المنهاج في شعب الإيمان

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya الحليمي (w. 403 H).

Bagian 11 dari 42 1512 halaman

— Bagian 11 · لرجلين عندك، أضاع الموت سمعيهما، فهذا خلاف الحكم… —

Bagian 11

لرجلين عندك، أضاع الموت سمعيهما، فهذا خلاف الحكمة، والله الموفق تعالى حكيم له يجزيان، فأين تجربان إلا أن يجيئا مثقلا إلى دار أخرى فيجربانها كما تقول! وإذ كان هذا هكذا، بأن العباد إذا كانوا متقاربي الحال، فمنهم محسن يلقي في حياته خيرا ومسيء يلقي في حياته شرا، ومحسن ومسيء لا يلقى واحد منهما في حياته ما يليق بحاله. فواجب أن لا يكون الخير الذي يلقاه المحسن ولا الشر الذي يلقاه المسيء جزاء بالحقيقة، وإنما يكون الجزاء ترغيبا وتحريضا وبشرى للمحسن، والشر ترهيبا وإنذارا للمسيء، لأنه لا يجوز أن يكون بعض العمال يجزون وبعض العمال لا يجزون، وإذا لم يجز ذلك صح إنما تفاوت فيه القوم لم يكن جزاء بالحقيقة، وإنما كان الغرض منه شيئا آخر والله أعلم. فإن قيل: هذه المعاني التي ثبت عليها جوابك كلها معان شرعية، وإنما يعترض عليك بالسؤال الذي مضى، من لا يعترف بالشريعة، فكيف يلزمه ما أمعنت فيه من الجواب.

قلنا: إن الاعتراض إنما وقع علينا بأشياء مستخرجة من القرآن، وأخبار الرسول. وإذا بينا أن مصادرها غير ما ظن وجوهها، ليس ما قدر، سقط السؤال عنها. وإن أفردنا ما قال عن أن سنوه إلى ربنا ونبينا، وكان جوابنا له: إن وجوب ما خبر الجزاء إلى دار أخرى يتفرع عندنا عما وضع الله حكمه وشرعه عليه، وذلك بما قام الدليل عندنا على أنه من عند الله تعالى. فإن سلمت لنا معانه ما كتبناه لازم لك، وإن أنبت كان الكلام معك في النبوة وما يشتمل عليها من الأوضاع والأحكام وأفراد البعث بالكلام فضل وبالله التوفيق. فصل وسأل سائل فقال: أرأيتم أن من كان في الدنيا خالط الطاعة بالمعصية، وكان ينحل جسمه ويعتل وقتا، فكيف يحشر؟ فإن قلتم: يحشر أعظم ما كان جسمه فقد أجزتم أن يعاقب على السيئات التي أخرجها في حال الدقة والنحولة أجزاء من بدنه حدثت بعد تلك الجرائم، ولم يكن لها في اقترفها نصيب. وإن قلتم يحشر أنحل ما كان جسما وأدقه، فقد أجزتم أن يخلوا الأجزاء التي زادت في بدنه عند العظم، والعفو له من ثواب الطاعات التي عملها في تلك الحال، ولو جاز أن يخلي بعض أجزائه من الثواب لجاز نحلها، كلها، فإن جاز ذلك فليجز أن لا يبعث أصلا! فالجواب: أنه يجوز أن يقال: الله ﵎ أن أدخله النار عذبه على كل ذنب أتاه، وهو ناحل أصلا، وعلى كل ذنب أتاه، وهو عند العظم. فأما إذا صاره إلى الجنة، فإنه لا ينجل عليه فيثبته بما أتاه من الطاعات، وهو ناحل أصلا، لأن التفضل بالإحسان كان منه، وإن كان الإشراف في العقاب غير واقع منه، فيجعله في الجنة عبد ليصل إليه ثواب ما عمله من الخير في جال عبولته باسم الجزاء، ويكون بنعم أجزائه الزائدة على ما كانت عندما عمل من الخير، وهو ناحل ابتداء، فضل من الله تعالى لا جزاء بالحقيقة والله أعلم.

في جال عبولته باسم الجزاء، ويكون بنعم أجزائه الزائدة على ما كانت عندما عمل من الخير، وهو ناحل ابتداء، فضل من الله تعالى لا جزاء بالحقيقة والله أعلم.

وسأل سائل عن كافر قطعت يده في حال كفره ثم أسلم، ومات مسلما برا تقيا ويصار إلى دار الجزاء، فإن قلتم تبعث يده، فإنما هو جزء من بدنه الذي كفر به، فكيف يكون موضعها دار الثوب؟ وإن قلتم يبعث بلا يد، فقد أجزتم أن يبعث بعضه ولا يبعث بعضه. وسأل عن مسلم قطعت يده: لم ارتد ومات على ذلك، أيبعث بيده أو بلا يد؟ فإن قلتم يبعث بيده، فكيف تلج النار يد لم يذنب بها صاحبها؟ وإن قلتم: بلا يد، فقد أجزتم أن لا يبعث بعضه. فالجواب: أن كل واحد منهما يبعث تام النمو، كامل البدن. وأما الذي مات مسلما وقد كانت يده قطعت في حال كفره، فإن إسلامه أحبط كفره عن جميع بدنه، فالتحق بذلك أن تورد يده مورد سائر أعضائه، ولا ينظر إلى اتصال اليد به، وانفصالها عنه، لأن اليد تابعة للبدن لا حكم لها على الانفراد في طاعة ولا معصية. وأيضا فإن واحدا من الإسلام أو الكفر لا يقع باليد، ويقع بالقلب واللسان كانت يدا أو لم تكن، فإن جاز أن تدخل الجنة يد كانت، إلا أن الإسلام لم يقع بها، وإن وقع بغيرها جاز أن تدخلا يد لم تكن عند الكفر أصلا أو وقع الكفر بغيرها والله أعلم. وأيضا فإن اليد المقطوعة من جملة البدن الذي كان حيا في هذه الدار، فلا يخلو من أن تعود الحياة إليها في الآخرة، ومعلوم أن حياتها في هذه الدار كانت لحياة الجملة، تدل ذلك على أنها في الآخرة تكون حية بحياة الجملة، لأن الله ﷿ قال: "كما بدأكم تعودون" ثم يكون فرح الإسلام بردها إليه من جملة ثوابه، وردها أيضا إلى الكافر مما يتغلظ به عذابه، لأن ألم ما يمس اليد من النار زيادة ألم يصيبه، وقد جاء في الحديث: "إن ضرس الكافر في النار مثل أحد" فهذا دون ذلك وأقرب منه وبالله التوفيق.

ظ به عذابه، لأن ألم ما يمس اليد من النار زيادة ألم يصيبه، وقد جاء في الحديث: "إن ضرس الكافر في النار مثل أحد" فهذا دون ذلك وأقرب منه وبالله التوفيق.

فصل وسأل سائل عن قوله ﷿: ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾ وعما ما جاء عن النبي ﷺ: "أن الحماء تفيض من القرناء"، وقال: قد جعل الله بهيمة الأنعام وكثيرا من الوحوش طعمة للناس، أفرأيتم ما أكل من لحومها أيعاد إليها يوم القيامة للحشر أو لا يعاد؟ فإن أعيدت فما حال الأبدان التي أعيدت تلك اللحوم، انقرض منها غيرها أولا، فإن عوضت، فكيف يجوز أن تصل لذة الثواب وألم العقاب إلى غير ما اكتسبت الطاعة والمعصية من البدن، وإن لم يعرض أوجب ذلك أن يكون ابن خمس سنين إذا اغتذى اللحوم حق كبر وصار ابن خمسين سنة، فيرع منه تلك اللحم كلها، وردت إلى مواضعها أن تصير كابن خمسين سنة، ولذلك تدخل الجنة أو النار! فإن قلتم: لا تعاد إلى الحيوانات لحومها التي أكلتها النار، فكيف تحشر ولا لحم لها ولا دم ولا نفس ولا مخ، وإنما تكون لها الحياة دون هذه الأشياء. فالجواب:- وبالله التوفيق: أنه إذا كان لها هناك تعويض فتتعوض الحيوانات من لحومها ولحوما غيرها، أشبه بأن ترد لحوما إليها، ويعوض الناس منها غيرها، لأن ما نما من أبدان الناس بتلك اللحوم، فقد صار من جملة أبدان مكلفة أحسنت وأساءت، فصارت بذلك مستحقة للثواب والعقاب، فلا ينزع عنها، وتعاد إلى البهائم فيكون بدن الإنسان قد قلب بهميه، وعوض منه عوضا لاحظ له في طاعته ولا معصيته، فيخرج من ذلك من أن يجزى بخير أو بشر مع ما في ذلك من مخ المنجس في دار الجزاء، وإنما المسخ من سخط الله وعقوبته وخزيه، فكيف يجوز أن تكون عاقبة الذي آمن وعمل صالحا إذا ورد يوم القيامة أن يمسخ؟ وأما البهائم فقد قيل: إنها تحشر لتعوض ما خلص إليها من ألم الذبح ومهانة السلخ والتمزيق والأكل عرضا، ولا تحشر لمحاسبة ولا لجنة أو نار، فلاحظ لها في الحسنات والسيئات. وإذا كان حشرها للتعويض، فهي إذا عوضت إتمام أبدانها وتصحيح أجسادها،

والذت بذلك ونعمت فقد توفر على الحشر عوضه وبالله التوفيق. قال قائل: لو كان البعث بعد الموت حقا لما جاز أن يأمر الله العباد أو ينهاهم، ويكلفهم ضروبا من التكليف من لدن آدم إلى زمان عيسى، ولا يطلع أحد على ما هو فاعل بهم، ولا يدري أحد منهم أنه قد أعد للمطيعين دارا مشحونة بالنعمة والكرامة، وهي الجنة، وأعد للعصاة دارا تتأجج نارها مشحونة بالنقمة والعقوبة، ولو كان قد أعد لهم ذلك، واطلع العباد عليه لوجب ذكره في كتب المتقدمين، والأمر بخلاف ذلك، لأن دعاء الأوليين إلى الله جل ثناؤه كنوح وإبراهيم وموسى ما أخبر أحد منهم قومه بان لهم معادا يحاسبون فيه ويجزون بأعمالهم. وإنما كانت مواعيدهم كلها عاجلة كما قال نوح لقومه: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا﴾. وقال هود أيضا لقومه: ﴿استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا، ويزدكم قوة إلى قوتكم﴾. فإذا تصفحت التوراة لم تجد فيها للمعاد ذكرا ولا عن الجنة خبرا. وإنما هو وعد الخصب والصحة والظفر على الأعداء وما شبهها على المعصية، وما ذكر أحد قبل عيسى معادا. فكان أول من رمز فقال: أن المسلمين المنحلين من الدنيا المتفرغين لعبادة الرب يرقون إلى ملكوت السموات وأن الأئمة والظلمة يصيرون إلى أغوار ومغور مظلمة، فيلقون فيها جزاء أعمالهم السيئة، ثم جاء بعده نبيكم فلم ينقع بذكر الأرواح حتى أخبر أن لابد أن يعاد بهما، ووصف دارين: أحدهما مشتملة على الملاهي والملاذ، فذكر أنها للثواب. والأخرى مشحونة بألوان المكاره والآلام فأخبر أنها للعقاب وهذا يدل على أن الأوليين لم ينتهوا في طلب الرئاسة، فما ينتبه به الآخرون، فاقتصروا على المواعيد العاجلة اتكالا على أنه إن اتفق لمن يطيعهم خير، قالوا: هذا لطاعتك، وإن أصابه شر، قالوا: هذا لعصيانك وإن جرى الأمر بخلاف هذا فيكون للطبع، أو يخلف عنه ما وعده، قالوا: هذا الشيء أحدثه أو سريرة رديئة بين الله تعالى وبينه أتاه لوجده كان يفعل كذا،

عصيانك وإن جرى الأمر بخلاف هذا فيكون للطبع، أو يخلف عنه ما وعده، قالوا: هذا الشيء أحدثه أو سريرة رديئة بين الله تعالى وبينه أتاه لوجده كان يفعل كذا،

وإن أصابت القاضي حسنة ويحلف عنه ما أوعده به، فقالوا: هذا لحسن خلقه، أو لأجل جاره الصالح، أو استعطاف من الله تعالى إياه واستتابه، ومثل هذا سائر موجود في العامة. فإنهم إذا رأوا رجلا صالحا عندهم قد وسع الله عليه الرزق وأصلح حاله، قالوا: هذا من بركة الصلاح والخير، وإن رأوا خيرا مثله عليه سيء الحال، قالوا: ألا ترون أن الله تعالى تحميه الدنيا لموته في الآخرة ما هو أسنا وأفضل، ونسوا ما قالوه في غيره، وإذا رأوا رجلا كافي المعاصي والمفاسد ضعيف الحال شديد الفقر والحاجة، قالوا: هذا من شؤوم المعصية، وإن رأوا آخر مثله موسعا عليه قالوا: إن الله تعالى أتاه الدنيا ليجد منه الآخرة، ولو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة لما سقي الكافر منها شربة، ونسوا ما قالوا في غيره. فعلى هذا كان أمر الأوليين، ثم أن الآخرين يذهبوا لوجه لآخر أبعد من أن يقع في حلف يحتاجون إلى أن يطلبوا له علة، أو يذكروا له عذرة، وما حالوا على مواعيد أحله ذكروا أنها تكون بعد الموت وإلى مدة لا يعلم انقضاؤها إلا الله تعالى، وعلموا أنه لا شيء أحب إلى الناس من الحياة، واتظهروا عليهم بحرصهم عليها، وأخبروهم أنهم في الدار التي ينتقلون إليها يحيون حياة شر مدتها لا انقضاء لها ليكون ذلك مأتما لهم على أتباعهم والقبول منهم حرصا على أن يحيوا أبدا في النعيم الذي بشروهم به، قال: فهذا سبب وقوع خبر البعث بعد الموت فيما بين الناس. فالجواب:- وبالله التوفيق- إن الله جل ثناؤه لم يحل أحدا من رسله من إنذار قومه على لسانه بالبعث بعد الموت والمحاسبة والجزاء بالجنة والنار، ونحن قد علمنا ذلك قبل أن يدعيه ولا يتوقف فيه، وهذا المعترض لا علم له بما قال، ولا يرجع فيه إلا إلى ظن مجرد، والظن لا يعني من الحق شيئا. وإنما قلنا هذا لأن نبينا صلوات الله عليه النائب إلى بالإعلام الكثيرة الباهرة صدقة كما أخبرنا بالبعث بعد الموت.

ى ظن مجرد، والظن لا يعني من الحق شيئا. وإنما قلنا هذا لأن نبينا صلوات الله عليه النائب إلى بالإعلام الكثيرة الباهرة صدقة كما أخبرنا بالبعث بعد الموت. فلذلك قد أخبرنا عن الله تعالى ما أرجاه من ذلك إلى أنبياء آدم صلوات الله عليه، وعن النبيين قبله صلوات الله عليهم، قبل موسى ﵇ من الكتب قليلا ولا كثيرا، ولا شاهدا عن الذين كانوا يدينون بالدين، ورجوا عليه أحدا أو أكثر مما يفزع إليه في

تصحيح قوله: "أنه لم يجد في المعاد الذي يصفه ذكرا في التوراة، ولا عنه خبرا عند اليهود، فمن له بالتوراة حتى نحاكمه إليها؟ فإن الذي في أيديهم يدعون أنه التوراة فيها مغازي موسى ﵇ ووفاته وحزن قومه عليه، وفيه من تعجيز الله وتكفيره وتشبيهه بخلقه، وتكفيره هارون، ورميه باتخاذ العجل ما لا يمكن أن يكون منزلا من عند الله تعالى. فإن كان ذكر المعاد لا يوجد فيها فلا خير فإن الجناية في حد ما أنزل من عند الله وإسقاطه أيسر منها في التقول على الله وإضافة ما ليس في تنزيله إلى تنزيله، علما أني سمعت عالما من علمائهم يقول: أن الله تعالى يقول في التوراة لموسى أني رفعت القتل عن النافين من الذين اتخذوا العجل فأخرت أمرهم إلى قوم علمه عندي، فإذا جاء ذلك اليوم كنت بجزائهم بصيرا، وسألت عن الكتب المنزلة بعد موسى، فأخبرني أن ذكر البعث بعد الموت فيها كثير. وأن يوشع بن نون ﵇ يسأل الله تعالى أن يريه إحياء الموتى فأمره أن يذهب إلى واد سماه له، فيه ما لا يحصى من رميم الأموات، فأذن الله تعالى العظام المفنية من الأبدان المتفرقة أن تحيى، فكان كل عظم وكل مفصل يفقد منه مكانه، ويرجع إلى موضعه من بدن صاحبه إلى أن تتم جملته، وتستوي كما كانت حتى أراه الأبدان كلها ناشرة، ولم يذكر أنه أحياها. إلا أن المنكر للإحياء، منكر للإعادة، وقد ثبت وجود الخبر عنها. ما نقلته اليهود عن يوشع، وثبت أيضا أن يوشع سأل الله تعالى أرائه إحياء الموتى، فأجابه إلى ما يتقدم للإحياء من إعادة الأبدان، ولم يجبه إلى الأحياء لالتقائه بما أراه، فإنه لم يكن يخفى عليه أن الأحياء بعد إعادة الأجساد، كيف تكون.

، فأجابه إلى ما يتقدم للإحياء من إعادة الأبدان، ولم يجبه إلى الأحياء لالتقائه بما أراه، فإنه لم يكن يخفى عليه أن الأحياء بعد إعادة الأجساد، كيف تكون. ولم يكن يوشع ليسأل الله تعالى أن يريه إحياء الأموات، إلا بعد أن أخبره الله تعالى وأخبر موسى ﵇ أنه ما تحب عبادة بعد الموت، فإذا أراد أن يتعجل النظر إلى ذلك ليطمئن قلبه، وإن كان قد تقدم منه الإيمان به. وقرأت أنا فيما يذكرون أنه الزبور الخبر عن يوم القيامة، وجزاء الناس بأعمالهم في عدة مواضع، فليس لأحد أن يدعي على الأنبياء قبل عيسى ﵇ أنهم لم يذكروا

لأمهاتهم المعاد ولا أن يدعي على الأنبياء قبل عيسى ﵇، أنهم لم يذكروا لأمهم المعاد، ولا أن يقطع بنفي ذلك اعتمادا على أنه لم يجد في التوراة له ذكرا. فإنه لو ثبت أن التوراة المنزلة كانت خالية من ذكر المعاد، لكان وجه ذلك أن الله ﷿ اخبر موسى بالمعاد بوحي، أو جاءه خارجا عن التوراة. فكيف وغير ذلك ثابت، وليس شيء مما علومه عنه ثقة، ألا ما ثبت بغير خبرهم أنه فيما أنزله الله تعالى، وبالله التوفيق. وأيضا فإن بعض نسخ الكتاب الذي يدعون أنه التوراة هو الخالي من ذكر البعث بعد الموت، فأما الذي ترجمه أحمد بن عبد الله للإنجيل وفيه شيء كثير، ذكر أنه مما أنزل الله على موسى من صحف إبراهيم صلوات اله عليهما، فما أكثر ما فيه من ذكر القيامة، وقد قرأته مرات وعلقت كثيرا منه، ولو لم يكن من هذا شيء ليس من المجتمع عليه أن نبينا صلوات الله عليه كان من أولي الألباب ومشهورا بالحكمة، فغن كان الخاسرون لا يشهدون له بالنبوة، ومعلوم أن القاتل المكلف بأمر من الأمور، الحريص على جمع الناس على الاعتراف لديه، لا يأتي بما ينفرهم عن تصديقه، ويضطرهم إلى تكذيبه، وإنما يجتهد في تقريب قراه عليهم، وأشرابه قلوبهم. فإذا كان هذا هكذا، لم يجز أن يكون محمد نبينا صلوات الله عليه، أخبر بني إسرائيل بأن نبيهم ومن تقدمه أخبروهم بمعاد فيه الجنة والنار، من غير أن يعلم أن ذلك كان منهم، أو مع علمه بأنه لم يكن، وإنما كانت مواعيدهم كلها عاجلة لا آجلة، ولم يكن يخفى عليه وهو عاقل مميز أنه إذا أخبره عن أنبيائهم وكتبهم خلاف ما يعرفون، كان ذلك مدعاة لهم على تكذيبه وجحد نوبته، وتنفيرا لهم عن الدخول في دينه. فثبت أنه إنما أخبرهم بذلك بأن الله ﷿ قد أنزل ذكره وصفته في كتبهم على أنبيائهم لاستبانة أن ذلك حق، ولم يكن هذا اليقين يقع له إلا أن يكون صادقا في أن الله تعالى يرسل إليه الملك بما يشاء من أمره، ويطلعه على الغيب الذي يريد اطلاعه فصح ووضح أنه كان رسول الله حقا فوجب تصديقه عن مخبراته والبعث بعد الموت وأن الرسل المتقدمين أخبروا قومهم به جملتها، فلزم تصديقه وبالله التوفيق.

اطلاعه فصح ووضح أنه كان رسول الله حقا فوجب تصديقه عن مخبراته والبعث بعد الموت وأن الرسل المتقدمين أخبروا قومهم به جملتها، فلزم تصديقه وبالله التوفيق. وأيضا فإن خبر المعاد لم يزل فاشيا في الملتين وغيرهم من الأوائل المتقدمين، وقد ذكر

سقراط أن الذين يمضون إلى الآخرة، وقد أفنوا أعمارهم بالطهارة وسبيل القصد، فإن الملك يقودهم إلى الأرض مشرقة عجيبة، وما تنبت فيها من الأنوار والأشجار بخلاف هذه، إذا كانت التربة والأحجار خلاف لتلك الأحجار، ملس متسقة، حسنة الألوان كأنصاف اليواقيت والزبرجد، وليس فيها بأكل ولا فساد، ولا في تربتها عفونة، وجميع ما تم من الحيوان ومن النبات بخلاف هذا كله. وتلك الأرض مزينة بالذهب والفضة، وليس لأولئك مرض، وحواسهم بخلاف حواسنا، وأذهانهم بخلاف أذهاننا ومفهومنا، وثم لهم ملائكة يكتبون، ووحي وآثار سيئة ومعارضات عجيبة، وأن الذين عظمت ذنوبهم وجناياتهم، ونزلوا واجبات الشريعة فإنهم يحملون إلى نهر يلتهب بنار عظيمة، ويغلي بماء وطين، فيكون فيها أبدا، لا يخرجون عنها، وأما الذين برزوا في حسن السيرة وأنهم يصيرون إلى فوق إلى السكن التقي فيسكنونه، ومن كان من هؤلاء قد آثر الحكمة ويبقى بها نقيا بالغا، فإنهم يعيشون بالأبدان، ويصيرون إلى مساكن لا تسهل الدلالة عليها. قال: فقد ينبغي لما قلت يجتهد الجهد كله حتى ينال في سيرتنا الفضيلة وللفوز في الذكاء والفهم. وهو الذي قاله سقراط من أن من آثر الحكمة ويبقى بها ويعيش في الآخرة بلا بدن، يدل على أن عامة ما قدمه في غير هذه الطبقة من خير أو شر، فإنما أراد به أن ينال أبدانهم، فإنهم لو كانوا عنوة بلا أبدان لم يكن بينهم وبين المؤثرين للحكمة فرق.

ى أن عامة ما قدمه في غير هذه الطبقة من خير أو شر، فإنما أراد به أن ينال أبدانهم، فإنهم لو كانوا عنوة بلا أبدان لم يكن بينهم وبين المؤثرين للحكمة فرق. وهذا هو الذي أنكره المعترض الذي حكينا اعتراضه وقدحه، ورغم أن المسيح أول من رزم بإعادة الأرواح، ولم يرض الذي جاء بعده- يعني المصطفى نبينا ﷺ بذلك حين قال: (إن الإيمان يعلو) فيقال له: إن كان الأمر كما قلت، فمن وأين قال سقراط ما حكيناه منه، وهو على ما يقال: كأن قبل موسى ﵇ بسنين كثيرة، وإن أيامه كانت قريبة من عصر إبراهيم ﵇، وهل يمكن أن يكون ما قال استنباطا واستخراجا له بعقله، فإن كان ذلك يمكن إدراكه بالعقول. فما أحرى بالذي جاءوا به عن الأنبياء صلوات الله عليهم التصديق والتنزيه من أن

يكون زوروه أو افتعلوه، ليكذبوا به العامة ويقودهم إلى طاعتهم واتباعهم، فإن مثل هذه التهمة إنما تليق بمن قال قولا لا يجد له في المعقول أصلا، فإذا ذلت عليه العقول، وشهدت بصحته الأصول، فإن القبول إله منه يلزم، وإن لم يكن نبيا. فكيف يجوز أن يتهم فيه بالتزوير إذا كان نبيا، أتى بالمعجزات، وأتت نبوته بالدلائل والبينات، فإن كان سقراط لم يقل ما حكيناه عنه من قبل المعقول، وإنما قاله سماعا من الدعاة إلى الله، كانوا في ذلك أو قبله، فقد بطل قول المعترض: أن أول من جاء بهذا الوعد محمد ﷺ. وأما الذين تقدموا فإنما كانوا يعترضون على المواعيد العاجلة، وقال سقراط عند موته إلى الله الابتهال في أن يكون نقلي من هذه الدار إلى الدار الآخرة نقلة سعادة.

لذين تقدموا فإنما كانوا يعترضون على المواعيد العاجلة، وقال سقراط عند موته إلى الله الابتهال في أن يكون نقلي من هذه الدار إلى الدار الآخرة نقلة سعادة. وقال تاليس المليسي، أحد السبعة الذين كانوا يدعون أساطين الحكمة: أن فوق السماء عالم مبدعة، لا بقدر المنطق على أن يصف تلك الأنوار، وذلك الحسن والبهاء، وهي مبدعة من غير لا يرك العقل غوره، وهو الدهر المحض من نحو آخره لا من نحو بدئه وإليه تشتاق العقول والأنفس أشد الشوق، وهذا الذي سميناه الديمومة والبقاء في حد النشأة الثانية. فقد أثبت هذا الرجل أيضا النشأة الثانية، وقوله في السماء عوالم لا يقدر على أن يوصف حسنها يوافق ما جاء من ذكر العرش، وإن جنة عدن في ظلاله وبقربه، وما جاء من قول الله جل ثناؤه: ﴿أعددت لعبادي الصالحين. ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر﴾. فكيف يجوز المعترض أن يقول: أن فكر المعاد أبدعه محمد؟ وإن هذا القول مستعان على أسرائه قلوب العامة مما يعلم منهم من الحرص على الحياة، وقد سبق محمد ﷺ إلى هذا من ذكرناه ممكن لا يعد في أصحاب الشرائع وليس عند المعترض بموضع تهمة. وقال هرقل العظيم من أهل افيسيوس: إن السماء في النشأة الثانية تصير بلا كواكب لأن الكواكب فيها ذكر، تهبط سفلا حتى تحيط بالأرض، وتلتهب فيصير بعضها متصلا ببعض حتى تكون كالدائرة حول الأرض، فكل نفس شريرة تبقى محيطة بها تلك النار

وتصير الأنفس الزكية المطهرة إلى السماء وتكون سماؤهم سماء نورية أشرف من هذه، فيها آثار الباري ﷿ بلا متوسطات وهناك الصور والحسن المحض والقوة. فقد أثبت هذا أيضا النشأة الأخرى، وقد سمى الله ﷿ الحياة الآخرة بهذا الاسم في القرآن فقال: ﴿وأن عليه النشأة الأخرى﴾ وقوله: إن الكواكب تهبط سفلا، وهو عين ما ورد به القرآن من قوله ﷿ ﴿وإذا الكواكب انتثرت﴾. وقوله في النار التي تحيط بالأرض، قول الله ﷿: ﴿نار أحاط بهم سرادقها﴾ وقوله في الأنفس الزكية أناه تصعد إلى السماء وسماؤهم أنور وأشرق من هذه، يدل على أن التي أشرق كواكبها تزول عنده فيضاهي ذلك ما في القرآن من قوله: ﴿والسموات مطويات بيمينه﴾. وقال سقراط: فغن الذين مروا من قديم الدهر، إن الذي يصير إلى الآخرة من البقاء والاستبصار، فإنه ساكن الملائكة وعلى زرابيته الأكاليل، وإن الذين يمضون إلى الآخرة وليس عندهم نقاء فإنهم يكونون في الحمأة والبلاء، لم يكوناو اخساء ولا اراذل ولا جهال ولكن أهل فهم وعقل وفضل وجلاله، وأنا قد اجتهدت عند هذا كله في طلب الصواب وتيقنت تيقنا لا يتقدمه شيء أن مصيري إذا أخرجت من هذه الدنيا إنما هو مؤول في غابة الجود والخير، ورؤية أقوام خيار، فلم أعسر على مختلف من أخلقه من إخواني وساداتي لما أرجو أني ألقى هناك إخوانا وسادات خيارا ليسوا بديلا من هؤلاء. فقد أثبت سقراط أن ذكر الآخرة موجود سائر في الناس عند قديم الدهر، وأن الذين أخبروا بذلك كانوا أهل جلال وفضل وفهم، وذلك تكيفت للمعترض في دعواه، أن أول من جاء بذلك نبينا ﷺ ها هنا ومما كتبناه من كلامه قبل هذا: إن أهل البقاء يصيرون إلى فوق وخلافهم يكونون في الحمأة والبلاء، موافق لما في القرآن من قول الله ﷿: ﴿كلا إن كتاب الفجار لفي سجين﴾، وقوله: ﴿كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين﴾.

إلى فوق وخلافهم يكونون في الحمأة والبلاء، موافق لما في القرآن من قول الله ﷿: ﴿كلا إن كتاب الفجار لفي سجين﴾، وقوله: ﴿كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين﴾.

وقول سقراط: إن الحياة تذهب بهم إلى نهر يلتهب بنار عظيمة وتغلب ماء وطين، يوافق بما جاء غير واحد من الصحابة في قوله: ﴿وإذا البحار سجرت﴾، إنها تحمي فتصير جهنم ويحبس فيها قوم من العصاة. وقال بعضهم: سجرت أي سألت، فقد يجوز أن يحيي ويرسل فتصير أنهارا جارية يغل بعضها بنار وبعضها بماء وطين، وبالله التوفيق. فإن قيل: كيف يجوز إثبات حكيم عن بقراط ولم يكن مصدقا بالرسل؟ قيل: إنما حكينا عنه قوله، ويقال: إنه كذا وكذا، فإنه قد أثبت لهذا الخبر أنه سمع ما قال إنه ليس بذلك، إنما ادعاه المعترض من أول إبداع هذا الوعد، إنما كان نبينا ﷺ، وإنه تنبه لما كان لا يجوز أن يثبته له، إلا الأولون من الدعاة إلى الله تعالى، إن كانوا هم المبتدئين للأمر بهت وكذب، وإن كان هذا مسموعا متعالما منذ قديم الدهر، ثم سواء كان سقراط مثبتا لهذا الوعد مصدقا لهذا القول، أو منكرا إياه ومكذبا به، وعلى أنه يمكن أن يكون مثبتا له من جملة ما أخبرت به الرسل، وإن كان غير معترف برسالتهم لاستبصاره من دلائل العقل ما يوحيه في الجملة، فإن لم يكن فيها التفصيل الذي جاءت به الرسل والله أعلم. وعلى أن سقراط فيما قيل من خبره كان مصدقا بالرسل فيما خلا ثم صار إلى تكذيبهم، لا من حيث رأى: إنه لا يجوز أن يكون الله تعالى إلى خلقه رسول، ولكن لأمر يسير دخلت عليه الشبهة من قبله، وهو أنه كان صاحب جهد في استنباط العلوم التي كانوا يسمونها رياضية وطبيعية. فلما شاهد الرسل أمل أن يجد عندهم من هذه العلوم ما يستغنى بها عن الجهد والطلب، وستبين له الحقائق وتزول عنه الخواطر والشكوك، فلما لم يجد عندهم منها شيئا استبعد أن يكون الرسول الموحى إليه في البعد من هذه المعلومات كالعامة، فصار ذلك سبا لاتهامه إياهم، وجحده ثبوتهم. ولو كان الله تعالى كتب له السعادة لعلم أن الله ﷿ إنما بعثهم ليوقف عبادة بهم على ما خلقهم له من عبادته ولم يكلهم أن يعلموا ما يبعث سقراط وأمثاله فيه أنفسهم

ن الله تعالى كتب له السعادة لعلم أن الله ﷿ إنما بعثهم ليوقف عبادة بهم على ما خلقهم له من عبادته ولم يكلهم أن يعلموا ما يبعث سقراط وأمثاله فيه أنفسهم

شيئا، ولا ذلك مما ينفعهم في الآخرة شيئا، وإذا كان هذا سبب كفره فلا ينكر أن يكون ما حكاه من أمر النشأة الثانية شيئا سمعه من أحياهم قبل أن يتغير رأيه فيهم ويكون منه ما كان وبالله التوفيق. وأيضا فإن في أشعار العرب في الجاهلية قولا يثبت المعاد يوما لسحاب، فقال زهير بن أبي سلمى في قصيدته المعروفة: فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ... ليخفى فمهما تكتم، الله يعلم يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أم يجعل فينقم وليس يمكن أن يكون زهير أخذ عن النبي ﷺ لأنه سبق أيامه، فصح أنه أخذ عمن يقدمه، وأن علم العباد كان خاشيا عندهم والله أعلم. وأما قول المعترض في المواعيد العاجلة، فجوابه: أن المواعيد العاجلة أدل به على صدق الوعد لأنه لم يبق عن نفسه الثقة التامة بأنه صادق مصدق لا يقدم على أن يعد الناس على اتباعه، ويوعدهم على خلافة مواعيد عاجلة ويصرف لنا مواقيتا معلومة لأنه لا يأمن أن وقع فيها قال خلف: أن ينتهك ستره ويعامل ما يعامل به الكذابون المزرورون. ولما كانت الدعاة إلى الله ﷿ المتقدمون فعلوا ذلك صح أنهم كانوا مسبقين لصدق أنفسهم فلا يمكن أن يكون اليقين وأفعالهم للأمر قبل إخبار الله تعالى وإياهم بما أخبروا به قومهم، فثبت بذلك أحقاقهم ولم يجز بعد ذلك أن يتأول عليهم ما تأوله المعترض من أنهم قدروا في أنفسهم أن خلفا أن وقع في ميعادهم وضعوا له علة، فإنا قد بينا أن ذلك غير ممكن أن يكون منهم مع قطعهم بما ذكروا أنه كان بعينه وقت تنبئه بعينه، وإنما يصلح طلب العلة لمن وعد خيرا منها أو وعد شيء منها لا في وقت بعينه.

ن ذلك غير ممكن أن يكون منهم مع قطعهم بما ذكروا أنه كان بعينه وقت تنبئه بعينه، وإنما يصلح طلب العلة لمن وعد خيرا منها أو وعد شيء منها لا في وقت بعينه. وأيضا فإن ما قال: أن كان مثله يمكن أن يكون من واعد وموعود، فلم يقع في خبر أحد من الأنبياء ﵈، حلف احتاج إلى أ، يطلب له علة لكن كل ما أخبر به وقع في الوقت الذي قال بعينه. لأن نوحا ﵇ أن أنذر قومه بالاحتياج ودعا على قومه بأن لا يذر على الأرض من الكافرين ديارا. وقد كان ذلك بعينه، فإن الله ﷿ أرسل الطوفان فعم الكافرين بالغرق ولم يتخلص إلا نوح ومن آمن به.

ولئن كان هود ﷺ أنذر قومه بالبوار، فقد حقق الله تعالى ذلك فأرسل عليهم ريحا عاتية لم يبق منهم أحدا. ولئن كان صالح ﵇ أنذر قومه: إن آذوا الناقة ومسوها بسوء بعذاب قريب، فعقروها ولم يخافوا عقبى جناتهم عليها، فقد صدق الله تعالى وعده وأرسل عليهم الثالثة والرابعة صيحة أهلكتهم وإن كان موسى ﵇ وعد بين إسرائيل عن الله تعالى أن يخلصهم من فرعون واستبعاده إياهم، ويورثه أموال قومه فقد فعل ذلك بهم. وما يتهيأ للمعترض أن ينص على وعد ووعيد لبني أخلف، فاحتاج إلى أن يطلب لاخلافه عله، فدل ذلك أن مواعيدهم لم تكن صادرة من جهتهم وإنما كانت تصدر عن عبد الله تعالى عاجلة كانت أو آجلة، وبالله التوفيق. وأما ما حكاه عن عوام المسلمين من اختلاف أموالهم في المطيع والعاصي، إذا رأوا أحدا منهما بأحسن حال، فإنما هو مثل ضربة للأنبياء ﵈ من مواعيدهم، وقد ثبت أن الحال التي وضعها لم تكن لهم، فبطل بذلك أن يكون مثلهم مثل الذي ضربه لهم، وبأن ذلك أنه وضع التشبيه غير موضعه، وشك النبي بخلافة لا بنظره على أن ما قاله ليس بقدح في الكلام الذي حكاه من العوام لأن جميع ذلك حق. وقد فاوت الله بين عباده في الأخلاق والهمم فجعل منهم من لا يصلحه إلا الغني، ومنهم من لا يصلحه إلا الفقر، فهو ﷿ يوسع على المصلح الذي جبله على الصبر وسعة الصدر، ليجزيه في الآخرة بصبره كما يجزيه بغيره من عمله. والمفسد أيضا قد يوسع عليه إفساده ليبتليه حتى إذا قابل أنعامه بالكفر، جزاه بذلك كما يجزيه بغير ذلك من سيئات أعماله، وقد يقر عليه تشقيقا وتشديدا علي. فيكون ذلك وبالا عجلة له، فأي شيء من ذلك قاله قائل فيمن ذكرت كان مصيبا صادقا، ومحى حد السالكين سبيل المعترض هذا أيضا، لن المنجمين منهم قد ينظرون في حال الرجل، فإذا وجدوها شبهة ضيقة قالوا: هذا من آثار رجل. وقد ينظرون في حال آخر، فإذا وجدوها رفيعة صالحة، قالوا هذا من عطية رجل: فلو قيل لهم: هذا أيضا مختلف، قالوا: كلا، فإن الرجل إذا كان في موضع من الفلك موافق أعطى، وإن كان في موضع رديء أخذ، فجعلوا لكل واحد من القضائيين

رجل: فلو قيل لهم: هذا أيضا مختلف، قالوا: كلا، فإن الرجل إذا كان في موضع من الفلك موافق أعطى، وإن كان في موضع رديء أخذ، فجعلوا لكل واحد من القضائيين

حالا غير حال الآخر يتحرزون بذلك قضاؤهم عن التناقض ولا ظنا منهم ينظرون إلى رجل متحرز حذر يسلم، فيقولون ما تفعل الحكمة بأهلها، ونظروا إليه لا يسقم، وعلى اختلاف الحالات يسلم. وقد ينظرون إلى متحرز محاذر لا يسلم، فيقولون الحمية ليست محمودة بالإطلاق. ولبعض الأطباء كتاب في الحمية مفرطة مهلكة للبدن، ونسوا ما قالوه للآخر. وقد يرون رجلا يتهافت بالطعام والشراب وعلى ذلك يسلم فيقولون: ما أقوى طبعه وأحكم تركيبه. وقد يرونه لا يحتضرز ولا يسلم، فيقولون: هذا لأنه لا يسامح نفسه ولا يحسن تدبيره، ونسوا ما فضلوا به للآخر. فلو قيل لهم: إن هذه القضايا مختلفة متفاوتة مضطربة، قالوا: كلا إن لكل قضاء من هذه حالا يخرج، وبها يتعبد، فيقال للمعترض: فإن عوام المسلمين كذلك يقولون لك ويزعمون أن لكل مقام مقالا، وأن لكل قول حكيته عنا حالا، فأرض منا بما ترضى به من الأطباء والمنجمين وبالله التوفيق. ويقال له أن المواعيد العاجلة لم تصدر من الأنبياء عليهم مصادر المواعيد الآجلة، التي استبعدتها، وإنما كانت من جهة حجج، أو لذكر الأنبياء على قومهم فغنها، إذا خفت كانت حلا له على صدقهم، وكان يزول ما نفع الأبعاد به بالموعدين تردعه لمن يأتي بعدهم من المنذرين عن أن يكونوا أنبياء، أن جاءهم بآية، وبوعدهم على تكذيبه بوعيد، وأن لا يقنعوا منه بتلك الآية، ويتربصوا لينظروا أيصدق وعيده أو يكذب، وهذا بين في اقتصاص الله تعالى أيضا الأمم الماضية، لأنه قال في قصة نوح: ﴿فكذبوا عبدنا، وقالوا مجنون وازدجر، فدعا ربه إني مغلوب فانتصر، ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر﴾. وقال: ﴿كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر، إنا أرسنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر﴾. وقال: ﴿كذبت ثمود بالنذر، فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إلى قوله: ﴿فتعاطى فعقر، فكيف كان عذابي ونذر﴾.

ر، إنا أرسنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر﴾. وقال: ﴿كذبت ثمود بالنذر، فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إلى قوله: ﴿فتعاطى فعقر، فكيف كان عذابي ونذر﴾.

وقال: ﴿كذبت قوم لوط بالنذر، إنا أرسلنا عليهم حاصبا، إلا آل لوط نجيناهم بسحر﴾. وقال: ﴿ولقد جاء آل فرعون بالنذر، كذبوا بآياتنا فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر﴾. فقد أبان الله ﷿ المواعيد العاجلة أنها مؤكدة لبينات الرسل، فلما لم تقبل منهم آياتهم أرسل عليهم من العذاب ما كانوا أنذروا به، ليؤكدوا ذلك الآيات التي أعدوها في الدلالة على صدقهم، أو تردع الجائين بعدهم عن مثل صنيعهم، إذا كانت الدار دار التكليف والتعبد. فأما هتك حرمة الإله المبدع البارئ المصور، الخالق الرازق، فليس يجوز أن يكون العرق أو الصحة أو الريح أو الخسف جزاؤه، لأنه ليس في شيء من ذلك أعظم من سلب الروح، وذلك عقبى كل ذي روح، آمن أو كفر. وما وراء ذلك فإنما هي روعة ساعة أو كرب ساعة. ولا يشك أن ذلك لا يقابل عند عظيم حرمة الله ﷿ لإيواء الكفر مع تتابع نعمه التي لا تحصى، الزمان الطويل والأمد البعيد، ولا تكذبت رسله والكفر بهم، فصح بذلك أن هذه المواعيد لم تكن تصدر من الأنبياء ﵈، مقابلة الحق والإيمان والكفر، ولا الإيمان والكفر بهم أنفسهم، وإنما كانت تصدر منهم على الوجه الذي بيناه وشرحناه. وإذا كان كذلك صح إنما يستخص به بالكفر بالله وبرسله، هو شيء خارج عن هذه المؤاخذة العاجلة، وأن جزاءهم بالحقيقة زائد عليها أضعافا لا يحصيها إلا الله تعالى، فهو لا محالة واصل إليهم إذا صح ذلك، ثم وجدنا الإنذار بما دون ذلك، لم يجز أن لا تكون الأبدان هذا إلا عظم وأنفا لأن ظن الخبر عنهم غرور لهم، ولا يجوز على الغرور. فثبت أنه قد وقع منهم وإن لم يوجد في كتبهم وبالله التوفيق. وإذا قد ثبت لنا، أردنا إثباته في مجيء الأنبياء ﵈، بذكر البعث بعد

الموت، في الجزاء بالأعمال، علمنا أن الذائعين له، يبعثون بذلك البروج على المنعمين المترفين من الملوك، وذوي الأعمال العظيمة ليستأكلوا بها أعمالهم، ويكتسبوا بها الوجاهة عندهم. وإنما يستعينون على إشراب ذلك قلوبهم بما في الطباع من حب الجمام والراحة، والميل إلى الخفض والدعة، فلا مكيدة لهم ولا لغيرهم من طبقات الكسالى أعظم من أن تصور ما يقرب عليهم ترك الصلوات ومنع الزكوات والعقول عن غيرها من الطاعات، وتسهيل سبيلهم إلى إتباع الشهوات، ومن تأمل الحال عرف صدق المقال وبالله التوفيق.

الثامن من شعب الإيمان وهو باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم إلى المواقف الذي بين لهم من الأرض فيقومون ما شاء الله ﵎، فإذا جاء الوقت الذي يريد الله (به) محاسبتهم أمر بالكتب التي كتبها الكرام الكاتبون، تذكر فيها أعمال الناس، فأتوها. فمنهم من يؤتي كتابه بيمينه، أولئك هم السعداء. ومنهم من يؤتى كتابه بشماله، أو وراء ظهره وهؤلاء هم الأشقياء. قال الله تعالى في المطففين: ﴿ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون لوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾. فأخبر أن الناس يكونون يوم القيامة واقفين على أقدامهم. وأبان أن لا حال لهم سوى القيام من قعود واضطجاع. قال: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه، ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا، إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا﴾. وقال: ﴿وإن عليكم لحافظين، كراما كاتبين، يعلمون ما تفعلون﴾. وقال ﷿: ﴿عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾. وقال: ﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق، إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون﴾. وأخبر أن الذين يقرأون كتبهم يقولون: ﴿مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها﴾. وإن من أوتي كتابه بيمينه يقول: ﴿هاؤم اقرؤوا كتابيه، إني ظننت أني ملاق حسابيه، فهو في عيشة راضية، وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول: ﴿يا ليتني لم أوت كتابيه، ولم أدر ما حسابيه، يا ليتها كانت القاضية﴾.

ه، إني ظننت أني ملاق حسابيه، فهو في عيشة راضية، وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول: ﴿يا ليتني لم أوت كتابيه، ولم أدر ما حسابيه، يا ليتها كانت القاضية﴾.

وقال: ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا﴾. فإذا وقف الناس على أعمالهم من الصحف التي يؤتوها حوسبوا، قال الله ﷿: ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه، فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا﴾. فدل ذلك على أن المحاسبة إنما تكون إيتاء الكتب، ولعل ذلك- والله أعلم- لأن للناس إذا بعثوا لا يكذبون ذاكرين لأعمالهم، فإن الله ﷿ يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا، أحصاه الله ونسوه، فإذا ذكروها وقفوا عليها: حوسبوا بها، ولا يمكن أن يقطع في صفة المحاسبة بشيء لأنها لا تدرك إلا بتوقيف. غير أن جاء في خبر عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من أحد إلا وسيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان). وسمعت منهم من يقول: إن الملائكة يحاسبون بأمر الله والمحاسبة حكمة، فلذلك يضاف إليه كما أنه أضاف الحكم إلى نفسه. فقال: ﴿ألا له الحكم﴾، وقال: ﴿وهو خير الحاكمين﴾ ألا أنه جعل مع ذلك إلى العلماء عباده أن يحكموا بين الناس، فالحكم له والعباد يتولونه بإذنه. كذلك المحاسبة حقه وحكمة، غير أن الملائكة يتولونها بإذنه، والله أعلم. وقد قيل أن الله ﷿ لما قال: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا، أولئك لا خلاق لهم في الآخرة، ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم﴾. فخص هؤلاء بأن الله لا يكلمهم يوم القيامة، دل ذلك على أن من لم يكن في معناهم فإنه- تعالى جده- يكلمهم، فإن كان هكذا فإنه سيكلم المؤمنين ويحاسبهم حسابا يسيرا بنفسه من حيث لا يكون بينه وبينهم ترجمان إكراما لهم. كما أكرم موسى ﵇ في الدنيا بأن كلمه تشريفا له وتفضيلا، فإن المغضوب

المؤمنين ويحاسبهم حسابا يسيرا بنفسه من حيث لا يكون بينه وبينهم ترجمان إكراما لهم. كما أكرم موسى ﵇ في الدنيا بأن كلمه تشريفا له وتفضيلا، فإن المغضوب

عليهم من الكفار وغيرهم، فإنه لا يكلمهم، ويأمر الملائكة بمحاسبتهم ليميزهم بذلك عن أهل الزلفة والكرامة والله أعلم، ما هو فاعله. وقد وصف الله تعالى نفسه في كتابه بأنه أسرع الحاسبين وأنه سريع الحساب وقال: ﴿وكفى بنا حاسبين﴾، فقيل: إن معناه محاسبة الخلائق لا يعتاص عليهم لكثرتهم وكثرة أعمالهم كما يحتاج المحاسب من البشر إلى مدة مديدة إذا كثر الذين يحاسبهم، لكنه حاسبهم جميعا بنفسه لمحاسبة أحدهم ومحاسبة أحدهم لا يتطاول عليه لكثرة عمله، فيحتاج منها إلى وقت أمد من وقت محاسبة غيره، ممن هو أقل عملا منه، لكن مدته تتسع لمحاسبتهم معا وإن كثروا، وكان بعضهم أكثر عملا من بعض. وإن كان المعهود من محاسبة الناس بعضهم من بعض خلاف هذا، ألا ترى أن مدته تتسع لأحداث خلائق كثيرة معا كما تتسع لأحداث أحدهم، وقدرته على أحداث الخلق العظيم، كقدرته على أحداث خلق صغير، وقد بين جل ثناؤه ذلك في كتابه فقال: ﴿ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة﴾، أي إلا لخلق نفس واحدة، وليس هذا للعباد، ولأن أحدا منهم لا يقدر على الجمع بين بناء دارين وركوب دابتين، وقطع ثوبين وخياطة قميصين. وإذا تعاطى أحدهما لم يفعله إلا شيئا فشيئا، واحتاج لأكثرهما شغلا إلى زمان أطول، لذلك تتسع قدرة الله تعالى لمحاسبة الخلق كلهم معا ولا يحتاج لمحاسبة أكثرهم عملا إلى زمان يطول هذا إن حاسب نفسه، فأما أن أمر الملائكة بالمحاسبة، فإنه يقتص لكل واحد منهم ملكا بحسابه، فيقتضي محاسبتهم في وقت واحد من هذين مما لا يقدر عليه غيره على مثله، فيستحق في الوجهين أن يكون أسرع الحاسبين وبالله التوفيق. فصل وقد أخبر الله جل ثناؤه، أن المحاسبة تكون بمشهد النبيين والشهداء، فقال ﷿: ﴿وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون﴾.

وقال: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾. فالشهيد في هذه الآية النبي ﷺ. وشهيد كل أمة نبيها، وأما الشهداء من قبلها فالأظهر أنهم كتبة الأعمال بحضرة الأمة ورسلها، فيقال للقوم: ما أجبتم المرسلين؟ فيقول الرسل لله تعالى: ﴿لا علم لنا إنك علام الغيوب﴾، وذلك إما لأنهم نسوا ما أجيبوا به، وإما لأن الهيبة تأخذ بمجامع قلوبهم، فيذهبون في تلك الساعة عن الجواب، وإن كانوا ذاكرين له من قبل. ثم إن الله تعالى ينبئهم ويحدث لهم ذكرت فيشهدون بما أجابتهم به أممهم، فهذا فيما بين كل نبي وقومه. فأما كل واحد من القوم على الانفراد فالشاهد عليه صحيفة عمله وكاتباه، فإنه قد أخبر في الدنيا بأن عليه ملكين موكلين يحفظان أعماله وينسخانها، وأعلم أن جميع ما ورد عليه قبل أن يرد، وعرف أن الملائكة أمناء لا يعصون الله ما أمرهم، وأنهم من خشيته مشفقون، فريق بذلك كله، واعتقد واعترف بأنهم لا يزيدون ولا ينقصون ولا يحرفونه ولا ينتمون ولا يغلطون ولا ينسون، فلا حجة عليهم في موقف العرض والحساب أولى بأن يقام عليهم من شهادتهم وما كتبوه لهم وعليهم. وليس هذا لأن الله ﷿ غير محتاج في تثبيت الذنب على العبد ليعاقبه به إلى حجة وبينة، ولكن الناس يردون القيامة، وقد تباعد عهدهم بأعمالهم ونسوها وأغفلوا عنها. فقد كانوا في الدنيا ينسبون ما يكون منهم بأخف من هذه العوارض التي عرضت لهم. فإن تلك الحوادث إذا قوبلت بالموت والبلى، ثم الإعادة والبعث ومشاهدة أهوال يوم القيامة، كانت هباء. ولذلك قيل لهم: كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: ﴿لبثنا يوم أو بعض يوم﴾ فإذا عرضت عليهم الصحف الناطقة بأعمالهم وشهد عليهم كتبتها بما فيها، ووقع لهم العلم بما كان منهم ضرورة، وتبين لهم من الصواب والخطأ وفيما كان منهم ما كانوا في الدنيا جاهين أو مستكينين فيه، وذلك مما وعدهم الله ﷿ أن يفعله بهم، لأن الله ﷿ خبر في غير آية أنهم يردون إليه فيثيبهم بما كانوا فيه يختلفون. فدخل من دخل

دنيا جاهين أو مستكينين فيه، وذلك مما وعدهم الله ﷿ أن يفعله بهم، لأن الله ﷿ خبر في غير آية أنهم يردون إليه فيثيبهم بما كانوا فيه يختلفون. فدخل من دخل

النار منهم عن بصيرة باستحقاقه إياها. ودخل من دخل منهم الجنة متحققا بفضل الله تعالى عليه، بما أهله له من الكرامة التي أورده إياها يوم القيامة والله أعلم. وأما أخبار الله ﷿ عن شهادة الجوارح على أهلها بقوله تعالى: ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾. وقوله تعالى: ﴿وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم، ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون، وقالوا لجلودهم: لما شهدتم علينا، قالوا: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء﴾. وقوله ﷿: ﴿اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون﴾. ومما جاء عن النبي ﷺ من قوله: ﴿إنكم مقدمون يوم القيامة، فأول ما يتكلم من أحدكم فخذه﴾. وإن ذلك والله أعلم- يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون زيادة على ما ينطق به كتاب بعض العصاة، يريد الله تعالى به فضيحة يوم القيامة، لأنه في الدنيا كان يجاهر بالفواحش ويخلو قلبه عندها من ذكر الله ﷿ فلا يفعل خائفا مشفقا. لكن فعل من لا يرى عليه تقية بحال، فيجزيه الله تعالى بمجاهرته إلا ساعة تفحشه وفجوره على رؤوس الأشهاد، ويكون معنى قوله تعالى: ﴿ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون﴾. أي فعلتم فعل من يظن هذا. كما قال في قصة يونس ﵇: ﴿فظن أن لن نقدر عليه فنادى﴾. أي فعل من يظن أنه لا يقدر عليه والله أعلم. والآخر أن يكون هذا، فيمكن أن يقرأ فلا يعترف بما ينطق به على هذا. أنهم يقولون لجلودهم: لم شهدتم علينا. فهذا يدل على أن الذين يشهد عليهم جوارحهم،

علم. والآخر أن يكون هذا، فيمكن أن يقرأ فلا يعترف بما ينطق به على هذا. أنهم يقولون لجلودهم: لم شهدتم علينا. فهذا يدل على أن الذين يشهد عليهم جوارحهم،

بلغوا غاية التمرد، فلم يذعنوا لشهادة الصحيفة، ولا كاتبيها، فاستحقوا من الله تعالى الفضح والإجزاء، نعوذ بالله منها والله أعلم. فصل والحساب وإن كان لله تعالى ذكره جملة، وكذلك جاء ذكره في كثير من الأخبار، فإن في بعضها دلالة على أن كثيرا من المؤمنين يدخلون الجنة بغير حساب وهم المتوكلون. فصار الناس إذا ثلاث فرق: فرقة لا تحاسب أصلا، وفرقة تحاسب حسابا يسيرا، وهاتان الفرقتان من المؤمنين، من يكون أدنى إلى رحمة الله فيدخله بغير حساب. وليس يبعد أن يكون من الكفار من يكون أدنى إلى غضب الله فيدخل النار بغير حساب. فتكون الفرق أربعا. وقد جاء في الحساب اليسير عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (اللهم حاسبني حسابا يسيرا، قلت: وما الحساب اليسير؟ قال: ينظر في كتابه ويتجاوز عن سيئاتهم، وأما من نوقش الحساب عذب، قلت: فأين قول الله ﷿: ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا﴾. قال ذلك العرض. وقيل في معنى العرض: هو أن يقرأ كتابه ليقرأه ويعرف ما كان منه من حسنة وسيئة ثم يتجاوز عن سيئاته من غير أن يقال: لم فعلت هذا، ولم تركت هذا. فيسأل عن الحجة إذا سئل عنها لم يجدها، فكان العذاب يحق عليه. ومناقشة الحساب أن يقول: هلا فعلت هذا؟ أم هلا تركت هذا؟ ولم تركت هذا؟ ويطالب بالحجة، فإذا لم يجدها عذب والله أعلم. فصل فأما الكفار فإن الله ﷿ ثناؤه قال: ﴿أحشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم، وقفوهم إنهم مسؤلون﴾.

وقال في سورة أخرى: ﴿ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون﴾ وقال في ثالثة: ﴿فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان﴾، ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾. ﴿يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام﴾. وفي آيات العدل التي ذكر بعد الفراغ من ذكر الحساب إبانه بالغة عن محاسبة الكفار وهذه الآيات لا اختلاف فيها تناقض لأنها آيات عامة الألفاظ واللفظ العام قد يطلق والمراد به بعض من يشملهم اللفظ اعتمادا على أصل قد يفرد مما إذا رجع المخاطب إليه وجد فيه دلالة الخصوص فيكون الموجود في تلك الدلالة، اللفظ عام بمنزلة الاستثناء المقترن باللفظ. وإذا كان هكذا احتمل الجمع بين هذه الآيات من وجهين: أحدهما من الكفار يحاسبون بالكفر الذي كان طول العمر شعارهم ودثارهم. وكل دلالة من دلائل الإيمان خالفوها وعاندوها وذهبوا عنها، فإن ينكثوا عنها يسألون عنها ويسألون عن الرسل وتكذيبهم إياهم وذهابهم عن الدلائل الدالة على صدقهم. فأما تعاطيهم وتصرفهم، فكل شيء أتاه على مما كان ممنوعا من الملك أو معطلا وكان قبيحا في العقول فإنه يسأل أيضا عنه ويحاسب به. فأما ما فعله على مما كان مطلقا في قلبه وغير مطلق في الإسلام فهو إنما يسأل عن ملته التي كان يعتقدها بعد أن تميل عنها، ويسأل عن ذلك الذنب نفسه كما يسأل المسلم عن ذنوبه كلها، لأن سؤال المسلم عن ذنوبه، أن يقال له: إذا كنت مسلما وكان الإسلام لا يطلق لك هذه الأعمال، فلم عملتها، وما الذي هون عليك تعاطيها ويبعد أن يقال لمعتقد ملة من الملك، إذا كنت تعتقد ملة كذلك، وكانت الأعمال مما يطلقها لك ملك الملة، فلم عملتها وما الذي هون عليك تعاطيها؟ لأنه يقول: هونها علي أن ملتي كانت توحيها، وتمنعني من خلافها. ولو قال هذا لكان يقال له: ولم اخترت تلك الملة وقد كان تعالى نسخها ودعاك إلى غيرها. وبعث بذلك الغير إليك رسولا، وانزل بك كتابا وأمد ذلك الرسول من الدلائل بكذا وكذا، فبان بهذا الرسول لهؤلاء إنما يكون عن كفرهم.

نسخها ودعاك إلى غيرها. وبعث بذلك الغير إليك رسولا، وانزل بك كتابا وأمد ذلك الرسول من الدلائل بكذا وكذا، فبان بهذا الرسول لهؤلاء إنما يكون عن كفرهم.

وما احرموا من الذهاب عن الحق ودلائله لا عن الذنوب، إلا أن تكون الذنوب بالصفة التي ذكرتها وإذا كانت هذه الجملة معقولة وجب أن يرجع إليها في تبين منازل الألفاظ التي وردت بها تلك الآيات، فيقول- يعني قول الله ﷿: ﴿وقفوهم إنهم مسئولون﴾ عن الله ورسله صلوات الله عليهم، وعن الإيمان في الجملة، وهو معنى قوله ﷿: ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ ومعنى: ﴿ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون﴾، أي لا يسألون عما فعلوه مما كانت مللهم وتقتضيها وتوجبها لما ذكرت. وله وجه آخر: وهو أنهم لو فعلوا خلاف ما كانت تلك الملك توجبه، لم يكن في ذلك بر ولا قربة لهم مع تمسكهم بالملك الفاسدة، فكيف يقال لهم: ألا خالفتم ما كانت مللكم تدعوكم إليه، ولو كانوا فعلوا ذلك لم يكن ذلك بانفراده برا ولا قربة لهم. وأما المسلم فإنه يقال له: لم فعلت ما كان دينك لا يقتضيه، لأنه لو فعل بخلاف ذلك، لكان لزوم ما يوجبه دينه عليه برا له وقربة، فهذا فرق ما بينهما والله أعلم. والوجه الآخر: أن الكفار يحاسبون بتعاطيهم كما يحاسبون بأصل دينهم، ومعنى قول الله ﷿: ﴿وقفوهم إنهم مسئولون﴾، أي محاسبون. ومعنى: ﴿ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون﴾ ومعنى ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ سؤال التعرف لتمييز المؤمنين من الكافرين، أي أن الملائكة لا تحتاج إلى أن يسأل أحد يوم القيامة فيقول: ما كان دينك، وما كنت تصنع في الدنيا حتى يتبين له بأخباره عن نفسه، أنه كان مؤمنا أو كافرا، لكن المؤمنين يكونون ناضري الوجوه، منشرحي الصدور، والمشركون سود الوجوه زرقا مكروبين، فهم إذا كلفوا سوق المجرمين إلى النار، أو تمييزهم في الوقف عن المؤمنين كفتهم مناظرهم عن تعرف أديانهم والله أعلم. ومن قال هذا فيحتمل أن يقول: أن الأمر يوم القيامة يكون بخلاف ما هو كائن قبله على ما وردت به الأخبار من سؤال الملكين الميت إذا دفن وانصرف الناس عنه، يسأل عن ربه ونبيه ودينه، أي إذا كان يوم القيامة، لم تسأل الملائكة عند الحاجة إلى

ما وردت به الأخبار من سؤال الملكين الميت إذا دفن وانصرف الناس عنه، يسأل عن ربه ونبيه ودينه، أي إذا كان يوم القيامة، لم تسأل الملائكة عند الحاجة إلى

تمييز فريق عن فريق عن هذا لاستبقائهم بمناظرهم عما وراءها والله أعلم. ومن رأى بهذا الرأي فعسى أن يحتج بقول الله ﷿: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون﴾. فأخبر أنهم يسألهم عن أعمالهم، وهذه الآية في الكافرين. ولمن ذهب المذهب الأول أن يقول: إذا سألهم عن أصل كفرهم ثم تحديهم إياه في كل وقت باستهزائهم بآيات الله ورسوله، فقد سألهم عما كانوا يعملون، وذلك هو المراد بالآية والله أعلم. فصل وإذا انقضى الحساب، كان بعده وزن الأعمال للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة فإن المحاسبة لتقرير الأعمال والوزن لإظهارها معانيها دبرها ليكون الجزاء بحسبها قال جل ثناؤه: ﴿ونضع الموازين القسط يوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئا﴾، ﴿والوزن يومئذ الحق، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون﴾. وقال: ﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون، تلفح وجوههم النار، وهو فيه كالحون﴾. وقال: ﴿فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ما هيه، نار حامية﴾. وفي هذه الآيات كلها أخبار بوزن أعمال الكفار، لأن غاية المعنيين بقول الله تعالى: ﴿خفت موازينه﴾ في هذه الآيات هم الكفار. فإن في أحديهما، ﴿أولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون﴾ والظلم بآيات الله للاستهزاء بها وترك الأذعان لها. وفي الثانية: ﴿فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون، تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون، ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون﴾.

وفي الثانية: ﴿فأمه هاوية وما أدراك ما هية، نار حامية﴾. فهذا الوعيد بالإطلاق لا يكون للكفار فإذا جمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾. إن الكفار يسألون عن كل ما خالفوا فيه الحق من أصل الدين وفروعه، إذ لو لم يسألوا عما وقفوا فيه أصل دينهم من ضروب تعاطيهم ولم يحاسبوا لم يعيدوها في الوزن أيضا، وإذا كانت موزونة في وقت الوزن، دل ذلك على أنهم محاسبون بها في وقت الحساب والله أعلم. ومن قال بالوجه الآخر بقي أن يقول: إنما وصف الله تعالى ميزان الكافر بالخفة، وذلك يقتضي أن يكون له وراء كفره، معاصي توزن معه، لأنه وإن لم يوزن من أعماله إلا الكفر وحده، فليس ذلك بدافع الخفة عن ميزانه، فبطل الاستشهاد بهذه الآيات، على أن فروع كفره موزونة، فأما قوله ﷿: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها﴾، فإنما هو في أن اليسير من الطاعة لا يضع لفاعل ليكون قد ظلم. فأما السيئة إذا لم يؤت بها فليس في ذلك ظلم يلحق صاحبها، فدل أن ذلك يعزل عما أريد بالآية والله أعلم. فإن قيل: فإن معاصي الكافر لا توزن مع الكفر، فهل يعاقب عليها؟ قيل: من قال بهذا القول فينبغي أن يقول: يعاقب الكافر المنهك في السيئات على كفره عقوبة أغلظ مما يعاقب به الكافر المجرد للكفر عن تلك السيئات، لأن كفره هو الذي حمله على ما اقترفه وجناه، ولا يعاقب على سيئة عقوبة مفردة، هو الذي يليق بأن الكفار مخاطبون بالشرائع. وأما القول الآخر: فإنه إنما يليق بأن يكونوا غير مخاطبين بالشرائع حتى يؤمنوا، وفي القرآن ما يدل على أنهم مخاطبون بها مسئولون عنها، محاسبون مجزيون على الإخلال بها، لأن الله ﷿ يقول: ﴿وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة﴾، فتوعدهم على منعهم الزكاة، وأخبر عن المجرمين أنه يقال لهم: ﴿ما سلككم في سقر﴾، فيقولون ﴿لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين، وكنا نخوض مع الخائضين، وكنا

دهم على منعهم الزكاة، وأخبر عن المجرمين أنه يقال لهم: ﴿ما سلككم في سقر﴾، فيقولون ﴿لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين، وكنا نخوض مع الخائضين، وكنا

نكذب بيوم الدين﴾، فبان بهذا أن المشركين مخاطبون بالإيمان بالبعث، وبإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأنهم مسئولون عنها محاسبون بها، مجزيون على ما أخلوا منها والله أعلم. فصل أن قال قائل: أما وزن أعمال المؤمنين فظاهر وجهه لأنه قد يكون للمؤمن حسنات وسيئات، فإذا قوبلت أحداهما بالأخرى وجدت حقيقة الوزن، والكافر لا يكون له حسنات فما الذي يقابل بكفره وسيئاته وأنى يتحقق في أعماله الوزن؟ فالجواب: أن ذلك على وجهين: أحدهما أن الكافر يحضر له ميزان فيوضع كفره، أو كفره وسائر سيئاته في إحدى كفتيه، ثم يقال له: هل لك فن طاعة تضعها في الكفة الأخرى، فلا يجدها فيشال الميزان فترتفع الكفة الفارغة، وتبقى الكفة المشغولة، فذلك خفة ميزانه، وهذا ظاهر الآية، لأن الله جل ثناؤه إنما وصف بالخفة الميزان لا الموزون، وإذا كان فارغا فهو خفيف. والوجه الآخر: إن الكافر قد تكون منه صلة الأرحام ومواساة الناس ورحم الضعيف وإعانة الملهوف والرفع عن المظلوم وعتق المملوك ونحوها، مما لو كانت من المسلم لكانت قربا وطاعات، وهي تقع حسنات في أنفسها، وإن كانت لا تسلم له عبادة وطاعة، كما أن من المباح من الطعام والشراب واللباس، إذا تعاطاه وقع ذلك منه مباحا، فهذه الخيرات من الكفار فإنها تجمع وتوضع في ميزانه، غير أن الكفر إذا قابلها رجح بها، ولم يخل من أن يكون الجانب الذي فيه هذه الخيرات من ميزانه خفيفا ولو يكن له الأخير واحد وحسنة واحدة لا حضرت ووزنت كما ذكرناها. ومن قال بالوجه الأول، قال: لو احتسب جزاؤه حتى يوزن لجوزي بها جزاء مثلها، وليس له منها جزاء، لأن رسول الله ﷺ سئل عن عبد الله بن جدعان وقيل له أنه كان يقري الضيف ويصل الرحم ويعين في الثواب، فهل ينفعه ذلك؟ فقال: لا، إن عبد الله ابن جدعان لم يؤمن يوما قط رب أغفر لي خطيئتي يوم الدين، أي لم يكن يؤمن بالله

ي الضيف ويصل الرحم ويعين في الثواب، فهل ينفعه ذلك؟ فقال: لا، إن عبد الله ابن جدعان لم يؤمن يوما قط رب أغفر لي خطيئتي يوم الدين، أي لم يكن يؤمن بالله

والبعث والحساب، فيدعوه ذلك إلى الاستغفار وسأله عدى بن حاتم عن أبيه مثل ذلك، فقال: (إن أباك طلب أمرا فأدركه) ويعني الذكر. فدل ذلك من أن خيرات الكافر ليست بخيرات له، وإن وجودها وعدمها سواء. ومن قال بالوجه الآخر قال: قد قال الله جل ثناؤه: ﴿فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾ وليس في الآية فصل بين نفسين، فبخيرات الكافر تحضر وتوزن ويجزى بها، إلا أن الله تعالى حرم عليه الجنة فيجزي بها أن يخفف عذاب الكفر عنه. وقد أخبر النبي ﷺ: ﴿إن أبا طالب في صحصاح من نار وعليه نعلان من النار تغلي منه دماغه، ولولا مكانة لكان في الدرك الأسفل من النار﴾، فقد بان إحسان أبي طالب إلى النبي ﷺ ينفعه من حيث يخفف عذابه فكان كل ذي حساب وخيرات من الكفار في هذا مثله. وأما ما قال النبي ﷺ في عبد الله بن جدعان وحاتم طي فإنما هو في أنهما لا يدخلان الجنة ولا ينعمان بشيء من نعيمها والله أعلم. وهذا الثاني وجه فاسد، لأن الله ﷿ إذا خفف عن الكفار العذاب الذي ذكره جزاء الكفر كان ذلك مغفرة منه لبعض الكفر، وقد أخبر الله ﷿ في كتابه أنه لا يغفر أن يشرك به، فلو جاز مع هذا الخبر أن يغفر بعض الشرك، لجاز معه أن يغفره، وذلك ممتنع. وفي هذا بيان خبر أبي طالب صحيح، لا يجوز إثباته عن النبي ﷺ إلا أن يكون معناه: إن جزاء الكفر من العذاب واصل إليه، ولكن الله تعالى وضع وراء ذلك عنه ألوانا من العذاب على جنايات جناها سوى الكفر تطيبا لقلب النبي ﷺ، وثوابا له في نفسه لا لأبي طالب، ولا في هذا القول احتسابا بحسنات الكافر، وتلك ليست بحسنات منه في الحقيقة.

ولا لقائل أن يقول: وجود الحسنات منه كوجوه السيئات من المؤمن لأن الحسنات طاعة والكافر لا يثب الجنة دار المطيعين والكافر لا طاعة منه، وأما السيئة فهي معصية المؤمن، فثبت الأمر الذي يتصرف العصيان إليه، فصحت السيئة منه ولهذا جاز أن يستوجب بها النار. وإذا كان كذلك صح أن حسنات الكافر لا يجوز أن توزن ليجزي بها خيرا، وأقصى ما يكون أن يقال فيها: إنها توزن قطعا بحجته، وعلى معنى أن يقال: إن كانت خيرا بلى هذه فقد وزناها إلا أن الكفة لما قابلها رجح بها وأحبطها، فما ذلك بعد هذا فأما على غير هذا الوجه فلا يمكن أن يكون موزونة والله أعلم. ولا يصح لأصحابنا من هذا الوضع قول سوى هذا، لأنهم إن قالوا: إن تثبت حسناته كما تثبت سيئات المؤمن، وإنها تحبط بقدرها من سيئات الكافر كما تحبط سيئات المسلم بقدرها من حسناته، فماذا تهيأ لهم أن يقولون إذا لم يبق للكافر سيئات وخلص الأمر إلى كفره. فإن قالوا: لا تحبط حسناته من أصل كفره شيئا، فماذا ثواب حسناته وقد حرم الله عليه الجنة، وإن قالوا تحبط، لزمهم أن يقولوا أن حسناته إذا ترادفت لم ترك يحيط من أصل كفره الشيء بعد الشيء حتى يحيط جميعه. فإذا قالوا: كذلك يكون، قيل لهم: أن يكون هذا الكافر بعد ذلك ولا دار إلا الجنة أو النار، ولاحظ في واحد منهما، فيضطرون عند ذلك إلى ترك هذا القول، ولا يعرض لهم مثل هذا في سيئات المؤمن، لأن الله تعالى لم يحرم النار على المسلمين، ما حرم من الجنة حتى على الكافرين فهم يقولون: إن سيئات المؤمن تحبط حسناته التي هي دون الإيمان، فإذا لم يبق منها شيء أزهقت نفسه بالنار، ومن أجاز من المتقدمين أن تحبط السيئات ثواب أصل الإيمان. قال: إذا لم يبق من ثوابه شيء فإن كانت له مع ذلك مسيئة باقية خفت عليه النار إلا أن يعفو الله تعالى عنه، وإن لم تكن عليه سيئة باقية، فإن الله تعالى يحسن إليه فيدخله الجنة إما بشفاعة النبي ﷺ، وأما ابتداء بالتفضيل عليه ولا يمكن أن يقال في الكافر إن خيراته أحبطت سيئاته كلها أدخل الجنة، فيتبين بهذا تباين الفرقين وبطلان التسوية بين الطبعتين وبالله التوفيق.

التفضيل عليه ولا يمكن أن يقال في الكافر إن خيراته أحبطت سيئاته كلها أدخل الجنة، فيتبين بهذا تباين الفرقين وبطلان التسوية بين الطبعتين وبالله التوفيق. فإن قيل: إن كان الكافر مثلما يعمل الخيرات بالأمر الذي يسجله في الكتاب الذي يدين الله تعالى به، فلم لا يكون فعله لها طاعة كما تكون السيئة للمؤمن معصية؟

قيل: لأنه مأمور بتلك الخيرات بالأمر الذي بلغه النبي ﷺ عن الله جل وثناؤه، فإذا لم تثبت له طاعته، وأما الأمر المتقدم فقد تناهى وزال قيام الحجة به، ولولا أن هذا هكذا لكانت بعض رسالة رسل المتقدمين باقية، ولكان الرسل إلى بني إسرائيل في بعض محمد ﷺ وحده، فمن لم يثبت الأمر الذي بلغه على لسانه لم تثبت له طاعة الأمر، ولم يكسب بما يفعل بر ولا قربة. فإن قيل: أرأيت إن كان للكافر إنما يفعل هذه الحسنات لأنه يجدها حسنة في عقله، ويجد الإحسان حسنا، والعقل داعية من دواعي الله تعالى، فلا تزول على حكمه طاعة. قيل: إن الأمر المقرون بالوعد والوعيد هو السمعي، فمن لم يفعل ما يفعله من الخير لأمر يثبته فلا طاعة منه تستحق به الجزاء. فإن قيل: قفوا، إن لم يثبت الأمر لم يثبت له عصيانه كما قلتم، إن من لم يثبت الأمر لم تثبت له طاعته، فلزمكم على هذا أن لا يكون المعطلة عصاه. قيل: إن العصيان إنما هو مفارقة الأمر وترك العمل به، وجحد الأمر من أعظم الدواعي إلى ترك العمل به، فاستحال أن يقال: إن لم يثبت الأمر لم يؤخذ منه عصيانه وأما الطاعة فهم العمل بالأمر وجحد الأمر ليس من الدواعي إلى العمل لكنه من الموانع، فاستحال أن تثبت طاعة الأمر ممن لا يثبت، لأن الشيء لا يوجد مع مواقعه، وإنما يوجد عند وجود دواعيه وبالله التوفيق. ومما يدل على صحة هذا القول، قول الله جل ثناؤه: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾، فإن أعمالهم الصالحة في أنفسها لم تنفعهم، وخفف عنهم العذاب لأجلها لما كانت هباء منثورا. وقال جل ثناؤه: ﴿عاملة ناصبة، تصلى نارا حامية﴾، وذاك أيضا إشارة إلى نصيب الكافر في عمله الذي يرى أنه طاعة له وقربة لا تجدي عليه شيئا، ولا تدفع عنه من شدة حمى النار شيئا والله أعلم.

لى نارا حامية﴾، وذاك أيضا إشارة إلى نصيب الكافر في عمله الذي يرى أنه طاعة له وقربة لا تجدي عليه شيئا، ولا تدفع عنه من شدة حمى النار شيئا والله أعلم.

فصل فإن سأل سائل عن وزن الأعمال كيف يكون، فإنما الأعمال حركات الناس وهي أعمال لا بقاء لها، وقال: كيف تبقى الأعمال إلى يوم القيامة وكيف يمكن وزنها؟ قيل له: قد تكلم الناس في ذلك فقالوا: ما يكون المراد من الوزن مقابلة الأعمال، ويتبين ما ينبغي أن يعامل به بيانا ظاهرا للملائكة والنبيين والشهداء، أو قد تدعو الحاجة في الدنيا إلى أن يعرف مقدار عمل، كالذي يحتاج إلى أن يعطي آخر مثله، فيقابل عمله ذلك بأمثاله من غير ميزان يكون التعديل به. وقد استعمل الناس ذكر الوزن في الشعر، وفي كل كلام مستحال، ولم يريدوا به إلا الاعتدال، واستوى بعضه ببعض عند المقابلة بين فصوله، فقيل إن وزن الأعمال يوم القيامة من هذا. وقال آخرون: أنه تكون هناك موازين بالحقيقة، لكل ميزان كفتان، أحداهما من نور والأخرى من ظلمة، كما جاءت به الأخبار، فالكفة المنيرة للحسنات، والكفة المظلمة للسيئات. ثم إن الناس يومئذ ثلاث طبقات: إحداهما المؤمنون المتقون، وهم الذين يوافون يوم القيامة بلا كبائر الذنوب. والثانية المؤمنون المخلطون وهم الذين يوافون القيامة بالفواحش والكبائر. والثالثة الكفار. فأما المتقون فإن حسناتهم توضع في الكفة النيرة، وصغائرهم- إن كانت لهم- في الكفة الأخرى، فلا يجعل الله لتلك الصغائر وزنا، وتثقل الكفة النيرة حتى لا تبرح، وترفع المظلمة ارتفاع الفارغة الخالية، وأما المخلطون فإن حسناتهم أيضا توضع في الكفة النيرة، وآثامهم وسيئاتهم في الكفة المظلمة. فيكون يومئذ لكبائرهم التي جاءوا بها ولحسناتهم ثقل، إلا أن الحسنات تكون بكل حال أثقل لأن معها أصل الإيمان، وليس مع السيئات كفر، ويستحيل وجود الإيمان والكفر معا لشخص واحد، فيوزن أحد بالآخر، ولأن الحسنات لا يراد بها إلا وجه الله تعالى، والسيئات لم يقصد بها مخالفة الله تعالى، وإشفاق من غضبه فاستحال أن

توازى السيئات وإن كثرت حسنات المؤمن، ولكنها عند الوزن لا تخلو من ثقيل يقع بها للميزان حتى يثقلها كبعض ثقل الحسنات، فيجزي أمر هؤلاء على ما يثبت في باب زيادة الإيمان ونقصانه. وأما الكفار فإن كفرهم ومعاصيهم التي دعاهم إليها، وهو بها عليكم، كفرهم في الكفة المظلمة ولا يوجد لهم حسنة توضع في الكفة الأخرى، فتبقى خفيفة لفراغها وخلوها من الجزاء، فيأمر الله تعالى جده بهم إلى النار، ويعذب كل واحد منهما بقدر أوزاره وأيامه. وأما المتقون فإن صغائرهم باجتنابهم الكبائر تغفر، ويؤمر بهم إلى الجنة، ويثاب كل واحد منهم بقدر حسناته وطاعاته. وهذا أن الصفات هما المذكوران في القرآن في آيات الوزن، لأن الله ﷿ لم يذكر حيث ذكر وزن الأعمال إلا من ثقلت موازينه ومن خفت موازينه، وقطع بل ثقلت موازينه بلا فلاح، والعيشة الراضية على الإطلاق. ولمن خفت موازينه بالخلود في النار بعد إن وصفه بالكفر، وقد علمنا أن الناس كلهم لا يكونون هذين الفريقين، لكن يكون معهما فريق ثالث وهم الذين يخلطون الشيء الصالح. ووردت الأخبار بأن النبي ﷺ يشفع فيهم فيخرجون من النار بعدما صاروا حمما. إلا أن هذا الفريق لم يذكروا ذكرا مفصلا في آيات الوزن، ولكن الله ﷿ قد قال: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئا، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾. وفيها بيان المخلط توزن حسناته وسيئاته، ولذلك قال ﴿فلا تظلم نفس شيئا﴾، أي لا توزن له سيئة، لأن نقصانها من ميزانه كان لا يحول بينه وبين الجنة، كما لو تركت للمخلط حسنة ازداد ذلك من ثقل سيئاته، وأوجب ذلك زيادة عذاب عليه. فعلمنا أن الطبقات يومئذ ثلاث كما بينا والله أعلم. فأما أن الوزن كيف يكون، ففيه وجهان: أحدهما أن صحف الحسنات توضع (في) الكفة المضيئة، وصحف السيئات توضع في الكفة المظلمة، لأن الأعمال لا تنسخ في صحيفة واحدة ولا كاتبها يكون واحدا، لكن الملك الذي يكون على اليمين يكتب الحسنات

ة المضيئة، وصحف السيئات توضع في الكفة المظلمة، لأن الأعمال لا تنسخ في صحيفة واحدة ولا كاتبها يكون واحدا، لكن الملك الذي يكون على اليمين يكتب الحسنات

والملك الذي على الشمال يكتب السيئات، فيفرد كل واحد منهما بما ينسخ، فإذا جاء وقت الوزن وضعت الصحف في الموازين فيثقل الله منها ما يحق تثقيله، وخفف ما يحق تخفيفه. والوجه الآخر: أنه يجوز أن يحدث الله أجساما مقدرة بعدد الحسنات والسيئات، ويميز أحدهما عن الآخر بصفات يعرفونها، كما توزن الأجسام بعضها ببعض في الدنيا، والله أعلم. فصل إن سأل سائل: عن الأعمال إذا وزنت ما يعتبر فيها في الوزن فيظهر بها الأخف والأثقل. قيل له: تعتبر فيها مواقعها من ﵁ تعالى أو سخطه، وذلك أن المؤمن قد يأتي بحسنة لا يريد فيها إلا وجه الله تعالى ولا يحمله عليها إلا حبه لله تعالى ورغبته في تحصيل مرضاته. وقد يأتي بها خوفا من عقابه، وقد يأتي بها فرقا في حال إتيانه بها من أن لا تقبل منه، وأن لا تكون وقعت من كل وجه على ما يرضاه الله تعالى. وقد يأتي ساكن العلم إليها معتقدا أنه قد أدلها وخرج عن عهدتها وعلى هذا قد يواقع السيئة غافلا عن نهي الله تعالى لا يخطر بقلبه أن الذي يأتيه سيئة لا يرضاها الله تعالى وذلك لألفة إياها ومرونية عليها وإن كان لو وقف في تلك الساعة وسئل عما يأتيه لأعترف بها سيئة خائفا من تبعتها فرقا من مواجدة الله تعالى إياه بها. إلا أن ما يغلب عليه من الهوى يحول بينه وبين الكف عنها ثم ذلك الهوى أيضا يختلف فقد يشذ حتى يجد صاحبه إتباعه لذة كثيرة، وقد يخف فلا يجد صاحبه في إتباعه إلا لذة يسيرة. وكذلك الداعي إلى الحسنة يختلف وقد يقوى حتى يجد صاحبه من إجابته وفعل الحسنة التي دعا إليها فرحا شديدا، إنما تبشره لها، وقد لا يبلغ هذا المبلغ فيكون فرح الفاعل للحسنة بحسنه دون فرح الذي ذكرناه، وكل هذا الوجوه معتبرة في الوزن. فلذلك يصلي رجلان بصلاة واحدة ويصومان يوما واحدا ويحجان معا، ويكون ما يظهر من أعمالهما سواء إلا أن عمل أحدهما أثقل وزنا وأكبر ثوابا، ويصل واحد ركعتين

فلذلك يصلي رجلان بصلاة واحدة ويصومان يوما واحدا ويحجان معا، ويكون ما يظهر من أعمالهما سواء إلا أن عمل أحدهما أثقل وزنا وأكبر ثوابا، ويصل واحد ركعتين

فرقا وركعتين مثلهما وقتا آخر، فتكون إحدى صلاتيه أفضل من الأخرى. وكذلك الصيام وغيره، ويشتركان في معصية فيكون ما يظهر من أفعالهما سواء، إلا أن عمل أحدهما يكزن أكثر تبعة، وأظهر في ميزانه من الآخر، فقد قيل في قول الله ﷿: ﴿وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة﴾، معنى اطلاعها على الأفئدة أن تؤلم كل أحد بقدر ما في قلبه من المعصية التي واقعها فصار معاقبا عليها. فإن محل الدواعي كلها هو القلب، والأفعال إجابة عن الأعضاء لتلك الدواعي مختلف مقاديرها وما يستحق بها بحسب اختلاف تلك الدواعي في أنفسها. ألا ترى أن العبد قد يدعوه سيده خير فيجيبه إلا أن إجابته غير سعيدة لا يقع منه موقع إجابته سيده، فإنه إنما يجب سيده على أن ذلك واجب عليه لا يسعه خلافه ويجب غير سيده تبرعا في الجملة، فبان بذلك أن الأحكام الأفعال مأخوذة من دواعيها، وهي كذلك في الدنيا وكذلك يكون في الآخرة والله أعلم. فصل إن سأل سائل: عن كبائر الذنوب وصغائرها وواجباتها. فقد قال الله ﷿: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾. وقال: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾. وقال: ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم﴾. وقال: ﴿والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، وإذا ما غضبوا هم يغفرون﴾. وقال: ما الفرق بين ما سماها الله تعالى كبائر وما سماها فواحش، وما يجوز أن يقال لها صغائر؟. فالجواب: أنه ما من ذنب إلا وفيه صغيرة وكبيرة، فقد تنقلب الصغيرة كبيرة

بقرينة تنضم إليها وتنقلب الكبيرة فاحشة بانضمام قرينة إليها إلا الكفر بالله ﷿، فإنه أفحش الكبائر وليس من نوعه صغيرة، فأما ما عداه فالأمر فيه ما ذكرته. وجاء عن النبي ﷺ أنه سئل عن الكبائر، فذكر الشرك بالله جل ثناؤه، وقتل النفس بغير حق والزنا بحليلة الجار، وقذف المحصنات والفرار من الزحف وعقوق الوالدين والسرقة، وقد قال الله جل ثناؤه: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾. وقال: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وإن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق﴾. وقال: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾. وقال النبي: ﷺ: (من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر)، والمعنى فقد استحق ما يستحق الكافر وهو القتل. وإذا تتبع ما في الكتاب والسنة من المحرمات كثر، وإذا أردنا هذه لنبين الصغائر والكبائر بيانا خارجا نأتي على ما يحتاج إليه من هذا الباب بإذن الله تعالى فنقول: إن قتل النفس بغير حق كبيرة، فإن كان المقتول أبا أو ابنا أو ذا رحم في الخلة أو أجنبيا بالحرم فهو فاحشة، وأما الخدشة والضربة بالعصا مرة أو مرتين فمن الصغائر، والزنا كبيرة، فإن كان بحليلة الجار أو بذات رحم أو لا بواحدة من هاتين، لكن يأثم في شهر رمضان أو في البلد المحرم فهو فاحشة. قال الله ﷿: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾، فالزنا كله

ت رحم أو لا بواحدة من هاتين، لكن يأثم في شهر رمضان أو في البلد المحرم فهو فاحشة. قال الله ﷿: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾، فالزنا كله

كبيرة، إلا أن ما كان منه على وجه مما تقدم ذكره فازداد كثيرا فالتحق بالفواحش، وأما ما دون الزنا الموجب للحد فإنه من الصغائر، فإن مع امرأة الأب أو حليلة الابن أو مع أجنبية إثم لكن على سبيل القهر والإكراه كان فاحشة كبيرة. وقذف المحصنات كبيرة، فإن كانت المقذوفة أما أو أختا أو امرأة فإنه كان فاحشة كبيرة. وقذف الصغيرة والمملوكة والحرة المنتهكة من الصغائر، وكذلك القذف بالخيانة والكذب والسرقة والفرار من الزحف كبيرة، فإن كان من واحد أو اثنين ضعيفين وهو أقوى منهما، أو اثنين حملا عليه بالسلاح وهو شاك السلاح، فذلك فاحشة وعقوق الوالدين كبيرة، فإن كان مع العقوق سب أو شتم أو ضرب فهو فاحشة، وإن كان العقوق الاستثقال لأمرهما ونهيهما والعبوس في وجههما والتزم بهما مع بذل الطاقة ولزوم الصمت فهذا من الصغائر، فإن كان ما يأتيه من ذلك ينجيهما إلى أن ينقصا عنه فلا يأمراه ولا ينهياه أو يلحقهما من ذلك ضر فهذا كبيرة، والسرقة من الكبائر، فأما أخذ المال في قطع الطريق فاحشة. وكذلك قطع يد السارق ويد المحارب ورجله من خلاف وقتل النفس في قطع الطريق فاحشة. وكذلك لا يعمل عفو المولى عنه إذا قدر عليه قبل التوبة وسرقة الشيء التافه صغيرة، فإن كان المسروق منه مسكينا لا عناية عما أخذ منه فذاك كبيرة، وإن لم يكن على السارق الحد وأخذ الأموال بغير حق كبيرة، فإن كان المأخوذ ماله يفتقر أو كان أب الآخذ أو أمه أو كان الأخذ بالاستكراه والقهر فهو فاحشة، وكذلك إن كان على سبيل القمار، فإن كان المأخوذ باقيا، والمأخوذ عنه غنيا لا يتبين عليه من ذلك ضرر، فذلك صغيرة. وشرب الخمر من الكبائر، فإن استكثر من الشرب حتى سكر أو جاءهم به فذلك من الفواحش، فإن مزج خمرا مثلها من الماء فذهبت شدتها وشربها فذلك من الصغائر.

غيرة. وشرب الخمر من الكبائر، فإن استكثر من الشرب حتى سكر أو جاءهم به فذلك من الفواحش، فإن مزج خمرا مثلها من الماء فذهبت شدتها وشربها فذلك من الصغائر. وترك الصلاة من الكبائر، فإن صار عادة فهو من الفواحش، فإن أقامها ولم يوفها حقها من الخشوع، لكنه التفت فيها أو فرقع أصابعه أو استمع إلى حديث الناس أو سرى الحصى، أو أكثر مس لحيته فذاك من الصغائر، وإن ترك إيتاء الجمعة من غير عذر

فذاك من الكبائر، فإن اتخذ عادة فهو من الفواحش، وإن ترك إيتاء الجمعة لغيرها فذاك من الصغائر، وإن اتخذ ذلك عادة قصد به مباينة الجماعة والانفراد عنهم فذاك كبيرة، وإن اتفق على ذلك أهل بلده فهو من الفواحش. ومنع الزكاة كبيرة ورد السائل صغيرة، فإن اجتمع علة منعه أو كان المنع من واحد إلا أنه زاد على المنع الإشهار والأغلاط فذاك كبيرة. وكذلك إن أتى محتاج موسعا على طعام فتاقت إليه نفسه، فإن تعاطيه كبيرة وتعاطيه على وجهه يجمع وجهين أو وجها من التحريم كان فاحشة، وتعاطيه على وجه يقصر به عن رتبة المنصوص أو تعاطي ما دون المنصوص الذي لا يستوفي معنى المنصوص الذي نهي عنه، لئلا يكون ذريعة له إلى غيره، فهذا كله من الصغائر، وتعاطي الصغيرة على وجهين أو وجها من التحريم كبيرة. مثال ذلك أن قتل النفس بغير حق محرم بعينه منهي عنه لمعنى في نفسه، فهو انتهاك حرمة الله ﷿ بانتقاص مخاطب مكلف من الجملة، فذلك إن كان عمدا كبيرة، لأن العامل متسع لاستيفاء من يريد قتله وانتقاصه. فإن احتقار الانتقاص وقتل فقد أراد الخيانة وآثرها فكانت منه كبيرة. وإن وقع ذلك خطأ لم تكن كبيرة، ولأن زوال العمل يقتصر بقتله عن رتبة المنصوص فإنه لا يكون عند ذلك مؤثرا لانتقاص عدد المخاطبين المكلفين من بين الجملة.

Bagian 11 dari 42