرة لا تتقدر بمقدار الدنيا، ولكنهم أن استوفوا في الجنة والنار مدة العالم المقتضي، فلا الجزاء الذي قوه منقض، ولا المآب الذي أعد لهم منقض، ولكن هذا كل دائم والله أعلم. فإذا ظهر أن مآب المؤمنين الجنة، ومآب الكافرين النار، وقد قال ﷿: ﴿كلا إن كتاب الفجار لفي سجين﴾ ﴿كلا إن كتاب الإبراز لفي عليين﴾. وكان المعنى ما كتب لهؤلاء علمنا أن السجين خلاف العليين، كما أن الفجار خلاف الإبرار، وسمى الله ﷿ النار هاوية، ووصف الجنة بأنها عالية، وجاء في الميزان: روح المؤمن تعلى به، وإن روح الكافر تهوي به، ولم نعلم أحدا قال: أن الجنة في الأرض ثبت أن الجنة فوق السموات ودون العرش. واحتمل قول الله ﷿: ﴿وإذا السماء كشطت﴾ أنها تكشط عما وراءها

الكافر تهوي به، ولم نعلم أحدا قال: أن الجنة في الأرض ثبت أن الجنة فوق السموات ودون العرش. واحتمل قول الله ﷿: ﴿وإذا السماء كشطت﴾ أنها تكشط عما وراءها

من الجنان فتظهر آثارها. وأن يكون ذلك أولى بها في قوله ﷿: ﴿وأزلفت الجنة للمتقين﴾ وقد قالت الأوائل: أن فوق السماء عوالم لا يقدر المناطقة على أن يصفوا حسنها، وإليها تشتاق العقول. وهذه إشارة منهم إلى الجنان ونعيما، وأن لم يسمعوا بأسمائها. وفي كتاب الله ﷿: ﴿عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى﴾ وفي بعض الأخبار: أن جنة عدن تحت ظلال العرش وفي قول الله ﷿ بعد قوله ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان. ﴿ومن دونهما جنتان﴾ دلالة على أن الجنان في العلو ولذلك يكون بعضها دون بعض والله أعلم. وأيضا فقد تتابعت الأخبار بذكر الصراط وسمي في بعضها جسر جهنم فعلمنا بهذا أن الجنة لا في الأرض ولا عند نهايتها ذائبة منها. إذ لو كانت كذلك لم يحتج الصائر إليها إلى جسر يجتاز منه إليها. وفيما وردت به الأخبار من هذا بيان أنها في العلو كما أن جهنم في السفل والله أعلم. وإذا كان الأمر على ما وصفنا، وكان الله ﵎ لم يهئ الناس هيئة من سفل إلى علو من غير سبب يتعلق به، فيمسك قدميه، احتاجوا في الانتقال من الأرض إلى الجنة إلى سبب متصل من طرف الأرض إلى طرف الجنان، فكان ذلك هذا السبب هو الصراط الذي جاء به الخبر. وروى أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أن على جهنم جسرا أعلاه نحو الجنة وخص منزله بجنبيه كلاليب ومسك من النار، يجلس الله تعالى به من يشاء من عبادة الزالون والزالات يؤمئذ كثير، والملائكة بجنبيه قيام ينادون: الهم سلم، ويعطون النور يومئذ على قدر إيمانهم وأعمالهم، فمنهم من يمضي عليه كلمح البرق، ومنهم من يمضي عليه كمر الريح، ومنهم من يحصر عليه كحصر الفرس السابق، ومنهم من يشد عليه شدا، ومنهم من يهرول ومنهم من لا يعطى نور إلا قدر قدميه، ومنهم من يحبو حبوا، وتأخذ النار منه بذنوب أصابها، وهي تحرق من شاء الله منهم على قدر ذنوبهم حتى تنجوا أول النار منه بذنوب أصابها، وهي تحرق من شاء الله منهم على قدر ذنوبهم حتى تنجوا أول

زمرة سبعون ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب، كأن وجوههم القمر ليلة البدر. ثم الذين يلونهم كأضواء نجم في السماء حتى يخلصوا إلى الجنة برحمة الله". وفي بعض الروايات في هذا الحديث "أن الصراط أدق من الشعر، وأحد من السيف" والمعنى- والله أعلم- أن أمر الصراط والجواز عليه أدق من الشعر، أن يكون عسره على قدر الطاعات والمعاصي، ولا يعلم حدود ذلك إلا الله تعالى جده لخفائها وغموضها، وقد حرت العادة بتسمية الغامض الخفي دقيقا، وضرب المثل به بدقة الشعر، فهذا والله أعلم من هذا الباب. وأما أنه أحد من السيف، فيكون معناه- والله أعلم- أن الأمر الدقيق الذي يصله من عند الله تعالى إلى الملائكة في إجازة الناس على الصراط يكون في نفاد حدة السيف ومضيه، إسراعا منهم إلى الطاعة وامتثالا، ولا يكون له مرد، كما أن السيف إذا نفذ نجده وقوة ضاربة في شيء لم يكن له بعد ذلك مرد. فأما أن يقال: أن الصراط نفسه أحد من السيف وأدق من الشعر، فذلك مرفوع بنفس هذا الحديث، لأن فيه: "أن الملائكة يقومون بجنبيه ويقولون: اللهم سلم سلم" وفيه "إن فيه كلاليب ومسكا" وفيه "ن ممن يمر على الصراط من يقع على بطنه، ومنهم من يزل ثم يقوم) وفيه: "أن من الذين يمشون عليه من يعطى النور بقدر موضع قدميه" وفي ذلك إثبات أن المارين عليه مواطئ الأقدام" ومعلوم أن دقة الشعر لا تحتمل هذا كله. وقد سألت أحد الحفاظ عن هذه اللفظة فذكر أنها ليست ثابتة. فأما أن لا يشتغل بها، وأما أن يحمل على المعنى الذي ذكرنا والله أعلم. فأما ما قيل في هذه الرواية: من أن أعلى الحسن نحو الجنة، ففيه بيان أسفله نحو طرف الأرض، وذلك لما مضى بيانه من أن جهنم سافلة، والجنة عالية. فأما نهاية الميزان وقدر بعد الجنة منها، فلم يرد فيها شيء إلا أن الله ﷿ قال في سورة الشعراء ﴿وأزلفت الجنة للمتقين﴾ وقال في سورة ق: ﴿وأزلفت الجنة للمتقين غير

اية الميزان وقدر بعد الجنة منها، فلم يرد فيها شيء إلا أن الله ﷿ قال في سورة الشعراء ﴿وأزلفت الجنة للمتقين﴾ وقال في سورة ق: ﴿وأزلفت الجنة للمتقين غير

بعيد﴾. أخبر أنه يقال لهم قبل أن يدخلوها: ﴿هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ﴾. وفي ذلك دليل على أنها تكون بحيث يمكن الإشارة إليها، فقد يحتمل- والله أعلم- أن السموات إذا طويت أدنيت الجنان من أهلها، وذلك لأن أبعادها قبل يوم الدين إنما يكون ليؤمن أهلها بها وهي غائبة، ليس عندهم منها إلا الخبر عنها، فيستوجبوها بإيمانهم بها. فإذا كان يوم الدين جاء وقت الجزاء وكشفت الأعطية عنها، أعني كشط السموات أدنيت أيضا. كما تبرز الجحيم لأهلها بعد أن كانت محجوبة عن أبصارهم ولا يمكن أن يشار إلى مقدار دونها وهو أعلم بالحقائق، ليس عندنا أكثر من أن الأرض تمد مد الأديم، فنزول استدارتها وتنقلب عن حالها فتكون يومئذ مسطحة ذات طول وعرض، والجنان فوقها ولكن متنحية منحى مشارق سطح الدار عن الدار عن صحنها لأن الله ﷿ سماها غرفا فقال: ﴿وهم في الغرفات آمنون﴾ وقال: ﴿أولئك يجزون الغرفة بما صبروا وقال: لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية﴾. وظاهر هذا أنه ﷿ سمى جميع أبنية الجنة غرفا، فثبت أنه سماها بذلك لإشرافها على مساكن الآخرين، ولأنه أخبر أن من في الجنة وقد تطلع فيرى من يريد في سواء الجحيم. وذلك كاطلاع من ينظر من طرف سطح أو لرأس جدار إلى من في سطح الدار فيراه. وقد أخبر الله ﷿ عن ذلك أن أهل الجنة ينادون أهل النار، وأهل النار ينادون أهل الجنة. وأخبر أن أصحاب الأعراف ينظرون إلى أهل الجنة مرة فيسلمون عليهم طمعا في المصير إليهم والاختلاط بهم، وإلى أهل النار فيستعيذون بالله من حالهم، وإنما هم كالو إقف على رأس جدار عال يشرف منه على غرفة منها قوم على مقيمون على سرور ولذة من وجه، وعلى صحن كان فيها مأتم وبكاء وجزع من وجه.

ه من حالهم، وإنما هم كالو إقف على رأس جدار عال يشرف منه على غرفة منها قوم على مقيمون على سرور ولذة من وجه، وعلى صحن كان فيها مأتم وبكاء وجزع من وجه.

فأهل الجنة العالية أصحاب الأعراف كأهل السطح الذين هم في السرور، وأهل النار هم كأهل الصحف الذين هم في الغموم. إلا أن بين الجنة العالية من الوجه الذي يشرف على الأرض والنيران السافلة حجابا، وهو سور يضرب يوم القيامة، والأعراف أعلى من هذا السور، فلا يكون بين أهل الجنة وأهل النار تلاق ولا تقارب، إلا أن يكون تناد من أهلها إلى ملائكة الجنة ينادي أهلها إلى ملائكة العذاب، وملائكة النار ينادي أهلها إلى ملائكة الجنة، أو يقوى الله تعالى الأصوات والإسماع فيسمع أحد الفريقين مع بعد المسافة الآخر، وهذا قبل أن يسلب أهل النار إسماعهم. وإذا كانت البحار تسجر يوم القيامة فتكون هي جهنم والبحار في الأرض، فقد صار بعض الأرض جهنم، فلا يبعد أن يكون تبديل الله تعالى الأرض غير الأرض بعد ركوب الناس الصراط كما قال النبي ﷺ هو أن تقلب الأرض كلها نارا، كما تقلب مواضع المياه منها نارا، وأن يكون بقاء الأرض ترابا مدة فيها يحتاج إليها للقيام عليها. فإذا فرغت منهم صارت نارا. وقد قال بعض العلماء: إن الكفار لا يجازون على الصراط لأنهم في النار وهم في معدن النار إذا النار في الأرض فإذا خلص المؤمنون وحصلوا على الصراط وانفروا الكفار بمواقفهم صارت مواقفهم من النار، فلم يلق مع ذلك بأحوالهم أن يجازوا على الصراط، وهذا القول قرب ما قلناه والله أعلم بما هو فاعله. وذكر وهب في كتابه: أن الله ﷿ إذا أراد أن يكشف عن سقر غطاها خرجت منها نار تفتق بالبحر المطبق على شفير جهنم، واشتغلت في الأرض السبع فتركتها جمرة واحدة، فقد يحتمل أن يكون شقها البحر قبل حساب الخلائق، واشتعالها في الأرضين السبع لتصير جمة واحدة بعد أن ركب المؤمنون الصراط، فيرجع هذا القول الذي حكته والله أعلم. وأما ما ذكر في هذا الحديث من الأنوار، فقد قيل: أن ذلك إنما يكون إذا أمر بأهل الجنة إلى الجنة وبأهل النار إلى النار، فيتقدم المؤمنون، وقد أعطى كل واحد منهم فوراً

بقدر عمله. والباقون في ظلمة شديدة من دخان جهنم، فيقولون لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا. قال الله ﷿: ﴿فضرب بينهم بسور له باب، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب﴾ فيحتمل- والله اعلم- أن هذا السور إنما ضرب عند انتهاء الصراط، وينزل له باب يخلص منه المؤمنون إلى طريق الجنة، فذاك هو الرحمة التي في باطنه. وأما ظاهره فإنه يلي النار، وإن كانت النار سافلة عنه لا محاذية إياه، فإذا لم يجد المنافقون إلى باطن السور سبيلا إلا أن يقذفوا من أعلى الصراط، فيهوون منه إلى الدرك. الأسفل من النار، ولم يذكر الله تعالى في قصة النور إلا المنافقين. فقد يحتمل من قول من يقول أن الكفار لا يجاوزن على الصراط، أن المنافقين يخصون بالإجازة عليه على معنى أن يجلوا وأتباع المؤمنين، ليظنوا أنهم ينجون بنجاتهم، حتى إذا بلغوا الحد ميزوا عنهم، فنادوا المؤمنين: ﴿ألم نكن معكم، قالوا: بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتم الأماني حتى جاء أمر الله، وغركم بالله الغرور﴾. فيكون هذا مما أخبر الله تعالى أنه فاعله بهم في قوله: ﴿قالوا: إنما نحن مستهزئون، الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون﴾ والله أعلم. واختلف الناس في أصحاب الأعراف فقال قائلون: ﴿أنهم ملائكة يقومون عليها، وينظرون إلى أهل الجنة مرة فيحيونهم، وإلى أهل النار مرة فيبكونهم، ويحملهم ما يشاهدونه من سوء أحوالهم على الاستعاذة بالله تعالى منها وذلك بعيد من وجهين: احدهما أن الله ﷿ قال: ﴿وعلى الأعراف رجال﴾ واسم الرجال لذكور العقلاء، والملائكة ينقسمون إلى ذكور وإناث. والأخر: انه تعالى أخبر عنهم أنهم يقولون لأهل الجنة: ﴿سلام عليكم﴾، طامعين أن يدخلوها. والملائكة غير محجوبين عن الجنة، إلا أن تكون ملائكة العذاب، ولئن كان منهم من أن لا يدخلها، فإنه لو دخلها ليتلذذ بنعيمها، إذ التلذذ بما يتلذذ به الناس غير

لائكة غير محجوبين عن الجنة، إلا أن تكون ملائكة العذاب، ولئن كان منهم من أن لا يدخلها، فإنه لو دخلها ليتلذذ بنعيمها، إذ التلذذ بما يتلذذ به الناس غير

مركب فيهم. فيقال إذا لم يصل إليها أنه يطمع أن يدخلها. وأيضا فإن الحيلولة بين الطامع وطمعه تستبق ولا عذاب يومئذ على ملك. وقيل: أنهم قوم قتلوا في سبيل الله أنهم مع ذلك أصحاب كبائر، فلم يدخلوا النار، إلا أرواحهم ذهبت في سبيل الله تعالى ولم يدخلوا الجنة للكبائر التي وافوا القيامة بها فيحبسهم الله تعالى بين الجنة والنار خائفين، راجين إذا نظروا أهل الجنة، قالوا ﴿سلام عليكم﴾ مستعجلين بأن يلحقوا بهم، وإذا أشرفوا على النار، قالوا: ﴿ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين﴾. فيكون ذلك الخوف عقوبة لهم إلى أن يمن الله تعالى عليهم بالجنة. وقيل. أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، لأن الحسنات تحول بينهم وبين النار، والسيئات تحول بينهم وبين الجنة، فيحبسون هناك ما شاء الله عقوبة لهم على سيئاتهم ثم يدخلون الجنة. وهذه حال قد بينا من قبل أنها لا تكون ولا يمكن أنها لا تكون، ولا يمكن لأنه لو جاز أن تستوي الحسنات والسيئات بأصلها وهو الإيمان، وانفراد السيئات عن الكفر لا يمكن أن تزيد السيئات على الحسنات حتى يكون ميزانها هو الثقيل وميزان الحسنات هو الخفيف، ولو أمكن أن يكون ذلك لم يدخل من كان هذا حالة الجنة أبدا، لأن الوزن لم يظهر له حسنة قط إذا كان ميزان السيئات هو الذي يثقل، ولا يوازي ثقلها من جانب الحسنات ثقيل أصلا. ولو كان لا يجوز أن يكون مؤمن يخلد في النار، علمنا أن زيادة سيئات المؤمن على حسناته غير ممكن، وإذا نظرنا في ذلك وجدنا المعنى: أن مع حسنات المؤمن إيمانه الذي هو أصل الطاعات، ولا يوازن الأصيل ما ليس بأصل. فإذا وجب هذا المعنى أيضا: أن لا تساوي حسنات المؤمن سيئاته، وأن يكون أثقل ميزاني المؤمن ميزان حسناته- والله أعلم- ألا أن يقول قائل: أن حسنات المؤمن سوى إيمانه، وسيئاته قد يستويان، ولكنه هذا إذا كان وضع الإيمان مع حسناته في الميزان

لمؤمن ميزان حسناته- والله أعلم- ألا أن يقول قائل: أن حسنات المؤمن سوى إيمانه، وسيئاته قد يستويان، ولكنه هذا إذا كان وضع الإيمان مع حسناته في الميزان

فرجح. فيزول حينئذ استواء الحسنات والسيئات والله أعلم. ألا أن هذا فإن كان هكذا، فقد يجوز أن يكون أصحاب الأعراف قوما كثرت سيئاتهم، ولم يرد الله تعالى أن يحشرهم في النار وينالهم فعذبهم بحر النار وكربها ولم يسلطها على أجسادهم فيحرقها والله أعلم. وأما قول الله ﷿، ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم، قالوا: ﴿ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون﴾ فإنما هو أنهم يقولون لقوم من أهل النار هذا فيقول لهم أهل النار في جواب ذلك وأنتم فما أغنى عنكم إيمانا، والله لا يأليكم من الله رحمه فيكذب الله تعالى يمين أهل النار ويقول لهؤلاء: أقسمتم عليهم أي ومن أين أجزتم لأنفسكم أن تحكموا على الله، ثم يقول لأصحاب الأعراف: ﴿ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون﴾ والله أعلم. ومما يدخل في هذا الباب قول الله ﷿ ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا، ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا﴾ فقيل: أن الورود النظر لا الدخول، ألا ترى أن ورود الماء بلوغ مكانه والوقوف على طرفه لا حوضه، ولا الشروع فيه، وقد أخبر الله ﷿ أنه يحصر الكفار حول جهنم جثيا، والجثو حال المحاسبة، كما يقال ﷿: ﴿وترى كل أمة جاثية، كل أمة تدعى إلى كتابها﴾. فإذا كان موضع الحسنات حول جهنم، وحيث يكون الصراط والمؤمنون والكافرون في ذلك سواء، وذلك هو الورود على هذا الخارج قوله ﷿ ﴿ثم ننج الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا أي تخريج وذلك على وجهين أحدهما ننجي الذين اتقوا بأن نباعد بينهم وبين النار، ونأمر بالظالمين إلى النار ويذرهم فيها. والآخر: ننجي الذين اتقوا من حول جهنم بالإجازة على الصراط، وإذا أخرجناهم سلطنا النار على الظالمين الذين كانوا جثيا، فأخذتهم على حال جثوهم بركبانهم، فيها. وهذا على أن ذلك المكان يصير من جهنم بمزايلة المؤمنين إياه، وإن الكفار يجازون على الصراط المستقيم، والله أعلم،

وفيه قول آخر: وهو أن المؤمنين والكفار يجازون على الصراط والله أعلم، وذلك ورود المؤمنين النار، لأن الصراط إنما هو جسر جهنم، وقد يلحق الذين يجوزون فيه من النار أذى. فإن كان من شرط الورود مس النار والورود، فقد كان ذلك، وإن كان لا يلحقهم أو بعضهم منها أذى، فإن ركوب جسرها الذي يلقي منه إلى النار، وتختطف الكلاليب بعضهم حقيقة بأن يقال له ورود ذلك، وذلك هو الذي أراد الله تعالى بهذه الآية. ومن قال هذا ولم يقطع بأن الأرض قصير أو شيء منها من جملة جهنم قال الأشبه أن الأرض تعدم إذا ركب الناس الجسر، ما طويت لسموات فكانت عدما. والدليل على ذلك أن الله ﷿ سوى بين السموات والأرضين في قوله خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك، فبان أن مدة الأرض متناهية، كما تكون مدة السماء متناهية، ومن قال بالأول، قال: مدى أرضها متناهية كما أن مدة سمائه والله أعلم. فإن قيل: جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من مات له ثلاثة لم تمسه النار ألا يخله القسم) يعني قول الله ﷿: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ وهذا يدل على أن الورود ليس هو التطرف، فيكون الجواز على الصراط، وحضور شغير جهنم عند المحاسبة جازيا عنه قبل. قيل: اسمي مس النار كما قال أيوب ﷺ ﴿إني مسني الشيطان بنصب وعذاب﴾ أي عوضني. كذلك لأن مسه بالحقيقة وكما قال ﷿: ﴿وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء، ولا هم يحزنون﴾. أي لا ينادون بسوء ولا يسوءهم شيء. فيكون معنى تمسه النار، أي ينادى بها. وإذا كان هذا هكذا، وقد أخبر الله ﷿ أن جهنم ﴿ترمي بشرر القصر، كأنه جمالات صفر﴾، وجاء الحديث أنها ترمي زفرة لا يبقي ملك مقرب ولا نبي مرسل

ي ينادى بها. وإذا كان هذا هكذا، وقد أخبر الله ﷿ أن جهنم ﴿ترمي بشرر القصر، كأنه جمالات صفر﴾، وجاء الحديث أنها ترمي زفرة لا يبقي ملك مقرب ولا نبي مرسل

ألا تهمه نفسه وأنها إذا برزت غشيت أهل المجمع منها ظلمة شديدة، وإن شررها يقع على رؤوس الخلائق، فتكاد أفئدتهم تنخلع من الخوف إلى غير ذلك. فليس يبعد أن يكون ورود المؤمنين جهنم أن يحضروا شغير جهنم للمحاسبة فيروها عن اليقين، وإذا أخذت تموج وتتأجح وترمي بشررها أشفقوا منها وإذا زفرت فرقوا من زفيرها، وتغشاهم من ظلمتها ماء يفشي غيرهم. فيكون هذا مس النار إياهم دون اللذع والإحراق والله أعلم. فإن سأل سائل عما روينا، وقال: كيف يجوز إثبات الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين تهمهم أنفسهم يوم القيامة مما يرون من الأهوال والشدائد والله ﷿ يقول فيمن دونهم من الأولياء: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسني، أولئك عنها مبدعون، لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون، لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون.﴾ ويقول: ﴿من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون﴾. قيل له: أن المذكورين في هذه الآية يكونون آمنين من حيث يبشرون بالخير والنعمة، ولكن لا ينكر أنهم إذا رأوا هؤلاء لم يشاهدوها قط، ولا خطرت على قلوبهم أن يغفلوا في ذلك الوقت عن الأمن الواقع لهم، ويغلب الخوف على قلوبهم، فقد يحمل أن يكون خوف الأنبياء ﵈ في الحال التي ذكرتها من هذا الوجه. وأما قوله ﷿: ﴿لا يسمعون حسيسها﴾، فالمعنى أنهم لا يسمعون ما تفعله النار بأهله إذا حصلوا في الجنة، وحصل أهل النار في النار. ألا ترى أنه قال على أثر هذا: ﴿وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون﴾. فأما من قبل دخول الجنة فقد يسمعون زفيرها، ويردون كثيرا من أهوالها والله أعلم. فإن سأل سائل: عن معنى إيراد الله تعالى جده المؤمنين جهنم. قيل له قد قال الناس في ذلك وجهين: أحدهما أن يعلم المؤمنون بالعيان ما كانوا يخبرون عنه من شدائد بدار أعد الله تعالى جده الكفار من العذاب، فإذا صاروا منها إلى

د قال الناس في ذلك وجهين: أحدهما أن يعلم المؤمنون بالعيان ما كانوا يخبرون عنه من شدائد بدار أعد الله تعالى جده الكفار من العذاب، فإذا صاروا منها إلى

الجنة كانوا أشهر بها وأقر عينا، وكانت في نفوسهم أعظم قدرا موقعا. والآخر أن الفريقين إذا جمعهما مجمع واحد وهو شغير جهنم أو الصراط، ثم ميز أحدهما عن الآخر، وصير به إلى الجنان، والآخر إلى النيران أن كانت الحشرة على الذين يصار بهم إلى النار أشد، ومصيبته أقطع وأوجع. وقد يجوز أن يكونا معا هما المراد. فإن قيل: فلم لا يرى أهل النار أهل الجنة، كما يرى أهل الجنة النار ليعلموا ما الذي فاتهم وحرموه بالمعاصي أنفسهم، فيكون ذلك اعم وأوجع لهم. قيل: لان حريم الجنة وحريم النار كالنار، فلما كانت النار يخرج منها عصاة المؤمنين، ولا يخلدون فيها، صلح إيراد المؤمنين شغيرها ليروها، ويعاينوا أحوالها، قم ينقلوا عنها، ولما كانت الجنة لا يخرج منها دخلها لم يلق بها أن يورد الكفار حريمها فيستنشقوا رائحتها ويشاهدوا نعيمها ثم ينقلوا عنها. فصل فإن قال قائل: كأن جهنم هو البحر، فما يبقى قوله ﷿: ﴿وإن جهنم لموعدهم أجمعين، لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم﴾. فإن كانت النار في أسفل كما وصفهم فإجازة الكفار على الصراط لأي سبب؟ قيل له: أن من قال. أن الكفار يركبون الجسر، فقد يخرج عن قوله أن تكون أبواب جهنم في الجسر فروجا، فيه أشباه أبواب السطوح، فهم يقذفون منها في جهنم، وإنما يجمع بينهم وبين المؤمنين على الصراط ليكون فرج المؤمنين بالفوز والخلاص أعظم، وحسرة الكفار وغمهم أشد وأفظع، وإلقاؤهم من الجسر أخوف وأهول. ولعل قول الله جل ثناؤه: ﴿وامتازوا اليوم أيها المجرمون﴾ يكون في هذا الوقت، وما في القرآن من قول الله ﷿: ﴿كلما ألقي فيها فوج﴾، وقوله تعالى ﴿ألقيا في جهنم كل كفار عنيد﴾. فالدليل على هذا، لأن الإلقاء في الشيء

أكثر ما يستعمل في الطرح من علو إلى أسفل، نحو قولهم: ألقاه في الحوض وفي البيت، وإذا لم تكن كذلك، قيل: ألقاه على قارعة الطريق، وألقاه على ظهره والله أعلم. ومن قال: أن الكفار لا يركبون الجسر، قال: قد يكون لجهنم يوم القيامة سبعة مشارع يصار بالكفار إليها، ثم يلقي بعضهم فيها، ويسحب بعضهم على وجوههم، ويساق بعضهم سوقا، ويكلفون دخولها، وليس يكون هذا، لأن الملائكة يتعذر عليها هذا الأمر في مكان من جهنم، ويتيسر في موضع ولكن لأهل النار سبعة أصناف، كما يقال الله تعالى ﴿لها سبعة أبواب، لكل باب منهم جزء مقسوم﴾ فيجعل الله يومئذ لها سبعة مشاعر لتتميز الأصناف بعضها من بعض والله أعلم. وقد ذكر الله تعالى النار، سماها بثمانية أسماء: الجحيم- والسعير- وسقر- ولظى- وجهنم- والحريق- والحطمة- والهاوية. وقد يحتمل أن يكون ما عدا جهنم أسماء الدركات المحتملة، التي أعدت لأهل النار كما يليق بأحوالهم وسيئات أعمالهم، وسكون جهنم اسما للجميع، كما قال: ﴿وإن جهنم لموعدهم أجمعي، لها سبعة أبواب﴾ وقال: ﴿وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا، حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها﴾ فالأبواب السبعة في المشارع إلى هذه المسميات السبعة وجهنم اسم لجملتها. جاء عن النبي ﷺ في حديث يرويه سلام الطويل عن أبي سفيان عن انس بن مالك ﵃ عن النبي ﷺ في قول الله ﷿: لها سبعة أبواب، لكل باب منهم جزء مقسوم: "جزء أشركوا بالله، وجزء شكوا في الله، وجزء صيروا رعيتهم بحطهم من الله، وجزء عتوا على الله". فإن كان هنا ثابتا عن النبي ﷺ، والمشركون بالله هم الثنويه والوثنيه، والشاكون هم الذين لا يدرون أن لهم إلها أولا إله لهم، ويسألون في شريعته ولا يدرون أنها من عنده. والغافلون عن الله هم الذين يجهدون أصلا ولا يتبعون، وهم الدهرية. والمؤثرون

يدرون أن لهم إلها أولا إله لهم، ويسألون في شريعته ولا يدرون أنها من عنده. والغافلون عن الله هم الذين يجهدون أصلا ولا يتبعون، وهم الدهرية. والمؤثرون

شهواتهم على الله، المنهمكون في المعاصي لتكذيبهم رسل الله تعالى جده وأمره ونهيه، والشافون غبطهم غضب الله، القتالون أنبياء الله وسائر الداعين إليه المعذبون من ينصح لهم، أو يذهب غير مذهبهم، والمصيرون وغيهم يحطهم من الله، هم المنكرون للبعث والحساب. فهم يعبدون بأي ما يرغبون فيه لهم جميعهم، حطهم من الله جل ثناؤه. والعاتون على الله الذين لا يبالون بأن ما يكون ما هم فيه حقا أو باطلا، فلا يتفكرون ولا يعتبرون ولا ينظرون ولا يستدلون، والله أعلم بما أراد رسول الله ﷺ أن كان الحديث ثابتا عنه. فصل وقد أخبر الله تعالى جده: أن في النار انكالا وهي القيود ومقامع من حديد، وإن فيها شجرا طلعها كأنه رؤوس الشياطين. وقال في آية أخرى، أن شجر الزقوم طعام الأثيم وأن فيها جميما وهو الماء الجار المقطع للأمعاء. وجميع ذلك يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون كل ذلك نيرانا مختلفة الأوصاف، كما أن فيها في الأرض ما بين دواب وأشجار وزروع كلها من تراب، إلا أن الأعراض مختلفة، والأصناف متغايرة بالخشب والحديد، هناك نار مهيأة بهيئة الشجر ونار مهيأة بهيئة الحديد، والحميم نار مهيأة بهيئة الماء. وكل ما جاءت به الإخبار، من أن في النار حيات وعقارب فإن كانت تلك الأخبار ثابتة فهي محمولة على هذا المعنى وهو أن تلك نيرات مهيأة بهيئة الحيات والعقارب. وليس ينكر أن يخلق الله تعالى من النار المفرده خلقا ويجعله حيا، فقد أخبر ﷿ أنه: خلق الجان من مارج من نار، وهو على ما يشار قدير. والوجه الآخر: أن يكون الشجر خشبا، والقيود والمقامع حديدا، والحميم ماء، والحيات والعقارب ما عرفت إلا أن الله ﷿ يمسكها، ويدفع الاحتراق والفساد عنها. فأنه خالق الطبع والمطبوع. فكلما أنه إذا أراد تغيير المطبوع غيره. فكذلك إذا أراد تغيير الطبع غيره. وإذا كان يحرق أهل النار ولا يمسهم خلاف المعروف في الدنيا من أن من أحاطت به

. فكلما أنه إذا أراد تغيير المطبوع غيره. فكذلك إذا أراد تغيير الطبع غيره. وإذا كان يحرق أهل النار ولا يمسهم خلاف المعروف في الدنيا من أن من أحاطت به

النار وأحرقته هلك، فما الذي ينكر من أن يمسك في النار خشبا وحيات وعقارب فلا حرق بالنار ما لا يطغا بالنار ولا تأكله النار وبالله التوفيق. فصل فأما الجنان، فإن الله حصرها بأربعة أعداد فقال ﷿: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان، وقال بعد ذلك: ﴿ومن دونهما جنتان﴾ ولم يذك سوى هذه الأربعة جنة خامسة. فإن قال: ﴿عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى﴾ قيل: جنة المأوى اسم لجميع الجنان يدل على ذلك أنه قال: ﴿فلهم جنات المأوى، نزلا بما كانوا يعملون﴾. والجنة اسم الجنس، فمرة يقال: جنة، ومرة يقال: جنات عدت، وجنة عدن. لان المعدن الإقامة، وكلها دار الإقامة، كما أن كلها مأوى المؤمنين. وكذلك دار الخلد ودار السلام لأن جميعها للخلود والسلامة من كل خوف محزن. وكذلك جنات النعيم، وجنة نعيم، لأن جميعا مشحونة بأنصاف النعيم جنة تنوى لأن الله ﷿ أن كان سمى شيئا من هذه الأسماء جنة في موضع فقد سمى الجنان كلها بذلك في موضع آخر فعلمنا أن هذه الأسماء لتمييز جنة من جنة ولكنها للجنان أجمع لا سيما وقد أتى الكتاب بذكر العدد ولم يثبت إلا أربعا. وقد أثبت الله ﷿ هذه أبوابا بقوله: ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤوها وفتحت أبواها﴾. وجاء عن النبي ﷺ: "أن أبوبا الجنة ثمانية" فقد يحتمل أن يكون ذلك لأن لكل جنة من الجنان الأربع بابين. وقد وصف الله تعالى هذه الجنان في كتابه، فوصف أهل الجنة، فصفهم صفين: أحدهما السابقون المقربون، والآخر أصحاب اليمين. فعلمنا أن السابقين أهل الجنتين

العليين في قوله تعالى ﴿ولمن خاف مقام ربه جنات﴾ إلى قوله ﴿ومن دونهما جنتان﴾ فقال: فهاتان للمقربين، وهاتان لأصحاب اليمين. وعن أبي موسى الأشعري نحو من ذلك، وأصحاب اليمين هم الذين يؤتون كتبهم بإيمانهم وتخصيصهم بهذا السام ليس لان السابقين لا يقرأون كتبهم، ولكن لا الثناء عليهم بالسبق إلى الطاعات أشرف لهم من وصفهم بإيتاء الكتب بإيمانهم، لأنهم يشركهم في إيتاء الكتاب باليمين من ليس له سبقهم وقدمهم، ولا يشركهم في إيتاء الكتب باليمين من السبق غيرهم. فذكروا بأرفع الذكرين، ولما لم يكن من أهل الجنة بعدهم إلا من لم يكن لهم مثل فضيلتهم، فيذكروا معهم قيل لهم أصحاب اليمين أي الباقون بد السابقين من أصحاب اليمين والله أعلم. والسابقون هم المتسارعون إلى الطاعات من أتباع الأنبياء صلوات الله عليهم، وتصديقهم ونصرهم على أعدائهم، وما يتبع ذلك من أوامر الله جل ثناؤه وغير متباطئين عنها ولا مستغلين لها أولا مطلبين للأعذار والعلل للأخذ بالهويني فيها، فإن جزاءهم عند الله أن يجعلهم سابقين إلى جنته والنعيم التي أعد فيها لأهل رضوانه، وتقدمهم على غيرهم، كما قدموا في الدنيا طاعته على أهوائهم، وتركوا أهلها أراد بهم. ولما وصف الله تعالى بعض نعيم الجنان أشار إلى الفرق بين الجنتين اللين ذكر أنهما لما خاف مقام ربه وبين الجنتين ومن دونهما فقال في الأوليين: ﴿فيهما عيتان تجريان﴾ وفي الأخريين: فيهما عينان ناضحتان﴾ أي فوارتان، ولكنهما ليستا كالجارتين لان النضح دون الجري. وجاء عن النبي ﷺ قال: "جنتان من ذهب للمقربين، أو قال للسابقين وجنتان من ورق لأصحب اليمين" فقال في الأوليين: ﴿فيهما كل فاكهة زوجان﴾ فعم ولم يخص. وقال في الآخرين: ﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾ ولم يقل من فاكهة وقال في الأوليين: ﴿متكئين على فرش بطائنها من إستبرق﴾ وهو الديباج. وفي

زوجان﴾ فعم ولم يخص. وقال في الآخرين: ﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾ ولم يقل من فاكهة وقال في الأوليين: ﴿متكئين على فرش بطائنها من إستبرق﴾ وهو الديباج. وفي

الأخريين ﴿متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان﴾ والعبقري الوشي. ولا شك أن الديباج أغلى من الوشي، والرفرف كثير الخباء، ولا شك أن الفرش المفردة للاتكاء عليها أفضل من فضل الخباء. وفي الأوليين في صفة الحور العين: ﴿كأنهم الياقوت والمرجان﴾. وفي الأخريين: ﴿فيهن خيرات حسان﴾. وليس كل حسن بحسن الياقوت والمرجان. وقال في الأوليين: ﴿ذواتا أفنان﴾ وقال في الأخريين: ﴿مدهامتان﴾ أو خضراوتان، كأنهن من شدة خضرتها سوداوان. فوصفت الأوليين بثرة الأغصان، والآخرين بالخضرة وحدها. وفي هذا كله إشارة إلى تحقيق المعنى الذي قصد بقوله: ﴿ومن دونهما جنتان﴾ ولعل ما يذكر من تفاوت ما بينهما أكثر مما ذكر. فإن قيل: كيف لم يذكر أهل هاتين الجنتين كما ذكر أهل الجنتين الأوليين. قيل: الجنان الأربع لمن خاف مقام ربه، إلا أن الخائفين لهم مراتب. والجنتان الأوليان على العباد ربة في الخوف من الله جل ثناؤه. والجنتان الأخريان لمن حاله في الخوف من الله تعالى عنهم. واختلف في الحور العين المذكورات في القرآن، فقال الحسن البصري: أن الحور العين هن المؤمنات من أزواج النبيين والمؤمنين، يخلقن في الآخرة على أحسن صورة، والمشهور أن الحور العين ليس من نساء أهل الدنيا، إنما هن مخلوقات في الجنة، لأن الله ﷿ يقول: ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان﴾. ونساء الدنيا أكثرهن مطموثا. فعلمنا أن الحور خلقهن غيرهن ولا النبي ﷺ يروى عنه: (أن أقل ساكني الجنة النساء) وإذا كانت نساء الجنة أقل من رجالهم لم يصب كل واحد منهم امرأة. ووعد الحور العين لجماعهم فثبت أنهم غير نساء الدنيا. ومن ذهب مذهب الحسن قال: إذا قضى الرجال شهواتهم في الجنة، علمنا أن النساء لهن مثل ذلك، فلو لم يدرون إلى الرجال لم يجدن غيرهم فثبت أن نساء أهل الجنة أزواج رجالهم.

Bagian 13 dari 42