— Bagian 12 · ة. وإن وقع ذلك خطأ لم تكن كبيرة، ولأن زوال العمل… —
Bagian 12
ة. وإن وقع ذلك خطأ لم تكن كبيرة، ولأن زوال العمل يقتصر بقتله عن رتبة المنصوص فإنه لا يكون عند ذلك مؤثرا لانتقاص عدد المخاطبين المكلفين من بين الجملة. فإن كان المقتول أبا أو ذا رحم، أو كان القتل في البلد الحرام أو قطع طريق كانت فاحشة لما في ذلك من انتهاك حرمات كثيرة مضمونة إلى حرمة المقتول، وإن ترك القتل إلى شيء دونه من إيلام بضرب غير منهك أو جرح لا ينقص به المجروح عضوا ولا يتعطل به عليه من منافع بدنه منفعة لم يكن ذلك كبيرة. لأن هذه الجناية لا تستوفي معنى القتل المنصوص وإن وجد فيه بعض معناه. لأن معنى الإيلام أو أنهار الدم وإن وجد، فإن أماته الحي لا يوجد فيه، فيفارق بذلك القتل وقطع الطريق ولا يكون كبيرة. وإن تعاطي قتل أب أو أم أو ذوي رحم من كان، أو كان ذلك في حرم أو أشهر حرام أو استضعافا لمسلم أو استعلاء عليه، فذلك كبيرة لأنه فعل يجمع إيلام المجني عليه، وإنهار شيء من دمه أو طرفه إليه فصار بذلك كبيرة.
وإن دل رجل على مطلوب ليقتل ظلما، أو أحضر المرتد للقتل سكينا فهذا كله محرم لأنه يدخل في قوله: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ لكنها صغائر، لأن المنهي عنه ليس لأنفسهما لكنها ذرائع الظالم إلى التمكن من ظلمه، فأكثر ما في إعانة القاتل بها، أن المعين مشارك له في القصد، والقصد إذا خلا عن الفعل لم يكن كبيرة. وكذلك سؤال الرجل غيره الذي لا تلزمه طاعته أن يقتل ليس من الكبائر، لأنه ليس فيه إلا إرادة هلاكه من غير أن يكون معها فعل والله أعلم. فصل إن سأل سائل عن أصحاب الكبائر عن أهل القبلة إذا وافوا القيامة بلا توبة قدموها، ماذا يكون من أمرهم؟؟ قيل له: -وبالله التوفيق- أمرهم الله تعالى، فإن عفا عنهم مبتدئا وإن شاء شفع فيهم نبيهم، وإن شاء أمر بإدخالهم النار وكانوا معذبين بها مدة، ثم أمر بإخراجهم منها إلى الجنة إما بشفاعة ولا يخلد في النار إلا الكفار. فإن سأل عن الدلائل على ما قلنا! أما الدليل على أن غبر الكفار لا يخلد في النار فهو قول الله ﷿ ﴿من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾، فأخبر أن التخليد في النار إنما هو لمن أحاطت به خطياته، والمؤمن صاحب الكبيرة والكبائر لم تحط به خطياته، لأن رأس الخطايا هو الكفر، وهو غير موجود منهم، فصح أنه لا يخلد في النار. فإن قيل: هذا معارض بأن الله تعالى قال بعقب هذه الآية: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون﴾، فوعد الجنة من جمع بين أصل الإيمان وفروعه وصاحب الكبيرة أو الكبائر تارك الصالحات فصح أن وعد الجنة ليس له. فالجواب: أن التعاطي للكبائر إذا تاب عنها ووافى القيامة تائبا لا يخلو من أن يكون
روعه وصاحب الكبيرة أو الكبائر تارك الصالحات فصح أن وعد الجنة ليس له. فالجواب: أن التعاطي للكبائر إذا تاب عنها ووافى القيامة تائبا لا يخلو من أن يكون
تاركاً للصالحات التي هي أضداد الكبائر، ثم لأنه إذا شرب الخمر فقد ترك العمل بقول الله ﷿. وإذا زنى فقد ترك العمل بقول الله ﷿: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم﴾. وإذا فر من الزحف فقد ترك العمل بقول الله ﷿: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾، وعلى هذا جميع الكبائر. ثم أنه إذا تاب سقط العذاب عنه بالتوبة، وصارت الجنة داره، وإن لم تصر بالتوبة جامعا بين أصل الإيمان وفروعها من الصالحات. لأنه وإن تاب منها اليوم فلا يخلوان من كان من تاركا لها بالأمس وقع بهذا، جاز أن تكون داره. فلا ينكر أن الذي يوافي القيامة بكبائر لم يتب منها مثله، فإن تقل ليسا سواء، لكن التائب يقيم التوبة مقام السيئات التي قدمها، والمصر ترك الطاعات ولم يقم مقامها شيئا، قيل التائب غير مبدل من الطاعات التي تركها شيئا، لأن التائب هو الذي يندم على ما جنى ولا يعود لمثله في المستقبل. فأما بذمة على ما معنى فإنما هو بكرهه لما كان منه، وقد كان مأمورا من حين: فقيل: إلا أن تاب بأن يكون متكرها له، فلما لم يفعل وآخره إلى الوقت الذي تاب منه كان إيتاء من هذا الغرض ببعضه لا يجمعه. وأما نزوعه عن الفعل وترك العود لمثله في المستقبل فهو أيضا بعض ما كان عليه، إلا أنه كان عليه أن يكون نازعا عن الفعل أبدا، فإذا قدم عليه وقتا ثم نزع عنه وقتا كان بذلك مبغضا للغرض، وبعض الفرض لا يكون بدلا من جميعه، فصح أن التائب غير مبدل من الطاعات التي تركها بدلا ولا يقيم مقامها خلفا، ومع ذلك جاز أن يدخل الجنة، فليجز أن يدخلها المصر. فإن قيل: لو كانا سواء لكانت الجنة واجبة للمصر، كما هي واجبة للتائب، ولما كان المصر معذبا كما لا يكون التائب معذبا، دل أنهما لا تستويان. قيل: إنما أردنا بما أجبناكم به، أن التائب لا يخلو من أن يكون تاركا للصالحات التي
ولما كان المصر معذبا كما لا يكون التائب معذبا، دل أنهما لا تستويان. قيل: إنما أردنا بما أجبناكم به، أن التائب لا يخلو من أن يكون تاركا للصالحات التي
كانت عليه، ومع هذا يدخل الجنة، فعلم بهذا أن الجنة ليس للجامع بين أصل الإيمان وفروعه دون غيره، وقد ثبت هذا. فأما قولكم: أن المصر لو كان كالتائب لما كان معذبا، فجوابه أن يقال. أن التائب إنما لا يعذب لأنه رجع إلى ما كان عليه، وترك ما لم يكن فعله فعفى الله عنه عما لا تمكنه مداركه فيما مضى، فإنه لا يمكنه أن يجعل ما كان منه غير كائن. والمصر مجدد للمعصية في كل وقت يعرض العقوبة إلا أن يمن الله تعالى عليه بالعفو، إما باستغفار يكون منه أو بشفاعة من يشفع له في الآخرة. ألا ترى أن التائب من الكبائر إذا احتدم من ساعته فقد يفارق المتقي الذي يرد القيامة بلا كبيرة في أن المتقي يجب له من الثواب ما لا يجب للتائي من كبائره، وافتراقهما هذا يستوجب من الإحسان ما لا يستوجبه الآخر، ولا يمنع من أن يمن الله تعالى على التائب بكرامات وخيرات تعدد ثواب المتقين أو يؤته ذلك بشفاعة النبي ﵇. فكذلك اقتراف التائب والمصر في أن التائب يستوجب الجنة، والمصر لا يستوجبها عاجلا لا يمنع من أن يمن الله تعالى على المصر فيدخله مع التائب الجنة، إما باستغفار أو بشفاعة تشفع له والله أعلم. والدليل على جواز أن يعفو للمصر باستغفاره قول الله ﷿: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾، وهذا في الصلوات المفروضات إنها كفارات، وإذا كانت الصلاة كفارة للمذنب، والمذنب ليس هو الداعي إليها والباعث عليها، فلئن كان الاستغفار كفارة وهو طاعة تدعو الذنب إليها وتحمل عليها أولى وأحق. ووجه آخر: هو قول الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، ولا يجوز أن يعرض في خير الله تعالى خلف. فإن قيل: المعنى أنه يغفر الصغائر لمجتنب الكبائر، ولا يغفرها لمن لا يجتنب الكبائر، كما قال في آية أخرى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما﴾.
فأما الكبائر أنفسها فلا يغفرها إلا للتائب. والدليل على ذلك أنه تعالى لما توعد أصحاب الكبار بالنار والخلود فيها لم يستثن منهم إلا التائبين، لأنه ﷿ قال: ﴿ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون، ومن يعف ذلك يلق أثاما، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب﴾. فعلمنا أن يخلص أصحاب الكبائر بالتوبة فإن المغفرة الموعودة لها دون الشرك، إنما هي لأصحاب الصغائر المجتنبين للكبائر. فالجواب: -وبالله التوفيق- أن هذا الوعيد ينصرف إلى جميع ما تقدم ذكره، فإن الله ﷿ ثناؤه فتح بهذه الآية بذكر الشرك فقال: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثاما، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا﴾، فانصرف قوله ومن يفعل ذلك إلى جميع ما تقدم ذكره. ولسنا ننكر أن يكون الجامع بين هذه الكبائر مستوجبا هذا الوعيد، وأن لا يخرج منه إلا التائب. ويدل على أن المراد بالآية هذا، أن الله ﷿ لا يضاعف له العذاب، فبان أن المراد بها أن من جمع بين الشرك وغيره من الكبائر، فيصير العذاب مضاعفا عليه، وذكر الخلود في هذا الوضع، فثبت أنه لاحظ في ذلك لمن اقتصر على الكبائر التي هي دون الشرك، ولم يضم إليها شركا. ويدل على هذا أيضا أنه ﷿ لما ذكر التوبة قال: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل صالحا﴾، فذكر في التوبة الإيمان العمل الصالح، فثبت أن الوعيد على من أشرك وضم إلى الشرك أعمالا سيئة فكانت توبته، أن يؤمن ويعمل في إيمانه الأعمال الصالحة، فيحبط الإيمان كفره ويحبط إصلاحه في الإيمان إفساد الذي كان في الكفر. ومثل هذا جاء حديث عن رسول الله ﷺ، وقد أثبتناه في أول الكتاب- وبالله التوفيق- وإن جعلوا دلالتهم على صحة تأويلهم، قول الله ﷿: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها﴾، قيل لهم: جاء الحديث عن رسول الله
تاب- وبالله التوفيق- وإن جعلوا دلالتهم على صحة تأويلهم، قول الله ﷿: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها﴾، قيل لهم: جاء الحديث عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ذلك جزاؤه أن جازاه"، وكذلك يقول ويذهب إلا أن لا يجازيه لأنه من حكمه أن يغفر ما دون ذلك لمن يشاء والقتل دون الشرك فثبت أنه قد يغفره لمن يشاء. وأيضا فإنه لم يقل: فجزاؤه جهنم إلا أن يتوب، ولكن حمل المطلق منهما على أنه الاستثناء التي كان تأويلها عندهم إنها في صاحب الكبيرة، كافرا كان أو غير كافر، فلا يدفعونها عن أن تحملها على الآية التي فيها وعد المغفرة، فيقول: "ذلك جزاؤه" لولا أن الله تعالى وعد أن يغفر ما دون ذلك لمن يشاء أن يغفر أصلا، فلا يأخذ فاعله به. وإذا كان كذلك، علمنا أنه إذا أخذه به لم يخلده النار لأنه لا قائل يقول: إن من القائلين من يعفو عنه، وإن لم يكن قدم توبة فلا يعاقب أصلا ومنهم من يخلد في النار. فإن قيل: انفصلوا عمن قلت هذا عليكم، فنقول: قد ثبت بقوله تعالى: ﴿ويغفر لمن دون ذلك لمن يشاء﴾ لبعض أصحاب الكبائر، فيجريه مجرى الشك، لأنه قد حكم تائبا ما عدا الشرك، وإذا كان دونه كانت عقوبته دون عقوبته، فصح أن القلب الذي ادعوه، لا يتوجه لهم وبالله التوفيق. فإن قيل: قالوا عقوبته دون عقوبة الشرك في الخفة والغلظ لا في طول المدة وقصرها. قيل لهم: انفصلوا فيمن قال هو في الطول والقصر لا في الخفة والغلظ، وإذا لم يكن أحد هذين القولين أولى من الآخر ولم يكن بينهما تنافي وجب أ، يجمع بينهما فيقال: عقوبة بما دون الشرك دون عقوبة الشرك في الخفة وقصر المدة وبالله التوفيق. وجواب آخر: وهو أن هذا تخصيص الآية بلا دليل، لأن قوله ﷿: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فيه تخصيص كبيره من صغيره ولا دليل يوجب هذا التخصيص فوجب أن يضم هذا في الوعد إلى التوبة فيكون كأنه قال: ﴿من تاب أو شاء الله أن يغفر له﴾. فإن قيل: أفتقولون أن من أصحاب الكبائر من لا يشاء الله أن يغفر له فيخلده النار. قيل: يقول: إن منهم من لا يشاء الله أن يغفر له، ولا يقول: أن منهم من إذا لم يغفر له
ولون أن من أصحاب الكبائر من لا يشاء الله أن يغفر له فيخلده النار. قيل: يقول: إن منهم من لا يشاء الله أن يغفر له، ولا يقول: أن منهم من إذا لم يغفر له
خلده النار، لأن الله ﷿ قد أخبر: أن ما عدا الشرك فهو دون الشرك. وقد علمنا أن في عدله لا يسوى بين جزاء من خف ذنبه وجزاء من عظم ذنبه، كما لا يسوي بين المحسن والمسيء، فدل ذلك على أن جزاء المشرك إذا كان التخليد كان جزاء من قصر دينه عن ذنبه مقاما دون ذلك والله أعلم. وجواب آخر: عن كلامهم في أنه المغفرة، وهو أن يقول: إن كان لا يستثني من الوعيد إلا التائب، فما بال الصغائر تصير مكفرة مغفورة لا حساب الكبائر؟ لم لا جاز أن يغفر الكبائر لاجتناب الكفر؟ فإن قيل: صاحب الصغائر أصلا وصاحب الكبيرة إذا وافى القيامة بلا كفر واخاها، وكبرته مستحقا لأن يعذب عليها. فكيف يستويان؟ قيل له: إن مغفرة الصغائر لمجتنب الكبائر بفضل من الله ﷻ عليه، ومن تفضل الله عليه بشيء لم يجب أن يتفضل، فدل ذلك على أن الله تعالى إذا كان يتفضل على مجتنب الكبائر بالصفح عن صغائره جاز، ولم يمتنع أن يتفضل على مجتنب الكبائر بالعفو عن كبائره، وإن كان ذك غير واجب والله أعلم. وإن أصبحوا بصحة جمعهم بين الآيتين بقول الله ﷿: ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا، إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا﴾، وقالوا: لما وعد الجنة من باب علمنا إن المصر لا حظ له في الجنة. وقيل: ومعناه إلا من تاب أو شاء الله تعالى أن يجعل أخذ ما تيسير باجتنابه الكفر غفران خطاياه، ووضعها عنه، أو يشفع النبي ﷺ أو كثرت نوافله وخيراته. فأراد الله تعالى أن ينبه منها العفو من كبائره فإن كان مما دلت الدلائل على جواز أن تقابله مغفرة الكبائر من هذه الوجوه يصير كالمقرون بالتوبة نصا، إلا أن يرى الدليل لما دل على أن اجتناب الكبائر يجوز أن يكون سببا لمغفرة الصغائر. كأن اجتناب الكبائر من يرتكب الصغائر كالتوبة من مرتكب الكبائر. وكذلك الوجوه التي ذكرتها هي لمرتب الكبائر كالتوبة، ولا فضل وإن احتجوا بقول الله ﷿: ﴿فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى،
ويقولون: سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه، ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق﴾، وقالوا: في هذه الآية دليل على أن قولهم المصر على الكبيرة ستغفر في قول غير حق. قيل لهم: إن هذه الآية في اليهود، والذين وصفهم الله تعالى في أكل أموال الناس بالباطل في آية، وأكلهم السحت، في آية أخرى، وتخويفهم كتاب الله، وقولهم مع ذلك ﴿لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾، ودعواهم إنهم أبناء الله وأحباؤه، أي أنه متجاوز عنهم حيالهم كما يتجاوز الناس عمن يحبونه، ما لا يتجاوزنه عن غيره. فأخبر الله ﷿ أن قولهم سيغفر لنا قول غير حق، لأن من حكم الله تعالى أن لا يغفر للكفار وهم كفار، وإن احتجوا بقول الله جل ثناؤه، ﴿إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم، يصلونها يوم الدين، وما هم عنها بغائبين﴾. قيل لهم: إن اله تعالى قابل الفجار بالمتقين في غير هذه الآية فقال: ﴿أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار﴾، فولت هذه المقابلة على أن الفاجر خلاف المتقي. ومعلوم أن رأس التقوى هو الإيمان فلا يقال لغير المؤمن تقي. فدل ذلك على أن رأس الفجور المقابل للتقوى هو الكفر، وقابل في هذه الآية: الفجار بالأبرار، ورأس البر الإيمان. قال ﷿: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر﴾، فعلمنا أن رأس الفجور هو الكفر، وإن الفجار المقابلين بالأبرار وبالمتقين هم الكفار، ولسنا ننكر أن يكون الكفار مرادين بالآية. وجواب آخر: وهو إن ثبت أن المراد بالفجار أصحاب الكبائر من أهل القبلة، فلسنا ننكر أن يصلوا يوم القيامة النار، ولكن قوله ﷿: ﴿وما هم عنها بغائبين﴾، عن حضرتها فلا يمكن أن يصلوها لكنهم لابد مارون عليها مشاهدوها، والآخر إنهم إذا دخلوها لم يخرجوا منها، فوجب صرفه إلى الوجه الأول للمعاني التي سبق تكريرها.
ضرتها فلا يمكن أن يصلوها لكنهم لابد مارون عليها مشاهدوها، والآخر إنهم إذا دخلوها لم يخرجوا منها، فوجب صرفه إلى الوجه الأول للمعاني التي سبق تكريرها.
وجواب ثالث: وهو أن الله ﷿ إنما نفى الغيبة عن الجحيم بعد صلتها عن الفجار أجمعين، ولذلك يقول: لا تغيبون عنها حتى لا يبقى فيها أحد منهم، وأما بعضهم فيدعون أن تغيب عنها، وإذا احتملت الآية ذلك، وجب تنزيلها عليه لما سبق ذكره. فإن قيل: على الجواب الأول: روينا عن النبي ﷺ أنه قال: (إلا أن الصدق يدعو إلى البر، والبر يدعو إلى الجنة، والكذب يدعو إلى الفجور، والفجور في النار)، وإنما أراد بذلك أن التوحيد الذي هو صدق يدعو إلى تحقيق ما صدر منه عن اللسان بالأفعال التي كلها بر، ويوجب لصالحها الجنة، والكفر الذي هو كذب، ويدعو إلى موافقة ما نهى الله عنه أو ذلك فجور يوجب لصاحبها النار. فثبت أن الفجور اسم الإفساد في العمل. فالجواب: إن الصدق نفسه بر، يقال: في يمينه إذا صدقها، وفجور في يمينه إذا كذبها، واليمين الفاجرة هي الكاذبة، وكان معنى الحديث: (إن الصدق هو يدعو إلى ما يكون برا مثله، والكفر الذي هو فجور يدعو إلى ما يكون فجورا مثله) وذلك ما لا ينكر والله أعلم. والذي يخالفوننا في هذا، لهم أصول عليها، بنوا قولهم في التخليد إحداهما أن قالوا: إن الوعد كالوعيد، فلما كان أحد الذين وعد الله تعالى الجنة لا يجوز أن يدخلها لأن ذلك إذا كان أخلف بوعد فصار كذبا، والكذب ينفي عن الله، فكذلك أحد الذين أوعدهم الله تعالى النار لا يجوز أن يدخلها لأن (الله) لا يخلف وعيده فيصير كذبا. وهو جل ثناؤه وقد أوعد من غير التائبين النار، فلا بد لهم من أن يدخلوها. والثاني: قولهم: أن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن وإنما هو فاسق، والفسق منزلة بين الإيمان والكفر، والجنة دار المؤمنين فمن لم يكن مؤمنا فلا حظ له فيها. والثالث أنهم يقولون لا يجوز أن يشفع النبي ﷺ لأصحاب الكبائر من وجوه أحدها أن الله تعالى مدح الملائكة ﴿لا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون﴾، دل ذلك على أن الشفاعة لأصحاب الكبائر مخالفة لخشية الله تعالى فلا يجوز وجودها من النبي ﷺ.
مدح الملائكة ﴿لا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون﴾، دل ذلك على أن الشفاعة لأصحاب الكبائر مخالفة لخشية الله تعالى فلا يجوز وجودها من النبي ﷺ.
ووجه آخر: وهو أن الله ﷿ وصف يوم الدين بأنه ﴿يوم لا تملك نفس لنفس شيئا﴾ ولو جازت الشفاعة لأصحاب الكبائر ونفعت لكان قد ملكت فيه نفس لنفس أعظم الأشياء وهو الخلاص من النار وذلك خلاف ما وصف الله تعالى به ذلك اليوم. ووجه آخر: لما نزل قول الله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾، قال رسول الله ﷺ (يا بني عبد مناف اشتروا أنفسكم من الله فإني لا أغني عنكم من الله شيئا)، خص عين واحد منهم بمثل ذلك، حتى قال: (يا فاطمة بنت محمد، اشتري نفسك من الله، فإني لا أغني عنك من الله شيئا). فدل ذلك على أن الشفاعة يوم الدين لا تقع لأصحاب الكبائر لما جاز أن يخبر بها أمته، ولكان إخفاء خبرها عنهم أولى من إخفاء ليلة القدر لئلا يتكلون، لأن في علمهم ذلك تجزئة الشقاق، وحملانهم على أن يغرموا بضروب الفسق وينهمكوا فيها، متكلين على الشفاعة. وفي ذلك بطلان حكم الله تعالى في الوعيد، وتنزيل النبي ﷺ منزلة من يقول: إن الله تعالى يوعدكم بالنار، ولكن لا يأمن عليكم فإني أشفع لكم، وهذا غير جائز على أن يخرجه وينقصه. والدليل على ذلك أنه إذا ثبت لم يحتج أن تجريد الإقرار، فلو كان خارجا من الإيمان لم يعد إليه بعقد جديد. وفي اجتماع الأمة على أنه محتاج في ثبوت الإيمان له إلى عقد جديد، وما دل على أنه خارج من الإيمان. ووجه آخر: وهو أن إجماعهم على أنه لا يكفي، والله ﷿ يقول: ﴿هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن. فقسم هذي القسمين. فلما لم يكن صاحب الكبيرة كافر أظهر أنه مؤمن. ووجه ثالث: وهو أن إيمانه أكبر طاعته، وكل ذنب طول الكفر، فليس بأكبر معاصيه، فلم يجز أن يحبط الأصغر الأكبر، كما لا يجوز أن يقال: الصغائر تحيط الإيمان، أو ما يتفرع عنه من فرائض الطاعات.
ووجه رابع: وهو أن المعاصي دون الكفر. لا يوجد من مسلم على سبيل مضادة الإيمان، لأن المسلم لا يريد بها الخلاف والعباد، وخلع رباق الطاعة من عنقه، وإنما يتبع الهدى ويريد قضاء شهوته، فهي إذا توجد منه مضادة لما كان علي مكانها، ولا توجد مضادة لأجل الإيمان، فلم يجز ارتفاعه بها كالصغائر، وأما معاصي الكافر فإنها توجد منه مضادة الإيمان لأن الكفر هو الذي يحرك عليها، ألا ترى أنه لا يعتقد فيها أنها معاصي، وإن الله تعالى وصفها فكانت كمحسنات المؤمن التي تكون إيمانا. لأن أصل الإيمان هو الذي يحرك عليها، ألا ترى أنه يقطعها على أنها طاعات تقربه من الله تعالى. فأما معاصي المسلم، فإن هواه يحركه عليها لا الكفر، فكانت كبائره من هذا الوجه كصغائره، ولم يجز أن يرتفع بها الإيمان وبالله التوفيق. وتدل على هذا حسنات الكافر لا تخرجه من الكفر، لأن الإيمان ليس هو يحركه عليها لأن التكريم وطلب الذكر وشبه ذلك ممالا يرجع في الحملة إلى المدين، فكذلك سيئات المؤمن لا تخرجه من الإيمان، لأن الكفر ليس هو المحرك لها عليها، لكن الهوى والشهوة، وبالله التوفيق. وأما الجواب عن تشبيه الوعيد بالوعد، فهو أن العفو عن صاحب الكبيرة لا يوقع حفلا في الوعيد، لأن الله ﷿ إذا قال: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، فما أخذه بوعيد مع هذا إلا ويصير ذلك الوعيد مقرونا بشرط المشبه، فيكون قوله ﷿: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها، وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما﴾، فإنه قرن به الاستثناء. فقيل: إلا أن يكون ممن سبقت له مشيئة الله تعالى بأنه يدخله الجنة، أو إلا أن يشفع له رسول الله ﷺ، أو يكون المعنى هذا جزاؤه، ولكنه قد لا يجزيه بل يعفو، فمن عفا عنه لم يلحق خبره من ذلك خلف والله أعلم. وجواب آخر: هو أن خطاب الله ﵎ في القرآن عباده عما وقع بلغة العرب لأن الرسول ﷺ كان منهم ومن ظهرانيهم فلذلك خابطهم بحسب عاداتهم عن حكم العادة فيما تتفق فيه عاداتهم، وعادة غيرهم.
﵎ في القرآن عباده عما وقع بلغة العرب لأن الرسول ﷺ كان منهم ومن ظهرانيهم فلذلك خابطهم بحسب عاداتهم عن حكم العادة فيما تتفق فيه عاداتهم، وعادة غيرهم.
ومعلوم من عادات الناس أجمعين أن وعيدهم يكون باتا ووعيدهم معلقا، فمن قال عنهم لغيره: لأعطينك كذا، لم يقله على خيار، ومن قال: لاضربنك قاله على خيار. وذلك لأنهم يعلمون أن الإحسان والعفو أولى بالمدح من العقاب والمؤاخذة، فإن العقاب ينزع إلى استيفاء الحق والعفو ينزع إلى التصديق بالحق. ولا يخفى بعد ما بين الأمرين. وتفاوت ما بين الفعلين. فمن وعد آخر خيرا فمنحه كان تاركا للفضل إلى ما لا فضل منه. ومن يرعد آخر بشر فلم يفعله، كان تاركا لما لا فضل فيه إلى ما هو الفضل. وإذا كان كذلك صح أن الوعد يصدر من صاحبه باتا، لأنه يريد الإحسان الذي هو سبب المدح والثناء عليه في الدنيا وسبب المثوبة في الآخرة، فلا يليق الخيار بكلامه الذي كان لهم في تخاطبهم. وإذا كان خطابه لهم فيما تختلف فيه عادتهم وعادة غيرهم بحسن عادتهم وإن الوعيد يصدر معلقا، لأن الوعد قد يرى أن يدع غير الفض إلى الفضل، فلا يليق مع هذا بوعيده الثبات، بل يكون المعلق أولى به، فيكون عند قوله: لأفعلن بك كذا وكذا، كأنه يصر على الاستثناء فوصله به. وقال: إلا أن يشفع شافع، أو إن شئت. وإذا كان هذا عادة الناس في وعدهم ووعيدهم، وجب أن يكونوا من الله تعالى محمولين على قبضته، العادة المعروفة التي نزل القرآن بها بين ظهرانيهم، ووقع الخطاب به لهم، فيصير الوعد كأنه نص على بته، والوعيد كأنه نص على تعلقيه، فلا ينقلب الوعيد بالعفو كذبا وبالله التوفيق. فإن قيل: لو كان هذا هكذا، لوجب أن أحلف الرجل: ليضربن عبده اليوم مائة، ثم عفا عنه ولم يضربه حتى انقضى اليوم، أن لا يجيب، لأنه لو صرح فقال: لأضربنه اليوم إلا إن شاء العفو عنه فعفا عنه ولم يضربه حتى انقضى اليوم ولم يحنث، قيل: إنما حنث لأن كلامه يحمل على التعليق الذي ذكرنا إذا صدر منه مطلقا، فلم يظهر لنا أنه أراد خلاف ما هو العادة في مثله.
ربه حتى انقضى اليوم ولم يحنث، قيل: إنما حنث لأن كلامه يحمل على التعليق الذي ذكرنا إذا صدر منه مطلقا، فلم يظهر لنا أنه أراد خلاف ما هو العادة في مثله. وأما إذا أكد وعيده باليمين التي يراد بها في العادات أيضا تأكيدا للأمر المحلوف عليه، والاحتراز من وقوع الحلف منه كان البت أغلب عليه وأولى بظاهره من التعليق وصار
الحالف لذلك كأنه قال:"لأضربنك اليوم شئت أو كرهت "شفع شافع أو لم يشفع. ولو قال ذلك فانقضى الوقت ولم يضربه يحنث. وكذلك إذا أكد قوله باليمين، ثم خالف ما قال حنث والله أعلم. وأما الجواب: عما قالوه في الشفاعة، فهو أنه قد جاء عن بينا ﷺ أنه قال: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي". وأنه ﷺ قال: "لكل نبي دعوة مستجابة، وإني خبأت دعوتي لأمتي يوم القيامة". ووردت الأخبار المتواترة فلا عذر في ردها والذهاب عنها. وأما قول الله ﷿ ولا تشفعون إلا لمن ارتضى أن تشفعوا له، كما قال: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ ولا يحتمل أنه غير ذلك. لأن المرتضين عند الله لا يحتاجون إلى شفاعة ملك ولا نبي. فصح أن المعنى ما قلنا، ولا يجوز أن يقال: إن الله ﷿ لا يرتضي أن يشفع لصاحب الكبيرة لأن المذنب هو الذي يحتاج إلى الشفاعة، حائلا بينه وبين الشفاعة. فإن قيل: ما جزاء الشفاعة للكافر؟ قيل: امتناع الشفاعة للكافر لأن ذنبه كبير، تعالى الباري المشفوع إليه جل ثناؤه، أو الرسول الشافع صلوات الله عليه، أو لأن الله ﷿ أخبر أنه لا يشفع فيه أحد، فهذه المعاني كلها معدومة في صاحب الكبيرة من أهل القبلة، فجاز أن يشفع له عند النبي ﷺ، وليس ذبك بمخالف خشية الله ﷿ لأن الشفاعة لا تكون إلا بعد الإذن من الله تعالى فيها. وإذا جاء الاستئذان والتوقيف إلى أن يكون الإذن، فقد وفيت الخشية حقها والله أعلم. وأما قول الله ﷿: ﴿يوم لا تملك نفس لنفس شيئا﴾. فإنه لا يدفع الشفاعة لأن المراد بالملك، الدفع بالقوة، كما يكون في الدنيا أن يدفع الناس بعضهم عن بعض وعن أنفسهم بالقوة، ولا يكون ذلك يوم الدين. والشفاعة ليست من هذا الباب
لأن ذلك من ذي الشفاعة للمشفوع عنده، وإقامة الشفيع بذلك من المشفوع له، فلا يوم أليق به وأشبه بأحواله من بيوم الدين. فأما قول النبي ﷺ: "يا بني عبد مناف اشتروا أنفسكم من الله، فإني لا أغني عنكم من الله شيئا". فقد يخرج على أن يكون نهاهم عن التقصير في حقوق الله اتكالا على أنهم عترة رسول الله ﷺ، ولعلهم لا يسألون عما يعملون لأجله. فأخبرهم أن أفضالهم به لا يسقط عليهم تقلب أعمالهم، وإنهم مسئولون ومحاسبون كغيرهم، وأمرهم بعد ذلك إلى الله تعالى إن شاء عذبهم وإن شاء عفا عنهم، ولم يرد به أن لا يشفع لهم، وليست الشفاعة أغنى عنهم من الله شيئا، لأن الشفاعة فيما بينا ليس بمرحبة، فكيف يتوهم أن تكون الشفاعة عند الله تعالى مرحبة وبالله التوفيق. وأما قولهم أن الشفاعة ولكنات واقعة لأصحاب الكبائر فيه لما جاز أن يخبر بها لما في ذلك من تجربة الخاطئين في خطاياهم. فجوابه: أنه ليس في إخبارهم بذلك إلا ما في أخبارهم بأن من قضى شهواته كلها دهرا طويلا ثم تاب إلى الله تعالى توبة صحيحة، صحت بتلك الميزة عنه في تلك الساعة جميع الأوزار، وصار كيوم ولدته أمه. فإن كان هذا جائزا، والأخبار به جائزا مثله، فلم لا جاز أن تكون الشفاعة والأخبار بها جائزين؟. فإن قال: لا تجزئه في منزل التوبة وإحباط الخطايا، لأن الخاطئ لا يعلم من نفسه أن التوبة تنفعه له أو لا تنفعه: فيل له: والخاطئ لا يعلم أن الشفاعة تناله أو لا تناله. فإن الخاطئين كلهم لا يسلمون من النار إنما يسلم منها بعضهم وبالله التوفيق. فإن قال قائل: الشفاعة حق، ولكنكم تضعونها في غير موضعها، وإنما هي لصاحب الكبيرة، والمنهك في الخطيئة إذا مات، قم أخبرهم، من قريب توفي في القيامة، وليس وراء الإيمان عمل صالح فيشفع النبي ﷺ له إلى الله تعالى ليحسن إليه منتدبا أن كان لا يستحق أن يحسن إليه جازيا ومشيئا. فالجواب: أن قول النبي ﷺ: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي". تأبى هذا
بي ﷺ له إلى الله تعالى ليحسن إليه منتدبا أن كان لا يستحق أن يحسن إليه جازيا ومشيئا. فالجواب: أن قول النبي ﷺ: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي". تأبى هذا
التأويل، لأن فيه أن المشفوع له يكون أهل الكبيرة حتى يشفع له، والتائب في الدنيا لا يوافي القيامة بكبيرته، فلا تكون الشفاعة كما ذكرت شفاعة لصاحب كبيرة لأنه لا كبيرة له يحاسب بها يوم القيامة. وأيضا فإن الروايات قد نطقت بإبطال هذا التأويل لأن ابن عباس قال: قيل لرسول الله ﷺ: شفاعتكم للمتقين! فقال: إن المتقين في غناء، إن الله ﷿ يقول ﴿إن للمتقين مفازا﴾، إنما شفاعتي للهلاك من أمتي. ومعلوم أن التائب لا يكون هالكا، فصح أن المراد به المضر على الكبيرة والله أعلم. وأيضا فإن التائب إذا دخل الحنة أثبت بالإيمان، فلو جاز أن يشفع لكل مقصر به عن غيره ليبلغ درجة من فوقه إلى أن يستوي أهل الجنة كلهم في نعيمها، ويزول التفاضل من بينهم. ومعلوم أن ذلك لا يكون، فالذي قاله مثله وبالله التوفيق. وأيضا فإن الذي في العادات، إن الشفاعة لمن عظم ذنبه بعد ما عفي عنه ليخلو بمن لا ذنب له إحسانا إليه أعظم من الشفاعة له ليعفي عنه. فإن كانت أعظم الشفاعتين جائزة، فلم لا تجوز دونها؟ وبالله التوفيق. وإذا بطلت هذه العلل كلها صح أن يخلو أصحاب الكبائر من أهل القبلة في النار، وكان مما بيناه أنهم مؤمنون بما يوجب أن يكون لهم في الجنة نصيب، وأن وافوا القيامة غير تائبين، لأن الله ﷿ في قضائه، فلا يجوز أن يستوفي بتعذيب صاحب الكبيرة حقه ولا يوفيهم من عذاب الإيمان حقه. وإذا كان ذلك غير جائز، وكان من أدخل الجنة للثواب لا يخرج منها أبدا، دل على أنه إذا عذب لم يعذب دائما، ولكن إلى وقت، ثم يخرج إلى الجنة، وبالله التوفيق. فإن قيل: الدار داران: الجنة والنار، وقد أجمعنا على أن من أدخل الجنة للثواب لم يخرج منها، ومن يدخل النار ولم يكن كافرا لم يخرج منها أيضا، كما لا يخرج المؤمن من الجنة، وإن كان غير كافر لم يجز أن يخلد فيها، لأن ذلك يؤدي إلى حرمانه أجر الإيمان، وذلك غير جائز، وبالله التوفيق. قال قائل: ما أنكرتم أن يكون جزاء إيمانه تخفيف العذاب عنه في النار، فقال:
د فيها، لأن ذلك يؤدي إلى حرمانه أجر الإيمان، وذلك غير جائز، وبالله التوفيق. قال قائل: ما أنكرتم أن يكون جزاء إيمانه تخفيف العذاب عنه في النار، فقال:
بما يفضل ممن قال: لا يدخل النار أصلا بل يدخل الجنة ويجعل جزاؤه بكباره حطة عن بعض الدرجات، وحرمانه بعض ما نواه، لو كان في إيمانه مجانبا للكبائر، فإن كنت لا تجيز هذا، فالذي قبله مثله فلا يجزه وبالله التوفيق. فصل إن قال قائل: أخبر الله تعالى عن الناس أنهم محاسبون مجزون. وأخبر أنه يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، ولم يخبر عن ثواب الجن ولا عن حسابهم، فما القول في ذلك عندكم؟. فالجواب: أنه قد قيل: إن الله تعالى لما أن قال: ﴿إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا﴾. وقال ﷿: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون﴾ دخل في الجملة الجن والإنس، فثبت للجن من وعد الجنة بعموم الآية، ما ثبت للإنس. فإن قال قائل: فما الحكمة في إفراد الجن عن الإنس في الوعيد، وترك أفرادهم عنهم في الوعيد؟ فقيل في جواب ذلك: أنهم قد ذكروا في الوعد لأن الله ﷿ يقول: ﴿أولئك الذين حق عليم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين﴾. ثم قال: ﴿ولكل درجات بما عملوا﴾، وإنما أراد ولكل من الجن والإنس، فقد صاروا مذكورين في الوعد مع الأنس كما ذكروا في الوعيد. فإن قيل: أليس قد ذكر يخاطب الجن في النار، ولم يذكر يخاطب الفريقين في الجنة لأن الله ﷿ قال: ﴿وقال الشيطان لما قضي الأمر أن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم، وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم﴾. وقال: ﴿قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد﴾. ولم يأت عن تعارض الفريقين في الجنة خبر.
قيل: إنما ذكر في معارضهم في النار أن الواحد من الأنس يقول للشيطان الذي كان في الدنيا قرينه أنه المغاوي وأضلني. فيقول له قرينه: ما أطغيته، ولكن كان ضالا في نفسه غويا، وهذا تخاصم يدعو إليه طاعة الإنس لقرنائهم من الجن وهم الشياطين في الدنيا، ولا سبب بين الفريقين يدعو أهل الجنة منها إلى التفاوض، فلذلك سلب عنهما. وأيضا فإن الله جل ثناؤه، أخبر الناس إن عصاتهم يكونون قرناء الشياطين يخاصمون في النار ليزجرهم بذلك عن التمرد والعصيان. وليس في إجبار الأخيار باجتماع الجن معهم في الجنة ما يحرضهم على الازدياد من الطاعات ولاستكثار من الخيرات، إذ لا معنى فيهم يسوق الإنس إليهم ويحثهم على مجاورتهم. فيحتمل أن يكون ذكرهم مع الإنس في الوعيد، والسكت عن ذلك في الوعد لهذا، والله أعلم. ووجه آخر: وهو أن السكت عن ذكر الجن وإدخالهم الجنة يحتمل، لأنهم لا يخالطون الإنس فيها، ولا يجاورنهم مجارة الإنس بعضهم بعضا، ولكنهم مع الإنس في الجنة كما يكونون معم في الأرض، لا يرى هذا ذاك، ولا ذاك هذا ولعل ذلك لا يجاوز الأشكال أنس ويجاوز الأضداد وحشة، والجن أضداد الإنس. فإن الجن مخلوقون من النار، والإنس مخلوقون من الماء والتراب. والماء ضد النار، وفي التراب أيضا بعض المضاد لأنه يطفئ النار كما تطفئها الماء. فالتضاد بين الفريقين في أصل الجملة، ولأن الجن في الدنيا إنما كانوا يعيشون بروائح الأطعمة دون أجسادها، فلذلك في الجنة يتنعمون بنسيم الجنة وطيب روائحها، وروائح الأطعمة والأشربة التي تكون فيها، فتكفيهم من المكان في الجنة مثل ما كان يكفيهم منه في الدنيا، فيكونون لاختبائهم عن الأبصار كالمعدومين، فتشبه أن يكون أفرادهم بالذكر بما لم يقع لهذين المعننين أو لأحدهما والله أعلم. فأما الذين يوردون النار من الجن، قد يجوز أن يكونوا أيضا غير مرئيين للأنس، ولا تطهر لهم فيرونهم، ﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم، يلقون السمع وأكثرهم كاذبون﴾. فكذلك أهل النار من الفريقين، وإن تخاصموا فذلك لا يقتضي أن يرى بعضهم بعضا، والله أعلم.
الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم، يلقون السمع وأكثرهم كاذبون﴾. فكذلك أهل النار من الفريقين، وإن تخاصموا فذلك لا يقتضي أن يرى بعضهم بعضا، والله أعلم.
وأما المحاسبة فإن الله جل ثناؤه قد أخبر أن في الجنة يسألون، لأنه تعالى قال جزاءا عما يقال لهم يوم القيامة يا معشر الجن والإنس: ﴿ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا؟ قالوا: بلى﴾. وهذا سؤال، وإذا ثبت بعض السؤال ثبت كله، والله أعلم. فصل فإن سأل سائل عن الملائكة، هل تكتب أعمالهم يحاسبون ويثابون؟. قيل له: أما كتبة أعمالهم فما يشبه أن تكون؟ لأن الملائكة هم الذين يكتبون أعمال الناس، ولو كتبت أعمال الملائكة لاحتاج كل ملك إلى كاتب أو اثنين، وذلك الكاتب إلى مثل ذلك إلى ما لا يتناهى. والقول بذلك فاسد. والمحاسبة أيضا لا معنى لها، لأنهم لا يخلطون الحسنات بالسيئات، وما أكثر من لا يحاسب من بني آدم، فلا تكون الملائكة أولى ولا أدى منزلة منهم. وأما الإثابة فقد قيل: يرفع التكليف عنهم فيتنعمون بالراحة ويتلذذون بالخفض والدعة، وليسوا من أهل المطاعم والمشارب فيوردون موارد بني آدم من الجنة، ويحتمل أن يكون قد أوضع التكليف غيرهم نعمة أعدها الله لهم ولا تبلغها أفهامنا وعقولنا، فإنه تعالى يقول: (أعددت لبعادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر). وإذا جاز أن يعيد للناس مثل هذا الثواب المغيب، فأولى أن يكون ذلك للملائكة والله أعلم. فصل إن سأل سائل: عن قول الله ﷿: ﴿ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من نهار يتعارفون بينهم﴾ فقال: التعارف بينهم يكون بالكلام. وقد قال الله عز وجل
م. فصل إن سأل سائل: عن قول الله ﷿: ﴿ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من نهار يتعارفون بينهم﴾ فقال: التعارف بينهم يكون بالكلام. وقد قال الله عز وجل
في آية أخرى: ﴿ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما﴾ وفي آية ثالثة أنهم يقولون ﴿من بعثنا من مرقدنا هذا﴾. وهذا كلام وهو مضاد إليكم. والتعارف تخاطب وهو مضاد للصم والبكم معا. وقال ﷿ ﴿وقفوهم أنهم مسئولون﴾. وقال جل ثناؤه: ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾. والسؤال لا يكون إلا بالسمع والناطق يتسمع للجواب. وقال. ﴿ونحشر المجرمين يومئذ زرقا، يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا﴾ وهذا كلام، والأبكم لا يستمع له. وقال في آية أخرى: ﴿فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون﴾ وفي آية أخرى: ﴿يوم يخرجون من الأجداث سراعا، كأنهم إلى نصب يوفضون﴾. والنسلان والإسراع مخالفان للخبر على الوجوه فما وجوه هذه الآيات عندكم؟ فالجواب- وبالله التوفيق-: إن الناس إذا أحيوا وبعثوا من قبورهم، فليست حالهم واحدة، ولا موقفهم ومقامهم واحد ولكن لهم مواقف وأحوالا. واختلف في الأخبار عنهم لاختلاف مرافعهم وأحوالهم. وجملة ذلك أنها خمسة أحوال: أولها حال البعث من القبور، والثانية حال السوق إلى الحساب، والثالثة حال المحاسبة، والرابعة حال السوق إلى دار الجزاء، والخامسة حال السوق إلى مقامهم في الدار التي يصارون إليها. فأما الحالة الأولى: وهي حال البعث من القبور، فإن الكفار يكونون فيها كاملي الحواس والجوارح لقول الله ﷿: ﴿يتعارفون بينهم﴾ وقوله: ﴿يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا﴾ أو قوله: ﴿كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم. فاسأل العادين، قال: إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون، أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾.
والحالة الثانية. حال السوق إلى موضع الحساب، وفي هذه الحال أيضا أبحواس تامة يقول الله ﷿: ﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فأهدوهم إلى صراط الجحيم، وقفوهم إنهم مسئولون﴾. ومعنى فأهدوهم دلوهم عليه، ولا دلالة للأعمى الأصم، ولا سؤال الأبكم، فثبت أنهم يكونون بأسماع وأبعاد وألسن ناطقة. وأما الحالة الثالثة: وهي حالة المحاسبة فإنهم يكونون فيها أيضا كاملي الحواس ليسمعوا ما يقال لهم، ويقرأوا كتبهم الناطقة بأعمالهم، وتشهد عليهم جوارحهم بسيئاتهم، فيسمعوها، وقد أخبر الله ﷿ أنهم يقولون: ﴿مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها﴾، وإنهم يقولون لجلودهم لم شهدتم علينا وليشاهدوا أهوال القيامة وما كانوا مكذبين في الدنيا به من شدتها، ويصرف الأحوال بالناس فيها. وأما الرابعة: وهي السوق إلى جهنم، فإنهم يسلبون فيها أسماعهم وأبصارهم وألسنتهم وعلى ذلك يوردون جهنم، لقوله ﷿: ﴿ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما، مأواهم جهنم﴾ ويحتمل أن يكون قوله ﷿: ﴿يعرف المجرمون بسيماهم﴾. فيؤخذ بالنواصي والأقدام، إشارة إلى ما يشرعون به من سلب الأسماع والأبصار والنطق. والحالة الخامسة: حال الإقامة في النار، وهذه الحالة تنقسم إلى بدء ومآل. قيدوها أنهم إذا قطعوا المسافة بين موقف الحساب وشفير جهنم عميا وبكما وصما بإذلالهم وبشيرا عن غيرهم ردت الحواس إليهم ليشاهدوا النار وما أعد لهم فيها من العذاب، ويعاينوا ملائكة العذاب، كل ذلك مما كانوا مكذبين به، فيستقرون في النار ناطقين سامعين مبصرين. ولهذا قال الله ﷿ ﴿وتراهم يعرضون علها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي﴾. وقال ﷿: ﴿ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا: يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين﴾.
راهم يعرضون علها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي﴾. وقال ﷿: ﴿ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا: يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين﴾.
وقال ﷿ ﴿كلما دخلت أمة لعنت أختها، حتى إذا أدركوا فيها جميعا، قالت أخراهم لأولادهم﴾. وقال ﷿: ﴿كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهم ألم يأتكم نذير؟ قالوا: بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء﴾. فأخبر الله ﷿: أنهم ينادون أهل الجنة فيقولون: ﴿أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله﴾ وإن أهل الجنة ينادونهم ﴿أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا، قالوا، نعم﴾. وإنهم يقولون: ﴿يا مالك! ليقض علينا ربك، قال: إنكم ماكثون﴾. وإنهم يقولون لخزنة جهنم: ﴿ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب﴾، فيقولون لهم: ﴿أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات؟ قالوا: بلى، قالوا فادفعوا، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾. وأما العقبى والمال، فإنهم إذا قالوا، ربنا أخرجنا منها، فإن عدنا فإنا ظالمون. فقال ﷿: ﴿إخسأوا فيها ولا تكلمون﴾. وكتب عليهم الخلود بالمثل الذي يضرب لهم. وهو أن يؤتى بكبش يسمى الوزح، ثم يذبح على الصراط بين الجنة والنار، وينادوا: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت. سلبوا من ذلك الوقت أسماعهم وقد يجوز أن يسلبوا الأبصار والكلام، ولكن سلب السمع بين لأن الله ﷿ يقول: ﴿لهم فيها زفير وهم لا يسعون﴾. وإذا سلبوا الأسماع صاروا إلى الزفير والشهيق، ويحتمل أن تكون الحكمة في سلب الأسماع أنهم إنما أوتوا من قبل أنهم سمعوا نداء الرب ﷿ على السنة رسله فلم يجيبوه بل جحدوه وكذبوا به بعد قيام الحجة عليهم بصحبته، فلما كانت حجة الله تعالى عليهم في الدنيا للأسماع عاقبهم على كفرهم في الأخرى، فسلب الأسماع تبين ذلك أنهم
جحدوه وكذبوا به بعد قيام الحجة عليهم بصحبته، فلما كانت حجة الله تعالى عليهم في الدنيا للأسماع عاقبهم على كفرهم في الأخرى، فسلب الأسماع تبين ذلك أنهم
كانوا يقولون: ﴿وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب﴾. وإن قوم نوح كانوا يستغشون ثيابهم يتستروا منه لئلا يروه ولا يسمعوا كلامه. وقد أخبر الله ﷿ عن الكفار في وقت نبينا ﷺ بمثله فقال: ﴿ألا أنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون﴾، وبالله التوفيق. وإن سلب أبصارهم فلأنهم أبصروا بالعين فلم يعتبروا، أو النطق فلأنهم أوتوه فألحدوا وكفروا والله أعلم. وأما الحشر على الوجوه: فالمراد به حال السوق إلى جهنم، فيجمع عليهم فيها بين الحشر على الوجوه وبين سلب الحواس والمنطق، وقد بين ذلك في آية أخرى فقال: ﴿الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا﴾ فبان الحشر على الوجوه، إنما يكون حال السوق إلى النار. فأما حال البعث: فإنهم يبعثون قياما، لقول الله ﷿: ﴿فإذا هم قيام ينظرون﴾ وأما حال السوق إلى موضع الحساب، فإنهم ينسلون فيها ويسرعون ﴿كأنهم إلى نصب يوفضون﴾. فهذا وجه الجمع بين هذه الآيات عندنا والله أعلم. وقد يحتمل قول الله ﷿: ﴿ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما﴾. على ما ذكرنا في أن هذا يكون في حال سوقهم إلى النار وجها آخر، وهو أن يكون ذلك مثلا مضروبا لهم: وهو أن الله ﷿ وصفهم في هذه الدار بأنهم صم وبكم وعمي، ثم كان معنى ذلك لأنهم صم عما يسمعونه من دعاء الداعي إلى الله ﷿، بكم عن الإجابة عمي عن البينات والحجج. فكذلك وصفهم الله تعالى في الآخرة، عندما يحشر المتقون إلى الرحمن وفدا أو يساق المجرمون إلى جهنم وردا، بأنهم يكونون عميا بكما صما على السنة، وهو أنهم صم عن تحيات الملائكة وبشارتهم، بكم عن المعاذير والحجج، كما قال الله ﷿: ﴿هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ أي لا يكون لهم كلام يجري عليهم فيتكلمون به،
ولا عذر فيؤذن لهم في تركه عمي عن طريق الجنة لأن الله ﷿ قد قال: ﴿فأهدوهم إلى صراط الجحيم، وقفوهم إنهم مسئولون﴾ فهم لا يهتدون إلى غيره. وهذا أيضا كما قال الله ﷿: ﴿لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم﴾ وقال: ﴿لا بشرى يومئذ للمجرمين﴾. فدلت هذه الآيات على أن المراد بهذه الآيات الصم والبكم والعمي في الآخرة ما ذكرنا والله أعلم. وأما قوله الله ﷿: ﴿ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم﴾ فيحتمل أن يكون المراد أنهم من مر الذلة يكونون ناكسي رؤوسهم، لا يبصر أحد منهم إلا موضع قدمه، فهو كذلك كأنه يمشي على وجهه قصد قدميه لا قصد نفسه، وقد وصفهم الله تعالى بذلك فقال: ﴿ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم﴾. فيحتمل أن تكون إشارة إلى حشرهم على وجوههم، لأن وجوههم إذا كانت على الأرض، كانوا ناكسي الرؤوس، ويكون الدليل على هذا ما روى أنس ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله، الكفار يحشرون على وجوههم. قال (أليس الذي امشاه على رجليه في الدنيا قادر أن يمشيه على وجهه يوم القيامة). فهذا الحديث ينبئ أن ذكر الحشر على الوجه تحقيق وليس بمثل للخشوع، وليس ذلك بمستنكر، فإن الله تعالى جعل الجنة التي هي عدو بني آدم يمشي على بطنها، فإن ألحق الكفار والذين هم أعداء المؤمنين في الآخرة بها فجعلهم مشاة على بطونهم ووجوههم لم يبعدوا والله أعلم. فصل إن سأل سائل عن كيفية انتهاء الحياة الأولى وابتداء الحياة الأخرى، وصفة يوم القيامة، وما يكون قبل المحاسبة، قيل له- وبالله التوفيق-:
ا والله أعلم. فصل إن سأل سائل عن كيفية انتهاء الحياة الأولى وابتداء الحياة الأخرى، وصفة يوم القيامة، وما يكون قبل المحاسبة، قيل له- وبالله التوفيق-:
أما انتهاء الحياة الأولى فإن له مقدمات تسمى أشراط الساعة، وهي أعلامها: منها خروج الدجال ونزول عيسى صلوات الله عليه وقتله الدجال، ومنها خروج يأجوج ومأجوج، ومنها خروج دابة الأرض ومنها طلوع الشمس من مغربها، فهذه هي الآيات العظام. وأما ما تقدم هذه من قبض العلم وغلبة الجهل واستعلاء أهله وتتبع الحكم، وظهور المعارف، واستفاضة شرب الخمور، واكتفاء النساء بالنساء والرجال بالرجال، وإطالة البنيان وزخرفة المساجد وإمارة الصبيان، ولعن آخرة الأمة أولها وكثرة الهرج، فإنها أسباب حادثة، ورواية للأخبار المنكرة بها بعدما صار الخبر عيانا، إلا أنها في الجملة أعلام للساعة، وقد مضى من هذا القول في هذا ذكر اليوم الآخر. وأما الدجال فإنه رجل من بني آدم كأعظمهم وأجسرهم، أعور كأن إحدى عينيه عنبة طافية، وقد أنذر النبي ﷺ أمته ووصفه لهم، ولكنه لم يبين لهم وقت ظهوره. وأخبرهم عن تميم الدرامي: أنه رآه في جزيرة في البحر، مغلولة يداه إلى عنقه، مصفدا بالحديد عن ركبتيه إلى عقبيه. وإنه سأل عن النبي ﷺ العربي، وطاعة العرب له. فأخبروه أنه قد خرج وأنه قد أذعنت له العرب وأطاعته، فقال: ذلك خير لهم أن يطيعوه، وأنه قال له فيما قال: يوشك أن أطلق، فلا يبقى بلد وأرض إلا وطئتها ما خلا طلبة. فأخبرهم النبي ﷺ: أنه أراد بذلك المدينة التي سماها طلبة، وأن عليها ملائكة يمنعونها عنها، وأن مكة محرمة عليه، فلا يدخلها، وأنه كان في حديث تميم: أنه في البحر الذي في المغرب، فإنه لا يأتي الناس إلا من قبل المشرق. وأخبرهم أن الناس يقحطون قبل خروجه بثلاث سنين، فتحبس السماء في السنة الأولى ثلث قطرها والأرض ثلث نباتها. وتحبس السماء الثانية ثلثي قطرها والأرض ثلثي نباتها. وتحبس السماء في السنة الثالثة جميع قطرها والأرض جميع نباتها، ثم يكون خروج الدجال. وأخبرهم أن عيسى بن مريم صلوات الله عليه ينزل بيت المقدس وقت صلاة الفجر، والمؤمنون يومئذ قليل، وشيعة الدجال اليهود، فيصل ﵇ ويتوجه نحو الدجال
الدجال. وأخبرهم أن عيسى بن مريم صلوات الله عليه ينزل بيت المقدس وقت صلاة الفجر، والمؤمنون يومئذ قليل، وشيعة الدجال اليهود، فيصل ﵇ ويتوجه نحو الدجال
والمؤمنون معه فينصره الله تعالى عليه، فيقتله ولا يبقى بعده كافرا إلا ويقتل أو يسلم، فيكون الدين كله يومئذ لله تعالى، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويفيض المال في زمانه حتى لا يقبله أحد. وأخبرهم أن الدجال إذا بلغ ظاهر المدينة، رأى بها رجلا من خير الناس. فيقول له أشهد أنك الدجال الذي قد حدثنا رسول الله ﷺ حديثه. فيقول الدجال: أرأيتم لو قتلت هذا ثم أحييته، هل تشكون في الأمر، فيقولون لا: فيقتله ثم يحييه، فيقول له: ما قتل، أشد بصيرة مني اليوم، فيزيد الدجال قتله، فلا يتسلط عليه. ومعنى إحيائه ذلك القتيل أنه يعالج منه أمرا ما فيحييه الله تعالى هو فتنة للناس، كما يحيي الموتى المسيح صلوات الله عليه دلالة للناس على صدقة في دعوته. فيظن بعض من يراه أنه هو المحيي له، وأنه صادق فيما يدعيه من أنه رب الناس والههم. ويتمسك بالحق من يوقفه الله تعالى. فإن قال قائل: إذا كان لا يجوز أن يمد الله تعالى مدعي النبوة باطلا بالمعجزات فمن أين جاز أن يحيي الميت ليدعي الربوبية عند حاجته إلى ذلك. قيل له: هذا لأن مدعي الربوبية غير منفك في نفسه من دلائل الحديث، وإمارات الخلق والصنعة، لأنها به محيطة وعليه بالكذب شاهده، فلا يؤدي إحياء الميت له إلى تبيين حاله، فيمكن أن يكون إلها، لأن من راجع عقله علم انه لا فرق بينه وبين سائر المحدثات من الناس وغيرهم من الشواهد المحدثة عليه. ولم يسأل مع ذلك بأنه ليس بإله، إذ المحدث لا يكون إلها. ولو جاز أن يكون محدث إلها، لجاز أن يكون كل محدث، فتكون الموجودات كلها آلهة وذلك فاسد محال.
يه. ولم يسأل مع ذلك بأنه ليس بإله، إذ المحدث لا يكون إلها. ولو جاز أن يكون محدث إلها، لجاز أن يكون كل محدث، فتكون الموجودات كلها آلهة وذلك فاسد محال. وأما مدعي النبوة، فإنه مدعي أمرا ممكنا بالا أنه مغيب ولا شاهد من نفسه على أنه محق أو مبطل فيه. وإنما يحتاج إلى علم ذلك بدليل يفرح من جهة أوصافه وأحواله المعهودة. فإذا كان كاذبا وأمد بالمعجزات كما يمد الصادق لم يكن الفرق بينهما أبدا وصار ذلك سببا للشك في كل مدعي النبوة، أو الكفر بالصادق والإيمان بالكاذب، وذلك خارج من الجملة، فلهذا أنكرنا أن يمد الله تعالى بآياته وبيناته إلا من كان صادقا عليه في أنه رسول والله أعلم.
فصل إن سأل سائل: عن وجه إنزال عيسى صلوات الله عليه لقتل الدجال دون نصرة المؤمنين الذين يكرمون يومئذ عليه، فيكونوا هم الذين يقتلونه. قيل له: يحتمل أن يكون ذلك لأن اليهود همت بقتل المسيح ﵇ وصلبه. وجرى أمرهم معه على ما بينه الله تعالى في كتابه، وهم أبدا يدعون أنهم قتلوه، وينسبونه إلى السحر وغيره، إلى ما كان الله تعالى يراه، ونزهه منه. وقد ضرب الله تعالى عليه الذلة، فلم تقم منذ أعز الله تعالى الإسلام وأظهره راية، ولا كان لهم في بقعة الأرض سلطان ولا قوة ولا شوكة. ولا يزالون كذلك إلى أن تقرب الساعة فيظهر الدجال، وهو أسحر المسيح، ويتابعه اليهود فيكونون يومئذ حيرة مقديرين أنهم ينتقمون به من المسلمين، فإذا صار أحدهم إلى هذا أنزل الله تعالى المسيح ﵇ إلى عندهم أنهم قتلوه، وأبرزه لهم ولغيرهم من الموافقين والمخالفين حيا، ونصره على رأسهم وكبيرهم المدعي الربوبية فقتله، ويهزم جنده حتى إذا فرغ منه اتبع بمن معه من اليهود المؤمنين اليهود فلا يجدون مهربا وأن توارى أحد منهم بشجرة أو مدرة أو حجر أو جدار ناداه: يا روح الله ها هنا يهودي حتى يوقف عليه، فإما أن يسلم وإما أن يقتل. فكذلك كل كافر من كل صنف فلا يبقى على وجه الأرض كافر ويدرك المسيح صلوات الله عليه من أعداؤه، عندما رفعوا رؤوسهم وظنوا أن الأمر قد عاد إليهم تارة، ويشفي الله تعالى منهم صدره ويذيقهم ما هموا أن يذيقوه، وظنوا أنهم فعلوه. ويظهر للمسلمين أن ما بلغهم نبيهم ﷺ من أمره عن الله تعالى كان حقا كما عرفوه واعتقدوه، فيقع العلم به عيانا، ويصير ذلك دلالة باهرة على موته، بعدما قبضه الله تعالى إلى كرامته والله أعلم. ووجه آخر: وهو أنه يحتمل أن يكون إنزال عيسى صلوات الله عليه وسلم لا لقتال الدجال، ولكنه لدنو أجله، لأنه رفع إلى السماء فبقى فيها ما أراد الله تعالى، إلا أنه قد جعل له أجلا إذا جاء أدركه من الموت ما يدرك أمثاله، ثم لا ينبغي للخوف من التراب
نو أجله، لأنه رفع إلى السماء فبقى فيها ما أراد الله تعالى، إلا أنه قد جعل له أجلا إذا جاء أدركه من الموت ما يدرك أمثاله، ثم لا ينبغي للخوف من التراب
أن يموت في السماء ولكن أمره يجري على ما قال الله تعالى: ليقره في الأرض مدة يراه فيها من يقرب منه ويسمع من ناب عنه، ثم يقبضه الله تعالى بتولي المؤمنين أمره، ويصلون عليه، ويدفن حيث دفن بقية الأنبياء الذين أمهم مريم من نسلهم، أعني الأرض المقدسة فينشر إذا نشر معهم. هذا سبب إنزاله غير أنه يتفق في تلك الأيام من بلوغ الدجال باب الدماء قد وردت به الأخبار، فإذا اتفق ذلك، كان الدجال قد بلغ من فتنته أن ادعى الربوبية، والمؤمنون قلة لم يكن أحد لينتصب لقتاله ويتوجه نحو لخوف منه، ولا أحد بأن يظفر عليه، ويجري قتله على يده أولى منه، إذ كان ممن اصطفاه الله تعالى لرسالته، وأنزل عليه كتابه، وجعله آية، وأنه فعل هذا الوجه ليكون هذا الأمر لا أنه ينزل لقتال الدجال قصدا، والله أعلم. وقد ورد الخبر بما ذكرنا من أنه يموت ويلي أمره المسلمون، ويصلون عليه، فمن هناك وقع الاشتقاق، بهذا الجواب وبالله التوفيق. فصل لئن سأل سائل: عن منزلة عيسى صلوات الله عليه إذا نزل أنه يكون نبيا أو غير نبي وإنه إذا كان حكما كما قال النبي ﷺ: "لينزلن فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير" فبماذا يحكم وكيف يكون مع المسلمين أمره؟. قيل له: -وبالله التوفيق-: أن عيسى صلوا الله عليه قد تناهت رسالته عندما بعث الله تعالى نبينا محمدا ﷺ، وأنزل عليه القرآن، فإن عامة قومه لزمهم أن يدخلوا في دين محمد ﷺ، وينتقلوا إلى دعوته وشريعته، فيرفضوا مما تقدم بخلافها ويعلموا بها يوافقها على أنه شريعة محمد ﷺ إلا أنه شريعة موسى وعيسى صلوات الله عليهما. وإذا كانت رسالته قد تناهت في ذلك الوقت، وقد أخبر الله ﷿ أن محمدا نبينا ﷺ خاتم النبيين، لم يجز أن يتوهم أن عيسى صلوات الله عليه إذا نزل نزل رسولا،
ا. وإذا كانت رسالته قد تناهت في ذلك الوقت، وقد أخبر الله ﷿ أن محمدا نبينا ﷺ خاتم النبيين، لم يجز أن يتوهم أن عيسى صلوات الله عليه إذا نزل نزل رسولا،
فصح أن يكون يومئذ من أتباع محمد ﷺ، كما أخبر به عن موسى ﵇، حيث قال لهم: لو كان حيا ما وسعه إلا أتباعي. وجاء في بعض الأخبار أنه إذا نزل صلوات الله عليه صلى خلف الأمام ببيت المقدس ولم يتقدمه، وإنما صار حكما، فإنه لا سلطان له يومئذ للمسلمين، ولا إمام ولا قاضي ولا مفتي قد قبض الله العلم وخلا الناس منه فينزل، وقد علم بأمر الله ﷿ في السماء قبل أن ينزل ما يحتاج إليه من علم هذه الشريعة للحكم به بين الناس والعمل به في نفسه فيجتمع المؤمنون عند ذلك إليه، ويحكموه على أنفسهم، أو يكون له أن يحملهم على أن يحكم بينهم، لأن تعطيل الحكم غير جائز، ولا أحد يصلح لذلك يومئذ غيره. ولا يبعد على هذا أن يقال أن قتاله الدجال يكون من هذا الوجه، وذاك أنه إذا حصل بين ظهراني الناس وهم مفتونون، فدعم فرض الجهاد أعيانهم، وكان أحدهم لزمه من هذا الغرض لم يلزم غيره، فلذلك يقوم به، وذلك داخل في أتباع نبينا ﷺ وبالله التوفيق. فصل وأما دابة الأرض، فإن الله تعالى ذكرها في القرآن: ﴿وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون﴾. فيحتمل أن يكون معنى وقوع القول عليهم: أي وجب الوعيد عليهم لتماديهم في العصيان والفسوق، وإعراضهم عن آيات الله ﷿ وتركهم تدبيرها والنزول على حكمها، وانتهائهم في الطغيان إلى ما لا تنجع فهيم موعظة، ولا تصرفهم عن غيهم تذكره بقول عز من قائل فإذا صاروا كذلك ﴿أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم﴾. أي دابة تعقل وتنطق، وذلك- والله أعلم- ليقع لهم العلم بأنها آية من قبل الله تعالى ضرورة، فإن الدواب في العادات لا كلام لها ولا عقل، فإذا خرجت لهم دابة تعقل وتكلم، ولم تكن مع ذلك من الدواب المعهودة، لكن دبة مباينة لأصناف الدواب، انبثقت عنها الأرض وكانت منفردة بنفسها لا يتعلق أمرها بمدعي نبوة أو أحد من الناس.
فيقال: إنه سحر وتخيل، انبثقت إليهم عنها من كل وجه، ولم يشك أنها آية أراها الله تعالى عباده والله أعلم. وأما الأمر الذي لم يخرج الدابة، فهو تمييز المؤمن والكافر والمنافق، ورسم كل فريق من هؤلاء الفرق في وجهه بما يعلم الله تعالى منه، وهي وإذا تعقل ذلك بإلهام الله ﷿ إياها، لا باختيار وامتحان يقع فيها للناس، ووردت الأخبار بعد القرآن بذكرها، وفي بعضها أنها تخرج بمكة بين الصفا والمروة. وجاء عن عبد الله بن عمر أنه قال وهو يومئذ بمكة: لو شئت لاخترت بشيء به هاتين، ثم مشيت حتى أدخل الوادي الذي تخرج منه دابة الأرض، فإنما تخرج، فتلقى المؤمن فتسمه في وجهه وكفيه، فيبيض بها وجهه، وتسم وجه الكافر وكفيه فيسود بها وجهه. وهي دابة ذات رغب وريش، فيقول: ﴿إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون﴾ وهذا والله أعلم، إنما نذكر الناس بهذه التلاوة، إنها الدابة التي أخبر الله تعالى عنها في القرآن، فقال: ﴿وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون﴾. وعن ابن عباس ﵄: أن دابة الأرض تخرج من بعض أودية تهامة ذات زغب وريش، لها أربع قوائم، فتكتب بين عيني المؤمن بكتة يبيض منها وجهه، وتكتب بين عيني الكافر بكته فيسود منها وجهه. والبياض في هذين الأثرين بياض من غير سوء، يشبه أن يكون ذلك عبارة عن النور والإشراق والله أعلم. وأما ظهور يأجوج ومأجوج فغنه يكون في أيام عيسى صلوات الله عليه بعد قتله الدجال بذلك. ووردت الأخبار، وفيها أنهم إذا خرجوا لم يأتوا على أحد إلا أهلكوه فتهرب الناس، ويأتون عيسى ﵇ مستغيثين منهم، فيدعو الله عليهم دوابا يقال لها النغف فتأخذ بأقفيتهم فتقتلهم، فتتبين الأرض منهم، فيأتي الناس صلوات الله عليه ثانية فيدعو الله عليهم، فيبعث الله عليهم الماء فيذهب بهم فيقذفهم في البحر. وأما طلوع الشمس من مغربها، فقيل في قول الله ﷿: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة، أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا
ي البحر. وأما طلوع الشمس من مغربها، فقيل في قول الله ﷿: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة، أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا
ينفع نفسًا إيمانها، لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا﴾. أن المراد بطلوع الشمس من مغربها. وجاء ذكره نصا عن النبي ﷺ، وفي بعض الأخبار أن تلك الليلة تطول فلا يعلم بحالها إلا المجتهدون أصحاب الأوراد، فغنهم يفرغون من أورادهم، والليل بحاله، فيعودون لمثلها. فإذا فرعوا منه ولم يصبحوا قاموا ظنا ولم يستفتوه حتى يعودوا لأورادهم، فإذا فرغوا وجدوا الليل لا يجلى استفتوا، وفرق الناس فصاحوا وفرغوا إلى ذكر الله تعالى والصلاة والبكاء، فإذا طلع الفجر رأوه من قبل المغرب ثم طلعت الشمس من مغربها فيشاهدونها لا نور لها، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها. وفي بعضها أنها تطلع من قبل وتبقى الدنيا حتى يلتقي الشيخان الهرمان، فيقول أحدهما للآخر: متى ولدت؟ فيقول: أخبرتني أهلي أني ولدت ليالي طلعت الشمس من مغربها. فصل فأما أول الآيات ظهور الدجال ثم نزول عيسى صلوات الله عليه ثم خروج يأجوج ومأجوج ويبين ذلك أن الكفار في وقت عيسى ﵇ يفنون، لأن منهم من يقتل ومنهم من يسلم، وتضع الحرب أوزارها، فيستغنى عن القتال على الدين بذلك أخبر رسول الله ﷺ، فلو كانت الشمس طلعت قبل ذلك من مغربها لم ينفع اليهود إيمانهم أمام عيسى صلوا الله عليه، ولو لم ينفعهم لما صار الدين واحدا بإسلام من يسلم منهم. فأما الآيتان الباقيتان فالذي نسبه أن عيسى صلوات الله عليه، إذا قبضه الله تعالى دخلت الأرض منه، وتطاول الأيام على ذلك أخذ الناس في الرجوع إلى عاداتهم وأحدثوا الأحداث من الكفر والفسوق كما أحدثوه بعد كل قائم نصبه الله تعالى حجة عليهم، ثم قبضه فيخرج الله تعالى دابة من الأرض كما تقدم وصفه، فيميز المؤمن من الكافر، ليرتدع بذلك الكفار عن كفرهم والفساق عن فسقهم ويستبصروا وينزعوا أعمالهم فيه من الفسوق
الله تعالى دابة من الأرض كما تقدم وصفه، فيميز المؤمن من الكافر، ليرتدع بذلك الكفار عن كفرهم والفساق عن فسقهم ويستبصروا وينزعوا أعمالهم فيه من الفسوق
والعصيان ولا يتجاوزون الأمر في ذلك الوقت هذا الحد، وتغيب الدابة عنهم ويمهلون ويصيرون إلى طغيانهم. أطلعت الشمس من مغربها لم تقبل بعد ذلك لكافر ولا فاسق توبة، وأزيل الخطاب بها والتكليف عنهم. قم كان قيام الساعة على أثر ذلك قريبا لأن الله ﷿ يقول: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. فإذا قطع التعبد عنهم لم يقرهم بعد ذلك في الأرض زمانا طويلا، إلا أنه لا يعلم متى تقوم إلا الله تعالى. وروي أن رسول الله ﷺ، كان يكثر السؤال عنها حتى نزلت: ﴿فيم أنت من ذكراها، إلى ربك منتهاها﴾. فأمسك عن السؤال بعد ذلك. وقال ﷿: ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها، قل إنما علمها عند ربي، لا يجليها لوقتها إلا هو، ثقلت في السموات والأرض لا يأتيكم إلا بغتة، يسألونك كأنك حفي عنها، قل إنما علمها عند الله﴾. وسئل النبي ﷺ فقال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل". وقال رسول الله ﷺ: "لتقومن الساعة، وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما ولا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن نعجته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقى فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها". وجاء عن النبي ﷺ: "لا تقوم إلا نهارا، وأنها تقوم يوم الجمعة" والله أعلم. وفيما ذكر أنه يكون في زمان عيسى صلوات الله عليه أن الضريح يأتيه إن ذا السويقين الحبش قد سار إلى البيت ليهدمه، فيبعث عيسى صلوات الله عليه طائفة من بين الثماني إلى التسع. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: "يوشك أن يحشر الفرات عن جبل من ذهب، فمن
حضر فلا يأخذ منه شيئا) فيشبه أن يكون هذا الزمان الذي أخبر النبي ﷺ: "إن المال يفيض فلا يقبله أحد" وذلك في زمان عيسى صلوات الله عليه. ولعل سبب هذا الفيض العظيم، ذلك المثل مع ما يغنمه المسلمون من أقوال المشركين والله أعلم. فإن قيل: فما المعنى في نهي النبي ﷺ: "من حضر ذلك الجبل لا يأخذ منه شيئا". قيل: يحتمل أن يكون ذلك لتقارب الأمرين، وظهور اشراطه، فإن الركون إلى الدنيا والاحتشاد لها، مع ذلك جهل واغترار. ويحتمل أن يكون لأنه مجرى المعدن، فإذا أخذه، ثم لم يجد من يخرج حق الله تعالى إليه، لم يوفق بالبركة من الله تعالى فيه، فكان الانقباض عنه أولى والله أعلم. وفي بعض الأخبار ما يدل على أن أول الإشراط نار تظهر بالحجاز، فتضيء منها أعناق الإبل ببصرى. وفي بعضها: لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قطحان يسوق الناس بعصاه. وفي بعضها عن النبي ﷺ قال: "لن تذهب الأيام حتى يملك رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلا لما ملئت جورا". وفي بعضها: أنه يفتح القسطنطينية وجبل الديلم، ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد يطول الله ذلك اليوم ففتحها على يده) وفي بعضها: لا تقوم الساعة حتى يقتتل فتيان عظيما مقتلة عظيمة ودعواهما واحدة، وحتى يخرج دجالون كلهم يزعم أنه نبي. فأما قول الله ﷿: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾. فقد روى أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ آية فأراهم القمر منشقا بنصفين والجبل بينهما، فقال: أشهد وأومن. قال معناه: ينشق كما قال: (أتى أمر الله فلا تستعجلون) معناه يأتي. فإن كان هذا هكذا فقد أتى. ورأيت ببخارى الهلال وهو ابن ليلتين منشقا بنصفين عرض كل واحد منهما كعرض القمر ليلة أربع أو خمس، وما زل انظر إليهما حتى اتصلا، ثم لم يعودا كما كانا ولكنهما صار في شكل اترجة ولم أمل طرفي عنها إلى أن غابت،
ل واحد منهما كعرض القمر ليلة أربع أو خمس، وما زل انظر إليهما حتى اتصلا، ثم لم يعودا كما كانا ولكنهما صار في شكل اترجة ولم أمل طرفي عنها إلى أن غابت،
وكان معي ليلتئذ جماعة ما بين شريف وفقيه وكاتب وغيرهما من طبقات الناس، وكل رأي ما رأيت. وأخبرني من وثقت به، منطان خبره عندي كعيان: أنه رأى الهلال وهو انب ثلاث منشقا بنصفين، وإذا كان هذا هكذا، ظهر أن قول الله ﷿: ﴿وانشق القمر﴾ إنما هو على الانشقاق الذي هو من أشراط الساعة دون الاشتقاق الذي جعله الله تعالى آية لرسوله ﷺ وحجة أهل مكة وبالله التوفيق. فصل وإذا انقضت الأشراط وجاء الوقت الذي يريد الله تعالى إماتة الأحياء من سكان السموات والبحار والأرضين، أمر إسرافيل وهو أحد حملة العرش وصاحب اللوح المحفوظ ينفخ في الصور. وفي بعض روايات العرب، يروى أن رسول الله ﷺ قال: كيف أنعم الله أو قال كيف أضحك، وصاحب القرن قد التقمه، وحتى ظهره ينتظر متى يوم ينفخ، فإذا نفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض، إلا من شاء الله). وجاء عن ابن عباس ﵁ أن الاستثناء لأجل الشهداء فإن الله ﷿ يقول: ﴿أحياء عند ربهم يرزقون﴾ وهذا مما لا تحتمل الأمة غيره، لأن من خالف هذا القول زعم أن الاستثناء لأجل الشهداء وحملة العرش وجبريل وميكائيل وملك الموت. أو زعم أنه لأجل موسى صلوات الله عليه، فإن النبي ﷺ قال: (أنا أول من تنشق الأرض عنه، فأرفع رأسي، فإذا موسى متعلق بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي إذ كان ممن استثنى الله تعالى). وشي من هذه الأقوال يصح. أما الأول فلأن حملة العرش وجبريل وميكائيل ليسوا من سكان السموات ولا من سكان الأرض، لأن العرض فوق السموات كلها، فكيف يكون حملته في السموات.
قوال يصح. أما الأول فلأن حملة العرش وجبريل وميكائيل ليسوا من سكان السموات ولا من سكان الأرض، لأن العرض فوق السموات كلها، فكيف يكون حملته في السموات.
وأما جبريل وميكائيل فمن الصافين المسبحين حول العرش، فإذا كان العرش فوق السموات لم يكن الاصطفاف حوله في السموات. وكذلك القول الثاني لأن الولدان والحور في الجنة والجنان، وإن كانت بعضهما أرفع من بعض فإن جميعها فوق السموات دون العرش وهي بإنفرادها عالم مخلوق للبقاء فلا شك أنها بمعزل عما خلف للفناء والله أعلم. وأما صرف الاستثناء إلى موسى صلوات الله عليه فلا وجه له، لأنه قد مات بالحقيقة، فلا يموت عند نفخ الصور ثانية، فلهذا لم يعد في ذكر اختلاف المتأولين بالاستثناء بقول من قال: إلا ما شاء الله، أن الذي موتهم قبل نفخ الصور، لأن الاستثناء غنما يكون لمن يمكن دخوله في الجملة. فما من لا يمكن دخوله فيها فلا معنى لاستثنائه منها، والذين ماتوا قبل نفخ الصور ليس بغرض أن يصعقوا، فلا وجه لاستثنائهم، وهذا في موسى صلوات الله عليه موجود، فلا معنى لاستثنائه والله أعلم. وقد جاء عن النبي ﷺ في ذكر موسى ما يعارض الرواية الأولى وهو أن قال: "إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، وإذا أنا بموسى أخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي، أو جرى بصعقة الصور". فظاهر هذا الحديث أن هذه صعقة عيسى يوم القيامة لا صعقة الموت الحادث عن نفخ الصور. فإذا حمل الحديث عليها، فذاك. وإن حمل على صعقة الموت عند نفخ الصور وصرف ذكر القيامة، إلى أنه أراد أوائله، قيل المعنى أن الصور إذا نفخ فيه أخرى كنت أنا أول من يرفع رأسه، فإذا موسى أخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أو جرى بصعقة الصور، أفلا أدري أن بعثة قبلي كان برسالة، وتفضيلا من هذا الوجه كما فضل في الدنيا بالتكلم، أو كان جزاء بصعقة الطور، وقدم بعثه على بعث الأنبياء الآخرين بقدر صعقته عندما تجلى به الجبل إلى أن أفاق ليكن بهذا جزاء له بها، وما عداها فلا يثبت والله أعلم. فأما الملائكة الذين ذكرناهم فإنا لم ننف عنهم الموت وإنما أثبتنا أن يكونوا هم
المرادين بالاستثناء من الوجه الذي ذكرناه. قد رودت الأخبار بأن الله ﷿ يميت حملة العرش وملك الموت وميكائيل، ثم يميت آخر من يميت جبريل ﵇ ويحييه مكانه ويحيي هؤلاء الملائكة الذين ذكرناهم. وأما أهل الجنة فلم يأت عنهم خبر، وكما ظهر أنها دار الخلد، فإذا كان الذي يدخلها لا يموت فيها أبدا مع كونه قابلا للموت، فالذي خلق فيها أولى أن لا يموت أبدا. وأيضا أن الجنة دار لذة وسرور، لا خوف فيها ولا حزن، وإن من فيها لا يمرض ولا يموت. وأما أهل السماء فإنهم خائفون وجلون، وأهل الأرض بالبلايا والمصائب منتحبون. فلا ينكر أن يكون هؤلاء يموتون وأولئك لا يموتون. وأيضا فإن الموت إنما هو لقهر المكلفين ونقلهم من دار إلى دار وأهل الجنة لم يبلغنا أن عليهم تكليفا، فإن اعفوا عن الموت كما اعفوا عن التكليف لم يكن ذلك ببعيد. فإن قيل: إن الذين يدخلون الجنة إنما لا يموتون ولا يخافون ولا يحزنون، جزاءا لهم بأعمالهم، والولدان والحور لم يربوا في الجنة، جزاءا لهم بعمل صالح قدموه فإن ماتوا فذلك، ولا يبعد من أمرهم. قيل: لو صح هذا لجاز على قياسه أن يمرضوا بالمجاعة والجهد والخوف من الذين يحرمونه من أهل الجنة، فإن كان شيء من هذا لا يلحقهم، وإن لم تكن الجنة جزاءا لهم، فلا ينكر أن لا يكتب عليهم الموت، وإن لم تكن الجنة جزاءا لهم، وبالله التوفيق. فإن قيل: فإن الله ﷿ يقول: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾. وفي هذا دليل على أن الجنة يفنيها ثم تعاد ليوم الجزاء. فما أنكرتم أن الولدان والحور يموتون ثم يحيون! قيل: يحتمل أن يكون معنى كل شيء هالك إلا وجهه، أي ما من شيء إلا وهو قابل للهلاك. فيهلك إن أراد الله ذلك إلا وجهه أي إلا هو، فإنه تعالى قديم والقديم لا يمكن أن يفنى، وما عداه محدث والمحدث إنما يبقى قدر ما يبقيه محدثه، فإذا حبس البقاء عنه هلك، ولم يبلغنا في خبر صحيح ولا معدل، إنه يهلك العرش ويبقيه، فلتكن الجنة مثله والله أعلم.
والمحدث إنما يبقى قدر ما يبقيه محدثه، فإذا حبس البقاء عنه هلك، ولم يبلغنا في خبر صحيح ولا معدل، إنه يهلك العرش ويبقيه، فلتكن الجنة مثله والله أعلم.
فصل وقد سمى الله ﷿ الصور بإسمين: أحدهما الصور والآخر الناقور، وذلك قوله تعالى: ﴿فإذا نقر في الناقور، فذلك يومئذ يوم عسير، على الكافرين ليس يسير﴾. وقول المفسرين أنه الصور. والظاهر أن الصور وإن كان هو الذي ينفخ فيه النفخات جميعا، فإن الإصعاق يخالف صحية الإحياء. وجا في الأخبار: إن في الصور ثقبا يعد الأرواح كلها، وإنها تجمع فيه النفخة الثانية، فيخرج عند النفخ كل روح من إحدى الثقب نحو الجد الذي نزع منه وحتى يرجع إليه، فيعود الجسد حيا بإذن الله تعالى، فيحتمل أن يكون الصور يجمع الآيتين، ينقر في أحدهما، وينفخ في الأخرى، فإذا فيه للأصعاق جمع بين النقر والنفخ لتكون الصيحة أهل وأعظم. وإذا نفخ فيه للأحياء لم ينقر فيه، واقتصر على النفخ، لأن المراد إرسال الأرواح في ثقب الصور إلى أجسادها لا ينفرها من أجسادها. والنفخة الأولى للتنفير، وهي نظير صوت الرعد الذي قد يقوى فيموت وبالله التوفيق. فصل فإذا مات الأحياء كلهم تركوا أربعين سنة، ثم نفخ في الصور نفخة الأحياء واتفقت الروايات على أن بين النفختين أربعين، وقال العلماء: هي أربعون سنة، وذلك- والله أعلم- بعد أن يجمع الله تعالى ما يفرق من أجساد الناس من بطون السباع وحيوانات الماء وبطن الأرض، وما أصاب النيران منها بالحرق، والمياه، وما ابلته الشمس وذرته الرياح. فإذا جمعها وأكمل كل بدن منها ولم يبق إلا الأرواح، جمع الأرواح في الصور، وأمر إسرافيل صلوات الله عليه. فإن سلها بنفخة من نفث الصور، فرجع كل روح إلى جسده بإذن الله تعالى. وجاء في بعض الأخبار: ما يبين إن كل شيء أكله طائر أو سبع حشر من جوفه أو هو ما رواه الزهري عن أنس ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ بحمزة يوم أحد، وقد جدع
تعالى. وجاء في بعض الأخبار: ما يبين إن كل شيء أكله طائر أو سبع حشر من جوفه أو هو ما رواه الزهري عن أنس ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ بحمزة يوم أحد، وقد جدع
ومثل به فقال: (لولا أن نجد صفته في نفسها لتركتها حتى يحشره الله تعالى من بطون السباع والطير). فإن سأل سال عن كافر أكل لحم مؤمن، أو مؤمن أكل لحم كافر، كيف يحشر هؤلاء؟ قيل له: الله أعلم بذلك، لكن الذي تبلغنا علمه فيه، هو أن الكافر إذا أكل لحم مؤمن لم يرجع لحمه من بدن الكافر إلى بدن المؤمن، إذا كان قد بقي في جوف الكافر، وصار غذاءا له. فأما إن أكله فمات أو قيل: قبل أن يصير غذاءا له، فإنه يرجع منه عند البعث إلى بدن المؤمن، وإذا لم يرجع في الحال الأولى عوض المؤمن مثله، وأكمل جسده، ونفخ فيه روحه فقام بإذن الله تعالى حيا. وعله هذا- والله أعلم- إن تلك الأجزاء التي انقلبت بدن كافر، بعد أن كانت من بدن المؤمن، فقد وجد منه الكفر والمعاصي بها، فلو أعيد إلى بدن المؤمن فأدخل الجنة لكان قد أدخل الجنة أجزاء من كافر، وليست الجنة دار الكفار. فصح إذا أنها تصار إلى النار ويعوض المؤمن من أمثلها اختراعا يخترعه الله ﷿. فإن قيل: وكذلك إذا قلتم إنها لا تعاد إلى بدن المؤمن، قلتم إنها تصار إلى النار، وفي ذلك إبطال ما عمل المؤمن بها من الطاعات أيام حياته. فالجواب: إن ذلك الثواب لا يبطل عمل المؤمن، وإنما يبطل بنعم تلك الأجزاء التي انقلبت فصارت من بدن الكافر بالثواب، وذلك لأن الثواب إنما هو لنفس المدين، ولكن أيضا من بدنه إذا سلمت له وصلت نعمة الثواب إلى نفسه من أماكن شتى، فإذا مات بعضها وصلت هذه النعمة إليه مما بقي من عرض ما فات. وأما الأجزاء الفانية التي صارت من بدن الكافر، فإنها لا تنعم بشيء، فإن ذلك لو كان يفرح به الكافر ولم يشعر به المؤمن الذي كانت هذه الأجزاء من بدنه، وذلك غير جائز والله أعلم. وأما المؤمن إذا أكل لحم كافر واغتذى به، فالقول فيه على ما وصفت أيضا، وهو إن أجزاء الكافر لا ترد من بدن المؤمن إلى بدن الكافر، إنها أجزاء وجدت من المؤمن
الطاعات بها فلو أعيدت إلى بدن الكافر لكانت أجزاءا من المؤمن فدخلت في النار، وإنما الخلود في النار للكافر وأما عذاب الكفر كاملا فإنه واقع بالكافر لا ينقص منه شيئا لما فات من أجزائه. فإن قيل: فكيف يبعث: يجوز أن يقال أن الله ﷿ يعوضه مما أكل المؤمن من لحمه مثله، فيكمل جسد الذي كان. فإن قيل: افيخلص العذاب إلى هذا العوض، أو يكون الألم كله على البدن القديم؟ فإن قلتم إن العذاب يخلص إلى العوض الحادث اجزتم تعذيب ما لم يكن له نصيب في الذنب. وإن قلتم: إن الألم يحل كله على البدن القديم، أوجبتم نقل حصة الأجزاء الفانية من العذاب إلى الأجزاء الباقية، وذلك غير جائز. قيل: وما في هذا إن قلنا إن العوض الذي كمل به جسمه يتألم بالعذاب، فإن الله ﷿ قال: ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها، ليذوقوا العذاب﴾ فليس هذا مثله وإن قلنا أن الألم كله يخلص إلى باقي البدن القديم، فإن عذاب الكافر القتل وعذاب الكافر القتل قد يجوز أن يكون سواء، فأمكن هذا مثله، وليس ما قالوا من نقل العذاب من بدن إلى بدن في شيء، لأن العذاب كله على النفس الكافرة فإن كملت أبعاض البدن خلص الألم إليها من أماكن شتى، وإن نقصت أبعاض البدن خلص الألم إليها فيما بقى لمقدار في الحالين واحد والله أعلم. وأما المؤمن يأكل لحم مؤمن فإن المأكول لحمه يعوض من لحمه ما يأكل به بنيته، ويبعث ويجزى بما عمل من الطاعات، ويوصل إليه ثوبا كاملا لا يبخس منه شيئا. فأما الأجزاء التي كان عمل بها عمل الطاعات، ثم صارت من بدن غيره فإنها لا تفرد بثواب. لأن الثواب للنفس المؤمنة، فلو كانت تلك الأجزاء الباقية مع ما بقي من بدنه لكانت نعمة الثواب تأتي نفس المؤمن من قبل جميعها، ولكنها إذا ماتت لم تنعم بنعمة لا يشعر بها المؤمن الذي كان قربها منه ولا يجدها في نفسه. وأما الكافر يأكل لحم كافر، فالقول فيه على هذا أيضا، وهو أن المأكول لحمه يعوض ما يكمل به بنيته ويجزي بها علم من السيئات جزاء كاملا ولا تعود الأجزاء التي صارت
افر يأكل لحم كافر، فالقول فيه على هذا أيضا، وهو أن المأكول لحمه يعوض ما يكمل به بنيته ويجزي بها علم من السيئات جزاء كاملا ولا تعود الأجزاء التي صارت
من بدن غيره لجزاء، لأن ذلك لو كانت بتألم به الكافر الذي كانت هذه منه. وإنما الجزاء له، فكيف يجزي بما لا يجده في نفسه ولا يشعر والله أعلم. فإن قيل: فما الفرق بين ما أكله السبع وحوت الماء والطير؟ يقولون أنه يرد إلى الأبدان التي أكلت منها، وبين ما أكله الناس بعضهم من بعض يقولون أن شيئا منه لا يرد إلى أصله لكن صاحبه يعوض منه. قيل: الفرق بين الناس ما أكله الناس من بعضهم من بعض، فقد انقلب من مكلف إلى مكلف، فلا بد للمكلف في الدنيا من معاد وجزاء في العقبى. والمعاد إما جنة وإما نار، أوجبنا أن يكون الأكل أحق بأن يبقى له ما أكل من المأكول منه، لأن ذلك إن لم يكن كذلك يؤدي إلى إدخال جزء من الكافر الجنة أو جزء من المؤمن النار، وقد بينت في أكل المؤمن لحم الكافر، وأكل الكافر لحم المؤمن، وإذا وجب هذا الحكم من هذين، كان أكل المؤمن لحم المؤمن وأكل الكافر لحم الكافر في معناها. لأن كلا من ذلك أكل مكلف من لحم مكلف. فقلنا: إن ما أكله الآكل فمتروك عليه والمأكول لحمه يعوض عنه. وأما ما أكله سبع أو طائر أو حوت، فهو في معنى ما أكلته الأرض نفسها فلما كان ما تأكله الأرض لا يترك ترابا، لكنه يعاد كما كان فكذلك ما يأكله حيوان لا تكليف عليه. فإنه يعاد كما كان أولا يترك على ذلك الحيوان والله أعلم. فإن قيل: إذا أجزتم أن يخلو الجزء الذي أكله الكافر من لحم المؤمن عن التنعم بالثواب الذي يصل إلى المؤمن، فلم لا أجزتم أن يخلو بدنه من التنعم أصلا، وأن يكون ثواب نفس المؤمن والسرور الدائم والراحة دون المطاعم والمشارب والملابس والمناكح، فيصير بذلك إلى قول غيركم. قيل: إنما أجزنا أن يخلق الجزاء الفائت من بدن المؤمن عن التنعم بالثواب الذي يصل إلى المؤمن على شرائطه أن يعوض الله ﷻ المؤمن منه عوضا فيكون وصول نعمة الثواب إلى النفس من قبل البدن قديمة وحديثة، فإنما يقام وصوله إليها من قبل الأول لو كان باقيا بحالة لم يفت منه شيء.



