المنهاج في شعب الإيمان

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya الحليمي (w. 403 H).

Bagian 10 dari 42 1512 halaman

— Bagian 10 · موات والأرضين بإضافتهما إلى خلقه، وإنما هو الإعت… —

Bagian 10

موات والأرضين بإضافتهما إلى خلقه، وإنما هو الإعتراف بأن كل موجود سواه وإن عظم ولم يقدر العباد قدره، فالله خالقه، لأرفع أن يكونه الذر والهباء من خلقه. وأما قول النبي ﷺ: (الخير منك وإلأيه والشر ليس إليك) فإن معناه: إن الإحسان منك وإليك، أي أن ما يصيبنا من خير وحسن فأنت مؤاتيه، والمنعم وما يكون منا من طاعة وفعل حسن، فأنت المقصود به، وعبادتك هي المراد منه.

فأما ما يصيبنا من خير وشر فإنه وإن كان منك أيضا فإن ذلك بشرور أنفسنا وهي ما تقع من أعمالنا من سيء وقبيح فلست المقصود به، أي ليس غرض المسيء من في إساءة خلافك وعصيانك، كما أن غرض المحسن منا في إحسانه طاعتك وعبادتك، وإنما هو عقله بغرض فيتبع المسيء فيها شوته وأن يكون العصيان عضده وإرادته، ول قصد ذلك لضاهى إبلس ومن كان من المتكبرين، فإنما هذا الكلام تبرأ من النفاق والعناد لا إنه نفى الشر أصلا عن الله، وإنكار أن يقدر الشر وبالله التوفيق. فإن قيل: قد قال الله ﷿ لنبيه ﷺ: ﴿وما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ وهذا خلاف ما يقولون! فالجواب: أن معنى الآية ﴿ما أصابك من شيء﴾ فسرك من صحة بدن وظفر بعد، وسعة رزق ونحو ذلك، فالله متبديك بالإحسان به إليك، وما أصابك من سوء يسؤك، وتعمل فتكسب يدك، لكن الله تعالى مع ذلك سابقه إليك، والقاضي به عليك، كما قال في أخرى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾. ويدل على صحة هذا أنه ﷿ قال في هذه السورة: ﴿وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله، وإن صبهم سيئة يقولوا هذه من عندك، قل كال من عند الله، فما لهؤلاء القوم لا يكادونه يفقهون حديثا﴾. ثم قال بعد هذا بلا تصل ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾. فكان الذي توجبه مجموع الآيات الثلاث التي ذكرتها: إن من أصابك من حسنة من الحسنات التي تقدم ذكرها، فالله موليها ومبتدئ للأنعام بها، وما أصابك من خلافها فالله قاضيها وقادر أيضا، لكنها جزاء لمن أصابه ذلك بكسب حياة على نفسه، فكأنه هو الفاعل بها بمكان نفسه كما أن قتل قتيل كأنما قتل نفسه، وإن كان ولي قتيله هو الي يقتله والله أعلم. وأما قول الله ﷿ ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾. فليس على معنى يوجب أن يكون القدر هو القدرة والتقدير. ومعناه أنا كل شيء خلقناه بحسب ما قدرناه قبل أن

أعلم. وأما قول الله ﷿ ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾. فليس على معنى يوجب أن يكون القدر هو القدرة والتقدير. ومعناه أنا كل شيء خلقناه بحسب ما قدرناه قبل أن

نخلقه إذ كان علمنا به سابقً له، فأثبتنا منه، فأعلمناه في أم الكتاب وبينا ما هو كائن منه قبل أن يكون، فإذا كان بحسب ذلك الذي قدرناه وفي الوقت الذي قدرناه، فالقدر هو المقدور، وكما ذكرنا في صدر الكتاب وبالله التوفيق. وجاء في ذكر ما نزلت في هذه الآية: أن قوماً من اليهود جاءوا يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر، فنزلت: ﴿أنا كل شيء خلقناه بقدر﴾. وروى في التغليط عن من قال ﴿لا قدر﴾ وأن أحد الذين هم أشد الناس عذاباً فكذب بالقدر أخبار. وذكر أبو بكر الجلاد البصري عن المزني ﵁ أنه قال: سألت الشافعي ﵁ عن القدرية فقال: هم الذين يقولون أن الله يعلم الذي يكون. ومعنى تسمية هؤلاء قدرية، إن الله ﷿ قال في كتابه: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها﴾. فمن بغي أن يعلم الله قبل كونه، بغي أن يكون لله تعالى كتاب أثبت فيه ما هو كائن قبل أن يكون، وبين فيه أن يكون ومتى يكون، وأبطل أن يكون الله تعالى قدر قدر المقادير، ودبر بعلمه الأمور، وألحقه في العجز بعباده الذين لا يعلمون الشيء حتى يكون، فقيل لهم قدرية لأن بدعتهم وضلالتهم كانت من قبل ما قالوه في القدر، ثم على ذلك كفار، لأن من عجز الله تعالى وجهله لم يكن عارفاً به وبالله العصمة. وإذ قد كتبنا في تفسير اسم القدر فاعلمنا أنه محتاج إليه، فلنرجع إلى الكشف عن عرض هذا الكتاب، والمقصود به بقول رسول الله ﷺ: (القدر خيره وشره من الله وحلوه ومره من الله). فنقول- وبالله التوفيق- أن المراد بهذا إيجاب الاستسلام له قضية الله تعالى وإقرارة بالقلب واللسان معاً لهما بالقلب، فإن لا ينظر أحد ولا يتأثر مما يجري به القضاء بما يوافقه، ولا يأنف ولا يجري لما يأتي به القضاء مما لا يوافقه. وأما اللسان، فهو أ، لا يفتخر على غيره بسبب ذلك إلى سبب يكون مرجعه إلى

يجري به القضاء بما يوافقه، ولا يأنف ولا يجري لما يأتي به القضاء مما لا يوافقه. وأما اللسان، فهو أ، لا يفتخر على غيره بسبب ذلك إلى سبب يكون مرجعه إلى

نفسه، ولا يضجر مما يسوء فعل ما يشكو أحداً وينسبه إلى ظلم إصابة من قبله، لكن نضيف الأمرين إلى الله تعالى وننسبهما إلى الله تعالى وننسبهما إلى قضائه وقدره ونذغن ونستسل لما يكرهه، ويحمد الله تعالى على ما يسره. ومنزلة هذا الكتاب مما كتبت في باب الله جل ثناؤه والاعتراف له كمنزلة التزام طاعة الله وطاعة الرسول والقبول لما يخاطبه به في كتابه من آيات الباري جل ثناؤه والاعتراف له بالخق والإبداع، فإن الإقرار له وبالخلق كما يقتضي وجوب الطاعة له في أوامره ونواهيه، فكذلك الإقرار له بالتدبير يقتضي الاستجداء له والإستسلام لتدبيره، فلا نسخط منه ما يثقل على الطبائع ولا يستشعر لما يحل عله أشراً ولا بطراً. قال الله ﷿: ﴿إذ تصعدون ولا تلوون على أحد، والرسول يدعوكم في أخراكم فأنابكم غماً بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم﴾. ومعلوم أن الحزن على ما يفوت والفرح بما يأتي موضوع في التنبيه والتجله، وإن التجلي بالحزن بما يفوت أصلا استحقاق له موجوداً ومعدوماً، والتجلي من الفرح بما يسر ويأتي ازدراء وقلة حفل به أيضا، وهما جميعاً غير مرضيين. فثبت أن المراد بالحزن في الآية حزن السخط والتضجر وبالفرح فرح التبذخ والتكبر والله أعلم. وقال ﷿ حكاية عن قارون أنه لما قيل له: ﴿وأحسن كما أحسن الله إليك ولا بتغ الفساد في الأرض، إن الله لا يحب المفسدين﴾. قال: ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾ ثم أنكر عليه قوله، وأخبر باستحقاقه الأذى والعقوبة، فقال: ﴿أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً﴾. فدل ذلك على أن من أبصر لنفسه حالاً يحبها ويرضاها، فرأى أنها إنما دأبت له بقوة نفسه كان في ذلك مخالفة شرط إيمانه مبايناً لما يجب من حق الله عليه، وقوله: ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾ يحتمل أنه أراد به علم كنوز المتقدمين وقع إليه فاستخرجها فاستولى عليها.

ويحتمل أنه أراد به علم الصنعة، وأنه كان من أحدق الناس بها وأبهرهم فيها، وإن تلك الكنوز لما اجتمعت له من هذا الوجه، وأيا ما كان من هذين فإن الله ﷿ أخبر عنه: أنه فرح لما رأى لنفسه من الأموال، فقال له قومه: ﴿لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين﴾ والمعنى أنه اختال وافتخر واستطال ونكر كما قال ﷿ في آية أخرى: ﴿ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهبت السيئات عني إنه لفرح فخور﴾. وأنهم سألوه أن يحسن إلى الناس فيواسيهم ويأخذهم بأيديهم فقال لهم: ﴿إنما اوتيته على علم عندي﴾. وظاهر هذا أنه عارض بهذا الجواب قولهم: وأحسن كما أحسن الله إليك، أي ليس هذا مما لا يأتي الله من غير كدح كان لي فيه، ولكنه قال توصلت إليه بعلم كان عندي، أي أنه فائدة رأيي وتدبيري، فلا يلزمني أن أواسي به غيري شكر الله تعالى به. ثم أنه خرج على قومه في زينته كما يخرج ذو النعمة العظيمة والمال الجم القوي متعظماً بها على قومه، فأنكر الله ذلك عليه وعاجل أخذه بطغيانهه وإضافته المال إلى حوله وقوته، وخسف به وبداره كان فيها من كنوز الأرض ولم يورثها موسى صلى الله عليه وقومه إذا كانت مشؤومة أطغت قارون وأضلته وحملته على ترك الإنقياد لموسى والإيمان به واتباع سبيله، فكان يظن الأرض أولى بها من ظهرها. ألا ترى أن الحل الذي جمعه السامري فاتخذ منه العجل وأضل به بني إسرائيل لم يدبه موسى ولم يردوه إلى الذين أخذ منهم، ولكنه حرق ثم ألقاه في اليم. كذلك كنوز قارون لما كانت كما ذكرنا سحقت وأبطلت، ولم يكن منها أحد من المؤمنين وبالله التوفيق. وقد يحتمل إن كانت الكنوز اجتمعت له بعلم الصنعة، أن يكون لله تعالى خسف بها لأنها كانت معمولة لم يكن ذهبها ذهباُ، ولا روقها ورقاً، فلم ير منها لله تعالى لنبيه موسى صلوات الله عله ولا المؤمنين من قومه، ولو كانت خالصة نقية لأشبه أن يورثها إياه، كما أورثه وقومه أموال فرعون وقومه حيث يقول: ﴿فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم﴾. ﴿كذلك وأورثناها قوماً آخرين﴾. وفي آية أخرى: ﴿وأورثناها بني إسرائيل﴾ وبالله التوفيق.

رعون وقومه حيث يقول: ﴿فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم﴾. ﴿كذلك وأورثناها قوماً آخرين﴾. وفي آية أخرى: ﴿وأورثناها بني إسرائيل﴾ وبالله التوفيق.

وقال ﷿ في آية ثالثة: ﴿وتجعلون رزقكم إنكم تكذبون﴾. فجاء في تفسيره عن النبي ﷺ: أنهم كانوا يقولون: مطرنا بنو كذا، ومعنى هذا أنهم كانوا يرون النو موجباً للمطر، فكانوا ينسبون المطر إليه، ويعقلون عن خلق الكواكب ورتب أحوالها من الأنوار وغيرها، وأن يزول المطر عند الأنواء، إنما يكون بإرادة الباري ﷾، فإن شاء أن يغير العادة أو يعاقبهم بالجدب، فيحبس المطر عند الإنواء لم يكن له ذلك مانع، ولا كان لما يريده بهم دافع، فذم الله تعالى من قولهم وغايتهم، فقال: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾. فالمعنى- والله أعلم- وتجعلون شكر ربكم أنكم تكذبون بمن يرزقكم وتنسبون ما يأتيكم إلى ما هو خلقه، وإنما صلح أن يوضع إسم الرزق مكان شكره، لأن شكر الرزق يقتضي الزيادة فيه، فيكون الشكر رزقاً على هذا المعنى، فقيل: ﴿وتجعلون رزقكم﴾ أي شكر رزقكم الذي لو وجد منكم لعاد رزقاً لكم، إنكم تكذبون بالرازق أي تضعون التكذيب مكان الشكر كما قال: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية﴾. أي لم يكونوا يصلون، ولكنهم يصفرون ويصفقون مكان الصلاة من المسلمين. وفي هذا البيان ما أصاب العبد من خير أو شر، فلا ينبغي له أن يراد من قبل الوسائط إلى أخرى العادة بأن تكون أسباباً وجهات لحصول أقضيته وأقداره إلى عبيده، بل ينبغي أن يراه من قبل الله جل ثناؤه، ثم يقابله بما يليق به من شكر أو صبر تعبداً له وتدللاً، وبالله التوفيق.

ً وجهات لحصول أقضيته وأقداره إلى عبيده، بل ينبغي أن يراه من قبل الله جل ثناؤه، ثم يقابله بما يليق به من شكر أو صبر تعبداً له وتدللاً، وبالله التوفيق. ويدخل في هذا الباب أن التاجر الكسوب الضارب في الآفاق إذا اجتمع عنده المال، فما ينبغي له أن يقول: إنما أصبت المال بجهدي وجدي، بل ينبغي أن يقول: وفقني الله للكسب فكسبت، ورزقني فأصبت، لأن لو شاء لأقعده عن الكسب، ولو شاء لحرمه ما كان يأمله بالكسب أو قوته بعدما يحصل، إذ ليس كل طالب بجد ول كل واحد يبقى له ما يجيده وهذا عادة كما أن خلافة عادة، فأضافة الموجود إذاً إلى السبب المختلف خرق وجهل، وإضافته إلى السبب الذي لا يخلف وهو فضل الله ورحمته هي التي تحق وتلزم، وقد قال الله ﷿: ﴿فإذا مس الإنسان ضر دعانا﴾.

ثم إذا خولناه نعمة منا قال: إنما أوتيته على علم بل هي فتنة، أي ابتلاء ومحنة ليظهر إخلاصه ومعرفته إن كان من المخلصين العارفين، وجهله وغباؤه إن كان من الأغنياء الجاهلين. فيصف النعمة إلى الله ﷿ ويقوم بشكرها إن كان من الأولين، وينسبها إلى قوله ويغفل عن شكرها إن كان من الآخرين، فيستحق في كل حالته خيراً يجب عمله إلا أن يمكن بالعفو عنه إذا شاء والله أعلم. وقال ﷿ في آية أخرى: ﴿أولم تعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون﴾. فاستجهل عزيزي سعة الرزق وضيقه يكونان إلا من قبل الله تعالى، واستنكر الذهاب عن معرفة ذلك، لأنه لا سبب يقدر العبد أن يصل إلى المال من حصته وقد لا يصل، وذلك أنه يشهد أن الموجب للغناء والوجد ليثس ما يخلف من الأسباب، وإنما هو مما لا تخلف من إرادة الله تعالى، فإنه إن يرد الغناء لأحد يفتقر، ولا الفقر لأحد فيستغني، فمن كان به للإيمان من الإذعان للحق إذا ظهر له، فهذا له أنه كافيه، وبأن يقوله ﷿: ﴿إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون﴾. إن الإعتراف بما ذكرت الانقياد له من الإيمان والله أعلم.

ن من الإذعان للحق إذا ظهر له، فهذا له أنه كافيه، وبأن يقوله ﷿: ﴿إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون﴾. إن الإعتراف بما ذكرت الانقياد له من الإيمان والله أعلم. وقال ﷿ في آية أخرى: ﴿أفرأيتم ما تمنون، أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون﴾. فتداخل وعز بتعريفهم نفسه وأنه خالقهم ومنشئهم، لأن لا يرى أحد منهم أنه إذا أصاب أهله فولدت منه كان هو السبب بنفسه لوجود ذلك الولد، فأنه إذا رجع عقله، علم أنه لا يقدر على إغلاق ما به برحم أهله إن لم يعلق، وإن علق فلا قدرة له على تعليقه من حال إلى حال، ولا الزيادة في أجزائه ولا تركيب الولد منه، وتصويره. وإذا نظر في أنه ليس كل من يواقع أهله يولد له، ولا كل ما يعلق ينمو، ولا كل ما ينمو يسلم، علم أن إحالته كون الولد على السبب المخلف باطل، فإنه لا وجه إلا إحالته على إرادة الباري جل ثناؤه وصيغته ورزقه وبالله التوفيق. ثم قال ﷿: ﴿أفرأيتم ما تحرثون، أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون، لو نشاء لجعلناه حطاماً فظلتم تفكهونه﴾ فأبان لهم أن ما يحرثونه فليس يثمر غرضهم فيه بنفس

الحرث، وإنما يتم بنائه ونموه وتزايده حتى يبلغ غايته التي يتجاوز له عنهما، وكل ذلك ما لا صنع لهم فيه. وقد يحرث الواحد فيصل من حرثه إلى مراده، ويحرث الآخر فلا يصل من حرثه على شيء مما كان في نفسه. فينبغي لهم أن يعلموا أن الله ﷿ هو المنبت للحب والقلب له حالاً فحالاً، إلى أن يظهر الريع، ويبلغه غايته التي قدرها له. ولا يقول أحد جربت فأصبت بل يقول أعانني الله فجربت، وأعطاني بفضله فأملت واستحب لكل من ألقى في الأرض بذراً أن يقول بعد الإستعاذة: ﴿أفرأيتم ما تحرثونه أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون﴾. بل الله الزارع، والمنبت والمبتغ، اللهم صليث على محمد وعلى آل محمد وارزقنا ثمره وجنبنا ضرره، واجعلنا لا نعمك من الشاكرين. ثم قال: ﴿أفرأيتم الماء الذي تشربون، أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون، لو نشاء جعلناه أجاجاً﴾. يعرفهم أنهم كانوا يتخذون المصانع كما ينزل عليهم من القطر، حتى يجتمع لهم فيها ما يشربونه، ويستمتعون به المدة الطويلة، فليس لهم أن يظنوا أن تمكنهم من الماء ووصلوهم إليه، إنما هو من قبل أنفسهم، فيمتدحوا لسعيهم على تحصيله، ويظنوا أنه على ما يسألهم إياه من أهل الحاجة إليه، وينبذ جوابه عىل من لا عنده، بل ينبغي لهم أن يعلموا أن ذلك رزق ساقه الله تعالى إليهم ويطول به عليهم، وأنهم لو اتخذوا مكان كل مصنعة مصانع، وحبس الله عنهم القطر لم تغن عنهم مصانهم شيئاً. ولو أنزل الله ﷿ عليهم القطر فأبرزه ولم يغزره لما أفادتهم المصانع شيئاً، ولو أغزره ثم ما يمكن عدمه مع وجوده، ووجوده مع عدمه، بل الواجب إحالته على المنان الكريم الفعال لما يريد، ومقابلة فضله بالشكر. رجاء أن يديمه لهم. ثم قال ﷿: ﴿أفرأيتم النار التي تورون، أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون﴾ فعرفهم أن النار التي يورثونها من الأشجار ويقولون: في كل شجرة نار، واسمخد المزج

ال ﷿: ﴿أفرأيتم النار التي تورون، أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون﴾ فعرفهم أن النار التي يورثونها من الأشجار ويقولون: في كل شجرة نار، واسمخد المزج

والعقار هو الذي ركبها فيما يورى منه لا يستطيعون أن يدعونه أنهم أو آباءهم الأقدمين، الذين هم أودعوهها أياها وركبوها فيها، وإذا كان ذلك من صنعه، كما جمع المتفرق منها في الشجرة عند معالجة الإيراء ثم إخراجها منه صنعه، وإلى ذلك، فهو الذي هداهم أبر النار من الشجرة، ولولا ذلك لما علموا أن الشجر الأخضر الذي جعل قوامه بالماء المطفي النار محلاً للنار، وجامع بينها وبين الماء، ولو شاء عند قعدهم الإيراء أن يحبس النار فعلا ينررها لهم لفعل، وأنه ليس كل قادح يوري وقادح، وأن أمعن لا يورى، لم يجز أن يتوهم أن القدح موجب للإيراء ووجب أن يضاف إلى ذلك إلى السبب الذي لا يختلف وهو إرادة الباري جل ثناؤه وفضله وعطيته، ولا يوصف الشجر بالمجيد من صفات الله تعالى، وهو المجيد والماجد وبالله التوفيق. وقال جل ثناؤه في آية أخرى: ﴿إن تصبك حسنة تسؤهم، وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل، ويتولوا وهم فرحون﴾ فأخبر نبيه ﷺ أنه إن أصابته حسنة ساءت المنافقين القاعدين عنه، ويتخطوا إصابتها إياك. وإن أصابتك مصيبة فرحوا وقالوا: إنا سلمنا مما أصاب غيرنا لأنا احتطنا لأنفسنا بالتخليف عنه، واستقلنا الأمر بواجبه، وحسنا التدبير، فذمهم الله ﷿ وعاب قولهم هذا، وامر النبي ﷺ أن يخالفهم فيقول: ﴿لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا﴾ أي خالقنا، وهو في أيدي الملائكة ينهظرون فيه ويعلمو منه أحاطة الله تعالى بما هو كائن من أمور عباده قبل أن يكون. فلا سبيل لأحد الاحتراز من أن يصيبه ما كتب أن يصيبه، ولا إلى الاحتراز ما لم يكتب أن يصيبه، وبالله التوفيق. وقال ﷿: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير﴾. ثم قال: ﴿لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم﴾. يحتمل أن يكون المعنى: فاعلموا هذا وأعلمناكم هذا لكيلا تحزنوا على ما يفوت، ولا تفرحوا بما أتى.

قال: ﴿لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم﴾. يحتمل أن يكون المعنى: فاعلموا هذا وأعلمناكم هذا لكيلا تحزنوا على ما يفوت، ولا تفرحوا بما أتى.

وقد بينت فيما تقدم أن هذا حزن السخط وقرح التبذخ، ويدل على ذلك قول الله ﷿ موصولاً بما ذكرت: ﴿والله لا يحب كل مختال فخور﴾ فأبان أن الفرح ذمه وانكره هو الاختيال والتفخر به على من لا يؤت مثل ما أوتي، وذلك فعل ما يرى أن الذي تيسر له فيمن قبل نفسه، فأما من يعلم أنه إنما أنعم به عليه من لا يعجزة تعميم العباد كلهم بمثل ما أعطاه وخير واكثر منه، فإنه لا ينكر بما أوتيه على غيره ولا يروي أحدكما لأجل أنه لا يرى له مثل ما يرى لنفسه على حمد ربه والتقرب إليه بما يديم له عوارف فضله. وقال في آية أخرى: ﴿قل لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله﴾ فأمر نبيه ﷺ أن يخبر أمته أنه ليس إليه من أمره شيء، وأنه لا يقدر على أن ينفع نفسه ولا يضرها، ليعلموا أنه إذا كان مع اصطفاء الله تعالى إياه برسالته لا يملك من امر نفسه شيئاً، فمن لم يكن له من الله هذه الأثرة وهذه المنزلة فهو من أن يملك مضر نفسه أو نفعها بعد، وعن أن يملك نفع غيره أو ضره أعجز، وبالله التوفيق. وأما الحديث الذي جاء عن رسول الله ﷺ في القدر، وإن خيره وشره من الله، فقد روى فيه: (وأعلم أن ما أصابكم لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن يصيبك). ومعنى هذا وجوب البصر، وإلى الله تعالى من الحول والقوة والاستسلام للقضاء والقدر وشرح الصدر به. ومعنى حلوه ومره ما سر وجف عن الطبع وساء وثقل على القلب والله أعلم.

السادس من شعب الإيمان وهو باب في الإيمان بالله واليوم الآخر ومعناه التصديق بأن لأيام الدنيا أخرى، أي أن الدنيا متصفة وهذا العلم يوماً ينتقص صنعه، وينحل تركيبه في الإعتراف بانقضائه إعتراف بإبدائه، لأن القديم لا يغني ولا يتغير، وفي اعتقاده وانشراح الصدر به، ما يبعث عن فضل الهبة من الله تعالى وقلة الركون إلى الدنيا والتهاون بأحزانها ومصائبها والصبر عليها، وعلى مضض الشهوات إحتساباً وثقة بما عند الله تعالى من حسن الجزاء والثواب، وقد ذكره الله ﷿ في كتابه، فقال: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾. وقال: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾، إلى غير ذلك من آيات سواها. ومن أنكر اليوم الآخر، فكأنما أنكره من حيث أن الأفلاك ليست بمحدثه، وأن العناصر وهي الماء والتراب والهواء والنار ليست بمحدثه، كان أهم ذلك إلى أن أنكروا فناءها واقتصاصها، وللمسلمين عليهم في نقض أصولهم، وإفساد مقالاتهم، وإبانة ان كل ما سوى الله فهو صنعه، فلا قديم عليه ما لا يبقى لمتأمله بعد وقوعه عليه موضع شبهة بإذن الله وتوفيقه. وقد كتبنا في الشعبة الأولى من أطراف ذلك ما أمكنا أن تقع به الكفاية، وإذا ظهر أن كل ذلك حدث، فأمره إلى محدثه بنفيه ما شاء ويديم له هباته المشاهدة له ما يشاء. فإن أراد إفناءه أو تغيير كله أو بعضه لم يعجزه، فإنه القادر على ما يشاء والفعال لما يريد. وقد أخبر ﷿ على لسان نبيه ﷺ أنه مفنى على وجه الأرض ومبدل الأرض غير الأرض، وأن الشمس تكور، وأن البحار تسجر، والكواكب تنثر فيذرها قائمة

لفعال لما يريد. وقد أخبر ﷿ على لسان نبيه ﷺ أنه مفنى على وجه الأرض ومبدل الأرض غير الأرض، وأن الشمس تكور، وأن البحار تسجر، والكواكب تنثر فيذرها قائمة

صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، وكل ذلك كائن على ما جاء به الخبر، وعد الله صدق وقوله حق. وأما ما وراء ذلك مما لم يخبر الله ﷿ عنه بشيء، فأمره إليه، وهو أعلم بما هو فاعله. ولا ينبغي لنا أن نتكلم فيه بشيء لأن القول على كل حال يغير علم حرام، فالاجتراء به على الله جل ثناؤه أشد وأولى بالحرمة. أغني بهذا إن سائل سأل: أن السماء إذا طويت والشمس إذا كورت أو الكواكب إذا انتثرت، أو عن الأرض بعد ركوب الناس الصراط وفراغها منهم، ماذا يكون من أمرها بعد ذلك؟ لم يكن له جواب يمكن القطع به، والأولى بالمسؤول أن يقول: كما قال الرسول ﷺ للذي سأله عن الساعة: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل). فإن مثل هذا لا يدرك إلا بخبر ولم يأتنا في هذه الأبواب عن الله جل ثناؤه خبر إلا أن في الجمله يخبرنا بانتقاض الأجسام، فإن أراد الله تعالى أفناها وحبس البقاء عنها، وفعل ذلك بها، وإن أراد غير ذلك فله الحق والأمر يفعل ما يشاء ويحكم ما يرد، وهو على كل شيء قدير. فصل إن سأل سائل عن تفسير الساعة التي تكرر ذكرها في القرآن، قيل: الساعة على وجهين: أحدهما الساعة الأخيرة من ساعات الدنيا، والأخر الساعة الأولى من ساعات الآخرة، قال الله ﷿: ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها، قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض﴾ فهذا على الساعة الآخرة لقوله تعالى: ﴿لا تأتيكم إلا بغتة﴾. وكذلك قوله: ﴿يسألك الناس عن الساعة﴾ فهو على الساعة الأولى من ساعات الآخرة، وهو حين يبعث من في القبور لقوله تعالى: ﴿يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة﴾.

وكذلك قوله: ﴿يسألك الناس عن الساعة﴾ فهو على الساعة الأولى من ساعات الآخرة، وهو حين يبعث من في القبور لقوله تعالى: ﴿يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة﴾.

وكذلك قوله: ﴿ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾. وهو بمنزلة قوله: ﴿يوم يبعث الناس ويوم البعث﴾ والله أعلم. فصل وإن سأل سائل: عن اليوم الآخر: ما حده ونهايته؟ قيل له: اليوم الآخر إنما به أيام الدنيا، والدنيا بعث للحياة. قال الله ﷿: ﴿وما هذه الحياة الدنيا﴾. وقال: ﴿وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع الغرور﴾ فاليوم الآخر هذا، هو آخر أيام الحياة الدنيا، فإذا نفخ في الصور وصعق من في الأرض فلم يبق منهم أحد، فيومهم الذي انقضت فيه حياتهم الدنيا هو يومهم الآخر إذا نفخ في الصور نفخة الأحياء فبعثوا فذلك يوم القيامة وما بينهما لا من الدنيا ولا من الآرخرة، وهو البرزخ الذي ذكره الله ﷿ في كتابه فقال: ﴿ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون﴾. فإن قال قائل: لم لا قلت: إن نهاية اليوم الآخر تكوير الشمس، لأن الليل والنهار حالان من أحوال الشمس، فإذا كانت الشمس فهو نهار، وإذا كانت تحت الأربض فهو ليل، فإذا بطلت الشمس فلا ليل ولا نهار، يعلم بهذا نهاية أيام الدنيا تكوير الشمس. قيل: لو كان هذا هكذا، لكان البعث يقع في الدنيا لأن الشمس تكور على أبصار الناس بعد البعث. وقد أجمع الناس على أن الموتى لا يردون إلى الدنيا، فبطل بهذا أن يكون نهاية أيام الدنيا تكوير الشمس على أن الدنيا صفة للحياة- كما قلنا- فلا جائز أن تكون الحياة منقطعة بالإطلاق إسم الدنيا باقياً والله أعلم.

فصل إن سأل سائل عن يوم القيامة: هل يكون له آخر؟ قيل: قد يسمي الله هذا اليوم يوم الدين، وهو الحساب والجزاء، فإذا لم يكن الجزاء متقضياً لم يكن يومه متقضياً. فإن قيل: فما معنى قول الله ﷿: ﴿في يوم كان مقداره ألف سنة﴾. قيل: لم اجمع الله المسلمين على ما ذكرت لم يجز أن يكون يوم الدين مقداراً إلا أن يقول قائل: إن له أياماً كل يوم منها خمسون ألف سنة من أيام الدنيا، فيكون أدعى ما لا يعرف يوم القيامة، ولا يقول له عليه دليل. وإن احتاج إلى بيان ما يقع به النصل بين الأيام لا يمكن أن يقول: إن لها ليالي، وإن أراد أن يقول غيرها لم يجده. وإذا كان الأمر على ما وصفت، بان هذا التقدير إنما هو لعروج الملائكة والروح من الأرض إلى الله جل ثناؤه لأن مفتتح هذه الآية: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾. في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون فيحتمل أن يكون هذا المعنى: أنها تبارك من السماء إلى الأرض ثم تعرج من الأرض إلى السماء الدنيا من يومها، فتنقطع ما لو احتاج الناس إلى قطعة من المسافة لم يقطعوها إلا في ألف سنة مما تعدون، وينزل من عند العرش إلى الأرض ثم يعرج منها إلى السماء من يومها. ولو احتاج الناس إلى قطع هذا لمقدار من المسافة لم يقطعوها إلا في خمسين ألف سنة مما تعدون، وليس هذا الأمر من تقدير يوم القيامة يسأل، وهو لا متصل بما قبله من هذه السورة أو بعده، ولكنه من صلة قوله: ﴿من الله ذي المعارج﴾. فإنه لما وصف نفسه بذي المعارج بين أن هذه المعارج لملائكته، فقال: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾. أي إلى حيث جعله مضافاً لهم حول العرش في يوم كان مقداره ألف سنة، ثم قال: ﴿فاصبر صبراً جميلا إنهم يرونه بعيداً ونراه قريبا﴾. فعاد إلى ذكر العذاب الذي وصفه في أول السورة بأنه واقع وليس له دافع

وم كان مقداره ألف سنة، ثم قال: ﴿فاصبر صبراً جميلا إنهم يرونه بعيداً ونراه قريبا﴾. فعاد إلى ذكر العذاب الذي وصفه في أول السورة بأنه واقع وليس له دافع

فقال: إنهم- يعني الكافرين- يرونه بعيداً من العذاب، ونراه قريباً، ولم يرد أنهم يرون اليوم الذي تقدم ذكره بعيد، لأنهم لم يكونوا يثبتونه أصلا، فكيف يستبعدون لا يعرفونه ويجحدون كونه. وهذا التقدير الذي يذكر للعروج لا يختض به وقت دون وقت فإن كان ها هنا دليل يدل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾ يوم القيمة، فالتقدير أيضا ليس يرجع إلى يوم الجزاء، وإنما يرجع إلى عروج الملائكة ويكون المراد بها يوم الدين، تعرج إلى الله فتقطع من المسافة ما لا تقطع الناس مثلها في خمسين ألف سنة لو عمروها، وذلك لطول الطريق عليهم، فإن السموات إذا طويت لم يكن لهم يومئذ مصعد يفرون فيه، وإنما يعرجون، إذا عرجوا إلى حول العرش. وذكر وهب- ﵀ أن ما بين الأرض والعرش خمسين ألف سنة من أيامنا وشهورنا وسنيننا، أو يقال: أن الملائكة كانت تستطيع قبل اليوم أن تنزل إلى الأرض من أعلى مقام لهم في السموات وفوقها ثم تعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة. فأما في يوم القيامة فلا تستطيع ذلك، لأنها وإن كانت آمنة من العذاب، فإن ما يشاهدونه من عظمة الله وشدة غضبه ذلك اليوم على أهل العباد من عباده يفرقوهم فيحتاجون للعروج إلى مدة أطول مما كانوا يحتاجون إليه مما قيل، فقد الله ذلك بخمسين ألف سنة، فهذا كما جاءت به الاخبار: من أن العرش على كواهل أربعة من الملائكة، ثم أخبر ﷿ عن انهم يكونون يوم القيامة ثمانية، فقال: ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾. وفي بعض الاخبار أن أولئك الأربعة يؤيدون بأربعة آخرين، وهذا على ما يشاهدونه يوم يكشف عن ساق تغرهم فيحتاجون إلى من يمدهم ويعينهم، فيحتمل أن تكون حالهم في العروج مثل هذا. فصل فإن قال قائل: رويتم أن رسول الله ﷺ، سئل عن الساعة فقال: (ما المسؤول عنها باعلمن من السائل). وهذا يدل على انه عنده بها علم. ورويتم عنه أيضاً قال: (بعثت

ن قال قائل: رويتم أن رسول الله ﷺ، سئل عن الساعة فقال: (ما المسؤول عنها باعلمن من السائل). وهذا يدل على انه عنده بها علم. ورويتم عنه أيضاً قال: (بعثت

أنا والساعة كهاتين). وهذا يدل على أنه إن كان عالماً بها، فكيف يأتلف وإن الخبر بيان؟ قيل لهم: قد نطق عنه القرآن بأنه لم يكن يعلمها، ولا احد من خلق الله ﷿، لأنه قال: ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها، قل إنما علمها عند ربي، لا ايجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا يأتيكم إلا بغتة، يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله، ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾. ومعنى قول النبي ﷺ: (بعثت أنا والساعة كهاتين) أي أني أنا النبي الآخر، فلا يليني نبي آخر، وإنما تليني القيامة وهي مع ذلك دانية، لأن شرائطها متتابعة بيني وبينها، وذلك أنه أشار بإصبعيه المتجاورين إيمانهما. إلا أن توليد الأنبياء ﵈ قد انقطع فليس يتراخى الأمر بعده إلا أن ندرس شريعته ويبعث بعده نبي، وإنما تليه القيامة كما تلي السبابة الوسطى، وليست بينهما إصبع وهذا لا يوجب أن يكون له علم بالساعة نفسها، لأن ما بين الأشراط وما بين آخر الأشراط والساعة، وإذا لم يكن معلوماً لم يوجب العلم بأول الأشراط ولا بدنوها العلم بالساعة والله أعلم. وهذه الأشراط قد ذكرها الله جملة في القرآن فقال: ﴿فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها﴾. أي دنت، وأولها النبي ﷺ لأنه نبي آخر الزمان وقعد بعث وليس بينه وبين القيامة نبي. ثم بين النبي ﷺ بما يليه من الأشراط، فذكر أن تلد الأمة، ومنها: وتطاول الناس في البنيان، وضياع الحكم، وشرب الخمر ويكثر الهرج وتابع الفتن، تظهر المعارف، ويكون زعيم القوم أرذلهم، ويكرم الرجل مخافة شره، وقد كان هذا كله. وذر فيض العلم وقد بدت أوائله، وأموراً تهم الله تعالى ذكرها في قوله ﷿: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو تأتي بعض آيات ربك، يوم تأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل﴾.

أراد بهذه الآية طلوع الشمس من مغربها، وقد خبر النبي ﷺ: أنه كائن وأنذر تغلبه الإنزال، وخروج الرجال، وأن عيسى ﵇ ينزل ويقتل الرجال ويكسر الصليب وقتل الخنزير، وأن المال يفيض في زمانه فلا يقبله أحد، ونطق القرآن بخروج الدابة من الأرض، وجاء ذكرها في الأخبار، وكل ذلك مقبول عندنا مصدق به. ومن استبعد طلوع الشمس من مغربها فليراجع دينه إن كان ذا دين، فإن اطلاع الشمس من مغربها دون تكويرها، فإن كان قد اعتقد تكويرها وطي السموات بأفلاكها فلا يستبعد إطلاع الشمس من مغربها دلالة من الله على عباده: على أنه يناقض تركيب العالم، وحال ربطه، وأن الأمر في ذلك قد دنا وتقارب. وإذا كان يعلم أن الله ﷿، إذا كان يجعل الكواكب الخمسة حالاً إذا بلغها رجعت، فلا تزال كذلك تبلغ في رجوعها الحد الذي وضعه لها ثم تأخذ في السير المستقيم، فليجز أن يكون الله تعالى جعل الشمس في مسيرها نحو المشرق ودنو طلوعها حالا يبلغها عند دنو الساعة وإذا بلغتها رجعت حتى تكون مغربها، فنظر فيه إلا أنه لم يطلع عباده عل تلك الحال، ولم يعلمهم إياها كما أعلم حال رجوع الكواكب. وإنما قلنا هذا لأنه جاء في الحديث أن تلك الليلة تطول، ولا يعلم بها المجتهدون وأصحاب الأفراد، فإنهم يفرغون من أورادهم ولا يتخلى الليل عنهم، حتى يعودوا فيستوفون أوراد ليلة أخرى، فعلمنا أن طلوع الشمس من مغربها إنما هو: من أن تغرب الشمس فتسير سيراً مستقيماً حتى إذا قطعت ما تحت الأرض وكادت تطلع رجعت وراءها فتقطع ما تحت الأرض راجعة في قدر ليلة أخرى، حتى إذا بلغت موضعها التي غربت منه ظهرت فرآها الناس طالعة من مغربها، فيكون عند ذلك كرجوع الكواكب مما ألقاه الله إلى عباده، وعلم رجوع الشمس مما استأثر به، ولم يوقف أحداً على الحال التي هيأها له وبالله التوفيق. فصل ثم إن الحكم في تقديم الأشراط دلالة الناس عيها وإخبارهم: بأن منها ما إذا وقع لم ينفع نفساً إيمانها بتنبيه الناس عن رقداتهم وحثهم على الاختيار لأنفسهم بالتنزيه والإثابة

يم الأشراط دلالة الناس عيها وإخبارهم: بأن منها ما إذا وقع لم ينفع نفساً إيمانها بتنبيه الناس عن رقداتهم وحثهم على الاختيار لأنفسهم بالتنزيه والإثابة

لي لا يعامضوا بالخول بينهم وبين تدارك الفوارط منهم وليكونوا عند ظهور هذه الأشراط شيئاً فشيئاً كالمريض إذا صادف إشراط الموت عليه شيئاً فشيئاً، فإنه لا يألوا في ذل الوقت أن يتوب ويوصي ونظر لنفسه ولورثته وسائر أصحاب الوسائل عنده، ولذلك ينبغي الناس أن يكونوا بعد ظهور أشراط الساعة، نظراً لأنفسهم وانقطاعاً عن الدنيا واستبقاء بالساعة واستعداداً لها وبالله التوفيق. فصل وكل ما تقدم ذكره في إخفاء أمر الساعة على الملائكة والأنبياء صلوات الله عليهم، وتفرد الباري ﷻ بعلم وقتها مما لا يختلف فيه المسلمون، وقد أكثر المنجمون الحوادث في وقت انقضاء العالم، ولم يقل أحد منهم فيه شيئاً يعلم لكن بظن وحدس، لأن جماعتهم استبقوا ما قالوه من أحوال الكواكب، فقال بعضهم: عمر الدنيا سبعة آلاف سنة بعدد النجوم السيارة لكل واحدة ألف سنة. قال بعضهم: ثلاثمائة وستون ألف سنة بعدد درجات الفلك، لكل درجة ألف سنة. وذكرت الهند لذلك حساباً طويلا جعلوا آخره أن تجمع الكواكب كلها في آخر نقطة من الحوت، فتعود كما كانت حتى تحركت من أول نقطة من الحمل، وذلك أمد بعيد جداً، وما بقي من أيام العالم عندهم في هذا الحساب، أكثر مما مضى. وليس هذا حكماً يمكن القطع به، وإن كانوا في الحساب الذي حسبوه مصيبين، لأنه قد يجوز أن يكون هذا الأمر محتاجاُ إليه لتصير الكواكب في آخر الحوت، كما كانت اليوم الأول في أول الحمل إن تركت وبلوغ هذه الحال والمصير إليها، ولكنها لا تترك وذلك لرجل يقول: بيني وبين أن أبلغ سن أبي ثلاثون سنة، فإن أبي بلغ مائة سنة، وأنا ابن سبعين سنة، فيكون صادقك في قوله، ولكن على معنى أن بينه وبين أن يبلغ سن أبيه ثلاثين سنة أن ترك وعمر، وقد يمكن أن لا يترك وبلوغها بل يخترم دونها. فلذلك ما قاله هؤلاء في انقضاء الدنيا فهذا سبيله. وأيضا فإن الذي يؤمنهم أن بلغت الكواكب آخر الحوت وعادت إليه كما كانت أن يكون لها تحرك جديد من أول الحمل، فتتجدد الدنيا دون أن ينصرم وما الذي أوجب

له. وأيضا فإن الذي يؤمنهم أن بلغت الكواكب آخر الحوت وعادت إليه كما كانت أن يكون لها تحرك جديد من أول الحمل، فتتجدد الدنيا دون أن ينصرم وما الذي أوجب

أن تنقضي الدنيا في ذلك الوقت فهذا مما لا دلالة لهم عليه، فإنما هو ظن والظن كذب الحديث وبالله التوفيق. وكل ما قلته في قول الهند والسيارة لكل نجم ألف سنة أو أنه إثنا عشر ألف سنة بعد البروج، لكل برج ألف سنة، لأن هذا الحكم وإن كان ملائماً لوضع الأفلاك والكواكب، فقد يجوز، إذاً بعض الآلاف أن يحدث قطع كالإنسان الذي يمكن أن يبقى لكل طبيعة من الطبائع الأربع التي فيه مدة من المدد، إلا أنه إذا مرت به قسمة بعضها، انقطع عمر، فلم تبلغ قسمة ما بقى منها، فهذا من أصلهم مما يعارضون به، فيلزم أن يخبروا حدوث مثل ذلك على عمر العالم والله الموفق. ويقال لهم أن الكواكب مختلفة الأحوال، مختلفة القوى، متفاوتة الأجرام، وأقدارها وبعضها سفلية. فلم جعلتم للكواكب السفلى من السنين مثل ما جعلتموه للعلوي الكبير، ولم كان الذي يصيب كل كوكب أو كل برج ألف سنة دون أن يكون ذلك أقل أو أكثر. ومال الدلالة القاطعة بهذا والموجبة له، فلا يجدون إلى إقامتها سبيلا. وفي ذلك ما أبان أنه ليس في هذا الباب شيء يجوز القطع به، وليس إلا أن يفوض العلم فيه إلى الله جل ثناؤه كما جاء به القرآن وبالله التوفيق.

السابع من شعب الإيمان وهو باب في الإيمان بالبعث بعد الموت يعيد الله تعالى الرفات من أبدان الأموات، ويجمع ما يفرق منها في البحار وبطون السباع وغيرها حتى تصير بهيئتها الأولى، ثم يجعلها حية فيقوم الناس كلهم بأمر جل ثناؤه أحياء صغيرهم وكبيرهم حتى السقط فإنه روى عن النبي ﷺ أنه قال: أن السقط ليظل محنطاً على باب الجنة وأنه يقال له: أدخل، فيقول لا يدخل أبواي، وهذا يدل على أن المراد بالسقط هو الذي تم خلقه ونفخ فيه الروح، فيكون المراد من ساعته. وقد أخبر الله جل ثناؤه: أن الموءودة تحبس وتسأل، ﴿بأي ذنب قتلت﴾. والسقط التام خلقة قرئت منها. فأما الذي لم يتم خلقه ولم ينفخ فيه الروح أصلا، فهو وسائر الموت بمنزلة واحدة والله أعلم. فإن سأل سائل عن الأحمال التي تضعها الحوامل يوم القيامة من قرع يومئذ، كما قال ﷿: ﴿إن زلزلة الساعة شيء عظيم، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها﴾. قيل له: إن أولئك الحوامل قد متن بأحمالهن مرة فإذا بعثن فأسقطن من قرع القيامة أسقطن الأحمال التي كانت أحياء فماتت بموت أمهاتها أحياء، ثم لم تمت الإسقاط لأن الموت لا يتكرر عليهن مرتين لأنه لا موت في القيامة وإنما هو يوم الحياة. وأما الأحمال التي تكن أحياء قط وماتت الأمهات وهي في احواقهن فإنهن إذا أسقطنها من قرع القيامة أسقطنها أمواتاً كما كانت، ولا تحيى لأن الأحياء ذلك اليوم إنما

لأحمال التي تكن أحياء قط وماتت الأمهات وهي في احواقهن فإنهن إذا أسقطنها من قرع القيامة أسقطنها أمواتاً كما كانت، ولا تحيى لأن الأحياء ذلك اليوم إنما

يكون إعادة الحياة إلى من كان حياً وأميت، ولم يكن له في الحياة الدنيا نصيب أصلا فلا نصيب له في الحياة الآخرة والله تعالى أعلم. وقد ذكر الله تعالى البعث في كتابه فقال ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا، قل: بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم، وذلك على الله يسير﴾. وقال: ﴿يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن﴾. وقال: ﴿ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليا الماء اهتزت وربت، إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير﴾. وقال: ﴿وضرب لنا مثلا ونسي خلقه، قال: من يحيي العظام وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم﴾. وقال: ﴿فسقناه إلى بليد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور﴾. وقال: ﴿قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه﴾. فأخبر الله ﷿ عباده أنه يميت جمعهم ثم يحييهم ويبعثهم من قبورهم وبجمعهم في صعيد واحد ويحاسبهم بأعمالهم ويجزيهم بما وقرت ذلك عليهم بأشياء كثيرة منها: الإحالة على القدرة، ومنها المعارضة بالابتداء، ومنها التنبيه على ما يشاهده من لقائه أحياء وإحيائها بعد موتها. ومنها ما اخبرهم به من أرائه إبراهيم صلوات الله عليه إحياء الأموات، وقد نقله عامة أهل الملك، ومنها ما أجبتم عن الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فقال لهم: موتوا ثم أحياهم. ومنها ما أخبر به من شان أصحاب الكهف الذي ضرب على آذانهم زيادة على ثلاثمائة سنة ثم أحياهم ليدل يومهم عندما اعتزم عليهم على أن ما أنذروا به من البعث بعد الموت لا ريب فيه. ومنها ما أخبرهم به من قلبه عصا موسى ﵇ حية، ثم أعادتها خشبة، ثم جعلها عندن محاجة الشجرة حية ثم إعادتها خشبة، وقد اشترك عامة أهل الملك في نقله. فأما الإحالة على القدرة: فقوله تعالى: ﴿أولم يروا أن الله الذي خلق السموات

ا عندن محاجة الشجرة حية ثم إعادتها خشبة، وقد اشترك عامة أهل الملك في نقله. فأما الإحالة على القدرة: فقوله تعالى: ﴿أولم يروا أن الله الذي خلق السموات

والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى إنه على كل شيء قدير﴾. وأما المعارضة بالابتداء فقربته من هذه الحجة، وهو قوله ﷿: ﴿قل يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾ وإنما فرق بين الاحتجاجين أن أحدهما ما يبدأ خلق الذين وعدهم أن يعيدهم كما بدأهم، والآخر يخلق الأجسام التي هي أعظم وأكبر من الناس، وكل واحد منهما لا يلزم لمنكري البعث أشد اللزوم. أما أحدهما فلان الإنسان أحد الحيوانات الأرضية، فينبغي أن يكون خلق الأرض نفسها بما يحيط بها من السموات أكبر من خلق الإنسان مبتدأ ومعاداً. فإذا كان الله قد خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقها، فأولى أن يقدر على خلق الإنسان مبتدأ أو معاداً. وأما الآخر فلان الإعادة ليس منها ما في الابتداء فإذا جاز أن يخلق آدم من حمأ مسنون، ثم جعله صلصالاً كالفخار، ثم نفخ فيه الروح فجعله لحماً ودماً وعظاماً وعروقاً وأعصاباً، فلم يجوز أن يجعل الأموات منه ومن ولده تراباً ثم يخلقهم منه مرة أخرى بشراً كما خلق آدم أولا. وهاتان الحجتان على من اعترف الباري ﷻ وابتدائه الخلق، وأما من بلغت به الزناخة أن يجحد الباري ﷻ فإنما تكلم في إثباته أولا، ولا يقدم على ذلك مالا يطلق النظر قديمه عليه والله أعلم. فإن قال قائل: أليس الخزاف قد يعمل الجرة أو الكوز، فإذا انكسر الإناء لم يقدر على إعادته. فيقال له: إن إعادة الخزف تراباً لدنا كما كان قبل، لا يمكن للخزاف أن يعمل منه ثانياً مثل ما كان عمله أولا! ألا ترى أن الإناء المفروغ من صنعته لو انكسر من قبل أن يصير فخاراً لأمكنه إصلاحه وإعادته، ولكن تكسره بعدما صار فخاراً لا يعيده تراباً لدنا كما كان. والإنسان إذا رسم عاد تراباً كالتراب الذي خلق أول إنسان منه، فلما كانت القدرة قد أتت على الخلق الأول فلذلك يأبى على الخلق الثاني، ألا ترى أن أواني الحديد والرصاص

والنحاس إذا انكسرت أو دخلت النار فأذيبت حتى عادت تبرا كما كانت أولا، لا تمكن الصانع الذي صنع منها تلك الأواني أولا يصنعها منها ثانياً، فلذلك الباري ﷻ لما خلق آدم من تراب ثم جعله تراباً يقدر أن يخلقه منه مرة أخرى وبالله التوفيق. وأيضا فإن الخزاف لا يتهيأ له تغيير الطبائع التي طبعها الله ﵎ والله جل ثناؤه لم يطبع الماء على أن يؤلف بين خزفين كما طبعه على أن يؤلف بين آخر التراب، فإنما يمتنع على الخزاف إعادة ما ينكسر عليه بتعجيز الله جل ثناؤه لم يمتنع عليه شيء ولا يعجزه فالابتداء والإعادة في قدرته سواء وبالله التوفيق. ومن ذكر أمر الخزاف مبتدأ للاحتجاج به لا معارضاً، قيل له سواء ما ذكرت. أليس الخزف لولا صدع الخزاف على أن يلام بما هو من حبسه حتى يعود كما كان، ولو اتخذ آنية صغيره لم يقدر أن ينمها ويكبرها على الأيام ويحدث كل يوم منها زيادة يسيرة ولا يختص بها مكان معلوم، ولكنها تسبغ في جملتها ولو مرتين يظن آنية، أو أظهرها فذهبت الأضراس لم يكنه أن يعيدها، والله يبري الشحاح والجروح، ويجبر العظام المنكسرة، ويكبر الصغير وينميه على ما وصفته، ويعيد الأسنان بعد سقوطها، فلا ينكر أن يعيد الأموات بعد بلو أو رموا أحياء. وإن كان الخزاف لا يمكنه أن يعيد الخزف المنكسر كما كان. وأما الاحتجاج بما يشاهده من إحياء الله تعالى الأموات، فإنه وقع تبليه أشياء: أحدهما بالأرض تكون حبة تنبت وتمر وتموت، فتصير إلى أن تنبت وتبقى خاشعة هامدة. فأما حياتها فإنها تكون عند سخونة الهواء الذي جاورتها وإسخانه إياها، وانسياق الماء إليها وترطيبه لها. وأما موتها فإنما يكون عند اسخان الشمس إياها من غير ما تصل إليها، لأنها تصير عند ذلك كالفخار، وعند برودة الهواء المجاور إياها وتبريده لها، وصل الماء إليها أم لم يصل. وهذه أحوال تتعاقبل على الأرضين كل سنة، فإنها تنبت وقتاً ثم تصير إلى أن لا تنبت وقتا، فإذا انبتت كانت حية تهتز، وإذا لم تنبت كانت ميتة هامدة، والله ﷿ هو

ه أحوال تتعاقبل على الأرضين كل سنة، فإنها تنبت وقتاً ثم تصير إلى أن لا تنبت وقتا، فإذا انبتت كانت حية تهتز، وإذا لم تنبت كانت ميتة هامدة، والله ﷿ هو

الفاعل للأمرين، والمصرف لها على الحاليين، فإذا قدر على ذلك لم يعجز أن يميت الإنسان أو يسلبه معاني الحياة ثم يعيدها إليه ويجعله كما كان وبالله التوفيق. فإن قيل: ليس فيما أن الأرض لا تنبت في الشتاء ما يوجب لها حكم الموت ولا اسمه، فإن الشجر لا ينبت الأوراق ولا يخرج الثمار في الشتاء ولا يوجب ذلك لها حكم الموت ولا اسمه. فالجواب: أن هذا السؤال ليس يطعن فيما قلنا بالحقيقة، وإنما هو معارضة لأن الشجر إذا لم يورق ولا يثمر في الشتاء فإن الأرض ميتة لا تنبت، وورق الشجر وثمره غير خارجين من أن يكون انباتهما مضافاً إلى الأرض، فإذا ماتت الأرض فلا انبات منها لا لنفس الشجر ولا لورقها لا لثمرها، فلم يجز أن يستبدل بعدم الأوراق والإثمار من الشجر على انها ميتة، لأن الشجر ليس بأصل في نفسه وإنما هو مستعد من غيره، فإذا انقطع المدد عنه لم يكن له ورق ولا ثمر، ولا صح الاستدلال بذلك وبغيره من وجود الاثبات على أن الأرض تموت في الشتاء إذا كانت لا تهتز لما يساق إليه، ولا شمس تنبسط عليه، ولا يكون منها اثبات كما لا يهتز الميت بسبب من الأسباب ولا تأتي منه الأفعال التي كانت تأتي في حال الحياة وبالله التوفيق. فإن قيل: لو كانت الأرض ميتة لم تبق الأشجار الراسخة فيها حية ولماتت ثمرتها. فالجواب: أن الأرض تموت كما قال الله ﷿، ولكن الشجر الراسخ لا يموت بموتها. لأه قد استمد منها حسناتها تتباقى به إلى أن يحيي الله تعالى الأرض، بذلك أجرى الله تعالى العادة ولو توهمنا الموت مستمراً بالأرض لم نتوهم الأشجار الثابتة فيها حياة. ألا ترى أن الشجر الرطب إن أقلع في الربيع فقد يتباقى أياماً كثيرة إلى أن يغرس ثانية، ولم استمر به القلع ولم يغرس، يتوهم مع ذلك حبة فكذلك يبقى بعد موت الأرض، وهي انقضاء الشتاء إذا كانت قد استمدت قبل ذلك من الأرض والماء ما يكفيها، ولو استمر الموت بالأرض لم تبق، كما استمر بها القلع لم تبق.

بقى بعد موت الأرض، وهي انقضاء الشتاء إذا كانت قد استمدت قبل ذلك من الأرض والماء ما يكفيها، ولو استمر الموت بالأرض لم تبق، كما استمر بها القلع لم تبق. فإن قيل: قد استمدت من الأرض قبل موتها ما يحتاج إليه، فلم لا يورق ويثمر. قيل: إن الاستمداد في المستقبل ينقطع ولا يتسع ذلك الموجود لها، ولزوائد تحدث فيها. وقد يمكن أن يسبق من هذا الموضع فرق بين الشجر والأرض جواباً عما عورضنا به

وإن كنا مستغنين عنه، وذلك بأن نقول: إن حياة الشجر بالماء في طراوته ورطوبته بما تيسر به بعروقه من الماء سوى ما يجري به الماء من أجزاء الأرض وتيسره لذلك. فإن انقطع في الشتاء فإن ما اشتد به من قبل لا يزايله، ولكن يبقى منه فيه ما تدوم عضاضته طراوته فيه، وإن لم يبلغ حداً يكون من ورق أو ثمر، فلذلك لم يجز أن يوصف بالموت. وأما حياة الأرض فإنما تكون بتعديل الهواء الحار ليردها، وتعديل الماء الذي هو رطب لنبتتها حتى يتسع عند اعتدالها لها الانبات. ومعلوم أن الشتاء إذا جاءت فإن هذا التعديل كما ينقطع منه شيء، وكذلك لا يكون الانبات فاستحقت لذلك الوصف بالموت والله أعلم. والثاني من الثلاثة الأشياء التي ذكرناها أن الله تعالى احتج على عباده قوله ﷿ ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم﴾. يعني نطفاً في الاصلاب والأرحام فجعلكم منها بشراً تنتشرون. وقال: ﴿ألم نخلقكم من ماء مهين، فجعلناه في قرار مكين إلى قدر معلوم، فقدرنا فنعم القادرون﴾. فأعلمهم أنه إذا أخرج النطفة من صلب الأب صارت ميتة، ثم أنه ﷿ يجعلها حية فيخلق من خلق منها، ويركب الحياة فيه، فهذا حيات ميت في المشاهدة، فمن يقدر على هذا لا يعجز عن أن يميت هذا الخلق ثم يعيده حيا، وبسط هذا المعنى جل ثناؤه في آية أخرى فقال: ﴿ألم يك نطفة من مني يمنى، ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى﴾، وهذا أبلغ ما يكون على الاحتجاج في هذا الموضع وبالله التوفيق. والثالث قوله ﷿: ﴿إن الله فالق الحب والنوى، يخرج الحي من الميت﴾. وذلك أن الحب إذا جف ويبس بعد انتهاء تمامه ووقوع الناس من ازدياده.

وضع وبالله التوفيق. والثالث قوله ﷿: ﴿إن الله فالق الحب والنوى، يخرج الحي من الميت﴾. وذلك أن الحب إذا جف ويبس بعد انتهاء تمامه ووقوع الناس من ازدياده. وكذلك النوى إذا تناها عظمه وجف ويبس كانا مسببين ثم أنها إذا أوعا الأرض الحبة فلقهما الله تعالى وأخرج منما ما يشاهد من النخيل والزرع حبا ينشأ ويثمر إلى أن

يبلغ غايته ويثمر أجل في هذا المعنى للبيضة بفارق الناقص، فيجري عليها حكم الموت ثم يخلق الله تعالى منها فرخا حيا، فهل هذا الأحياء الميتة وهو أمر مشاهد والعلم به ضرورة. قال قائل: الحب والنوى والبيض كلها حية لبقاء الرطوبة الأصلية فيها، فلذلك تنبت الحبة والنوى ويخرج البيض الفرخ. ألا ترى أن البيض إذا استوى، والحب إذا قلى، فلم يكن من ذاك فرخ ولا من هذا نبات! فالجواب: أن البيض ميت فلذلك يعفن ويفسد بتطاول الزمان عليه، والحي لا يعفن بمرور الزمان، ولا الفرخ الذي يحدث من البيض يحدث ولا حياة به إلى أن تنفخ فيه الروح فيصير حيا، فلو كان البيض حيا لكان إذا انقلب فرخا ينقلب فرخا حيا. ولو كانت النطفة حية لكانت إذا انقلبت ولدا ينقلب حيا، ولما كان الأمر بخلاف ذلك ولم يكن بين الحياة والموت واسطة، علمنا أن الحال السابقة لنفخ الروح لم تكن إلا الموت وبالله التوفيق. وأما الحب والنوى، فإن الماء الذي هو سبب حياة الأشجار منقطع عنهما، وليس يتوقع أن تحدث فيهما زيادة بعد ما جفا ويبسا، فكانا كالميت الذي انقطع الغذاء عنه، ولا يتوقع أن يكون له نشوء وثمر، فلم يجز وصفهما مع ذلك بالحياة. وأما الرطوبة التي فيهما فإنما هي الدهنية، ومعلوم أنه لا سبيل إلى استخراج الدهن من اللب الرطب فعلمنا أنه قد مات إذا صار أن يسيل منه الدهن فقد فارقته المائية بواحدة فلا منه ماء ولا هو يفرض أن يستمد من الماء فيزداد مقداره، فعلمنا أنه قد مات وبالله التوفيق. وأما أن البيض بعدما يستوي والحب بعدما يقلى لا يكون من أحدهما فرخ ولا من الآخر شجر. فجوابه أن ذلك ليس أن الله تعالى لا يقدر أن يخرج من هذا فرخا، ولا من ذلك شجرا، فإن الله ﷿ خلق آدم صلوات الله عليه من صلصال كالفخار، ولكنه لم تجر العادة بذلك كما لم تجر العادة بأن يخلق إنسانا لا من أبوين، ولو شاء لخلق، كما خلق آدم صلوات الله عليه من صلصال كالفخار، ولكنه لم تجر العادة بذلك كما لم تجر العادة بأن يخلق إنسانا لا من أبوين، ولو شاء لخلق كما خلق آدم لأمر مثله. والأصل أن وجود خلق البشر من الله دليل قاطع، على أنه تعالى قادر على مثله وعدم

العادة بأن يخلق إنسانا لا من أبوين، ولو شاء لخلق كما خلق آدم لأمر مثله. والأصل أن وجود خلق البشر من الله دليل قاطع، على أنه تعالى قادر على مثله وعدم

خلق الشيء منه، ليس بدليل على أنه عاجز عن خلقه لأنه إنما يخلق ما يخلق مختارا، فغن شاء يخلق على ما يقدر على خلقه، وإن شاء لم يخلق وهذا في كل مختار ينشأ، هكذا يكون، لأن اتخاذ النجار بابا يدلنا على أنه يمكنه أن يتخذ بابا سواه، فغن لم يتخذ سريرا لم يكن ذلك دليل على أن ذلك خارج من وسعه. فكذلك وجود إخراج الله تعالى الفرخ من البيض غير أن المستوى والنجم والشجر من الجنة والنوى غير المقلي، دليل قاطع على إحياء الموتى كما هو قادر على ما ذكرنا. وعدم إخراجه من البيض المشوي والحب المقلي، لا يدل على انه ليس بقادر على ذلك، وأقصى ما عسى أن يقال في هذا أنه يعيد إلى البيض المشوي والحب المقلي ما أخذت النار منهما ثم يخرج من هذا فرخا، ومن ذلك شجرا، وهو إذا قدر على هذا، فقد قدر على إحياء البيض والحب والنوى. وليس الكلام على أنه كيف يحيي؟ وإنما الكلام على الإحياء نفسه، فقد ثبت أنه ليس بخارج من قدرته والله أعلم. وأما ما أراه إبراهيم صلوات الله عليه لما قال: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى﴾ فهو أن أمره بأن يأخذ أربعة من الطيور، فيقطعن، ويجعل على كل جبل منهن جزءا ثم يدعوهن. فرجع كل جزء إلى مثلة حتى يلتئم جملة ذلك الطير، ويرد الله الحياة إليها، ويأذن له في إحيائه، فيأتينه سعيا، فجعل إبراهيم صلوات الله عليه، وأنجز الله له وعده. وقد أدى جل ثناؤه مثل هذا، الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها، وكان معه حمار وركوة عصير وسلة تين، على ما جاءت به الأخبار. فأماته الله مائة عام ثم بعثه، قال: كم لبثت يوما أو بعض يوم، قال: بل لبثت مائة عام. وكان قد أمات الحمار وأبلاه، فعلم أن لبثه لم يكن يوما أو بعض يوم، ثم أن الله تعالى أحياه على عينه. وقال له: أنظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما. وأعلم أن الله على كل شيء قدير، فنبهه فأحيا الحمار على أنه أن يحيي تلك القرية بعد موتها وهي بيت المقدس لم يعجزه ذلك، وقد يكون أبقى الله ﷿ التين

لحما. وأعلم أن الله على كل شيء قدير، فنبهه فأحيا الحمار على أنه أن يحيي تلك القرية بعد موتها وهي بيت المقدس لم يعجزه ذلك، وقد يكون أبقى الله ﷿ التين

والعصير بحالهما ليدله بذلك على أنه لو شاء لأبقى الحمار بحالة أيضا. ولكنه أراد أن يريه إحياء الميت عيانا لئلا يعود فيقول ما قال ولا يستعيذ من أمر الله تعالى ما تقدمه كمال القدرة وليكون ذلك حجة على إنكار البعث ممن شاهده أو بلغه. فأما عصا موسى ﵇ فإن الله تعالى قال لموسى: ﴿ألقها يا موسى، فألقاها فإذا هي حية تسعى﴾، فجعل الله الحية لحما ودما. وخبر ذلك شاع في أهل الملك لا ينكره أحد منهم. فقال له: ﴿خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى﴾ فلما أخذها عادت عصا كما كانت. ثم أن فرعون جمع له السحرة، فألقوا حبالهم وعصيهم، وخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، فقال الله ﷿: ﴿وألق ما في يمينك﴾، فلما ألقاها تلقفت حبالهم وعصيهم ثم عادت كما كانت. فليس لأحد أن يستبعد مع هذا إحياء الله تعالى للأموات وبعثتهم، ويكذب الرسل الذين هم وعدوا ذلك عن الله ﷿ أمامهم وبالله التوفيق. وأما أصحاب الكهف فإنهم كانوا بين ظهراني قوم يكذبون بالبعث، فضرب الله على آذانهم في الكهف ثلاثمائة وتسع سنين، ثم أقامهم، واغتر قومهم عليهم ليعلموا بحفظ الله تعالى أجسادهم مع فقدهم الغذاء تلك المدة وصيانة شعرهم وبشرهم مع ذلك عن أن تأكلها الأرض، وكل ذلك خارج عن العادة، إن الله تعالى قادر على إحياء الموتى، وإعادة الأجسام الهامدة كما كانت، وإن كان ذلك مفارقا للعادة وبالله التوفيق. فصل إن الله جل ثناؤه كما دل بالآيات التي سب ذكرها على جواز البعث، فقد ذكر بآيات سواها على وجوبه، فقال: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى، ألم يك نطفة من مني يمنى، ثم كان علقة فخلق فسوى، فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى!﴾. فذكره القدرة على إحياءه الموتى، احتجاجا بها على من يحسب أنه يترك سدى.

فدل على أن المراد بالآية أنه يحسب الإنسان أنه يترك سدى. فلا يجزى بما يسعى، وإن الجزاء إذا لم يكن قبل الموت في هذه الدار وجب أن يكون في دار أخرى بعد الموت، وإذا كان الميت يعرض البلى فواجب أن يعلم أن يجيء بما يكون في دار أخرى بعد الموت. وإذا كان الميت يعرض إلى بإعادته حيا بعد ما مات، ونقله من الدار التي قطعه عنها إلى دار سواها والله أعلم. وقال ﷿: ﴿أفحسبتهم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ترجعون﴾، ليهملكم فلا يأمركم ولا ينهاكم فعل من يعبث بالشيء فيريده، لا لغرض صحيح، أو أنا خلقناكم: أغفلنا أمركم فلا نجازيكم، أي فلا تحسبوا هذا، فإن البعث ليس من صفاتنا ولا هو لائق بنا، وأعلموا أنكم إلينا ترجعون، أي إلى دار عددناها لنجزيكم فيها بأعمالكم، فدلهم بهاتين الآيتين على أن البعث واجب في حكمته كما دل بغيرها على أنه جائز في قدرته. فإن قال قائل ليس لكم أن تقولوا شيئا مما قلتموه لأنكم تتلون في كتابكم: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا﴾. ومن يعمل سوء يجزيه. ويروون أن أبا بكر الصديق ﵁ قال للنبي ﷺ: كيف الصلاح بعد هذه الآية يا رسول الله! فقال: يا أبا بكر، ألست تحزن ألست تمرض، أليس تصيبك البلوى؟ قال: بلى! قال: فإن كل ذلك مما تجزون به في القرآن في قصة اليهود، فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم: ﴿فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون﴾. وفيه: ﴿علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت، فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾. وفيه: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا﴾. وفي هذا إثبات الجزاء في هذه الدار نصيبا. وفيه: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر، ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا، أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببعضهم﴾.

وفيه: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر، ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا، أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببعضهم﴾.

وفي آية أخرى: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾ وفيه في حد المحاربين: ﴿ذلك لهم خزي في الدنيا﴾. وفيه: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾. وفيه في قصة اليهود: ﴿أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة﴾. وفي قصة النصارى: ﴿فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة﴾. وفيها معنى إثبات الجزاء في هذه الدار، وفيه في قصة اليهود: ﴿وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾. وفيه في ذكر قوم نوح: وإنهم أغرقوا لتكذيبهم نوحا، وذكر عاد وثمود، وما بالهم لتكذيبهم هودا وصالحا وذكر فرعون وما ناله وملأه لتكذيبهم موسى، وذكر قوم لوط وما أصابهم لعصيانهم لوطا قد عرفتم. وإذا تتبع ما في كتابكم من أمثال هذه الآيات كبرت، وفيما تدعون أنه حدود الله تعالى من فعلهم، وقبلهم عقوبة لهم بكفرهم، وسبي ذراريهم ونعيم أموالهم، وجلد الزاني ورجمه وجدل الشارب والقاذف وقطع (يد) السارق وقتل المرتد وتارك الصلاة. وقتل القاتل وجرح الجارح ما ينبي عن وقوع المؤاخذات في الدنيا، وكذلك الكفارات التي يدعون أنها واجبة بالأسباب التي تذكرونها شاهدة عليكم بمثل شهادة الحدود. وقال نبيكم ﷺ: (اليمين الغموس يدع الديار بلاقع من أهلها). وفيما يروى أيضا مما جاء: (ما شيء أعجل عقوبة من عقوق الوالدين وقطيعة الرحم، واليمين الفاجرة تمحق البركة، والبيعان أن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وأن كذبا وكتما خفت بركة بيعهما). وقد جاء في منع الزكاة بما يشبه هذا.

الرحم، واليمين الفاجرة تمحق البركة، والبيعان أن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وأن كذبا وكتما خفت بركة بيعهما). وقد جاء في منع الزكاة بما يشبه هذا.

فأما ما يدخل في باب حسن الجزاء والثواب، ففي قصة إبراهيم، وأتيناه أجره وأنه في الآخرة لمن الصالحين. وفي غيرها من الآيات: ﴿فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة﴾. وفيه: ﴿من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة﴾. وفيه: ﴿ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾. وفيه: ﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها، وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا﴾. وفيه: ﴿وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله﴾. وفي قصه زكريا وما استجاب فرد عليه: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا، وكانوا لنا خاشعين﴾. وفيه: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا﴾. وفي قصة إبراهيم لما أمر بذبح ولده، ثم أفدى بذبح عظيم: ﴿سلام على إبراهيم، كذلك نجزي المحسنين﴾. وكذلك في قصة موسى وهارون وإليس وقصة نوح أنه قال لقومه: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا﴾. وفيما يروى عن نبيكم ﷺ: (الصدقة تطفي غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في

العمر، والدعاء يرد البلاء، لا يزال بالعبد يخرجه من ذنوبه ويجعله كيوم ولدته أمه). وهذا النوع أيضا إذا تتبع وجد كثيرا، فأخبرونا عن هذه المثوبات والمثلاث أن كانت موجودة عاجلا، فما الذي يضطر إلى إثبات دار أخرى للجزاء؟ وما معنى قولكم: ما لم يكن الناس مجربين بأعمالهم في هذه الدار ولم يجز أن يكونوا مهملين، صح أن وراءها دار أخرى ينقلون إليها ويجزون فيها، وأنتم تقولون بألسنتكم: من آمن وعمل صالحا فهو عدل تقبل شهادته، ومن عمي فهو فاسق رد شهادته، ومن بر أباه ورثه لئن مات، ولئن قتله حرم ميراثه. ومن تصدق بماله، ومن منع مخالفة بركة ماله. وتتلون في كتابكم، وتروون عن نبيكم ﷺ ما حكيناه وكتبناه، وعن ذلك مما تركناه، وأي احتجاج ثبت لكم في هذا الباب مع الذي ألزمناكم؟ فالجواب:- وبالله التوفيق-: إن الجزاء بكل واحد من الحسنى والسوء على ضربين: فأما آية جزاء السوء فجزاء الانتقام، وهو الجزاء المطلق. والآخر جزاء الدفع والرجس وليس هذا جزاء بالإطلاق. وأما أحد جزاء الحسنى فالتفويض من الطاعة والصبر عليها ومقاسات الشدة. وهذا هو الجزاء لمطلق. والآخر جزاء البشرى ويراد به الترغيب والتحريض، كما يراد بالذي قبله الردع والترهيب. فأما جزا السيئة فما يكون كفء لها، وهو جزاء الانتقام. وجزاء الحسنة إنما يكون كفء العبودية والطاعة، وليس شيء منه بموجود في هذه الدار. وأما جزاء الردع والزجر وجزاء الحرض والترغيب فهو الموجود. وفي هذه وهذا ليس بجزاء مطلق، لأن الترغيب من توابع الأمر ولواحقه. والترهيب من توابع النهي ولواحقه. فإذا لم يصلح أن يكون الأمر بنفسه جزاء، فيقف معنى الجزاء فيما يراد به البعث على فعل المأمور به، وإذا لم يصلح أن يكون النهي حسن الضعيف، معنى الجزاء فيما يراد به البعث على ترك السعي عنه واحد هذين الجزاءين، إذا بما يؤدي إليه الإضراب من العذاب والآخر مبشرا لما يوجبه الدوام من الثواب، وليس هذا الجزاء بنفسه مطلقا لكن غير ضرب التقييد، ومن وجه دون وجه.

اءين، إذا بما يؤدي إليه الإضراب من العذاب والآخر مبشرا لما يوجبه الدوام من الثواب، وليس هذا الجزاء بنفسه مطلقا لكن غير ضرب التقييد، ومن وجه دون وجه.

فيقال للإحسان الذي هو الترغيب جزاء بمعنى أنه لم يكن مبتدأ، وإنما وقع في مقابله حين تقدم من المحسن إليه، فكانت صورته صورة الجزاء. ويقال للإساءة التي هي الترهيب جزاء بمعنى أنها لم تكن مبتدأ، ولكنها وقعت في مقابلة شر يسبق من المساء إليه، فكانت صورتها صورة الجزاء، وكل ما عده هذا القائل فقال فيها الآيات، وروي فيها الأخبار فهو داخل فيما وصفنا، أنه للعصاة وردع وتقويم وترهيب، ومنع لهم عن الأضرار، وللمطيعين حرض وترغيب وبعث على البيان والدوام، فلذلك كان موضعه هذه الدار، وذلك أنها دار العمل والترغيب والترهيب فيما يحسن وبها يليق. فأما جزاء الانتقام وجزاء التعويض، فلا يكتفيان بدار العمل، لأن الحياة مادامت باقية، والمحسن العدل، يعرض أن ينقلب مسيئا فاسقا، والمسيء الفاسق يعرض أن ينقلب محسنا عادلا، والمؤمن يعرض أن يكفر، والكافر يرض أن يؤمن، فلاحق أن يتأخر جزاء كل منهما إلى أن تنقضي حياته التي هي نهاية لمدة تكليفه، فيكون جزاؤه بحسب ما يختم به عمره، ويلقي به ربه، وهذا جملة الجواب عن السؤال وبالله التوفيق. ثم التفضيل أن الله ﷿ أن أمر يقبل المرتين فقد جعل لبعضهم منه مخرجا بالجزية ولجماعتهم بالرق إذا جرى عليهم، فلو كان ذلك جزاء الكفر لما سقط بالجزية ولا بالاسترقاق لأن الكفر منهم مع الآخرين قائم ولأن ذلك لو كان انتقاما منهم لكفرهم لأمكن منهم ليقتلوا. ومعلوم أن الأولين هم الذين وصل إلى قتلهم ويسلم الأكثرون، فلا يبقى وراء هذا إلا إباحة لدمهم، والإباحة نفسها لا انتقام يقع بها حتى يكون معها إراقة الدم وإهلاك النفس، فما كان ذلك مما لا يوصل إليه، وقد يعرض عند القتال ما يمنع عنه في حكم الله تعالى، علمنا أن قتل الكفار ليس إلا ردعا لمن يفضله السيف منهم عن الأضرار، ولذلك قام أخذ الجزية والاسترقاق لما فيها عليهم من الذلة والصغار فقام القتل والله أعلم.

نا أن قتل الكفار ليس إلا ردعا لمن يفضله السيف منهم عن الأضرار، ولذلك قام أخذ الجزية والاسترقاق لما فيها عليهم من الذلة والصغار فقام القتل والله أعلم. فإن قيل: فالمقتول منهم كيف يرتدع؟ قيل: إنما كان ردعه بإعلامه أنه مقتول على كفره، والتعويض بالسيف، فإن أبي وقاتل فهو القاتل نفسه، والله أعلم. والقول في الحدود كلها على هذا، وذلك إنما روادع بما فيها من إيلام المحدود عليه من الشين والعار،

والكفارات أيضاً روداع بما فيها من نقصان المال وإجهاد النفس، وليس منها جزاء الانتقام. ألا ترى أن الحدود كلها تسقط بالتوبة لوقوع الاستغناء بارتداع من كان عليه الحد عن ردعه، والقتل أيضا بعد وجوه يزول عن الكافر بإسلامه، يعلم أنه المردع في المستقبل عن الإضرار، فلما ارتدع سقط، ولو كان عرض الانتقام منه لكفره، لما نفعه الإسلام بعد ما حق القتل عليه. وأما كل جرم ذهب ما المجرم لأهله، ولا يخلو ذهاب ماله من أن يكون ردعا له عن الأضرار، ولغيره عن مثل فعله. ألا ترى أنه لو كان مات قبل أن يذهب ماله لما ذهب له لجرمه. وأيضا فإن ماله إذا ذهب لم يهمله الله تعالى ولم يجعله من نظره لأنه يجب على المسلمين أن لا يضيعوه ولا يغفلوا عنه فيموت جوعا أو عريا في شدة حرا وبردا، ولكنهم يكفونه ويموتونه فيصير كالمتروك بعض ماله عليه، وهو ما لا بد منه، وفي هذا ما يبين أن الغرض إنما كان التقويم لا الانتقام والله أعلم.

ة حرا وبردا، ولكنهم يكفونه ويموتونه فيصير كالمتروك بعض ماله عليه، وهو ما لا بد منه، وفي هذا ما يبين أن الغرض إنما كان التقويم لا الانتقام والله أعلم. وأما ما في باب الإحسان من قوله ﷿ في قصة إبراهيم ﵇: ﴿وآتيناه أجره في الدنيا وأنه في الآخرة لمن الصالحين﴾. فإنما هو إشارة للبشرى والترغيب، لأن الله ﷿ لما ركب فيه العقل الذي يتوصل به إلى معرفته ليستدل به معرفته وحده. فلما أراد عدوه ألقاه في النار توكل على الله، وآثر ما لديه فلم يرجع عن دينه، ولما اضطره إلى الجلاء عن وطنه هاجر وقطع الأقربين في ذاته وابتلاه الله في ابنه، بأن أمره بذبحه، فأسلم وصبر فعصمه الله تعالى من النار، وأورثه الأرض المقدسة وكثر ماله وأنمى ولده، وجعل فيهم النبوة والملك، وأزال عنه الأمر بذبح الولد، وفاده عظيم، وجمع عليه الاسم فلا يكذبه أحد منهم بل يؤمنون به ويطيعون، وكل ذلك ترغيب له ما دام حيا في الدوام على الطاعة، وترغيب لمن يتبع غيره في إيثار طاعة الله تعالى والصبر على ما يلقاه فيها من أذى يؤذيه وجفاء من يجفوه، فهذا أجره الذي أتاه الله في الدنيا وهو أجر الترغيب والبشرى فيما هو قادم عليه في الدار الآخرة، فهذا وكل نعمة أنعمها الله تعالى على أحد من مال أو غيره فسبيله ما ذكرت. ألا ترى أنه لا يخول فيما أنعم الله عليه من فرائض تلزمه، فلو كانت غرضا لسعيه وعمله

الذي قدمه، لكان من حقه أن يكون محلي وإياه يعمل به، وفيه ما يريد، ولما لم يكن كذلك، بل كانت لله عليه مطالبات، علم أنها ليست غرضا لما قدم من بر وطاعة، وإنما هي من جهة ماله فيها من الرفق ترغيب وتحريض على الثبات والدوام، ومن غيرها إنعام مبتدأ سبيله أن يشكر الله تعالى ويؤدي حقوقه منه، وما كان هكذا لم يستحق أن يكون جزءا بالإطلاق، وبالله التوفيق. ونقول من غير هذا الوجه أن قتل الكافر ليس يجوز أن يكون جزاء الكفر لأن القتل يجب بكفر ساعة كما يجب بكفر مائة سنة جزاء له، لأن عظم ما في القتل موت القتيل، ثم الألم الذي يصل إليه قبل خروج الروح. ومعلوم أن الموت لا بد منه، فإنه مدرك كل واحد، فلم يجز أن يقال: أن الموت جزاء له ولا حد سواه، فلم يبق إلا الألم، وذلك المقدار من الألم مما لا يشكل على ذي عقل أنه لا يوازي كفر مائة سنة، فبطل بهذا أن يكون القتل جزاء لكفر الكافر. وكذلك الزاني لو زني ثلاثين سنة، فبطل بهذا أن يكون القتل وإفساد حرم الناس وهتك أستارهم وتلويث أنساب أولادهم. والشارب لو شرب سبعين سنة وهو لا يحتقر أراد الإمام حده، لم يزده على أربعين جلدة. والسارق لو سرق من إلف مسلم أموالا عظيمة وهو لا يقدر عليه أو لا يعلم به من خبأ واعترف، فإنه لا يزاد على أ، تقطع يمينه لهم جميعا. ومعلوم أن ما ينال كل واحد من هذين لا يوازي عظيم جرمه، ولكنه وغيره ما تقدم ذكره يصلح لوقوع الزجر والردع به. فعلمنا أنه لذلك لا للانتقام والله أعلم. وكذلك له الذين تعود الحلف بالله تعالى باطلا، فهو يقدم كل وقت عليها، وجرى على ذلك سنين، فأذهب الله تعالى ماله وألقى بمؤونته على غيره، فليس يجوز أن يكون تعويضه للحاجة إلى غير مواز بالجزاء به على الله تعالى، والحلف باسمه على مالا حقيقة له فعلمنا أ، ذلك ردع وترهيب وليس بانتقام، وبالله التوفيق. وعلى هذا، فإن من أتاه الله تعالى بعد مقامات كانت له في طاعة نبوة أو ملكا عظيما أو جاها عريقا، وأدام له الصحة والسلامة، فليس يليق بشيء من هذا أن يكون غرضا، وإن كان إحسانا وبرا لأن الذي كان من العبد عبادات أخلصها الله تعالى.

ظيما أو جاها عريقا، وأدام له الصحة والسلامة، فليس يليق بشيء من هذا أن يكون غرضا، وإن كان إحسانا وبرا لأن الذي كان من العبد عبادات أخلصها الله تعالى.

فهذه الوجوه كلها سوى ما يرجع إلى العبد من فوائدها، حقوق الله تعالى تلزمه وتفترض عليه، لأنه تعالى أنبأه احتاج أن يقوم بأعباء النبوة وينخرد لها ويصير على ما يستقبله فيها، وإن مكله احتاج إلى الزنا حد نفسه بالعدل بين الناس، والأخذ للضعيف من القوي، وإقامة حدود الله تعالى، واستبقاء حقوق الله تعالى ووضعها مواضعها ومجاهدة أعداء الله تعالى إلى غير ذلك، مما يطول على التعديد والإحصاء، وإن كثر ماله أو بسط جاهه، فعليه من كل واحد منهما حق معروف، وجملته أن يواسي من كل واحد منهما غيره مما يحتاج إليه وإن صح بدنه لزمه في الصلاة والصيام والحج والجهاد فرائض الأصحاء، فعلمنا أن كل شيء من هذا لا يخلص التعويض فهو إذا ترغيب وتحريض كما ذكرنا وبالله التوفيق. ثم المعنى في عامة ما وصفت أن هذه الحياة كلها وقت له، فكان الجزاء واقعا بعد نقض العمل لإحلاله. والمعهود من الناس كلهم أنهم يوفون العامل أجره، إذا فرغ من عمله، فذلك عند جماعتهم حسن جميل، فكانت معاملة الله تعالى بنحو ما عرفوه واعتادوه. بل كان ذلك أليق بأن يكون له حكما لما ذكرت من أن العدل يفسق، والفاسق قد يعتدل، والمؤمن قد يكفر، والكافر قد يؤمن. ولا وجه لأن يجمع الجامع في حياته بين العدالة والفسق من أن يثاب على عدالته ويعاقب على فسقه، ولا للجامع في حياته بين الكفر والإيمان أن يعاقب على الكفر وثبات الإيمان، لأن هذه المعاني متدافعة غير متلائمة، أعني أن العدالة والفسق صفتان لا تجيئان معا لأحد، لكن العدالة تنسخ الفسق إن كان تقدمها، والفسق ينسخ العدالة إذا تقدمه، والكفر ينسخ الإيمان ويحيطه، والإيمان بنسخ الكفر ويحيطه.

فتان لا تجيئان معا لأحد، لكن العدالة تنسخ الفسق إن كان تقدمها، والفسق ينسخ العدالة إذا تقدمه، والكفر ينسخ الإيمان ويحيطه، والإيمان بنسخ الكفر ويحيطه. فإذا كانت هذه الأوصاف مناسخة متنافية، لم يجز لأحد أن يجمع لأحد بين الواجبات التي تجب فيها، فيؤتي ثواب العدالة مدة اعتداله تاما، ويعاقب بالفسق مدة فسقه تاما، ويعذب على كفره مدة ما كفر، ويثاب إيمانه مدة ما آمن، لأن من حكم الله ﷿ وموضوع سنة نبيه، أن من فسق ثم تاب وأصلح حبط فسقه، ومن أصلح وقتا ثم فسق أحبط فسقه من الطاعات التي قدمها دون أصل للإيمان بعدده حتى لا يجب له ثوابها.

وأما أصل الإيمان فأمره على الاختلاف، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون الجزاء بعد انقطاع العمل وتقضي مدته، ثبت أن الله ﷿ قد أعد للجزاء دارا سوى دار العمل، وأنه يوردهم إياها واجبا ليجزيهم بأعمالهم، فيثيب المحسن ثوابا يشترك فيه من يثيبه كل ما اشترك منها عن حسن العمل، فيعاقب المسيء عقوبة يشترك فيها من ينيبه كلما اشترك فيها من سوء العمل وبالله التوفيق. ويقال للمعارض الذي حكيت قوله واجبته عنه: أرأيت العابد الخاشع الناسك الذي لا يعصي الله، ولا يخلو من وجع أو شدة جوع أو عري في الحر والبرد بما يؤذي، ويخفي وهو بصير ولا يفارق عادته، إذا مات على هذه الجملة، فليس إنما مات ولم يستوفي ثواب عمله. أرأيت الفاسق الخليع المتهتك إذا رضى أيامه في ضروب المعاصي، فلم يدع شهوة إلا قضاها ولا لذة إلا استوفاها وهو في ذلك لا يصيبه غم ولا وجع ولا نيلا ولا يزداد على الأيام إلا غناء وثروة وجاها، ورفعة وهو لا يقلع عما فيه إلا أن مات على هذه الجملة! أليس إنما يثاب غير مجزي بعمله، فما حال هذين الرجلين عندك، أضاع الموت سمعيهما، فهذا خلاف الحكمة، والله الموفق تعالى حكيم له يجزيان، فأين تجربان إلا أن يجيئا مثقلا إلى دار أخرى فيجربانها كما تقول!

Bagian 10 dari 42