المنهاج في شعب الإيمان

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya الحليمي (w. 403 H).

Bagian 9 dari 42 1512 halaman

— Bagian 9 · ومن قرأ ﴿بزينة الكواكب﴾، والتنوين والجر، جعل الك… —

Bagian 9

ومن قرأ ﴿بزينة الكواكب﴾، والتنوين والجر، جعل الكواكب تفسيراً للزينة، وذلك ما يدفع ما أوجبته القراءة الأولى، لأن كل نقطة بيضاء هي عند العرب كوكبة. وكذلك من قرأ ﴿بزينة﴾، فنون الكواكب فنصب، وأراد بزينة جعلنا الكواكب لأنها تصلح أن يكون المراد بالكواكب في هاتين القراءتين الشعل التي أيدت بها الحراس، بل ذلك هو الذي لا ينبغي غيره، لأنه لا يجوز أن يقرأ الآية الواحدة قراءتين متضادتين، فيكون المراد بأحدهما خلاف المراد بالأخرى. وقد بينا أن قرأ بالإضافة والجر فلا تخرج قراءته إلا على أن يراد بها زينا السماء بالزينة التي هي الكواكب. فلم يجز أن يكون المراد بالتنوين والجر، والتنوين والنصب، زينا السماء بالكواكب أنفسها، لأن زينة الكواكب غير الكواكب كما أن زينة كل مزين غيره، ويدل على هذا أن الله ﷿ ذكر السماء ذكرا مطلقاً والكواكب التي يراد بها النجوم هي في الأفلاك خاصة، وليست مثبوته في السماء كلها، فهذا يدل على أن المراد بها الشعل التي هي أشباه الكواكب، وليست بالنجوم. وأما قوله ﷿: ﴿وحفظاً من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملأ الأعلى﴾ ثم قال: ﴿إلا من خطف الخطفة فأتبعته شهاب ناقب﴾. فإبان أن القذف إنما هو الشهاب الذي هو النار لا يكون من كواكب الأفلاك، ولم يذكر الله ﷿ في موضع من كتابه أن القذف لا يكون إلا بالشهاب وهو النار، فكان ما ذكرنا مفسراً في عامة الآيات موافقاً لما أحمل في قوله ﷿: ﴿وإنا لمسنا السماء فدجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً﴾ والله أعلم. ثم أن السلف اختلفوا في أن قذف الشياطين كان مبعث النبي ﷺ، أو كان ذلك امراً حدث لمبعثه، فروى الزهري عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عنه ابن عباس ﵃ قال: (بينا النبي ﷺ جالساً في نفر من أصحابه إذا رمي بنجم فاستنار، فقال: ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية؟ قالوا: كنا نقول: يولد عظيم أو يموت عظيم! قال: قال: فإنها لا ترمي لموت أحد ولا لإحيائه، ولكن ربنا تبارك اسمه إذا

تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية؟ قالوا: كنا نقول: يولد عظيم أو يموت عظيم! قال: قال: فإنها لا ترمي لموت أحد ولا لإحيائه، ولكن ربنا تبارك اسمه إذا

قضي الأمر في السماء سحب العرش ثم سبح أهل السماء وسبح كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء، ويسبحوا أهل السماء حملة العرش، فإذا قال ربكم فيخبروهم ويخبر به أهل السماء حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء، ويختطف الجنه فيرمون فما جاءوا به فهو حق، لكنهم يزيدون فيه). قال: قلت للزهري أكان يرمي في الجاهلية؟ قال: نعم! قلت: أفرأيت قوله ﷿: ﴿وإنا كنا نقعد منها مقاعد السمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً﴾ قال: غلطت وشدد أمرها حق بعث النبي ﷺ. وقال آخرون: إن ذلك حدث بعد مبعث النبي ﷺ فروى عن ابن عباس ﵁ قال: كان الجن يصعدون إلى السماء فيستمعون الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها سبعاً، فأما الكلمة فتكون حقاً، وأما ما زادوا فيكون باطلا، فلما بعث النبي ﷺ منعوا مقاعدهم، ولم تكن النجوم يرمي بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس: ما هذا الأمر حدث في الأرض، فبعث جنوده فوجد رسول الله ﷺ قائما يصلي، فأتوه فأخبروه، فقال: (هذا الحدث الذي حدث بالأرض). وفي رواية أخرى عن ابن عباس ﵁ قال: لم تكن قبيلة من الجن إلا ولها مقاعد يستمعون منها، فكان إذا نزل الوحي سمعت الملائكة صوتاً كصوت الحديد ألفتها على الصفا فخروا سجداً فلم يرفعوا رؤوسهم، فإذا نزل قال بعضهم: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وإن كان مما يكون في الأرض يكلموا به، قال: أيكون كذا وكذا، وتسمعه الشياطين فيقولون به على أولوياتهم قد جدوا بالنجوم، فكان أول من علم بها ثقيف، فكان ذو الغنم منهم ينطلق إلى غنمه فيذبح بعضهم لبعض: لا تفعلوا، فإن كانت النجوم التي تهتدونه بها، فهو من أمر الساعة، فإن كانت النجوم لا تعرف، فهو من أمر حدث، فنظر فإذا نجوم لا تعرف، فكفوا. وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: لما كان اليوم الذي نبي فيه رسول الله ﷺ، منعت الشياطين ورموا بالشهب.

تعرف، فهو من أمر حدث، فنظر فإذا نجوم لا تعرف، فكفوا. وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: لما كان اليوم الذي نبي فيه رسول الله ﷺ، منعت الشياطين ورموا بالشهب.

وعن عبد الملك بن سابور قال: لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما، فلما بعث محمد ﷺ حرست السماء ورميت الشياطين بالشهب، ومنعت من الدنو من السماء. وعن أبي كعب ﵁، قال: لم يرم نجم منذ رفع عيسى حتى نبى رسول الله ﷺ فرمى بها، فرأت قريش أمراً لم تكن تراه، فجعلوا يسيبون أنعامهم ويعتقونه برقابهم، يظنون أنه الفناء، فبلغ ذلك من فعلهم أهل الطائف، ففعلت ثقيف من ذلك، فبلغ عبد قابيل بن عمر، فأصفت ثقيف فقال: فلم فعلتم ما أرى؟ قالوا: رمي النجوم فرأيناها تتهافت من السماء، قال: إن إفادة المال بعد ذهابه شديد فلا تعجلوا وانظروا، فإن تكن نجوم تعرف فهو عيد فيأمن الناس، وإن كانت نجوماً لا تعرف، فهو أمر حدث، فنظروا فإذا هي لا تعرف، فأخبروه، فقال: في الأمر مهلة، فهذا ظهور نبي، فما مكثوا إلا يسيراً، حق قدم أبو سفيان على أقواله فجاءه عبد بابل فذكراه أمر النجوم، فقال أبو سفيان: ظهر محمد بن عبد الله، يدعي أنه نبي مرسل. قال عبد بابل فعند ذلك رمي بها. وعن نافع بن جبير، قال: كانت الشياطين في الفترة، تستمع فلا ترمى، فلما بعث رسول الله ﷺ رميت بالشهب. فهذا القولان من السلف في الظاهر مختلفان، وقد يحتملان التوقيف، فقال: إن الذين قالوا أن الشياطين لم تكن ترمي بالنجوم قبل مبعث النبي ﷺ، ثم رميت، أي لم تكن رمي من جانهب ولا ترمي من جانب. ولعل الإشارة بقوله ﷿: ﴿ويقذفون من كل جانب دحوراً ولهم عذاب واسب﴾ إلى هذا المعنى، وهو أنهم كانوا يقذفون إلا من بعض الجوانب، فصاروا يقذفون من كل جانب، وكانوا لا يرمون إلا في بعض الأوقات، فصاروا يرمون واصباً، وإنما كانوا من قبل كالمنجسة من الإنس يبلغ واحد منهم حاجته ولا يبلغها غيره، ويسلم واحد ولا يسلم غيره، بل يقيض عليه فيعاقب وينكل به، فلما بعث النبي ﷺ شدد عليهم، وزيد في حفظ السماء، واعدت لهم شهب لم تكن من قبل ليدحضوا عن جميع

جوانب السماء ولا يقعدوا في مقعد من المقاعد التي كانت لهم منها، فصاروا لا يقدرون على سماع شيء مما يجري فيها، إلا أن يختطف أحد منهم بخفة حركته خطفة فيتبعه شهاب ثاقب، قبل أن ينزل إلى الأرض إلى إخوانه فتحرقه فيطلب من فلك الكهانة وخلصت النبوة والرسالة والله أعلم. ومعنى ما يجري في هذا الأخبار من أسماء النجوم ورميها إلى ما هو في رأي الغير كالنجم لأن ذلك الذي فيضيء لونه لون النجوم، وإلا فليس بنجم على الحقيقة، لأن النجوم لا تكون في جميع السماء، وإنما تكون في الأفلاك. وقد أخبر الله ﷿ أن شهب القذف قد ملأت السماء فهذا يدل على أنها ليست بنجوم على الحقيقة، ويدل على هذا أيضاً أن الذي يخر لا يكون كوكباً كالكواكب، ولكنه لا يظهر إلا في حال الانخراز. فيدل ذلك على أنه شعلة يرمى بها من السماء إلى جهة الأرض، فإذا فارقت حد السماء هاوية ظهرت، وإذا اتصلت بالرمي فاحرقته جمدت، ولو كان ذلك كوكبا بالحقيقة لكان مرتباً في مكانه قبل القذف، ويعاد إلى مكانه بعد إحراق من يرمي، وثبت في موضعه، وأيضاً فإن انكدار النجوم وانتشار الكواكب في مواعيد يوم القيامة، فلا يسبقه كما لا يسبقه تكوين الشمس ولا طي السماء وبالله التوفيق. ومعنى ما قيل من أن السماء لم تكن تحرس في قبل هذه الفترة، أي لم تكن تحرس الحراسة الشديدة كما تكون في زمن النبوة إذا بعث نبي وزيد في الحراسة، وأكثر من القذف كان ذلك أنه لبعث ذلك الشيء، فتكون الكهانة الفاشة قبل بعثه منقطعة ذاهبة كمبعثه والله أعلم. وقد تكون الزيادة في الحرس والشهب عند مبعث النبي ﷺ وجه آخر، وهو أن معجزته الناشئة الباقية كانت القرآن، والقرآن من خبر السماء، فلو لم يحرس السماء حتى لا تصل الشياطين اليها ولا سمع ما يجري فيها أصلا لأدى ذلك إلى اختلاف أمر النبوة ولم يقع القرآن من قبل النبي ﷺ موقع المعجزة. لأن الشياطين كانت تسمع القرآن فينزل به إلى الكهان فيقرأه الكهان على الناس، كما يقرأه النبي ﷺ ويزول حكم الحجة، كما تسمع منه لأنه يصير مشاركاً فيه من ليس بنبي، فكان يقرن حجته

لقرآن فينزل به إلى الكهان فيقرأه الكهان على الناس، كما يقرأه النبي ﷺ ويزول حكم الحجة، كما تسمع منه لأنه يصير مشاركاً فيه من ليس بنبي، فكان يقرن حجته

بالقرآن واعجازه في حجب الشياطين عن السماء لئلا يسمع احد منهم ما يتلى فيها من القرآن، فيسبق به الملك إلى النزول، ويبلغ الكاهن قبل أن يبلغ النبي ﷺ، وقد كان ذلك بحمد الله ومنه قامت المعجزة ولزمت بها الحجة وبالله التوفيق. وفي هذه الجملة التي ذكرتها ما قطع عنها معارضة من معارضنا بأن الأوائل من الشعراء وغيرهم، ذكربوا انقضاض الكواكب، وإن ذلك يدل على وجود هذا الأمر قبل البعث، وأعياناً عن تكليف الجواب عنهها بغير ما بينا والله أعلم. وأما قول بعض الأوائل أن هذه الشهب سببها الأبخرة، ترتفع من الأرض، فإذا بلغت النار التي دون الفلك احترقت فليس بشيء يلزم الاعتراف به، لأن الذي قاله لم يقله الأعلى أغلب ظنه، وتحسب ما وقع عندنا نظر فيه واجب الوقوف على وجه إن كان له بعد أن كان لا يعرف من السماء ما يعرفه رسل الله صلوات الله عليهم بجهلهم وتكذيبه لهم، وكفره بخالقه ورازقه الذي يتقلب ليله ونهاره في نعمه، ولا غنى به في حال من الأحوال عنه. وليس يجوز لنا أن ندع خبر النبي ﷺ الذي قامت الدلائل على صدقه عن خالق الشهب كظن ظنان ولا توهم متوهم. وأيضا فإن هذه الأبخرة تتصاعد من جميع الأرض إذا الشمس تنبسط على جميعها، فكان ينبغي إذا وصلت إلى النار التي قالها هذا القائل وأحرقت بها أن ترى ذلك كهيئة المطبق العالي ما بين الأفق، لأنها لا تنأى عن وجه الأرض النائي الذي يصعد منه في المنظر العظيم، ويدق الجليل الجسيم كالكواكب، بل كان مرئي منه الشيء العظيم المبشر الذي كان لا يخفى أنه لو دنا من وجه الأرض أو قريباً منه، لأن ما يرتفع من وجه الأرض من حين الضحى فيبلغ ما يبلغ، أما في أوائل الليل أو في أوسطه وآخره. فبين أن مسافته في البعد لا تنهي إلى أن يرى المرتفع منه عن أكثر الأرض، والمنتشر المنبسط بعد ذلك في الهواء يحط محطاً، أو جب فيصير بحراً، وكان ينبغي أن يرى ذلك من كل وجه لا يرى منه في جانب ما قيد سهم أو قيد قوس، فإن طال حداً فقدر رمح.

نبسط بعد ذلك في الهواء يحط محطاً، أو جب فيصير بحراً، وكان ينبغي أن يرى ذلك من كل وجه لا يرى منه في جانب ما قيد سهم أو قيد قوس، فإن طال حداً فقدر رمح. وأيضاً فإن العيان يقضي بأن ذلك قذف ومرمي لأن ما يظهر ذلك في السماء، فهو في صورة ما يشاهد من القذافات فيشعل فيه دفعة واحدة، ولكنه في المشاهدة كشيء يبدو

أو يمر مراً طويلا أو قصيرا ثم يقف فهو أشبه بما يرى من قذافات الأرض، فكيف يجوز أن يترك العيان ويجحد بالأوهام والظنون. وأيضا فإن الأبخرة التي تتصاعد عن وجه الأرض، أين كانت إنما اكتسبت اليبس من قبل الشمس، فينبغي إذا انقطعت مجاورة الشمس عنها بمجيء الليل وحالت الأرض بينها أن تعود إلى حالتها الأولى، وترطب برطوبة الهواء، ثم تستحيل إليه وتبلغ النار التي يقولونها وهي حارة يابسة، وإن كان البخار الرطب يبلغ من تأثير الشمس فيه أن تجعله مهيأة للاحتراق ولتؤثر هذا الأثر في الهواء نفسه، فيخترق بالنار المجاورة له بزعمه، أو لتؤثر تلك النار نفسها فيما يجاورها من الهواء وتحرقه، في فساد ذلك فساد ما قاله هذا القائل والله أعلم. ويقال له: أرأيت البخار الحار اليابس إذا احترق بالنار يصير ناراً فلا يمكنه أن يقول أنه يصير رماداً، إلا أن تلك الأبخرة ليست أجزاء من التراب، وإنما هي من قبل الأنداء المركبة في أشياء الأرض، ولا أن يقول أنه يصير شيئاً ما يشير إليه، فإنما ينبغي أن يقول: أنها صارت في طبيعة النار اتحدث بها، فصارت ناراً، فكيف يرى ما يتصل به ويتحد معها. ومعلوم أن تلك ينبغي أنه تكون أعظم وأبسط وأقوى من هذه أضعافاً كثيرة، فكيف صار هذا الجزء اليسير الذي انقلب نارا ترى، والعظيم والكبير الذي انقلب هذا إلأيه واتحد معه لا شيء؟ فإن قيل: أنه يلزمكم من هذا بل ما ألزمتم غيركم لأنه يقال لكم، والجن الذي ترمي تحرق ماذا يصير، فلا يمكنكم أن تقولوا: أنه يصير رماداً، وإن قلتم تصير ناراً، فكيف صار هو وما قذف به النار يرى؟ والنار العظيمة التي من فوق لا ترى؟

ترمي تحرق ماذا يصير، فلا يمكنكم أن تقولوا: أنه يصير رماداً، وإن قلتم تصير ناراً، فكيف صار هو وما قذف به النار يرى؟ والنار العظيمة التي من فوق لا ترى؟ فالجواب: أن الله ﷿ أخبر أنه ﴿خلق الجان من مارج من نار﴾. فقد يجوز إذا ورد عليها نار أقوى منها أن تأكلها وتبطلها، فأما أن هذا يرى، وتلك النار التي يصفونها إن سلمت لهم لا ترى، فلا يلزمنا منه ما يلزم، لأن هذا عندنا من أعلام النبوة، وأعلام النبوة كلها ناقضة للعادات، ظاهرة للإدراكات، خارجة من حكم المغيبات، والله أعلم.

فصل وأما قول من قال: إن كان هذا القذف لأجل النبوة، فلم دام بعد وفاة النبي ﷺ؟ فجوابه من جوابين: أحدهما دام لدوام النبوة، فإن النبي ﷺ أخبر ببطلان الكهانة، وقال: (ليس منها من يكهن) فلو لم تحرس السماء بقدرته لعادت الجن إلى سمعها ولعادت الكهانة ولا يجوز أن تعود بعد ما أخبر النبي ﷺ ببطلانها، ولا قطع الحراسة عن السماء إذا وقع لأجل النبوة فعادت الكهانة دخلت الشبهة على ضعفاء المسلمين، ولم يؤمن أن الكهانة إذا عادت لتباهي النبوة، فإنها إنما كانت ارتفعت لأجلها، فلولا النبوة زالت لما عادت الكهانة، فصح أن الحكمة تقتضي دوام الحراسة في حياة النبي ﷺ وبعد أنه يتوفاه الله تعالى إلى كرامته. والوجه الآخر: أن السماء تحرس بعد وفاته لإقصاء الشياطين عن مشاهدة الملائكة المكرمين سماع كلامهم إذلالا وإهانة، وإن كانت لا تحرس احتياطاُ لما يوحى، إذ كان الوحي قد انقطع، والله أعلم. فصل وأما قول من قال: إن كانت السماء حرست في عهد النبي ﷺ، أفكانت ضائعة من قبل؟ فجوابه: أنها لم تكن ضائعة بل كانت محروسة، لكن غلط أمرها شددت حراستها بمبعث النبي ﷺ، وعلى أنها لو لم تكن محروسة، ولا الشياطين عنهها بالقهر ممنوعة لكان في بيعهم وزرجهم عن الصعود والسمع بالنهي كفاية. وقال الله ﷿ لإبليس: ﴿فاخرج منها فإنك رجيم﴾ وقال: ﴿فاهبط منها فمايكون لك أن تتكبر فيها، فاخرج إنك من الصاغرين﴾. فمن كان من ذريته أو من جده أو من طبقته فهو مثله، وله من الرجم والزجر ماله،

رجيم﴾ وقال: ﴿فاهبط منها فمايكون لك أن تتكبر فيها، فاخرج إنك من الصاغرين﴾. فمن كان من ذريته أو من جده أو من طبقته فهو مثله، وله من الرجم والزجر ماله،

فإن أغفلوا أو بعضهم التهى، فليس ذلك يلزم ربنا جل ثناؤه بصنعها ولا إهمالها، فما أكثر ما شرع للإنس وأمر ونهى وأباح وحظر ورغب وحدد ونزه وندب ووعد وأوعد، فضلوا عن شرائعه، وتركوا الطاعة في نواهيه وأوامره، ثم لم يعالجهم بالعقوبة، ولم يلجئهم إلى فعل ما يرضيه عنهم ضرورة، ولم يوجب ذلك إضافة التصنيع والإهمال إليه عن اسمه، فلذلك شأن السماء وما جرى فيها، والله أعلم. فصل وأما قول من قال: إن الجن أصفى أذهانا واثقب افهاماً، فكيف يعلم أنها ترصد بالشهب، وتعاين من يحترق من المستمعين منهم، ثم يعود فيجلس تلك المجالس، ويتعرض للإحتراق؟ فجوابه: أن الله ﷿ إذا كان قد قضى على طائفة منها الحرق، لطغيانها وضلالها قيض لها من الدراعي المطمعة في درك المرام المغفلة عن الاختيار ما يقرب عليها بعد الطلب، ويحول بينها وبين سبيل المهرب، ويوردها مواضع حتوفها، فينزل بها قدر الله على رغم أنوفها وبالله التوفيق. وقد ذهب بعض المتكلفين إلى أن نصب الحرس وإعداده الشهب خارق في وقت النبي ﷺ، وأن ما ينسب إلى الأوائل من وضع الكتب في تأويل الشهب فغير موثوق به. فقد جرب المترجمون كثيرا من كلامهم، ونسبت إليهم كتب لم يضعوها، وأشياء لم يقولها، وأما الأشعار فلم يثبت عن الجاهلين فيها شيء من القصائد التي فيها ذكرها، بعضها من نسبت إليه، والأمر في ذلك أبين، وبعضها شعر من المخضرمين الذين جمعوا بين الجاهلية والإسلام ولا يخالف القرآن بوجه من الوجوه، وخصوصا بخبر لا يعرف أصله ولا يعتمد نقله، وبالله التوفيق. ذكر فصول في هبوط الملائكة بالوحي على الأنبياء صلوات الله عليهم: قال قائلون من الطاعنين في النبوءات: أن الإجرام العلوية لا يمكن ولا يجوز أن تنزل إلى الأرض، والأجرام السفلية لا يمكن ولا يجوز أن تعلموا إلى السماء، كالنار التي إذا

الطاعنين في النبوءات: أن الإجرام العلوية لا يمكن ولا يجوز أن تنزل إلى الأرض، والأجرام السفلية لا يمكن ولا يجوز أن تعلموا إلى السماء، كالنار التي إذا

تحركت لم يمكن أن تتحرك إلا نحو العلو، والماء والتراب اللذين إذا تحركا لم يتحركا إلا نحو السفل! فالجواب: أن الملائكة أجسام فلا ينكر حركتها في الجهات، لأن ما جازت عليه الحركة نحو جهة، جازت عليه الحركة من كل جهة. فإن قيل أن الملائكة روح مفردة، والأرواح جواهر، ولا ينكر ذلك أحد منكم، وليس إلا جواهر مؤلفة أو يقال لهم: أن كل الجرم العلوي لا ينزل بطبعه فإنه ينزل بالعسير كالجرم السفلي الذي اثبت لم يفك بطبعه، فقد نقلوا بالقسر كلامهم، والحجر يرمى إلى فوق، فلا يخلو من أن يعلو أو يبلغ من العلو ما يبلغ ثم ينزل، فما أنكرت أن يكونه الملك ينزل بالقسر الذي يلحق من الباري جل ثناؤه، وليكون منه في الأرض ما يريد، ثم يرده إلى مكانه. ويقال لهم: أن داعيبكم متفقون على أن النفس عالما من فوق، وقلتم مع هذا أن في كل بدن من أبدان الناس نفسا تجاوره مدة ثم تفارقه، وفي هذا أناله النزول على النفس لمجاورة البدن، فلم جاز أن ينزل الملك ليساكن الناس وقتا ثم يرجع إلى مكانه! ويقال لهم: إذا كانت الملائكة أرواحاً، فهل يخلو حي من روح تجاوره مدة من المدد ثم تفارقه؟ فإ ذا كان وجود الروح في الأرض مستمكناً على هذا الوجه، فما الذي أحال هبوط الأرواح أو الروحانيين إلى الأرض من غير أن يداخل الأبدان ويسكنها، لولا التسرع إلى القضاء بما يدعو إليه الهوى فصل قالوا: إن كان ملك يهبط إلى الأرض على إنسان فيكلمه من حيث يراه، فكيف لا يراه ناس إن كانوا حوله إذ كانوا في قوة البصر مثله؟ فالجواب: أن الله تعالى يخصه بإدراك الملك الذي هو من المدركات بالأبصار في الجملة، ويعجز غيره عن إدراكه كما قد يخص واحداً بإدراك بعض العقولات، ويعجز غيره عن إدراكه. وقد زعمتم أن فيثاغورس كان يسمع أصوات الأفلاك والكواكب إذا تحركت وما سمع أن أحداً سواه سمعها، إلا ما يروى عن نبينا ﷺ من قوله:

(أطت السماء وحق لها أن تئط) فإذا أخرتم أن تكون الأفلاك والكواكب أصوات عند حركاتها مسموعة، ثم يختص واحد من بين الأولين والآخرين بسماعها، فلم لا أجزتم أن يخص الله تعالى أنبياءه بإدراك الملائكة إذا نزلوا عليهم دون حاضري مجالسهم من الناس تكريماً لهم وتمييزا عن غيرهم. فصل قالوا: زعمتم أن الملك كان ينزل على نبيكم في صورة إنسان، أفكان يكون في تلك الحال ملكاً أو له لساناً؟ فإن قلتم كان يكون إنساناً فالملك إذا لم يهبط على أحد قط. فالجواب: أنه يكون ملكاً لأن التغيير كان يلحق ظاهره دون باطنه، وليس في هذا ما يوجب دخول الشبهة على الناس في تمييز بعضهم بعضاً لأن الملائكة لا تخالط الناس ولا يماشوهم في الأسواق، ولا يجالسونهم في بيوتهم، ولا يصافونهم في مساجدهم، فوقوع العلم لهم بذلك في الجملة تزيح الشك من صدورهم فيمن يرونه، فلا يظنون أنه ملك في صورة بشر والله أعلم. فصل قالوا: إن كان الملك ينزل على النبي ﷺ في صورة إنسان، أفكان هو الذي ينقلب في صورة البشر؟ قيل: كلا، بل الله ﷿ كان يغير صورته، لا يقدر على ذلك أحد سواه كما لا يقدر على خلق الإنسان من التراب، ثم إعادته تراباً، فأما هو جل ثناؤه فلا يعجزه شيء وهو على ما يشاء قدير. فصل قالوا: وكيف كان يعلم الذي ينزل عليه الملك أن الذي يراه ملك، وليس بإنسان؟

ثم إعادته تراباً، فأما هو جل ثناؤه فلا يعجزه شيء وهو على ما يشاء قدير. فصل قالوا: وكيف كان يعلم الذي ينزل عليه الملك أن الذي يراه ملك، وليس بإنسان؟

قيل: يجوز أن يعلم النبي بها أنه ملك وليس بإنسان، وهكذا القول في موسى ﵇ حين يسمع النداء، قد يجوز أن يكون علم أن الله تعالى يكلمه ضرورة، ويجوز أن يكون برق بإلهاب النار في شجرة خضراء من غير أن تحرقها، أو تغيرها عن حالتها، وذلك أمر يخالف العادات، إن الله تعالى هو الذي يكلمه، وهذا القول من الملك نفسه، إذا بعث إلى أحد من البشر، قد يجوز أن يعلم أن الله تعالى هو الذي يأمره ويرسله ضرورة، ويجوز أن يعلم ذلك بأنه ينصها الله تعالى فيستدل بها على أنه مبعوث مأمور وبالله التوفيق. فصل قالوا: رويتم أن نبيكم كان يغش عليه عند نزول الوحي عليه، فالمغش عليه لا يدرك شيئا من المحسوسات ولا من المعقولات، فكيف كان يرى الملك ويميزه ويتلقى عنه ما يكلمه به. فصل قد قال بعض العلماء: أن الله تعالى كان يعرفه الوحي في تلك الحال تميزاً له عمن ليس بنبي، فكان ذل إحدى الكرامات والمعجزات، وقد يجوز أن يكون عقله لم يكن فارقه، فإني لا أحفظ فيما جاء الحديث أنه كان يغش عليه، وإنما فيه: إ، هـ كان يثقل وتأخذه البرحاء، فقد يجوز أنه كان يتغير عن حاله المعهود تغيراً شديداً، ولكن العقل لم يكن يفارقه وبالله التوفيق. ذكر فصول في الإيمان بالرسل: إن سأل سائل: عمن آمن بمحمد ﷺ، وقال لا أدري، أكان من البشر أو كان ملكاً أو كان حساً، أيكون مؤمناً به؟ قيل له: أكان القائل هذا لم يسمع أخبار الله تعالى عن محمد بأنه بشر مثل قومه، وأخبار محمد ﷺ نفسه، وأخبار الناس عنه، وذكرهم نسبه وشمائله ونعوته، فلا وقف

يل له: أكان القائل هذا لم يسمع أخبار الله تعالى عن محمد بأنه بشر مثل قومه، وأخبار محمد ﷺ نفسه، وأخبار الناس عنه، وذكرهم نسبه وشمائله ونعوته، فلا وقف

على شيء مما ذكرنا لم يضره الجهل مجاله شيئا، كما لو عرف بأنه من البشر، ولم يسمع بأنه كان من العرب أو العجم لم يضره ذلك شيئا، وكذلك لو لم يعلم أنه كان شاباً أو شيخاً أو مكياً أو عراقياً لم يضر ذلك إيمانه نبياً وحجته أنه أياً ما كان إنما يظن به، فقد يصلح لأن يكون رسولاً، فلم يوجه الجهل بالحق من ذلك إلى الجهل برسالته ونبوته وفارق ذلك أن تقول: آمنت بالله، ولا لتدري أجسم هو أو غير جسم؟ لأن الجسم لا يجوز أن يكون إلهاً، إذ الجسم هو المؤلف، والمؤلف يقتضي مؤلفاً، وما كان محلاً للأعراض قابلاً للأفعال لم يكن قديماً، ولم يجز أن يكون إلهاً، فلذلك لم يثبت الإيمان بالله مع الشك في أنه جسم أو غير جسم والله أعلم. فصل إن قال قائل: أتقولون أن آمن بالله وحده ثبت له أصل الإيمان، وإنما يحتاج إلى الإيمان برسوله لاستكمال الإيمان، واستيفاء شعبه! قيل له: لا نقول ذلك، بل نقول: إن إيمانه بالله لا يعينه شيئاً ولا يثب له ديناً حتى يؤمن برسله. وحجة ذلك أن الله تعالى نص على أن التفريق بين الله ورسله كفر، لأنه قال: ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسوله، ويقولون: نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا، أولئك هم الكافرون حقا﴾. فأبان أن الفرق في الإيمان بين الله ورسله كفراً، والفرق بين رسله في الإيمان بهم كفر. فأما إيجاب الكفر بالتوفيق بين رسل الله، فقد ذكرت وجهه، وأما التفريق بن الله ورسله، فإنما كان كفر بالله، لأن الله ﷿ إنما قرض على الناس يعبدونه بما شرع لهم في ألسنة الرسل، فإذا جحدوا الرسل، ردوا عليهم شرائعهم ولم يقبلوها منهم، فكانوا ممتنعين من التزام العبودة التي أمروا بالتزامها، فنزل ذلك منهم منزلة جحد الصانع، وجحد الصانع، كقولنا فيه من ترك التزام الطاعة، فكان ذلك كفر. فإن قيل: فقد قال الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا بالله﴾. فأثبت

الإيمان لهم أولا ثم أمرهم بالإيمان بالرسل، فصح أن اسم الإيمان بالإطلاق واجب ولمن آمن بالله وحده. قي: لو دلت هذه الآية على أن اسم الإيمان يجب من غير وجود الإيمان بالرسل لدل على أنه يجب من غير وجود الإيمان بالله تعالى، لأنه كما أمر الذين آمنوا أن يؤمنوا يرسل الله، أمرهم أولا أن يؤمنوا بالله فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله﴾. أي أجمعوا إلى الإيمان برسوله، فإن الإيمان به غير متقبل منكم إلا أن تضمنوا إليه الإيمان برسوله. وقد بين ذلك بما أتبعه هذه الآية من قوله: ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسوله، ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسوله، ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا، أولئك هم الكافرون حقا﴾. فإن في ذلك بيانا أن الفرق بين الله ورسله في الإيمان كفر، وفي ذلك وجود أن يكون معنى الآية ما ذكرنا وبالله التوفيق. فصل فإن سأل سائل: عمن آمن بالله ولم يؤمن برسله أن يكون إيمانه بالله إيماناً ناقصاً يتوقف على ما يصله به من الإيمان برسله، أو يكون فاسداً غير صحيح، فإذا أراد الإيمان بالرسل احتاج إلى أن يستأنف الإيمان بالله! قيل له: أن الإعتراف بالله تعالى بعض الإيمان به، لأن الإيمان به هو التصديق به والتزام عبودته وطاعته، فإذا صدق بالله ولم يلزم طاعته وعبودته كان آتياً بعض الإيمان به فيوقف ذلك على ما يأتي به من البعض للآخر كما أن النصراني إذا لم يكن كفره إلا جحد نبوة نبينا ﷺ، فإنه إذا آمن به تم وإيمانه ولم يحتج إلى استئناف الإيمان بالله وبأنبيائه وعيسى. فلذلك من آمن بالله ولم يؤمن برسله فإنه إذا آمن بالرسل بعد، تم إيمانه بالله ولم يحتج إلى الإستئناف، علة هذا أنه ليس للإيمان وقت محصور تتعلق صحته، لكن الأوقات كلها وقت الإيمان، فهي على سعتها بمنزله أضيق وقت منها.

إيمانه بالله ولم يحتج إلى الإستئناف، علة هذا أنه ليس للإيمان وقت محصور تتعلق صحته، لكن الأوقات كلها وقت الإيمان، فهي على سعتها بمنزله أضيق وقت منها.

ومعلوم أن من دعي إلى الإيمان، فأجاب إليه فإنه لا يأتي به إلا شيئاً فشيئاً، لأنه يبدأ مؤمناً بالله ثم نبيه ﷺ، ثم اتصل ذلك بما ينبغي أن يصل به، وكما يوقف الإيمان بالله على الإيمان بالرسل في المجلس الواحد، فكذلك يتوقف في العمر لأن الإيمان غير محصور بوقت، فالعمر كله بمنزلة المجلس، فإذا انقضى ولكم يكمل حبط الموجود منه ولم يستوجب صالحة به آخر. ومعنى ما قلت: أن الله ﷿ لما خطاب الناس بالإيمان، وبلغت عنه الرسل صلى الله عليهم صحت الإجابة إليه بمن سمع الدعوة فأجاب إليه في الحال وممن يسمع غيره مالا، أو يستنكح امرأة، فإن إجابه قبل أن يتفرقا أو يحدثا أو أخذهما ما يشبه التفرق صح الجواب، فإن أجابه بعد التفرق لم يصح، وذلك لأن الدعوة إلى دين الحق من حقها أن تدوم، ولا تكون وقتاً دون وقت، وإن كانت الدعوة ولم تختص بمجال دون حال لم تختص للإجابة إليها مجال دون حال، فكذلك قلنا أن بعض الإيمان شيء واحد، أما ربنا ما نفى عليه تراضى عنه أو تدانى منه وبالله التوفيق.


مجال دون حال لم تختص للإجابة إليها مجال دون حال، فكذلك قلنا أن بعض الإيمان شيء واحد، أما ربنا ما نفى عليه تراضى عنه أو تدانى منه وبالله التوفيق.


الثالث من شعب الإيمان وهو باب في الإيمان بالملائكة والإيمان بالملائكة ينتظم معاني احهما التصديق بوجودهم، والآخر: إنزالهم منازلهم وإثبات أنهم عباد الله وخلقة كالإنس والجن، مأمورون مكلفون لا يقدرون إلا على ما يقدر لهم الله تعالى، والموت جائز عليهم ولكن الله جعل لهم أمداً بعيداً، فلا يتوفاهم حتى يبلغوه، ولا يوصفون بشيء يؤدي وصفهم به إلى إشراكهم بالله تعالى ولا يدعون آلهة كما قد دعتهم الأوائل. والثالث الإعتارف بأن منهم رسلاً لله تعالى يرسلهم إلى من يشاء من البشر. وقد يحوز أن يرسل بعضهم إلى بعض ويتبع ذلك الإعتراف بأن منهم حملة العرش، ومنهم الصافون حوله، ومنهم خزنة الجنة، ومنهم خزنة النار، ومنهم كتبة الأعمال ومنهم الذين يسوقون السحاب، وقد ورد القرآن بذلك كله أو بأكثره، فأما إثباتهم في الجملة، فقد قال الله ﷿: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾. وقال في الإيمان بهم خاصة: ﴿أمن الرسول بما أنزل إليه من ربه، والمؤمنون، كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾. وأما أكثر ما في القرآن من ذكر الملائكة واستقصاه ذلك يطول. وأما إقرارهم ومنازلهم، فقد قال تعالى: ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون﴾، ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولداً، بل عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملونه، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعونه إلا لمن ارتضى، وهم من خشيته مشفقون، ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم، كذلك نجزي الظالمين﴾.

ونه، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعونه إلا لمن ارتضى، وهم من خشيته مشفقون، ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم، كذلك نجزي الظالمين﴾.

فأخبر بهذه الآية عن منازل الملائكة وإبان أنه لا يجوز أن يقال أنهم ولد الله ولا أنهم بنات الله، كما كان كثير من العرب يقولون، فأنكر الله عليهم قولهم، وقال: ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الله إناثاً أشهدوا خلقهم ستكتب شادتهم ويسألون﴾. وقال: ﴿فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون، أم خلقنا الملائكة إناثاً وهو شاهدون، ألا إنهم من إفكهم ليقوةلون ولد الله، وإنهم لكاذبون﴾. وإذا تأمل وجد قول العرب: إن الملائكة ولد الله نازعاً إلى قول الأوائل الذين يسمونهم ترابى، ويزعمون أنهم قاصوا عنه، فإن كل ولد فهو يأتي والده وقابض عنه. ثم إن العرب سمتهم أولاداً كما يقولون في كثير من الأشياء: تولد هذا من هذا، وتجاوزت ذلك إلى تسميتهم بنات، على معنى أنهم محجوبون عن الأبصار، فهم كالمخدرات من الأولاد، وهن البنات، فرد الله تعالى ذلك كله عليهم، وانتقى منه، فأنكره واخبر أنه: لا منزلة للملائكة إلا أنهم عباد مكرمون، وإبان عن فضل خشيتهم ورهبتهم له، ودل على أن كرامتهم عنده إنما هي لأجل طاعتهم له، ولو عصوه لعذبهم بالنار، كسائر العصاة. فهذا هو الذي ينبغي أن يعتقد فيهم، فيكون ذلك إيمانهم إلا ترى أن الإيمان بالمسيح صلوات الله عليه ليس أن يترك فوق منزلته، كما يقول النصراني، لكن ذلك كفر بالله ﷿، وبه أيضاً، وإنما الإيمان به أن يعتقد فيه أنه عبد الله ورسوله، فكذلك الإيمان بالملائكة، ليس أن ينزلوا فوق منازلهم، لكن أن لا يبخسوا حظاً جعله الله تعالى لهم من فضله والله أعلم. وأما تصريفهم على ما يصرفهم الله تعالى عليه في الدنيا والآخرة، فقد قال ﷿: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس﴾. وقال ﴿ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى﴾. يعني الملائكة الذين أرسلهم الله إلى قومخ لوط وقالوا: ﴿إنا رسل ربك لن يصلوا إليك﴾. وقال: ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾. وقال: ﴿فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب، إن الله يبشرك بيحيى﴾.

وقال: ﴿وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين﴾. وقال: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم﴾. وقال حكاية عن الملائكة ﴿وإنا لنحن الصافون، وإنا لنحن المسبحون﴾. وقال في يوم القيامة: ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾. وجاء في الجنه أن حمخلة العرش أربعة، فإذا كان يوم القيامة أمدوا بأربعة آخرين. وقال في أهل النار: ﴿وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب﴾. وقال: ﴿وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً، حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها﴾. وقال في أهل الجنة: ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم﴾. وقال: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم بما صبرتم﴾. وقال في قبض الأرواح: ﴿تتوفاهم الملائكة طيبين﴾. فهذا في المؤمنين، وقال في غيرهم: ﴿ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا والملائكة﴾. وقال: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم﴾. وقال في قبيح الاعمال: ﴿وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين، يعلمون ما تفعلون﴾. وقال: ﴿عن اليمين وعنه الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾. وقال: ﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون﴾. وأما سوق السحاب فما وردت به الأخبار، وكل ما ذكرنا مجتمع المعنى في أن الملائكة: يتعرفون على الأعمال لتعريف بني آدم، فهذا هو الذي ينبغني أن يعتقد فيهم وبالله التوفيق.

فما وردت به الأخبار، وكل ما ذكرنا مجتمع المعنى في أن الملائكة: يتعرفون على الأعمال لتعريف بني آدم، فهذا هو الذي ينبغني أن يعتقد فيهم وبالله التوفيق.

فصل وأما الملائكة، ما هم؟ فإن من الناس من ذهبوا إلى أن: الأحياء العقلاء الناطقون فريقان: إنس وجان، وكل واحد من الفريقين صنفان: أخيار وأشرار. فأخيار الإنس أبرارهم، ثم ينقسمون إلى رسل وغير رسل، وأشرارهم يدعون فجاراً، ثم ينقسمون إلى كفار وغير كفار. وأخيار الجن يسمون الملائكة، ثم ينقسمون إلى رسل وغير رسل، وأشرارهم بدعون شياطين، ثم قد يستعار هذا الإسم لفجار الإنس تشبيهاً لهم بفجار الجن، وقد يحتمل هذا القسم وجهاً آخر: وهو أن الجن منهم سكان الأرض، ومنهم سكان السماء، فالذين هم سكان السماء يدعون بالملائكة الأعلى ويدعون بالملائكة. والذين هم سكان الأرض هم الجن بالإطلاق، وينقسمون إلى أخيار وفجار، ومسلمين وكفار. وإنما قيل الملأ الأعلى ملائكة، لأ، هم مستصلحون للرسالة التي تسمى الركام أكثر الناس على الملك أصله ملاك، وإن ملاك مقلوب وليس نبياً مستقيم، وإنه قيل لواحد من الملائكة ملاك بمعنى أنه موضع للرسالة لكونه مصطفى مختار للسماء أن يسكنها، أو كانت الرسالة منها تأتي سكان الأرض، ومن ذهب إلى هذا قال: أخبر الله ﷿ أنه أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس، ولم يكن من الملائكة، لم يكن لاستثنائه منهم معنى، ثم قال في آية أخرى: ﴿إلا إبليس كان من الجن، ففسق عن أمر ربه﴾. فأخبر أنه لعنه ورجمه وأخرجه من السموات، وإبان أن المأمورين بالسجود كانوا طبقة واحدة، إلا أن إبليس لما عصى ولعنه صار من الجن الذين يسكنون الأرض، ولا سبيل لهم إلى مخالطة الملأ، فكان العدل من الإنس يفسق أو يرتد فيعصى وينفذ ويدعى فاسقاً وخبيثاً وفاجراً، بعد أن كان يسمى عدلاً وبراً وتقياً والله أعلم. وأيضا فإن الله ﷿ حكى عن الكفار أنهم قالوا: ولد الله وإن الملائكة بناته، وجعلوا بينه وبين الجن نسباً، فدل ذلك على أن الملائكة من الجن، وأن النسب الذي

وأيضا فإن الله ﷿ حكى عن الكفار أنهم قالوا: ولد الله وإن الملائكة بناته، وجعلوا بينه وبين الجن نسباً، فدل ذلك على أن الملائكة من الجن، وأن النسب الذي

جعلوه بين الله وبين الجن، إنما هو قولهم: الملائكة بنات الله، تعالى عما قالوا علواً كثيراً. وأيضا فإن الإنس منهم الظاهرون والجن هم المختبئون، والملائكة مختبئون، فينبغي أن يكون إسم الجن لاحقاً إياهم، وأيضاً فإن الله تعالى لما صنف الخلائق قال: ﴿خلق الإنسان من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار﴾. فلو كانت الملائكة صنفاً ثالثاً سوى الإنس والجن لما كان يدع أشرف الخلائق، فلم يتمدح بالقدرة على خلقه، ويذكر ما دونه فيمتدح بالقدرة على خلقه، هذا وقد نبهت أن الجان خلق من مارج من نار، وأن إبليس مخلوق من النار، والظاهر دخوله في جملة الملائكة الذين أمروا بالسجود لآدم، وفي هذا رجوت أن تكون الملائكة من الجن والله أعلم. ومن خالف هذا القول قال: إن سكان الأرض ينقسمون إلى إنس وجن، فأما من خرج عن هذا الحد لم يلحقه إسم الإنس، وإن كان مرئياً، ولا إسم الجن وإن كان غير مرئي، ويدل على هذا أن الجن سموا جناً لأن الإنس لا يرونههم، وإلا فإن بعضهم يرى بعضاً، والناس سموا إنساً لأن الجن يرونهم، وإنما وجب هذا التمييز بينهم، لأن البقعة الواحدة من الأرض، كالدار الواحدةن والفضاء الواحد، وقد تجمع الفريقين، فيرى الجن الإنس، ولا يرى الإنس الجن، وأما الملائكة فإنهم بأشد البعد من الناس، فلا يلحقهم إسم الجن، لأنهم لا يرونهم، كما لا يلحق المشرقي اسم الجن، لأن المغربي لا يراه، ولا المغربي اسم الجن، لأن المشرقي لا يراه والله أعلم. ويدل على أن الملائكة غير الجن، إن الله ﷿ لما أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم، فسجدوا إلا إبليس، أخبر الله ﷿ عن سبب مفارقة الملائكة: ﴿إلا أبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه﴾. فلو كانوا كلهم جناً لاشتركوا في الإمتناع من السجود ولم يكن في أن إبليس كان من جملة الجن ما يحمخله على أن لا يسجد، وفي هذا ما إبان أن الملائكة خير والجن خير وأنهما فريقان شتى. فإن قال: ما معنى دخول إبليس في الأمر الذي خوطبت الملائكة به إن لم يكن منهم؟

قيل: معنى ذلك أنه كان من الجنه خلقوا من النار، وكان إجراته أنه في الأرض غير أن الله ﷿ أذن له في مساكنة الملائكة ومجاورتهم لحسن عبادته وشدة إجتهاده، وقد وردت الأخبار ببيان ذلك من حاله، فلما أسكن السماء وطال اختلاطه بالملائكة ومباينته لجنسه جرى في عداد الملائكة، وصار يواجدهم كالأعجمي يختلط بالعرب ويسكن بلادهم، فتعلم لسانهم وتخلق بأخلاقهم، فيكون أعجمياً مبعوثاً، ويدعى بذلك من العرب المستعربة كلهم هكذا. فلما أمرت الملائكة بالسجود لآدم دخل في الجملة الملك الأصيل والملحق بالملائكة، غير أن مفارقته الملائكة في أصل جملته على مفارقتهم في الطاعة، قال الله ﷿: إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه، كما يكون الأعجمي المبعوث بين قوم فإذا همت العرب بأمر وأجمعت عليه، حمل الأعجمي أصله المخالف لأصل العرب على خلافهم، فيقال أنه كان من الأعاجم، فكذلك لم يواطئ العرب، فرده الله بعد ذلك إلى مساكن جنسه، وأخرجه من السموات، فصار عند الاقصاء شيطاناً كما كان عند الأدنى ملكاً. وأما قول الله ﷿: ﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً﴾. فإن الناس لم يتفقوا على أن الإشارة به واقعة إلى قولهم: الملائكة بنات الله، لكن ذلك قد قيل، وقيل غيره: وهو أن مشركي العرب كانوا يقولون للأصنام أنها بنات الله، وسمتها لذلك آلهة، ويزعم أن عبادتهم لها تقربهم إلى الله ﷿، ولذلك كانت تسميها اللات والعزى ومناة. وإنما وقع لهم من حيث أن الشياطين كانت تدخل أجوافها، فيكلمهم منها، فكانوا ينسبون ذلك الكلام إلى الله تعالى: ﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً﴾ لأنهم سموا الأصنام لمكان تكليم الجنة إياهم من أجوافها آلهة، وادعوا أنها بنات الله وأثبتوا بين الله تعالى وبين الجنة نسباً، جهلاً منهم، بأن الكلام الذي يسمعونه، إنما هو كلام الشياطين، لا كلام الله جل ثناؤه، وليس هذا في الظهور دون الوجه الآخر، والله أعلم. وأما قوله ﷿: ﴿خلق الإنسان من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار﴾. فإنما هو بيان ما ركبه من خلق متقد، فلم تدخل الملائكة في ذلك لأنهم

الله أعلم. وأما قوله ﷿: ﴿خلق الإنسان من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار﴾. فإنما هو بيان ما ركبه من خلق متقد، فلم تدخل الملائكة في ذلك لأنهم

مخترعون. قال الله ﷿ لهم ﴿كانوا فكانوا﴾ كما قال للأرض التي خلق منه الجن، والأصل الذي خلق من الإنسان وهو التراب والماء النار والهواء كن فكان، فكانت الملائكة في الإختراع كأصول الإنس والجن، لا كأعيانهم، فكذلك لم يذكروا معهم والله أعلم. فصل ثم أن الملائكة يسمون روحانيين، بضم الراء، على معنى أنهم أرواح لا شيء معها من ماء أو نار أو تراب، وإنما لا يرون للطافتهم، فأما الجن فهم مخلوقون من النار مرئية، لا أنهم حجبوا عن الأبصار، ولذلك سموا جناً، والجنة في لسان العرب السترة، فكأنهم مستورون عن الناس، وقد سمى الله ﷿ جبرائيل صلوات الله عليه الروح الأمين، وروح القدس. وقال: ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾ وقال: ﴿تنزل الملائكة والروح فيها﴾ وقال: ﴿يوم يقوم الروح والملائكة صفا﴾. فقيل إن المراد جبريل، وقيل أنه ملك عظيم سوى جبريل يقوم وحده صفا والملائكة صفا، ومن قال بهذا قال: الروح جوهر. وقد يجوز أن يؤلف الله تعالى أرواحاً فيجسمها ويخلق منها خلقاً ناطقاً عاقلا فتكون الروح مخترعاً، والجسم وضم العقل والنطق إليه حادثاً من بعد. وقد يجوز أن تكون الأجسام على ما هي عليه اليوم مخترعة كما اخترع عيسى وناقة صالح. وفي بعض الأخبار الواردة في شأن الملائكة ما يدل على هذا الوجه، وقال بعض الناس: إن الملائكة روحانية بفتح الراء، بمعنى أنهم ليسوا محصورين في الأبنية والطلل، ولكنهم في فسحة وبساطة، وقد قيل: إن ملائكة الرحمة هم الروحانيين-بفتح الراء-، وملائكة العذاب هم الكريبيون فهذا من الكرب، وذاك من الروح والله أعلم. ومما يدل على مفارقة الجن الملائكة أن الله ﷿ أخبر أنه: تسأل الملائكة يوم القيامة عن المشركين، فيقول لهم: ﴿أهؤلاء إياكم كانوا يعبدونه؟ فتقول الملائكة: سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن﴾ فتشهد أن الملائكة غير الجن

يامة عن المشركين، فيقول لهم: ﴿أهؤلاء إياكم كانوا يعبدونه؟ فتقول الملائكة: سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن﴾ فتشهد أن الملائكة غير الجن

إذ لو كانت الملائكة جنا لم يخل عباد من أن يكونوا عباد الملائكة فلم يكن لقول الملائكة أنهم كانوا يعبدون الجن ولا يعبدوننا معنى، والله أعلم. فصل ثم إن الناس قديما وحديثاً تكلموا في المفاضلة بين الملائكة والبشر، فذهب ذاهبون إلى أن الرسل من البشر، أفضل من الرسل من الملائكة، والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة. وهذب آخرون إلى أن الملأ الأعلى مفضلون على سكان الأرض، واحتجوا بقول الله ﷿: ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله، ولا الملائكة المقربون﴾. فبدأ في نفي الاستنكاف من العبودة لله جل ثناؤه من المسيح ثم نبأ بنفيه عن الملائكة. فدل ذلك على أن الملائكة ارفع قدراً وأعلى مرتبة إذ لم يكونوا كذلك لكان في المعنى ما نفى عن المسيح دلالة على أن من دون بانتفاء ذلك عنه أولى، فقد عقل أن الأعلى رتبة والأرفع درجة إذا لم يأنف منه، فالذي هو أعلى منه يأنف ولا يأنف، فلذلك صار وجه الكلام أن يبدأ في مثل هذا بالأدنى ثم انثني بالأعلى، ألا ترى أنه قال: لن يأنف الوزير أن يدعى خادماً للأمير ولا الكاتب، وما كان كذلك الا لعلو رتبته وارتفاعها عن رتبة الكاتب، وكذلك ما ذكرنا والله أعلم. ومما يشبه هذا أن ينفي علم عن واحد ثم يعطف عليه غيره (فيقال: ما تدري هذا فلان وفلان، فيكون وجه الكلام الابتداء بالأدنى في العلم منزلة، لأنه قد يجوز أن لا يدري ما يدريه الأفضل، ويبعد أن لا يدري الأفضل، ويدري من هو دونه، فيحتاج إلى نفي العلم بعد نفيه عن الأفضل. ولكن إذا نفي الجهل عن واحد ثم يعطف عليه غيره، فإنما ينتفي أن يبدأ بأفضلهما فيقال: ما يجهل هذا فلان، ولا الذي هو دونه لأن العرض عن الإنابة عن وضوح ما نفيت الجهالة عنه، وقد يجوز أن يتضح لأفضل الرجلين في العلم ما لا يتضح لمن دونه، فإذا كان بحيث يعلمه قليل العلم كما يعلمه كثير العلم، فذاك هو النهاية من الوضوح.

وعلى هذا يقال: ما يصلح للحكم بين الناس فلان وفلان، فبدأ بالادونه، وإذا قي: ما يدفع عن الحكم فلان ولا فلان بدئ بالأفضل. وإذا قيل: ما يرضى الأمر فلان وفلان، وأريد به تقبيحه بدئ بالأفضل، لأنه قد يدرك برأيه من الخلل الذي فيه ما لا يدركه الذي دونه فيدعوه ذهابه عليه إلى أن يرضى به، فيفي هذا المعنى باتباع الادون الأفضل ليدل به على إيضاح وجه الأمر، وانتفاء اللبس عنه. وإذا قيل: ما يكره هذا الأمر فلان وفلان، وأريد به بخسه بدئ للأدون لأنه يخفي عليه بعض ما فيه، فلذلك لا يكرهه، فأما من هو أعلى فإنه كوقوفه على حقيقته بكرهه لينفي هذا المعنى بعطف الأعلى على الأدون والله أعلم. وحجة أخرى: هو أن الله جل ثناؤه أخبر عن آدم وحواء ﵉ أنه نهاهما عن أكل الشجرة ﴿إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، وقاسمهما إني لكما من الناصحين﴾. فلو لم يعلم آدم صلوات الله عليه أن الملك أفضل من البشر لما استطاع ابليس أن يغره بأن شبه عليه أنه نهى عن أكل الشجرة لئلا يكون ملكاً، وفي نفاد الغرور له عليه من هذا الوجه ما يدل على أن الملك عند آدم أفضل من البشر. وحجة ثالثة: وهي أن الله تعالى جعل الملائكة شفعاً لبني آدم فقال: ﴿الذي يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا﴾ ومعلوم أن استعفار الملائكة لبني آدم ليس لحق بني أدم فيقضونه بالإستغفار لهم، كاستغفار الولد لأبويه، ولا هو على معنى التعاونه كاستغفار بني آدم بعضهم لبعض لأنهم يستغفرون لبني آدم ولا حاجة بهم إلى أن يستغفر بنو آدم لهم. فصح أنه من جنس الشفاعة منهم لبني آدمخ كاستغفار النبي لأمته، وفي ذلك يتأول على أنهم أفضل من الذين يستغفرون لهم، كما أن كل نبي فهو أفضل من أمته والله أعلم. وحجة رابعة: وهو أن يرسله الله ﵎ إلى أحد فهو أفضل من المرسل إليه.

أول على أنهم أفضل من الذين يستغفرون لهم، كما أن كل نبي فهو أفضل من أمته والله أعلم. وحجة رابعة: وهو أن يرسله الله ﵎ إلى أحد فهو أفضل من المرسل إليه.

ويدل ذلك على أن الرسول من البشر أفضل من قومه، فقياس ذلك أن يكون الملك المرسل إليه أفضل منه. وحجة خامسة: وهو أن الله جل ثناؤه سمى الملائكة الملأ الأعلى، وفي ذلك معنيان: أحدهما: أن الملأ في اللسان، هم العظماء والأشراف، قال الله تعالى: ﴿فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه﴾. على خوف من فرعون وملئهم، أي من أكبر قومه. وقال: ﴿وقال الملأ من قوم فرعون﴾. أي كبراؤهم، فإن جماعتهم لم يكونوا بخاطبي فرعون، فلما سمى ﷿ عامة الملائكة بالاسم الموضوع للعظماء، دل ذلك على أنه إنما سماهم بذلك لأنهم بالقياس إلى سكان الأرض غاية كبرى عظماء، وليس فيهم من ينحط قدره من أحد من أهل الأرض. والمعنى أن نسبهم إلى العلو دلالة بذلك على فضلهم، وتنبيهاًعلى علو قدرهم، لأنه لا شك أن السماء أفضل من الأرض، فقد ينبغي أن يعقل من ذلك أن الله تعالى إذا كان هو الذي أسكن الملائكة السماء، والبشر الأرض، ولم يكن ليسكن أفضل المكانين أدون الخليقتين، وأدون المكانين أعلى الخليقتين، وفي هذا ما أبان أن الملائكة أفضل من البشر. وحجة سادسة: وهو أن التقى من البشر أفضل من الذي يخلط العمل الصالح بالسيئة. والملائكة كلهم يخلصون للطاعات، وليس فيهم أحد يخلطها بشيء من المعصية، ولا التقاة من البشر أن عصموا من الكبائر فقد لا يعصمون من الصغائر، وان أسلموا من الفعل فقد لا يسلموا من الهم. وقد أخبر الله ﷿ بأنههم لا يعصون الله ما أمرهم، ولا يسبقونه بالقول وهم من خشية ربهم مشفقون، وأنهم لا يستخرون عن عبادته ولا يفترون، وفي هذا سوى ما ذكرنا من أتقياء البشر أن سلموا من كبائر الذنوب وصغائرها فليس أحد منهم يتعبد دائماً، والملائكة يعبدون الله دائماً لا يفترون، فيجب عن هذا أن لا يكونوا أفضل من البشر. فإن قيل: لو وجب أن يكون أفضل الأنبياء يحيى بن زكريا ﵉ لأن نبينا ﷺ أخبر أنه لا يخطئ قط، ولا هم بخطيئة؟

فترون، فيجب عن هذا أن لا يكونوا أفضل من البشر. فإن قيل: لو وجب أن يكون أفضل الأنبياء يحيى بن زكريا ﵉ لأن نبينا ﷺ أخبر أنه لا يخطئ قط، ولا هم بخطيئة؟

فالجواب: أن الملائكة كما لا يخطئون ولا يهمون بالخطيئة فلذلك يعبدون الله دائماً ولا يفترون، ويحيى بن زكريا ﵉ لم يكن بهذه الصفة بل كان يأكل ويشرب وينام ويفتر فيستريح، فيكون في هذه الأحوال منفكاً عن التعبد، فإذا تعبد في غير هذه الأحوال، فالظاهر من أمره أنه كان يتعبد بالصلوات والصيام والتقديس والتسبيح، ولم يكن عليه من الجهاد في سبيل الله والدفع عن دين الله وأوليائه بالسيف، ما كان على كثير من الأنبياء، ولا من الحج والهجرة ما كان على غيره، فلذلك لم يجز على القطع بتفضيله على عامة الأنبياء صلوات الله عليهم. فإن قيل: فإنكم تعارضون في الملائكة بمثل هذا، وهو أنهم كانوا لا يعصون ويسبحون دائما فلا يفترون، فإن الناس يكابدون من الحج والجهاد والهجرة والتعليم والتأدب والعفة ما لا تكابده الملائكة، فلا يجوز أن يقطع بفضل الملائكة عليهم. فالجواب: أن نزول الملائكة من السماء إلى الأرض لا يختلف عن حج الحجاج وإقامتهم في الأرض لنسخ الأعمال، لا تتخلف عن هجرة النبوة، وقد هاجروا مع النبي ﷺ لما أمروه بالجهاد، وإذا لم يجاهدوا، فلأنه لا أعداء في الدين لهم من جنسهم. والناس أيضاً لا يقاتلون من لا يعاديهم في الدين من جنسهم، فالفريقان من هذا الوجه سواء. وإذا لم يهاجروا فإنه لا مانع يمنعهم من حبسهم من عبادة ربهم في مقارهم ومواضعهم، والناس أيضاً لم يؤمروا بالهجرة حيث لم يكونوا يخافون الفتنة على أنفسهم، ولا الحيلولة من طاعة الله وعبادته. والحج ليس فيه إلا قصد البيت والطوائف حوله، والملائكة حافون من حلوه، وأهل النائي منهم عن العرش يلزمهم منه في بعض الأوقات حضوره، وذلك مغيب عنا، فلا نتكلم عليه بنفي ولا إثبات، ثم أن العرش على كواهل عدة من الملائكة، وليس البيت الذي في الأرض على كاهل أحد من البشر، وفي هذا ما يبين أن الملائكة أثقل عملاً وأطول شغلاً. وأما التأدب والتعلم والنفقة فلا حاجة بالملائكة، لكنهم ما رأوا ذلك خزنة كتب الله تعالى وحملة وحيه.

وفي هذا ما يبين أن الملائكة أثقل عملاً وأطول شغلاً. وأما التأدب والتعلم والنفقة فلا حاجة بالملائكة، لكنهم ما رأوا ذلك خزنة كتب الله تعالى وحملة وحيه. وكذلك صار جبريل صلوات الله عليه موصوفاً بالعلم في قوله تعالى علمه شديد القوى،

وليست تقصر رتبة التعليم عن رتبة التعلم، لكنها تعلوها، لأن التعليم إعطاء والعلم قبول. والإعطاء فوق القبول، وليس ما وصفنا من شأن يحيى بن زكريا بسبيل أنه قد كان له أعداء في الدين، ومع ذلك لم يؤمر بإتيانه، وحج البيت الذي فيه، فثبت أنه يلزم من يفضله على سائر النبيين صلوات الله عليهم أجميعن، بالرغم من تفضيل الملائكة على البشر من الوجه الذي ذكرناه. هذا مع أن للملائكة أعمالا لا يتسع لها، نحو نسخ الأعمال وقبض الأرواح، وسوق السحاب، ونحو ذلك، ويحيى بن زكريا لم يكتب له بإزاء ما أسقط عنه، وكان مكتوباً على غيره ما هو مثلها أو أشقق منها، وفي ذلك ما يمنع من المعارضة بأمره والله أعلم. فإن قال قائل: فإن الله ﵎ أسجد ملائكته لآدم صلوات الله عليه، بأنما يدل بذلك على أنه كان أفضل منهم. فالجواب من وجوه: أحدهما أن معنى قول الله ﷿: ﴿اسجدوا لآدم﴾. أي أسجدوا إلى مستقبلين وجه آدم. وإنما هذا لقول الله ﷿: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾. أراد به أقم الصلاة لي عند دلوك الشمس، وكذلك قوله تعالى: ﴿إني خالق بشراً من طين، فإذا سوتيه ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾. معناه: فقعوا إلى عند تمام خلقة ومواجهتكم أياه ساجدين. والدليل على هذا ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سجد ابن آدم، قال الشيطان: أمر ابن آدم بالسون فأطاع فله الجنة، وأمرت بالسجود، فعصيت فلي النار). ومعلوم أن ابن آدم لم يؤمر بالسجود إلا لله ﵎، فثبت أن الشيطان أيضا، إنما أمر بالسجود لله تعالى، وأنه عن ذلك امتنع فحقت عليه النار والله أعلم. فإن قيل: لو أمر بالسجود لله تعالى لم يمتنع منه، فإنه كان يعبد الله من قبل ذلك! قيل: إنما امتنع من السجود لا لأنه لم يؤمن به لله تعالى، ولكن لأن أمره به لله عز

و أمر بالسجود لله تعالى لم يمتنع منه، فإنه كان يعبد الله من قبل ذلك! قيل: إنما امتنع من السجود لا لأنه لم يؤمن به لله تعالى، ولكن لأن أمره به لله عز

وجل في وجه آدم كان يرجع إلى تكريم آدم، فقال في نفسه: أنا خير منه! فكيف يؤمر أحد بالسجود لله ﷿ في وجهه عند إتمامه خلقي ليكون ذلك تكريماً لي، فإنما امتنع من السجود حسداً لآدم صلوات الله عليه، على ما أوجب عليه تعالى من تكريمه، لا لأن السجود لم يكن لله جل ثناؤه! فإن قيل: إن السؤال قائم وذلك أنه إذا أمر الملائكة له وجه آدم تكريماً له، دل ذلك على أنه كرمه عليهم. قيل: لا، بل كرمه على سائر من علم أ، هـ مخرجه من ظهره وغير أمرهم أن يسجدوا له من وجه أحد منهم، كما أمرهم أن يسجدوا له في وجهه أو كرمه على الجن وسائر ما كان في خلق قبله من أصناف الحيوان، ولم يرد بذلك تكريمه على الساجدين، كما أنه لما أمر المسلمين أن يصلوا له تلقاء الكعبة، كان بذلك مكرماً لها على الجهات الأخر التي لم يأذن في الصلاة إليها، ولم يكن مكرماً لها على المصلين والله أعلم. وحجة أخرى: وهو أنه يحتمل أن يكون الله أمرهم بالسجود لآدم معاقبة على قولهم: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾. كما قال لهم: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. وقد كان علم منهم قبل أن خاطبهم أنهم قائلون هذا، فقال لهم: ﴿إني خالق بشراً من طينس﴾ وجاعله خليفة في الأرض، ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي، فقعوا له ساجدينه﴾. والمعنى ليكون ذلك عقوبة لكم في ذلك عقوبة لكم في ذلك الوقت على ما أنتم قائلون لي الآن، فلا يلزم عن هذا أن يكون أفضل منهم كما لا يلزم عن معاقبة يونس صلوات الله عليه بتسليط الحوت عليه، حتى التقمه الحوت عند هربه من قومه، وامتناعه من تبليغهم رسالة ربه أن يكون الحوت أفضل منه. وقد قال قائل: وقد قال الله ﷿: ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا]﴾. فأخبر أنه فضلهم على كثير ممن خلق- ومن اسم للذي يعقل- فثبت أنهم مفضلون على غيرهم من العقلاء وهم الملائكة!

يبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا]﴾. فأخبر أنه فضلهم على كثير ممن خلق- ومن اسم للذي يعقل- فثبت أنهم مفضلون على غيرهم من العقلاء وهم الملائكة!

فالجواب: لكن العقلاء سوى بني آدم ليسوا الملائكة فقط، لكن الجن مشاركون لهم في العقل، فإذا وجبت لهم الفضلة على الجن وقد وجبت الآية حظها، فلا يجب بعد ذلك تفضيلهم على الملائكة إذ ليس في الآية أنهم مفضلون على كثير منهم، بل في الآية دليل على فضل الملائكة عليهم، لأن العقلاء ثلاثة أصناف: الملائكة والإنس والجن، وقد وجب أن يكون الإنس أفضل من الجن، فثبت الذين ليس الإنس أفضل منهم هم الملائكة والله أعلم. ومما يدل على فضل الملائكة أن الله تعالى جعل دخولهم على بني آدم في الجنة وتسليمهم عليهم من حملة الثواب الذي وعدهم بحسن أعمالهم، فقال: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم بما صبرتم﴾ فلو كانت الملائكة دونهم لم تكن زيارتهم إياهم نعمة يحتاج إلى التوصل إليها إلى ترك الشهوات، وإجهاد النفس في الصالحات، فلما كان ذلك لا يوصل إليه إلا بما ذكرنا، بأن الملائكة أفضل وأرفع قدراً، وإن زيارتهم للذين يزورونهم زائدة في أقدارهم معلية لرتبهم والله أعلم. وقد روى عن ابن عباس ﵁ أنه استدل على فضل البشر بأن الله ﷿ أقسم بحياة رسوله ﷺ فقال: لعمرك، وآمنه من العذاب بقوله: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾. وقال للملائكة: ﴿ومن يقل منم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم﴾. فالجواب: إن الله ﷿ إن كان لم يقسم بحياة الملائكة، فلم يقسم بحياة نفسه، فإنه لم يقل: لعمري، ولا قال بحياتي، فلا يدل ذلك على أن حياة النبي ﷺ أجل قدراً من حياته، وأقسم بالسماء والأرض، ولا يدل ذلك على أنها أرفع قدراً من العرش والكرسي والجنان السبع التي لم يقسم بها واقسم بالتين والزيتون، فلا يدل على أنهما أجل رتبة من النخل التي جعلها الله مثلا لكلمة الإخلاص، وسماها طيبة. وأما قوله ﷿: ﴿ومن يقل منهم إني إله من دونه، فهو نظير قوله للنبي ﷺ، ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من

الخاسرين﴾. فليس منه إذا دلالة، وقد استوفيت الكلام في هذه المسألة فما خرجته من تفسير قول الله ﷿: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾

  • الوقوف عليه- فليرجع إليه إن شاء الله. فصل إن قال قائل: إن ذكرت الرسل جملة وجعلت الإيمان بهم جميعاً شعبة واحدة إذ كان بعض الرسل من الناس وبعضهم من الملائكة، كما قال الله ﷿: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس﴾. قيل له: لأن الله ﷿ جعل الملائكة والرسل في الإيمان بهم صنعتين، فقال: ﴿والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾. فلأن الملائكة ليست من جنس البشر، والرسل من بني آدم جمعهم جنس واحد، فكان للأحسن أن يكون الإيمان بالملائكة شعبة، والإيمان بالرسل من البشر شعبة سواها. وأيضا: فإن الإيمان بالرسل هو الاعتراف لهم بالرسالة من الله تعالى، فأما الاعتراف بوجودهم فمما لا خلاف فيه بين المؤمنون وبين المكذبين بهم، وإنما الخلاف في تصديقهم. فإن الملائكة فإنما يحتاج إلى الاعتراف بوجودهم أولاً، ثم الاعتراف بمنازلهم وأحوالهم وأقدارهم، والاعتراف بوجودهم ليس من إثبات الرسالة في شيء، ولذلك وجب أن يكون الإيمان بالملائكة شعبة سوى الإيمان بالرسل من البشر والله أعلم.

م وأحوالهم وأقدارهم، والاعتراف بوجودهم ليس من إثبات الرسالة في شيء، ولذلك وجب أن يكون الإيمان بالملائكة شعبة سوى الإيمان بالرسل من البشر والله أعلم.

الرابع من شعب الإيمان وهو باب في الإيمان بالقرآن المنزل على نبينا محمد ﷺ وسائر الكتب المنزلة على الأنبياء صلوات الله عليم والإيمان بالقرآن يتشعب شعباً فأولاها: الإيمان بأنه كلام الله تعالى، وإلا تبين من وضع محمد ﷺ، ولا من وضع جبريل ﵇. والثانية: بأن معجز النظم، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يقدرون عليه. والثالثة: اعتقاد أن جميع القرآن الذين يوفى النبي ﷺ عنه، هو هذا الذي في مصاحف المسلمين، لم يفت منه شيء، ولم يصغ بنسيان ناس، ولا ضلال نجيب ولا موت فادي، ولا كتمان كاتم، ولم يحرف منه شيء ولم يزد فيه حرف، ولم ينقص منه حرف. فأما الوجه الأول: فأن الله تعالى يقول: ﴿يا أيا الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله، والكتاب الذي أنزل من قبل﴾. وقوله ﷿: ﴿والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾. وقوله تعالى: ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾. وقال: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوحدوا فيه اختلافاً كبيرا﴾. وقال: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه﴾. وقال تعالى: ﴿لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون، وكفى بالله شهيداً﴾.

اختلافاً كبيرا﴾. وقال: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه﴾. وقال تعالى: ﴿لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون، وكفى بالله شهيداً﴾.

وقال: وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين﴾. وقال: ﴿إنا أنزلناه قرآناً عربيأ لعلكم تعقلون﴾. وآيات القرآن في هذا المعنى كثيرة، فإن عارض معارض بقول الله ﷿ في كتابه: ﴿إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون، ولا بقول كاهن﴾. وفي سورة أخرى: ﴿إنه لقول رسول كريم ذي قوة، عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين﴾ وزعم أن هاتين الآيتين دلالة على أن القرآن كلام جبريل، قيل أنه ليس معنى الآية ما توهمت لأن الله ﷿ قال في آية أخرى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ فأثبت أن القرآن كلامه، ولا يجوز أن يكون كلامه وكلام جبريل معاً، فثبت أن معنى قوله: ﴿إنه لقول رسول كريم﴾ (أي قول تلقاه عن رسول كريم أو نزل عليه رسول كريم). فدل على هذا أن الله ﷻ قال: ﴿لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله﴾. فثبت أن القرآن معجز. فلو كان من وضع جبريل لم يكن معجزاً لأن المعجز ما لا يقدر عليه إلا الله ﷿. فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون قول الله ﷿: ﴿إنه لقول رسول كريم﴾. يجري على ظاهره، ويكون معنى قوله حتى يسمع كلام الله أي الكلام الذي أمر الله ﷿ جبريل بإلقائه إلى نبيه. فأما قوله تعالى: ﴿وهذا كتاب أنزلناه﴾ وسائر ما في مثل معناه، فإن وجهه: أن الله ﷿ إذا أمر جبريل أن ينزل على نبيه كتاباً ثم يحمله إليه، ففعل الكتاب ذلك أن يقال: هذا كتاب ذلك الملك، صدر بأمره أو بعلمه. وأما الإعجاز فقد يجوز أن يوصف به القرآن، وإن كان من قول جبريل لأن الملك يقدر على ما لا تقدر عليه الإنس والجن، ولم يذكر الله ﷿ في التعجيز عن الإتيان بمثل

الإعجاز فقد يجوز أن يوصف به القرآن، وإن كان من قول جبريل لأن الملك يقدر على ما لا تقدر عليه الإنس والجن، ولم يذكر الله ﷿ في التعجيز عن الإتيان بمثل

القرآن إلا الإنس والجن، فما الذي أحال أن يقدر على القرآن، ولا تقدر عليه الإنس ولا الجن. هذا وقد جعل الله هذا، وقد جعل الله تعالى فعلاً من أفعال الملائكة علماً يصدق نبي من الأنبياء، وهو الذي أخبر قومه بأن الله بعث لكم طالوت ملكاً، فلما قالوا: ﴿أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال﴾. قال: ﴿إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة﴾. فجعل الله ﷿ حمل الملائكة ذلك التابوت المأنوس لبني إٍسرائيل من الوصول إليه، إنه لصدق النبي الذي أخبرهم أن الله تعالى ملك عليهم طالوت، فلا ينكر أن يجعل الله إلقاء جبريل بالقرآن إلى نبينا صلوات الله عليه دلالة على صدقه، وإن جبريل هو الذي تولى وضعه ونظمه. فالجواب: إن الله ﷿ لم يقصر التعجيز عن الإتيان بمثل القرآن على الإنس والجن لأن الملائكة تقدر على الإتيان بمثله، ولكن لأن الرسالة كانت إلى الإنس والجن فوقع التحدي للفريقين حتى إذا عجزوا كان عجزهم دلالة على أن النبي ﷺ عاجز مثلهم فيظهر بذلك أنه لم يأت بالقرآن من عند نفسه وإنما أتى به من عند الله. فأما الملائكة فلم يتحدوا عن ذلك، لأن الرسالة إذا لم تكن إليهم لم يكن القرآن حجة عليهم فنبئوا أكانوا قادرين على مثله أو عاجزين، وهم عندنا عاجزون. وليس الإتيان بمثل القرآن من قلب المدائن، والإتيان بالتابوت في شيء، لأن قلب المدينة وحمل التابوت العظيم كالذي يوصف من تابوت بني إسرائيل، لقصور قواهم عنه، فإذا زادت قوة الملك على قوة الآدمي أضعافاً مضاعفة زاد عمله أيضا كذلك. وأما نظم القرآن فإنه ليس من جنس نظم كلام الناس ولكنه مباين لهذا، فلا يهتدي إليها فيحتذي ويمثل، فهو تركيب الجواهر غير الأجسام، لتصير أجساماً، ولا على قلب الأعيان ولا يقدرون عليه من ذلك. والملائكة أيضاً لا يقدرون عليه كذلك.

وما لا يقدر عليه الإنس والجن من الإتيان بمثل القرآن، والملائكة أيضا لايقدرون، وفي ذلك ما أبان نظام القرآن ليس من عند جبريل، لكنه من عند الله اللطيف الخبير، وبالله التوفيق. وقد دخل فيما ذكرته من هذا الوجه الثاني من الأوجه الثلاثة التي تقدم ذكرها في صدر الكتاب. فأما الوجه الثالث فبيانه أنه الله تعالى حفظ القرآن، فقال عند ذكره: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾. وقال: ﴿وإنه كتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلقه تنزيل من حكيم حميد﴾. فمن أجاز أن يتمكن أحد من زيادة شيء في القرآن أو نقصانه منه، أو تحريفه أو تبديله، فقد كذب على الله تعالى فيث خبره، وأجاز وقوع الخف فيه، وذلك كفر. وأيضا فإن ذلك لو كانت ممكناً لم يكن أحد من المسلمين على ثقة من دينه ويقين مما هو متمسك به، لأنه لا يأمن ان يكون فيما كتب من القرآن أوضاع نسخ الصلوات أو بعض شيء منها، أو تغيير أوقاتها أو الزيادة عليها، أو نسخ الزكاة، أو تغيير الأموال بها، والزيادة في مقاديرها، أو النقص منها، أو نسخ الصيام أو الزيادة على شهر رمضان أو تبديله بغيره. أو نسخ الحج أو إيجاب تكريره، أو منع الجهاد، أو تحليل الخمر والميسر وإطلاق المحرم من الفروج، أو تحريم المحلل منها. فكان أحد من الناس لا يقيم عبادة إلا متشككا، ولا يقدر على شيء ولا ينزع عن شيء إلا متشككا. ثم كان لا يؤمن أن يكون وصف نبينها بأنه خاتم النبيين زيادة من نقصان الناس دون أن يكون تنزيلا، فلعله عن قريب يبعت بعده نبي، أو يكون قوله: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا﴾. تحريفا وتبديلا، ويكون المنزل يا بني إسماعيل، وإخباره هذا يدعو إلى تشريع كل خارج من الإسلام أن لا يدخل فيه، وإن الثقة به لا توجد لأهله، وهذا غير الكفر، فصح أن من تمام الإيمان الإعتراف: بأن جميعه هذا، المتوارث خلفاً عن سلف لا زيادة فيه ولا نقصان وبالله التوفيق.

الثقة به لا توجد لأهله، وهذا غير الكفر، فصح أن من تمام الإيمان الإعتراف: بأن جميعه هذا، المتوارث خلفاً عن سلف لا زيادة فيه ولا نقصان وبالله التوفيق.

فأما الإيمان بسائر الكتب مع الإيمان بالقرآن، فهو نظير الإيمان بسائر الرسل مع الإيمان بنبينا ﷺ وعليهم، لأنه قد أخبر عنه الله ﷿: أنه أنزل كتبا على أنبياء كانوا قبله، كما أخبر عنه بأنه كانت لله تعالى قبله رسل وأنبياء فلا يكمل تصديقه فيما يذكر أنه أنزل عليه إلا بتصديقه عليه إلا بتصديقه فيما أنزل على غيره. وهذا هو المعنى الذي ذكرته في وجوب الإيمان بسائر الرسل معه إلا أن الإيمان بما أنزل عليه يقتضي قبوله واتباعه والعمل به على ما يلزمه ويدعو إليه. والإيمان بما أنزل قبله لا يقتضي إلا الاعتراف بأنها كانت من عند الله، وكانت في أوقاتها حقاً وصدقاً واتباعها واجباً للمتبعين المخاطبين بها، كما أن الإيمان به يقتضي الإيمان بقبول ما جاء به واتباعه في عامة ما أمر به، ويدعو إليه. والإيمان بالرسل قبه لا يقتضي إلا بالاعتراف بأنهم كانوا صادقين محقين، وكانت طاعتهم لازمة للذين بعثوا إليهم والله أعلم. وفي الإيمان بالرسل قبله معنى آخر لا لبس فيه: وهو أن عامتهم أتوا بمعجزات وبينات دلت على صدقهم، فمن آمن بالنبي ﷺ بمعجز، ليقولوا نؤمن بالنبي بعد قوة مع إثباتهم بالمعجزات، كان قد أجاز على صحاب المعجزة مع إجازة المعجزة لغير النبي ﷺ ضدان يقتضيان لا ما يلقيان ولا يليقان. فلهذا كان الإيمان بعامة الرسل من تمام الإيمان بنبينا صلوات الله عليه وعليهم وبالله التوفيق. فإن قال قائل: إن الله ﷿ قال: ﴿والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾. بدأ بنفسه وثنى بملائكته وثلت بكتبه وذكر الرسل أخيراً، وأنتم خالفتم هذا الترتيب فجعلتم الشعبة الثانية للإيمان بالرسل، والشعبة الثالثة للإيمان بالملائكة، والرابعة للإيمان بالكتب، فهل لكم من عذر في هذا؟ قيل له: أما التنبيه بالرسل فلان الله ﷿ قال في آية الأمر: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله﴾. وقرن الإيمان برسوله بالإيمان به. وقال: ﴿يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله﴾.

﷿ قال في آية الأمر: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله﴾. وقرن الإيمان برسوله بالإيمان به. وقال: ﴿يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله﴾.

وقال في آية الوعد: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم﴾ فأوجبنا التثنية بالرسل عند تعديد شعب الإيمان، هذا ولان العلى الملائكة، إنما وقع بخبر الرسل، فكانت التثنية بالرسل لذلك أولى من التثنية بالملائكة. ثم ذكر الملائكة بعد الرسل أولى من ذكر الكتب، لأنهم من جملة الرسل وإن كانوا صنفاً غير الرسل الذين من البشر، ولأن الكتب تنزيل الملائكة، فالأحسن إذاً تقديم ذكرهم على ذكر تنزيلهم. فصل ونقول: أن الإيمان بالكتب المنزلة على الأنبياء الذين كانوا قبل نبينا ﷺ وعليهم، وإن كان واجباً فلا يؤخذ بقراءة ما في أيدي اليهود والنصارى منها، لأن الله ﷿ قد خوفهم وزجرهم ونسبهم إلى أنههم يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله، ﴿ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون﴾. وقال: ﴿يحرفون الكلم من بعد مواضعه﴾ وقال: ﴿يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون﴾ وإذا كطان هذا هكذا، لم يقع للمسلم تقديماً بقول اليهود أنه من التوراة، ويقول النصراني أنه من الإنجيل، أو يقولان: أنه من الزبور، إذ كان لا يأتيه أن يكون من وصفهم الذي أخبر الله ﷿ بأنهم ينسبونه إلى الله ﷿، يعلمون من أنفسهم بأنهم كاذبون. وأيضا فإن الكفار لا شهادة لهم أصلا، فكيف يقبل قولهم على الله تعالى ورسله، لكنهم أبعد الناس من ذلك، فأولاهم بالرد والتكذيب. هذا وقد ظهر أكثر ما في أيديهم، لا يجوز أن يكون منزلا من عند الله ﷿ لأن ما يدعونه إليه، إنه التوراة مغازي موسى وقصته بعد فرعون، وما دار بينه وبين بني إسرائيل طول مقامه بين أظهرهم، وصفة وفاته

فلا يخفى على عاقل إن ذلك على وجهه لم ينزل عليه، وأنه بمنزلة الأخبار التي جاءت من السنن ومحاورات النبي ﷺ وأصحابه وسائليه والقادمين عليه من الوفود وغيرهم، وعن جابر أن يلحق شيء من ذلك بالقرآن، أو يدعى باسمه، فلذلك ما كان ذلك لموسى ﵇، لا يجوز أن يلحق بالتوراة أو يدعي باسمها. فأما ما في القرآن من ذكر بعض حروب النبي ﷺ، وليس على معنى الاقتصاص له بتلك الحروب ولأصحابه وإنما هو ذكر أحوال ومقامات اكرمهم الله تعالى فيها بيده ونصره، فقرر عندهم نعمه التي أنعمها عليها، لئلا يغفلوا عنها، ويزداد بصيرة في دينهم لأجلها، ويحمدوه عليها. وذكر أمور وقعت منهم على وجهه لم يرضه الله ﵎، فأنكرها عليهم، لئلا يعودوا لمثلها، وما في التوراة أن يدعو بها ليس على هذا الوجه، وإنما هو اقتصاص مجرد لجميع ما كان من موسى وقومه ظعناً وإقامة، فما ذلك إلا كحديث رسوله ﷺ الذي رواه جابر فاستوفاه، وسائر المغازي، وما جاء في وفاة رسول الله ﷺ. فإذا لم تجز دعوى التنزيل في هذه فتلك مثلها وبالله التوفيق. وأما ما يدعى النصارى أنه الإنجيل، فإن فيه من الكفر الصريح من نحو قولهم: ﴿باسم الأب والإبن والروح القدس﴾، وقولهم: يا ملكوت الرحمخن، مالا شكل على عاقل أن الله ﷿ لا يرضى من عباده باطلا، فضلا عن أن يأمر بانزاله، وعند علماء المسلمين أنه ليس عند النصارى ذلك الإنجيل المنزل على عيسى صلوات الله عليه، وأنه فات ما جرى على بيت المقدس وبني إٍسرائيل أيام بخت نصر. ولكن جماعة من علمائهم وضعوا لها كتباً تجمعهم، وسموه الإنجيل، ليكون ذلك أعظم لاسمه، وعى الناس إلى قبوله، وما كان بهذه المنزلة فالبر في مجانهبته لا في قراءته وبالله العصمة. ولو ثبت أن شيئاً مما في أيدي اليهود والنصارى منزل من عند الله تعالى لكان الأحب

ه، وما كان بهذه المنزلة فالبر في مجانهبته لا في قراءته وبالله العصمة. ولو ثبت أن شيئاً مما في أيدي اليهود والنصارى منزل من عند الله تعالى لكان الأحب

  • واسأل الله التوفيق- أن لا ينسخ ولا يدرس لم روى عن عمر ﵁ أنه جاء رسول الله ﷺ بصحيفة فيها التوراة، فكان يقرأها ورسوله ﷺ بتغير لونه من الغضب، وعمر ﵁ لا ينظر إليه فلا يراه، فلما فرغ قال له: (أمنهو كون فيها أنتم يا ابن الخطاب، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي). فقال عمر: فوددت مما رأيت رسول الله لو كنت أسلمت يومئذ. ففي هذا الخبر أنه لا ينبغي للمسلم أن يدرس التوراة، فلا يجعل لها صحيفة عنده، ومعنى ذلك- والله أعلم- أن النسخ والدرس إنما يراد بهما حفظ الكتاب عن الفناء والضيع، وليس على المسلمين من ضياع تلك الكتب من أيدي اليهود والنصارى ضرورة لأنهم في بقائها في أيديهم نفع، بل ذهابها خير على المسلمين من بقائها، وبقاؤها أضر لهم من ضياعها، لأنها ما دامت عندهم وفي أيديهم، فإنهم يدعون لأجلها أهل الكتاب ويظهرون من أنفسهم الاستغناء بها مما عندنا، وإذا عفت ودرست ولم يبق عندهم منها شيء انقطعت عنا مضاهاتهم إياها، وما تقدرونه من مكافأتنا ومساواتنا، ولعل الضرورة تحملهم على الدخول في ديننا، كما دعت كثيراً من العرب من الفترة في الدخول في دين أهل الكتاب. فأما القرآن، فإنما ينسخ ويعلم ويتعلم ويتلى آناء الليل والنهار لأنها معجزة رسول الله ﷺ وحجته الباقية بعده، وجامع الأحكام الثانية التي لا معقب لها إلى قيام الساعة، فلا غنى عن حفظه وصونه عن الذهاب والضياع، وهذا المعنى غير موجود في تلك الكتب فيما بينه في النسخ والدرس والله أعلم. وأيضا فإن المسلم إذا قرأ التوراة وقف على الأحكام التي كانت يومئذ، ووجد بينها وبين الأحكام المشروعة لنا ذلك التباين العظيم، لم يؤمن أن يكيده الشيطان فيوسوس إليه في بعضها أنه ما يليق به أنه يكون حكماً، لأنه لا يجد له فيما عنده وجهاً. وفي بعضها أن هذا لو كان اليوم حكماً لكان أشبه لما تجده في قلبه قرب وجهه وحسن

في بعضها أنه ما يليق به أنه يكون حكماً، لأنه لا يجد له فيما عنده وجهاً. وفي بعضها أن هذا لو كان اليوم حكماً لكان أشبه لما تجده في قلبه قرب وجهه وحسن

موقعه، وكل واحد من هذين باب يسرع إلى الكفر، فكان ابقاؤه أولى من التعرض له والله أعلم. وأما ما جاء عن النبي ﷺ من استدعاءه التوراة، واستقرابه الرجمخ، فإنما كان لأن الذين أراد رجمها كانا يهوديين، وكان عبد الله بن سلام أخبره، وهو يومئذ مسلم، أن الحكم عندهم في مثلها الرجم، فأراد النبي ﷺ، أن يضرب ذاك عليهم لئلا ينسبوه إلى أنه قبلا إدخالا للنقص على أهل دينهم، لا لأن القتل كان واجباً عليهم وليصحح عليهم أنهم يكتمون الحق وهم يعلمون، وإن كتمانهم أمره الذي يجدونه في كتبهم، مثل كتمانهم الحكم الذي كان عندهم، ولم يكونوا يعترفون به، والله أعلم، وبالله التوفيق.

الخامس من شعب الإيمان وهو باب في أن القدر خيره وشره وحلوه ومره من الله ﷿ القدر- بفتح الدال- هو المقدور. والدقر- بتسكين الدال- هو الفعل. قال الله ﷿: ﴿فقدرنا نعم القادرون﴾. وقال تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾. وهي الليلة التي يفرق فيها كل امر حكيم، وعلمنا أنه أراد بالقدر ذلك الفرق. والقدر والتقدير واحد، والقدر والمقدور واحد. والقدر والقدر كالنقص والنهقص والحبط والحبط، وبإن ذلك أن المراد بالحديث: أن كل مقدور فالله قدره، وإن الخير والشر وإن كانا ضدين فإن قادرهما واحد، وليس قادر الشر غير قادر الخير، وكما يقوله الثنويه. فإن قيل: فإن الله ﷿ خص الخبر بإضافته إلى نفسه، فقال ببدل الخبر: إنك على كل شيء قدير، وعن النبي ﷺ في استفتاح الصلاة: ﴿والخير منك وإليك، والشر ليس إليك﴾. فالجواب: أن معنى تخصيص الخبر بإضافته إلى الله ﷿ للاعتراف له بأن النعم كلها من عنده، لأرفع أن يكون الشر من عنده، كما أن تخصيص السموات والأرضين بإضافتهما إلى خلقه، وإنما هو الإعتراف بأن كل موجود سواه وإن عظم ولم يقدر العباد قدره، فالله خالقه، لأرفع أن يكونه الذر والهباء من خلقه.

Bagian 9 dari 42